← Сира

Сира · id 37369

السيرة النبوية - راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (657 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مقدمة بين يدي فتح مكة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. مع الدرس العاشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين. في الدرس السابق تحدثنا عن خيانة ونقض بني بكر وقريش للعهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ ، وقتل عدد من رجال خزاعة المحالفة للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن ثم أخذ ﷺ القرار بفتح مكة، وتجهيز أكبر عملية عسكرية في تاريخ المسلمين حتى تلك اللحظة. والواقع أن قريشاً بعد أن قامت بهذه الجريمة وساعدت بني بكر على قتل الرجال من خزاعة في داخل الحرم جلست قريش مع نفسها تتشاور في هذه القضية، فهي قضية خطيرة جداً: قضية نقض الصلح مع المسلمين، فزعماء قريش عقدوا مجلساً استشارياً كبيراً واجتمع في هذا المجلس أبو سفيان مع قادة مكة، اجتمع مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وغيرهم من رجال مكة وزعمائها، وبدءوا يفكرون فيما سيفعلونه نتيجة هذا الأمر الذي حدث وهو نقض المعاهدة، وقد كان هناك تصور عند قريش وخاصة عند أبي سفيان عن المسلمين وصل في تلك اللحظة إلى درجة الانبهار، فصلح الحديبية نفسه كانت الغلبة فيه للمسلمين، والقوة والبأس في صالح المسلمين، والتفريط والتنازل في صف قريش، وتحدثنا عن ذلك بالتفصيل، وقريش ما كانت لتسلّم بذلك الأمر لولا أنها رأت قوة المسلمين، وكان هذا منذ سنتين عندما كان عدد المسلمين (١٤٠٠) فقط في بيعة الرضوان أو في صلح الحديبية، ثم سافر أبو سفيان بعد الصلح إلى غزة للتجارة، وهناك التقى مع هرقل في اللقاء الذي تحدثنا عنه قبل ذلك ودارت بينهما المحاورة العجيبة، وخرج أبو سفيان من هذه المحاورة بتصور هائل عن رسول الله ﷺ ، حتى إنه ضرب يداً بيد وقال: (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه ليخافه ملك بني الأصفر -يعني: هرقل - فما زلت موقناً أنه سيظهر) الشاهد أن أبا سفيان كان يرى أن أمر النبي ﷺ سيظهر في يوم من الأيام، ثم إن أبا سفيان ومن معه من أهل قريش شاهدوا الانتصارات الإسلامية المتتالية هنا وهناك، وبالذات في خيبر ثم في مؤتة، وكانت هذه الانتصارات كبيرة جداً وضخمة جداً، ثم أسلمت الدول والقبائل المحيطة بمكة المكرمة، أسلمت اليمن، وأسلمت البحرين، وأسلمت عمان وغير ذلك من القبائل، وكل هذا ترك تصوراً بالرهبة والهلع عند قريش من مواجهة المسلمين، أضف إلى ذلك أن قريشاً بدأت تبحث في الفوائد المتحققة من مساعدتها لبني بكر في الخيانة التي تمت بقتل مجموعة من رجال خزاعة، فلم تجد أي نوع من الفائدة تحققت؛ لأن هذه معركة داخلية بين بني بكر وبين خزاعة، فإعانة قريش لبني بكر على حرب خزاعة يعتبر تهوراً ملحوظاً، بالإضافة إلى هذه الأمور خلفية عمرة القضاء، فقبل أقل من سنة واحدة رضي أهل مكة بمنتهى الضعف أن يدخل إليهم الرسول ﷺ مكة، وهو الذي طردوه وعذّبوه وأساءوا إلى سمعته، وحاربوه بكل طاقتهم، وافقوا أن يدخل إلى مكة ومعه (٢٠٠٠) من أتباعه لأداء العمرة، وأخلوا مكة له، وهذا لا شك ترك انطباعاً وتصوراً نفسياً قاسياً عند أهل قريش، ولا ننسى مظاهر القوة التي حرص ﷺ أن يظهرها في هذه العمرة، ولا ننسى انبهار قريش بقوة المسلمين وتعليقات قريش عندما رأوا جيش المسلمين وقوة المسلمين، وعمرة القضاء كانت تمهيداً نفسياً إيجابياً للمسلمين، وكانت تمهيداً نفسياً سلبياً للمشركين، وهذا كله من تدبير رب العالمين . إذاً: قريش في اجتماعهم أدركوا أن احتمال الحرب وارد، واحتمال غزو مكة مع صعوبة تصور هذا الأمر على الذهن أمر محتمل، وبناء على هذا الاجتماع أخذت قريش قراراً صعباً، بل من أصعب القرارات في تاريخ قريش، وهو الذهاب إلى المدينة المنورة لاستسماح الرسول ﵊ أن يتغاضى عن هذا الخطأ، وأن يطيل الهدنة، وهذاً تنازل كبير جداً، وطعن كبير جداً في كرامة قريش، وخاصة أن الذي اختاروه للذهاب هو أبو سفيان شخصياً، أي: زعيم مكة وسيد مكة، ليس مجرد سفير ترسله مكة ولكن زعيم مكة بكاملها وزعيم بني أمية، وله تاريخ طويل مع المسلمين، وله حروب متتالية مع المسلمين، وهاهو أبو سفيان يتنازل عن كبريائه وعن كرامته ويذهب إلى المدينة المنورة؛ ليطلب من الرسول ﷺ أن يطيل الهدنة، وهذا شيء كبير جداً، ولعل هذه هي ولعل

стр. 527

موقف الرسول ﷺ وصحابته من أبي سفيان حين جاء إلى المدينة ليطيل مدة الهدنة ذهب أبو سفيان إلى المدينة المنورة يحاول قدر المستطاع أن يمنع الرسول ﵊ من الانتقام لخزاعة والثأر لكرامته وكرامة الأمة الإسلامية، وأن يطيل المدة بأي ثمن. ومن هذا الحدث سنأخذ قاعدة مهمة جداً، وهذا القاعدة ليست فقط في أيام الرسول ﵊ ولكنها ستظل معنا إلى يوم القيامة وهي: إذا كان عدوك حريصاً على السلام وحريصاً على تجنب الصدام بكل ما أوتي من قوة ويدفعك إليه دفعاً فاعلم أنه ضعيف، أو على الأقل يخشى قوتك فلا تضعف ولا تجبن. فأتى أبو سفيان كي يحاول قدر المستطاع أن يتجنب الصدام، وسنجد الوقفة الإسلامية أمام أبي سفيان، في بداية دخوله إلى المدينة المنورة ذهب إلى ابنته، وبنت أبي سفيان كانت زوجة الرسول ﵊ وهي أم حبيبة ﵂ وأرضاها أم المؤمنين، والتقى أبو سفيان مع أم حبيبة ﵂، وكان هذا اللقاء بعد غياب (١٦) سنة متصلة، فقد كانت أم حبيبة ﵂ هاجرت إلى الحبشة، وبقيت في الحبشة فترة طويلة من الزمان، ثم تزوجها الرسول ﵊ وأتت إلى المدينة المنورة، ولم تمر بمكة منذ (١٦) سنة متصلة، فالعلاقة بينها وبينه منقطعة فترة طويلة، فكان أبو سفيان يظن أن أم حبيبة ستستقبله استقبالاً حافلاً فهو أبوها، ومنذ فترة طويلة من الزمن لم ير أحدهما الآخر، لكن عندما أراد التحدث معها وأراد الجلوس على الفراش، فإذا بها تطوي الفراش وتمنعه من الجلوس، فاستغرب أبو سفيان فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ فقالت السيدة أم حبيبة في صلابة وفي قوة: هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال أبو سفيان: يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج. لنا وقفة مع موقف السيدة أم حبيبة، فقد يقول المحلل لهذا الموقف، إن هذا الموقف فيه نوع من الغلظة غير المقبولة من السيدة أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان، والواقع أن في مثل هذه الظروف تكون الغلظة؛ فـ أبو سفيان ليس إنساناً عادياً، بل زعيم مكة، والجميع في المدينة المنورة يعلم أن هناك نقضاً للمعاهدة التي تمت بين المسلمين وبين قريش، وأنه قد جاء إلى المدينة المنورة لكي يطيل المدة، والرسول ﵊ قد أنبأهم بذلك قبل أن يأتي أبو سفيان في معجزة نبوية ظاهرة، قال ﷺ : (كأنكم بـ أبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة)، فعرف المسلمون أنه أتى لهذا الغرض، لذلك أرادت أم حبيبة ﵂ وأرضاها أن تقف هذه الوقفة الصلبة الجريئة القوية مع أبيها؛ ليعلم أبو سفيان أن المسلمين جميعاً صف واحد، وأنهم جميعاً على قلب رجل واحد، حتى إن ابنته أم حبيبة ﵂ وقفت مع الرسول ﵊ ضد أبيها أبي سفيان، فهذا ترك انطباعاً وتصوراً سلبياً كبيراً جداً عند أبي سفيان، فقد عرف أنه يقف أمام أناس من الصعب أن يحاربهم، وليس هذا السلوك الإسلامي العام مع الرحم المشرك أو الرحم غير المسلم؛ لأن الله أمر بمصاحبة الآباء والأمهات المشركين بالمعروف، قال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والذي يؤكد على هذا المعنى ما جاء في البخاري عن السيدة أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: (قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، أي: أنها جاءت في نفس فترة صلح الحديبية، فالسيدة أسماء سألت الرسول ﷺ وقالت له: (يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صليها)، وهذا هو الأصل في المعاملة، لكن موقف أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان موقف مختلف، كان موقفاً صحيحاً بدليل سكوت رسول الله ﷺ عن هذا التصرف من السيدة أم حبيبة ﵂. ثم خرج أبو سفيان من عند السيدة أم حبيبة بهذه الصدمة الكبيرة، واتجه مباشرة إلى الرسول ﵊ ليحاول أن يطيل المدة كما ذكرنا، فتحدث أبو سفيان مع الرسول ﷺ وذكر له رغبته، لكن الرسول ﵊ رفض أن يرد عليه، حتى مجرد الرد لم يرد الرسول ﷺ ، وهذا ليس هو التصرف المعتاد من رسو

стр. 528

استعداد الرسول ﷺ وأصحابه لفتح مكة أعلن الرسول ﷺ استنفاراً عاماً على كل المستويات لكل أهل المدينة المنورة، وإرسال استدعاءات للمسلمين في القبائل المختلفة، وممن أرسل إليهم غطفان، وأرسل إلى بني سليم، وإلى فزارة، وهؤلاء هم الأحزاب الذين حاصروا المدينة منذ ثلاث سنوات، والرسول ﷺ اتفق مع هذه القبائل على التلاقي عند مر الظهران، ومر الظهران على بعد حوالي (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، أي: أن هذه القبائل ستأتي من طرق مختلفة؛ لكي لا تستطيع عيون قريش تقدير عدد الجيش المسلم، وفي نفس الوقت أخرج الرسول ﵊ سرية على رأسها أبو قتادة ﵁ للتمويه، أرسل هذه السرية إلى اتجاه بعيد عن اتجاه مكة المكرمة؛ ليلفت أنظار القرشيين إلى أنه لا يريد مكة المكرمة، وأمر ﷺ المسلمين جميعاً بالسرية التامة، وبعدم إخبار أي إنسان خارج المدينة المنورة بأمر هذا الغزو لمكة المكرمة، ثم رفع يده إلى السماء ودعا وقال: (اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة) وبدأ الإعداد الضخم للخروج من المدينة المنورة. في ذلك الوقت حدثت قصة لا أريد أن أقف عندها كثيراً؛ لأني سأحيلها إن شاء الله إلى مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين، لكن نمر سريعاً على هذا الحدث، فالحقيقة أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه أخطأ خطأ كبيراً بإرادته بكشف سر رسول الله ﷺ لمشركي قريش، فهو أرسل إليهم رسالة يخبرهم فيها أن رسول الله ﷺ قادم إليهم، ولماذا فعل هذا؟ لأن له عائلة بمكة المكرمة وخشي عليها من بطش قريش، وليست له قبيلة كبيرة بمكة تدافع عن أسرته، فهو رجل حليف ليس من أهل مكة الأصليين، وهذا الأمر لا يبرر أبداً له هذا الخطأ الكبير، لكن هذا هو الذي حصل، ونزل الوحي يكشف للرسول ﵊ هذا الأمر، واستطاع الرسول ﵊ أن يرسل من يأتي بالرسالة التي أرسلها، وأحبطت هذه المحاولة، وهذا الصحابي الجليل لم يرتكب هذا الخطأ لأنه من المنافقين، بل هي لحظة ضعف خاف فيها على أسرته، ولذلك الرسول ﵊ عفا عنه وتجاوز عن هذا الخطأ؛ لسابق تاريخه ﵁ في الإسلام، وكما هو معروف أن حاطباً ﵁ من أهل بدر، ولهذا الرسول ﵊ منع عمر من إيذائه وقال له: (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطّلع على قلوب من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، هذا الحدث يحتاج إلى تفصيل، ولكن كما قلنا سنتحدث عنه بالتفصيل في مجموعة أخطاء المؤمنين. خرج الرسول ﵊ من المدينة المنورة وكان هذا الخروج في (١٠) رمضان سنة (٨هـ)، واتجه مباشرة إلى مكة المكرمة، وفي الطريق بدأت البشريات تتوافد على المسلمين أولاً في طريقه وبمجرد أن خرج من المدينة المنورة لقي العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ ، ومن أحب الناس إلى قلبه ﷺ ، فقد كان تأخر إسلام العباس ﵁ وأرضاه علامة استفهام كبيرة جداً، حتى إن هناك من قال: إنه قد أسلم أيام بدر، ولم يفسّر تفسيراً واضحاً بقاءه في مكة المكرمة دون هجرة كل هذه السنوات، وهناك من قال: إنه بقي في مكة لنقل الأخبار للرسول ﵊، ولم يقم أحد الأدلة على ذلك، لكن الحمد لله أنه هاجر قبل أن يصل الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة، وذلك أسعد الرسول ﵊ جداً، وسر سروراً عظيماً برؤية العباس ﵁ وأرضاه، وانضم العباس إلى قوة المسلمين، وسيكون له دور إيجابي كما سنرى ذلك في فتح مكة المكرمة. ثم أكمل الرسول ﵊ الطريق وقد زادت قوة المسلمين بـ العباس ﵁، فوجد رجلين آخرين: أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية، أحدهما ابن عم الرسول ﵊، والآخر ابن عمة الرسول ﷺ ، وهذان الرجلان كانا من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، وجاءا من مكة المكرمة إلى المدينة ليعلنا إسلامهما بين يدي الرسول ﵊، وتخيل من شدة إيذائهما للرسول ﵊ رفض ﵊ أن يقابلهما، مع أنه ﷺ كان يفرح كثيراً بمن أتى إليه مسلماً، إلا أنه رفض في البداية مقابلتهما من شدة إيذائهما له في فترة الفترة المكية، لولا أن السيدة أم سلمة ﵂ وكانت مصاحبة لرسول الله ﷺ في الفتح فتوسطت لهما عند رسول الله ﷺ ، فقابلهما الرسول ﷺ وقبل منهما الإسلام بعد أن أعلنا التوبة الكاملة بين يديه ﷺ .

стр. 529

موقف الرسول ﷺ حين شق الصوم على أصحابه بكراع الغميم أكمل الرسول ﷺ الطريق، وكما ذكرنا أن هذا الخروج كان في رمضان سنة (٨ هـ)، وصام الجيش معظم الطريق حتى وصلوا إلى كراع الغميم، وكراع الغميم تقريباً على بعد (٦٠) كيلو أو أكثر من مكة المكرمة، وفي كراع الغميم جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وأخبروه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وكان هذا بعد صلاة العصر، فماذا فعل ﷺ ؟ دعا ﷺ بقدح فيه ماء ورفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب ﷺ ، وهذا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄. نجد في هذا الموقف أن الرسول ﵊ عقد مقارنة سريعة هامة بين الصوم وبين الجهاد في سبيل الله، فالصوم عبادة عظيمة جداً، كما قال الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، كذلك الجهاد عبادة عظيمة جداً، وهو ذروة سنام الإسلام، وصرّح الرسول ﵊ أنه لا يعدله شيء أيضاً كما في البخاري عن أبي هريرة، فهو في هذا الموقف يقارن بين عبادتين عظيمتين، وهذا الموقف كان محيّراً للبعض إلا أن الرؤية كانت واضحة جداً عند رسول الله ﷺ ، فلذلك دعا بقدح فيه ماء فشرب وهو صائم، مع أن الموقف كان بعد صلاة العصر، ولم يبق إلا قليل ويدخل وقت المغرب، لكن فعل ذلك ﵊ ليزرع أكثر من معنى في نفوس المسلمين: أولاً: هناك ما يسمى بواجب الوقت، بمعنى أن هناك أشياء لا بد أن تتم الآن، وأشياء أخرى من الممكن أن تؤخر إلى وقت لاحق، فتأخير الصيام لا يضر، لأننا من الممكن أن نقضيه بعد انتهاء فتح مكة، لكن الجهاد الآن لا يؤخر، وخاصة أن الجيش على بعد (٦٠) كيلو من مكة المكرمة. ثانياً: ليس من الممكن أن تأتي بكل أنواع الخير، أو تتجنب كل أنواع الشر، هذه من المثاليات غير الممكنة في الدنيا، لكن المسلم الحكيم يوازن بين العمل الفاضل والعمل المفضول، فيقدم الفاضل ويؤخر المفضول، ولا يكون هذا إلا بترتيب جيد للأولويات، وواقعية في الفكر والأداء، وتوفيق من رب العالمين . ثالثاً: أن الإسلام ليس شعائر تعبدية فحسب، ومع ذلك ترى الكثير من المسلمين يقصر التزامه بالإسلام على الصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر ونحو ذلك من الشعائر، نقول: الإسلام دين جاء ليحكم كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، ونحن رأينا الرسول ﵊ يؤخر عبادة وشعيرة هامة جداً ليقوم بأمر آخر من الإسلام أيضاً في صالح الأمة ألا وهو الجهاد في سبيل الله، فالجهاد من الإسلام، والسياسة من الإسلام، والتجارة من الإسلام، والمعاملات من الإسلام وهكذا؛ ولهذا الرسول ﵊ أفطر وأمر الناس بالإفطار وهذا بعد وقت صلاة العصر، بل إن في صحيح مسلم: (أن بعض الصحابة جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: إن بعض الصحابة لم يفطروا مع الناس)، ماذا علّق ﷺ على هذا الفعل؟ قال ﷺ : (أولئك العصاة أولئك العصاة) مع أنهم لم يرتكبوا ذنباً، لكن هذه المخالفة في ذلك الوقت ستجعل قوتهم ضعيفة لا يستطيعون الجهاد مع المسلمين، فهنا خالفوا واجب الوقت، وخالفوا تقليد الرسول ﵊ في هذا الأمر، فسمّاهم ﷺ العصاة، مع أنهم يصومون رمضان في رمضان، وهذا يحتاج إلى تدبر عميق وفقه؛ لكي نستطيع فهم الأبعاد التربوية عند رسول الله ﷺ .

стр. 530

التقاء القبائل عام الفتح بالرسول ﷺ بمر الظهران وموقف زعماء مكة منها وصل الرسول ﵊ إلى مر الظهران، ومر الظهران على بعد (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، وهناك التقت الجنود من القبائل المختلفة من قبائل فزارة ومن قبائل بني سليم ومن غطفان ومزينة وجهينة ومن المدينة المنورة من كل مكان، عشرة آلاف جندي، هذه هي الطاقة الإسلامية، وهذا الوضع كنفس الوضع الذي كان في غزوة الأحزاب ولكن بصورة عكسية، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] قبل الفتح بثلاث سنوات حوصرت المدينة بعشرة آلاف مشرك، والآن تحاصر مكة بعشرة آلاف مسلم، العدد هو العدد لكن شتان بين الفريقين. أراد الرسول ﵊ لقريش هزيمة نفسية؛ لكي يدخل مكة بأقل الخسائر الممكنة، فأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم في فكرة نبوية عبقرية رائعة أن يشعلوا النيران جميعاً، أي كل فرد منهم يشعل شعلة ويرفعها بيده، فأصبحت عشرة آلاف شعلة من النيران، فالنيران بحد ذاتها مرعبة، فإذا رآها الناس شعروا بالرهبة، وهذه الفكرة كانت مثيرة ومرعبة لأهل قريش، وشاهدوها جميعاً؛ لأن المسافة (٢٢) كيلو بين جيش المسلمين وبين مكة فهي مسافة قريبة يستطيع أهل قريش أن يروا فيه النيران، ومع هذا كان من قريش المراقبين والجواسيس على مقربة من مر الظهران، ورأوا هذه النيران عن قرب، ومن هؤلاء أبو سفيان شخصياً، وتصور مدى الهلع والرعب عند سيد قريش وعند زعيم مكة الذي يدفعه أن يخرج بنفسه ليراقب أحوال المسلمين، وكان معه بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكرنا قبل هذا أن بديل بن ورقاء كان صديقاً شخصياً لـ أبي سفيان ومع أن بديلاً استغاث بالرسول ﵊ إلا أنه لم يكن يتوقع أبداً أن يأتي الرسول ﵊ بجيش يفتح مكة المكرمة عقر دار قريش، كان كل أحلامه أن الرسول ﵊ سيطلب من قريش أن تدفع دية المقتولين من خزاعة، لكن الآن يشاهد جيشاً كبيراً أتى إلى مكة المكرمة. وهنا يأتي كلام العباس ﵁ وأرضاه عن هذا الموقف العجيب، وهذا في الطبراني بسند صحيح عن العباس ﵁، فـ العباس عندما رأى عشرة آلاف جندي على أبواب مكة المكرمة، ومع ذلك فـ العباس لا يزال حديث الهجرة، بل قد يكون حديث الإسلام، وقريش قبيلة قوية جداً، وإسلامها لا شك أنه أفضل من قتلها، ثم هم الرحم والأهل والعشيرة، فأول ما رأى هذا العدد يقترب من مكة المكرمة قال: وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فبدأ يبحث عمن يخبر قريشاً أن الرسول ﵊ قد جاء ليخرجوا ليستأمنوه، فهو الآن لا يدل على أسرار الجيش؛ لأن الجيش قد كشف أمره، فقد أشعل عشرة آلاف شعلة حول مكة المكرمة، فليس هناك أي نوع من التخفي، فالآن هو يريد لقريش أن تستأمن لنفسها، فركب بغلة الرسول ﵊ وبدأ يبحث عن أي إنسان يصل بخبر إلى مكة المكرمة، فسمع همسات من رجلين يتحدثان فأحدهما كان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً، فرد عليه صوت آخر وقال: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب. أي: أن خزاعة جاءت لتنتقم لنفسها من قريش، فقال الأول: خزاعة! والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فسمعهم العباس بن عبد المطلب فعرف الصوت فناداهما، فكان الصوت الأول أبا سفيان والصوت الثاني بديل بن ورقاء الخزاعي، وكما ذكرنا أن بديل بن ورقاء يعيش في داخل مكة المكرمة؛ فهو لا يعرف أحوال خزاعة، وهل خزاعة جاءت بجيش أو غير خزاعة؟ المهم أن العباس ﵁ لما ناداهما فعرف أبو سفيان صوته فقال: أبو الفضل؟ -أي: العباس بن عبد المطلب - فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، وا صباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، فوافق أبو سفيان دون تردد؛ لأن موقفه صعب جداً فهو زعيم قريش. فوافق دون تردد وانصاع لنصيحة العباس بن عبد المطلب ﵁، وركب خلفه على بغلة رسول الله ﵊، وانطلق إلى الرسول ﷺ ، ورجع بديل بن ورقاء إلى مكة المكرمة، وفي ذهابهما إلى الرسول ﵊ كانا كلما مرا على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فيقولون: هذه بغلة الرسول ﵊، وهذا عم الرسول ﵊، إلى أن مرا على نار عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه

стр. 531

قصة إسلام أبي سفيان ودوره في فتح مكة لقد عرض الرسول ﵊ الإسلام على أبي سفيان بمنتهى القوة، فهو يعرض عليه الإسلام لنجاته وإلا فالأصل أن الرسول ﵊ في حل من دماء قريش؛ لأنهم خالفوا صلح الحديبية وقتلوا رجالاً من قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، فعرض عليه الإسلام بصيغة فيها ترهيب واضح قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟) تهديد واضح، ذهب وقت الإقناع والمحاورة، والآن نحن على أبواب حرب، وأبو سفيان ليس بالرجل السهل فهو من دهاة العرب، واستطاع أن يقوّم الموقف بأسرع وقت وبصورة واقعية، ولذلك تلطّف في الحوار وأجاب بصورة تجمع بين الموافقة وعدم الاقتناع الكامل، فقال أبو سفيان: (بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً)، وبعد مدح الرسول ﵊ لم يجاوب إجابة مباشرة قائلاً: أشهد أن لا إله إلا الله، ولكن قال: لو كان هناك آلهة أخرى كاللات أو هبل أو غيرهما لدافعت عنا، فانتقل معه الرسول ﷺ إلى النقطة الأصعب: وهي الاعتراف بنبوة الرسول ﵊: لأن العرب ما كانوا ينكرون أن الله هو الخالق، ولكنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، أما قضية النبوة والرسالة فهذه كانت مرفوضة عندهم تماماً، فقال له الرسول ﵊: (ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟) فـ أبو سفيان حتى هذه اللحظة لم يقتنع بقضية الإيمان، وهو لا يريد في نفس الوقت أن يكذب وهو سيد قريش، وكان كما يقول عن نفسه: وكنت امرأ أتكرم على الكذب، وفي نفس الوقت لا يريد أن يأخذ موقفاً حاداً تكون فيه نهايته، وإنما قال أبو سفيان: (بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن)، أي: أنه وإلى هذه اللحظة لم يكن مقتنعاً بنبوته ﷺ ، فهو متردد، لا يتصور أبو سفيان أن تنهار مقاومته كلها في لحظة، وهنا تدخل العباس ﵁ ليدرك أبا سفيان فـ العباس مدرك صعوبة الموقف، واحتمال قتل أبي سفيان وغزو مكة وإهلاك قريش احتمال وارد جداً، وعمر بن الخطاب صرّح بذلك في اليوم الذي قبيل هذا اليوم، فقال العباس في منتهى القوة: (ويحك يا أبا سفيان أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك)، وهذا ليس إكراهاً في الدين، بل هو رحمة؛ لأن قتل أبي سفيان في هذا الموقف لا يستنكره أحد؛ فهو يسمى في أعراف الدول: بمجرم الحرب؛ لأنه دبر اغتيالاً جماعياً قبل ذلك لسكان المدينة المنورة في غزوة الأحزاب، هذا غير فتنة الناس عن دينهم طول سنوات مكة والمدينة، غير نقضه العهد مع الرسول ﵊ في صلح الحديبية، فقد أصبح حلال الدم، وهذا في عرف الجميع مقبول، وإسلامه يرفع عنه عقوبة مستحقة وله الخيار، فـ أبو سفيان رجل واقعي فقد أدرك خطورة الموقف ولذلك نطق بالشهادتين مباشرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأعلن إسلامه أمام الرسول ﵊، والعباس ﵁ صديق قديم لـ أبي سفيان، ويرى الأزمة التي وضع فيها أبو سفيان، ويرى الانهيار الذي تعرض له، ولهذا طلب العباس ﵁ من الرسول ﵊ طلباً ليخرج أبا سفيان من هذه الأزمة، فقال: (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً)، هنا بدأ الرسول ﵊ يفكر في الأمر، ومن الواضح أن إسلام أبي سفيان كان إسلام اضطرار، فهو لم يقتنع بعد بالنبوة، ولم يشعر بالانتماء الحقيقي للنظام الجديد، فقد ينتهز أي فرصة للانقلاب على المسلمين، وأبو سفيان عظيم مكة لعدة سنوات، فإن لم ينزله ﷺ منزله فإن هذا سيؤثر سلباً لا شك على أبي سفيان وعلى أهل مكة جميعاً، ثم إن الرسول ﵊ إذا أعطى أبا سفيان شيئاً فهو سوف يستخدمه لصالح الإسلام، وسيكون أبو سفيان من رجاله وولاته بدلاً من أن يكون من أعدائه، وقد يرى ذلك بقية زعماء مكة فيطمعون في شيء من سلطان المسلمين كما أخذ أبو سفيان؛ ولهذا الرسول ﵊ قرر أن يعطيه شيئاً، ولكن الرسول ﷺ في ذلك الوقت لا يملك مالاً كثيراً يليق بزعيم مكة، ولا يستطيع أن يعده بإمارة؛ لأنه لم يستوثق بعد من صدق إيمانه؛ لأن الظاهر أنه أسلم مضطراً، وقد يؤذي المسلمين بإمارته سواء على

стр. 532

خطة الرسول ﷺ العسكرية لدخول مكة عند اقتراب الرسول ﵊ من مكة بدأ يضع الخطة العسكرية لدخول مكة، فقسّم جيشه إلى أربعة فرق: فرقة على رأسها خالد بن الوليد ﵁، وهذه تدخل من جنوب مكة، وهي فرقة فرسان قوية جداً. الفرقة الثانية: على رأسها الزبير بن العوام ﵁ وتدخل من كداء شمال مكة المكرمة، وهي أيضاً فرقة فرسان. وهاتان الفرقتان تحاصران مكة كأنها بين فكي كماشة. الفرقة الثالثة: هي فرقة من الرجّالة المشاة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁. أما الفرقة الرابعة: فهي فرقة الأنصار ﵃ وعلى رأسها سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، وفي هذه الفرقة كان يسير رسول الله ﷺ ، والرسول ﵊ أمر الفرق الأربع بالالتقاء عند الصفا، كل فرقة تأتي من ناحية وتدخل مكة المكرمة ثم يلتقون جميعاً عند جبل الصفا بالقرب من البيت الحرام. فمعظم الناس في مكة استمعوا لكلام أبي سفيان ودخلوا الأماكن الآمنة، إما أنهم دخلوا المسجد الحرام، أو دخلوا بيوتهم، أو دخلوا دار أبي سفيان، لكن بعض زعماء قريش غير أبي سفيان قرروا القيام بمحاولة يائسة للمقاومة لعلها تنجح مع جمع أوباش قريش، يعني: العبيد والفقراء وعوام الناس، فهؤلاء الزعماء يدفعون بهؤلاء الأوباش إلى قتال الجيش الإسلامي، وكان يرأس هؤلاء عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وهما من أشهر فرسان قريش، وكانت النتيجة في حسابات زعماء قريش أحد أمرين: إما نصر، وسيكون هذا النصر للسادة، وإما هزيمة فعندها سيسلمون للرسول ﵊ ما يريده، ولو كانت الهزيمة قاسية وفقد الجيش؛ لأن الجيش هم من الأوباش الذين لا قيمة لهم عندهم، وهكذا هي الجيوش العلمانية، النصر للسادة، والتضحية والبذل للعبيد، أقصى أحلام الجندي المنتصر في الجيوش العلمانية أن يعطى نيشاناً أو عدة عشرات أو مئات من الجنيهات، وعند الهزيمة يضحون بالآلاف والملايين، أما السادة في الجيوش العلمانية فيحتفلون بالنصر ولا يدفعون أثمان الهزائم، وهذا الكلام خلافاً للجيوش الإسلامية تماماً، فالرسول ﵊ كان يقاتل مع جنوده كأحدهم تماماً، يعاني كما يعانون ويتعرض للخطر كما يتعرضون، والغنائم في حالة الفوز توزّع على جيش المنتصر، والهزيمة يشترك في دفع ثمنها الجميع. وهذا الأمر يزرع الانتماء في قلوب الجميع بصورة تلقائية طبيعية، فهذا هو الوضع في الجيوش الإسلامية، لكن الوضع في مكة كان غير هذا، فقد كان الوضع في مكة عبارة عن قبول المعظم من الناس بدخول البيوت وتجنب القتال، إلا فرقة من العبيد والفقراء يقودهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانت متمركزة عند منطقة تسمى الخندمة في جنوب مكة، وهذه الأخبار تصل الرسول ﵊، ومن ثم أصدر الرسول ﵊ عدة أوامر، أصدر ثلاثة أوامر رئيسية: الأمر الأول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، فليس الغرض من الفتح هو الانتقام من أهل مكة، رغم كل التاريخ الأسود لكفارها، لكن الغرض هو حكم هذه البلدة الطيبة بالإسلام، وتعليم الناس دين رب العالمين ، وهذا حكم عام ينطبق على كل الحروب الإسلامية، ورأيناه في جميع الفتوحات الإسلامية. الأمر الثاني: إذا لقيتم أوباش قريش الذين يقاتلون فاحصدوهم حصداً. في مقابل الرحمة في الأمر الأول هناك الحزم والقوة في الأمر الثاني، فلا بد أن يرى أهل الباطل قوة المسلمين وبأسهم، وعندها ستلين قناتهم، وسيسلس قيادهم، وهذا أحفظ لدمائهم ودماء المسلمين. الأمر الثالث: إهدار دم مجموعة من كفار مكة، وهذه المجموعة ارتكبت جرائم شنيعة في حق الدولة الإسلامية، وهي جرائم لا تغتفر، حتى إن رسول الله ﷺ وهو المشهور بالرحمة والمعروف بالرفق واللين يقول في حقهم: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة) وكانوا بضعة عشر رجلاً وامرأة، وكانت هذه دلالة واضحة جداً على جدية الدولة الإسلامية، وعدم قبول الدولة الإسلامية بأي حال من الأحوال أن يسخر أحد منها أو من رموزها، وخاصة أن معظم هؤلاء الذين أُهدر دمهم كانت جريمتهم هي سب الرسول ﷺ والسخرية منه، والتعريض به والتهكم عليه، ولا يخفى على أحد أن الطعن في رسول الله ﷺ ليس كالطعن في أي قائد؛ لأنه ليس مجرد زعيم للدولة الإسلامية، بل هو ناقل عن رب العزة، ورسول من رب العالمين ، فالطعن فيه طعن في دين وشرع وقانون وكيان الدولة الإسلامية، وهو ما لا يجب أن ينسى بسهولة؛ ولهذا كان الأمر الصارم: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة)، وبعضهم قتل فعلاً وبعضهم تاب، وعاد إلى الرسول ﵊ وأعلن التوبة الصريحة بين يديه وقبل منه الرسول ﷺ . إذاً: فقد كانت هذه هي أوامر الرسول ع

стр. 533

موقف الرسول ﷺ من إرادة سعد بن عبادة مقاتلة أهل مكة يوم الفتح دخلت الجيوش الإسلامية مكة كما خطط لها رسول الله ﷺ ، ومكث معظم أهل مكة في بيوتهم وكانت شوارع مكة في الأغلب خالية من المارة، وكانت رغبة الرسول ﷺ الأكيدة ألا يحدث قتال، وخاصة في هذا البلد الحرام، فهي أحب البلاد إلى قلبه ﷺ ، ومع وضوح هذه الرغبة في كلام وأفعال الرسول ﵊ إلا أن بعض الصحابة كانت تراودهم أحلام الانتقام ممن أذاقوا المسلمين العذاب ألوانه، من ذلك أن سعد بن عبادة ﵁ سيد الأنصار وقائد كتيبة الأنصار قال في حماسة عند دخوله مكة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وهذه الكلمات تعبر عن رغبة في القتال، مع أن هذه الكلمات لها خلفية شرعية ولها منطق مقبول إلا أنها لم ترض الرسول ﷺ ، فالخلفية الشرعية أن الرسول ﵊ قال: (إن مكة قد أحلت له ساعة من نهار) يعني: القتال في ذلك الوقت قتال شرعي، لكن الرسول ﵊ كان يريده فقط عند الاضطرار، وأن الأصل ألا نقاتل، ولكن منطق سعد بن عبادة هذا منطق مفهوم ومقبول، فالمنطق كان يؤيد هذا الأمر في رأي العموم من الناس؛ فمكة الآن محكومة بأهل الكفر وقتالهم واجب، فهؤلاء هم الذين عذّبوا المؤمنين، وهم الذين أخرجوا الرسول ﵊ آذوه وأصحابه قبل ذلك، بل إن سعد بن عبادة قد تعرض لأذى قريش بصورة مباشرة، وارجعوا إلى درس بيعة العقبة الثانية ففي آخر البيعة أمسك المشركون بـ سعد بن عبادة وضربوه ضرباً مبرحاً مع كونه سيد الخزرج، ومن الشخصيات الهامة جداً في الجزيرة العربية، ولا شك أن هذه الحادثة تركت في نفسه أثراً وأراد أن يعاملهم بالمثل فقال مثل هذه الكلمات، ومع كل هذه المبررات إلا أن الرسول ﵊ لم يكن يريد قتالاً فعلاً، ووصلت إليه كلمة سعد بن عبادة عن طريق أبي سفيان، وأبو سفيان ارتعب عند سماع كلمة سعد بن عبادة هذه، وأسرع إلى الرسول ﵊ يستوثق من أمر الأمان لأهل مكة، فقال ﷺ عندما سمع هذه الكلمات: (اليوم يوم المرحمة) يرد على كلمة سعد: اليوم يوم الملحمة، قال ﵊: (اليوم يوم المرحمة، هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة) فالرسول ﷺ صحح المفاهيم ولم يكتف بذلك، لقد خشي ﷺ أن يأخذ سعد بن عبادة فرقته من الأنصار بهذه الروح القتالية فيتساهل في أمر القتال، لذلك نزع الراية منه وأعطاها لغيره، لكن بفقه دعوي رائع جداً أراد أن يطيب خاطر سعد بن عبادة ولا يؤثر على نفسيته وخاصة أنه زعيم الخزرج، فأعطى الراية لـ قيس بن سعد بن عبادة، فكان قراراً في منتهى الحكمة وأرضى به كل الأطراف، أرضى سعد بن عبادة وأرضى نفسه ﷺ بتنفيذ القرار ألا يقاتل إلا من قاتل، وأرضى أبا سفيان الذي اشتكى إليه هذه الكلمة القاسية عليه، وخاصة أنه قد أعطى أماناً لأهل مكة.

стр. 534

موقف الجيش الإسلامي من مقاومة بعض كفار قريش ومكانة الفتح في نفس الرسول وصحابته دخلت الجيوش الإسلامية مكة من كل مكان، ولم تلق قتالاً يذكر إلا في جنوب شرق مكة كما ذكرنا عند منطقة اسمها الخندمة، حين تزعم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أوباش قريش وقاتلوا في هذه المنطقة، والذي دخل من الجنوب من المسلمين خالد بن الوليد ﵁ بفرقة قوية من الفرسان، ومع كون خالد ﵁ صديقاً قديماً وحميماً لـ عكرمة ولـ صفوان إلا أنه كان متجرداً تمام التجرد، وقاتل قتالاً شديداً رائعاً تطاير من حوله المشركون، وما هي إلا لحظات حتى صارت الفرقة المشركة ما بين قتيل وأسير وفار، وهرب صفوان بن أمية وكذلك عكرمة بن أبي جهل هربا من مكة بكاملها، وخمدت المقاومة تماماً في مكة المكرمة، وفتحت مكة أبوابها لخير البشر ﷺ ليدخلها آمناً مطمئناً عزيزاً. لعل هذه هي أعظم لحظات السيرة النبوية فهي اللحظة التي مسحت آثار المعاناة والألم، واللحظة التي انتظرها المسلمون أكثر من عشرين سنة، واللحظة التي سيحكم فيها حرم الله بشرع الله ، ثلاث عشرة سنة متصلة في مكة من الألم والتعذيب والاضطهاد، أين أولئك الساخرون من الإسلام؟ أين أولئك المتهكمون على رسول الله ﷺ ؟ أين الذين كانوا يقولون: شاعر، أو مجنون؟ أين الزعماء والأسياد والأشراف والقواد؟ أين الجبابرة والطواغيت؟ لا تسمع منهم اليوم إلا همساً. لا شك أن الرسول ﵊ عند دخوله مكة كان يستعرض شريطاً كاملاً للذكريات، ومر على ذهنه ﷺ وهو يدخل مكة بهذا الدخول العظيم الفاتح، تذكر هنا كانت الطفولة والشباب، وهنا نزل عليه جبريل ﵇ للمرة الأولى، وهنا كانت خديجة ﵂، ذكريات (٢٥) سنة كاملة، ذكريات الجهاد والصبر حتى الوفاة. هنا مرت لحظات سعيدة جداً على المسلمين، لحظة يوم أسلم الصديق ويوم أسلم عمر ويوم أسلم عثمان وعلي وحمزة وأبو عبيدة وسعد ذكريات جميلة، هنا دار الأرقم بكل ذكرياته الجميلة أيضاً. وهنا في نفس الوقت الصبر والكفاح والثبات، فمن هنا خرج المهاجرون إلى الحبشة، ومن هنا خرج المهاجرون أيضاً إلى المدينة المنورة، ومن هنا خرج الرسول ﷺ وصاحبه الصديق في هجرة صعبة في مطاردة شرسة، وزعماء الكفر جميعاً قد جندوا أنفسهم لحربه أو لقتله، يلتفت إلى مكة حال خروجه منها ويقول: (والله إنكِ لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجت) وبعدها تمر الأيام وتمر السنين، أحداث ساخنة، ومواقف صعبة، جهاد ومشقة، وعناء وكفاح، لكن ما غابت مكة عن الذهن لحظة واحدة، وهنا يتحقق حلم السنين، أصبح الأمل واقعاً، وصار الحلم حقيقة، وهناك أناس كثيرون يظنون أن هذا أمر مستحيل، لكن تبقى الحقيقة الواضحة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] إنه نصر الله وتدبير الله وتوفيق الله، فقد كان الرسول ﷺ يدرك ذلك تمام الإدراك؛ لذلك لم يدخل مكة دخول المنتصرين المتكبرين، رافعاً رأسه متعالياً على غيره، ناسباً النصر لنفسه، حاشا لله، ولكنه دخل مكة دخول المتواضعين لله الخاشعين له، خفض رأسه ﷺ في تواضع حتى كادت أن تمس ظهر دابته، دخل وهو يتلو سورة النصر، فيذكر نفسه ويذكر المؤمنين حوله ويذكر المؤمنين إلى يوم القيامة، بل ويعلم الناس جميعاً أن النصر من عند الله ، وأنه إذا قضى شيئاً فلا راد لقضائه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]. وصار الموكب المهيب الجليل حتى دخل صحن الكعبة، ليبدأ الرسول ﷺ ومن اللحظة الأولى في إعلان إسلامية الدولة وربانية التشريع، وليرسّخ القاعدة الأصيلة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]. ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يرفع رايات الموحدين، وأن يرينا يوماً تفتح فيه بلاد الأرض بالإسلام ويظهر فيه الدين، ويعز الله فيه المؤمنين، ويذل فيه المشركين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. كما نسأله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا. ونسأله أن يجمعنا على الخير دائماً. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]

стр. 535

سلسلة السيرة النبوية_ إسلام مكة كان يوم فتح مكة يوماً مشهوداً، وفيه من الدروس والعبر الكثير، من ذلك: احتواء الموقف، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل بتكسير الأصنام، وتأليف القلوب، والصفح والعفو عن ألد الأعداء وإدخالهم في حظيرة الإسلام بالأخلاق الرفيعة العالية، وغير ذلك من المواقف العظيمة التي فعلها ﷺ في يوم فتح مكة.

стр. 536

الخطوات التي قام بها الرسول ﷺ بعد فتح مكة مباشرة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني فترة الفتح والتمكين. في الدرس السابق تحدثنا عن لحظة من أهم اللحظات في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل وفي تاريخ الأرض عندما دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحاً عزيزاً منتصراً ﷺ ، ودخل كما تعلمون في عشرة آلاف من أصحابه ﵃ وأرضاهم أجمعين. وكما ذكرنا لم يلق مقاومة تذكر في مكة المكرمة إلا مجموعة واحدة من كفار قريش أرادت المقاومة، فاستطاع خالد بن الوليد ﵁ مع فرسان معه أن يقضوا على هذه المقاومة في لحظات، ودانت مكة المكرمة لحكم المسلمين بعد أقل من يوم واحد من فتحها، والرسول ﵊ دخل بموكبه المهيب مخترقاً مكة بكاملها حتى وصل إلى صحن الكعبة.

стр. 537

تكسير الأصنام أول ما دخل ﷺ الكعبة المكرمة أمر بتكسير الأصنام التي حولها داخلها، فقد كان حول الكعبة (٣٦٠) صنماً غير هبل أعظم آلهتهم، فالرسول ﵊ أمر الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين بتكسير كل هذه الأصنام وشاركهم في ذلك. وهذا الأمر كان بعد صبر دام (٢١) سنة كاملة، فقد كان الرسول ﷺ يطوف بالكعبة مدة (١٣) سنة متتالية. أي: الفترة المكية، ولم يفكر مرة واحدة في كسر صنم واحد، وطاف في عمرة القضاء قبل الفتح بعام واحد ولم يفكر لحظة واحدة في كسر صنم واحد من هذه الأصنام، وهذه المفارقة وهذه المقارنة بين الموقفين تحتاج منا إلى وقفة. بعد صبر (٢١) سنة الآن لا يصبر ﵊ لحظة واحدة، فهو لم يقم الصلاة ولم يكلم الناس ولم يعمل أي شيء قبل أن يكسر الأصنام ويأمر بذلك. عندما نأتي لندرس سيرة الرسول ﵊ لابد أن نأخذ اهتماماً خاصاً بالأعمال التي قام بها ﷺ ، بمعنى أنه إذا بدأ بشيء ما فهذا الأمر مقصود، فكل خطوة من خطواته ﷺ متابعة بالوحي، وفيها رعاية كاملة من رب العالمين ، وهي تشريع للمسلمين، فالرسول ﵊ يوم الفتح لا يصبر دقائق على وجود صنم يعبد من دون الله ، هذا ما أسميه بـ: فقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين، لو كان الرسول ﵊ كسر هذه الأصنام في فترة مكة المكرمة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاستئصل المسلمون بكاملهم من مكة المكرمة. أما الآن وبعد أن صار ﷺ حاكماً لمكة المكرمة، بل ولأجزاء كبيرة جداً من الجزيرة العربية، وصار في هذه القوة فإنه لا يصبر على وجود مثل هذا المنكر الشنيع من صنم يعبد من دون الله ، فكسر كل الأصنام، وكسرها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً). بالإضافة إلى كونه لا يرضى عن وجود هذا المنكر، فتكسيره للأصنام كان خطوة سياسية في منتهى الروعة؛ لأن هذه الخطوة كسرت تماماً كل معنويات أهل مكة، وهذه الأصنام ظلت تعبد من دون الله لا أقول عشرات السنين بل مئات السنين في داخل مكة المكرمة، أجيال وراءها أجيال تعبد هذه الأصنام، فهاهي الآن تكسر هذه الأصنام، وكل مشرك كان يعتقد في داخله أن هذه الأصنام ستصيبه ﷺ وأصحابه بضرر أو بسوء؛ لأنهم فعلوا معها ذلك، ومع ذلك لم يحدث له شيء، وكذلك الجيش الإسلامي بكامله لم يحدث له شيء، فظهرت الحقيقة واضحة أمام أعين المشركين من أنهم كانوا في ضلال مبين كل هذه السنوات السابقة. إذاً: هذه خطوة رائعة وهامة جداً لكسر معنويات كفار قريش، فبعد هذا التكسير لهذه الأصنام خارت قواهم تماماً وفقدوا كل أمل في المقاومة، والرسول ﵊ لم يكتف بتكسير الأصنام في مكة المكرمة، بل حرص ﷺ على تكسير الأصنام في كل المناطق المحيطة بمكة المكرمة، فأرسل ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لكسر العزى، وهي من أكبر الآلهة التي كانت تعبد من دون الله ، فذهب خالد بسرية وكسر هذا الصنم الضخم صنم العزى. وأرسل سرية بقيادة سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه لكسر صنم مناة وهو من أشهر أصنام العرب. وأرسل سرية بقيادة عمرو بن العاص لهدم صنم سواع، وصنم سواع من الأصنام المشهورة عند العرب أيضاً. إذاً: الرسول ﵊ بنفسه كسر هبل في صحن الكعبة، وأرسل خالد بن الوليد لكسر العزى، وسعيد بن زيد لكسر مناة، وعمرو بن العاص لكسر سواع، لكن بقي صنم مشهور جداً من أصنام العرب وهو صنم اللات، وصنم اللات هذا كان موجوداً في مدينة الطائف عند قبيلة ثقيف، وهو من أعظم الأصنام عند العرب، ولم يكسر إلا بعد إسلام ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة. لقد كسر الرسول ﵊ كل الأصنام الكبرى التي استطاع أن يكسرها في ذلك الوقت، سواء في داخل مكة أو في المناطق التي حول مكة. وبذلك كما ذكرنا سقطت كل معنويات قريش، وحطم تماماً كل أمل عندهم للمقاومة. إذاً: هذه كانت أول خطوة عملها الرسول ﷺ : تكسير الأصنام في الكعبة وما حولها.

стр. 538

أذان بلال يوم الفتح على سطح الكعبة الخطوة الثانية كانت هامة جداً، وتضيف معنى مهماً جداً عند قريش في ذلك الوقت؛ ليفقهوا الإسلام على حقيقته، وهي: أن الله يعز من انتمى إلى هذا الدين، بصرف النظر عن جنسه وعن لونه وعن قبيلته وعن أي شيء، فمن انتمى لهذا الإسلام فهو عزيز ومن لم ينتم إليه فهو ذليل. رأى المشركون من أهل قريش بعيونهم في ذلك اليوم عندما نادى ﷺ على بلال ﵁ وأرضاه، وأمره أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن الأذان للصلاة، وهذه هي المرة الثانية التي يفعل فيها الرسول ﵊ هذا الفعل، أمر بلالاً ﵁ أن يؤذن في الكعبة في عمرة القضاء، والآن يأمر بلالاً أن يقوم بنفس الأمر، ويصعد بلال ﵁ وأرضاه فوق أشرف بقعة في الأرض، فوق الكعبة البيت الحرام؛ ليرفع الأذان لله ، الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان. وبلال ﵁ وأرضاه عندما كان يعذب في مكة قبل الهجرة كان يقول: أحد، أحد، في ذلك الوقت كان يهمس بها همسات لا يسمعها إلا من يعذبه، أما الآن فهو يصدح بالتكبير في كل أرجاء مكة المكرمة، والجميع مسلمهم ومشركهم يستمع إليه ﵁ وأرضاه. وهذا الأمر كما ذكرنا كان له أشد الأثر على المشركين، ودليل ذلك ما حدث على سبيل المثال من أبي سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام، فهؤلاء الثلاثة كانوا قاعدين في فناء الكعبة يستمعون إلى بلال وهو يؤذن، فـ أبو سفيان كان قد أعلن إسلامه قبل ذلك بين يدي الرسول ﷺ ، لكن عتاب بن أسيد كان أحد الشباب في قريش، فقد كان عمره حوالي (٢٠) سنة ما زال مشركاً، والحارث بن هشام أيضاً كان ما زال مشركاً، والحارث بن هشام هذا هو أخو أبي جهل، فهو أحد كبار الزعماء في مكة المكرمة، وأحد زعماء بني مخزوم، فقال عتاب معلقاً على أذان بلال ﵁ وأرضاه فوق الكعبة: أكرم الله أسيداً -أي: والده أسيد - ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه، ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى. يعني: أدرك أن الرسول ﷺ نبي، وسوف يصل إليه الأمر عن طريق الوحي. فجاءهم ﷺ بعد هذه الكلمات وقال: (قد علمت الذي قلتم، ثم قال: أما أنت يا فلان فقد قلت كذا وكذا، وأما أنت يا فلان فقد قلت كذا وكذا، فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئاً، فضحك ﷺ ، وقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله! ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك). كذلك بنو سعيد بن العاص لما رأوا بلالاً يؤذن على الكعبة قالوا: لقد أكرم الله سعيداً إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة. وقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فرد عليه الحارث بن هشام: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره. أعتقد أن هذا الكلام قاله بعد أن أسلم ﵁، ولكن كان هذا في بداية إسلامه. وصار بعض قريش يستهزئ ويقلد صوت بلال غيظاً، فقلده أحد الشباب واسمه أبو محذورة الجمحي، وأبو محذورة كان عمره (١٦) سنة، وكان صوته جميلاً جداً، كان من أحسن قريش صوتاً، فلما رفع صوته بالأذان مستهزئاً سمعه الرسول ﷺ ، فاكتشف طاقة موجودة عند هذا الشاب، فناداه، فمثل هذا الشاب الصغير بين يديه ﷺ وهو يظن تمام الظن أنه مقتول؛ لأنه كان يستهزئ بالأذان، فمسح ﷺ صدر وناصية هذا الشاب بيديه الشريفة، فقال أبو محذورة: فامتلأ قلبي إيماناً ويقيناً، فعلمت أنه رسول الله. فالرسول ﵊ بعد أن آمن هذا الشاب علمه الأذان، وأصبح هو الذي يؤذن لأهل مكة بعد رحيله ﷺ ، وظل الأذان في أبي محذورة وعقب أبي محذورة بعد موته إلى فترة طويلة من الزمان. والرسول ﵊ بهذا الأذان وضح لقريش أن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأن العزة الحقيقية لا تكون إلا بالإسلام، هكذا فهم القرشيون في هذا الموقف العظيم. إذاً: الفتح تم كما رأينا بحرب عسكرية وحرب سياسية وحرب معنوية، والرسول ﷺ أتقن كل هذه الحروب بمنتهى الدقة، الحرب عسكرية أعد إعداداً قوياً جداً للجيش، ووضع خطة محكمة فقد أخفى سيره إلى مكة قدر المستطاع، حتى وصل إلى قريش دو

стр. 539

أخلاقه ﷺ في امتلاك القلوب الخطوة الثالثة: وسيلة امتلاك القلوب، فالشعب الذي فتح بلده الآن على يدي الرسول ﷺ يكون في داخله غيظ كبير جداً من المحتل له، سواء كان هذا المحتل من الشرفاء أو من غير ذلك، وكانت هناك حرب طويلة بينهم وبين الرسول ﵊، والرسول ﵊ يعلم ما في داخلهم؛ لذلك أراد ﷺ أن يؤلف قلوبهم، فماذا فعل؟ نحن رأينا قبل ذلك أن الرسول ﵊ ألف قلب أبي سفيان بإعطائه الفخر، وأبو سفيان كما ذكرنا زعيم قبيلة بني أمية، وبنو أمية قبيلة كبيرة في داخل قريش، فهو ﷺ ألف قلب زعيم أكبر القبائل القرشية في داخل مكة المكرمة. وهذا موقف ثان رائع منه ﷺ في تأليف قبيلة ثانية كبيرة، وهذا الموقف عندما دخل ﷺ الكعبة المكرمة وصلى فيها، ثم خرج ودعا عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه، وعثمان بن طلحة أسلم في أوائل العام الثامن من الهجرة قبل فتح مكة بعدة شهور، أسلم مع عمرو بن العاص ومع خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة من بني عبد الدار، وبنو عبد الدار من أعظم القبائل القرشية أيضاً وفيها شرف كبير جداً، فهي حاملة مفتاح الكعبة أباً عن جد لعشرات السنين قبل ذلك. فالرسول ﵊ دعا عثمان بن طلحة ﵁ وأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة، فظن الجميع أن الرسول ﵊ سيأخذ منهم مفتاح الكعبة؛ ليعطيه لأحد أقاربه ليعطيه شخصاً من بني هاشم، بل إن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه طلب ذلك صراحة، طلب أن يضم مفتاح الكعبة إلى شرف بني هاشم من السقاية والحجابة، فيكون عندهم مفتاح الكعبة، فيكون ذلك شرف الدهر، لكن الرسول ﵊ أخذ المفتاح ووضعه في يد عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه، وهذا الكلام في منتهى العظمة والحكمة، وحتى تعرف مدى العظمة والحكمة راجع موقفاً من المواقف التي مرت قبل ذلك برسول الله ﷺ في مكة المكرمة قبل أن يهاجر، ويومها كان عثمان بن طلحة هذا من الكفار، وكان قد دار بينه وبين عثمان بن طلحة حوار وطلب منه الرسول ﵊ أن يعطيه مفتاح الكعبة ليدخل الكعبة، لكن عثمان بن طلحة في ذلك الوقت رفض، فقال الرسول ﵊: (يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت فقال عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال ﷺ : بل عمرت وعزت يومئذ)، ومرت الأيام وجاء الرسول ﵊ فاتحاً مكة المكرمة وطلب المفتاح، وعثمان بن طلحة دون تردد أتى بالمفتاح، فهو الآن أصبح من الصحابة المؤمنين البررة، فأتى بالمفتاح ووضعه في يد الرسول ﵊، وهو يظن أن الأمر سيصير إلى ما قاله ﷺ ، وسيعطي المفتاح إلى إنسان غيره، لكن الرسول ﷺ وضع المفتاح مرة ثانية في يد عثمان بن طلحة، وقال: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم). وظل مفتاح الكعبة مع بني عبد الدار، وهو إلى الآن في نسل بني عبد الدار بكلمة الرسول ﵊: (خذوها خالدة تالدة). إذاً: هذا الموقف من أروع المواقف التي استطاع بها الرسول ﵊ أن يكسب قلوب بني عبد الدار جميعاً، فبنو عبد الدار رأت أن الرسول ﵊ أنزل الناس منازلهم حين أبقى لهم على الفخر الذي كان لهم. وبذلك استطاع ﷺ أن يسيطر على الموقف إلى درجة كبيرة في داخل مكة المكرمة. وقبل ذلك كسب قلوب بني أمية، والآن يكسب قلوب بني عبد الدار. لقد كان ﷺ يسير بخطة محكمة، فقد فعل ﷺ أمراً من المستحيل أن تجده في تاريخ أي دولة من الدول حاربت دولة أخرى ولو يوماً واحداً لا عدة سنوات سابقة، لقد وقف الرسول ﵊ في صحن الكعبة في يوم فتح مكة ودعا أهل مكة جميعاً أن يأتوا إلى الكعبة، فأتوا جميعاً، وقد كان موقفهم في منتهى الحرج، بعد صراع طويل جداً وإيذاء للرسول ﵊، ومصادرة للأموال وللديار، وقتل لبعض الأصحاب، وجلد وتعذيب للبعض الآخر وكذا وكذا من الأمور التي نعلمها، وفصلنا فيها كثيراً في الفترة المكية، وفي الحروب المتتالية بين المسلمين وبين المشركين، بعد كل هذا التاريخ الطويل من العناء مع أهل مكة يسألهم ﷺ سؤالاً واحداً فيقول: (ما تظنون أني فاعل بكم؟)، يعني: ماذا سيكون رد فعلي معكم بسبب ما فعلتموه معي ومع أصحابي من إيذ

стр. 540

موقف الرسول ﷺ مع زعماء مكة المشركين يوم الفتح لقد بقي من أهل مكة بعض الزعماء وبعض الكبراء لم يسلموا، ففر بعضهم خارج مكة المكرمة، وبعضهم اختفى في بيته، وبعضهم طلب الإجارة من بعض الناس، وهؤلاء الذين هربوا جميعاً كان لهم تاريخ طويل مع رسول الله ﷺ ، وكان على رأس هؤلاء عكرمة بن أبي جهل الذي فر خارج مكة المكرمة واتجه إلى اليمن، وفر صفوان بن أمية بن خلف الجمحي إلى البحر الأحمر؛ ليلقي بنفسه في البحر منتحراً بعد فتح الرسول ﵊ لمكة المكرمة، وبعد أن فقد كل أمل في أن يكون له موضع أو مكان في مكة المكرمة، وهو من الزعماء. كذلك سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان له تاريخ طويل مع الرسول ﵊. كذلك هند بنت عتبة هناك ناس كثير هربوا من وجه الرسول ﷺ في ذلك الوقت، وكل واحد منهم له قصة، وكل واحد منهم شاء ربنا شاء أن يدخل الإسلام في قلبه، ولكن بطريقة جميلة جداً على يد الحبيب ﷺ مباشرة.

стр. 541

موقفه ﷺ مع سهيل بن عمرو تعالوا بنا نرى قصتهم واحداً واحداً وفيها من العبر ما فيها، فهذا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وهو من كبار زعماء قريش، ومن كبار زعماء مكة في التاريخ، وكبير جداً في السن، وعنده الكثير من الأولاد، وهؤلاء الأولاد معظمهم من المسلمين وفي جيش المسلمين الفاتح لمكة المكرمة، فهو بعد أن فتحت مكة المكرمة لم يجد له عوناً من الزعماء الذين كانوا معه؛ فكل واحد فر، ففر هو الآخر ودخل بيته، يقول: فانقحمت في بيتي وأغلقت علي بابي، ثم يقول: وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل وابنه كان من جنود الجيش الفاتح كان قد أسلم قبل ذلك بزمن، فقال سهيل: وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جواراً من محمد ﷺ ، وإني لا آمن من أن أقتل. فـ سهيل بن عمرو ظل يتذكر تاريخه مع رسول الله ﷺ ، يقول: تذكرت أثري عند محمد وأصحابه، فليس أحد أسوأ أثراً مني، وإني لقيت رسول الله ﷺ يوم الحديبية بما لم يلقه أحد، وكنت الذي كاتبته المعاهدة التي تمت في صلح الحديبية، لو تذكرون كان سهيل بن عمرو ممثل قريش وزعيم قريش الذي أرسلته ليتفاوض مع الرسول ﵊ في الحديبية، فيجد أنه أثر تأثيراً سلبياً على الرسول ﵊ وعلى أصحابه، ويظن أن الرسول ﵊ سوف يتذكر له هذه المواقف. ثم يقول سهيل بن عمرو: ومع حضوري بدراً وأحداً، وكلما تحركت قريش كنت معها، فهو يخاف أن يقتل، فذهب عبد الله بن سهيل إلى الرسول ﵊ فقال: (يا رسول الله هل تؤمن أبي؟ فقال ﷺ نعم، هو آمن بأمان الله؛ فليظهر)، انظروا إلى هذا التعامل مع أحد كبار زعماء مكة المكرمة، ومدى العظمة في هذا التعامل، بينما عند احتلال أي دولة لدولة ثانية تجد أن الأمراء والوزراء والكبراء في البلد يتتبعون في كل مكان؛ ليقتلوا، أو يسجنوا في السجون فترات طويلة، أو يمثل بهم أو كذا أو كذا، لكن النبي ﷺ يعطي سهيل بن عمرو الأمان، ويقول: (فليظهر). وانظروا إلى ما سيأتي من حوار بعد ذلك بينه وبين سهيل بن عمرو أحد كبار الزعماء في مكة المكرمة. ثم قال ﷺ لأصحابه الذين حوله في ذلك الوقت: (من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه)، احذروا أن تروعوا سهيل بن عمرو حين يأتي للتحاور معي، (لا يشد أحدكم النظر إليه، فليخرج، فلعمري إن سهيلاً له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بناء) فـ سهيل عرف المشكلة التي كانت عنده، والآن هو يريد أن يعود إلى الله وإلى رسوله الكريم ﷺ ، فلا يرفع أحد إليه النظر، ولا يتهكم أحد عليه بكلمة، ولا يعلق أحد عليه تعليقاً سلبياً بأي صورة من الصور. إن له عقلاً وشرفاً. هكذا يذكر ﷺ صفة سهيل بهذا التعظيم والتكريم له، مع أنه من ألد أعدائه قبل ذلك. انظروا إلى الرحمة النبوية وإلى فن امتلاك القلوب وعبد الله بن سهيل عندما استمع إلى هذه الكلمات طار بها إلى أبيه، فلما ذكر له هذه الكلمات قال سهيل: كان والله براً صغيراً وكبيراً، وأتى سهيل بن عمرو وأعلن إسلامه بين يدي الرسول ﷺ . وكما يقول الرواة بعد ذلك: كان سهيل بعد هذا الإسلام كثير الصلاة والصوم والصدقة، وخرج مجاهداً في سبيل الله، وكان أميراً على إحدى فرق المسلمين في موقعة اليرموك. بهذه المعاملة الحسنة من رسول الله ﷺ امتلك قلوب الناس، فعلاً هو فن الدعوة إلى الله ، ليس أبداً تصرف قائد متغطرس احتل دولة من الدول يسوم أهلها العذاب، ولكن هو التصرف الرحيم من النبي الكريم ﷺ وهو قدوة لنا أجمعين، ولا يخفى على أحد أن الرسول ﷺ امتلك قلوب بني عامر جميعاً بتساهله وتسامحه مع سهيل بن عمرو زعيم بني عامر.

стр. 542

موقفه ﷺ مع صفوان بن أمية تعالوا نرى موقفه ﷺ مع صفوان بن أمية، صفوان بن أمية بن خلف كان أبوه من أشد المعاندين لرسول الله ﷺ ، ومن الذين قتلوا في بدر، وورث صفوان بن أمية هذه الكراهية للإسلام والمسلمين من أبيه، وحارب الرسول ﵊ بكل طاقته، وكان ممن التف على المسلمين في أحد هو وخالد بن الوليد ﵁، واشترك اشتراكاً كبيراً في قتل سبعين من شهداء الصحابة ﵃ وأرضاهم، واشترك أيضاً في الأحزاب، بل ومن الذين شاركوا في عملية القتال في داخل مكة المكرمة، بل إن صفوان بن أمية قبل ذلك دبر محاولة لقتل الرسول ﷺ ، كأنه عداء شخصي بينه وبين الرسول ﵊، وكما تذكرون هذه المحاولة كانت بينه وبين عمير بن وهب ﵁ وأرضاه، وذكرناها بعد درس بدر، وفيها تعهد صفوان بن أمية لـ عمير بن وهب أن يتحمل عنه عياله وأن يسدد عنه دينه، في نظير أن يقتل عمير رسول الله ﷺ ، وقد ذكرنا القصة بتفصيلاتها بعد غزوة بدر، ورأينا كيف أسلم عمير بن وهب في المدينة المنورة، ومرت الأيام وجاء فتح مكة المكرمة وفر صفوان بن أمية لما لم يجد له أي مكان في مكة المكرمة، وعلم أنه لن يستقبل في أي مكان في الجزيرة العربية، فقرر أن يلقي نفسه في البحر؛ ليموت فيه، فخرج في اتجاه البحر الأحمر ومعه غلام اسمه يسار، وليس معه أحد غيره حتى وصل إلى البحر الأحمر، ثم إنه من بعيد رأى أحد الرجال يتتبعه فخاف، وقال لغلامه: ويحك انظر من ترى، قال: هذا عمير بن وهب، وكان عمير بن وهب صديقاً حميماً لـ صفوان بن أمية قبل أن يسلم، فقال صفوان: ما أصنع بـ عمير والله ما جاء إلا يريد قتلي، فهو الآن مسلم قد ظاهر محمداً علي، فقال صفوان بن أمية لما لحقه عمير: يا عمير ما كفاك ما صنعت بي، حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي. فقال عمير: جعلت فداك، أنا ما زلت صديقك، وجئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس إلى آخر الحكاية فـ عمير بن وهب عندما علم أن صفوان بن أمية هرب من مكة المكرمة، تذكر صديقه القديم صفوان بن أمية، فخاف عليه وخشي عليه وأحب له الإسلام، وأحب له أن يدخل فيما دخل فيه عمير ﵁ ورضي الله عن الصحابة أجمعين، فجاء إلى النبي ﵊ وطلب لـ صفوان بن أمية الأمان، فقال: (يا رسول الله! سيد قومي خرج هارباً؛ ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه فداك أبي وأمي فقال ﷺ : قد أمنته، فخرج عمير بن وهب حتى وصل إلى صفوان بن أمية كما ذكرنا فقال عمير لـ صفوان: إن رسول الله قد أمنك، فخاف صفوان وقال: لا والله لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها تدل على أن الرسول ﷺ أمنني، فرجع عمير بن وهب إلى الرسول ﷺ مرة أخرى، وقال: يا رسول الله! جئت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته، فقال: لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها، فقال الرسول ﵊: خذ عمامتي)، انظروا إليه ﷺ يحاول قدر المستطاع أن يأتي بكل إنسان إلى الإسلام: (فأخذ عمير العمامة وذهب إلى صفوان بن أمية وقال له: يا أبا وهب جئتك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، فقال له صفوان: أخاف أن أقتل، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين). انظروا كرم رسول الله ﷺ يقول له: تعال لو أردت أن تسلم الآن فأسلم، ولك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين، وإن أردت أن تأخذ شهرين كاملين لتفكر فيهما فأنت في أمان. فهو أوفى الناس وأبرهم ﷺ ، وقد بعث إليك بعمامته العلامة التي كان يريدها صفوان بن أمية قال عمير بن وهب: تعرفها؟ قال: نعم. فرجع صفوان بن أمية مع عمير بن وهب إلى رسول الله ﷺ ، وهو ليس أمامه أي طريق آخر، ليس أمامه إلا أن يقبل بهذا الأمان، وهو يعرف أن الرسول ﵊ دائم الحفظ لوعده وعهده فهو الصادق الأمين، فعاد مع عمير بن وهب إلى مكة المكرمة ودخل في الحرم والرسول ﵊ يصلي بالناس صلاة العصر، فوقفا سوياً حتى ينتهي الر

стр. 543

موقفه ﷺ مع عكرمة بن أبي جهل نأتي إلى قصة واحد من أشد أعداء رسول الله ﷺ في التاريخ كله، هذا هو عكرمة بن أبي جهل وليس فقط مشكلة عكرمة أنه ابن أبي جهل وأنه شرب العداوة هذه المدة الطويلة من أبيه أشد أعداء الإسلام مطلقاً وفرعون هذه الأمة، لكن عكرمة استمر وزاد في العداوة، حتى إن الرسول ﵊ أهدر دمه، وهناك مجموعة من المشركين أهدر الرسول ﵊ دمهم، وقال: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة)، وكان من هؤلاء عكرمة بن أبي جهل، ولعله علم ذلك فكان ممن قاتل في الخندمة يوم الفتح ضد خالد بن الوليد ﵁، ولكنه بعد هزيمته فر من مكة المكرمة، وحاول أن يصل إلى اليمن، وذهب إلى البحر ليأخذ سفينة وينطلق فيها إلى اليمن، وكانت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابنة عمه قد أسلمت في يوم الفتح على جبل الصفا مع من أسلم من أهل مكة، فذهبت إلى الرسول ﵊ لتستشفع عنده لـ عكرمة بن أبي جهل أن يؤمنه كما أمن صفوان بن أمية، لكن موقف عكرمة كان مختلفاً، وكما ذكرنا هو مهدر الدم، قالت أم حكيم لرسول الله ﷺ : (قد هرب عكرمة منك إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه، فالرسول عليه الصلاة قال: هو آمن) لم يذكر لها أنه مهدر الدم، ولم يذكر لها التاريخ الطويل له في العداء، بل قال: (هو آمن)، فخرجت أم حكيم الزوجة الوفية تبحث عن زوجها ذهبت حتى وصلت إلى عكرمة بن أبي جهل وهو يحاول أن يركب سفينة في ساحل البحر الأحمر متجهاً إلى اليمن، فكان في حوار مع ربان السفينة التي سيركبها، لقد كان ربان السفينة مسلماً، فقال له قبل أن يركب: أخلص، فـ عكرمة بن أبي جهل لا يعرف ما معنى أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله، فقال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، وهو لا يزال في هذا الحوار مع ربان السفينة إذا بـ أم حكيم ﵂ تأتي في هذه اللحظة، فقالت له: يا ابن عم جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس لا تهلك نفسك، وتدعوه إلى العودة معها إلى مكة المكرمة، فوقف لها عكرمة بن أبي جهل، فقالت له أم حكيم: إني استأمنت لك محمداً ﷺ ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك، فـ عكرمة بن أبي جهل ضاقت عليه الدنيا كلها، أين يذهب؟ هو يريد أن يذهب الآن إلى اليمن، واليمن بكاملها مسلمة كما ذكرنا قبل ذلك في الدروس السابقة، وغير ذلك من بقاع الأرض تتناقص حوله الآن، فالجميع الآن يدخلون في دين محمد ﷺ فماذا يفعل؟ فبمجرد أن قالت له هذه الكلمات أخذ قراراً سريعاً بالعودة معها دون تفكير طويل، وعاد إلى مكة المكرمة وقبل أن يدخل مكة المكرمة إذا بالرسول ﵊ يقول لأصحابه كلمات جميلة جداً، كما ذكرها قبل ذلك في حق سهيل بن عمرو قالها في حق عكرمة بن أبي جهل قال: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت). أي أخلاق كريمة كانت عند رسول الله ﷺ ؟ أبو جهل فرعون هذه الأمة ولعنه ﷺ صراحة قبل ذلك، ودعا عليه، وجاء ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم باللعن عليه، ومع ذلك الرسول ﵊ يأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم ألا يلعنوا هذا الرجل فرعون هذه الأمة أمام عكرمة بن أبي جهل؛ لكي لا يؤذوا مشاعر عكرمة، مع أن عكرمة حتى هذه اللحظة لم يسلم بعد، ودخل عكرمة بن أبي جهل إلى مكة المكرمة، فلما رآه الرسول ﷺ وثب إليه وما عليه رداء فرحاً به. انظروا إلى أسارير الرسول ﵊ كيف انبسطت عندما رأى عكرمة بن أبي جهل يعود إليه ويأتي إليه وهو على أبواب الإسلام، هو لم يسلم بعد، ومع ذلك كان هذا الاستقبال الحافل من رسول الله ﷺ لواحد من أكبر أعدائه قبل ذلك، وكان من أكبر الذين قاوموه ومنعوه من دخول مكة المكرمة قدر ما يستطيع، فهو الآن يستقبله هذا الاستقبال الحافل. فجلس عكرمة بين يدي الرسول ﵊ وقال: (يا محمد! إن هذه أخبرتني أنك أمنتني -يعني: زوجته- فقال ﷺ : صدقتك فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يا محمد، قال أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأخذ يعدد عليه أمور الإسلام، حتى عد كل الخصال الحميدة، فقال

стр. 544

موقف الرسول ﷺ مع فضالة بن عمير الليثي نأتي أيضاً إلى قصة إسلام واحد من أشد أعداء الرسول ﵊ وهو فضالة بن عمير الليثي، وهذا الرجل من شدة عدائه للرسول ﵊ أنه قرر أن يقتل الرسول ﵊ في يوم الفتح والرسول ﵊ في وسط الجيش الكبير عشرة آلاف، وإذا قتله فضالة بن عمير فلاشك أنه مقتول، ومع ذلك سيضحي بنفسه ليقتل الرسول ﵊ من شدة كراهيته له، بجوار الرسول ﵊ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا من الرسول ﵊ وهو يحمل السيف تحت ملابسه، قال له ﷺ : (أفضاله؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، فقال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فالرسول ﵊ ضحك وقال: استغفر الله يا فضالة، ثم وضع يده على صدر فضالة فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه)، وأسلم فضالة ﵁ وأرضاه وحسن إسلامه، حتى إنه لما عاد من عند الرسول ﷺ إلى أهله فمر بامرأة كان يتحدث إليها في الجاهلية، فقالت المرأة له: هلم إلى الحديث، فقال: لا، يأبى عليك الله والإسلام. انظروا تغير (١٨٠) درجة، بعد هذا الإسلام أصبح رجلاً آخر غير الرجل الأول. هكذا يصنع الإسلام الرجال والنساء على نهجه، بصورة تكاد تكون مختلفة تمام الاختلاف عن حياته قبل الإسلام.

стр. 545

موقفه ﷺ مع هند بنت عتبة من الذين نحب أن نقف مع إسلامهم وقفة هامة وطويلة، ليس مع إسلام أحد رجال مكة أو أحد زعماء مكة، ولكن مع إسلام إحدى نساء مكة، إحدى النساء اللاتي حاربت الإسلام طويلاً ولمدة سنوات كثيرة، ولها ذكريات مؤلمة جداً مع المسلمين ومع رسول الله ﷺ شخصياً، سنقف مع إسلام هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ﵁. لقد كان هند بنت عتبة موتورة من المسلمين، قتل أبوها عتبة بن ربيعة في بدر، وقتل عمها شيبة بن ربيعة كذلك في بدر، وقتل ابنها حنظلة بن أبي سفيان أيضاً في بدر، وقتل أخوها الوليد بن عتبة بن ربيعة أيضاً في بدر، فتصور أربعة من أقرب الأقرباء إليها قتلوا جميعاً في بدر، وهم جميعاً من سادة قريش. فالحقيقة موقفها كان في غاية الصعوبة، فقد حملت في قلبها كراهية لم يحملها أحد مثلها إلا القليل، وظلت على هذا الأمر سنوات طويلة منذ بدر وإلى فتح مكة، ست سنوات متصلة، وقبل ذلك أيضاً كانت معادية للإسلام، ولكن ظهرت العداوة بشدة بعد مقتل هؤلاء الأربعة في بدر، وخرجت بنفسها مع الجيش الكافر في موقعة أحد، وحمست الجيش قدر ما تستطيع لحرب المسلمين، ولما فر الجيش من أمام المسلمين في أول المعركة كانت تحثو في وجوههم التراب وتدفعهم دفعاً إلى حرب المسلمين، ولم تفر كما فر الرجال، ثم إنه بعد انتصار أهل مكة على المسلمين في نهاية موقعة أحد قامت بفعل شنيع، قامت بالتمثيل بالجثث، وبدأت تمثل بواحدة تلو الأخرى بنفسها، حتى وصلت إلى حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ ، فبقرت بطنه ﵁ وأرضاه وأخرجت كبده ولاكت من كبده، يعني: أكلت من كبده قطعة، فما استساغتها فلفظتها، لكن هذا الموقف أثر بشدة في الرسول ﵊، وخرجت مع المشركين في غزوة الأحزاب، بل واستمرت في حربها ضد الإسلام حتى اللحظات الأخيرة من فتح مكة، رفضت هند بنت عتبة ما طلبه زوجها من أهل مكة من أن يدخلوا في بيوتهم طلباً لأمان الرسول ﷺ ، ودعت أهل مكة لقتل زوجها عندما أصر على مهادنة الرسول ﷺ ، ودفعتهم دفعاً إلى القتال، يعني: تاريخ طويل شرس جداً مع المسلمين، ومع ذلك عندما جلس ﷺ عند جبل الصفا ليبايع الناس على الإسلام جاءت هند بنت عتبة وهي منتقبة متنكرة لا يعرفها ﷺ ، والرسول ﵊ كان يبايع النساء في ذلك اليوم مشافهة ما وضع يده في يد امرأة أجنبية قط ﷺ ، وكانت بيعة النساء على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف، فبدأت النساء تبايع وقال ﷺ لهن: (بايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال) يعني: علينا تفصيلات كثيرة بينما الرجال بايعوا بيعة واحدة فقط، ثم قال الرسول ﷺ : (ولا تسرقن، فوقفت هند وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال ﷺ : خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف)، ثم انتبه ﷺ وعلم أن هذه التي تتكلم معه زوجة أبي سفيان فقال: (وإنك لهند بنت عتبة)، فهو ﷺ تذكر في تلك اللحظة حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وما حدث له من هند بنت عتبة، قالت هند: (نعم، هند بنت عتبة فاعف عما سلف عفا الله عنك)، فهي تعرف تاريخها مع الرسول ﵊، فالرسول ﷺ دائماً يعفو ويصفح، وأكمل البيعة مع النساء، وقال: (ولا يزنين، فقالت هند: يا رسول الله! وهل تزني الحرة؟! فقال ﷺ : ولا تقتلن أولادكن، فقالت هند قد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنت وهم أعلم، هل تركت لنا ولداً إلا قتلته يوم بدر -يعني: أنت قتلت آباءهم يوم بدر وتوصينا بأولادهم- فتبسم ﵊، وضحك عمر ﵁ حتى استلقى على قفاه)، فالرسول ﷺ قدر موقف هند بنت عتبة ومدى صعوبة الإسلام عليها، ومع ذلك هي الآن تسلم عن قناعة، فلما قال ﷺ : (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، فقالت هند: والله إن إتيان البهتان لقبيح، فقال ﷺ : ولا يعصينني في معروف، فقالت هند: والله ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسن

стр. 546

موقف الرسول ﷺ من إجارة أم هانئ يوم الفتح لبعض المشركين نريد أن نذكر بموقف من المواقف الرائعة في فتح مكة لإحدى نساء المسلمين، وهي السيدة أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ وأرضاها أخت سيدنا علي بن أبي طالب، لما نزل الرسول ﵊ بأعلى مكة ودارت الحرب في أسفل مكة بين مجموعة من المشركين وبين سرية خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، هرب رجلان من بني مخزوم ولم يجدا أي ملجأ في ذلك الوقت إلا أن يدخلا عند السيدة أم هانئ بنت أبي طالب ﵂؛ لأن زوجها هو هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فهم من أقارب زوج السيدة أم هانئ، وطلبا منها أن تجيرهما. فهذا شيء فيه إهانة كبيرة جداً عند العرب، لكن في نفس الوقت هذان الاثنان لم يجدا لهما أي سبيل غير أن يطلبا الإجارة من امرأة، فأجارتهما أم هانئ ﵂، فما لبث أن دخل علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما الباب ﵂، وقالت: قد أجرتهما، فسيدنا علي مصر على أن يقتلهما، فقالت: نذهب إلى الرسول ﵊، فسيدنا علي لما سمع ذلك سكت وذهب معها إلى الرسول ﵊، وعرضت السيدة أم هانئ أمرها عليه وقالت: (يا رسول الله زعم ابن أمي -الذي هو علي بن أبي طالب - أنه قاتل رجلاً أجرته، فقال ﷺ : قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت). يعني: الرسول ﵊ قبل بإجارة أم هانئ في اثنين كانا يقاتلان المسلمين، ومع ذلك الرسول ﵊ يجير من أجارت السيدة أم هانئ ﵂ وأرضاها: (قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت). هذه هي قيمة المرأة في الإسلام، وكما ذكرنا أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام تؤمن عكرمة بن أبي جهل مع أنه كان مهدر الدم. وكذلك أم هانئ الآن تؤمن الرجلين بعد أن كانا على مقربة من القتل على يد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. قبل ذلك أم سلمة كما ذكرنا في الدرس السابق توسطت عند الرسول ﵊ ليقبل توبة أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بعد أن رفض ﷺ في البداية. إذاً: هذه مكانة عظيمة جداً وراقية جداً للمرأة في الإسلام، ومنذ الأيام الأولى للإسلام.

стр. 547

بعض الأحداث والمواقف التي وقعت بعد فتح مكة

стр. 548

موقف الرسول ﷺ من المرأة المخزومية التي سرقت إن الأحداث في فتح مكة من الصعب أن تحصى في لقاء واحد؛ لأن الأحداث كثيرة جداً، وكنت أود أن أتكلم فيها، لكن الوقت لا يتسع؛ لذلك سأختار بعض الحوادث القليلة التي أعلق عليها تعليقاً سريعاً، ونسأل الله أن يجمع بيننا في اللقاءات الأخرى لنفصل في موقف من أهم المواقف اللافتة للنظر في فتح مكة، وهذا الموقف: هو الموقف من المرأة المخزومية التي سرقت، هذه المرأة سرقت بعد أن فتحت مكة، وكانت من النساء اللاتي أسلمن، فهي من بني مخزوم شريفة من الأشراف، وقبيلة بني مخزوم قبيلة كبيرة جداً، وكما يعلم الجميع أن العلاقة بين بني مخزوم وبني هاشم كانت علاقة حساسة جداً، وكان التنافس بينهما على كل الأمور تقريباً، وكان أبو جهل زعيم بني مخزوم، وكان الموقف حرجاً جداً مع هذه القبيلة بالذات، ويخشى من أن تنقلب على المسلمين انقلاباً قد لا يحمد عقباه، ومع أننا رأينا الرسول ﵊ يحاول قدر المستطاع أن يؤلف قلوب القبائل، فألف قلوب بني أمية، وألف قلوب بني عبد الدار، وألف قلوب بني عامر كما ذكرنا في الدرس، لكن هذا حدث مهم مع بني مخزوم، وقد يفهمه الفاهمون أنه ليس فيه نوع من التأليف لبني مخزوم، لكن نحتاج أن ندرس الموضوع بدقة. فهذه امرأة من أشراف بني مخزوم سرقت، فقرر ﷺ أن يقيم عليها الحد وهو أن يقطع يدها؛ لأنها سرقت واكتملت أركان جريمة السرقة، وهنا الرسول ﵊ لم يقل: أريد أن أتألف قلوب بني مخزوم بالعفو عن هذه المرأة التي سرقت، لكنه أقام عليها الحد مضحياً بما قد يحدث من أحداث دامية في داخل مكة نتيجة تطبيقه لهذا الحد، لأجل أن يرينا معنى مهماً جداً ويزرع فينا معنى لازماً ينبغي أن نفهمه جميعاً فهماً جيداً دقيقاً، ألا وهو: أنه لا يمكن أبداً لأي إنسان مهما كان نسبه ومهما كان شريفاً ومهما كان عظيماً أن يتغاضى عنها أو يعطلها، أو يقوم بأمر من الأمور يمنع من إقامتها في الدولة الإسلامية، حتى لو كانت العواقب وخيمة، وقرر ﷺ ذلك الأمر وشاع بين الناس أن المرأة المخزومية ستقطع يدها، فذهب بنو مخزوم إلى الرسول ﵊ ليستشفعوا عنده، لكن لم يستطيعوا أن يكلموه مباشرة، فذهبوا إلى أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ فقد كان يسمى بين الصحابة: الحب بن الحب، كان حب الرسول ﵊ زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد هو الحب بن الحب، وكان الرسول ﷺ يحبه حباً جماً، ففي أثناء دخوله مكة المكرمة في يوم الفتح أردفه خلفه، من شدة حبه له ﵁ وأرضاه. فذهبوا إلى أسامة وقالوا له: استشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها؛ فهي امرأة عزيزة شريفة من بني مخزوم، فـ أسامة بن زيد ﵄ أخذ الموضوع بسهولة ويسر وذهب إلى الرسول ﵊ ليستشفع لهذه المرأة في حد من حدود الله، فلما كلمه أسامة، تلون وجه الرسول ﷺ وغضب غضباً شديداً، وقال لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله أتشفع في حد من حدود الله؟!) حتى إن أسامة بن زيد ﵄ لم يجد أي مبرر إلا أن يقول: (يا رسول الله استغفر لي يا رسول الله استغفر لي). فالنبي ﷺ أقام الحد على السيدة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة بن زيد ولا أحد من الصحابة ﵃ أجمعين، ولكنه في آخر اليوم قام وخطب خطبة ليفهم المسلمين هذا المعنى الدقيق؛ ليضع لهم أسس بناء دولة إسلامية، ليوضح لهم أن العدل أساس الملك حقاً، وتطبيقاً واقعياً في حياة المسلمين، قام ﷺ وقال: (إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها) هكذا في منتهى الوضوح، فحدود الله لا يمكن أبداً أن نقترب منها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩]، هكذا ينبغي أن نكون مع حدود رب العالمين . فهو ﷺ تألف قلوب الناس بأمور مالية وبأمور مادية هذا أمر ممكن، أما أن يتألف قلوب الناس بتعطيل حد من حدود الله فهذا لا يقبل مطلقاً، مهما كان هذا الذي أخطأ عزيزاً أو شريفاً كبيراً أو صغيراً، رجلاً أو امرأة، فأي إنسان وقع في حد من حدود الله لابد أن يقام عليه الحد. وهذه الكلمات التي قالها الرسول ﷺ في خطبته: (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)، حتى يفهم بني مخزوم أن هذا أمر ليس خاصاً بهم، و

стр. 549

موقفه ﷺ من خزاعة في قتلها لرجل من هذيل ثأراً لقتيل لها في الجاهلية هذا موقف آخر ففي نفس الغزوة غزوة الفتح حدث أمر آخر يثبت به الرسول ﵊ نفس المعنى في قلوب المسلمين، فبعد مرور يوم واحد من الفتح بلغ النبي ﷺ أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل فقتلوه، وهذا الرجل الذي قتل مشرك، وقتلوه برجل قتله في الجاهلية، فغضب ﷺ غضباً شديداً وقام بين الناس خطيباً فخزاعة الآن تأخذ بالثأر لقتيل لها في الجاهلية، وهذا عكس تعاليم الإسلام، وخزاعة تدخل مكة الآن وهي رافعة رأسها؛ لأن الرسول ﵊ فتح مكة من أجل خزاعة، ومع ذلك لا يغفر لها هذا الذنب، (قام ﷺ وخطب في الناس وقال: يا أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد فيها شجراً، وهي لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ قد قاتل فيها، فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لكم، ثم قال: يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله) يعني: بعد هذه الحادثة سيخير أهل القتيل بين أمرين: إن شاءوا أن يقتل الذي قتل صاحبهم، وإن شاءوا أن يأخذوا الدية، فهم بخير النظرين فليختاروا ما شاءوا. إذاً: الحدود نفذت على هذا الملأ الواسع وفي هذه الظروف؛ ليعلم أنه لا تفريط أبداً في حدود الله . فهذه كانت من المواقف الهامة جداً في فتح مكة.

стр. 550

موقفه ﷺ من إقامة وال على مكة بعد الفتح كان من عادة الرسول ﵊ إذا فتح بلداً أو دخل الإسلام إلى بلد أن يولي عليها أحداً من رجاله، لكن المشكلة أن أبا سفيان كان قبل ذلك زعيم مكة بعد مقتل أبي جهل، ولم يطمئن الرسول ﵊ بعد إلى إسلامه حتى يعطيه إمارة مكة، وبالذات أن مكة أعظم مدن العرب على الإطلاق، فهو لا يستطيع أن يعطيها لرجل لم يثق بعد في إسلامه، ونحن علمنا أن في الحوار الذي دار بينه وبين الرسول ﵊ لم يكن فيه أبو سفيان حتى اللحظات الأخيرة مقتنعاً تمام الاقتناع بقضية النبوة، فكيف يتصرف الرسول ﵊؟! إذا أعطى الرسول ﷺ الإمارة لغيره قد يحزن أبو سفيان وينقم على ذلك الأمر ويثور، وقد تثور بنو أمية التي منها أبو سفيان، والرسول ﵊ لا يريد أن تحدث قلاقل أو اضطرابات في مكة وقد أسلمت بكاملها من لحظات قليلة أو أيام قليلة، فالرسول ﵊ في لفتة بارعة أعطى إمارة مكة لـ عتاب بن أسيد ﵁، وكما ذكرنا أن عتاب بن أسيد كان من شباب مكة، فقد كان عمره حوالي (٢٠) سنة تقريباً، وكان من بني أمية من نفس قبيلة أبي سفيان، فإذا أعطاه الرسول ﵊ إمارة مكة فسيكون فيه تأليف لقلوب بني أمية، ولن تقف بنو أمية طويلاً عند تنحية أبي سفيان عن إمارة مكة؛ لأن الأمير الجديد منها أيضاً، وعتاب بن أسيد شاب لم يتلوث كثيراً بعقائد المشركين، وليس هناك تاريخ عداء طويل بينه وبين المسلمين فيسهل قياده، وبالفعل فإن عتاب بن أسيد حسن إسلامه جداً، وكان كثير الصلاة والصيام والصدقة، وكان من المقربين جداً إلى الرسول ﵊، واستطاع فعلاً بحكمة أن يحفظ الأمن والأمان في داخل مكة، فلم نسمع عن أي قلاقل في حياته في فترة حكمه لمكة المكرمة، لكن الرسول ﵊ يعلم أن عتاب بن أسيد معلوماته عن الإسلام قليلة جداً؛ لأنه لم يسلم إلا منذ أيام قليلة؛ فلذلك ترك معه معاذ بن جبل الأنصاري ﵁ وأرضاه؛ ليعلم الناس دينهم، لقد ترك معهم بحراً من بحور العلم معاذ بن جبل، فهو إمام العلماء يوم القيامة وأعلم الناس بالحلال والحرام ﵁، وأهل مكة فيهم الكثير من العقليات والمفكرين والمبدعين، فهم يحتاجون إلى رجل من علماء الأمة ليجادلهم فيما يختلفون فيه، ولا ننسى أن لهم تاريخاً طويلاً جداً مع الرسول ﵊، وعندهم شبهات كثيرة قالوها قبل ذلك، وأعلم الناس في الرد عليهم في ذلك الوقت هو معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، بذلك استقر الوضع في داخل مكة المكرمة، ودخل الناس جميعاً في الإسلام بفضل الله .

стр. 551

موقف الأنصار ﵃ بعد فتح مكة وما كان من الرسول ﷺ تجاههم يتبقى لنا موقف نحب أن نعلق عليه في ختام هذا الدرس وهو مهم جداً، وهو موقف الأنصار ﵃ وأرضاهم. رأى الأنصار الأحداث التي تجري في داخل مكة المكرمة وإسلام الجميع، وهؤلاء جميعاً هم أهل وعشيرة ورحم الرسول ﷺ ، ولاشك أنهم شاهدوا فرحة وسعادة الرسول ﵊ بهذا الإسلام، وشاهدوا أيضاً استقرار الأوضاع في داخل مكة المكرمة، وإسلام عكرمة بن أبي جهل، وإسلام سهيل بن عمرو، وإسلام فضالة بن عمير، وإسلام قادة مكة بصفة عامة. فالوضع بدأ يستقر جداً في داخل مكة المكرمة، والرسول ﵊ يقف على الصفا يدعو الله ، والأنصار يقفون تحته يفكرون في وضعهم بعد هذا الفتح، قال بعض الأنصار لبعض: أما الرجل -يقصدون الرسول ﷺ فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؛ لأنهم يرون تفاعله ﷺ مع الأحداث في داخل مكة. قال أبو هريرة راوي الحديث كما عند مسلم: (وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف عليهم فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي، فلما انقضى الوحي رفع رأسه ﷺ ثم قال: يا معشر الأنصار، قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة في عشيرته، قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: فما اسمي إذاً؟ كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم) يعني: أنني سوف أعيش معكم حياتي كاملة، وليس معنى أنني تعاطفت مع هذه الأحداث التي تجري في مكة المكرمة، وأنني فرحت بإسلام هؤلاء العشيرة والأهل والرحم أنني سأبقى في مكة وأترككم. وقد ذكرنا في بيعة العقبة الثانية أن الأنصار ﵃ وأرضاهم قالوا لرسول الله ﷺ : (إن بيننا وبين القوم حبالاً وإننا قاطعوها) فقد بايعوه ﷺ على حرب الأحمر والأسود من الناس، وصرحوا بأنه بعد هذه البيعة هل إذا استقرت الأوضاع في مكة سيعود إليها ﷺ ويتركهم مع اليهود أو غيرهم من الناس، فقال ﷺ : (بل المحيا محياكم والممات مماتكم، أنا منكم وأنتم مني)، فالرسول ﵊ يؤكد على نفس المعنى الآن ويقول: (ما اسمي إذاً؟ كلا إني عبد الله ورسوله)، يعني: مستحيل أن أخالف ما تعاهدت معكم عليه قبل ذلك، (إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم، قال أبو هريرة: فأقبل الأنصار إلى رسول الله ﷺ يبكون ﵃ وأرضاهم ويقولون: والله يا رسول الله! ما قلنا الذي قلنا إلا ضناً بالله ورسوله) يعني: ما قلنا هذه الكلمات إلا لأننا نريد الله ورسوله، نريدك أن تكون معنا يا رسول الله، فقال ﷺ : (فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم)، قبل منهم ﷺ هذا الأمر، وقبل منهم هذا الظن الذي ظنوه برسول الله ﷺ وعذرهم ﵃ وأرضاهم. والأنصار ﵃ لهم قيمة عالية جداً في ميزان الإسلام، وبذلوا الكثير والكثير ﵃، ولم يأخذوا شيئاً لا في الفترة المكية بعد البيعة ولا في الفترة المدنية من أولها حتى هذه اللحظة وإلى آخر حياة الرسول ﷺ ، ولذلك الرسول ﵊ شرفهم بكلماته العظيمة، فقال في حقهم: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار). إذاً: نحن نعذر الأنصار تماماً في هذا الأمر الذي وقعوا فيه، وعذرهم ربهم ورسولهم الكريم ﷺ . وكل بذل الأنصار قبل الفتح وبعد الفتح له قيمة عالية جداً؛ لأنه كان في وقت الشدة ووقت العناء ووقت المشقة، ولا يمكن أبداً أن يساويه بذل بعد الفتح، بأي صورة من الصور، ومما يؤكد هذا المعنى الأخير هذه القصة التي أختم بها هذا الدرس، وهي عندما جاء مجاشع بن مسعود ﵁ وأرضاه بأخيه مجالد بن مسعود ﵃ أجمعين جاء ليعلن إسلامه بين يدي الرسول ﵊ بعد الفتح، فـ مجاشع من الذين أسلموا قبل الفتح ومجالد أخوه من الذين أسلموا بعد الفتح، فجاء بأخيه ليبايع بعد الفتح، وقال: (جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة فقال ﵊: ذهب أهل الهجرة بما فيها، فقال: على أي شيء تبايعه، قال: أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد). إذاً: فالأنصار مكانة عظيمة جداً، كما قال ربنا : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَ

стр. 552

سلسلة السيرة النبوية_ يوم حنين كانت غزوة حنين نتاج انتصارات الرسول ﷺ المتتالية على قبائل العرب، وكان آخر هذه الانتصارات فتح مكة، الأمر الذي أغاظ قبائل هوازن، فأعدت العدة لمقاتلة المسلمين، وكانت الغلبة في أول الغزوة للمشركين، وانهزم المسلمون، ثم عادوا والتفوا حول نبيهم ﷺ فكانت الغلبة لهم، والعاقبة للمتقين.

стр. 553

بين يدي غزوة حنين أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين. تحدثنا في الدروس السابقة عن الفتح العظيم فتح مكة، وإسلام معظم أهل مكة، وإضافة قوة هائلة للدولة الإسلامية، قوة مكة، وهي ليست قوة بشرية أو اقتصادية فقط، بل في الأساس قوة دينية واجتماعية وسياسية وأدبية، فحين أصبحت الكعبة المشرفة في يد المسلمين، فإنه لا يخفى أثر ذلك على العرب الذين كانوا يعظمونها جداً حتى في زمان الجاهلية، وعادت إلى المسلمين الكثير والكثير من أملاكهم المسلوبة، ومن جديد توثقت العلاقات بين الأسر التي فرقت الهجرة إلى المدينة وقبلها إلى الحبشة بينها وبين بقية أفرادها في مكة المكرمة، وأصبح للمسلمين وضع متميز ألقى الرهبة في قلوب كل العرب، وبدأت الكثير من القبائل تحسب للمسلمين ألف حساب. ليس من السهل أن تهزم قريش، ليس من السهل أن تفتح مكة، ليس من السهل أن يقبل سدنة الأصنام وكهنة هبل والعزى ومناة أن يدخلوا في الإسلام.

стр. 554

دوافع تجمع قبائل هوازن لمقاتلة الرسول ﷺ وأصحابه بحنين لقد كان فتح مكة فتحاً مجيداً بكل المقاييس، ومع أن هذا الفتح دفع الكثير من أهل الجزيرة إلى التفكير في الإسلام، إلا أن هناك بعض القوى الأخرى في الجزيرة العربية أخذت موقفاً معادياً جداً من الإسلام ومن الدولة الإسلامية، فقد شعرت وأحست أن هذا النمو اللافت للنظر للدولة الإسلامية معناه اقتلاع القبائل الأخرى خلال زمن قليل، من أجل ذلك بدأت هذه القبائل في إعداد العدة لحرب الدولة الإسلامية، قبل أن يتفاقم الوضع ويصبح خارجاً عن السيطرة، فكان من أخطر القبائل التي أخذت هذا النهج وهذا الأسلوب قبيلة هوازن. يعلم الجميع مدى الروح القبلية عند العرب، ومدى انتماء كل فرد لقبيلته بغض النظر عن الحق أو العدل، وكان هذا من الأمراض الخطيرة التي حاربها الإسلام منذ اللحظة الأولى لنزول الرسالة. من أجل أن نفهم قصة هوازن مع المسلمين لا بد أن نرجع قليلاً إلى ذاكرة التاريخ، من أجل أن ندرس جذور هذه القبيلة وعلاقة هذه القبيلة بقريش. ينقسم العرب بصفة عامة إلى قسمين رئيسيين: ينقسمون إلى عدنانيين وقحطانيين، العدنانيون ينقسمون إلى: ربيعة، ومضر، ومضر تنقسم إلى: إلياس وعيلان، وقبيلة قريش تأتي من فرع إلياس بعد تفرعات كثيرة، وتأتي قبيلة هوازن من عيلان أيضاً بعد تفرعات كثيرة، وكلما بعدت الأنساب ازدادت الحزازيات بين القبائل، ويفقد الناس الشعور بالرحم التي ينتمون إليها. إذا كان يحصل تنافسات وصراعات بين البطون القريبة من بعضها البعض بسبب القبلية، فما بالك لو كانت القبائل بعيدة الأنساب عن بعضها البعض؟ يعني مثلاً: كلنا يعلم ما كان يحدث من صراع بين بني هاشم وبني مخزوم، ومخزوم وقصي كانا أولاد عم مباشرة، ومخزوم هو الذي جاء منه قبيلة بني مخزوم، وقصي الذي جاء منه بنو هاشم بعد ذلك، ومع ذلك كان الصراع شديداً بين القبيلتين، تنافس قبلي، وقد يصل الأمر إلى المنافسة العسكرية الدموية. كذلك كلنا يعلم الصراع بين الأوس والخزرج مع أن الاثنين أولاد حارثة بن ثعلبة من فروع قحطان، لكن داء القبلية كان يعصف بالجزيرة العربية. والرسول ﵊ من قريش؛ فلهذا القبائل البعيدة عن قريش ستفكر في الإسلام بصورة أكثر تحفظاً من القبائل القريبة من قريش، فهذا أبو جهل لم يرض أن يدخل الإسلام من أجل القبلية، مع أنه قريب من الرسول ﵊. عندما نرجع لشجرة الأنساب مع وضع النظرة القبلية هذه سنفهم أحداثاً كثيرة جداً في السيرة، ستجد مثلاً أن القبائل البعيدة جداً عن قريش هي من أواخر القبائل التي أسلمت، ومن أشد القبائل قسوة على المسلمين، فأبعد الفروع عن قريش هي الفروع التي خرجت من قحطان، فهؤلاء لم يسلموا إلا متأخرين مثل: قبائل قضاعة، طي، مذحج، بجيلة ومنهم من كان شديداً جداً على المسلمين مثل: بني لحيان، لكن يشذ عن هذه القاعدة قبائل الأوس والخزرج فقد أسلموا قديماً، ويبدو أن ذلك للجذور اليمنية لهذه القبائل، ثلاث قبائل: الأوس والخزرج وأسلم من قبيلة الأزد اليمنية. وأهل اليمن يتميزون برقة القلب وقوة العاطفة، يقول: الرسول ﵊: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً) رواه البخاري ومسلم. إذاًَ: فروع قحطان كانت من أواخر القبائل إسلاماً، باستثناء الأوس والخزرج وأسلم. أيضاً من الفروع البعيدة جداً عن قريش ربيعة، فربيعة هي الفرع الموازي لمضر، والخلاف بين ربيعة وبين مضر كبير جداً وطويل، فربيعة تأخر إسلامهم جداً، مثل: بني بكر بن وائل، بني تغلب، بني عبد القيس، ومنهم من كان شديد العداء للمسلمين ولم يسلم إلا مضطراً، وسارع بالردة بعد وفاة الرسول ﵊ مباشرة، وبعضهم حتى قبل وفاته ﷺ مثل: بني حنيفة. إذاً: تأتي بعد كذا مضر تنقسم إلى قسمين رئيسين: إلياس وعيلان. وعيلان مشهورة في التاريخ بقيس عيلان، فقيس هذا أشهر أبناء عيلان فاشتهرت القبيلة بكاملها بكلمة (قيس عيلان). وقريش كما ذكرنا هي من إلياس؛ من أجل ذلك تجد قبائل عيلان تنافس بشدة قبائل إلياس ومنها قريش. وقبائل عيلان كثيرة جداً، لكن أشهر هذه القبائل ثلاث قبائل، وعندما تسمع أسماء هذه القبائل الثلاث ستفسر لك مواقف كثيرة جداً في السيرة رأيناها ولا زلنا سنراها. فأهم ثلاث قبائل في عيلان هم: غطفان، وبنو سليم، وهوازن، ونحن رأينا مدى المعاناة التي عاناها المسلمون من غطفان على مدار سنوات مختلفة، وكذلك عانوا من بني سليم، وبعد ذلك أسلمت غطفان وأسلم بنو سليم، وكان من الواضح جداً أن إسلامهم كان إسلام المضطر، فهم انبهروا جداً بقوة الإسلام، وشعروا أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين، وقد يجتاحهم المسلمون اجتياحاً مدمراً لذلك آثروا السلامة، آثروا أن يعيشوا تحت كنف الدولة الإسلامية، وجاءت الوفود كما رأينا إلى المدينة المنورة وبايعت على الإسلام بعد انتصار مؤتة وقبيل فتح مكة المكرمة، والإسلام لم

стр. 555

قيام مالك بن عوف بتوحيد قبائل هوازن لمقاتلة المسلمين كان من عادة العرب في ذلك الوقت أنهم يعيشون حياة التفرق حتى في بطون القبيلة الواحدة، وما أكثر ما حدثت الحروب -كما ذكرنا- في داخل الفرع الواحد من القبيلة، كما يقولون أحياناً: على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا. وقبيلة هوازن كانت تسير بنفس النمط، ففروعها كثيرة، لكن في زمنها كله ما توحدت في كيان سياسي اقتصادي عسكري واحد، بل عاشت حياة الفرقة كما عاشها بقية العرب قبل الإسلام، وكما يعيشها العرب دائماً كلما بعدوا عن الإسلام، لكن ظهر في قبيلة هوازن في هذه الفترة وهي الفترة التي سبقت فتح مكة مباشرة وأثناء فتح مكة ظهرت شخصية قلبت الموازين في هذه القبيلة الكبيرة وغيرت كل شيء، هذه الشخصية هي شخصية مالك بن عوف النصري من بني نصر من هوازن، وأمثال هذه الشخصية كثير في التاريخ. فمن هو مالك بن عوف هذا؟ مالك بن عوف كان شاباً لم يبلغ الثلاثين من عمره بعد، لكنه كان يملك ملكات قيادية متميزة، عنده علم كبير جداً بالخطط العسكرية وبالفنون القتالية، وكان خطيباً مفوهاً له قدرة كبيرة جداً على التأثير على الناس، وكان يتميز بقدرته الفائقة على الحشد وتجميع الطوائف المختلفة لأداء مهمة معينة، كانت لديه طاقات هائلة، لكن للأسف كل طاقاته هذه كانت موظفة في الشر. بدأ مالك بن عوف يجمع كل فروع هوازن تحت راية واحدة، وهذا حدث فريد في تاريخ هوازن، فهذه هي المرة الأولى تقريباً التي تتجمع فيها بطون بني نصر وبني سعد وثقيف تحت راية واحدة، وهذا يدلنا على مدى كفاءة هذا القائد، ومع أنه من بني نصر ومعروف أن ثقيفاً هي أكبر وأعز وأعظم قبيلة من قبائل هوازن ومع ذلك قبلت أن تسير تحت راية مالك بن عوف النصري. لقد جمع مالك بن عوف منهم أكثر من (٢٥. ٠٠٠) مقاتل، وهذا أكبر رقم تجمع في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبة، جيش هائل، فهو جمع هذه الأعداد الكبيرة باسم القبيلة: نحن من هوازن ومحمد من قريش، هذا هو المنطق مع أن الرسول ﵊ ما سعى أبداً إلى تجميع القرشيين ضد القبائل العربية الأخرى، بل على العكس كان العدو الأكبر للرسول ﵊ في خلال السنوات العشرين السابقة قبيلة قريش، وكان جيشه يضم أفراداً من كل قبائل العرب، والجانب الأعظم من جيش فتح مكة لم يكن من القرشيين، كان من أوس وخزرج وأسلم وغفار والأزد ومزينة وجهينة وغطفان وبني سليم وبني تميم وغير ذلك من الفروع القريبة والبعيدة جداً من قريش، وغطفان وبنو سليم هم أكثر قرباً لهوازن كانوا في جيش الرسول ﵊ الذي فتح مكة، مع كل ذلك إلا أن المحفز الوحيد الذي استخدمه مالك بن عوف هو قضية القبيلة، وأقنع الناس بما نشأ عليه العرب من أن القبيلة فوق كل شيء وقبل كل شيء، وأن عز القبيلة مقدم على الحق وعلى العدل وعلى القيم وعلى المثل العليا وعلى أي شيء، فنفس فكرة القومية التي ينادي بها الكثيرون في زماننا، أو في الأزمان التي سبقت أو الأزمان التي ستأتي بعد ذلك، ففكرة القومية أو فكرة الوطنية هي تقديم مصلحة القوم أو الوطن أو العنصر بغض النظر عن الحق، إذا خاض الوطن أو القوم حرباً ظالمة فأنا معه؛ لأن مصلحة الوطن مقدمة على الحق والعدل، هذا منطقهم. إذا رأى البعض أن مصلحة القوم أو الوطن تتعارض مع قانون شرعي أو عرف دولي أو قاعدة أخلاقية يترك القانون الشرعي أو العرف الدولي أو القاعدة الأخلاقية وتقدم مصلحة القوم أو مصلحة الوطن. هذا الكلام لا وزن له عند رب العالمين ، وليس معنى ذلك أن حب القوم أو الوطن مرفوضة إسلامياً، لا، بل على العكس حب الأهل والعشيرة فضيلة يحض الإسلام عليها، لكن بشرط ألا تكون على حساب الدين والحق والعدل، يقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤] ماذا يحصل؟ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. في هذه الآية الجامعة وضح لنا ربنا أن تقديم الأهل والعشيرة، وهم القوم، وتقديم المساكن وهي الوطن، أن تقديم هذه الأشياء على أمر الدين هو نوع من الفسق، ومن فعله فعليه أن ينتظر العقاب من رب العالمين ، والعقاب مخوف جداً، حتى إن الله أخفى هذا العقاب ولم يعينه لزيادة الرهبة، قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] لكن ليس معنى الآية أن حب الآباء والأجداد والعشيرة أو القوم والقبيلة والوطن والتجارة مذموم، حاشا لله، ليس هذا هو المعنى مطلقاً، بل أمرنا الله أن نصل آباءنا وأ

стр. 556

النقاط السلبية الموجودة عند مالك بن عوف وتغليط دريد بن الصمة له هناك نقاط سلبية كانت عند مالك بن عوف أولها: أنه يدعو إلى قومية وقبلية بغض النظر عن مواطن الحق والعدل. النقطة السلبية الثانية خطيرة جداً: وهي أنه يستخدم البلاغة وحسن البيان في خداع الناس، فقد كان يوهم الناس بخلاف الواقع ويغرر بهم، فقد وقف مالك بن عوف يخطب في الناس في الشعب ويقول لهم: إن محمداً لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فينصر عليهم. يعني: لو نحن قابلناهم سنرميهم في البحر. فهذا الخطاب من الخداع غير المقبول بالمرة لشعب ساذج حقاً، شعب هوازن يبدو أنه كان شعباً معزولاً عن العالم الخارجي، لا يقرأ ولا يكتب ولا يرى ولا يسمع، وإلا لما صدق مالك بن عوف، أي أقوام أولئك الذين لاقاهم رسول الله ﷺ وكانوا أغماراً لا علم لهم بالحرب؟ هل قريش التي هزمت منذ أيام في عقر دارها أو قبل ذلك في بدر والأحزاب لا علم لها بالحرب؟ هل غطفان التي اكتسحت في ديارها فأذعنت وأطاعت وسلمت وأسلمت لا علم لها بالحرب؟ هل اليهود في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة بل وفي خيبر لم يكن لهم علم بالحرب؟ بل هل الرومان وأعوان الرومان من نصارى العرب بأعدادهم المهولة وبأسلحتهم المتقدمة وتاريخ طويل في الحروب وخبرة فائقة لم يكن لهم علم بالحرب؟ إن شعباً لا يدرك أحوال الدنيا حوله لجدير أن يضحك عليه، لجدير أن يسخر منه، لجدير أن يهزم ويذل. فـ مالك بن عوف خدعهم بكلامه المعسول وبالخطاب البلاغي، فهو شعب قابل للخداع، فقد قبل هذا الشعب الساذج أن يرى الدنيا بعيون مالك بن عوف، من أجل ذلك لا بد أن يدفع الثمن. النقطة السلبية الثالثة في مالك بن عوف: أنه لم يقم وزناً يذكر لشعبه، فليس عنده أي مانع أنه يضحي بشعبه كله بكل ممتلكاته من أجل تحقيق مجد شخصي له. ماذا عمل مالك بن عوف بشعبه؟ أمر أن تؤخذ النساء والأطفال والأنعام والأموال وكل ممتلكات شعب هوازن تؤخذ معهم إلى أرض القتال فتوضع في خلف الجيش، لماذا هذا؟ من أجل أن يحفز الجيش على القتال. يقول لهم: لو انهزم جيش هوازن أو فر من أرض القتال سيستولي المسلمون على كل ممتلكات هوازن، فـ مالك بن عوف لم ينظر أبداً إلى احتمالية الهزيمة، وهذا أمر وارد في أي معركة، لكن لا مانع أن يدفع الشعب كله ثمن تحقيق النصر لـ مالك بن عوف، أن الشعب كله من رجال ونساء وأطفال يحقق المجد الشخصي لـ مالك بن عوف. النقطة السلبية الرابعة في قائد هوازن مالك بن عوف: أنه كان ديكتاتوراً لا يستمع لرأي الآخرين ولو كانوا من الخبراء: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. بعض الخبراء العسكريين في هوازن حاولوا أن يبعدوا هذا القرار عن ذهن مالك بن عوف، قرار أخذ النساء والأطفال والأنعام والأموال إلى أرض المعركة، لكنه أصر إصراراً عجيباً، فقد ورد في كتب السيرة حوار دار بينه وبين دريد بن الصمة، ودريد بن الصمة أحد المخضرمين عسكرياً في هوازن فقد كان عمره فوق مائة سنة، فتعجب لاصطحاب كل ممتلكات هوازن في أرض القتال فسأل مالكاً عن ذلك، فقال مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فغضب دريد غضباً شديداً وقال: راعي ضأن والله، ما لك والحرب. يعني: أنت لا تعدو أن تكون إلا راعياً للغنم لا تصلح للقيادة العسكرية. وبعد ذلك أخبره بوجهة نظره وكانت وجهة نظر صحيحة، قال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: إنك تقاتل رجلاً كريماً قد أوطأ العرب وخافته العجم وأجلى اليهود، يعني: دريد قدر قوة الرسول ﵊ تقديراً سليماً وقال الرأي الأصوب، لكن مالك بن عوف لم يسمع له، ولم يأخذ بمشورته، ولم يكن يرى غير رأيه فقط، ومع ذلك دريد لم ييئس، بل استمر معه في الحوار وسأله: ما فعلت كعب وكلاب أفضل بطون هوازن عسكرياً وفيهم العدد والعدة؟ قال مالك: لم يشهد منهم أحد، قال دريد وقد ازداد يقيناً برأيه: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب. ثم نصح مالك بن عوف مرات لكن مالك بن عوف رفض بإصرار شديد؛ لأن نفسية الديكتاتور لا تقبل أبداً أي رأي معارض لرأيه ولو على سبيل الاقتراح أو المشورة، فالشورى عنده تصبح طاعنة للكبرياء وللكرامة، ومن ثم فالدكتاتوريون لا يريدون الخير إلا إذا جاء منسوباً لهم. إذاً: هذه كانت نقطة خطيرة جداً أيضاً في مالك بن عوف: أنه كان ديكتاتوراً لا يستمع أبداً للشورى. النقطة السلبية الخامسة في

стр. 557

سلاح اكتشاف رسول الله ﷺ لقد نقلت المخابرات الإسلامية إلى الرسول ﵊ الأخبار عن هوازن، أنها تستعد لحرب المسلمين، فقد أرسل الرسول ﵊ الصحابي الجليل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ﵁ ليأتيه بخبر هوازن، وجاء عبد الله بتأكيد الخبر أن هوازن تتجمع من أجل حرب المسلمين، وأنها قد جاءت عن بكرة أبيهم بنسائهم وبنعمهم وشائهم، فتبسم ﷺ وقال: (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله) يقين بالنصر.

стр. 558

استعداد الرسول ﷺ لمواجهة قبائل هوازن بدأ الرسول ﵊ في إعداد العدة لهذا الموقف الخطير، وكان إعداده على أعلى مستوى؛ فقد كان على النحو التالي: أولاً: قرر الخروج للقتال في مكان متوسط بين هوازن ومكة، وآثر ألا ينتظر بمكة، وهذا فيه حكمة كبيرة جداً؛ لأنه لو بقي في مكة وغزاها مالك بن عوف بجيشه فقد يتعاون أهل مكة معه؛ لأن أهل مكة حديثو عهد بشرك وجاهلية فقد يتعاونون مع المشركين من هوازن لحرب المسلمين فتصير كارثة، قد تصير الحرب من داخل ومن خارج، لذلك فضل الرسول ﵊ أن يخرج بجيشه إلى مكان مكشوف بعيداً عن مكة. ثانياً: قرر أن يخرج بكامل طاقته العسكرية، سيأخذ معه العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة المكرمة، لأن أعداد هوازن ضخم وكبير. ثالثاً: أخذ معه من داخل مكة المكرمة المسلمين الطلقاء الذين أسلموا عند الفتح. وهذا فيه بعد نظر كبير من الرسول ﷺ ؛ فهؤلاء إن تركوا في مكة قد ينقلبون إلى الكفر مرة ثانية، وقد ينفصلون بمكة عن الدولة الإسلامية، وخاصة لو تعرض المسلمون لهزيمة من هوازن؛ وأيضاً خروجهم مع المسلمين فيه دلالة على أن الرسول ﵊ يقربهم ويثق بهم، وهذا سيثبت أقدامهم أكثر في الإسلام، وأيضاً قد تكون هناك غنائم كثيرة؛ لأن الرسول ﵊ نفسه كان يقول: (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله) فلو وزع عليهم هذه الغنائم لكان في ذلك تأليف لقلوبهم، وأضف إلى كل ذلك أن أعدادهم الكبيرة ستوقع الرهبة في قلوب هوازن، ولا شك أن قريشاً لها مكانة في قلوب العرب، فعندما يخرج منها عدد في داخل هذا الجيش فقد يوقع الرهبة في قلوب هوازن، فيكون النصر حليفاً للمسلمين، فالرسول ﵊ لأجل ذلك كله أخذ معه من مكة (٢٠٠٠) من الطلقاء وأصبح الجيش الإسلامي (١٢. ٠٠٠) مقاتل. وهذا أكبر عدد في تاريخ المسلمين في ذلك الوقت. رابعاً: لم يكتف الرسول ﵊ بسلاح الجيش الإسلامي الذي فتح به مكة المكرمة، مع كون هذا السلاح من الأسلحة الجيدة جداً والقوية جداً، بدليل انبهار أبي سفيان عند رؤيته للجيش الإسلامي، ومع ذلك الرسول ﵊ لم يكتف بهذا السلاح ولا بسلاح المسلمين من الطلقاء، وإنما سعى لعقد صفقة عسكرية كبرى لتدعيم الجيش الإسلامي، فذهب بنفسه إلى تجار السلاح في مكة المكرمة، وكان على رأس هؤلاء التجار صفوان بن أمية ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهذان الاثنان لا زالا مشركين. فطلب منهما السلاح على سبيل الاستعارة بالإيجار والضمان، حتى إن صفوان بن أمية سأل الرسول ﵊: (أغصباً يا محمد؟ فقال ﷺ : بل عارية مضمونة) يعني: أنا أستعيرها بالإيجار وأضمن عند ضياع بعضها أن أعوضك عنها، هذا مع أن الرسول ﵊ هو الزعيم المنتصر، وصفوان بن أمية هو أحد القادة المهزومين، لكن الرسول ﵊ كان عادلاً في كل أموره، لم يكن يستحل مال عدو بأي صورة من الصور، وصفوان كان في عهد الرسول ﵊ لمدة أربعة شهور يفكر فيها في أمر الإسلام كما فصلنا قبل ذلك. الشاهد من القصة: أن إعداد الجيش الإسلامي كان على أفضل الصور الممكنة، ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الرسول ﵊ اصطحب معه في هذه الغزوة بعض المشركين، وكان منهم صفوان بن أمية وكان منهم نوفل بن الحارث تجار السلاح في مكة المكرمة فخرج هؤلاء ليحملوا أسلحتهم للمسلمين. قد يسأل شخص ويقول: لماذا قبل ﷺ أن يستعين في هذه المعركة بالمشركين ورفض أن يستعين بهم في بدر قبل ذلك، ففي بدر قال لهم: (لا أستعين بمشرك)؟ الجواب أن الظرف مختلف، فالنصر ببدر قد ينسب إلى المشركين لقلة أعداد المسلمين وعدم استقرار دولة المسلمين، أما الآن فلن يدعي أحد أبداً أن نصر المسلمين وعددهم (١٢. ٠٠٠) مقاتل كان بسبب الأفراد المشركين المعدودين في الجيش الإسلامي، فمن أجل هذا لم ير الرسول ﵊ مشكلة أن يأخذ معه بعض المشركين، وهؤلاء المشركون لن يأخذوا من الغنيمة، ولكن سيعطيهم ﷺ أجراً على عملهم هذا بالاتفاق. خامساً: أن الرسول ﵊ اهتم جداً بالحراسة الليلية للجيش الإسلامي؛ لئلا يباغت فجأة، فوضع على الحراسة أنس بن أبي مرثد ﵁. سادساً: اهتم الرسول ﵊ اهتماماً كبيراً جداً بالحالة المعنوية للجيش الإسلامي، فقد بشرهم أن جيوش هوازن ستصبح غنيمة للمسلمين إن شاء الله، ولا ننسى أن المسلمين دخلوا موقعة حنين ومعنوياتهم مرتفعة جداً؛ لأنهم حققوا انتصاراً مهيباً منذ أيام عندما فتحوا مكة المكرمة أعظم المدن وأشرف الأماكن. إذاً: يتبين مما سبق أن إعداد المسلمين لمعركة حنين كان إعد

стр. 559

سبب هزيمة المسلمين في أول غزوة حنين خرج الجيش الإسلامي في (٦) من شوال سنة (٨) هجرية، ووصل إلى وادي حنين في (١٠) من شوال سنة (٨) هجرية، وفي أثناء الطريق والجيش يسير بهذه الصورة البهية قال بعض المسلمين الجدد من الطلقاء، قالوا كلمة تعبر عن مرض خطير، وسرعان ما انتشرت هذه الكلمة في الجيش بكامله، انتشرت هذه الكلمة كما تنتشر النار في الهشيم، وهذه الكلمة في ظاهرها بسيطة يسيرة لكن كان لها من الأثر ما لم يتخيله المسلمون أبداً. قال المسلمون: لن نغلب اليوم من قلة. كما ذكرنا أن المسلمين كانوا قد فتحوا مكة وهزموا قريشاً بعشرة آلاف فلا شك أنهم سينتصرون في حنين على هوازن بـ (١٢. ٠٠٠) مقاتل، هكذا اعتقد المسلمون، بل وصرح المسلمون بألسنتهم بهذا الاعتقاد، وهذا لم يكن أمراً قلبياً، بل خرج على الألسنة. وعندما قال المسلمون هذه الكلمة شق ذلك على رسول الله ﷺ ، وأحس أن مشكلة ستحصل، وظهر على وجهه الحزن، وأحس أن هناك شيئاً خطيراً سيحدث لهذا الجيش الكبير. حسناً: لماذا كل هذه التداعيات لهذه الكلمة البسيطة اليسيرة؟ الجملة في ظاهرها صحيحة، وتركيبها ومعناها صحيح، بل إن هذه الجملة مستنبطة من حديث لرسول الله ﷺ ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه ورواه الدارمي والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : (لا يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة) فمعنى الحديث: أن الجيش الذي وصل إلى (١٢. ٠٠٠) مقاتل لن يهزم بسبب قلة العدد، لكن قد يهزم لأسباب أخرى، قد يهزم لأسباب مادية أو أسباب قلبية، يعني: قد يوجد (١٢. ٠٠٠) مقاتل وليس هناك إعداد عسكري، أو ليس هناك قوة سلاح، أو عندهم خلل في الخطة، أو عدم مهارة في القيادة أو غير ذلك من الأمور المادية، فهذه كلها قد تكون سبباً في الهزيمة، لكن هذه الأشياء في جيش المسلمين الخارج إلى حنين كانت على أحسن مستوى، لكن قد يغلب الجيش لأسباب قلبية، وهذا أمر خطير جداً. فهذه الكلمة التي قالها بعض المسلمين تعبر عن مرض قلبي خطير، وهذا المرض هو العجب بالنفس وبالعدد وبالإعداد المادي، وهو الاعتماد على الأسباب ونسيان رب الأسباب، وهو الظن أنني أنا الذي فعلت وليس الله الذي فعل، ولا شك أن الصحابة وغيرهم من الصالحين لو سئلوا سؤالاً مباشراً: هل النصر من عندك أم من عند الله؟ لا شك أن الجميع سيجيب بلا تردد: بل هو من عند الله . لكن هذا الشعور الخفي، شعور الإعجاب بالنفس والغرور يتسلل إلى النفس بلطف شديد، لا يشعر به المؤمن إلا وقد تفاقم. والإعجاب بالنفس ليس هو الثقة بالنفس، الثقة بالنفس أمر محمود، أما الإعجاب بالنفس فأمر مذموم، والثقة بالنفس أمر مطلوب؛ لأن الجيش لا ينتصر ولا ينجح بغير الثقة بالنفس، لكن لا يجب أن تزيد الثقة بالنفس حتى تصل إلى درجة التوكل على النفس، وليس التوكل على الله . والفارق بين الثقة بالنفس والإعجاب بالنفس شعرة، والموفق من وفقه الله . الواضح من النبرة التي عند الصحابة حين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة. أنها كلمة تعبر عن ثقة زائدة عن الحد بالنفس، من أجل ذلك غضب الرسول ﵊ لما سمعها وحزن حزناً ظهر على وجهه ﷺ ، ولو قيلت نفس الجملة على سبيل تبشير المسلمين وطمأنة المسلمين لكانت جملة مناسبة وجميلة ومستحسنة، لكن هذا الكلام لم يحصل، وإنما أُعجب المسلمون بعددهم وتوكلوا على كثرتهم، وهذا هو المرض الذي ذكره في الكتاب الكريم في حق هؤلاء، قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]. لا يقولن أحد أبداً: إن هذا المرض كان عند الطلقاء حديثي الإسلام فقط، لا، للأسف انتقل المرض من الطلقاء إلى عامة أفراد الجيش الإسلامي، حتى وصل إلى معظم السابقين، وهذا أمر خطير، وسنرى أثر هذا الكلام بعد قليل. إن الأمراض القلبية كالعجب والكبر وحب الدنيا والحسد أمراض معدية، إن ظهرت في طائفة ولم تعالج جيداً تنتشر كالوباء، من أجل ذلك كان دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان واضحاً أن هذا الدور لم يؤد على الوجه الأكمل في هذه المعركة، فحدث أن هذه الكلمة انتشرت في الجيش كله، وكان لهذه الكلمة الخطيرة أثر على كل الناس، وغريب أن البعض القليل قد يؤثر على الكثير، ومن الخطر جداً أن يخرج ضعيف الإيمان في وسط الجيش المؤمن، لكن لولا ظروف مكة حديثة الإسلام وخطورة انقلاب مكة كما ذكرنا قبل ذلك لكان الأفضل ألا يخرج للقتال متذبذب الإيمان، لكن هذه كانت ظروفاً قهرية اضطر المسلمون فيها إلى اصطحاب الطلقاء، مع أن الله تعالى يقول في الكتاب: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]، لكن غالب الطلقاء لم يكونوا منافقين محترفي النفاق، وإنما

стр. 560

موقف الطلقاء من هزيمة المسلمين في أول غزوة حنين ماذا كان موقف الطلقاء في هذا الموقف الصعب؟ تباينت مواقف الطلقاء، منهم من صرح بكفره بعد أن كان ظاهره مسلماً مثل: كلدة بن حنبل، لكن بعد ذلك أسلم وله صحبة، فهذا الرجل قال في ذلك الوقت: ألا بطل السحر اليوم. يعني: يتهم الرسول ﵊ بالسحر مع أنه خارج مع المسلمين على أنه مسلم. ومنهم من لم يكتف بالكفر بل حاول قتل الرسول ﵊ مثل: شيبة بن عثمان وأيضاً هذا أسلم وحسن إسلامه. ومنهم من أظهر الشماتة دون أن يظهر الكفر كـ أبي سفيان زعيم مكة قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. فقد كان مسروراً بهزيمة المسلمين، فهو لم يثبت على الإسلام، لكن الحمد لله حسن إسلامه بعد ذلك ومنهم من تردد في الأمر فلم يدر أين الحقيقة مثل سهيل بن عمرو. ومن الطلقاء الذين لم يكمل إسلامهم أسبوعين ثلاثة من ثبت على الإسلام ولم يتردد لحظة مثل: عكرمة بن أبي جهل ﵁. ومما يدل على الفهم الراقي الذي كان عند عكرمة ﵁ وفهمه للإسلام وللنصر وللهزيمة أنه حدث لطيف جداً دار بينه وبين سهيل بن عمرو في أثناء فرار المسلمين يوم حنين، قال عكرمة عندما رأى المسلمين يفرون، قال: هذا بيد الله ليس إلى محمد ﷺ منه شيء. يعني: ليس هو السبب، أي: أن النصر والهزيمة بيد الله ، وليس معناه عدم صدق محمد ﷺ . ثم قال كلمة جميلة جداً لا يقولها إلا من عاش سنوات وسنوات في الإسلام قال: إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غداً. يعني: لو هزم اليوم فلا شك أن النصر سيكون حليفه غداً أو مستقبلاً، أوهذا مثل قول الله : ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]. فـ عكرمة ﵁ لم يسلم إلا منذ أسبوعين أو ثلاثة، وهذا اليقين منه أدهش سهيل بن عمرو قال: والله إن عهدك بخلافه لحديث. يعني: أنت لا تزال من أسبوعين أو ثلاثة كنت تعبد هبل فكيف توقن هذا اليقين؟ قال عكرمة: يا أبا يزيد! إنا كنا على غير شيء وعقولنا ذاهبة، نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع. إذاً: تباينت مواقف الناس، فالغالب الأعم من الناس فر من أرض المعركة والقليل هم الذين ثبتوا. ومعركة حنين في تقييمي كانت شديدة الشبه بمعركة أحد، فكلاهما كان مصيبة، وكلاهما كان لمرض قلبي، ففي أحد المرض القلبي كان حب الدنيا، وفي حنين المرض القلبي كان العجب، لكن الفارق بين أحد وحنين أن أحداث الموقعتين تمت بصورة معكوسة، ففي أحد بدأت المعركة بنصر للمسلمين ثم حدثت المصيبة، وفي حنين بدأت المعركة بمصيبة للمسلمين ثم تم النصر لهم.

стр. 561

عوامل رجوع المسلمين وثباتهم مع رسول الله ﷺ كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ كيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟ في مثل هذه الأزمات الهائلة وحين يتخلى الجميع أو المعظم عن المسئولية في عمل من الأعمال الهامة للأمة، سواء كان جهاداً أو غيره من الأعمال، ماذا نعمل في مثل هذه المواقف؟ لقد ضرب لنا الرسول ﵊ القدوة في ذلك، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقدم لنا منهجاً عملياً واضحاً للخروج من مثل هذه الأزمات، فماذا عمل الرسول ﵊؟!

стр. 562

ثبات النبي القائد ﷺ أول نقطة: ضرب القدوة من نفسه، فلم يفر؛ لأنه إذا فر القائد فلا أمل في ثبات الجنود، وإذا تخلى القائد عن المسئولية فلن يحملها أحد. فالرسول ﵊ ثبت في هذه الموقعة ثباتاً عجيباً، بل إنه لم يكتف بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى أن العباس ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره ﷺ كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم خوفاً على رسول الله ﷺ ، لكن الرسول ﵊ استمر في الدخول وسط جيش الكفار، وكان الجيش يمشي عكس اتجاه الرسول ﵊، كله يفر إلى الوراء والرسول ﷺ متقدم إلى الأمام ويقول وينادي بأعلى صوته: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. لن تجد مثل الرسول ﵊ مهما قرأت في التاريخ، ومهما قرأت في السير، ومهما قرأت في المعارك لن تجد مثل ذلك الموقف أبداً، إذا فكر القائد في النجاة بنفسه لا شك أن الجنود سيحبطون إحباطاً يمنعهم من أي مقاومة، أما إذا ثبت القائد وتقدم وجاهد وضحى بنفسه فهذه أعظم الدروس التربوية لجيشه ولأمته؛ ولذلك تجد أن الراية تعطى في المعارك لأفضل الناس وأقوى الناس وأشجع الناس؛ لأن الناس تبع لرايتهم وتبع لقائدهم، فإذا هرب الشجاع الذي يحمل الراية فلا شك أن غيره سيهرب وسينهزم، لذلك تجد أن أشد القتال دائماً يدور حول الراية، ليس لمجرد قتل رجل شجاع؛ ولكن لأن سقوط الراية سيؤثر معنوياً على كامل الجيش؛ فالرسول ﵊ كان يدرك ذلك تمام الإدراك، فلذلك حرص ﷺ كل الحرص على عدم التراجع خطوة واحدة، مع كل الخطورة التي قد يتعرض لها، لكن هذه هي الفرصة الأخيرة لجيشه ولأمته أن تراه ثابتاً فتثبت بثباته، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، وألف خطة في الثبات والتضحية لا تساوي موقف الرسول ﵊ يوم حنين. هذه رسالة لكل المسئولين عن أعمال جماعية للأمة الإسلامية، ثبات القائد يعني ثبات الجنود وتضحية الرئيس تعني تضحية المرءوسين. إذاً: هذه كانت أول نقطة عملها الرسول ﵊: ضرب القدوة من نفسه كقائد.

стр. 563

اعتماده ﷺ على الموثوق بهم من الجنود النقطة الثانية: الاعتماد على الموثوق فيهم من الجنود، القائد كفرد لا يستطيع أن يفعل شيئاً بلا جنود، حتى لو ثبت لابد أن يكون في جنود؛ فالزعيم لا يأتي بالنصر إلا إذا كانت معه أمة، لكن يتفاوت الناس في إمكانياتهم، يتفاوت الناس في أخلاقهم، في تربيتهم، في تاريخهم، كذلك يتفاوت الناس في درجة الاعتماد عليهم، فهناك من يعتمد عليه في أمور، وهناك من يعتمد عليه في أمور أخرى، وهناك من لا يعتمد عليه أصلاً. فالقائد المحنك والرئيس الذكي هو الذي يدرك بوضوح إمكانيات من حوله، يعرف الأعمال البسيطة السهلة التي يستطيع الجميع القيام بها، ويعرف الأعمال الصعبة التي لا يقوم بها إلا بعض الرجال، كما يعرف الأعمال شديدة الصعوبة التي لا يفلح في أدائها إلا القليل من الرجال، فكلما ازدادت حكمة القائد أدرك المستوى الدقيق لكل من حوله، وبالتالي لا يكلف أحداً من جنوده فوق ما يطيق، حتى ممكن يحقق نسبة نجاح كبيرة. فتعالوا لننظر كيف طبق الرسول ﵊ هذا؟ لقد كان الرسول ﵊ أفضل من يميز الرجال، وأفضل من يقدر إمكانياتهم، فهو الرسول ﵊ لم يناد في هذه المعركة على (١٢. ٠٠٠) مقاتل الذين معه؛ لأن فيهم أناساً حديثو عهد بالإسلام، ويصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه ﷺ لم يناد على (١٠٠٠٠) مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أن الذي دخل الإسلام قبل الفتح له درجة عالية جداً في ميزان الإسلام، ومع ذلك لم يناد عليهم كلهم؛ لأنه يعرف أن منهم من آمنوا رهباً من الدولة الإسلامية أو رغباً في ثرواتها بعد الانتصارات المتتالية مثل: قبائل غطفان وسليم وتميم وغيرهم. فماذا عمل ﷺ ؟ ركز النداء في أولئك الذين يثق بدينهم، ويطمئن لعقيدتهم، ويعلم تماماً أنهم وإن فروا في أول يوم حنين إلا أنهم سيعودون سريعاً إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد بمجرد التذكير؛ لأن معدنهم شديد النقاء. فمن هؤلاء الذين وثق فيهم الرسول ﵊؟ إنهم أصحاب الشجرة، أصحاب بيعة الرضوان الذين شهدوا صلح الحديبية، الذين فتحوا خيبر بعد ذلك، الذين قال الله في حقهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. فهؤلاء بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار. ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة -بيعة الرضوان- لعادوا فوراً إلى القتال؛ لأنهم يقيناً لم يبايعوا هذه البيعة نفاقاً ولأنه ذكر في كتابه أنه علم ما في قلوبهم، وهؤلاء نزلت عليهم السكينة قبل ذلك وهم على أبواب مكة في سنة (٦) هجرية، وكما تعلمون لم يكن معهم إلا سلاح المسافر، ونزول السكينة عليهم في هذا اللقاء في حنين سيحدث إن شاء الله بشرط أن يعودوا. وهؤلاء وإن كانوا (١٤٠٠) فقط، إلا أن الواحد منهم بمائة والواحد منهم بألف والواحد منهم بأكثر من ألف، فهؤلاء لو ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت لثباتهم، من أجل ذلك ركز الرسول ﵊ عليهم. أمر ﷺ العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره، لم يفر العباس ولا لحظة واحدة، أمره أن ينادي على هؤلاء المبايعين على عدم الفرار، فرفع العباس صوته ونادى بكل ما فيه من قوة: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب السمرة، يا أصحاب الشجرة هكذا. ثم إن الرسول ﵊ خص النداء أكثر، فلم يعد ينادي على كل أصحاب الشجرة، فأمر العباس أن ينادي على الأنصار، فخص الأنصار من أصحاب الشجرة، فرفع العباس صوته ونادى: يا أنصار الله، يا أنصار رسوله ﷺ ، ثم إنه خص أكثر وأكثر فنادى على الخزرج: يا بني الخزرج، يا بني الخزرج. ثم إنه خص أكثر وأكثر وأكثر، فنادى على بني حارثة من الخزرج وهم من خير دور الأنصار، كما قال في الحديث عن أبي أسيد الساعدي في البخاري ومسلم. فماذا كان رد فعل أصحاب الشجرة والأنصار والخزرج وبني حارثة؟ نترك العباس ﵁ يصور لنا رد فعل هؤلاء ﵃ أجمعين. يقول العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. يعني: عادوا مسرعين كالبقر التي تدافع عن أولاها الصغار، وقال الأنصار في لحظة واحدة وبصورة جماعية وبحماس: يا لبيك، يا لبيك، لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، فجاءوا من كل مكان في أرض الموقعة، مع كل الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم كانوا لا يرون الرسول ﵊ من شدة تزاحم الناس، وكان الرجل يجد صعوبة في العودة؛ لأن الدابة التي يركب عليها في عكس الاتجاه، لكن كان يترك الدابة وينزل ويترجل على قدميه حتى يلح

стр. 564

تذكير الصحابة بأن النصر من عند الله الخطوة الثالثة: أنه ﷺ ذكر العائدين بما نسوه، ألم تحدث المصيبة ويحدث الفرار؛ لأنهم أعجبوا بقوتهم وعددهم ولم يذكروا نصر الله لهم؟ إذاً: فليتذكر الجميع الآن أن النصر من عند الله ، فرفع ﷺ صوته يطمئن المسلمين ويقول: انهزموا ورب محمد، انهزموا ورب الكعبة، ثم رفع يده إلى السماء وابتهل إلى الله في الدعاء وقال في إلحاح: اللهم أنزل نصرك، اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا، اللهم أنزل نصرك. في هذه اللحظات العظيمة عولج المرض الخطير الذي أصيب به المسلمون يوم حنين، وأدركوا بما لا يدع مجالاً للشك أن الناصر الحقيقي هو الله ، واستوعبوا بكل ذرة في كيانهم قول الله : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠] وانتقلت هذه الآية في لحظات يسيرة وسريعة جداً من المفاهيم النظرية إلى الوقائع العملية. عندما تغير واقع المسلمين بهذه الصورة أذن الله للنصر أن ينزل على المسلمين، وكما تعودنا أن ينزل النصر ينزل بصورة لا يتوقعها المسلمون، ليعلم الجميع أن النصر من عند الله .

стр. 565

وسائل تحقيق النصر للمسلمين في غزوة حنين كانت وسائل تحقيق النصر في حنين عجيبة، كما كانت عجيبة قبل ذلك في بدر والأحزاب وخيبر ومكة وغيرها وغيرها. لقد أنزل على المؤمنين السكينة، فقاتلوا بثبات وقوة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] ما عادوا يرون (٢٥. ٠٠٠) مقاتل قدامهم، فثبتوا في أرض القتال، وأنزل الله الرعب في قلوب الكافرين فولوا مدبرين، متنازلين بسهولة شديدة عما حققوه من نصر، وعن كل تقدم وصلوا إليه، وأنزل الله الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦]. في لحظات يسيرة يفر الجيش المشرك من الجيش المسلم، فر أكثر من (٢٥. ٠٠٠) مقاتل في عدة حسنة وفي مواقع إستراتيجية جيدة وفي حالة معنوية عالية من (١٢. ٠٠٠) مجاهد، وتفرقوا هنا وهناك، لا تسأل عن الأسباب المادية، فقط قل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]. يقول أحد الصحابة: فما ثبتوا لنا حلب شاة يعني: مدة قصيرة جداً، انطلقوا في كل اتجاه يفرون، الرعب يملأ قلوبهم، تركوا وراءهم أموالهم وأنعامهم وأكثر نسائهم وأولادهم. ووصف الله موقف المشركين بعد عودة المسلمين إلى ربهم بقول بليغ مختصر معجز، قال : ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢٦] من العذاب أن تأخذ قرار الفرار من العذاب أن تهرب وأنت الأكثر عدداً وعدة من العذاب أن تتنازل عن حصاد السنين من المال والأنعام في لحظة واحدة هكذا من العذاب أن تتخلى عن زوجتك وأولادك؛ لأن الرعب يملأ قلبك من العذاب أن تشعر أن كل شيء يطاردك حتى الجماد. وهذه حقيقة فهذا عمرو بن سفيان الثقفي كان من المشركين الذين فروا في حنين والحمد لله أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، يقول: فانهزمنا، فخيل إلينا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا. قال: فأعجرت -أي: أسرعت- على فرسي حتى دخلت الطائف. هذا هو العذاب بعينه: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٢٦] فر الجيش المشرك في ثلاثة اتجاهات، فر جزء إلى أوطاس جانب من وادي حنين، والجزء الثاني فر إلى منطقة نخلة، والجزء الثالث والأساسي فر إلى مدينة الطائف، هرب الجميع بهذه الصورة المخزية المشينة، وهرب معهم قائدهم مالك بن عوف الذي دفعهم إلى هذه المهزلة العسكرية، واندفع المسلمون خلفهم هنا وهناك، وطردوا المشركين في كل مكان، وتوجهت سرية إلى أوطاس، وأخرى إلى نخلة، وتوجه الجيش الرئيسي بقيادة الرسول ﵊ إلى الطائف لحصار هوازن وثقيف في داخل الطائف. وأوقف الرسول ﵊ توزيع الغنائم الهائلة التي حصلوها حتى يعود من الطائف، وجعل كل هذه الغنائم في وادي اسمه وادي الجعرانة إلى جوار حنين، وكانت هذه أكبر وأعظم غنائم تحصل في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبة؛ لأن مالك بن عوف أتى بكل صغيرة وكبيرة في قومه ليجعلها بعد ذلك في أيدي المسلمين، كما قال ﷺ (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله). لقد بلغ السبي من النساء في هذه الموقعة (٦٠٠٠) امرأة، هذا عدد هائل، وتجاوز عدد الإبل (٢٤. ٠٠٠)، وتجاوز عدد الأغنام (٤٠. ٠٠٠)، والفضة تزيد على (٤. ٠٠٠) أوقية، يعني: حوالي (١٥٠) كيلو جرام من الفضة. هذا نصر هائل، لم يتوقعه ولم يحلم به أحد، فمعركة حنين غريبة جداً، وعجيبة بكل المقاييس، وكان شهداء المسلمين في هذه الموقعة الضروس خمسة شهداء فقط، وقتلى المشركين (٧٠) قتيلاً، ومن يشاهد الأعداد الهائلة المشتركة في هذه الموقعة (١٢٠٠٠) مجاهد يحاربون أكثر من (٢٥. ٠٠٠) يظن أن الضحايا سيكونون بالمئات أو بالآلاف، لكن هذا الكلام لم يحصل. أول المعركة فر المسلمون دون قتال تقريباً، وآخر المعركة فر المشركون دون قتال تقريباً كذلك، وهذه النتائج الهائلة والغنائم العظيمة جاءت دون قتال يذكر، وإنما فر وكر من المسلمين ثم كر وفر من المشركين، هكذا تغيرت الأحداث في دقائق، انقلب النصر للمشركين إلى هزيمة لهم وتحولت الهزيمة للمسلمين إلى نصر لهم، والفارق تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله يراه، فانحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات أدى إلى النصر؛ لتبقى الحقيقة واضحة في الذهن وراسخة في أعماق المسلمين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]. لا يخفى علينا أن حنيناً تتكرر كثيراً في حياتنا، ما أكثر توكلنا على الطبيب الماهر المشهور للدرجة التي تمنعنا أحياناً من رفع الأيدي إلى الله لطلب الشفاء من الله الشافي، لا أقصد عدم التداوي، التداوي أمر نبوي، لكن الاعتماد على الطبيب ونسيان رب الطبيب هذا لا يقبل. كثيراً ما نثق بمال الأغنياء من الب
следующие страницы →