Полный текст (657 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
إرسال الرسول ﷺ للسرايا بعد غزوة ذات الرقاع
كانت غزوة ذات الرقاع غزوة بلا قتال، لكنها غيّرت كثيراً في أوساط قبائل غطفان، وعدّلت كثيراً من سلوكهم، وهذا سوف يفسّر لنا أحداثاً كثيرة ستأتي بعد هذا.
لم يكتف الرسول ﵊ بعد غزوة غطفان بهذا الإنذار القوي الموجه لها، لكن أرسل بعد غزوة ذات الرقاع ست سرايا متتالية كلها في العام السابع من الهجرة، أرسل هذه السرايا إلى عدة مناطق مهمة في الجزيرة العربية، وهي: منطقة كديد، ومنطقة تربة، ومنطقة بني مرة، ومنطقة ميفعة، ومنطقة يمن، ومنطقة الغابة، ست مناطق، والقاسم المشترك بين كل هذه المناطق أنها كلها أرض لغطفان.
إذاً: هناك تركيز واضح على قبيلة غطفان في العام السابع الهجري، وواضح أن الرسول ﵊ يسير بخطة محكمة، ليست هناك عشوائية أبداً في الأداء، فالرسول ﵊ بعد صلح الحديبية وتحييد جانب قريش وجه كامل الطاقة لردع بقية الأحزاب، ولصد بقية أعداء الأمة، ولهذا رأينا الحرب ضد اليهود والحرب ضد غطفان، فالأمور في غاية الترتيب، ونجح الرسول ﵊ في هذه الحملات المتكررة في ردع اليهود وغطفان تماماً، وبذلك أصبحت القوة الإسلامية في أواخر العام السابع الهجري هي القوة الأولى في الجزيرة العربية، ومع نجاح هذا الجانب العسكري للدولة الإسلامية إلا أن الرسول ﵊ لم يترك مهمته الأولى كرسول وهي مهمة البلاغ ونشر الدعوة إلى الله في كل مكان في الجزيرة العربية، بل خرج خارج الجزيرة العربية كما ذكرنا، ودعا إلى الإسلام صراحة وبقوة وعزة حتى وصل الإسلام إلى معظم ممالك العالم في ذلك الوقت.
إذاً: كملخص للعام السابع الهجري: نجد أنه كان عاماً جهادياً ودعوياً، بدأ فيه المسلمون في جني ثمرات صلح الحديبية، وصلت في هذا العام دعوة الإسلام إلى كل مكان، وانتصر المسلمون فيه انتصاراً باهراً على اليهود في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء، وانكمشت غطفان وتضاءلت جداً، وعرفت أن قوة المسلمين أعلى بكثير من قوتها، حتى وإن كان عدد المسلمين قليلاً، وزاد عدد المسلمين بشكل ملحوظ بعد قدوم المسلمين من كل مكان، فقد جاء مهاجرو الحبشة وجاء الأشعريون والدوسيون وغيرهم، بل وأسلم الكثير والكثير في العام السابع الهجري، وكان عاماً حافلاً بالدعوة والجهاد، وتوج هذا العام في آخره بتحقيق شيء فرح المسلمون به كثيراً، وهو دخول مكة المكرمة لأداء العمرة؛ لأن من بنود صلح الحديبية أن المسلمين يرجعون دون دخول مكة للعمرة في العام السادس الهجري، على أن يأتي المسلمون بعد عام، أي: في نهاية العام السابع الهجري ليدخلوا مكة معتمرين، ليس معهم إلا سلاح المسافر، ويخرج أهل مكة من مكة تماماً، ويتركون البلد الحرام للمسلمين مدة ثلاثة أيام متواصلة، وبالفعل مرت السنة كما رأينا وجاء شهر ذي القعدة من العام السابع الهجري، وأُعلن في المدينة المنورة عن العمرة العظيمة، وأمر الرسول ﵊ ألا يتخلف عنها أحد شهد الحديبية، وستبدأ تفصيلات هامة لهذه العمرة المباركة، وفي الحقيقة تحتاج منا إلى وقفة مهمة جداً.
стр. 492
عمرة القضاء وآثارها الإيجابية على المسلمين
لقد خرج في هذه العمرة المباركة ألفان من الصحابة ﵃ وأرضاهم من غير النساء والصبيان، يعني: كل من شهد الحديبية خرج إلا من استشهد، وخرج معهم أيضاً آخرون، فالصحابة الذين كانوا في الحديبية هم ألف وأربعمائة، وفي هذا الوقت خرج ألفان، وخرجوا بالسلاح الكامل في موكب مهيب، ومع أن الرسول ﵊ كان متفقاً مع قريش أنه لا يدخل مكة إلا بسلاح المسافر فقط، إلا أنه ﷺ لم يأمن من غدر قريش، فخرج بالسلاح الكامل والعدة الكاملة، بالرماح وبالسهام والدروع وبكل شيء وكأنه مستعد لحرب، لكنه سيترك كل هذه الأشياء خارج مكة ليدخل مكة بسلاح المسافر فقط، وفاء لعهده ﷺ ، فجمع بين الأمرين: الأخذ بالأسباب والحماية لهؤلاء الخارجين إلى مكة المكرمة للعمرة، وفي نفس الوقت يدخل بعهده مع قريش إلى مكة بسلاح المسافر، وأحرم ﷺ من ذي الحليفة (أبيار علي)، وظل يلبي من ذي الحليفة إلى أن وصل إلى مكة المكرمة، عشرة أيام تقريباً من التلبية المتواصلة، ووصل إلى مكة، وهذه اللحظة من أعظم لحظات السيرة النبوية؛ فهي لحظة مهيبة فعلاً، بعد سبع سنوات كاملة من الهجرة، وبعد أن ترك الرسول ﷺ أحب البلاد إليه يعود الحبيب ﷺ إلى بلده مكة.
فالأيام تمر بحلوها ومرها، تمر بسعادتها وأحزانها، الأيام تمر دوماً: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
شتان بين حال المسلمين منذ سبع سنوات وحالهم الآن، خرج رسول الله ﷺ من مكة منذ سبع سنوات مهاجراً يترقب ويستخفي بنفسه ويختبئ هنا تارة وهنا تارة، يخفي آثاره قدر ما يستطيع، واليوم يدخل رسول الله ﷺ مكة معلناً للجميع أنه داخل، وليس هذا الإعلان لأهل مكة فقط، بل لأهل الجزيرة جميعاً، بل لعله للعالم أجمع.
خرج الرسول ﵊ من مكة منذ سبع سنوات هو وصاحبه الصديق وعامر بن فهيرة والدليل المشرك عبد الله بن أريقط، أربعة نفر لا يكاد يراهم أحد، والآن يعود الرسول ﵊ بألفين من الرجال دون النساء والصبيان، في مظاهرة إيمانية عظيمة، وتلبية تقطع صمت الصحراء، تُعلن لكل الخلق أن: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، حقاً لا شريك لك، حقاً إن الحمد كله لله، وحقاً إن الملك كله لله، والدليل أن هذه العمرة التي نتحدث عنها قبل سبع سنوات منها يخرج أهل مكة جميعاً يبحثون عن رسول الله ﷺ في كل بقعة ليقتلوه، والآن خرج أهل مكة جميعاً إلى جبال مكة وإلى أودية مكة يفسحون الطريق لرسول الله ﷺ ، ليدخل مكة معتمراً ملبياً، رافعاً رأسه، محاطاً بكوكبة من المسلمين المسلحين بالسيوف في أعظم تشريفة رأتها مكة في كل تاريخها، اكتفى أهل مكة بالمراقبة له ولأصحابه وهم يؤدون شعائر العمرة على طريقة المسلمين.
стр. 493
مظاهر قوة المسلمين في عمرة القضاء
هذا حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وهذه العمرة تمهيد نفسي رائع لما سيحدث بعد ذلك بعام، عندما يدخل الرسول ﷺ مكة فاتحاً، ولعل قضية فتح مكة تكون غير متوقعة عند كثير من الصحابة؛ لأن مكة أعظم مدن الجزيرة، بل أعظم مدن العالم، وقريش هي أعز قبيلة في العرب، فكون المسلمين سيأتون في جيش لاقتحام مكة، ويغزون قريشاً في عقر دارها هذا أمر بعيد جداً في تصور الكثيرين، لكن بعد هذه العمرة أصبح الوضع مختلفاً، رأى المسلمون أهل مكة يفسحون لهم الطريق دون مقاومة، وليس هذا فقط، بل إنهم يتركونهم ثلاثة أيام متواصلة في داخل مكة، يكتفون فقط بالمراقبة بحسرة، وهم لا يستطيعون فعل أي شيء، لا شك أن المسلمين لاحظوا الانبهار الذي كان عند القرشيين من رؤية قوة المسلمين؛ ولنا مع هذا الانبهار من أهل قريش وقفة؛ لأن الرسول ﵊ كان يعرف أن هناك أناساً كثيرين لا ينبهرون إلا بالقوة، ولا يحترمون غيرهم إلا إذا وجدوه صلباً شديداً عزيزاً، وصدق عثمان بن عفان ﵁ إذ يقول: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
فأهل مكة عند سماع الآيات الجليلة الباهرة للقرآن الكريم لم يرتدعوا، مع تمام علمهم أن القرآن معجز وأنه فوق طاقة البشر، وأنهم لا يستطيعون الإتيان بسورة من مثله ولو اجتمعوا لذلك، لم يرتدعوا بهذا القرآن العظيم، لكن على الناحية الأخرى وقفوا منبهرين تماماً أمام قوة المسلمين وجلد المسلمين، والرسول ﵊ كان يعرف هذا جيداً، وحرص تمام الحرص على إبراز قوة المسلمين قدر المستطاع ﷺ ، ومن ذلك مثلاً: أولاً: جاء ﵊ بالسلاح الكامل من المدينة المنورة، لكنه أبقى السلاح خارج مكة مع سرية من الصحابة، وكانوا مائتي رجل، وكان عليهم محمد بن مسلمة ﵁، وبعد أن انتهى ﷺ ومن معه من العمرة تبادل هؤلاء الحراس مع مجموعة أخرى من المسلمين وأدوا العمرة كغيرهم من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالمسلمون جاءوا من المدينة إلى مكة بالسلاح؛ لأنهم يعرفون أن هناك عيوناً لقريش ترقب الموقف، فلما رأت قريش الرسول ﷺ معه قوة السلاح وقوة جيوش غير معتمرة، أرسلوا إلى الرسول ﵊ بذلك الأمر، وأخبروه أنه قد وعدهم أن يدخل مكة فقط بسلاح المسافر، فأخبرهم ﷺ أنه عند وعده، وأنه سيترك السلاح خارج مكة، ولكنه لا يأمن على نفسه ولا على جيشه من غدر قريش؛ فلذلك أخذ بالأسباب ﷺ ، فأتى بعدة كاملة؛ ليلقي الرهبة في قلوب المشركين.
ثانياً: دخل الرسول ﵊ مكة راكباً ناقته القصواء، والمسلمون حوله يشهرون سيوفهم لحمايته، تصور كون الرسول ﷺ في وسط المسلمين وهم محيطون به كما يحيط السوار بالمعصم؛ حماية له من المشركين أو من غدر قريش.
إذاً: هذا منظر مهيب جداً.
ثالثاً: دخل المسلمون مكة وهم يلبون جميعاً في صوت واحد: لبيك اللهم لبيك، وأنا أريد منك أن تتصور أن ألفين من الرجال الأشداء يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية وهم يدخلون مكة، أول مرة ترى مكة منظراً كهذا.
رابعاً: يتقدم صفوف المسلمين عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه وهو ينشد الشعر، نحن نستغرب ونقول: لماذا هذا الشعر في مثل هذا الموقف؟! لقد كان الشعر عند العرب وسيلة الإعلام الأولى، إذا قيل الشعر وقف الجميع ليستمع، وكان عبد الله بن رواحة يعرف جيداً هذا الموقف، واختار من شعره ما يناسب إظهار القوة، ومما قاله في شعره ما جاء في سنن الترمذي والنسائي عن أنس ﵁ وأرضاه، والحديث حسن صحيح قال: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله إلى آخر الأبيات، والمضمون لهذا الشعر أن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه يفسح الطريق لرسول الله ﷺ ، ويعلنها واضحة صريحة أنه سيضرب كل من سوّلت له نفسه الغدر به ﷺ .
فـ عمر بن الخطاب ﵁ لم يستوعب هذا الذي فعله عبد الله بن رواحة ﵁، فقال له: (وفي حرم الله تقول الشعر؟) لكن الرسول ﷺ كان موافقاً لفعل عبد الله بن رواحة؛ لأنه مدرك لعقلية العرب عامة ولعقلية قريش خاصة، فقال له: (خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل) يعني: هذه الأبيات أسرع في قريش من رمي النبل والسهام، فكان هذا الأمر فعلاً من أقوى الأسلحة التي وجهت لقريش.
خامساً: صلى الرسول ﵊ بالمسلمين الصلوات الخمس في الأيام الثلاثة بصورة جماعية في الحرم، وتصور صلاة ألفين من الرجال غير النساء والصبيان بطريقة واحدة بتكبير وتحميد، وبقيادة منظمة ل
стр. 494
قصة إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة
لقد حدث شيء مهم في شهر صفر سنة ثمان، يحتاج إلى وقفة كبيرة ومهمة، وهو من أعظم ثمار صلح الحديبية وعمرة القضاء، وهذا الحدث يعتبر نقطة تحول ليست في تاريخ مكة المكرمة ولا في تاريخ الجزيرة العربية ولا في تاريخ العالم في ذلك الوقت، ولكن في تاريخ الإنسانية وإلى يوم القيامة، فأنت عندما تتدبر في هذا الحدث وآثار هذا الحدث على الأرض بصفة عامة في عمق الزمان والمكان تجد له آثاراً لا تنتهي، هذا الحدث العظيم هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﵃ أجمعين، ثلاثة من عمالقة مكة، بل من عمالقة الأرض بصفة عامة، هؤلاء الثلاثة لم يسلموا فقط في شهر صفر سنة ثمان، بل أسلموا في يوم واحد من شهر صفر سنة ثمان، فهذا نصر كبير جداً للإسلام والمسلمين، فقد عبّر ﷺ عن إسلامهم بقوله: (إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها) وفي رواية: (أفلاذ أكبادها) يعني: خلاصة ما في مكة هم هؤلاء الثلاثة ﵃ وأرضاهم.
انظر إلى الآثار التي حدثت في الأرض على يد خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وعلى يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، من الآثار أنها فُتحت العراق، وفُتحت فارس، وفُتحت بلاد ما وراء النهر، وفُتحت أرمينية، وفُتحت بلاد كثيرة جداً في آسيا، وفُتحت الشام، كل ذلك على يد البطل خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وكذلك فُتحت فلسطين وفُتحت مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فكم من المسلمين الذين في هذه البلاد؟ وكم من الأعمال الصالحة؟ وكم من الجهاد في سبيل الله؟ وكم من الدعوة إلى الله ؟ وكم من العلم؟ وكم الإضافات الإنسانية؟ كل هؤلاء دخلوا بجهاد هذين البطلين العظيمين: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ﵄، فهو إنجاز هائل للمسلمين في العام الثامن من الهجرة، فإضافة هذين الاثنين في الدولة الإسلامية من أقوى الإضافات في تاريخ الإسلام، وأعطى الرسول ﵊ هذين الرجلين أهمية خاصة جداً في أحاديثه وفي معاملاته ﷺ ، حتى إنه أعطى خالد بن الوليد ﵁ لقباً ما أعطاه لأحد قبله ولا بعده، وسماه سيف الله المسلول، وقال عن عمرو بن العاص كلمات ما قالها لأحد غيره ﵁، قال عنه: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) والحديث صحيح كما رواه الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله عن عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه، وحسّن هذا الحديث الألباني ﵀.
فقوله: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) كلمة كبيرة جداً في حق هذا البطل العظيم، ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي عن طلحة ﵁ وصححه الألباني، يقول: (عمرو بن العاص من صالحي قريش) وهذا الكلام فيه أبلغ الرد على كل من يطعن في هذين الصحابيين الجليلين العظيمين اللذين فتحا بلاداً شتى، لا أقول: دخل مئات الآلاف في الإسلام على يديهما فقط، وإنما دخل الملايين من البشر في زمانهم وإلى الآن، فكل المسلمين في فلسطين وفي العراق ومصر والشام، كل هؤلاء يدينون بالفضل لهذين البطلين.
هذا أمر خارج عن التصور، ويعتبر من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي، لا بد أن ندرس إسلام هذين البطلين، لا بد أن نفهم لماذا أسلما بعد سنوات طويلة جداً من الصد والبُعد عن دين الله ؟ فإسلام هذين البطلين وغيرهما يحتاج منا إلى وقفة وتحليل، فالذي دفع هؤلاء إلى الإسلام هو الانبهار بقوة الإسلام، والانبهار بعظمة الرسول ﷺ كقائد، فهؤلاء جميعاً من القادة العسكريين، ومن الفرسان المشهورين في بلاد العرب، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام قائد بارع عظيم من القواد لم يروا مثله قبل ذلك، حتى في موقعة أحد فشل سيدنا خالد في إحباط الخطة التي وضعها الرسول ﷺ إلا بعد أن خالف الرماة أمر الرسول ﷺ ، فقد كانت الخطة في تمام الإحكام، وكان سيدنا خالد يدرس هذا الكلام جيداً، ويعرف أنه لا يستطيع الغلبة على الرسول ﵊، ولولا مخالفة الرماة لما استطاع أن يأتي المسلمين من خلفهم، ولهرب مع من يهرب، فـ خالد قد فشل أكثر من مرة أمام الرسول ﷺ ، مما جعله ينبهر تمام الانبهار بقوة وبأس وتخطيط الرسول ﷺ ، وفوق ذلك ينبهر بأخلاق الرسول ﵊ كداعية وكإنسان يعيش وسط الناس بمبادئ وقيم معينة لا يخالفها، وعادة العسكريين أنهم يدوسون على كل القيم والأخلاق، ويحققون الأهداف بغض ا
стр. 495
كيفية إسلام خالد بن الوليد
لقد وقف خالد بن الوليد ﵁ في جمع من المشركين بعد خروج الرسول ﵊ من مكة المكرمة في عمرة القضاء، في أواخر العام السابع من الهجرة، وقف وقال للجميع كلاماً عجيباً غريباً يُستغرب جداً من مثله في هذا الموقف، قال لهم: لقد استبان لكل ذي عقل أن محمداً ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، وقف هذا الموقف مع أنه كان قد سمع كثيراً من القرآن الكريم وكثيراً من أحاديث الرسول ﵊ قبل ذلك، لكن الآن جوبه بقوة وعزّة الإسلام فانبهر ﵁ فقام هذا المقام وقال هذه الكلمات وهو من هو، وهو من أعظم زعماء مكة مطلقاً، وكان قائد الفرسان في معارك قريش، ولعل هذا هو الذي أخّر إسلامه إلى هذا الوقت، فعندما أسلم كان عمره سبعاً وأربعين سنة، ففي هذه الفترة كان قائداً في قريش، فكان يخشى على مكانته إذا انضم إلى الإسلام، وكانت له مكانة مرموقة جداً في الجيش المكي، وله مكانة مرموقة في وسط العرب، فخاف على هذه المكانة أن تضيع، وبالإضافة إلى أن أباه الوليد بن المغيرة كان من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، لكن خالد بن الوليد في هذا الوقت تغير وانبهر بقوة الإسلام، وانبهر بالرسول ﵊ أكثر وأكثر، وهذا الذي جعله يقول هذه الكلمات التي تعبر عن رغبته في دخول الإسلام، ثم علّق على هذه الكلمات وقال: فحق لكل ذي لب أن يتبعه.
ولما علم أبو سفيان ما قال خالد بن الوليد ناداه حتى يتأكد من أنه قال هذا الكلام أم لم يقله، فأكد له خالد صحة ما قال وكرر نفس الكلمات أمام أبي سفيان، فاندفع أبو سفيان إلى خالد بن الوليد يريد أن يضربه، فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل، وكان عكرمة في ذلك الوقت لا يزال مشركاً، وكان من أكثر الرجال قرباً إلى قلب خالد بن الوليد، وكانت بينهما صداقة قديمة جداً، فحجز عكرمة بين أبي سفيان وبين خالد وقال كلمات عجيبة هو الآخر لـ أبي سفيان قال: مهلاً يا أبا سفيان، فوالله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه.
يعني: كما أنك تخاف من أن كلام خالد يؤثر في الناس، فأنا أيضاً قد خفت من هذا الكلام، بل إنني خفت أن أكون على دين محمد بعد هذا الذي رأيت في عمرة القضاء، ثم قال له: أنتم تقتلون خالداً على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه؟ والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم.
أي: ليس خالد وحده منبهراً بمحمد وأصحابه، وهذا كلام صريح جداً، لكن كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، الجميع يعلم أن هذا الدين حق، وأن هذا الرسول حق؛ فلذلك كسر بعضهم كبرياءه واتبع الرسول ﵊، وبعضهم ظل في كبريائه وفي غيه إلى أن مات على ذلك، والحمد لله أن كل هؤلاء الذين دخلوا في الحوار أسلموا بعد هذا، لكن تأخر إسلام بعضهم عن بعض.
إذاً: هذا كان موقف خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، ولا ننسى أن خالد بن الوليد في يوم الحديبية قال كلمة عظيمة في حق المسلمين، قال: إن القوم ممنوعون، وذلك عندما نزلت صلاة الخوف كما ذكرنا ذلك في درس الحديبية، فـ خالد بن الوليد يعلم أن القوم ممنوعون من الله ، وأن الله يحيطهم برعاية وعناية خاصة جداً، وهذا كله كان له أثر كبير جداً في قلب خالد بن الوليد.
لكن هناك شيء آخر أيضاً أثر في خالد كثيراً، وهو أن خالد بن الوليد عندما رأى جيش المسلمين داخل مكة المكرمة للعمرة في العام السابع من الهجرة، لم يستطع أن يحتمل هذا المنظر في بدايته، وخرج من مكة وتركها، وكان له أخ اسمه الوليد بن الوليد ﵁ وهو من الصحابة الذين دخلوا مع النبي ﷺ إلى مكة للعمرة، فعندما دخل بحث عن أخيه خالد بن الوليد ليخبره عن أمر الإسلام فلم يجده، فكتب له كتاباً قال له فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ ثم كتب كلاماً عجيباً بعد ذلك، قال: وقد سألني رسول الله ﷺ عنك فهذه الكلمات كانت من أبلغ الكلمات أثراً في إسلام خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
قال له أخوه الوليد بن الوليد: (وقد سألني رسول الله ﷺ عنك قال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به، فقال: ما مثله جهل الإسلام؟).
أي: كيف لـ خالد
стр. 496
كيفية إسلام عمرو بن العاص
لقد ظل عمرو بن العاص فترة طويلة جداً من حياته يرفض فكرة الإسلام، فـ عمرو بن العاص عندما أسلم كان عمره سبعاً وخمسين سنة، بقي فترة طويلة جداً من حياته يحارب الإسلام والمسلمين، فقد ظل أكثر من عشرين سنة من عمره وهو يرفض فكرة الإسلام، فما الذي غيّر فكر عمرو بن العاص؟ كانت عند عمرو بن العاص موانع كثيرة جداً، فقد كان له قيمة كبيرة في قريش كـ خالد بن الوليد، وكان أبوه العاص بن وائل من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، فقد تربى في بيت يكره الإسلام والمسلمين، فهذا الذي جعله يتأخر هذه الفترة الطويلة من الزمن، وانظر إلى بداية التغير في فكر عمرو بن العاص، يقول: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون -والله- أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً عظيماً، فبدأ عمرو بن العاص وهو من دهاة العرب، فكان يرقب بعينه أن الأيام القادمة للمسلمين وعلى قريش، فقال: وإني قد رأيت أمراً فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي، وقد كان النجاشي صديقاً حميماً لـ عمرو بن العاص، فيقول: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي.
فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد.
انظروا إلى أي مدى بلغت الكراهية في قلبه لرسول الله ﷺ ، أي: لأن يحكمهم النجاشي خير من أن يحكمهم محمد ﷺ ، مع أن محمداً ﷺ قرشي، ومن نفس القبيلة التي منها عمرو بن العاص، وقد كان عمرو بن العاص سهمياً قرشياً، وكان الرسول ﵊ هاشمياً قرشياً، لكن عمرو بن العاص يقبل بحكم النجاشي ولا يقبل بحكم بمحمد ﷺ ! ثم يقول: وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا كل خير، أي: أنه لو انتصرت قريش على المسلمين فسيعود بعد ذلك عمرو بن العاص وله من المكانة المحفوظة ما له في قريش.
وهذا موقف سلبي؛ لأنه يترك الحرب تثور بين قريش وبين المسلمين، فإن انتصرت قريش عاد إليها وإن لم تنتصر بقي هناك عند النجاشي، هذا موقف سلبي من عمرو بن العاص في ذلك الوقت، وسبحان الذي أعزه بعد ذلك بالإسلام.
المهم أن أصحابه وافقوه على هذا الرأي، وقالوا: إن هذا هو الرأي، قال: ثم قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان من أكثر ما يحبه النجاشي هو الجلود، ولذلك جمعوا له كمية كبيرة من الجلود وأخذوها وسافروا إلى النجاشي، وكما يقول عمرو بن العاص: فوالله إنا لعنده إذا جاءه عمرو بن أمية ﵁ الصحابي الجليل أرسله الرسول ﵊ إلى النجاشي ليأتي بـ جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد صلح الحديبية، فعندما رأى عمرو بن العاص عمرو بن أمية عند النجاشي فكّر في شيء، وهو أن يطلب قتل عمرو بن أمية، فإن قتله أصبحت له يد كبيرة عند قريش، فدخل عمرو بن العاص على النجاشي فقال له: أيها الملك! إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، لكن رد فعل النجاشي كان خارج تصورات عمرو بن العاص تماماً، لقد غضب النجاشي غضباً شديداً، حتى قال عمرو بن العاص: لو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه، ثم قلت له: أيها الملك! والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك، وكان النجاشي قد أسلم وأخفى إسلامه، لكن وجد فرصة لأن يدعو عمرو بن العاص، فهو يخاف أن يدعو بدعوته في داخل الحبشة حتى لا يخلعه قومه من كرسيه، لكن عمرو بن العاص صاحبه وبينهما علاقة قديمة جداً، فأراد أن يصل إليه بالخير الذي وصل إليه قبل ذلك، النجاشي، فقال النجاشي: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله؟ ثم قال عمرو بن العاص: قلت: أيها الملك! أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، وفجأة ألقى الله في قلب عمرو بن العاص الإسلام.
وهذه تراكمات كثيرة، فهو منبهر كما ذكرنا قبل ذلك برسول الله ﷺ ، منبهر بكامل حياة الرسول ﵊، لكن تنازعه نفسه ألا يؤمن؛ بسبب العادات والتقاليد، ومعاداة أبيه للرسول ﵊، فهذه أمور كثيرة جداً كانت مانعة له عن الإسراع إلى الإسلام، لكن فجأة اكتشف الحق أمام عينيه، فقال للنجاشي: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال النجاشي: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، أي: أن إسلام عمرو ب
стр. 497
كيفية إسلام عثمان بن طلحة
بعد أن تحدثنا عن عمرو بن العاص وعن خالد بن الوليد سنتحدث عن عثمان بن طلحة، فـ عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه من بني عبد الدار حامل مفتاح الكعبة، وإسلام عثمان بن طلحة يعتبر إضافة سياسية في منتهى القوة للدولة الإسلامية؛ فهؤلاء هم عمالقة مكة بالفعل، وعظماء مكة: خالد بن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن العاص بن وائل، وعثمان بن طلحة العبدري ﵃ أجمعين، هؤلاء الثلاثة من أعظم الفرسان في تاريخ مكة جميعاً، فكان هذا هو الحدث الهائل الذي حدث في صفر سنة ثمان، وهو من أعظم آثار الحديبية وعمرة القضاء مطلقاً، وآثار هذا الحدث ما زلنا نجنيها إلى هذه اللحظة، وسنظل نجني في هذه الآثار إلى يوم القيامة، فهذا الحدث هائل لن تدركوا عظمته إلا بدراسة الفتوح الإسلامية، ورؤية الآثار العظيمة التي تركها هؤلاء العمالقة ﵃ وأرضاهم للإسلام والمسلمين.
في الدرس القادم -إن شاء الله- سوف نتعرف على بداية إسلام هؤلاء العمالقة الثلاثة، وما هو دورهم الفعّال المباشر في خط سير الدولة الإسلامية؟ وما هي أعظم المهمات التي قام بها كل من هؤلاء الثلاثة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ الدولة الإسلامية؟ نسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 498
سلسلة السيرة النبوية_ نصر مؤتة
بعد التأمل الدقيق لما حصل في معركة مؤتة يجد المؤمن مدى معية الله لعباده المؤمنين، ففي هذه المعركة غير المتكافئة يواجه ثلاثة آلاف من المسلمين مائتي ألف من الرومان ومن نصارى العرب، ومع ذلك يكون النصر حليف المسلمين، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن الله ناصر دينه وعباده الصالحين، وأن النصر لا يخضع للقوة المادية، فعلى المجاهدين أن يبذلوا جهدهم ويصدقوا مع ربهم وسيكون النصر حليفهم.
стр. 499
إرهاصات غزوة مؤتة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
وضح لنا في الدرس السابق أن الدولة الإسلامية في العام السابع من الهجرة كانت تسير من ارتفاع إلى ارتفاع، ومن مجد إلى مجد، فمن فتح خيبر إلى انتصارات متتالية على غطفان، إلى عمرة القضاء بكل أبعادها السياسية والدعوية، إلى إسلام أبطال مكة الثلاثة: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة ﵃ أجمعين.
هكذا كانت الدولة الإسلامية، وكان الوضع يسير في تقدم ملموس واضح لكل الناس، لكن هذا النمو المتزايد لفت أنظار الكثيرين ممن لم تكن لهم علاقة مباشرة بالدولة الإسلامية، فأحسوا بخطر قيام هذه الدولة الفتية في المدينة المنورة، ومن ثم بدءوا في التحرش بالدولة الإسلامية، وتفاقم الأمر حتى وصل إلى إراقة دماء مسلمة.
هذه المشاكل في مجموعها كانت تأتي من شمال الجزيرة العربية، وشمال الجزيرة العربية كان موطناً لعدة قبائل كبرى من قبائل العرب، ومن أشهر هذه القبائل: لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلى، وغسان، وقضاعة، وغيرها من القبائل، وكان الكثير من هذه القبائل يدين بالنصرانية، ويوالي الدولة الرومانية القريبة من هذه الأماكن، فالدولة الرومانية كانت تحتل بلاد الشام، ولها هيمنة على هذه المنطقة بكاملها، وزعماء هذه القبائل على عظمها كانوا عبارة عن مجرد عمال لـ هرقل على بلادهم، كعادة الدولة الصغرى في التعامل مع الدولة العالمية العملاقة.
ولما بدأت الدولة الإسلامية في الظهور، وبخاصة بعد غزوة الأحزاب، بدأت هذه المنطقة الشمالية في التحرش بالدولة الإسلامية.
عندما نقوم بمراجعة سريعة لتاريخ هذه المنطقة، نجد أن الأمور تتصاعد وتنذر بصدام كبير بين قبائل المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية وبين الرسول ﵊ في خلال السنتين السابقتين سنة ست وسبع من الهجرة، وقد ذكرنا أنه في شهر جمادى الآخرة سنة ست اعترضت قبيلة جذام دحية الكلبي ﵁ وأرضاه، وأنهم سلبوه كل ما كان معه من هدايا موجهة لرسول الله ﷺ ، وكان هذا سبباً في إرسال سرية زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه إلى منطقة حسمى، وتكلمنا عليها من قبل، وكانت سرية ضخمة عددها خمسمائة رجل، وهذه السرية هزت هذه المناطق وحققت نجاحاً كبيراً للمسلمين.
وأيضاً مر بنا رد هرقل لفكرة الإسلام مع إيمانه الجازم بصدق الرسول ﷺ ، إلا أنه ضن بملكه وآثر أن يكون ملكاً على أن يكون مؤمناً.
وأيضاً مر بنا موقف الحارث بن أبي شمر زعيم دمشق، وعزم هذا الرجل على تجهيز الجيوش لغزو المدينة لولا أن هرقل منعه كما ذكرنا.
كانت هناك حوادث كثيرة تنبئ عن قرب الصدام بين المسلمين وبين هذه المنطقة الشمالية.
أيضاً كانت هناك أحداث جديدة، فقد قامت قبيلة قضاعة في ربيع الأول سنة ثمان باغتيال مجموعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم وعددهم خمسة عشر رجلاً، وكان على رأسهم كعب بن عمير الأنصاري أو عمرو بن كعب الغفاري ﵃ أجمعين.
اعترضت قبيلة قضاعة طريقهم وقامت بقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً فقط، وهذه السرية التي خرجت للدعوة إلى الله تعرف بسرية ذات أطلاح، وقد ذكرنا أن قبيلة قضاعة لم يكن لها علاقة سابقة بالمسلمين فاعتدت على مجموعة من رعايا الدولة الإسلامية.
ثم تفاقم الأمر جداً عندما أرسل الرسول ﵊ رسالة إلى عظيم بصرى بالأردن يدعوه فيها إلى الإسلام، وحامل الرسالة كان الحارث بن عمير ﵁، وهو في الطريق اعترض طريقه شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو عامل هرقل على منطقة البلقاء أيضاً في الأردن، وقيد الحارث بن عمير ثم ضرب عنقه.
وقتل الرسل جريمة شنيعة؛ لأن الأعراف كانت تقضي بعدم قتل الرسل، وكان هذا تجاوزاً خطيراً جداً من هذه القبائل، وكما ذكرنا أن معظم هذه القبائل كان يدين بالنصرانية ويتبع الدولة الرومانية.
بعد هذا الحدث زاد الأمر سوءاً، وبدأت الدولة الرومانية ونصارى الشام يتعقبون كل من أسلم ويقتلونه، حتى وصل الأمر إلى قتل والي معان في الأردن؛ لأنه كان قد أسلم، فقتلوه لإسلامه.
إزاء هذه الأوضاع المتردية كان لا بد للدولة الإسلامية من وقفة جادة للدفاع عن هيبة الدولة الإسلامية والثأر لكرامتها.
وقفة لتأمين حركة الدعاة المسلمين لهذه المناطق الشمالية من الجزيرة.
ووقفة لتأمين خط سير التجار المسل
стр. 500
الإجراءات التي اتخذها الرسول ﷺ بين يدي غزوة مؤتة
قام الرسول ﷺ بعدة خطوات مهمة لمواجهة قبائل الشمال المتحالفة مع الرومان: أولاً: كون أكبر جيش إسلامي خرج من المدينة حتى تلك اللحظة، وعدد هذا الجيش ثلاثة آلاف مقاتل، فهو أكبر رقم يحارب في التاريخ الإسلامي إلى تلك اللحظة.
ثانياً: ولى على الجيش زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وزيد بن حارثة كان قد قضى فترة تدريبية هامة جداً في السنة السادسة من الهجرة، فقد قاد خمس سرايا متتالية، وكان زيد بن حارثة قد جاء إلى هذه المنطقة قبل ذلك، جاء إلى شمال الجزيرة العربية في سرية حسمى سنة ست، وكانت من السرايا الضخمة الكبيرة، فهو أعلم بهذه المنطقة من غيره من الصحابة.
ثالثاً: لم يجعل الرسول ﷺ لهذه الغزوة أميراً واحداً، بل عين ثلاثة من الأمراء، إن قتل واحد تولى الآخر، فقال: (إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، وإن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة)، وواضح من هذه التولية المتتالية للأمراء أن الرسول ﵊ كان يتوقع حرباً ضروساً في هذه المنطقة، حرباً يقتل فيها الأمراء الثلاثة، وهي المرة الأولى والأخيرة في حياته ﷺ التي يولي فيها ثلاثة من الأمراء على جيش واحد، ولعل ذلك كان بوحي من الله .
رابعاً: أخرج الرسول ﷺ مع الجيش البطل الإسلامي الفذ خالد بن الوليد ﵁، ولم يكن مر على إسلام خالد إلا ثلاثة أشهر فقط، ولعل حداثة إسلام خالد بن الوليد ﵁ هي التي منعت الرسول ﵊ من تولية خالد على ذلك الجيش؛ لأنه لا يعرف جنود المسلمين ولا يعرف طاقاتهم، كما أنه لم يختبر بعد مع الصف المؤمن، فهذه أول مهمة يختبر فيها خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه بعد أن أسلم.
ومهمة قيادة ثلاثة آلاف مسلم مهمة كبيرة، تحتاج إلى رجل له تاريخ مأمون مع المسلمين، وعمر خالد في الإسلام ثلاثة أشهر فقط، وعمره في الجاهلية أكثر من عشرين سنة، فلا بد من اختبار.
تجهز الجيش الإسلامي بهذه الصورة القوية، ومع أن المهمة صعبة والطريق طويلة جداً، أكثر من ألف كيلو من المدينة المنورة، والطريق في صحراء قاحلة، والخروج كان في حر شديد؛ لأن خروج المسلمين كان في جمادى الأولى سنة ثمان وهذا يوافق أغسطس سنة (٦٢٩) م، يعني: في شدة الحر.
مع كل هذه المصاعب إلا أن معنويات الجيش الإسلامي كانت مرتفعة جداً، وخاصة أن الرسول ﵊ خرج بنفسه لتوديع الجيش، واستمر يمشي معهم حتى بلغ ثنية الوداع.
стр. 501
مهمة الجيش الإسلامي الخارج إلى مؤتة
حرص الرسول ﵊ أن تكون مهمة هذا الجيش واضحة تمام الوضوح، فالمسافات بين المدينة وبين الأردن كبيرة جداً، ولم تكن هناك فرصة للاستشارة أو أخذ الرأي، من أجل هذا حدد الرسول ﷺ مهمة الجيش في أمرين: الأمر الأول: دعوة هذه القبائل إلى الإسلام كما ذكرنا أكثر من مرة، إسلامهم أحب إلينا من أموالهم، أحب إلينا من غنائمهم، فكان دائماً يقدم الدعوة ﷺ .
الأمر الثاني: قتال شرحبيل بن عمرو الغساني ومن عاونه؛ لأنهم قتلوا رسول رسول الله ﷺ الحارث بن عمير ﵁، ومع أن القتال كان لرد الهيبة والاعتبار، وانتقاماً لكرامة الدولة الإسلامية، وثأراً للحارث بن عمير ﵁، وتأديباً لـ شرحبيل بن عمرو وقومه، مع كل هذا إلا أن الرسول ﵊ حرص على ألا تخرج الحرب الإسلامية عن ضوابطها الشرعية، وحرص أن يلتزم المسلمون تماماً بأخلاقهم حتى في أشد حروبهم.
هذه صورة رائعة حضارية من أرقى الصور في التاريخ، قال لهم ﷺ عند خروجهم من المدينة كما روى أبو داود عن أنس ﵁، قال لهم: (انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
وفي رواية مسلم زاد: (ولا تمثلوا) أي: بالجثث بعد القتل.
هذه هي الحرب في الإسلام، صورة راقية جداً تحتاج إلى تفصيل، لكن لا يتسع المجال لهذا الآن، لكن كل هذه النصائح وجهت لجيش خرج للانتقام لكرامة الأمة الإسلامية.
المهم في هذا المقام أن نذكر: أن هذا الجيش الإسلامي لم يكن خارجاً لحرب الدولة الرومانية؛ لأن إسلام الدولة الرومانية كان متوقعاً، أو على الأقل أن تبقى على الحياد؛ وذلك للاستقبال الطيب والحسن الذي قابل به هرقل دحية الكلبي ﵁، وللقناعة التي أظهرها هرقل برسول الله ﷺ ، فكان من المتوقع أن تتغير قلوبهم للإسلام، وخاصة أنهم أهل كتاب، ومن النصارى، فالرسول ﷺ بعث هذا الجيش لحرب شرحبيل بن عمرو الغساني الذي قتل رسول رسول الله ﷺ ، والجيش الإسلامي الذي خرج باتجاه شمال الجزيرة العربية يعتبر من الجيوش الكبيرة في عرف ذلك الزمن، وخاصة أن القبائل العربية لم يكن من عادتها أن تتوحد في حروبها، وليس من المتوقع أن يلقى هذا الجيش الإسلامي جيوشاً أكبر منه بكثير، وهذه الخلفية لا بد أن نضعها في أذهاننا قبل أن نحلل موقعة مؤتة، حتى نعلم أن هذا الجيش لم يلق به إلى التهلكة أبداً، إنما كان بحسابات ذلك العصر من الجيوش القوية الضخمة.
وأيضاً من الخلفيات المهمة جداً لهذا الجيش: أنه كان جيشاً أخروياً بمعنى الكلمة، يعني: أن هذا الجيش بكامله كان من المؤمنين الصادقين الراغبين حقيقة في الموت في سبيل الله، المشتاقين حقيقة للشهادة في سبيل الله، الطامعين في الجنة، الخائفين من النار، كان جيشاً رائعاً بمعنى الكلمة.
عبر عن ذلك أحد أفراد هذا الجيش عبد الله بن رواحة ﵁، لما خرج الجيش من المدينة المنورة بكى هذا القائد الجليل ﵁ بكاءً شديداً، فظن الناس أنه خائف من الموت، فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار.
يعني: أنا لست خائفاً من الموت، ولا خائفاً من البعد عنكم، لكن أنا خائف أن يكون مصيري النار، يقول: ولكني سمعت سمع الرسول ﵊ يقرأ قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، يقول عبد الله بن رواحة: فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود.
هذا يعبر عن مدى خشية وتقوى عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، مع جهاده وبذله بداية من بيعة العقبة الثانية، فقد كان من الخزرج في بيعة العقبة الثانية، ومروراً بكل المشاهد مع الرسول ﵊، فكان من أهل بدر، ومن الثابتين في أحد، ومن أهل الأحزاب، ومن أهل بيعة الرضوان، وهو من الذين عاشوا حياتهم يجاهدون بالسنان واللسان، فسيفه مرفوع في كل المعارك، ولسانه ينزل بالقوارع الشعرية على رءوس أعداء الإسلام، ورأينا قبل هذا أنه كان يقول الشعر بين يدي الرسول ﵊ في عمرة القضاء في داخل الحرم، فتاريخه طويل جداً، وتاريخه مجيد فعلاً، ومع ذلك يخشى أن يسقط في النار إذا مر على الصراط.
فسماعه لهذه الآية العظيمة دفعه إلى أن يقول هذه الكلمة الإيمانية العظيمة: لست أدري كيف لي بالصدور
стр. 502
كثرة عدد الجيش الروماني ومن معه وموقف الجيش الإسلامي من ذلك
وصل الجيش الإسلامي الكبير إلى منطقة معان بالأردن في رحلة طويلة شاقة، ووصل هناك في جمادى الأولى سنة ثمان، وعند وصول الجيش الإسلامي وجد هناك في انتظاره مفاجأة غير متوقعة، وجد أن الدولة الرومانية قد ألقت بثقلها في هذا الصراع، فقد أعدت جيشاً هائلاً عدده مائة ألف مقاتل، وأعد العرب النصارى الموالين للرومان مائة ألف مقاتل أيضاً، فصار مجموع جيوش العدو مائتي ألف مقاتل، هذا رقم مهول لا يتصور، وخاصة أن الجيش الإسلامي ثلاثة آلاف مقاتل فقط، فماذا سيفعل أمام كل هذه الجيوش الجرارة؟ وتجمع الرومان بهذه الأعداد الهائلة أمر عجيب حقاً، ليس العجيب في أن الرومان كثرة، نحن تعودنا على هذه الأرقام في حروب الرومان، لكن العجب أن يجمع الرومان هذا العدد المهول لحرب ثلاثة آلاف مقاتل فقط.
ومن الممكن أنهم لم يدركوا عدد المسلمين فأعدوا عدداً يكافئ أي إعداد للمسلمين.
أو أنهم أدركوا فعلاً عدد المسلمين وأرادوا استئصال المسلمين تماماً؛ حتى لا تقوم لهم قائمة، لا مجرد هزيمة، بل استئصال.
أو لكون هرقل يدرك أنه يحارب نبياً فأراد أن يعد قوة خارقة لعله يهزم هذا الجيش المؤمن.
المهم أن الدولة الرومانية جهزت مائة ألف واستعانت بمائة ألف من العرب النصارى؛ لتحارب ثلاثة آلاف مقاتل مسلم، وإذا كان هذا التجمع غريباً من الرومان فهو كذلك أيضاً غريب من العرب؛ لأن العرب لم يكن من عادتهم التجمع والاتحاد، بل كان يحارب بعضهم بعضاً، لم تجمعهم قضية مطلقة من قبل ومع ذلك جمعوا مائة ألف في موقعة واحدة.
هذا الموقف له تفسير واحد، وهذا التفسير هو إشارة هرقل لهم بالنهوض معهم؛ لأن الكثير من القبائل والدول العربية لا تتحرك عند داعي القتال إلا إذا أخذت إذناً من القائد الأعظم للدولة الأولى في العالم، عندها يهب الجميع لتنفيذ الأمر كأنهم إلى نصب يوفضون.
لقد تجمع في أرض معان مائتا ألف مقاتل غالبهم من النصارى سواء من الرومان أو من العرب ينتظرون قدوم الجيش الإسلامي من المدينة المنورة، وإزاء هذا الوضع الخطير عقد المسلمون مجلساً استشارياً، مثل عادتهم دائماً، وبدءوا في تبادل الرأي، وخرجوا بثلاثة آراء: الرأي الأول: أن يرسل المسلمون رسالة إلى الرسول ﵊ في المدينة المنورة يخبرونه بأن الأعداد ضخمة وهائلة، إما أن يمدهم بمدد، وإما أن يأمرهم بقتال، أو يأمرهم بانسحاب، لكن هذا الرأي لم يكن واقعياً؛ لأن المسافة بين معان وبين المدينة لا تقطع إلا في أسبوعين على الأقل ذهاباً فقط، معنى هذا: أن الجيش سينتظر شهراً كاملاً قبل أخذ القرار، وهذا مستحيل، وإن قبل المسلمون بذلك لم تقبل قوات التحالف الرومانية العربية.
الرأي الثاني: أن زيد بن حارثة ﵁ قائد الجيوش ينسحب بالجيش ولا يدخل في أي قتال، وقال أصحاب هذا الرأي لـ زيد بن حارثة: قد وطئت البلاد وأخفت أهلها فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء.
فأصحاب هذا الفريق يرون أن هذه الحرب مهلكة ولا داعي لدخولها.
الرأي الثالث: الدخول في المعركة دون تردد، ومواجهة هذه الأعداد المهولة في الحرب الفاصلة.
وكان صاحب هذا الرأي عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، فقد قام وقال في منتهى الوضوح: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة.
يعني: ما تخافون منه الموت وهو الذي نريده، وهو الذي خرجنا من أجله.
قال: إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة.
كان كلامه في منتهى الوضوح، فقد لخص في كلمته القصيرة جداً أساسيات الجهاد في سبيل الله، فالجيش المسلم المؤمن جيش يطلب الشهادة ويحرص عليها، والنصر لا يأتي بعدد ولا عدة، إنما يأتي من عند الله ، وليس معنى هذا أن يترك المسلمون الإعداد، لا، ولكن يجب أن يفعلوا ما عليهم والله بعد ذلك ينصرهم، وفعلاً قام المسلمون وأعدوا ما عليهم في حدود الطاقة، أعدوا جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهذا شيء كبير جداً بالنسبة لهم.
ونستنبط من كلام عبد الله بن رواحة أن العدة الرئيسة للمسلمين في القتال هي دين الإسلام، قال: وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.
وأيضاً نأخذ من كلامه أن المعركة عند المسلمين لا تخلو من أمرين: إما نصر وإما شهادة، أما الرضا بالهزيمة فليس اقتراحاً مطروحاً عند المسلمين، بل هو مرفوض.
ولما قال عبد الله بن رواحة هذه الكلمات قال الناس جميعاً: صدق -والله- ابن رواحة.
يعني: اجتمعوا جميعاً على قرار القتال، ولنا مع هذا القرار وقفة.
لا شك أن إقدام الصحابة ﵃ على هذا الأمر بهذه الصورة الجماعية لهو خير دليل على أنهم طلاب آخرة وليسوا طلاب دنيا، وأن الصدق والإخلاص والتجرد يملأ قلوبهم جميعاً، وأن شجاعتهم بالغة، وأن قوتهم
стр. 503
احتمالات انتهاء المسلمين إلى خوض غمار الحرب
يرى المسلمون أن القتال أمر ممكن، وأن النصر أمر محتمل، وأن الوسيلة واقعية جداً لمجابهة الظرف الصعب الذي وضعوا فيه، لكن كيف يكون أمراً واقعياً أن يلتقي ثلاثة آلاف بمائتي ألف؟ تفسير هذا الكلام عندي بثلاث احتمالات: الاحتمال الأول: أن المسلمين لم يحصروا أعداد المقاتلين الرومان والعرب حصراً دقيقاً، وإنما قدروهم مثلاً بخمسة أو عشرة أضعافهم أو أكثر من ذلك بقليل أو أقل من ذلك، فوجدوا أن القتال مع صعوبته ممكن مع هذه الأعداد، وكل معارك المسلمين السابقة كانت بأعداد أقل بكثير من أعداد المشركين، يقول الله في كتابه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وذكر أيضاً في سورة الأنفال: أن الجيش المؤمن قادر على مواجهة عشرة أضعافه إن كان قوي الإيمان حقاً، قال : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥].
نعم نزل التخفيف بعد ذلك وجعل المسلم باثنين من الكفار، لكن من الممكن أن يصل المسلم الواحد إلى عشرة من الكفار، بل قد يزيد على ذلك ويصبح الرجل بألف من الكفار، كما قال الصديق ﵁ في حق القعقاع بن عمرو التميمي ﵁، وفي حق عياض بن غنم ﵁، وكما قال عمر بن الخطاب في حق عبادة بن الصامت والزبير بن العوام ومسلمة بن مخلد والمقداد بن عمرو قال: إن الواحد منهم بألف.
وهذا الجيش الإسلامي في مؤتة من المؤمنين الصادقين، والواحد فيهم يوزن بعشرات بل مئات من الكافرين، من أجل ذلك كان قرار الحرب مقبولاً عند المسلمين، وخاصة أنه من المحتمل أنهم قدروا أعداد النصارى بعشرين أو ثلاثين ألفاً فقط، وليس أكثر من ذلك، وهذا أمر محتمل؛ لأن تقدير هذه الأرقام المهولة قد يكون مستحيلاً في هذه الظروف، وخاصة أنهم في أرض مجهولة للمسلمين لا يعرفون خباياها ولا كمائنها ولا طرقها ولا غير ذلك.
إذاً: هذا احتمال، هو أنهم قدروا أعداد الرومان والعرب بأقل من عددها الحقيقي.
الاحتمال الثاني: قد تكون هناك مبالغة في أعداد الرومان والعرب، وإنما هم أقل مما ذكر من الأرقام المهولة التي ذكرت في الكتب، يعني: لم يصلوا مائتي ألف، لكن لا شك أنهم كانوا أضعاف أضعاف المسلمين.
الاحتمال الثالث وهو مهم جداً: هو أن قادة المسلمين وجدوا أن الانسحاب لن ينجيهم من جيوش التحالف الرومانية العربية، وأنه إن بدأ الجيش الإسلامي في الفرار فقد يحاصر من كل الجهات، وفي هذه الحالة ستكون المعركة عبارة عن مجزرة حقيقية للجيش الإسلامي بكامله، فكان الأفضل الثبات والمقاومة؛ لأن هذا سيعطي دفعة نفسية إيجابية للجيش المسلم في أن يهاجم ويخطط لهزيمة الآخرين بدلاً من أن يفكر في الهرب والدفاع فقط، والعكس سيكون بالنسبة لقوات التحالف الرومانية العربية، فهذه القوات قد تهتز من رؤية أناس يطلبون الموت.
وقد يكون الانسحاب في معركة من هذا القبيل نجاة للطرف المسلم، ويؤيد هذا الكلام أن الانسحاب مشروع، ذكره في كتابه بوضوح كما في سورة الأنفال، قال الله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦].
في هذه الآية حدد ربنا سببين للانسحاب لا يأثم المسلم فيهما: الأول: أن ينسحب بخطة حربية ليعاود الحرب من جديد.
الثاني: أن تعود فرقة من الجيش إلى جيشها؛ لكي تستعد بصورة أكبر للقتال، ثم تعاود القتال من جديد، وفئة المسلمين في هذه المعركة كانت في المدينة المنورة، فانسحاب الجيش الإسلامي سواء إلى الأردن أو إلى الجزيرة العربية، أو حتى عودته إلى المدينة المنورة ليس فيه خطأ شرعي، ولذلك كان أخذ الصحابة بهذا الرأي أمراً ممكناً إن وجدوا أنه يفيد المسلمين.
وعلى العكس؛ ليس من المقبول شرعاً أن يدخل المسلمون في معركة وهم يعلمون أنهم جميعاً سيستشهدون ويفنى الجيش الإسلامي بكامله، لأن هذا يعد تهوراً وليس إقداماً، ومن هنا نقول: إن الجيش الإسلامي وجد أنه لا أمل في الانسحاب ولا نجاة في الفرار، وأنه يجب عليهم أن يواجهوا هذا الظرف برجولة؛ لكي يخرجوا منه على الأقل بأقل خسائر ممكنة، ومن ثم كان قرار الحرب وعدم الانسحاب.
كذلك نضيف أن سمعة الدولة الإسلامية كانت ولا شك ستتأثر سلباً إذا انسحب الجيش الإسلامي من المعركة، بعد أن قطع كل هذا الطريق الطويل مسافة (١٠٠٠) كيلو، ومن ثم كان قرار الحرب حافظاً لكرامة الدولة الإسلامية.
إذاً: أخذ المسلمون قرار الحرب بشورى أو قل بإجماع، وانطلقوا ليختاروا م
стр. 504
مزايا وخصائص اختيار مكان معركة مؤتة
مكان معركة مؤتة عبارة عن سهل منبسط ليس فيه جبال ولا عوائق طبيعية من مياه أو أشجار أو أي شيء، وفيه من المزايا ما ييسر على المسلمين عملية القتال.
أولاً: كونه سهلاً منبسطاً يحرم الفريقين من المناورة ومن وضع الكمائن.
يعني: لو أتيح للرومان فعل الكمائن والمناورات لكان هذا الفعل مصيبة بالنسبة للجيش الإسلامي.
ثانياً: أنه عبارة عن أرض صحراوية، والعرب قد اعتادوا على القتال في الأرض الصحراوية، بخلاف الجيوش الرومانية التي اعتادت على القتال في الأراضي الخضراء في الشام وفي تركيا وفي الأراضي الكثيرة الأشجار.
ثالثاً: السهل مفتوح من جنوبه على الصحراء الواسعة، فالرومان لا تجرؤ على التوغل في هذه الصحراء، وبهذا يقدر الجيش الإسلامي أن ينسحب إذا أراد الانسحاب.
رابعاً: في جنوب السهل خلف الجيش الإسلامي بعض التلال، فمن الممكن أن تستغل هذه التلال في إخفاء الجيش الإسلامي وراءها إذا أراد الانسحاب ليلاً.
خامساً: هذا السهل ليست به أي عوائق طبيعية كما ذكرت، ليس هناك أي نوع من الحماية للجندي إلا أن يحتمي وراء سيفه ودرعه، ومن ثم في هذا المكان المفتوح سيظهر أثر الشجاعة والإقدام والتجرد، وهذا الجانب بلا شك يتفوق فيه الجانب الإسلامي تماماً.
الجنود في الجيش الإسلامي يقاتلون على قضية هامة، وعندهم هدف سام جداً، فهم يبحثون عن الموت في سبيل الله، بينما يفتقد جيش الرومان هذا الهدف، فجنود الرومان كالقطيع من الحيوانات لا يدري لماذا يقاتل، ولا يدري ماذا يجني من وراء القتال، وإنما إذا جاء الأمر من القيادة العليا بالقتال فليس عليهم إلا التنفيذ، وإن كان هناك نصر فالذي سيحتفل بالنصر والذي سيسعد به هم القادة والقيصر، وإن كان هناك هزيمة فالجنود هم الذين سيدفعون الثمن من أرواحهم وأبدانهم.
هذا كان شأن الجيوش الرومانية وهو شأن كل الجيوش العلمانية في العالم اليوم.
أما العرب النصارى المشاركون في المعركة فلم يشاركوا فيها إلا طاعة لـ هرقل لا حباً في القتال، ولا يرغبون في ثواب ولا جنة، منتهى أحلامهم أن يرضى عنهم هرقل، وشتان بين من يبحث عن رضا هرقل وبين من يبحث عن رضا رب العالمين ، بين من يقاتل ليعيش، وبين من يقاتل ليموت.
إن اختيار الأرض المنبسطة بهذه الصورة ستجعل اليد العليا للشجاع على الجبان، وللمقدم على المدبر، وهذا كله في صالح المسلمين، واقتربت ساعة الصفر.
стр. 505
معركة مؤتة
هي بحق أشرس موقعة في السيرة النبوية، أمواج بشرية هائلة من الرومان ونصارى العرب تنساق إلى أرض مؤتة، ورجال كالجبال من المسلمين يقفون ثابتين في واجهة أقوى قوة في العالم آنذاك، وارتفعت صيحات التكبير من المسلمين.
وحمل الراية زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وأعطى إشارة البدء لأصحابه واندفع كالسهم ﵁ وأرضاه صوب الجيوش الرومانية، ولم يشهد المسلمون قتالاً مثله قبل ذلك، وارتفع الغبار في أرض المعركة في ثوان معدودات، ولم يعد أحد يسمع إلا أصوات السيوف أو صرخات الألم، لا يتخلل ذلك من الأصوات إلا صيحات تكبير المسلمين، أو بعض الأبيات الشعرية الحماسية التي تدفع المسلمين دفعاً إلى بذل الروح والدماء في سبيل إعلاء كلمة المسلمين، وسالت الدماء غزيرة في أرض مؤتة، وتناثرت الأشلاء في كل مكان، ورأى الجميع الموت مراراً ومراراً، كانت فعلاً ملحمة بكل المقاييس، وسقط أول شهداء المسلمين البطل الإسلامي العظيم والقائد المجاهد زيد بن حارثة ﵁ حب رسول الله ﷺ ، سقط مقبلاً غير مدبر بعد رحلة جهاد طويلة جداً، بدأت مع أول أيام نزول الوحي، فهو من أوائل من أسلم على وجه الأرض، وصحب الرسول ﵊ في كل المواطن، وكان هو الوحيد الذي ذهب معه إلى الطائف، والله كأني أراه وهو يدافع بكل ما أوتي من قوة عن حبيبه ﷺ ، حتى شج رأسه وسالت دماؤه غزيرة ﵁ وأرضاه، هجرة وجهاد ودعوة وعبادة وقيادة وتجرد.
رأيناه في العام السادس من الهجرة يقود السرايا تلو السرايا في جرأة عجيبة وثبات ناجح، وكأنه يعد لهذا اليوم العظيم، يوم أن يلقى ربه شهيداً مقبلاً غير مدبر، فهذه أسعد لحظة مرت عليه منذ خلق.
وحمل الراية بطل جديد، إنه جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وهذا البطل الشاب المجاهد كان عمره أربعين سنة، وكان قد قضى معظم هذه السنوات في الإسلام، أسلم في أوائل أيام الدعوة، وقضى ما يقرب من خمس عشرة سنة في بلاد الحبشة مهاجراً بأمر الرسول ﵊، ورجع من الحبشة إلى المدينة المنورة في محرم سنة سبع، وعند وصوله وجد أن النبي ﷺ توجه إلى خيبر فخرج من فوره إلى خيبر ليجاهد مع رسول الله ﷺ .
إنها رغبة حقيقية صادقة في البذل والتضحية.
لقد حمل الراية بعد سقوط أخيه في الإسلام زيد بن حارثة، وقاتل ﵁ قتالاً لم ير مثله، وأكثر الطعن في الرومان، ثم تكالبوا عليه، وكان يحمل راية المسلمين كما ذكرنا، فقطعوا يمينه ﵁ وأرضاه فحمل الراية بشماله لكي لا تسقط، فقطعوا شماله ﵁، فاحتضنها بعضديه قبل أن يسقط شهيداً ﵁ وأرضاه، ليأخذ الراية من بعده بطل ثالث ألا وهو عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه.
يقول عبد الله بن عمر ﵄ كما جاء في البخاري: وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين ما بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، أي: ليس منها شيء في ظهره.
فهو لم يفر ولو للحظة واحدة ﵁ وأرضاه، بل من أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، لا يسير فيها بل يطير.
روى الحاكم والطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً في الجنة، مضرجة قوادمه بالدماء، يطير في الجنة).
وروى البخاري أيضاً: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا حيا ابن جعفر ﵁ قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
﵁ وأرضاه، فربنا أبدل جعفر بن أبي طالب جناحاً بدلاً من يديه اللتين قطعتا في سبيل الله .
إنها حياة جهادية طويلة جداً والمكافأة الجنة.
ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري ﵁ وأرضاه المجاهد الشاب الذي شارك في كل الغزوات السابقة، وجاهد -كما ذكرنا- بسيفه وبلسانه، وهو الذي كان يحمس المسلمين لأخذ قرار الحرب، وهو الذي كان يتمنى ألا يعود إلى المدينة، بل يقتل شهيداً في أرض الشام، حمل الراية وقاتل قتالاً عظيماً مجيداً حتى قتل ﵁ وأرضاه.
ما تردد أبداً كما أشيع عنه ﵁، وكيف يتردد من يدفع الناس دفعاً للقتال، كيف يتردد من يحمس الناس على طلب الشهادة؟ كيف يتردد من يثق به رسول الله ﷺ فيجعله على قيادة هذا الجيش الكبير؟ كيف يتردد من شهد له ﷺ أنه شهيد، ومن دعا له ﷺ قبل ذلك بالثبات؟ وهذا التردد الذي أشيع عنه لم يتفق عليه عامة أهل السير، لم ينقله الكثير من كتاب السيرة، لم ينقله موسى بن عقبة في مغازيه، ولم ينقله ا
стр. 506
خطة خالد بن الوليد في تدبير أمر الجيش في معركة مؤتة
بدأ خالد بن الوليد بتنفيذ خطة بارعة عبقرية للوصول بالجيش إلى بر الأمان، وهذه الخطة لها هدف واضح، الهدف هو إشعار الرومان أن هناك مدداً كبيراً قد جاء للمسلمين؛ حتى يدخل جنود الرومان والعرب المتحالفين معهم الإحباط والخوف والذعر، فهم بصعوبة بالغة صمدوا أمام ثلاثة آلاف مجاهد في اليوم الأول، فكيف إذا جاءهم مدد؟ فماذا عمل خالد بن الوليد حتى يخيف ويرهب الجيش الروماني العربي الذي أمامه؟ أولاً: جعل الخيل أثناء الليل تجري في أرض المعركة، لتثير الغبار الكثير، فيخيل للرومان أن هناك مدداً قد جاء للمسلمين في الليل.
ثانياً: غير من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، فلما رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، رأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيرت أيقنوا أن هناك مدداً قد جاء للمسلمين فهبطت معنوياتهم تماماً.
ثالثاً: جعل في آخر الجيش على بعد كثير من الجيش على أحد التلال مجموعة من الجنود المسلمين منتشرين على مساحة عريضة، ليس لهم دور إلا إثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي المسلمين.
رابعاً: بدأ خالد بن الوليد في اليوم الثاني من المعركة يتراجع تدريجياً بجيشه إلى عمق الصحراء، فظن الرومان أن خالد بن الوليد يسحبهم ويستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، ووقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد دون أن يجرءوا على مهاجمته أو على متابعته.
وبالفعل نجح مراد خالد بن الوليد وسحب الجيش بكامله إلى عمق الصحراء، ثم بدأ الجيش في رحلة العودة إلى المدينة المنورة سالماً.
стр. 507
أقوال العلماء في نتائج معركة مؤتة وبيان الراجح منها
لنا مع هذا الموقف وقفات: هل كانت موقعة مؤتة هزيمة للمسلمين أم كانت نصراً للمسلمين؟ هل كانت مجرد انسحاب ناجح؛ لكونه أفضل النتائج التي يمكن أن نتوقعها في مثل هذه الظروف، أم أنها كانت نصراً جليلاً للمسلمين وهزيمة منكرة للرومان؟ تباينت آراء المحللين القدامى والمحدثين حول هذه المعركة، تباينت تبايناً عظيماً فعلاً، فمنهم من رأى أن المعركة كانت انتصاراً للمسلمين، وممن يرى هذا الرأي موسى بن عقبة والزهري والواقدي، ورجح ذلك البيهقي وابن كثير فهؤلاء جميعاً رأوا أن المسلمين انتصروا انتصاراً جليلاً في موقعة مؤتة.
ومن العلماء من عدها هزيمة منكرة للمسلمين كما أشار إلى ذلك ابن سعد في طبقاته.
ومنهم من قال: إن كل فئة قد انحازت عن الأخرى، يعني: هناك تعادل بين الكفتين، مال إلى هذا ابن إسحاق في سيرته، وابن القيم في زاد المعاد.
والحقيقة أني أميل وبشدة مع الرأي الأول القائل بأن هذا كان انتصاراً حقيقياً للمسلمين، وعندي على هذا الكلام أدلة كثيرة: أولاً: ما جاء في البخاري عن أنس ﵁ يحكي عن معجزة من معجزات الرسول ﷺ وهو يخبر أصحابه عن نبأ أهل مؤتة قبل أن يعودوا إلى المدينة المنورة، قال ﷺ : (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب.
يقول أنس: وعيناه تذرفان) يعني: يبكي ﷺ على استشهاد الثلاثة، وكانوا جميعاً من أحب الناس إلى قلبه ﷺ .
ثم قال ﷺ : (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه)، وكلمة: (حتى فتح الله عليه) هذه لا تحتمل معاني كثيرة، وإنما تحمل معنى النصر والفتح والعلو، فالله لا يفتح عليهم بمجرد الانسحاب، لكن الواضح أن المسلمين فتح الله عليهم بالنصر.
ثم قرر خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه أن ينسحب وأن يكتفي بهذا الانتصار دون محاولة متابعة الجيش الروماني؛ لأن خالد بن الوليد كان واقعياً جداً إلى أبعد درجة، فهو علم أنه لا يستطيع أن يتوغل في أرض الروم بهذا الجيش الإسلامي الصغير، فكان هذا فتحاً من الله على المسلمين كما ذكر رسول الله ﷺ ، ولو كان الرسول ﵊ يريد أن يذكر أنهم انسحبوا فقط دون انتصار لقال كلمة تدل على هذا المعنى، كأن يقول: حتى أنجاهم الله، أو نحو ذلك من الكلمات، وهو ﷺ أبلغ البشر وأوتي جوامع الكلام، ويستطيع أن يصف بكلمة واحدة الحدث تماماً كما تم في أرض مؤتة: (حتى فتح الله عليه).
الدليل الثاني: روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، وكذلك النسائي والبيهقي عن أبي قتادة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه قبل أن يعود أهل مؤتة إلى المدينة: ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو فأصيب زيد شهيداً فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً فاشهدوا له بالشهادة واستغفروا له، فاستغفر الناس له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً فاستغفروا له) هذه الرواية صحيحة تشهد لـ عبد الله بن رواحة بالثبات وتشهد له بالشهادة.
(فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد فرفع رسول الله ﷺ إصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)، يقول عبد الرحمن بن مهدي أحد رواة الحديث وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل: فانتصر به.
هذا دعاء من الرسول ﵊ لسيف الله المسلول خالد وللجيش الإسلامي بالنصر، ودعاؤه ﷺ مستجاب، وهذا الحديث من معجزاته، فهو يخبر به عن الغيب، ومحال أن يتحقق خلاف ما ذكره ﷺ للصحابة، فهو ذكره على سبيل الحجة الدامغة لنبوته ﷺ والحجة الدائمة لإنبائه بالغيب، فحين يدعو فيه بالنصر فلا بد أن يحصل النصر، وهذا صريح في هذه الرواية وهي صحيحة.
الدليل الثالث: كم عدد شهداء المسلمين في هذه الموقعة الطاحنة؟ رقم لا يتصوره أحد مطلقاً، إنهم اثنا عشر شهيداً فقط، منهم الأمراء الثلاثة، وفي حرب مع مائتي ألف ولم يقتل ويستشهد سوى اثني عشر رجلاً، دليل دامغ على انتصار المسلمين؛ لأن الجيش المهزوم مستحيل أن يقتل منه غير اثني عشر رجلاً فقط، بينما خسر الرومان أضعاف ذلك، ويكفي مَنْ قتلهم خالد بن الوليد
стр. 508
سلسلة السيرة النبوية_ الطريق إلى مكة
هناك أحداث كثيرة هيأت للرسول ﷺ وأصحابه فتح مكة، من أهمها اعتداء بني بكر على قبيلة خزاعة المحالفة للرسول ﷺ ، ومعاونة قريش لبني بكر، فما كان منه ﷺ إلا أن اتخذ القرار لفتح مكة؛ اغتناماً لهذه الفرصة السانحة بنقض قريش عهدها بمعاونتها لبني بكر.
стр. 509
موقف الرسول ﷺ من قبيلة قضاعة التي اعتدت على أصحابه ﵃
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس السيرة النبوية: العهد المدني، فترة الفتح والتمكين.
حديثنا اليوم عن حدث من أعظم الأحداث في تاريخ الأرض مطلقاً، وهذا الحدث يعتبر لحظة فارقة فرق بين مرحلة ومرحلة أخرى مختلفة تماماً عن المرحلة التي سبقت، وله تداعيات كبيرة جداً، ليس فقط في الجزيرة العربية ولكن في العالم، وليس فقط في زمانه ولكن إلى زماننا الآن.
هذا الحدث العظيم الكبير: هو فتح مكة.
ولا شك أن هناك أحداثاً كثيرة جداً قادت إلى هذا الفتح العظيم، ومقدمات طويلة، وستكون -إن شاء الله- هذه المقدمات هي موضوع درس اليوم.
لكن قبل أن نبدأ في هذه التفصيلات نريد أن نكمل نقطة هامة تحدثنا عنها في الدرس السابق ولم نتناولها بالشرح والتفصيل.
هذه النقطة: هي أنه في بداية العام الثامن من الهجرة حدثت مشكلتان كبيرتان للأمة الإسلامية: المشكلة الأولى: هي قتل الحارث بن عمير الأزدي ﵁ وأرضاه سفير رسول الله ﷺ لعظيم بصرى، والذي قتله شرحبيل بن عمرو الغساني.
وهذه المشكلة كان من جرائها أن أخرج ﷺ جيشاً كبيراً، وهو الجيش الذي دخل في معركة مؤتة بقيادة الأمراء الثلاثة: زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة كما فصّلنا في الدرس السابق، وكان من ورائه النصر العظيم الذي تم في موقعة مؤتة، وبذلك تقريباً انتهت مشكلة قتل الحارث بن عمير، واستعادت الأمة الإسلامية هيبتها إلى حد كبير، ذاع صيتها ليس فقط في أرض مؤتة ولكن في الجزيرة بكاملها.
المشكلة الثانية: حدثت هذه المشكلة في وقت متزامن مع مقتل الحارث بن عمير ﵁ وأرضاه، وهي مشكلة اعتداء قبائل قضاعة على مجموعة من صحابة الرسول ﷺ ، وكانوا (١٥) رجلاً من الصحابة، وقتلوا منهم (١٤) رجلاً، وعاد رجل واحد منهم إلى المدينة المنورة وأخبر الرسول ﷺ بتفاصيل الخيانة التي قامت بها قضاعة مع صحابة الرسول ﵊، فكان لا بد للرسول ﷺ أن يقف وقفة جادة مع قبيلة قضاعة؛ لكي لا تهتز صورة الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية.
وبالفعل قرر الرسول ﷺ أن يبعث جيشاً كبيراً إلى مناطق قضاعة، وكان هذا بمجرد عودة الجيش الإسلامي من مؤتة إلى المدينة المنورة، ومؤتة وقعت في جمادى الأولى سنة (٨) هـ والرسول ﵊ في جمادى الآخرة سنة (٨) هـ بعث الجيش الثاني إلى قبائل قضاعة.
والمنطقة التي تعيش فيها قضاعة كان اسمها السلاسل، وهي عبارة عن ماء أو عين أو بئر اسمه السلاسل، وسميت المنطقة بكاملها بذات السلاسل، فعرفت هذه الغزوة في التاريخ بغزوة ذات السلاسل.
стр. 510
سبب اختيار الرسول ﷺ لعمرو بن العاص لقيادة الجيش في غزوة ذات السلاسل
من سيختار النبي ﷺ لقيادة هذا الجيش الهام الذي سيخرج لحرب قبيلة كبيرة قوية وهي قبيلة قضاعة، وعلى مسافة كبيرة من المدينة المنورة شمال الجزيرة العربية، وليس لها مدد، ولها ظروف صعبة كظروف موقعة مؤتة؟ اختار الرسول ﷺ لقيادة هذا الجيش شخصية قد يعجز الكثيرون عن اختيارها، وعندما تأتي لتحلل هذا الاختيار ستجد أنه اختيار في منتهى الحكمة من رسول الله ﷺ .
لقد اختار الرسول ﷺ عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، وعمرو بن العاص لم يكن قد مر على إسلامه إلا شهور قليلة جداً، فقد أسلم في صفر سنة (٨) هـ، لم يمر على إسلامه سوى ثلاثة أو أربعة أشهر، ثم اختير ليكون قائداً للجيش الهام في حرب عظيمة للمسلمين.
اختار الرسول ﷺ عمرو بن العاص لتأليف قلبه؛ لأن عمرو بن العاص شخصية محورية جداً في مكة المكرمة، وانضمامه إلى المعسكر المسلم وإلى جيش المدينة المنورة يعتبر إضافة كبيرة جداً لا بد أن يحافظ عليها المسلمون قدر المستطاع, وعمرو بن العاص له تاريخ طويل جداً في العداء مع المسلمين، من أوائل أيام مكة، ومروراً بسفره إلى الحبشة لإعادة المسلمين المهاجرين من هناك إلى مكة المكرمة، ثم خروجه بعد ذلك في مراحل متعددة من القتال التي دارت مع المسلمين، وعمرو بن العاص في ذلك الوقت شخصية ليست فقط كبيرة في المقام، ولكن أيضاً كبيرة في السن، فقد كان عمره وقت إسلامه (٥٧) سنة، أي: أنها شخصية من كبار قادة قريش ومن دهاة العرب، فلا بد أن يُحفظ له مكانه في داخل الدولة الإسلامية؛ لكي يستمر في المسيرة معها.
ورأينا كيف أن النبي ﷺ كان يعظّم من قدر خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه عندما استلم القيادة في غزوة مؤتة، وسماه سيف الله المسلول، ورُفع قدره جداً في الدولة الإسلامية، ولا شك أن أقدام خالد بن الوليد ﵁ كانت أثبت بعد موقعة مؤتة عنها قبل موقعة مؤتة، وله دور وضع في الدولة الإسلامية، والناس بصفة عامة تنظر إليه على أنه قد حقق نصراً مهيباً، وأصبحت له مكانة جميلة تثبت أقدامه إن شاء الله.
كذلك أراد رسول الله ﷺ أن يفعل مع عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، يعطيه قيادة جيش فيحقق انتصاراً فتصبح له مكانة في داخل الدولة الإسلامية، ومن ثم تثبت أقدامه، ليس هذا فقط، فإن هناك شيئاً مهماً جداً يعبر عن مدى عمق النظرة للرسول الحكيم ﷺ ، ألا وهو أن أم عمرو بن العاص من قبيلة قضاعة، وذهاب عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه وأمه من نفس القبيلة يُعطي بعداً هاماً جداً في القتال، فقد يتألف قلوب هؤلاء القوم، وهم عندما يجدون على رأس الجيش الذي أتى أن أمه منهم قد يحدث بينهم حوار ومفاوضات للقبول بفكرة الإسلام، ولا يأخذهم الكبر والعناد والفجور في الخصام، فتزداد الهوة بينهم وبين الإسلام.
والرسول ﷺ كما تعلمون كان دائماً يقرب قلوب الناس للإسلام، وكان إسلام الناس أحب إليه من أموالهم.
وأيضاً كون أم عمرو بن العاص ﵁ من قضاعة فمن المؤكد أن عمرو بن العاص قد ذهب إلى قضاعة أكثر من مرة، فهو أعرف بديار قضاعة ومساكن قضاعة، والطرق والدروب التي تؤدي إلى هناك أكثر من بقية الصحابة.
فاختياره عسكرياً؛ لأنه عبقرية عسكرية، وقيادة فذة، واختياره دعوياً مهم جداً؛ لأنه سوف يؤلّف قلوب قضاعة أكثر من غيره، وفي نفس الوقت هو أعلم بالطريق من غيره.
إذاً: كل هذه الأمور تجعل اختيار عمرو بن العاص لهذه المهمة خاصة في منتهى الحكمة.
روى ابن حبان والحاكم وأحمد بسند صحيح: أن الرسول ﷺ أراد أن يبلغ عمرو بن العاص بهذه المهمة العظيمة فأرسل إليه ثم قال له: (خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني، قال عمرو بن العاص: فأتيته وهو يتوضأ ﷺ ، فصعّد فيّ النظر ثم طأطأ، فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلّمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة) أي: أنك ستذهب إلى هذه الموقعة وبإذن الله ستنتصر فيها، وستكون لك غنائم فيكثر مالك، وتقسم أربعة أخماس الغنائم على الجيش، فقال عمرو بن العاص واستمع إلى كلامه ﵁ وأرضاه وهو يقول هذه الكلمات أمام الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ إذا كان الكلام غير سليم فإن الوحي سوف يخبره بذلك، لكن الرسول ﷺ قبل منه هذه الكلمات، قال عمرو: (يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ وه
стр. 511
عبقرية عمرو بن العاص في قيادة الجيوش
خرج عمرو بن العاص بالجيش ومن أول لحظات الخروج ظهرت عبقريته ﵁ في الحروب، من أول الطريق قرر أن يسير بالمسلمين ليلاً ويكمن نهاراً، حتى لا ترصده عيون العدو إن كانت على الطريق.
وبالفعل وصل جيشه دون أن تدري عيون قضاعة أنه قد جاء إليهم، وبدأ أيضاً بعبقرية واضحة وبحكمة عسكرية لافتة للنظر يبث العيون هنا وهناك، حتى يستطلع أعداد العدو، فوجد أن أعداد العدو كبيرة، وعلم ﵁ وأرضاه أن طاقته هذه الصغيرة ستكون غير قادرة على مواجهة هذه الأعداد الكبيرة من قضاعة، وفي الحقيقة كان عمرو بن العاص في منتهى الواقعية، وما كان يندفع أبداً بجيشه إلا بعد دراسة متأنية، ولم يكن متهوراً على الإطلاق ﵁ وأرضاه، وسنجد هذا الكلام كثيراً جداً في فتوح عمرو بن العاص في فلسطين وفي مصر، ما كان يندفع إلا بدراسة حقيقية للواقع الذي هو مقبل عليه.
وجد ﵁ أن أعداد قضاعة كبيرة فأرسل إلى الرسول ﷺ في المدينة المنورة أنني أحتاج إلى مدد، وأمر الجيش الإسلامي ألا يقاتل حتى يأتيه المدد، وبالفعل أرسل الرسول ﷺ إليه (٢٠٠) من الصحابة من وجوه الأنصار والمهاجرين ﵃ أجمعين، على رأس هؤلاء أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أمين هذه الأمة، ومن السابقين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وله تاريخ طويل جداً مع المسلمين، وتحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح عدد كبير جداً من السابقين، في مقدمتهم أبو بكر الصديق ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، وكفى بهما، ومعظم المائتين من السابقين، وكلهم على هذا المستوى الراقي جداً، قدم في الخبرة والتاريخ والإسلام وسبق في أشياء كثيرة جداً، فهؤلاء كانوا مدداً لـ عمرو بن العاص ﵁.
فعندما وصلوا إلى هناك انضم المائتان إلى الثلاثمائة وأصبح الجيش كله (٥٠٠)، لكن من هو أمير هذا الجيش؟ عندما أرادوا أن يصلوا الفريضة تقدم أبو عبيدة بن الجراح ليؤم الناس، وكان من المعروف أن قائد الجيش هو الذي يؤم الناس، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁ اعتبر أنه هو الأمير؛ لأنه جاء على رأس (٢٠٠) من وجوه الأنصار والمهاجرين ﵃، وفيهم أبو بكر وعمر، فتقدم أبو عبيدة ليؤم الصفوف، ولكن عمرو بن العاص تقدم وقال: إنما قدمت عليّ مدداً لي، وليس لك أن تؤمني وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي ﷺ إليّ مدداً، وعمرو بن العاص لا يزال حديث عهد بالإسلام، لكنه كما ذكرنا كان كبيراً في السن عمره (٥٧) سنة، أي: أنه أكبر من أبي عبيدة بن الجراح بعشر سنوات كاملة تقريباً، وله تاريخ عسكري معروف، ومن فرسان قريش ومن دهاة العرب، وأيضاً أبو عبيدة بن الجراح له مكانة كبيرة جداً عند الصحابة، وتاريخ طويل جداً كما ذكرنا، لكن عمرو بن العاص رأى أنه أحق بالإمارة، ليس لكونه فقط عسكرياً وعبقرياً في إدارة الجيوش وما إلى ذلك؛ ولكن لأن الرسول ﵊ وضعه على إمارة الجيش الأصلي، فله حجة، وعادة الصحابة أنهم ما كانوا يتنازعون الإمارة بهذه الصورة، ومن الواضح أنه لا يزال جديداً في الإسلام، فعرض هذا الكلام فقال: المهاجرون، والمهاجرون كانوا يميلون إلى أبي عبيدة بن الجراح، وأبو عبيدة رجل حيي جداً فاستحى أن يتكلم عن نفسه، فتكلم المهاجرون فقالوا: كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه.
يعني: إذا كنا سنختلف في الأمير، فيكون عمرو بن العاص أمير الثلاثمائة الأوائل، وأبو عبيدة بن الجراح أمير المائتين الذين أتوا مدداً، لكن لا ينبغي أن يكون للجيش الواحد قائدان.
فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان أبو عبيدة لين الطبع جداً، فخاطب عمرو بن العاص وقال له كلمات جميلة جداً تعبّر عن عمق فهم أبي عبيدة بن الجراح لقضية الإمارة في الإسلام، قال له: (لتطمئن يا عمرو! وتعلمن أن آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك)، فأطاع أبو عبيدة وكان عمرو بن العاص يصلي بالصحابة وهم (٥٠٠) شخص، فيهم أبو عبيدة وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وفيهم الكثير والكثير من المهاجرين والأنصار، وكان الجميع يصلي وراء عمرو بن العاص حديث الإسلام الذي لم يسلم إلا منذ أربعة أشهر.
هذه صورة حضارية رائعة في تاريخ المسلمين، وم
стр. 512
إرسال الرسول ﷺ عمرو بن العاص إلى ملك عمان وأخيه لدعوتهما إلى الإسلام
بعد غزوة ذات السلاسل ارتفعت ثقة الرسول ﷺ جداً بصدق وذكاء وأمانة وقيادة عمرو بن العاص ﵁، فأرسله ﷺ إلى مهمة أخرى عظيمة جداً، وهي مهمة السفارة إلى دولة عمان، وكانت عمان دولة مشركة في ذلك الوقت، وكان يحكمها رجل اسمه جيفر وأخوه عباد، والاثنان كانت لهما سيطرة على منطقة واسعة من الأراضي في عمان وما حولها، فأرسل الرسول ﷺ عمرو بن العاص إليهما يدعوهما إلى الإسلام وإلى الانضمام إلى الدولة الإسلامية.
وبعد حوار طويل مع جيفر وعباد وبحكمة شديدة وذكاء شديد من عمرو بن العاص ﵁ استطاع أن يقنع عباداً وجيفراً بالإسلام وبالفعل أسلما، بل وأسلم شعبهما بالكامل، ودخلت دولة عمان بكاملها في دولة المسلمين، ولم يكتف الرسول ﷺ فقط بجعل عمرو بن العاص سفيراً منه إلى جيفر وعباد، بل عينه جامعاً للزكاة هناك، وكان عامل رسول الله ﷺ هناك في بلاد عمان، مع تثبيت جيفر وعباد على زعامة البلاد، يعني: وثق الرسول ﵊ في عمرو ﵁، وجعله جامعاً للزكاة من تلك البلاد، ولم يكن من السهل أبداً أن يقبل الرسول ﷺ بولاية إنسان إلا إذا اطمأن تماماً إلى دينه وإلى كفاءته ﵁ ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
فهذه هي قصة عمرو بن العاص في بداية إسلامه.
إذاً: كان الوضع الإسلامي في أوائل رجب سنة (٨) هـ في غاية الاستقرار، وفي رهبة وهيبة، وفي انتصارات متكررة، وفي صورة جديدة جداً لدولة ناشئة في المدينة المنورة، تبسط سيطرتها على أطراف واسعة من الجزيرة العربية.
هذه الأحداث كانت نهاية لفترة معينة، وستبدأ الآن فترة جديدة من أحداث السيرة النبوية، وهي كما ذكرت في أول هذه المحاضرة مقدمات فتح مكة.
عندما نأتي لنتكلم عن فتح مكة لا بد أن نعلم أن فتح مكة يعتبر لحظة فارقة حقيقية في تاريخ المسلمين، بل في تاريخ الأرض، حتى إنه إذا ذُكر الفتح معرفاً هكذا (الفتح) عُرف أنه فتح مكة، مع أن كل انتصارات المسلمين كانت فتحاً، فانتصار المسلمين على أهل خيبر كان فتحاً، وعلى الرومان في مؤتة كان فتحاً، وعلى المشركين في بدر كان فتحاً، فكل هذه كانت فتوحات من رب العالمين، لكن إذا ذُكر الفتح معرفاً هكذا (الفتح) عُرف أنه فتح مكة، وهو أمر ليس بعده شيء آخر، حتى إن النبي ﷺ كان يقول: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) يعني: قبل الفتح يمكن للناس أن تهاجر إلى المدينة المنورة، وبعد الفتح انتهت الهجرة، ولكن جهاد ونية، يقول الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] أي: أن ما كان قبل الفتح شيء وما كان بعد الفتح شيء، فإنفاق قبل الفتح شيء وإنفاق بعد الفتح شيء آخر، وقتال قبل الفتح شيء وقتال بعد الفتح شيء آخر.
ما معنى الفتح؟ معناه: التمكين لدين رب العالمين ، ومعناه: النصر والسيادة والعلو في الأرض.
стр. 513
سنن التغيير والنصر والتمكين المستنبطة من فتح مكة
أنا أريد أن أستغل هذا الحدث لأتكلم معكم عن بعض سنن التغيير وسنن النصر والتمكين في الأرض، وجميعها سنستخلصها من فتح مكة.
стр. 514
حكمة الله تعالى في تقدير الأمور بأزمانها
السنَّةُ الأولى: هو أن الله لا يعجل بعجلة عباده، وانظروا مرت (٢١) سنة من أصل (٢٣) سنة من عمر البعثة بكاملها واللات والعزى ومناة وهبل تعبد من دون الله في داخل مكة المكرمة.
البعض كان يتمنى ويقول: يا ليت مكة فُتحت مبكراً، والرسول ﷺ حكم الدولة الإسلامية الواسعة فترة طويلة من الزمان؛ لنرى فعله وحكمه وأثره ﷺ على العالمين وهو ممكن في الأرض، لكن لو حدث هذا فقد تكون مخالفة للسنة الإلهية، فهذا لا يكون أبداً: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
فرب العالمين سبحانه كان قادراً أن يفتح مكة من أول لحظات الدعوة، وأن يجعل أهل مكة جميعاً مؤمنين من أول لحظات الدعوة، وعلى الأقل بعد سنة أو سنتين من بناء الدولة في المدينة المنورة، لكن هذا الانتظار الطويل؛ لكي نعلم جميعاً أن الله لا يعجل بعجلة عباده.
وهذا الموضوع في الحقيقة يحتاج إلى محاضرة خاصة، إن شاء الله سنفرد له محاضرة بعنوان: استعجال النصر، وسنتكلم فيها عن مشكلة العجلة التي عند المسلمين في رؤية التمكين والسيادة لدين الله في الأرض.
وتغيير المنكر يحتاج إلى وقت وإلى حكمة ويحتاج إلى تدرج، وهكذا رأينا في السيرة النبوية، وهذه أول سنة من السنن الثوابت.
стр. 515
مجيء التغيير والنصر والتمكين للمسلمين من حيث لا يحتسبون
السنة الثانية: يأتي التغيير ويأتي النصر ويأتي التمكين من حيث لا يحتسب المسلمون، أي: أنه لو راود المسلمين حلم أن يفتحوا مكة كيف سيفكّرون في هذا الأمر؟ من المؤكد أنهم سيضعون سيناريو لهذا الأمر، ولو وضع المسلمون ألف سيناريو للتغيير ولفتح مكة سيأتي التغيير بالسيناريو رقم (١٠٠١).
أي: أن هناك سيناريوهات متوقعة لكي نفتح مكة، مثلاً: أن تخالف قريش عن طريق غزوها المدينة المنورة، فيرد المسلمون بحرب على مكة المكرمة، أو تحاول قريش قتل الرسول ﷺ ، أو تتعدى قريش على قافلة إسلامية، أو تنتهي السنوات العشر سنوات الهدنة فيحدث بعدها قتال ويدخل المسلمون مكة! فهناك افتراضات كثيرة جداً، لكن لم يحدث الفتح بأي أمر من هذه الأمور، ولا بأي شيء خطر على ذهن أي مسلم، لكن حصل شيء غريب جداً وهو أن قبيلة مشركة أغارت على قبيلة مشركة أخرى فتم الفتح للمؤمنين، سبحان الله ما علاقة هذا بهذا؟! إذاً: هذا الذي حصل فعلاً في فتح مكة، ولنأتي لنراجع الأحداث: في صلح الحديبية كان من بنود الصلح البند الثالث في الصلح هو: أنه إذا أرادت قبيلة أن تنضم إلى حلف المسلمين انضمت، وإذا أرادت قبيلة أن تنضم إلى حلف قريش انضمت، فبعد انتهاء المعاهدة دخلت خزاعة في حلف الرسول ﷺ ، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، وهذا الدخول لهاتين القبيلتين في قضية المعاهدة هو الذي كان سبباً في فتح مكة المكرمة، أي: أن القضية كانت بين المسلمين وبين قريش، فخزاعة وبنو بكر ليس لهما أي دخل في القضية، ومع ذلك دخولهما في الحلف المعاهدة هو الذي سيؤدي للفتح كما سنرى.
ودخول خزاعة في حلف الرسول ﵊ أمر يحتاج إلى وقفة؛ لأن الله دفع خزاعة دفعاً للدخول في حلف الرسول ﷺ ، وخزاعة قبيلة مشركة، نعم هناك علاقات قديمة حميمة بين خزاعة وبين بني هاشم، لكن كان من المتوقع أن تدخل خزاعة في حلف المشركين من بني هاشم، وليس في حلف المسلمين من بني هاشم؛ لأن خزاعة مشركة دينها كدين قريش، فلماذا تترك بني هاشم المشركة وتتحالف مع بني هاشم المسلمة المتمثلة في الرسول ﷺ ؟ هذا أمر عجيب فعلاً! وهذا الدخول العجيب لخزاعة مع حلف المسلمين هو الذي سيؤدي بعد ذلك إلى نتائج كبيرة جداً منها فتح مكة.
وعندما نراجع قصة القبيلتين اللتين دخلتا في المعاهدة نجد أن قبيلة بني بكر وقبيلة خزاعة كان بينهما ثأر قديم، ولعل هذا الثأر هو الذي دفع بني بكر إلى الدخول في حلف قريش، فعندما دخلت خزاعة في حلف المسلمين دخلت بنو بكر في الحلف المعاكس؛ لتكون ضد خزاعة، مع أن العلاقة بين بني بكر وبين قريش ليست على أفضل ما يكون، بدليل أن قريشاً عندما خرجت من مكة المكرمة لحرب المسلمين في موقعة بدر كانت تخشى من غزو بني بكر لمكة المكرمة، ثم ظهر لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك يقول لهم: إني جار لكم من كنانة، وكنانة تشمل بني بكر، فالقصة معقدة جداً، وأحداث القصة فعلاً لا يمكن أن تفسر إلا أن الله أراد لها أن تتم على هذه الصورة.
ومع أن العلاقة بين بني بكر وبين قريش معقدة إلا أنها دخلت في حلفها، وخزاعة مع أنها مشركة إلا أنها دخلت في حلف المسلمين، وهذا سيؤدي إلى شيء معين كما سنرى.
وبنو بكر التي نتحدث عنها ليست قبيلة بني بكر بن وائل المشهورة؛ لأن بني بكر بن وائل هذه هي قبيلة من قبائل ربيعة، بينما بنو بكر التي نتحدث عنها هي بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهي من مضر.
وكان بين بني بكر وبين خزاعة خلاف قديم جداً وثأر طويل، وهناك ضحايا قتلتهم خزاعة من بني بكر، وبعد مرور سنوات وسنوات على هذه الجريمة التي قامت بها خزاعة في حق بني بكر تذكرت بنو بكر ثأرها مع خزاعة، فأرادت أن تنتقم، وكان هذا بعد صلح الحديبية، فأغارت بنو بكر على خزاعة وقتلت منهم رجالاً بعد صلح الحديبية، ومعلوم بعد المعاهدة أن من أغار على خزاعة فكأنه أغار على الدولة الإسلامية، وموافقة قريش على إغارة بني بكر على خزاعة هذا نقض صريح لمعاهدة صلح الحديبية التي بينها وبين المسلمين.
ولو أن بني بكر أغارت على خزاعة قبل الحديبية لما أحدث ذلك أي نفع للمسلمين؛ لأن قبيلة مشركة أغارت على قبيلة مشركة أخرى ولا دخل للمسلمين، ولو أن هذا الأمر حدث بعد الحديبية مباشرة لعل المسلمين لم تكن لهم طاقة لغزو مكة أو فتحها، ولو ضبطت بنو بكر أعصابها ولم تخالف لما مُهّد الطريق للفتح، ولو وقفت قريش لبني بكر وعارضتها في ذلك الأمر واعتذرت للمسلمين لكان الموقف قابلاً للحل السلمي، ولكنَّ قريشاً أعانت بني بكر على حرب خزاعة في تهور عجيب.
ولعل الموقف هذا لو تكرر ألف مرة مع قريش لن تأخذ هذا الرأي، ولن تعمل هذا العمل، لكنها مدفوعة لذلك من رب العالمين ، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].
فهجمت بنو بكر على خزاعة، وخزاعة غير مستعدة للقتال؛ لأن صلح الحديبية فيه هدنة والحرب موضوع
стр. 516
مجيء النصر والتمكين للمسلمين من حيث يكرهون
السنة الثالثة: لا يأتي النصر فقط من حيث لا يتوقع المسلمون، بل يأتي من حيث يكرهون.
وهذا غريب جداً، لكنه متكرر حتى صار سنة، فـ طالوت ﵀ ومن معه من المؤمنين كرهوا لقاء جالوت وجنوده، لكن جعل الله النصر في هذا اللقاء، كذلك كره المسلمون لقاء المشركين في بدر، فجعل الله فيه النصر، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥] فكان يوم الفرقان.
وكره المسلمون تحزب الأحزاب حول المدينة قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] لكن كان فيه خير، والرسول ﷺ بعد الأحزاب قال: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).
وكره المسلمون صلح الحديبية، وقالوا: (لم نُعط الدنية في ديننا؟)، وكان فيه الخير كل الخير، وقد رأينا تفصيلات الخير الذي تلا صلح الحديبية.
وكره المسلمون قتل أخيهم وصاحبهم وحبيبهم الحارث بن عمير ﵁ سفير الرسول ﵊ إلى عظيم بصرى، ولكن كان من وراء هذا القتل انتصار مؤتة.
كذلك في قصتنا الآن كره المسلمون نقض بني بكر وقريش للعهد، لا شك أنهم كرهوه، لا شك أنهم يريدون الهدنة أن تمتد عشر سنوات وأكثر؛ لأنهم رأوا في أقل من السنتين خيرات كثيرة جداً، فكيف إذا امتد الأمر لأكثر من ذلك؟ رأوا أعداد المسلمين تتزايد بكثرة في زمن الهدنة والأمن وغياب الحرب، لكن الآن بعد هذا النقض قد تحدث حرب وقد يحدث اضطراب وقلق في الجزيرة، وقد يخاف الناس، وقد تتأثر الدعوة، وقد تغزو قريش المدينة، ويمكن أن تحدث مشاكل لا حصر لها.
ونحن نكره القتال الآن، ولا نريد أن يحدث أي حرب في هذا الوقت، ونحب الهدنة، لكن أن يحدث ما نكره قصراً ورغماً عن أنوفنا، ثم يأتي النصر والفتح والتمكين من خلال الحدث الذي نكرهه هذا أمر عجب!! لماذا هذه السُّنة؟ لماذا يأتي النصر من حيث نكره؟ لماذا لا يأتي النصر من حيث نحب، أو بالطريقة التي نريد، أو بالطريقة التي نخطط لها؟ لهذه السنة هدف واضح جداً، وهذا الهدف هو أن الله لا يريد لنا أن نُفتن بنصرنا، ولا يريد لنا أن نعتقد أن النصر إنما جاء لحسن تدبيرنا، ولدقة خطتنا، ولبراعة أدائنا، ولذكاء عقولنا، ولسرعة تصرفنا، وحتى لا ننسى أن الذي نصرنا هو الله القوي ، لذلك يأتي النصر من حيث لا نحتسب، بل ومن حيث نكره؛ ليعترف الجميع أن الناصر هو الله ، ويأتي النصر من طريق عكس التخطيط الذي رسمت، ومن طريق عكس الطريق الذي رجوت.
وهذا ليس معناه أننا لا نخطط أبداً، بل على العكس إذا لم تخطط وتجتهد لا يأتي النصر مطلقاً، لا بد أن تضع ألف خطة جادة لتحقيق النصر؛ لأن النصر سيأتي بالخطة رقم (١٠٠١) كما تقدم، أي: يأتي النصر بالخطة التي لم تخططها.
فالألف خطة هذه مطلوبة لإثبات أنك قد أخذت بالأسباب، ولتكون مستحقاً لرضا رب العالمين ، ومن ثم تستحق نصر الله ، لكن النصر يأتي بالخطة التي لم تحسب لها حساباً؛ لكي تعود بالفضل في النهاية لله ، ولهذا يقول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] النصر نصر الله ، والفتح فتح رب العالمين للمسلمين، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢].
كيف سيكون رد المسلمين في حالة رؤيتهم للفتح والنصر؟ وضح لنا في هذه السورة القصيرة المعجزة سورة النصر أن على المسلمين عند رؤية النصر عمل شيئين: أولاً: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:٣] يعني: سبح بحمد ربك الذي نصرك والذي أيدك بقوته، والذي مكّن لك في الأرض.
ثانياً: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] يعني: تأتي بالاستغفار بعد النصر والتمكين، لاحتمال أن يكون قد دخل في روعك أنك قد انتصرت بقدرتك وبقوتك وبتخطيطك وبتدبيرك، تقول: أنا فعلت كذا، أنا خططت، وأنا دبّرت!! فاستغفر من هذا الأمر؛ لأن الله هو الذي فعل، وسوف نفهم بعد هذا كيف دخل الرسول ﷺ مكة وهو في حالة شديدة من التواضع؛ لئلا يُفهم أنه قد فعل ذلك بقدرته البشرية، لكن رب العالمين هو الذي أراد التمكين والنصر والعزة للمسلمين، فلا بد من التواضع الكامل له .
إذاً: يأتي النصر من حيث نكره؛ لكي لا يدّعي مدع أنه انتصر بقوته، ولكن يُنسب الفضل والنصر لله ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
стр. 517
طول فترة الإعداد وقصر فترة التمكين
السنة الرابعة: وهذه السنة قد تكون محبطة للبعض إذا درسوا الموضوع بصورة سطحية، لكن التدبر في هذه السنة سيثبت إن شاء الله عكس ذلك.
فالسنة الرابعة أن فترة الإعداد طويلة جداً للدولة الإسلامية؛ لأجل أن نقيم دولة إسلامية نحتاج إلى فترة إعداد طويلة، لكن فترة التمكين لهذه الدولة قصيرة جداً.
فقد كان الإعداد لفتح مكة والتمكين كما في السيرة مدة (٢١) سنة كاملة، فأول البعثة كان في رمضان قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة، والفتح كان في رمضان بعد الهجرة بثمان سنين.
وفترة التمكين سنتان ونصف، من فتح مكة إلى وفاة الرسول ﷺ ؛ لأن بعد وفاة الرسول ﵊ حدثت الردة، وانتهى التمكين.
فترة الإعداد (٢١) سنة من أصل (٢٣) سنة، سنتان ونصف، يعني (٨٩%) من فترة السيرة، ولتكن (٩٠%)، وفترة التمكين (١٠%) فقط.
ولتراجع معي قصص التمكين في القرآن الكريم التي سبقت الرسول ﵊، لتراجع قصة نوح ﵇ وفترة الدعوة إلى الله كم ظل يدعو الناس؟ (٩٥٠) سنة، (١٠٠٠) سنة إلا (٥٠) عاماً، وفترة التمكين يسيرة جداً وقصيرة جداً.
هود وصالح كذلك ﵈ جميعاً.
وموسى ﵇ ظل في فترة إعداد طويلة جداً، إعداد له شخصياً، ولبني إسرائيل فترة تعذيب وتشريد واضطهاد طويلة جداً، وبعد ذلك فترة التمكين قصيرة.
هذا أمر متكرر جداً سواء قبل الرسول ﵊ أو بعد الرسول ﵊، راجع قصة صلاح الدين الأيوبي حوالي (٨٠) أو (٩٠) سنة إعداد، وفترة التمكين (١٥) أو (٢٠) سنة على الأكثر.
وبعد موقعة الزلاقة والتمكين الكبير لدولة المرابطين في الأرض، إعداد طويل جداً حوالي (٦٠) سنة ثم التمكين في الأرض فترة قصيرة من الزمان.
هذا الكلام يحتاج إلى وقفة، لماذا تستمر فترة التمكين لمدة قصيرة بينما يكون الإعداد طويلاً جداً؟ هذا من أجل سببين رئيسيين: السبب الأول: هو انفتاح الدنيا على المسلمين بعد التمكين، الوضع الاقتصادي جيد، والأوضاع الاجتماعية كذلك تتحسن، فالدنيا كلها تنفتح على المسلمين فتحدث الفتنة، ويحدث التصارع في زمن التمكين على المال والسلطان.
والنبي ﷺ كان يخشى على المسلمين من هذا الأمر، وذكرنا أكثر من مرة هذا الحديث لخطورته وأهميته في تكوين الدولة الإسلامية، قال ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تُبسط عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم)، بينما في أثناء فترة الإعداد لا توجد دنيا عندها ولا توجد فتنة، لكن في فترة التمكين تحدث الفتنة سريعاً، والمعصوم من عصمه الله ، والقليل جداً من الأمة الذي لا يقع في هذه الفتنة.
إذاً: السبب الأول: هو انفتاح الدنيا على المسلمين، والتصارع بين المسلمين على المال والسلطان.
السبب الثاني: عدد هائل من البشر سيدخل الإسلام لقوته لا اقتناعاً بمبادئه.
في زمن التمكين يرى الناس الدولة قوية وممكنة في الأرض، فينضم الجميع إلى هذه الدولة، المقتنع وغير المقتنع بالمبادئ الإسلامية، هذه ليست قضية تشغل الناس في ذلك الوقت، وتتزايد أعداد المسلمين بكميات كبيرة جداً، وهذه الأعداد المتزايدة لم تخضع للتربية كما خضع لها الأولون، وإنما أخذت قسطاً يسيراً جداً من التربية، وعند أول أزمة من الأزمات يسقط هؤلاء جميعاً فيختفي التمكين، وانظر إلى أعداد المسلمين بعد إعداد (١٩) سنة، فقد كان العدد (١٤٠٠) مؤمن في صلح الحديبية، ثم فتح خيبر زاد العدد، وفي فتح مكة بعد أقل من سنتين من الصلح وصل عدد المسلمين إلى عشرة آلاف رجل، وبعد فتح مكة بسنة واحدة خرج الرسول ﷺ في تبوك بثلاثين ألف مقاتل، العشرة آلاف الذين أتوا عام الفتح أصبحوا (٣٠٠٠٠) مقاتل، وهؤلاء العشرة آلاف منهم تقريباً (٥٠٠٠) أو (٦٠٠٠) أسلموا قبل الفتح بشهور وأيام قليلة، وبعد الفتح اجتمع (٢٠٠٠٠) بعد سنة واحدة، وبعد سنة أخرى من سنة (٩) هـ إلى سنة (١٠) هـ سنرى أن الناس مع النبي ﷺ في حجة الوداع وصل عددهم تقريباً مائة وثلاثين ألفاً في بعض التقديرات، يعني: زدنا مائة ألف مسلم في السنة العاشرة من الهجرة النبوية.
هذه أعداد ضخمة جداً التحقت بالدولة الإسلامية وهم في محاضن بعيدة جداً عن المدينة المنورة، وليست هناك الطاقة الكاملة الكافية لتربية هؤلاء، فعندما حصلت أزمة وفاة النبي ﵊ حصلت ردة في مناطق واسعة في الجزيرة العربية، والردة وقعت عند الذين لم يتربوا، ولا يوجد أحد من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ارتد، بل كلهم ثبت على الإسلام، لكن عموم الناس الذين دخلوا في وقت الفتح ووقت التمكين هؤلاء لم يُعطوا القسط الكافي من التربية، لذلك وقت التمكين عادة ما يكون قصيراً، ووقت الإعداد يكون طويلاً.
هل هذا الكلام محبط؟ هل يمكن أن يقول أحد المسلمين بعد كل هذا الإعداد والجهد والبذل لا نمكن إلا فترة قصيرة فقط
стр. 518
موقف الرسول ﷺ من اعتداء بني بكر على خزاعة
ماذا يفعل الرسول ﵊ إزاء اعتداء بني بكر على قبيلة خزاعة عمرو بن سالم وبديل بن ورقاء الخزاعي يستغيثان برسول الله ﵊؛ لكي ينجد خزاعة من الأذى والظلم الذي وقع عليها.
هنا حدثت أزمة وهي أزمة نقض العهد، وأزمة احتمال الحرب، وأزمة اهتزاز صورة الدولة الإسلامية إذا لم يكن هناك رد فعل مناسب.
هذه أزمة كبيرة جداً، ولكن كيف نحول الأزمة إلى فرصة.
هذا الكلام يفهمه علماء الإدارة، فعندما تقع عليك مصيبة كبيرة لا يخبرك فقط كيف تخرج من المصيبة، ولكن كيف تحاول أن تستفيد من المصيبة، فتحوّلها إلى مصلحة، وإلى فرصة سانحة تحقق من ورائها فائدة كبرى للمسلمين، أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر.
فالرسول ﵊ يريد أن يكسب من هذا الموقف، كيف يحقق نجاحاً من هذه الأزمة الكبيرة؟ كيف يستفيد من الأزمة ويجعل منها وسيلة لرفعة الأمة وسيادة الأمة؟ هل يبعث ألف جواب استنكار أو شجب وندب؟ لن يسمع صوته أحد، فما الذي يعمل؟ هل يذهب إلى هيئة الأمم المتحدة أو هيئة القبائل المتحدة؟! لن تنفع بشيء، بل من الممكن أن تحكم لقريش الدولة الأولى في المنطقة فما هو الحل؟ لا بد أولاً من دراسة واقعية للموقف، نأتي لندرس الواقع الذي يحيط بالرسول ﷺ ، ما هو حال الجزيرة العربية في ذلك الوقت؟
стр. 519
الوضع السياسي والعسكري للمسلمين
أولاً: الوضع السياسي والعسكري للمسلمين.
لقد كان الوضع السياسي والعسكري للمسلمين بعد مؤتة وذات السلاسل وضعاً ممتازاً فأعداد المسلمين تتزايد، والجيش الإسلامي مدرب تدريباً جيداً جداً، ليس مدرباً في لقاءات وهمية، ولكن في لقاءات حقيقية مع اليهود والمشركين، بل ومع الرومان في مؤتة كما رأينا.
فمعنويات الجيش الإسلامي في السماء، والانتصارات المتتالية في كل مكان رفعت معنويات الجيش الإسلامي.
سمعة المسلمين طيبة على مستوى الجزيرة بكاملها، بل على مستوى العالم.
والدولة الإسلامية لها علاقات قوية جداً مع أكثر من مملكة من ممالك الأرض، فاليمن دولة مسلمة، وعمان دولة مسلمة، والبحرين دولة مسلمة، وهناك علاقات مع الحبشة ومع مصر.
стр. 520
الوضع العسكري لقريش
ثانياً: الوضع العسكري لقريش.
كان الوضع العسكري لقريش ضعيفاً، ويزداد ضعفاً مع مرور الوقت، والرسول ﷺ كان يرى هذا من سنتين وأكثر، ولا ننسى في صلح الحديبية أنه قال في المفاوضات: (وإن قريشاً قد وهّنتهم الحرب وأضرت بهم)، وبعد الأحزاب قال ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا) يعني: نحن نسير إليهم، فهو ﷺ يرى أن الدولة الإسلامية في علو واضح، وقريش في هبوط واضح، والوقت الذي مر بعد صلح الحديبية لم يكن في صالح قريش، ورأينا تحول الرجال والنساء من الكفر إلى الإيمان، فهذا إضافة إلى الدولة الإسلامية، وفي نفس الوقت هو نقص في الدولة الكافرة.
وأحلاف قريش تكاد تكون محصورة فقط في بني بكر، وعلاقة قريش بهذا الحليف ليست قوية؛ لأنه كان بين قريش وبين بني بكر خلافات من أيام بدر، وهذه العلاقة بين أهل الباطل بين قريش وبين بني بكر أو أي حليف قد تتغير من حال إلى حال أخرى في وقت سريع وعاجل إذا تغيرت المصالح.
ولعل قريشاً إذا اتخذت موقفاً عسكرياً معيناً فقد تأتي بنو بكر وتخالف هذا الموقف، وتعتذر لخزاعة وللمسلمين وتفك الحلف بينها وبين قريش، فهذا كله وارد وممكن جداً، ورأته قريش قبل هذا في تاريخها أكثر من مرة، والحلف بينهما حقيقة ليس قوياً، والدليل على أنه عندما فُتحت مكة لم نجد أي مساعدة من أي نوع من بني بكر لقريش ضد المسلمين، مع أن مقتضيات معاهدة الحديبية تلزم بني بكر بالدفاع عن قريش إذا داهمها المسلمون، فما بالك لو كانت بنو بكر هي السبب في المشكلة، فهي التي خانت العهد، وهي التي هجمت على خزاعة، وما بالك لو كانت قريش أعانت بني بكر! فكل هذا كان من المفروض أن يجعل بني بكر تساعد قريشاً في أزمة الفتح، لكن لم نر ذلك وهكذا المعاهدات العلمانية القائمة على غير عقيدة صحيحة.
وعلى العكس كان الجيش الإسلامي وحدة مترابطة، يجمعها رباط واحد وهو رباط العقيدة، والرسول ﵊ يرى هذه العلاقات متينة وقوية.
إذاً: كان الموقف العسكري لقريش في أزمة كبيرة جداً؛ فقريش فقدت مجموعة من أعظم قادتها منذ شهور قليلة فقط، وهذا تمهيد رباني للفتح، فهذا خالد بن الوليد ﵁ الذي كان سبباً في انتصار المشركين في أحد، فقد كان قائد الفرسان الفذ الذي له سمعة في الجزيرة بكاملها، فهذا الرجل انضم إلى المعسكر الإسلامي، وليس فقط خسارة على قريش، بل كسبه المسلمون، وصار إضافة هائلة للدولة الإسلامية.
وهذا عمرو بن العاص أيضاً من أعظم دهاة العرب فقدت قريش قوته وأُضيفت قوته للمسلمين.
وهذا عثمان بن طلحة أيضاً ليس فقط من الفرسان الأشداء، ولكنه من بني عبد الدار، وحامل مفتاح الكعبة فإضافته للدولة الإسلامية إضافة في منتهى القوة، وقد رأينا عائلة عثمان بن طلحة جميعها أُبيدت حول راية المشركين في غزوة أحد تدافع عن راية المشركين، وقبيلة بني عبد الدار لها تاريخ طويل جداً في الدفاع عن حرمات قريش، والآن زعيم هذه العائلة وعميدها عثمان بن طلحة ينضم إلى المسلمين، وليس من البعيد أن جميع بني عبد الدار تنضم إلى المسلمين، فهذا يسبب اهتزازاً واضحاً جداً للصف المشرك.
إذاً: الوضع مستقر جداً للدولة الإسلامية، وفي الناحية الأخرى وجود ضعف عند قريش، ومع مرور الوقت يزداد هذا الضعف، وتقل الأحلاف، والجنود يقلون، والقادة يُفقدون ولصالح المسلمين.
стр. 521
تناقص أعداء المسلمين وضعف شوكتهم
ثالثاً: تناقص أعداء المسلمين جداً في ذلك الوقت وضعف شوكتهم.
رأينا أن اليهود انتهى خطرهم تقريباً بعد فتح خيبر، ورأينا غطفان لم ينته خطرهم فحسب، بل جاءت وفودهم تُعلن الإسلام، وتُعلن انضمامها إلى قوة المسلمين، وغطفان هي التي شاركت منذ سنتين في حصار المدينة المنورة المؤمنة، والآن سوف تشارك في حصار مكة المكرمة المشركة في ذلك الوقت.
стр. 522
الوضع القانوني والشرعي للمسلمين إزاء قريش
رابعاً: الوضع القانوني والشرعي للمسلمين.
إذا أراد المسلمون فتح مكة فالوضع سليم، ولا ينكر عليهم أحد، فهذه فرصة سانحة لفتح مكة، وقد لا تتكرر بسهولة، ولذلك لا يجب أبداً أن تُضيّع هذه الفرصة، وفتح مكة مطلب هام جداً، ومعاهدة الحديبية كانت تعوق فتح مكة، أما الآن فقد نُقضت المعاهدة، وديار المسلمين وأموالهم في داخل مكة ما زالت منهوبة، وهناك فرصة لاستعادة كل هذه الأمور المنهوبة من المسلمين، كما أن هناك فرصة لتعليم عوام الناس في داخل مكة الإسلام إذا أُزيحت الطغمة الحاكمة من كراسيها في مكة؛ ولهذا نجد عدم تفاعل الرسول ﵊ مع محاولات قريش لتجنب الحرب، فالنبي ﷺ قرر أن ينتهز هذه الفرصة الثمينة ويفتح مكة، فهذه حكمة سياسية في منتهى الروعة.
стр. 523
رفع المسلمين للظلم عن المظلومين واجب أخلاقي وقانوني وسياسي
خامساً: هناك واجب أخلاقي وقانوني وسياسي على المسلمين أن يقوموا بفتح مكة؛ وذلك لرفع الظلم عن المظلومين، فخزاعة ظُلمت ولا يجب أن تُترك هكذا دون مساعدة، ثم إن هذا الواجب ليس أخلاقياً فقط، بل هو واجب شرعي وقانوني، أي: أنه فرض على المسلمين أن يساعدوا خزاعة؛ لأن هذا التزام إسلامي مؤكد في صلح الحديبية، فكيف يتخلى عنه المسلمون، المسلمون؟ ليس لهم اختيار في ذلك الأمر، ما داموا قد عاهدوا على شيء عليهم أن يفوا بعهودهم، والمعاهدة مع خزاعة على أن ينصروهم إذا انتُهكت حرماتهم، وقد انتُهكت وفي داخل الحرم، فلم لا يتحرك المسلمون؟ لا بد أن يتحركوا؛ لأن المعاهدة تقول: إن الاعتداء على خزاعة هو اعتداء على المسلمين، حتى وإن كانت خزاعة مشركة.
إذاً: هناك واجب شرعي قانوني على المسلمين أن يجتهدوا في رد الحق إلى أصحابه، في رد الحق إلى خزاعة، وفي رفع الظلم عنهم.
وفي نفس الوقت هذا واجب سياسي هام جداً؛ لأن كرامة الدولة الإسلامية انتهكت أيضاً؛ ولأن هؤلاء الذين قُتلوا حلفاء المسلمين وإن كانوا مشركين، فلا بد لحفظ كرامة الدولة الإسلامية أن تكون الوقفة مناسبة، والرسول ﵊ رأى أن هذه الوقفة يجب أن تكون فتح مكة.
وهنا تضافرت أمور كثيرة جداً تفيد أن الوضع مناسب جداً لفتح مكة.
وعندما نعيد هذه الأوراق ونحلل الموقف سنجد الآتي: أولاً: الوضع العسكري والسياسي للدولة الإسلامية ممتاز ويتقدم.
ثانياً: الوضع العسكري والسياسي للدولة الكافرة في مكة ضعيف ويتأخر.
ثالثاً: الأعداء الآخرون للدولة الإسلامية استكانوا اليهود وغطفان وغيرهم.
رابعاً: الوضع القانوني إذا أراد المسلمون فتح مكة سليم تماماً.
خامساً: هناك واجب أخلاقي وشرعي وسياسي على المسلمين لصالح خزاعة لا بد من القيام به.
هذا هو الواقع الذي حلله الرسول ﵊ في لحظة واحدة، فقال: (نصرت يا عمرو بن سالم) وبدأ التجهيز لفتح مكة المكرمة.
إذاً أخذ قرار فتح مكة المكرمة في هذه الظروف سيكون قراراً حكيماً يحقق عدة مصالح دعوية وسياسية وعسكرية وأخلاقية، وغير ذلك، لكن هذا ليس قراراً سهلاً، بل هو من أصعب القرارات؛ لأن مكة ليست كأي بلد، مكة هي عقر دار قريش ولها تاريخ طويل، وقريش ليست بالقبيلة السهلة، هي أعز قبيلة في العرب، والعرب جميعاً يوقّرونها، وقد يغير الكثير من الناس مواقفهم إذا هُددت قريش في عُقر دارها، وبالذات أن عقر دار قريش هو البلد الحرام مكة، وله مكانة هائلة في قلوب جميع العرب.
لقد كان القرار جريئاً جداً وقد تكون له تبعات هائلة، وفي نفس الوقت كثرة التفكير والتروي أكثر من اللازم قد تضيع الفرصة، لا بد أن نأخذ قراراً حاسماً، والقرار قد اتخذ فعلاً وبحسم وبقوة، فقد قرر النبي ﷺ أن يفتح مكة.
стр. 524
وقفة مع قرار الرسول ﷺ فتح مكة
لا بد أن نقف وقفة مع هذا القرار: هذا القرار السريع ليس قراراً متهوراً حاشا لله، فالقرار مدروس وبحكمة، وذكرنا الواقع الذي كان فيه المسلمون والمشركون، لكن نريد أن نلفت الأنظار إلى أمر في غاية الأهمية، ساعد الرسول ﵊ على اتخاذ القرار، وهذا الشيء نسميه: الجاهزية الدائمة، اجعل هذا شعار حياتك: كن مستعداً، هناك فرص كثيرة جداً تأتي للإنسان، ولكن لا يستغل هذه الفرص؛ لأنه غير جاهز وغير مستعد، فالرسول ﷺ وشعبه المؤمن كان جاهزاً بصفة مستمرة، وكان الجيش مدرباً ومنظماً وعلى أُهبة الاستعداد دائماً، الشعب مهيأ لقضايا القتال والبذل والتضحية، والزوجات يدفعن أزواجهن للتضحية والجهاد، حتى الأولاد الصغار يعيشون هذا الجو باستمرار، ويتشوقون إلى الجهاد كما يتشوق إليه الكبار.
لو فُرض على الناس حرب وهي غير مستعدة نفسياً وقضايا الجهاد غير مطروحة في حياتها لا يمكن أن تجد أحداً سيقف معها، فالشعب المترف المرفه الذي يعيش بالملذات والأغاني والكرة صعب عليه أن يقف موقفاً محترماً في أزمة، فهذه الناس تحتاج إلى تربية، وكان شعب الرسول ﵊ في جاهزية دائمة؛ ولهذا عندما يأتي ظرف مثل هذا يستطيع ﷺ أن يستغله، فالوضع الاقتصادي للدولة الإسلامية كان في تحسن مستمر، والتنمية في كل المجالات على أحسن ما يكون، والبلد تنتج الذي تريده لا تخاف من أحد، والعلاقات الدبلوماسية له كانت مستقرة وكثيرة، والمخابرات الإسلامية كانت هنا وهناك تقوم بدورها على أفضل ما يكون، والحاكم والمحكوم والوزير والغفير والكبير والصغير الرجل والمرأة الكل يشعر بانتماء حقيقي غير مفتعل للبلد وللدين، وليس مجرد أغنية ليس لها أي معنى ولا تطبيق في حياة الناس! وليس مجرد شعار أجوف يقوله هذا أو ذاك! وليس مجرد خطاب سطحي مخادع للمحكومين! لا، الانتماء ليس أنك تذهب لتمثل بلدك في لعب الكرة وتحزن لو دخل هدف على بلدك، الانتماء أن تكون قابلاً لأن تدفع روحك من أجل بلدك ودينك، الانتماء أنك لا تضيع الدقيقة من شغلك في عمل ليس فيه فائدة للبلد والمسلمين، الانتماء أنك تصنع الذي تحتاجه ولا تستورد كل شيء، الانتماء أنك تحب الجيش وليس أن تهرب منه، الانتماء أنك تحافظ على أموال البلد وليس أن تختلسها وتعتبرها مالاً سائباً.
الانتماء قصة كبيرة جداً، قصة لا تقاس أبداً في الأستاد أو في السينما، لكن تقاس في ميدان الجهاد وفي المصنع والجامعة، وفي الحقول والمعامل في هذه الأشياء كلها، هذا هو الانتماء.
فشعب المدينة كان يعيش قصة الانتماء بطريقة صحيحة؛ ولهذا استطاع أن يقف ويجاهد مع الرسول ﷺ عندما احتاج الرسول ﷺ لهذا الانتماء الحقيقي.
وهذه الجاهزية الدائمة من أهم مفاتيح استغلال الفرص السانحة، ولهذا الرسول ﷺ استطاع أن يأخذ القرار من غير تردد؛ لأنه علم أن شعبه وجيشه معه بجد، وعلاقاته الدبلوماسية على أكمل وجه، وتعتبر السيرة منهجاً عملياً واقعياً للتغيير فعلاً.
إذاً: أُخذ قرار فتح مكة، وهو من أخطر القرارات في تاريخ الجزيرة، بل في تاريخ العالم، وسوف نرى آثار هذا الفتح الذي سيشمل تقريباً جميع مساحة الأرض وإلى الآن وإلى يوم القيامة.
كان هذا هو الوضع في المدينة المنورة، فكيف كان الوضع في مكة المكرمة؟ كيف تفكر قريش بعد المصيبة التي وقعت عليها؟ وما الذي تعمله بنو بكر مع قريش، وما الذي تعمله القبيلتان مع المسلمين بعد هذا؟ وكيف سيتعامل الرسول ﵊ مع محاولات قريش بعد ذلك لتجنب الحرب؟ وكيف يجهز الرسول ﵊ جيشه ويخرج به إلى هذا المشوار الصعب؟ فمكة المكرمة تبعد عن المدينة بمقدار (٥٠٠) كيلو في الصحراء.
هذه التفاصيل في غاية الأهمية، وهي عماد بناء الدولة الإسلامية، فينبغي أن تدرس بعناية، وهذا إن شاء الله سيكون موضوع الدرس القادم.
أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 525
سلسلة السيرة النبوية_ فتح مكة
يعتبر فتح مكة من أعظم لحظات السيرة النبوية عند النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، فقد كان بمثابة اللحظة التي مسحت آثار المعاناة والألم، واللحظة التي انتظرها المسلمون أكثر من عشرين سنة، واللحظة التي سيحكم فيها حرم الله بشرعه ودينه، بعد معاناة الصحابة بمكة قبل الهجرة مدة ثلاث عشرة سنة لاقوا فيها التعذيب والاضطهاد والتشريد والقتل، فهاهم اليوم يدخلون مكة منتصرين مستبشرين بهذا النصر المبين.
стр. 526
مقدمة بين يدي فتح مكة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد.
فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
مع الدرس العاشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تحدثنا عن خيانة ونقض بني بكر وقريش للعهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ ، وقتل عدد من رجال خزاعة المحالفة للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن ثم أخذ ﷺ القرار بفتح مكة، وتجهيز أكبر عملية عسكرية في تاريخ المسلمين حتى تلك اللحظة.
والواقع أن قريشاً بعد أن قامت بهذه الجريمة وساعدت بني بكر على قتل الرجال من خزاعة في داخل الحرم جلست قريش مع نفسها تتشاور في هذه القضية، فهي قضية خطيرة جداً: قضية نقض الصلح مع المسلمين، فزعماء قريش عقدوا مجلساً استشارياً كبيراً واجتمع في هذا المجلس أبو سفيان مع قادة مكة، اجتمع مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وغيرهم من رجال مكة وزعمائها، وبدءوا يفكرون فيما سيفعلونه نتيجة هذا الأمر الذي حدث وهو نقض المعاهدة، وقد كان هناك تصور عند قريش وخاصة عند أبي سفيان عن المسلمين وصل في تلك اللحظة إلى درجة الانبهار، فصلح الحديبية نفسه كانت الغلبة فيه للمسلمين، والقوة والبأس في صالح المسلمين، والتفريط والتنازل في صف قريش، وتحدثنا عن ذلك بالتفصيل، وقريش ما كانت لتسلّم بذلك الأمر لولا أنها رأت قوة المسلمين، وكان هذا منذ سنتين عندما كان عدد المسلمين (١٤٠٠) فقط في بيعة الرضوان أو في صلح الحديبية، ثم سافر أبو سفيان بعد الصلح إلى غزة للتجارة، وهناك التقى مع هرقل في اللقاء الذي تحدثنا عنه قبل ذلك ودارت بينهما المحاورة العجيبة، وخرج أبو سفيان من هذه المحاورة بتصور هائل عن رسول الله ﷺ ، حتى إنه ضرب يداً بيد وقال: (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه ليخافه ملك بني الأصفر -يعني: هرقل - فما زلت موقناً أنه سيظهر) الشاهد أن أبا سفيان كان يرى أن أمر النبي ﷺ سيظهر في يوم من الأيام، ثم إن أبا سفيان ومن معه من أهل قريش شاهدوا الانتصارات الإسلامية المتتالية هنا وهناك، وبالذات في خيبر ثم في مؤتة، وكانت هذه الانتصارات كبيرة جداً وضخمة جداً، ثم أسلمت الدول والقبائل المحيطة بمكة المكرمة، أسلمت اليمن، وأسلمت البحرين، وأسلمت عمان وغير ذلك من القبائل، وكل هذا ترك تصوراً بالرهبة والهلع عند قريش من مواجهة المسلمين، أضف إلى ذلك أن قريشاً بدأت تبحث في الفوائد المتحققة من مساعدتها لبني بكر في الخيانة التي تمت بقتل مجموعة من رجال خزاعة، فلم تجد أي نوع من الفائدة تحققت؛ لأن هذه معركة داخلية بين بني بكر وبين خزاعة، فإعانة قريش لبني بكر على حرب خزاعة يعتبر تهوراً ملحوظاً، بالإضافة إلى هذه الأمور خلفية عمرة القضاء، فقبل أقل من سنة واحدة رضي أهل مكة بمنتهى الضعف أن يدخل إليهم الرسول ﷺ مكة، وهو الذي طردوه وعذّبوه وأساءوا إلى سمعته، وحاربوه بكل طاقتهم، وافقوا أن يدخل إلى مكة ومعه (٢٠٠٠) من أتباعه لأداء العمرة، وأخلوا مكة له، وهذا لا شك ترك انطباعاً وتصوراً نفسياً قاسياً عند أهل قريش، ولا ننسى مظاهر القوة التي حرص ﷺ أن يظهرها في هذه العمرة، ولا ننسى انبهار قريش بقوة المسلمين وتعليقات قريش عندما رأوا جيش المسلمين وقوة المسلمين، وعمرة القضاء كانت تمهيداً نفسياً إيجابياً للمسلمين، وكانت تمهيداً نفسياً سلبياً للمشركين، وهذا كله من تدبير رب العالمين .
إذاً: قريش في اجتماعهم أدركوا أن احتمال الحرب وارد، واحتمال غزو مكة مع صعوبة تصور هذا الأمر على الذهن أمر محتمل، وبناء على هذا الاجتماع أخذت قريش قراراً صعباً، بل من أصعب القرارات في تاريخ قريش، وهو الذهاب إلى المدينة المنورة لاستسماح الرسول ﵊ أن يتغاضى عن هذا الخطأ، وأن يطيل الهدنة، وهذاً تنازل كبير جداً، وطعن كبير جداً في كرامة قريش، وخاصة أن الذي اختاروه للذهاب هو أبو سفيان شخصياً، أي: زعيم مكة وسيد مكة، ليس مجرد سفير ترسله مكة ولكن زعيم مكة بكاملها وزعيم بني أمية، وله تاريخ طويل مع المسلمين، وله حروب متتالية مع المسلمين، وهاهو أبو سفيان يتنازل عن كبريائه وعن كرامته ويذهب إلى المدينة المنورة؛ ليطلب من الرسول ﷺ أن يطيل الهدنة، وهذا شيء كبير جداً، ولعل هذه هي ولعل
стр. 527
موقف الرسول ﷺ وصحابته من أبي سفيان حين جاء إلى المدينة ليطيل مدة الهدنة
ذهب أبو سفيان إلى المدينة المنورة يحاول قدر المستطاع أن يمنع الرسول ﵊ من الانتقام لخزاعة والثأر لكرامته وكرامة الأمة الإسلامية، وأن يطيل المدة بأي ثمن.
ومن هذا الحدث سنأخذ قاعدة مهمة جداً، وهذا القاعدة ليست فقط في أيام الرسول ﵊ ولكنها ستظل معنا إلى يوم القيامة وهي: إذا كان عدوك حريصاً على السلام وحريصاً على تجنب الصدام بكل ما أوتي من قوة ويدفعك إليه دفعاً فاعلم أنه ضعيف، أو على الأقل يخشى قوتك فلا تضعف ولا تجبن.
فأتى أبو سفيان كي يحاول قدر المستطاع أن يتجنب الصدام، وسنجد الوقفة الإسلامية أمام أبي سفيان، في بداية دخوله إلى المدينة المنورة ذهب إلى ابنته، وبنت أبي سفيان كانت زوجة الرسول ﵊ وهي أم حبيبة ﵂ وأرضاها أم المؤمنين، والتقى أبو سفيان مع أم حبيبة ﵂، وكان هذا اللقاء بعد غياب (١٦) سنة متصلة، فقد كانت أم حبيبة ﵂ هاجرت إلى الحبشة، وبقيت في الحبشة فترة طويلة من الزمان، ثم تزوجها الرسول ﵊ وأتت إلى المدينة المنورة، ولم تمر بمكة منذ (١٦) سنة متصلة، فالعلاقة بينها وبينه منقطعة فترة طويلة، فكان أبو سفيان يظن أن أم حبيبة ستستقبله استقبالاً حافلاً فهو أبوها، ومنذ فترة طويلة من الزمن لم ير أحدهما الآخر، لكن عندما أراد التحدث معها وأراد الجلوس على الفراش، فإذا بها تطوي الفراش وتمنعه من الجلوس، فاستغرب أبو سفيان فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ فقالت السيدة أم حبيبة في صلابة وفي قوة: هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال أبو سفيان: يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج.
لنا وقفة مع موقف السيدة أم حبيبة، فقد يقول المحلل لهذا الموقف، إن هذا الموقف فيه نوع من الغلظة غير المقبولة من السيدة أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان، والواقع أن في مثل هذه الظروف تكون الغلظة؛ فـ أبو سفيان ليس إنساناً عادياً، بل زعيم مكة، والجميع في المدينة المنورة يعلم أن هناك نقضاً للمعاهدة التي تمت بين المسلمين وبين قريش، وأنه قد جاء إلى المدينة المنورة لكي يطيل المدة، والرسول ﵊ قد أنبأهم بذلك قبل أن يأتي أبو سفيان في معجزة نبوية ظاهرة، قال ﷺ : (كأنكم بـ أبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة)، فعرف المسلمون أنه أتى لهذا الغرض، لذلك أرادت أم حبيبة ﵂ وأرضاها أن تقف هذه الوقفة الصلبة الجريئة القوية مع أبيها؛ ليعلم أبو سفيان أن المسلمين جميعاً صف واحد، وأنهم جميعاً على قلب رجل واحد، حتى إن ابنته أم حبيبة ﵂ وقفت مع الرسول ﵊ ضد أبيها أبي سفيان، فهذا ترك انطباعاً وتصوراً سلبياً كبيراً جداً عند أبي سفيان، فقد عرف أنه يقف أمام أناس من الصعب أن يحاربهم، وليس هذا السلوك الإسلامي العام مع الرحم المشرك أو الرحم غير المسلم؛ لأن الله أمر بمصاحبة الآباء والأمهات المشركين بالمعروف، قال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والذي يؤكد على هذا المعنى ما جاء في البخاري عن السيدة أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: (قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، أي: أنها جاءت في نفس فترة صلح الحديبية، فالسيدة أسماء سألت الرسول ﷺ وقالت له: (يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صليها)، وهذا هو الأصل في المعاملة، لكن موقف أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان موقف مختلف، كان موقفاً صحيحاً بدليل سكوت رسول الله ﷺ عن هذا التصرف من السيدة أم حبيبة ﵂.
ثم خرج أبو سفيان من عند السيدة أم حبيبة بهذه الصدمة الكبيرة، واتجه مباشرة إلى الرسول ﵊ ليحاول أن يطيل المدة كما ذكرنا، فتحدث أبو سفيان مع الرسول ﷺ وذكر له رغبته، لكن الرسول ﵊ رفض أن يرد عليه، حتى مجرد الرد لم يرد الرسول ﷺ ، وهذا ليس هو التصرف المعتاد من رسو
стр. 528
استعداد الرسول ﷺ وأصحابه لفتح مكة
أعلن الرسول ﷺ استنفاراً عاماً على كل المستويات لكل أهل المدينة المنورة، وإرسال استدعاءات للمسلمين في القبائل المختلفة، وممن أرسل إليهم غطفان، وأرسل إلى بني سليم، وإلى فزارة، وهؤلاء هم الأحزاب الذين حاصروا المدينة منذ ثلاث سنوات، والرسول ﷺ اتفق مع هذه القبائل على التلاقي عند مر الظهران، ومر الظهران على بعد حوالي (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، أي: أن هذه القبائل ستأتي من طرق مختلفة؛ لكي لا تستطيع عيون قريش تقدير عدد الجيش المسلم، وفي نفس الوقت أخرج الرسول ﵊ سرية على رأسها أبو قتادة ﵁ للتمويه، أرسل هذه السرية إلى اتجاه بعيد عن اتجاه مكة المكرمة؛ ليلفت أنظار القرشيين إلى أنه لا يريد مكة المكرمة، وأمر ﷺ المسلمين جميعاً بالسرية التامة، وبعدم إخبار أي إنسان خارج المدينة المنورة بأمر هذا الغزو لمكة المكرمة، ثم رفع يده إلى السماء ودعا وقال: (اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة) وبدأ الإعداد الضخم للخروج من المدينة المنورة.
في ذلك الوقت حدثت قصة لا أريد أن أقف عندها كثيراً؛ لأني سأحيلها إن شاء الله إلى مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين، لكن نمر سريعاً على هذا الحدث، فالحقيقة أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه أخطأ خطأ كبيراً بإرادته بكشف سر رسول الله ﷺ لمشركي قريش، فهو أرسل إليهم رسالة يخبرهم فيها أن رسول الله ﷺ قادم إليهم، ولماذا فعل هذا؟ لأن له عائلة بمكة المكرمة وخشي عليها من بطش قريش، وليست له قبيلة كبيرة بمكة تدافع عن أسرته، فهو رجل حليف ليس من أهل مكة الأصليين، وهذا الأمر لا يبرر أبداً له هذا الخطأ الكبير، لكن هذا هو الذي حصل، ونزل الوحي يكشف للرسول ﵊ هذا الأمر، واستطاع الرسول ﵊ أن يرسل من يأتي بالرسالة التي أرسلها، وأحبطت هذه المحاولة، وهذا الصحابي الجليل لم يرتكب هذا الخطأ لأنه من المنافقين، بل هي لحظة ضعف خاف فيها على أسرته، ولذلك الرسول ﵊ عفا عنه وتجاوز عن هذا الخطأ؛ لسابق تاريخه ﵁ في الإسلام، وكما هو معروف أن حاطباً ﵁ من أهل بدر، ولهذا الرسول ﵊ منع عمر من إيذائه وقال له: (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطّلع على قلوب من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، هذا الحدث يحتاج إلى تفصيل، ولكن كما قلنا سنتحدث عنه بالتفصيل في مجموعة أخطاء المؤمنين.
خرج الرسول ﵊ من المدينة المنورة وكان هذا الخروج في (١٠) رمضان سنة (٨هـ)، واتجه مباشرة إلى مكة المكرمة، وفي الطريق بدأت البشريات تتوافد على المسلمين أولاً في طريقه وبمجرد أن خرج من المدينة المنورة لقي العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ ، ومن أحب الناس إلى قلبه ﷺ ، فقد كان تأخر إسلام العباس ﵁ وأرضاه علامة استفهام كبيرة جداً، حتى إن هناك من قال: إنه قد أسلم أيام بدر، ولم يفسّر تفسيراً واضحاً بقاءه في مكة المكرمة دون هجرة كل هذه السنوات، وهناك من قال: إنه بقي في مكة لنقل الأخبار للرسول ﵊، ولم يقم أحد الأدلة على ذلك، لكن الحمد لله أنه هاجر قبل أن يصل الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة، وذلك أسعد الرسول ﵊ جداً، وسر سروراً عظيماً برؤية العباس ﵁ وأرضاه، وانضم العباس إلى قوة المسلمين، وسيكون له دور إيجابي كما سنرى ذلك في فتح مكة المكرمة.
ثم أكمل الرسول ﵊ الطريق وقد زادت قوة المسلمين بـ العباس ﵁، فوجد رجلين آخرين: أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية، أحدهما ابن عم الرسول ﵊، والآخر ابن عمة الرسول ﷺ ، وهذان الرجلان كانا من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، وجاءا من مكة المكرمة إلى المدينة ليعلنا إسلامهما بين يدي الرسول ﵊، وتخيل من شدة إيذائهما للرسول ﵊ رفض ﵊ أن يقابلهما، مع أنه ﷺ كان يفرح كثيراً بمن أتى إليه مسلماً، إلا أنه رفض في البداية مقابلتهما من شدة إيذائهما له في فترة الفترة المكية، لولا أن السيدة أم سلمة ﵂ وكانت مصاحبة لرسول الله ﷺ في الفتح فتوسطت لهما عند رسول الله ﷺ ، فقابلهما الرسول ﷺ وقبل منهما الإسلام بعد أن أعلنا التوبة الكاملة بين يديه ﷺ .
стр. 529
موقف الرسول ﷺ حين شق الصوم على أصحابه بكراع الغميم
أكمل الرسول ﷺ الطريق، وكما ذكرنا أن هذا الخروج كان في رمضان سنة (٨ هـ)، وصام الجيش معظم الطريق حتى وصلوا إلى كراع الغميم، وكراع الغميم تقريباً على بعد (٦٠) كيلو أو أكثر من مكة المكرمة، وفي كراع الغميم جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وأخبروه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وكان هذا بعد صلاة العصر، فماذا فعل ﷺ ؟ دعا ﷺ بقدح فيه ماء ورفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب ﷺ ، وهذا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄.
نجد في هذا الموقف أن الرسول ﵊ عقد مقارنة سريعة هامة بين الصوم وبين الجهاد في سبيل الله، فالصوم عبادة عظيمة جداً، كما قال الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، كذلك الجهاد عبادة عظيمة جداً، وهو ذروة سنام الإسلام، وصرّح الرسول ﵊ أنه لا يعدله شيء أيضاً كما في البخاري عن أبي هريرة، فهو في هذا الموقف يقارن بين عبادتين عظيمتين، وهذا الموقف كان محيّراً للبعض إلا أن الرؤية كانت واضحة جداً عند رسول الله ﷺ ، فلذلك دعا بقدح فيه ماء فشرب وهو صائم، مع أن الموقف كان بعد صلاة العصر، ولم يبق إلا قليل ويدخل وقت المغرب، لكن فعل ذلك ﵊ ليزرع أكثر من معنى في نفوس المسلمين: أولاً: هناك ما يسمى بواجب الوقت، بمعنى أن هناك أشياء لا بد أن تتم الآن، وأشياء أخرى من الممكن أن تؤخر إلى وقت لاحق، فتأخير الصيام لا يضر، لأننا من الممكن أن نقضيه بعد انتهاء فتح مكة، لكن الجهاد الآن لا يؤخر، وخاصة أن الجيش على بعد (٦٠) كيلو من مكة المكرمة.
ثانياً: ليس من الممكن أن تأتي بكل أنواع الخير، أو تتجنب كل أنواع الشر، هذه من المثاليات غير الممكنة في الدنيا، لكن المسلم الحكيم يوازن بين العمل الفاضل والعمل المفضول، فيقدم الفاضل ويؤخر المفضول، ولا يكون هذا إلا بترتيب جيد للأولويات، وواقعية في الفكر والأداء، وتوفيق من رب العالمين .
ثالثاً: أن الإسلام ليس شعائر تعبدية فحسب، ومع ذلك ترى الكثير من المسلمين يقصر التزامه بالإسلام على الصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر ونحو ذلك من الشعائر، نقول: الإسلام دين جاء ليحكم كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، ونحن رأينا الرسول ﵊ يؤخر عبادة وشعيرة هامة جداً ليقوم بأمر آخر من الإسلام أيضاً في صالح الأمة ألا وهو الجهاد في سبيل الله، فالجهاد من الإسلام، والسياسة من الإسلام، والتجارة من الإسلام، والمعاملات من الإسلام وهكذا؛ ولهذا الرسول ﵊ أفطر وأمر الناس بالإفطار وهذا بعد وقت صلاة العصر، بل إن في صحيح مسلم: (أن بعض الصحابة جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: إن بعض الصحابة لم يفطروا مع الناس)، ماذا علّق ﷺ على هذا الفعل؟ قال ﷺ : (أولئك العصاة أولئك العصاة) مع أنهم لم يرتكبوا ذنباً، لكن هذه المخالفة في ذلك الوقت ستجعل قوتهم ضعيفة لا يستطيعون الجهاد مع المسلمين، فهنا خالفوا واجب الوقت، وخالفوا تقليد الرسول ﵊ في هذا الأمر، فسمّاهم ﷺ العصاة، مع أنهم يصومون رمضان في رمضان، وهذا يحتاج إلى تدبر عميق وفقه؛ لكي نستطيع فهم الأبعاد التربوية عند رسول الله ﷺ .
стр. 530
التقاء القبائل عام الفتح بالرسول ﷺ بمر الظهران وموقف زعماء مكة منها
وصل الرسول ﵊ إلى مر الظهران، ومر الظهران على بعد (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، وهناك التقت الجنود من القبائل المختلفة من قبائل فزارة ومن قبائل بني سليم ومن غطفان ومزينة وجهينة ومن المدينة المنورة من كل مكان، عشرة آلاف جندي، هذه هي الطاقة الإسلامية، وهذا الوضع كنفس الوضع الذي كان في غزوة الأحزاب ولكن بصورة عكسية، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] قبل الفتح بثلاث سنوات حوصرت المدينة بعشرة آلاف مشرك، والآن تحاصر مكة بعشرة آلاف مسلم، العدد هو العدد لكن شتان بين الفريقين.
أراد الرسول ﵊ لقريش هزيمة نفسية؛ لكي يدخل مكة بأقل الخسائر الممكنة، فأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم في فكرة نبوية عبقرية رائعة أن يشعلوا النيران جميعاً، أي كل فرد منهم يشعل شعلة ويرفعها بيده، فأصبحت عشرة آلاف شعلة من النيران، فالنيران بحد ذاتها مرعبة، فإذا رآها الناس شعروا بالرهبة، وهذه الفكرة كانت مثيرة ومرعبة لأهل قريش، وشاهدوها جميعاً؛ لأن المسافة (٢٢) كيلو بين جيش المسلمين وبين مكة فهي مسافة قريبة يستطيع أهل قريش أن يروا فيه النيران، ومع هذا كان من قريش المراقبين والجواسيس على مقربة من مر الظهران، ورأوا هذه النيران عن قرب، ومن هؤلاء أبو سفيان شخصياً، وتصور مدى الهلع والرعب عند سيد قريش وعند زعيم مكة الذي يدفعه أن يخرج بنفسه ليراقب أحوال المسلمين، وكان معه بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكرنا قبل هذا أن بديل بن ورقاء كان صديقاً شخصياً لـ أبي سفيان ومع أن بديلاً استغاث بالرسول ﵊ إلا أنه لم يكن يتوقع أبداً أن يأتي الرسول ﵊ بجيش يفتح مكة المكرمة عقر دار قريش، كان كل أحلامه أن الرسول ﵊ سيطلب من قريش أن تدفع دية المقتولين من خزاعة، لكن الآن يشاهد جيشاً كبيراً أتى إلى مكة المكرمة.
وهنا يأتي كلام العباس ﵁ وأرضاه عن هذا الموقف العجيب، وهذا في الطبراني بسند صحيح عن العباس ﵁، فـ العباس عندما رأى عشرة آلاف جندي على أبواب مكة المكرمة، ومع ذلك فـ العباس لا يزال حديث الهجرة، بل قد يكون حديث الإسلام، وقريش قبيلة قوية جداً، وإسلامها لا شك أنه أفضل من قتلها، ثم هم الرحم والأهل والعشيرة، فأول ما رأى هذا العدد يقترب من مكة المكرمة قال: وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
فبدأ يبحث عمن يخبر قريشاً أن الرسول ﵊ قد جاء ليخرجوا ليستأمنوه، فهو الآن لا يدل على أسرار الجيش؛ لأن الجيش قد كشف أمره، فقد أشعل عشرة آلاف شعلة حول مكة المكرمة، فليس هناك أي نوع من التخفي، فالآن هو يريد لقريش أن تستأمن لنفسها، فركب بغلة الرسول ﵊ وبدأ يبحث عن أي إنسان يصل بخبر إلى مكة المكرمة، فسمع همسات من رجلين يتحدثان فأحدهما كان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً، فرد عليه صوت آخر وقال: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب.
أي: أن خزاعة جاءت لتنتقم لنفسها من قريش، فقال الأول: خزاعة! والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فسمعهم العباس بن عبد المطلب فعرف الصوت فناداهما، فكان الصوت الأول أبا سفيان والصوت الثاني بديل بن ورقاء الخزاعي، وكما ذكرنا أن بديل بن ورقاء يعيش في داخل مكة المكرمة؛ فهو لا يعرف أحوال خزاعة، وهل خزاعة جاءت بجيش أو غير خزاعة؟ المهم أن العباس ﵁ لما ناداهما فعرف أبو سفيان صوته فقال: أبو الفضل؟ -أي: العباس بن عبد المطلب - فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، وا صباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، فوافق أبو سفيان دون تردد؛ لأن موقفه صعب جداً فهو زعيم قريش.
فوافق دون تردد وانصاع لنصيحة العباس بن عبد المطلب ﵁، وركب خلفه على بغلة رسول الله ﵊، وانطلق إلى الرسول ﷺ ، ورجع بديل بن ورقاء إلى مكة المكرمة، وفي ذهابهما إلى الرسول ﵊ كانا كلما مرا على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فيقولون: هذه بغلة الرسول ﵊، وهذا عم الرسول ﵊، إلى أن مرا على نار عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه
следующие страницы →