← Сира

Сира · id 37369

السيرة النبوية - راغب السرجاني

راغب السرجاني

Полный текст (657 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

طبقات عمالقة الإيمان المسلمون عادة يتكون صفهم من خمس طبقات، هذه الطبقات الخمس تكون متداخلة في أيام الراحة والرخاء، أو في غياب الأزمات، ثم إذا ما حدثت أزمة كبيرة يتمايز الصف وتتميز بداخله الطبقات الخمس بوضوح، وهذا الأمر ليس خاصاً بتبوك، بل هو خاص بكل مراحل التاريخ الإسلامي، وخاص بواقعنا الذي نعيش فيه، وسيظل معنا إلى يوم القيامة، أي مجتمع مسلم في التاريخ كله، خاصة إذا كانت هناك دولة ممكنة فيها خمس طبقات، فما هي هذه الخمس الطبقات؟ الطبقة الأولى: طبقة عمالقة الإيمان، وهي طبقة في غاية الأهمية، الرجل منهم بألف أو يزيد، وعلى أكتاف هؤلاء تقام الأمم، هؤلاء هم الذين يحركون الخير في قلوب العوام، ويقودون حركات التغيير إلى الأصلح والأنفع، ويضحون بأموالهم وأوقاتهم وجهدهم -بل وبأرواحهم- لنفع الآخرين ولنفع الأمة الإسلامية؛ فقد خلصت نفوسهم من حظ نفوسهم فعاشوا لله بكل ذرة في كيانهم، هؤلاء هم الصفوة الحقيقية في المجتمع، ليست الصفوة في أصحاب المال ولا السلطة ولا الجاه ولا الشهرة، الصفوة هم: دعاة الخير ومصلحوا الأمم. كانت هذه الطبقة العظيمة -طبقة عمالقة الإيمان- في يوم تبوك، ووجد منهم عدد كبير من أصحاب الرسول ﷺ ، كان على رأس هؤلاء في ذلك اليوم: عثمان بن عفان، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة، هؤلاء الذين حملوا على أكتافهم هموم الأمة بكاملها، تعالوا لنرى ماذا فعل هؤلاء لكي ندخلهم في طائفة عمالقة الإيمان؟

стр. 597

عثمان بن عفان أنموذجاً أما عثمان ﵁ وأرضاه فكان هذا اليوم يومه؛ ما إن فتح الرسول ﵊ باب الجهاد بالمال حتى كان أسرع وأسبق الناس إلى الدخول فيه ﵁، قام في تجرد واضح، وفي تضحية عميقة يقول: علي مائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها. يعني: بكامل عدتها. وكنا قد ذكرنا في الدروس الماضية نماذج ممن كان يطلب مائة من الإبل ليثبت على الإسلام، والآن نتكلم على شخص يدفع مائة من الإبل في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة، هذا هو مقياس الدنيا في عين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، في لحظة يدفع بمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. فـ عثمان ليس مكلفاً بدفع كل هذا في إعداد الجيش الإسلامي، لكنه يشعر أن القضية فعلاً قضيته، والهم همه، لا يضيره في ذلك أن قعد آخرون، المهم عنده أن يعمل لله ، لم ينتظر أن يسبقه أحد أو أن يشجعه أحد، ليست النائحة كالمستأجرة، فهو يعيش القضية، فلما رأى الرسول ﵊ عثمان بن عفان يدفع مائة من الإبل سر سروراً عظيماً ﷺ حتى ظهر ذلك على وجهه، وانبسطت أساريره ﷺ ، ثم فتح باب الجهاد من جديد. فيقوم آخر ليبذل من ماله فيحدث العجب، لقد قام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه مرة ثانية يزايد على نفسه هو، فقد دفع في الأولى، وكذلك يدفع في الثانية، لا ينتظر أحداً من المسلمين ليساعده في عملية الإنفاق على جيش العسرة ﵁ وأرضاه، قام وقال: علي مائة أخرى من الإبل بأحلاسها وأقتابها! تفشل كثير من الأمم في الخروج من أزماتها لافتقادها إلى رجل مثل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه. ويرقب الرسول ﵊ ذلك بسعادة لا تخفى على أحد، إلى الدرجة التي قال فيها كلمة عجيبة جداً، قال ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، أي: أن الحسنات التي حصلها عثمان ﵁ وأرضاه في هذا اليوم لا تضر معها معصية أبداً، وهذا الكلام ليس استنتاجاً، بل هو نص كلام الرسول ﵊، فقد ينجو الإنسان طيلة حياته بموقف واحد وقفه لله . (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) ليست هناك سيئة إن فعل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أي سيئة بعد ذلك، لن يكون هناك تأثير على ميزانه يوم القيامة. وليست هذه دعوة لفعل السيئات، فالرسول ﵊ يقول الكلمة وهو يعرف في حق من يقولها، يقولها في حق عثمان بن عفان ذي النورين ﵁ وأرضاه. وعثمان بن عفان بعد أن سمع هذه الكلمة العجيبة التي علق بها ﷺ على فعله العظيم لم يكتف بهذا العطاء، بل قام للمرة الثالثة في بساطة وهو يقول: علي مائة ثالثة من الإبل بأحلاسها وأقتابها، ماذا نرى؟! إنه إنفاق غير طبيعي، لا يرى للدنيا أي حجم في عينه ﵁ وأرضاه. والرسول ﷺ يسمع هذا الكلام ويقول: (اللهم اغفر لـ عثمان ما أقبل وما أدبر، وما أخفى وما أعلن، وما أسر وما جهر)، بل إن البعض يصل بنفقة عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه في ذلك اليوم إلى تسعمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها! ولم يكن عطاؤه من الإبل فقط ﵁، بل عاد إلى بيته وأتى بألف من الدنانير نثرها في حجر الرسول ﷺ حتى رفع الرسول ﵊ يده إلى السماء وقال: (اللهم ارض عن عثمان؛ فإني عنه راض). سبحان الله! ماذا يساوي هذا؟! إن مال الدنيا بأكمله لا يساوي هذا الدعاء العظيم من الحبيب ﷺ . لم تكن عظمة عثمان ﵁ وأرضاه فقط في أنه أنفق أو أعطى، لكن العظمة الحقيقية في أنه سبق، لم ينتظر تشجيعاً من أحد، بل هو الذي شجع الآخرين، لم يقل: كل الناس لم يتحركوا، بل هو الذي تقدم وسبق؛ من أجل أن يقلده الناس بعد ذلك. هذا بيت القصيد في بناء الأمم؛ أن يحمل أناس الهم على أكتافهم ويتحركوا به حتى وإن قعدت الأمة بأكملها، كل من أعطى بعد عثمان بن عفان ﵁ تقليداً لفعله واتباعاً لهديه هو في ميزان حسنات عثمان بن عفان، وهذا أمر يعجز عن حسابه العقل. روى مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء). لماذا يعمل عثمان بن عفان هذا كله وينفق تسعمائة بعير، ويأتي بألف دينار، ويتحمل كل هذه المسئولية وحده ﵁ وأرضاه؟ إن قلبه وعينيه على الجنة: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)، يشتري الجنة

стр. 598

أبو بكر أنموذجاً كان من عمالقة الإيمان أيضاً في ذلك اليوم: أبو بكر الصديق ﵁، وهو من عمالقة الإيمان من أول يوم آمن فيه إلى آخر يوم في حياته ﵁ وأرضاه؛ أتى بأربعة آلاف درهم، لكن قد يقول قائل: هذا المبلغ يعتبر بسيطاً بالنسبة لعدد الإبل التي قدمها عثمان بن عفان ﵁. أقول: انتبه، فنحن نتكلم على أعظم شخصية في تاريخ الأرض بعد الأنبياء، هذه الأربعة آلاف هي كل ما يملك، فهل يستطيع أحد أن يعمل مثل هذا؟ هل يمكن أن تتخيل ذلك مع نفسك ولو مرة واحدة في حياتك؟ صعب جداً، ويكاد يكون مستحيلاً، مع مراعاة أن أبا بكر الصديق فعل ذلك أكثر من مرة في حياته؛ في بداية الدعوة، وفي وسط الدعوة، وفي الهجرة وفي تجهيز الجيوش بصفة مستمرة حتى وصل إلى هذا الأمر في تبوك، وكان خليفة للمسلمين بعد ذلك، ومات وليس في بيته دينار ﵁ وأرضاه. كل حياته إنفاق في سبيل الله، كل الذي عنده أتى به، أتى بكل ثروته لنصرة الإسلام والمسلمين، من أجل ذلك فـ الصديق درجته مختلفة عن درجة بقية المسلمين، لا لشيء إلا ليقينه العميق فيما عند الله ، لا لمنصب ولا لعرق ولا لنسب؛ بل لدرجة الإيمان والصدق الذي في قلبه. وقد سأله الرسول ﵊ سؤالاً واضحاً فقال: (هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ فقال -في يقين عجيب-: أبقيت لهم الله ورسوله)، سبحان الله! هل يضيع الله من استودعناه إياه؟ هل يترك ربنا من تركناه له؟ هذا مستحيل، وكلنا يؤمن بذلك، لكن إيمان بعضنا إيمان نظري، ليس له تطبيق في واقع حياتنا، أما أبو بكر فكل معنى آمن به كان له انعكاس مباشر على حياته، وعلى حياة المسلمين، وعلى واقعه وعلى واقع المسلمين. هذا هو الفهم الذي تصلح به الأمم.

стр. 599

عمر بن الخطاب وابن عوف أنموذجاً عمر بن الخطاب ﵁ كان أيضاً من عمالقة الإيمان في ذلك اليوم، فقد أتى بنصف ماله ﵁، جاهد في سبيل الله بنصف ثروته. وإياك أن تنتقصه بعد أن رأيت فعل أبي بكر ﵁، فإن عمر بن الخطاب أتى بما لا يستطيع عامة البشر أن يأتوا به، ولولا أنك تقارنه بـ الصديق لما شعرت أبداً بقلة عطائه ﵁، وإلا فقارن عمر بن الخطاب بغيره من البشر، فمن يستطيع أن يتنازل في موقف واحد عن نصف ممتلكاته في سبيل الله؟! احسبها مع نفسك وكن صادقاً، قرار صعب، لو كان معك عشرة آلاف جنيه، أو مائة ألف جنيه أتستطيع قسمه نصفين: نصف تتبرع به للجيوش الإسلامية، ونصف تبقيه معك؟ هذا صعب، بل لعله مستحيل في حق الكثيرين من أبناء الأمة بدون هؤلاء العمالقة الذين يستطيعون أن يأخذوا مثل هذا القرار. وعبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه فعل نفس الشيء الذي فعله عمر ﵁ وأتى بنصف ماله، ونصف ماله كان مائتي أوقية من الفضة، والرسول ﵊ قال له آنذاك: (بارك الله لك فيما أنفقت وفيما أبقيت)، وصدق الرسول الكريم ﷺ ، فقد بارك الله في مال عبد الرحمن بن عوف، فما أفقرته الصدقة التي دفع، ما نقص ماله، ما ضاع أولاده، ما شردت نساؤه، بل قسمت ثروته الذهبية بالفئوس بعد موته، بورك في ماله حياً وميتاً، هذا وعد الله ، والله لا يخلف الميعاد، وهذا الكلام ليس خاصاً بـ عبد الرحمن بن عوف فقط، بل هو لأي إنسان ينفق في سبيل الله. والرسول ﷺ يقسم في الحديث ويقول: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه. وذكر منها: ما نقص مال عبد من صدقة). والله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، هذا وعد الله ، والمسألة في النهاية مرجعها إلى اليقين.

стр. 600

من صفات طبقة عمالقة الإيمان هكذا قام هؤلاء العمالقة وغيرهم بمعظم أمر الأمة، لم تكن عظمة هؤلاء -كما ذكرنا- فيما أنفقوه، ولكن كانت العظمة الحقيقية في بذلهم لكل ما في الوسع، كانت عظمتهم في قيامهم لا بدورهم فقط، ولكن بأدوار أولئك الذين لا يستطيعون، أو بأدوار أولئك الذين تخلفوا عن نصرة الدين مع قدرتهم على ذلك، لم يقترح هؤلاء أن تقسم الأعمال على أغنياء الأمة، بل شعروا أنهم معنيون تماماً بهذا الأمر، ولو تقاعس الجميع فليس هذا مبرراً لتقاعسهم، الجيش جيشهم، والنصر أملهم، وعزة الإسلام هدفهم، والله غايتهم وهو مطلع عليهم ويرى أعمالهم، وهذا يكفيهم. قد يقول قائل: ألا يصل إلى درجة عمالقة الإيمان إلا أغنياء الأمة فقط الذين يملكون المال الوفير فيقدرون على هذه العطايا السخية؟ والإجابة على العكس تماماً، فليس المهم هو كمية الإنفاق، لكن المهم هو استنفاذ الوسع، وبذل الطاقة، ورب درهم سبق ألف درهم، وقد ينفق منافق نفقة عظيمة مردودة عليه لفساد نيته، وقد ينفق فقير درهماً واحداً فيصل به إلى أجر الأغنياء الذين بذلوا الألوف؛ من أجل ذلك تسابق عمالقة الإيمان من الفقراء لبذل الوسع في يوم تبوك، والوسع قد يكون مكيالاً من التمر، قد يكون دريهمات معدودات، هو جزء قليل في عدة وعتاد جيش ضخم، لكن هذا ما يستطيعونه ويقدرون عليه، فبلغوا بهذا القدر اليسير منازل كبار المنفقين في سبيل الله. كل واحد مهما كانت إمكانياته، ومهما كانت قدراته يستطيع أن يكون من هؤلاء العمالقة، ليس هذا فقط، بل إن المسلم قد لا يملك شيئاً أصلاً ويتمنى في داخله أن لو استطاع أن يشارك أو يساهم أو يجاهد فيعطى أجر الشهداء وأجر المجاهدين وأجر المنفقين في سبيل الله، يريد أن يجاهد بماله، ولكنه معدم لا يملك درهماً ولا ديناراً، يريد أن يجاهد بروحه، ولكنه معتل ومريض ولا يقوى على حمل السلاح، يريد أن يشارك بجسده ولكنه لا يملك راحلة تصل به إلى أرض الجهاد، هؤلاء المعذورون الصادقون في نيتهم لهم من الأجر مثل ما للقادرين المجاهدين بأموالهم وأرواحهم، هذا هو العدل الإلهي فعلاً، يعامل الناس على قدر الوسع، وليس على ما يمتلكون من أموال أعطاها لهم رب العالمين ، أو حرمهم إياها، اسمع إلى هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل ﵀، وسنن ابن ماجه عن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر)، ثم ذكر منهم ﷺ : (رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه، وفي ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال ﷺ : فهما في الأجر سواء)، يتمنى أن ينفق فيعطي أجر المنفقين في سبيل الله وليس معه شيء، أي رحمة من رب العالمين ! هؤلاء قال الله في حقهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩١].

стр. 601

البكاءون إن بعض هؤلاء الفقراء المعدمين بلغوا من الصدق في النية والشوق إلى الجهاد بالنفس والمال أن بكوا تأثراً أن الرسول ﷺ لا يجد راحلة يحملهم عليها إلى تبوك، تخيل شخصاً يحرم من الجهاد فيبكي؛ لأنه لا يستطيع أن يجاهد في سبيل الله لا بمال ولا بنفس، لم يقولوا: الحمد لله الذي عافنا من هذا المجهود، ولكن حزنوا حزناً شديداً وصل إلى حد البكاء لحرمانهم من الجهاد، هؤلاء عرفوا في السيرة بالبكائين، وكانوا سبعة، وفيهم نزل قول الله : ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة:٩٢] انظر التصوير: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] حزن حقيقي صادق، تدبر بإمعان في مقدار الإخلاص والتجرد والتضحية التي كانت في قلوبهم إلى الدرجة التي تصل إلى تخليد ذكراهم في كتاب رب العالمين بقرآن يقرأ ويتعبد به إلى يوم القيامة. كل هذا وهم من الفقراء الذين لا يملكون شيئاً مطلقاً، ولا حتى مكيال تمر، بل إن بعضهم بلغ به الشوق إلى الجهاد في سبيل الله، وإلى خدمة الإسلام ونصرة الدين درجة لا نتصورها أصلاً. هذا هو علبة بن زيد ﵁ وأرضاه أحد البكائين السبعة ﵃ وأرضاهم، عاد يوماً إلى بيته، وذلك بعدما رده ﷺ ، وصلى في هذه الليلة ما شاء الله له أن يصلي، ثم بكى في آخر صلاته ودعائه، وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق -وانتبه فهذه أعجب صدقة في التاريخ- على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض. هذا يريد أن ينفع الجيش المجاهد والأمة الإسلامية بأي شيء، لكن ليس معه أي شيء، ففكر في شيء عجيب يتصدق به ما تصدق به أحد قبله، وما أحسب أن أحداً فعل ذلك بعده، إنه يتصدق من حسناته، هذه المظالم التي ارتكبت في حقه يوماً من الأيام تتحول إلى حسنات في ميزانه يوم القيامة، وهو يريد مساعدة المسلمين بأي شيء، وليس معه، فليساعدهم بالعفو عن ظلمهم إياه ورد حسناتهم إليهم، وما أحسب أن أحداً في العالم بلغ هذه الدرجة من السمو في حب العمل لله، وحب الخدمة للناس والمجتمع والأمة. يا ترى هل كان هناك مردود لأمنية علبة بن زيد ﵁؟ هذا الرجل ذهب إلى صلاة الصبح مع المسلمين، والتفت الرسول ﵊ بعد الصلاة إلى الناس وسأل: (أين المتصدق هذه الليلة؟ لم يقم أحد، فقال: أين المتصدق مرة ثانية فليقم، فقام إليه علبة وأسر إليه في أذنه وأخبره بما كان من ليلته بالأمس، فقال ﷺ : أبشر؛ فوالذي نفسي بيده كتبت في الزكاة المتقبلة). استحق علبة بن زيد ﵁ برغم فقره الشديد أن يكون من كبار المتصدقين الذين تقبل الله منهم صدقاتهم، وأصبح علبة بن زيد ﵁ وأرضاه من عمالقة الإيمان الذين يقودون الأمة إلى كل مجد وعز وشرف ﵁. والرسول ﵊ من شدة إعجابه بهذه الطائفة العملاقة من المؤمنين والتي لا تملك شيئاً في يدها، هذه الطائفة الباكية ظلت في فكره ﷺ منذ ذهب إلى تبوك وحتى عاد إلى المدينة المنورة وقال لأصحابه عن أولئك الصادقين الذين ما استطاعوا أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله وهم يتمنونه بصدق، قال: (إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر). هذا الكلام يعطي إشراقة أمل لكل من حيل بينه وبين الجهاد في سبيل الله لأي سبب، لكن يتمنى بصدق، فيصل فعلاً إلى درجة المجاهدين في سبيل الله، ويصبح الجيش المجاهد كلما خطا خطوة في سبيل الله يكتب له الأجر وهو في مدينته مثلما يكون للجيش المجاهد في سبيل الله، بل قد يصل إلى درجة الشهداء في سبيل الله! روى مسلم والنسائي وابن ماجه عن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه). هذا هو الإسلام، الإسلام ليس ديناً للأغنياء فقط، كل إنسان يمكن أن يساهم حتى المعدم الفقير الذي لا يجد شيئاً، ويصبح كأعظم الناس نفقة في سبيل الله إذا أخلص نيته لله : أنه إن كان معه مال فسينفقه في سبيل الله، رحمة من رب العالمين . ختاماً: طبقة عمالقة الإيمان هذه لم تكن من الرجال فقط، بل أتت بعض النساء من عمالقة الإيمان بحليهن وبكل ما يملكن لتجهيز الجيش المسلم مع أنهن لسن مكلفات بالجهاد في سبيل الله، ولكن لقوة إيمانهن فهن يعتبرن أنفسهن مسئولات عن قضايا الأمة، ولذلك كن فعلا

стр. 602

طبقة عامة المؤمنين الطبقة الثانية: طبقة عموم المؤمنين، وإذا كانت الطبقة السابقة هي طبقة القادة في الخير، فهذه طبقة الأتباع في الخير أيضاً، هؤلاء هم أصحاب الفطرة السليمة، والأخلاق الحميدة، والروح الإسلامية النقية، هؤلاء يستجيبون لنداء الجهاد دون تردد، يتحركون دون تكاسل، يرفعون راية الحق ما دام قد طلب منهم ذلك، هذه هي الطبقة الرئيسية في الأمة المنتصرة الممكنة. هذه الطبقة وإن كانت تأتي خلف طبقة عمالقة الإيمان إلا أنها عماد الدولة، وكيانها الرئيس، وعموم الناس فيهم خير كثير، وأمل كبير، نعم هم ليسوا قادة الناس ومحركيهم، ولكن ليس كل الناس أبا بكر أو عمر، فقادة الناس ماذا يفعلون بغير شعوبهم وجنودهم؟ أي قيمة لقائد متميز إن كان شعبه فاسداً؟ والعكس كذلك، لا قيمة لشعب متميز إن كان قائده فاسداً، لذلك من سنة الله أن الحكام يكونون على شاكلة شعوبهم، والشعوب تكون على شاكلة حكامها، الشعب الطيب يحكمه قائد طيب، والشعب الفاسد لا يفرز إلا حاكماً فاسداً. فعامة الناس تولد على الفطرة، تولد على حب الله وحب الدين، وهذا الحب مزروع تلقائياً في قلوب عامة الآباء، لكن تأتي عوامل التربية والبيئة التي تغير من طبائع الناس، كما أن الطفل يولد على الفطرة، ثم يتغير حسب تربيته، كذلك الشعوب: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، كذلك الشعوب يستطيع الحاكم الصالح أن يحول شعبه بسهولة إلى شعب صالح طيب؛ لأن عامة الناس في فطرتها الخير، وفي نفوسها سياق طبيعي للفضيلة، لكن المؤثرات الخارجية تخرجهم عن جادة الطريق. ووظيفة الحاكم هي قمع المؤثرات الخارجية الفاسدة التي تسبب انحراف الناس وتغير الفطرة، والقائد الذي لا يستطيع أن يمنع المفاسد والشرور والمعاصي والظلم والبغي هو قائد لا يستحق القيادة، لا ينبغي له أن ينال شرف الإمارة، وعليه أن يترك الأمر لمن يصلح البلاد والعباد، وهناك أمثلة لقادة غيروا شعوبهم في وقت قليل في التاريخ وهي كثيرة جداً، منهم: عمر بن عبد العزيز ﵀، صلاح الدين الأيوبي، قطز ألب أرسلان، محمود الغزنوي، يوسف بن تاشفين، عبد الرحمن الداخل، عبد الرحمن الناصر، محمد الفاتح وغيرهم، وغيرهم، وقبل كل هؤلاء معلمهم ومعلمنا وقدوتهم وقدوتنا رسول الله ﷺ . الرسول ﷺ حرك بواعث الخير الموجودة في داخل نفوس الناس، فاستجابت لدعوة الحق وآمنت وتحركت وجاهدت وضحت وسعدت بذلك في الدنيا والآخرة. ثم ليعلم أنه ليس مطلوباً من القائد الصالح أن يجعل شعبه كله من عمالقة الإيمان، ذلك أمر لا يستطيعه، لكن المطلوب منه أن يجعل قلوب العامة من شعبه تميل إلى الحق، وتحب الخير، وتقبله وتتمناه، تطيع الله فيما أمر، ومن هؤلاء سيخرج قليل من عمالقة الإيمان، وهؤلاء العمالقة سيحركون الآخرين ويقودونهم، وبذلك تسير البلاد من وضع سيئ إلى وضع حسن، ومن حسن إلى أحسن منه، وهكذا. ومن كلامنا الذي مضى نستطيع أن نستنتج كيف تقوم الأمم وتبنى، فالأمر يبدأ بمرب مخلص يربي مجموعة مختارة على الإيمان والعمل الصالح، يزرع فيهم الفكرة التي من أجلها ستقوم الأمة، ثم يزداد هذا العدد الذي يربيه قائدهم، ولكن يبقون في تعداد القليل بالنسبة لعامة الناس، وهؤلاء هم طبقة عمالقة الإيمان، ثم يأذن رب العالمين بالتمكين لهذا القليل بعد مراحل متعددة من الابتلاء والاختبار، ويأتي التمكين كما رأينا في دروس السيرة بصورة لا يتخيلها عمالقة الإيمان، ومن طريق لا يتوقعونه، فإذا مكنوا في الأرض، فإنهم حينئذ يستطيعون -بفضل الله أن يغيروا معظم العامة من الشر إلى الخير، ومن الفساد إلى الصلاح، وعادة ما يكون هذا التغيير سريعاً، فالجهد كل الجهد والوقت كل الوقت يكون في تربية طبقة عمالقة الإيمان. أما طبقة عامة الشعب فإنها تربى في وقت سريع، وكما قال عثمان بن عفان ﵁: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وهكذا تقوم أمة الإسلام: مرب يربي عمالقة إيمان، ثم ابتلاء، ثم تمكين، ثم تربية سريعة لعامة الناس. فإذاً: هاتان طبقتان من أهم الطبقات في الأمة الإسلامية: طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عامة المؤمنين الصالحين، وفي كلٍّ خير، وهاتان الطبقتان هما اللتان جاءتا في قول الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]. الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا هم طبقة عمالقة الإيمان، والذين أنفقوا من بعد الفتح والتمكين وقاتلوا هم طبقة عامة المؤمنين. وعلى الرغم من أن كلتا الطبقتين على خ

стр. 603

طبقة المؤمنين الصادقين القاعدين عن أمر الله مؤقتاً الطبقة الثالثة في المجتمع المسلم الصالح: وهي طبقة من المؤمنين الصادقين، ولكن من الذين غلبتهم شهواتهم، وانتصر عليهم شيطانهم في لحظة، فأقعدهم عن أمر الله مع إيمانهم به، وهؤلاء أحياناً يكونون من طبقة عمالقة الإيمان، لكن كل إنسان يخطئ، كل إنسان يقعد ويفتر. قال ﷺ فيما رواه ابن ماجه عن أنس ﵁: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، (كل بني آدم) على الإطلاق هكذا، كل الناس يخطئ ويعصي إلا المعصومين فقط من الأنبياء والمرسلين، هؤلاء المخطئون قد يقعدون عن الجهاد في سبيل الله في وقت تعينه، ليس إنكاراً لأهميته، وليس استهزاءاً بالتشريع، ولكنها لحظة من لحظات الضعف البشري المتوقع، وكلما ارتفع مستوى التربية في المجتمع، وكلما حرصت القيادة على أخلاقيات ومبادئ وقيم الأمة، قلت أعداد هذه الطائفة الثالثة. فطائفة المؤمنين القاعدين مؤقتاً، أو طائفة المؤمنين المتخلفين عن الجهاد بدون عذر سائغ، مهما كان مستوى التربية راقياً ومتميزاً، لابد أن توجد هذه الطائفة، ويستحيل أن يوجد مجتمع إسلامي مهما كان بدون هذه الطائفة. لو كان هناك إمكانية لوجود مثل هذا المجتمع الخالي تماماً من معصية بين صفوف المؤمنين لكان هذا المجتمع هو مجتمع الرسول ﷺ ، ولكن هذا يستحيل فعلاً؛ لأن البشر ليسوا ملائكة، ولا يطلب منهم أن يكونوا ملائكة، ولكن يطلب منهم أن يتوبوا بسرعة إذا أذنبوا، وأن يشعروا بغصة في حلوقهم، وألم في قلوبهم عند ارتكاب الذنب، وهذا الكلام يمهد بعد ذلك للتوبة؛ لكون التربية كانت متميزة فعلاً في أيام تبوك، بل باهرة، فإن إعداد هذه الطائفة قلت إلى درجة لا يتصورها إنسان. أتعلمون كم كان عدد المتخلفين من المؤمنين الصادقين؟ تخلف عن الركب ثلاثة فقط، من أصل ثلاثين ألف مجاهد، وهي أقل نسبة تخلف عن الجهاد في العالم كله بين صفوف المؤمنين. هؤلاء الثلاثة هم أيضاً من طبقة عمالقة الإيمان الذين سبقوا بإيمانهم وجهادهم وعملهم الصالح، لكنها كانت هفوة لن تتكرر، ذنب تابوا منه سريعاً، هؤلاء الثلاثة كانوا: كعب بن مالك ﵁، ومرارة بن الربيع ﵁، وهلال بن أمية ﵃، أقعدهم النظر في أموالهم، والتسويف في أمر الخروج للجهاد، ولا يقول أحد: ليتهم خرجوا لكي تكون نسبة الخروج في الصف المؤمن ١٠٠%؛ لأن هذا مستحيل، لو خرج هؤلاء لقعد غيرهم، وهذه رحمة من رب العالمين بنا، ولماذا أقول: رحمة؟ لكي نرى أحداث السيرة بعد مرور مئات السنين وفي الصف المؤمن قدوة لنا في كل موقف، فيمكن أن يحصل في يوم من الأيام أن واحداً فينا يتخلف عن الجهاد لسبب أو لآخر، فتكون عنده فرصة أخرى للرجوع، عنده فرصة أخرى ليتوب، عنده فرصة أخرى ليخدم الإسلام والمسلمين، فلا تكون كارثة نقف أمامها مكتوفي الأيدي. فالسيرة النبوية صيغت بعناية، ورسمت بقدرة إلهية عجيبة؛ ليحدث فيها كل ما يحدث في الأرض وإلى يوم القيامة، ومن ثم نرى تصرف الرسول ﵊ في كل المواقف، ونستطيع التأسي به ﷺ ، ولتحقق الآية الكريمة الشاملة الجامعة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. فإذاً: هؤلاء ثلاث طوائف مؤمنة برزت وبوضوح في أزمة تبوك، وهي موجودة بدرجات متفاوتة في أي مجتمع مسلم: طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عامة المؤمنين الصادقين، وطبقة المؤمنين المتخلفين عن أمر الله بصفة مؤقتة، وتقل أو تزيد نسبة كل طبقة حسب طريقة التربية، ومستوى الفهم عند الجيل.

стр. 604

طبقة عامة المنافقين ومردتهم الطبقات الثلاث السابقة هي طبقات مسلمة مؤمنة، والطبقتان الباقيتان هما طبقتان مسلمتان، ولكن منافقتان، ولابد من وجودهما، ليس هناك دولة مسلمة في الأرض بغير منافقين، مهما بلغت درجة التربية، ومهما ارتفعت درجة تطبيق الشرع، فقد وجدوا في أيام الرسول ﵊، ووجدوا بعد أيامه، وهم معنا في زماننا، وسيبقون إلى يوم القيامة، فالمنافقون طبقة خطيرة جداً، لعلها أخطر من طبقة الكافرين ظاهري الكفر؛ لأنها طبقة في ظاهرها أنهم مسلمون يتكلمون بكلام المسلمين، ويتوجهون إلى قبلتهم، ولكنهم يبطنون الكفر بالله والكراهية للإسلام، ويخططون ويدبرون ويكيدون لهدم دعائم الدين. هؤلاء المنافقون ينقسمون إلى طبقتين: الطبقة الأولى: طبقة عامة المنافقين، وهم يقابلون درجة عامة المؤمنين الصادقين، فطبقة عامة المنافقين هم الذين يتأثرون بقول غيرهم، ويسمعون أوامر أسيادهم فيصبحون سوطاً في يد الجلاد، وعصاً في يد الظالم، وقلماً في يد المزور، وهذه طبقة خطيرة وكثيرة. الطبقة الثانية: طبقة مردة المنافقين، وهم الذين يقودون حملات التشكيك في الدين، ويتزعمون فرق المنافقين الضالة التي تضمر الشر كل الشر للإسلام والمسلمين، هؤلاء أخبث فعلاً من الكفار والشياطين؛ لذلك قال الله في حقهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]. هم أسفل طبقات المجتمع، وفي أسفل طبقات النار، وهذه الفرقة المنحرفة من البشر موجودة في كل زمان، فإن الله لم يشرع لرسوله الكريم ﷺ أن يصرح بأسمائهم لعامة المؤمنين، لماذا؟ لأن الرسول ﵊ سيموت وينقطع الوحي، إذاً: لابد من وجود وسيلة أخرى نعرف بها المنافقين؛ لذا وضح الله ورسوله الكريم ﷺ في الكتاب والسنة الصفات والعلامات التي يتصف بها هؤلاء؛ لكي يتعرف المؤمنون على المنافقين في كل زمان، ولا يعتمدون على الوحي الذي سينقطع بعد وفاة الرسول ﷺ وإلى يوم القيامة.

стр. 605

صفات المنافقين هذه الصفات تمتلئ بها صفحات القرآن الكريم، وتكثر في أحاديث الرسول الحكيم ﷺ . من صفاتهم: أنهم يعتادون على الكذب في كل صغيرة وكبيرة. ومن صفاتهم: أنهم يستأذنون في عدم المشاركة في كل عمل يخدم الإسلام والمسلمين، يعتذرون عن الجهاد والعمل وقول الحق والدعوة والإصلاح وأي شيء فيه مصلحة. ومن صفاتهم: إثارة الفتن بين صفوف المؤمنين؛ لينشب بينهم الصراع والضغينة. ومن صفاتهم: أنهم يفرحون إذا أصاب المسلمين مصاب أو أذى، ويحزنون إذا حصل لهم خير. من صفاتهم: أنهم يتكاسلون عن الصلوات، فلا يصلون الفجر ولا العشاء في جماعة. ومن صفاتهم: أنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون، فهم شديدوا البخل في الإنفاق على أمور الإسلام، مع كونهم كثيري الإنفاق على لهوهم ولعبهم. ومن صفاتهم: أنهم دائمي السخرية من الملتزمين بالدين. ومن صفاتهم: أنهم يتحدثون بغير أدب ولا توقير عن رسول الله ﷺ . ومن صفاتهم: أنهم يكرهون -وأحياناً يسبون- أصحاب الرسول ﷺ . ومن صفاتهم: أنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وينهون الناس عن كل معروف، ويثبطونهم عن فعل كل خير، ويأمرون الناس بفعل المنكر ويشجعونهم على المعاصي. من صفاتهم: أنهم يخلفون الوعد، وينقضون الميثاق. من صفاتهم: أنهم يفجرون في الخصام والشقاق. ومن صفاتهم: أنهم يخونون الأمانة. ومن صفاتهم أنهم يتحالفون مع أعداء الأمة ضد إخوانهم المسلمين. من صفاتهم: أنهم يتشبهون بالكفار، ويفخرون بذلك، ويستحيون من الانتماء إلى أمة الإسلام والمسلمين. ومن صفاتهم: أنهم يكثرون من الخطب الرنانة التي تحمل معاني عظيمة جداً، وأخلاقاً رفيعة، ولكن لا يفعلون منها شيئاً، يتحدثون عن الأمانة والشرف والإصلاح والحرية والعمل والشورى والجهاد، ولكنهم لا يفعلون من ذلك شيئاً أبداً. ومن صفاتهم: أن ذكر الله لا يأتي على ألسنتهم إلا قليلاً. ومن صفاتهم: أنهم لا يحتكمون إلى كتاب الله إلا إذا كان سيحكم لهم، فإن كان سيحكم لغيرهم رفضوا حكمه. ومن صفاتهم: أنهم يفرون في المعارك وعند الأزمات، ويظهر عليهم الهلع الشديد والرعب الدفين عند أول احتمال للحرب؛ وذلك لشدة جبنهم وضعف يقينهم. ومن صفاتهم: أنهم يتوقعون دائماً أنهم مقصودون بالحديث عند الحديث عن الأشرار والمنافقين، لعل كلامك عام، ولكنهم يحسبون كل صيحة عليهم. ومن صفاتهم: أنهم دائماً يتهربون من المسئولية، وينسبون الأخطاء إلى غيرهم. ومن صفاتهم: أنهم يمدحون دائماً السلطان، فإن ترك السلطان منصبه انقلبوا بألسنتهم عليه. ومن صفاتهم: تضارب الأقوال؛ لأنهم كثيرو الكذب، فلا يعرفون ماذا قالوا قبل ذلك وبماذا وعدوا. ومن صفاتهم: أنك إذا أعطيتهم صاروا أصدقاءً وأحباباً لك، وإن منعتهم لسبب أو لآخر انقلبوا عليك ونسوا ما فعلته من معروف. ومن صفاتهم: أنهم يقطعون أرحامهم، ولا يحفظون حقاً لوالد ولا لأخ ولا لابن ولا لعشيرة. ومن صفاتهم: أنهم يكثرون من الحلف؛ لأنهم يعرفون أن الناس لا يصدقونهم، فيقسمون بسهولة على الكذب، ويحلفون بالله دون اكتراث، هذه ثلاثون صفة كاملة. أنا أريد منك أن تعود مرة أخرى لتسمعها مرة واثنتين وثلاثاً وتبحث جيداً في نفسك، إياك أن يكون فيك واحدة منهن، إياك أن يكون في قلبك صفة من صفات المنافقين، حتى ولو كانت واحدة من هذه الثلاثين، ويمكن أن تجد أكثر وأكثر عندما تفتح القرآن الكريم، وتغوص بين صفحات السنة المطهرة لرسولنا ﷺ ، فمن الممكن أن تجد كثير جداً من الصفات، وإياك أن تكون فيك صفة واحدة من صفات المنافقين، فالواحدة تجر إلى الثانية، ثم يجد الإنسان نفسه في عداد المنافقين، نعوذ بالله من ذلك! هاتان الطبقتان من المنافقين كانوا في منتهى الوضوح عند المسلمين، وهذه الصفات الكثيرة الموجودة في الكتاب والسنة وضحت صورة كل منافق عند المسلمين بشكل أكبر، بل إن الرسول ﵊ كان يعرفهم بالوحي، ومع ذلك لم يقم حداً، أو عقوبة على منافق، ليعلمنا أن نعامل الناس على الظاهر، ونترك القلب لله ، لكن في نفس الوقت عرفنا بصفاتهم؛ لكي نأخذ جانب الحذر في التعامل معهم، لا نثق بوعودهم، ولا نبني أحكاماً على آرائهم، ولا نأمن جانبهم، ولا نصدق تحليلاتهم، الأمر كما قال الله في إيجاز معجز: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ماذا نعمل معهم؟ ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، جعلهم الله (العدو) بالتعريف هكذا بالألف واللام، وكأنه ليس هناك عدو غيرهم، قال: ((هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ))، هذا هو نهجه ﷺ في التعامل مع المنافقين في كل حياته، يحذر المنافقين، ولكن لا يجري الأحكام إلا على الظاهر.

стр. 606

دور المنافقين في غزوة تبوك ماذا فعل المنافقون في أزمة تبوك؟ أولاً: قرروا جميعاً التخلف عن الجهاد سواء بالمال أو بالنفس: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٨٦]. ثانياً: لم يترك هذا التخلف أي ألم في قلوبهم، ولا أي حزن في مظهرهم، بل على العكس، كانوا سعداء بهذه المعصية، ملأ السرور بجريمتهم قلوبهم إلى الدرجة التي قال الله في حقهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٨١]. ثالثاً: لم يكتفوا بالتخلف ولا بالفرح بهذا التخلف فقط، ولكن بدءوا يثبطون المؤمنين الصادقين عن الخروج، واستخدموا في ذلك دعايات شتى، ووسائل متعددة، وذلك مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، ومثل قولهم للصحابة: أتحسبون جلاد بني الأصفر -الرومان- كقتال العرب بعضهم بعضاً؟! والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال. رابعاً: كان موقفهم من المؤمنين الذين أنفقوا في سبيل الله موقفاً شديد الخبث، وقفوا يطعنون في كل المتمسكين بالدين مهما كان فعلهم، إذا أتى غني من المسلمين بمال قالوا: إنما أنفقه رياء، وإذا أتى فقير بمال قليل بحسب قدرته سخروا منه، وسخروا من قلة عطائه واستهزءوا به. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]؛ فمن أنفق كثيراً سخروا منه، ومن أنفق قليلاً سخروا منه. خامساً: تجاوز فعلهم ذلك، وبدءوا يبحثون عن أدلة شرعية -أو يوهمون الناس أنها شرعية- للتخلف عن الجهاد، ولإثارة الشبهات بين المسلمين، مثلما فعل الجد بن قيس من بني سلمة عندما رفض الخروج إلى تبوك لقتال الروم بزعم أنه يحب النساء، ونساء الروم جميلات، ويخشى أن يفتن بهن، فادعى أنه من ورعه وتقواه وتقويمه للأضرار اختار أخف الضررين، وهو التخلف عن الجهاد؛ ليحمي نفسه من فتنة النساء! وفيه نزل قول الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. وهذا كلام خطير جداً؛ لأن الكثير من المنافقين يستخدمون (قال الله) و (قال الرسول) في ثني المجاهدين في سبيل الله عن جهادهم، ولابد أن ينتبه المؤمنون لهذا الكلام. سادساً: أن منهم من قام بخطة أشد خبثاً من ذلك، وهي أنه قرر الخروج مع الجيش لمسافة ما، ثم يرجع من منتصف الطريق، لعله يسحب معه عند الرجوع عدداً من المسلمين الصادقين، مثلما عمل عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة أحد وكرره مرة أخرى في تبوك. سابعاً: أشد المنافقين شراً قرروا الخروج فعلاً مع المسلمين إلى آخر المطاف لبث الفتنة طوال الرحلة، وللكيد للمسلمين في كل مراحل القتال، والكيد لرسول صلى الله عليه وسل قدر المستطاع. ونلاحظ في الكلام الماضي أن المنافقين كانوا يحاولون الالتزام بالقانون العام في الظاهر، لا يتخلفون عن الجهاد إلا باستئذان؛ لكي يوهموا الجميع أنهم لا يزالون مسلمين منقادين لأمر الرسول ﷺ ، والرسول ﵊ كان يأذن لهم بالقعود؛ لأنه مقتنع تمام الاقتناع أنه لن يجاهد إلا من رغب في الجهاد حقيقة، لكن رب العالمين عاتبه في ذلك، قال : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]. ولو أنه ﷺ رفض أن يأذن للمنافقين لقعدوا برغم الرفض، وهنا كانت ستكشف أوراقهم للمسلمين؛ فيعلم المسلمون أمرهم عن بينة. هذا كان وضع المنافقين في أزمة تبوك.

стр. 607

خطر المنافقين على المجتمع مع كل الأضرار التي قلناها إلا أنه يبقى أشد خطر لهم هو تغيير قناعة المسلمين الصادقين بكفرهم، قد يصل الأمر إلى أن يطيع بعض المؤمنين كلام المنافقين ظناً منهم أن هذا هو الصواب، وفي ذلك يقول الله : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، اضطراباً وضعفاً وخوراً وجبناً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. فبعض المؤمنين لا يستمع فقط إلى كلام المنافقين، بل يكثر السماع، كما قال تعالى: (سماعون) أتت الكلمة بصيغة المبالغة لتفيد كثرة السماع، وليس ذلك لضعف يقين، أو لشك في القلب، ولكن لقوة الشبهة ومهارة الصياغة، وحلاوة اللسان، وبلاغة القول قد يقع المؤمنون الصادقون بسبب هذه الشبهات في أخطاء جسيمة، قد يقعون في كبائر عظيمة، ما كانوا يتخيلون أبداً أن يقعوا فيها في يوم من الأيام، لكن أحياناً للقول فعل السحر في الإنسان، من أجل ذلك يقول الرسول ﵊ فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: (وإن من البيان لسحراً). إذاً: فقصة المنافقين في الدولة الإسلامية قصة خطيرة فعلاً، فآثارهم جسيمة على المجتمع المسلم، ومع ذلك لا يصح أن يحزن المؤمن إذا شاهد كثرة المنافقين في زمن من الأزمان، إذا شاهد تبجحهم وظهورهم في وسائل الدعاية والإعلان، والكلام بشكل فاضح معلن، فمثل هذه المواقف تحمل خيراً عظيماً، فهي تكشف أوراقهم، وتظهر نياتهم المختفية في صدورهم، فيحذرهم المسلمون. من هذا الخير أيضاً: أن ظهورهم بكثافة دليل على قوة الأمة الإسلامية، دليل على صلابة الأمة الإسلامية، الدولة الضعيفة -كما ذكرنا قبل ذلك- لا تُنَاَفق، ولكنهم ينافقون الدولة القوية، إذا رأيت هناك كثرة في المنافقين، فاعلم أن الإسلام بخير، واعلم أن قوته قد بلغت حداً يدفع الآخرين إلى نفاق المسلمين، هكذا كان الوضع في غزوة تبوك؛ تميز الصف بوضوح إلى هذه الطبقات الخمس التي يتألف منها أي مجتمع مسلم في أي زمان وفي أي مكان، ولكن بنسب متفاوتة مثلما قلنا. طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عامة المؤمنين، وطبقة المؤمنين المتخلفين عن الجهاد بصفة مؤقتة، طبقة عامة المنافقين، وأخيراً: طبقة مردة المنافقين. وبرغم كل معوقات المنافقين إلا أن الجيش العملاق بفضل الله تجهز، وكان تعداده ثلاثون ألف مقاتل مسلم، وهو أكبر جيش إسلامي حتى هذه اللحظة، وخرج هذا الجيش بالفعل إلى تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة. ترى ماذا فعل هذا الجيش العملاق في طريقه من المدينة المنورة إلى تبوك؟ وماذا فعل الرومان هناك في أرض تبوك؟ وما هي الآثار العظيمة التي تحققت من وراء هذه الغزوة العظيمة غزوة العسرة، أو غزوة تبوك؟ هذا ما سنعرفه -إن شاء الله- وغيره في الدرس القادم. وأسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].

стр. 608

سلسلة السيرة النبوية_ ما بعد تبوك كان لغزوة تبوك أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد أخذت قبائل العرب في التوافد إلى رسول الله ﷺ بعد هذه الغزوة، فمنهم من وفد لإعلان إسلامه إما اقتناعاً، وإما رهباً، وإما رغباً، ومن آثار هذه الغزوة ظهور حقيقة المنافقين ظهوراً جلياً، مع أمر الله بالتشديد عليهم والتضييق، وهناك آثار أخرى كثيرة يجدها من تأمل في واقع المسلمين بعد هذه الغزوة المباركة غزوة تبوك.

стр. 609

ملخص ما حدث في غزوة تبوك أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس السادس عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين. في الدرس السابق تكلمنا عن الأزمة الخطيرة التي مر بها المجتمع المسلم في المدينة المنورة في السنة التاسعة من الهجرة، عندما علم ﷺ بتجمع الرومان في البلقاء في الشام، فقرر الخروج إليهم في ظروف صعبة جداً، من الضائقة الاقتصادية الشديدة، والمسافة البعيدة، والحر الشديد، والعدو الرهيب، في هذه الأزمة الطاحنة برزت بوضوح الطبقات الخمس لأي مجتمع مسلم ممكن في الأرض، وكما ذكرنا في الدرس السابق فهذه الطبقات الخمس موجودة بصفة دائمة في أي دولة إسلامية ممكنة في الأرض، غير أنها تبرز بوضوح عند الأزمات الشديدة كأزمة تبوك مثلاً، هذه الطبقات الخمس: هي طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عموم المؤمنين، وطبقة المتخلفين عن أمر الله بصفة مؤقتة، وطبقة عموم المنافقين، وأخيراً طبقة مردة المنافقين، وأنا أحب أن أؤكد على معنى هام جداً هو أن هذه الطبقات الخمس وإن كانت موجودة دائماً إلا أنها تتفاوت في الحجم بحسب طريقة التربية وقوة التربية، ولأن التربية الإسلامية ما شاء الله كانت على أعلى درجات التربية وأبهى الصور في عهد الرسول ﵊ لم نجد في طبقة المنافقين بشقيها سواء كان عموم المنافقين أو مردة المنافقين، لم نجد في غزوة تبوك أكثر من ثمانين منافقاً، أو أكثر من ثمانين بقليل، وهذه نتيجة الجهد الطويل والعظيم من المربي الأعظم والرسول الأكرم ﷺ . وذكرنا في الدرس السابق أن الجهد العظيم الذي قام به المؤمنون من طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عموم المؤمنين، ساعد على تجهيز الجيش الإسلامي الكبير الذي خرج إلى تبوك في رجب سنة (٩) هجرية، وكان عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألف مقاتل، وذكرنا أن نسبة التخلف كانت يسيرة جداً لا تتجاوز واحداً من عشرة آلاف، تصور ثلاثة من أصل ثلاثين ألف مقاتل، وبرغم كل المعوقات التي حاول المنافقون أن يضعوها إلا أن الجيش العملاق خرج بالفعل بفضل الله . ترك الرسول ﵊ على إمارة المدينة المنورة محمد بن مسلمة ﵁، وترك على أهله علي بن أبي طالب ﵁، وبدأ الجيش المناضل في رحلة طويلة جداً شاقة جداً وفي صبر جميل، صبر على الجوع، وصبر على التعب، وصبر على الحر، وكان الزاد قليلاً جداً، حتى إن الرجلين والثلاثة كانوا يقسمون التمرة بينهم، وكان يتعاقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكانوا يدخرون الماء لندرته، حتى كانوا ينحرون الإبل ليشربوا الماء الذي تدخره الإبل بطونها، إنه ابتلاء كبير جداً، ويبتلى المرء على قدر دينه. وكأن هذا الابتلاء ليس كافياً، فيأتي ابتلاء جديد؛ لاختبار الطاعة لأمر رسول الله ﷺ ، لما وصل المسلمون إلى منطقة الحجر، منطقة الحجر هي الآن موجودة في شمال السعودية، وهي المنطقة التي كانت بها ديار ثمود قوم صالح ﵇، وقوم صالح كما تعرفون أهلكوا في هذه المنطقة لما كفروا بربنا ، في هذه المنطقة أبيار للماء، ورأى المسلمون أبيار الماء وأسرعوا إليها قبل استئذان الرسول ﷺ ، وملئوا الأوعية بالماء وعجنوا العجين بهذا الماء؛ ليصنعوا خبزاً يشبعهم بعد طول جوع، فلما علم الرسول ﵊ بذلك الأمر أمرهم بأمر شاق جداً على نفوسهم قال لهم: (لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً)؛ لأن هذا الماء غير مبارك، فهو ماء الذين ظلموا، والأمر مباشر وصريح بعدم الشرب منه، وليس على المسلمين إلا الطاعة. قد يأتي من يجادل ويقول: إن هذا الماء ليس له علاقة بشاربه فيشرب منه البر والفاجر، ويشرب منه المؤمن والكافر، ونحن في حاجة للماء والطريق صعب. وقد يأتي مجادل آخر ويقول: كان الرسول ﷺ يشرب من ماء مكة وغيرها ولا يسأل أهو ماء كفار أم ماء مسلمين؟ كل هذه الحجج والشبهات قد تثار، لكن الغرض كان واضحاً؛ وهو الطاعة المطلقة لرسول الله ﷺ . وليست الأوامر يتضح لنا فيها الحكمة، بل إن بعض الأوامر قد يخفي الله حكمتها عنا ليختبر مدى طاعتنا له، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] ونجح المسلمون الصادقون في الاختبار ولم

стр. 610

الرجوع إلى المدينة بعد غزوة تبوك

стр. 611

إحباط محاولة المنافقين قتل الرسول ﷺ عند عودته من تبوك قرر الرسول ﵊ بعد هذه الغزوة قرر العودة إلى المدينة المنورة، وعاد في شهر رمضان في سنة (٩) هـ، وفي أثناء العودة كانت هناك محاولة لقتل رسول الله ﷺ من قبل المنافقين عند منطقة العقبة، ولكن كان بصحبة الرسول ﵊ حذيفة بن اليمان ﵁، وعمار بن ياسر ﵄، ودافعا عن رسول الله ﵊ دفاعاً شديداً، وهرب المنافقون دون أن يتبين الصحابيان الجليلان ملامح المنافقين؛ وذلك لأن المنافقين كانوا ملثمين، ومع أن الرسول ﵊ عرف بعد ذلك عن طريق الوحي أسماء المنافقين الذين قاموا بمحاولة القتل، إلا أنه ﷺ لم يقم عليهم حداً، ولم يأمر قبائلهم بالإتيان بهم، وذلك لأمور: أولاً: حتى لا يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه. ثانياً: أنه لا يملك بينة على أنهم هم الذين حاولوا قتله. والبينة المقصودة هنا هي البينة الشرعية، وليست البينة عن طريق الوحي، يعني: كدليل محسوس أو قرينة أو شهادة شهود، كل ذلك ليعلمنا ألا نقيم حداً أو حكماً على أحد إلا ببينة، مع أنه متأكد تمام التأكد من أسمائهم عن طريق الوحي، لكن هذا هو العدل، ولا أعتقد أن هناك مستوىً من العدل في أي دولة من دول العالم أرقى من هذا المستوى الذي رأينا في موقف الرسول ﵊، ولم نرى في الأرض زعيماً يعلم علماً يقينياً أن هناك مجموعة دبروا محاولة لاغتياله ثم هو يتجاوز عنهم ولا يؤذيهم بأي صورة من صور الإيذاء؛ لأنه لا يملك أدلة قوية تدينهم أو تثبت الجريمة عليهم.

стр. 612

تعامل الرسول ﷺ بعد عودته من تبوك إلى المدينة مع المخلفين وصل ﷺ إلى المدينة بسلام، ولا بد لنا من وقفة، أين القتال الضروس الذي تخيله المسلمون يوم خرجوا؟ أين الفتنة الرهيبة التي توقعها الخارجون في سبيل الله؟ أين الامتحان الدقيق الذي سيختبر فيه الصادق والكاذب والمؤمن والمنافق؟ ألم نقل قبل ذلك: إن تبوك امتحان عسير للمسلمين! وتم الامتحان فعلاً، لكن تم في المدينة المنورة على بعد (٧٠٠) كيلو متر من المكان المتوقع للامتحان، لم يكن الامتحان في تبوك كما توقع الجميع، لكن الامتحان كان في المدينة المنورة قبل الخروج إلى تبوك، الامتحان كان عبارة عن القدرة على أخذ قرار الجهاد، من تغلب على نفسه وعلى ظروفه وعلى شهواته وعلى المعوقات التي في حياته، وعلى شياطينه وعلى أقوال المرجفين، من تغلب على كل ذلك وأخذ قرار الجهاد نجح يوم أخذ هذا القرار، حتى وإن لم يحدث بعد ذلك جهاد، ومن فشل في الاختبار فهو الذي هزم داخلياً، فلم يستطع أن يأخذ هذا القرار، ولم يستطع أن يخرج من أزمته النفسية، ولم يستطع أن يتجاوز جبنه المقعد، قد تكون نجاتك في قرار تأخذه، فإن أخذته كفاك الله ما كنت تتوقع من مصائب وإيذاء وألم، قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]،ونسأل الله الثبات عند الفتن. لما وصل الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة، وعرف الناس الآثار الحميدة والنتائج العظيمة لهذه الغزوة المباركة جاء إليه كل من تخلف عن الجهاد بغير عذر ليعتذر منه، وكان المعتذرون فريقين في الأساس: الفريق الأول: فريق المؤمنين الصادقين الذين تخلفوا عن الجهاد بغير عذر، ووقع التخلف منهم كهفوة عابرة أو خطأ غير متكرر، وهؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا ولم يقبل الرسول ﵊ اعتذارهم حتى نزل فيهم وحي من رب العالمين . ونزل بعد ذلك الوحي بمقاطعة هؤلاء الثلاثة عقاباً لهم، وتحذيراً لكل المسلمين أن يقعوا في مثل خطئهم وتحدث القرآن الكريم عن هؤلاء الثلاثة، وهم: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وكانت المقاطعة هذه لمدة خمسين ليلة كاملة، ثم تاب الله بعد ذلك عليهم وأوقفت المقاطعة. هذه قصة فيها دروس وعبر كثيرة جداً، وسوف يتم الحديث عنها بالتفصيل بإذن الله في مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين. الفريق الثاني: كان فريق المنافقين سواء من أهل المدينة أو من الأعراب حول المدينة، وهؤلاء جاءوا يحلفون أنهم كانوا معذورين، ويعدون أنهم سيخرجون بعد ذلك مع المسلمين في أي قتال قادم، وهؤلاء قيل منهم ﷺ الاعتذار، وأجرى أمورهم على الظاهر، ولم يقم عليهم أي تعزير من أي نوع؛ لأنه ﷺ كان يرى أنه ليس فيهم أمل، فقلوبهم فاسدة، وأعينهم لا تبصر، لذلك فإن التعزيز لا ولن يأتي بنتيجة معهم، فلا داعي له، وقد يستغرب بعض الناس ويقول: لماذا أقام الرسول ﵊ التعزيز أو العقاب على المؤمنين الصادقين ولم يقمه على المنافقين؟ نقول: المنافقون لم يعترفوا بالذنب، وقالوا: عندنا أعذار، فقبل منهم ذلك ﷺ ، أما المؤمنون الصادقون فقد اعترفوا بذنبهم، وقالوا: لقد أخطأنا، فكان لا بد من عقاب، والعقاب لم يكن من عند رسول الله ﵊، ولكن أنزله رب العالمين .

стр. 613

حال المنافقين بعد غزوة تبوك كانت غزوة تبوك ضربة قاصمة للمنافقين، اضطروا جميعاً إلى كشف أوراقهم، وعلم المسلمون كل من كان منافقاً ويخفي ذلك، بل بعد تبوك تلقى المنافقون ضربتين من نوع آخر، وهاتان الضربتان حجمتا إلى حد كبير من قوة المنافقين داخل المدينة المنورة. أما الضربة الأولى: فكانت هدم مسجد الضرار، ومسجد الضرار هو الذي بناه المنافقون لتشتيت المسلمين؛ ولبث أفكارهم الهدامة وفتنتهم الخطيرة في المدينة، وقد نزل الوحي يأمر الرسول ﵊ بهدم هذا البناء الفاسد، مع كونه في الظاهر مسجداً، فأمر ﷺ فرقة من الصحابة بهدم المسجد وتحريقه، فكانت ضربة مباشرة للمنافقين. أما الضربة الثانية القاصمة: فكانت موت زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، والذي تولى كبر الفتنة بشتى أنواعها من بعد بدر وإلى غزوة تبوك، مات الرجل على نفاقه، ورفض الدعوى الكريمة التي وجهها له ﷺ ليحسن إسلامه، بعد هذه الرحلة الطويلة من الصد والإعراض عن سبيل الله ، وأصر عبد الله بن أبي بن سلول على معتقده الفاسد، ومع ذلك عامله ﷺ بمنتهى الرفق والرحمة؛ وذلك ليتألف قومه، وليخفف عن ابنه الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وكان من صالحي الصحابة ﵁، فاستغفر ﷺ لـ عبد الله بن أبي بن سلول بعد موته، وأعطاه قميصه ليكفن فيه، بل وصلى عليه على الرغم من معارضة عمر بن الخطاب ﵁ لذلك، وقد نزل القرآن بعد ذلك موافقاً لرأي عمر ﵁، قال الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، وبموت عبد الله بن أبي بن سلول انحسرت حركة النفاق جداً في المدينة المنورة، بل وفي الجزيرة العربية، ولم نسمع لهم صوتاً يذكر في العام العاشر من الهجرة.

стр. 614

أثر غزوة تبوك بعد غزوة تبوك حصل انتصار كبير للمسلمين، وحصل انحسار كبير لحركة النفاق، ولا شك أن العرب في كل الجزيرة العربية كانوا يراقبون الأحداث، وقد علموا أنه لا طاقة لهم أبداً بحرب المسلمين، فها هي قريش قد سلمت وأسلمت وفتحت أبواب مكة لرسول الله ﷺ ، وها هي كذلك هوازن قد دخلت في الإسلام، وها هو رسول الله ﷺ يأخذ جيشاً قوامه (٣٠٠٠٠) مقاتل لمواجهة أعتى قوة في الأرض -وهي الدولة الرومانية- للمرة الثانية في غضون سنة ونصف. فهذا ما لا يتصوره العرب في أحلامهم فضلاً عن أن يكون واقعاً يرونه رأي العين؛ من أجل هذا بعد عودة الرسول ﵊ من تبوك أخذت القبائل العربية قراراً شبه جماعي بالقدوم إلى المدينة المنورة للتواصل مع رسول الله ﷺ ، فجاء بعض هذه القبائل ليعلن الإسلام مقتنعاً به ومحباً له، وجاء بعضهم مسلماً؛ لكونه يرهب الدولة الإسلامية، أو يرجو ودها، ومنهم من جاء ليتفاوض ويطلب لنفسه شيئاً، ومنهم من جاء ليعقد عهداً ويظل على دينه. إذاً: جاء الجميع ولم يستطع أحد منهم أن يتجاهل القوة الإسلامية الجديدة، وبدأت الوفود الكثيرة في التوافد على المدينة المنورة في أواخر العام التاسع من الهجرة، وأثناء العام العاشر أيضاً، ولذلك عرف العام التاسع الهجري بعام الوفود؛ لكثرة الوفود التي أتت فيه بعد تبوك. كان عدد هذه الوفود على الأقل ستين وفداً، ووصل في بعض التقديرات إلى أكثر من مائة وفد، ولن نستطيع أن نقف في هذه المجموعة على تفاصيل مقابلة الرسول ﵊ لكل وفد من هذه الوفود، مع أنه فيها من الفوائد والعظات ما لا يقدر بثمن، ونحتاج إلى تفريغ جهد خاص ودراسات متأنية؛ لنقف على الدروس العظيمة التي نستخرجها من حوارات الرسول ﵊ مع هذه الوفود الكثيرة.

стр. 615

وفد ثقيف لكن في هذه المحاضرة أريد التعليق على ثلاثة وفود في غاية الأهمية: أول هذه الوفود قدوماً بعد تبوك، وأهم هذه الوفود من ناحية الأثر كان وفد ثقيف، فثقيف كانت لها ذكريات سيئة جداً في نفوس المسلمين؛ أولاً: ردت الرسول ﵊ في العام العاشر من البعثة، وكان الرد رداً يخلو من كل أدب أو مروءة أو أخلاق، وفعلت معه ما لم تفعله الكثير من قبائل العرب. ثانياً: أن ثقيفاً اشتركت مع هوازن في حرب المسلمين في غزوة حنين، وبعد هزيمتها رجعت إلى الحصون في الطائف وفشل المسلمون في فتح الحصون، وعادوا دون نتيجة بعد حصار أكثر من شهر. ثالثاً: قتلت ثقيف زعيمها عروة بن مسعود الثقفي ﵁ بعد إسلامه، في قصة طويلة مؤثرة ليس المجال يسمح بتفصيلاتها، لكنها تركت أثراً سلبياً حزيناً في نفوس المسلمين، ومع كل هذه الصدمات إلا أن ثقيفاً أتت بعد تبوك لتعلن إسلامها في المدينة المنورة.

стр. 616

سبب إسلام ثقيف لماذا أسلمت ثقيف؟ لم تفكر ثقيف في الإسلام حتى هذه اللحظة اقتناعاً به أو حباً له، لكن فكرت في أحوالها التي وصلت إليها، فكيف كان وضع ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة؟ أولاً: أسلمت معظم القبائل العربية الكبرى ومنها فروع قيس عيلان الكبرى مثل: غطفان وسليم وهوازن، ولم يبق من هوازن إلا فرع ثقيف فقط، ولن يكون لثقيف قدرة على حرب العرب كافة. ثانياً: أن مالك بن عوف النصري كان يقوم بحصار الطائف هو وقبيلته هوازن بعد أن أسلم وأسلمت القبيلة، فضيق ذلك عليهم بشدة. ثالثاً: بدأ الوضع الاقتصادي في الطائف في التردي نتيجة هذا الحصار، وفقدت الطائف مكانتها التجارية؛ لأنها أصبحت مكاناً غير آمن، ولا يطمئن إليه عامة تجار العرب. رابعاً: فقدت ثقيف أحد زعمائها المعدودين وهو عروة بن مسعود الثقفي، وليس من المستبعد أن تفقد رجالها واحداً تلو الآخر. هذه الأسباب دفعت ثقيفاً إلى التفكير الجاد في أمر الإسلام، وقررت ثقيف أن ترسل وفداً إلى الرسول ﵊ مكوناً من ستة أشخاص، على رأسهم عبد ياليل بن مسعود؛ لكي يعلنوا إسلامهم وإسلام ثقيف بين يدي الرسول ﷺ ، وذهب الوفد إلى المدينة المنورة والتقوا بالرسول ﷺ . والأيام دول، فهاهي الأوضاع تتبدل، وهاهم الزعماء الآن يتبادلون الكراسي، قبل اثني عشرة سنة ذهب الرسول ﷺ إلى الطائف يطلب النصرة من ثقيف، وكان عبد ياليل هذا من أشد الناس على الرسول ﵊ في الطائف، وكان على رأس الطائف، وهاهو الآن يأتي إلى المدينة يطلب من الرسول ﵊ أن يقبل إسلامه وإسلام ثقيف، فاستقبل الرسول ﵊ وفد ثقيف استقبالاً طيباً، يليق بنبي كريم، لم يذكرهم أبداً بما فعلوه قبل ذلك معه في زيارتيه للطائف، وضرب لهم خيمة في المسجد؛ لكي يشاهدوا أحوال المسلمين ويسمعوا خطب الرسول ﷺ ، ويتعلموا ما هو الإسلام، فكانوا يجلسون في المسجد بضعة أيام ثم يذهبون إلى رحالهم ما بين حين وآخر، فهم تركوا الرحال خارج المدينة المنورة، وكانوا قد تركوا عند رحالهم أصغرهم سناً، واسمه عثمان بن أبي العاص، كان عمره أقل من عشرين سنة، وكانوا إذا ذهبوا إليه لفترة القيلولة تركهم عثمان بن أبي العاص وذهب إلى الرسول ﵊ ليتعلم على يديه بإخلاص، وكان إذا وجد الرسول ﷺ نائماً ذهب إلى الصديق ﵁ فيتعلم منه، حتى أعجب به ﷺ إعجاباً جماً، ورأى فيه خيراً كثيراً.

стр. 617

إسلام وفد ثقيف بعد عدة أيام استمع وفد ثقيف إلى الإسلام، ورأى أحوال المسلمين، وطلبوا من الرسول ﵊ أن يسلموا، لكن كان عندهم بعض الشروط يريدونها من الرسول ﵊، وهذه الشروط توضح أنهم لم يريدوا الإسلام حباً فيه، ولكن جاءوا رهباً منه ورغباً في المصالح من ورائه. قال زعيمهم عبد ياليل بن مسعود: أفريت الزنا، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ يعني: هم يريدون أن يستحلوا الزنا، مع علمهم أن من تعاليم الإسلام تحريم الزنا، فقال الرسول ﵊ هو عليكم حرام؛ فإن الله يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. يعني: هذا حد من حدود الله ، ولا يمكن أبداً أن يتنازل عنه الرسول ﷺ ، مع أن إسلام ثقيف إضافة ضخمة جداً للدولة الإسلامية، لكن لا يمكن أبداً أن يفرط الرسول ﷺ في أي أمر من أوامر الله . فقال عبد ياليل: أفريت الربا؛ فإنه أموالنا كلها؟ قال ﷺ : لكم رءوس أموالكم، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]. أيضاً رفض تحليل الربا. فقال زعيمهم: أفريت الخمر؛ فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه؟ يعني: يريدون أن يحلوا أي شيء من المحرمات التي في الإسلام، فهذا يدل على أنهم لم يسلموا رغباً في الإسلام، لكن ظروف الجزيرة العربية في ذلك الوقت دفعتهم إلى هذا الإسلام، قال ﷺ : إن الله قد حرمها. وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. هذه أمور ثلاثة حاولوا أن يحذفوها من الإسلام، لكن الرسول ﵊ كان واضحاً تمام الوضوح، وكان حازماً تمام الحزم، لا مساومة في الدين، ولا التقاء في منتصف الطريق إذا كان الأمر يخص العقيدة والحلال والحرام، ولم يسع إلى تأليف قلوبهم عن طريق حذف أو تبديل في الشريعة. قام وفد ثقيف للتشاور، سنعمل فقال بعضهم لبعض: ويحكم إنا نخاف -إن خالفناه- يوماً كيوم مكة. يعني: لو رفضوا أن يأخذوا الإسلام كاملاً دون حذف ولا تبديل فقد يغزوهم في يوم من الأيام، ويحدث لهم ما حدث لأهل مكة، فأتوا الرسول ﵊ وقالوا: نعم لك ما سألت، ثم قالوا: أرأيت الربة؟ لا زالت هناك محاولات أخرى لحذف بعض الأمور من الدين الإسلامي، قالوا: أريت الربة ماذا نصنع فيها؟ الربة هي اللات وهي الصنم المعبود في الطائف، وكانت من أعظم أصنام العرب، والجميع كان يقسم بها ويهدي إليها ويذبح عندها ويعتقد فيها، فأجاب الرسول ﵊ إجابة حاسمة لا مجاملة فيها، قال: اهدموها. ففزع أهل ثقيف وقالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلنا. فكان عمر بن الخطاب حاضراً هذه المفاوضات فقال: ويحك يا عبد ياليل إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، فرد عليه عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر. يعني: ليس هذا من شأنك. لكن لم يجد أهل ثقيف بداً من هدم اللات، وأصر الرسول ﵊ على هدمها، لكنهم بدءوا يسامون على توقيت هدم اللات، فطلبوا من الرسول ﵊ أن يدع اللات ثلاث سنين قبل أن يهدمها، فأبى ﷺ ، فقالوا: سنتين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فقالوا: شهراً واحداً، فأبى ﷺ ، فأسقط في أيدهم، وقالوا في يأس: تولى أنت هدمها، أما نحن لا نهدمها أبداً، فقال ﷺ : فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها. وقبل أن يقوموا طلبوا طلباً أخير وهو أن يعفيهم ﷺ من الصلاة يعني: مفهوم الدين عندهم غير واضح، وهذا نتيجة أن الأصنام لا تشرع منهجاً ولا تضع قانوناً، فكان عليهم أن يضعوا قوانينهم بأنفسهم، وهو الشيء الذي يسمونه الآن: القوانين الوضعية، لذلك جاءت أسئلة ثقيف مضحكة طفولية؛ لغياب مفهوم الدين الصحيح من أذهانهم، فهم كانوا يفهمون أن الدين مجرد قرابين وذبح ومجرد عبادة للات دون التدخل في حياتهم، لكن الدين الصحيح حقيقة كما أراده الله ، هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فكل دقيقة وصغيرة وكبيرة في الحياة يدخل فيها الدين وله فيها رأي، وهو ما لم تفقهه ثقيف في هذه اللحظة. لكن الرسول ﵊ رفض الإعفاء من الصلاة، وقال لهم: (لا خير في دين لا صلاة فيه)، وبهذا أقر وفد ثقيف بكل ما أمر به ﷺ ، وقرروا العودة إلى الطائف على أن

стр. 618

تأمير الرسول ﷺ لعثمان بن أبي العاص على الطائف هذا موقف لا بد أن نعلق عليه لأهميته، وهو أن الرسول ﷺ أمَّر على هذا الوفد وعلى ثقيف بكاملها عثمان بن أبي العاص ﵁ مع أنه أصغر القوم؛ وذلك لشدة حرصه على التعلم، وحسن فهمه ودقة نظرته، وكفاءته القيادية. فالرسول ﵊ تعامل مع قضية الطائف تماماً كما تعامل مع قضية مكة، ولى شاباً لم يتلوث فكره كثيراً بالأفكار الوثنية القديمة، وعزل عبد ياليل صاحب التاريخ الطويل في الصد عن سبيل الله؛ ولأنه قد وضح من خلال الحوار أنه غير مقتنع تمام الاقتناع بتشريعات الإسلام، ومن ثم قد ينحرف بثقيف عن الفهم الصحيح للإسلام؛ من أجل هذا عزله وولى عثمان بن أبي العاص تماماً كما عزل أبا سفيان وولى عتاب بن أسيد ﵁ الشاب الصغير على إمارة مكة. وهذا يوضح لنا قيمة الشباب في الإسلام، وإمكانيات الشباب الهائلة التي كان يقدرها ﷺ . أيضاً تعامل الرسول ﵊ مع ثقيف كما تعامل مع شعب مكة فقد عفا عنهم أجمعين برغم التاريخ السيئ الذي مر به المسلمون مع الطائف، ليثبت لنا وللجميع أن منهج العفو هو منهج أصيل في الإسلام، ولم يكن حدثاً عابراً خاصاً بمكة المكرمة.

стр. 619

هدم صنم اللات بالطائف عاد وفد ثقيف إلى الطائف، وبعد محاورات وجدال مع ثقيف قبلت ثقيف بالإسلام، وبعدها بقليل جاءت السرية الإسلامية المكلفة بهدم صنم اللات، وكان على رأسها ثلاثة من أبطال المسلمين، كل واحد منهم له دلالة خاصة جداً. البطل الأول: خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول وأعظم القواد للجيش الإسلامي؛ ولأن المهمة شديدة الخطورة تحتاج إلى رجل كفء لا يهاب الموت، ودخول الطائف وهدم صنم اللات أمر غير مأمون مطلقاً؛ لذلك لا بد أن يكون هناك أحد صناديد الإسلام على رأس هذه السرية. البطل الثاني: المغيرة بن شعبة الثقفي وهو من ثقيف، وأهل الطائف أدرى بشعابها، وسيقف البطن الذي ينتمي إليه المغيرة بن شعبة الثقفي من قبيلة ثقيف، وهو بطن بني معتب سيقف في حراسة المسلمين وهم يهدمون الصنم؛ لكي لا يتهور أحد ويقتل المغيرة بن شعبة، كما حدث قبل ذلك مع عروة بن مسعود الثقفي، يعني: هناك أخذ بالأسباب لحماية الوفد قدر المستطاع. البطل الثالث: أبو سفيان بن حرب ﵁، وكان قد حسن إسلامه، وأصبح قوة أدبية وسياسية كبيرة جداً في الدولة الإسلامية، وفي هذا إشارة واضحة جداً لكل العرب أن يذهب زعيم الوثنية السابق في الجزيرة العربية أبو سفيان بعد أن أسلم لهدم صنم الطائف، بعد أن هدمت أصنام مكة وغيرها قبل ذلك. ودخلت السرية الإسلامية الطائف، واجتمع أهل الطائف جميعاً لرؤية ما سيحدث لصنمهم، وهناك أناس كثيرون كانوا يظنون أن الربة (اللات) ستنتقم لنفسها، فهم ما زالوا إلى الآن في شك من الإسلام واعتقاد في اللات، وما هي إلا لحظات حتى سقطت اللات تحت معاول أبطال المسلمين، وتجلت الحقيقة التي غابت عن عيون وأذهان أهل الطائف عشرات بل مئات السنين، وأدركوا أنه قد آن الأوان للانتقال من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان. إذاً: إسلام الطائف كان جائزة كبيرة جداً لرسول الله ﷺ ، فقد صبر سنوات طويلة جداً، وأوذي من الطائف أشد الإيذاء، ومع ذلك ظلت رسالته نقية، والعاقبة للمتقين. ومرت الأيام والسنوات وذهب الألم وبقي الأجر إن شاء الله، وأثمر جهدُ السنين إسلامَ مدينة عظيمة ثابتة على الإسلام وهي الطائف. وبعد وفاة الرسول ﵊ ارتدت جزيرة العرب إلا ثلاث مدن فقط في الجزيرة العربية، كان منها الطائف، لتحقق الأمنية الصادقة لرسول الله ﷺ بأن يخرج الله من أصلابهم من يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ما أعظمها من أمنية، وما أسعده من نصر تحقق ورآه ﷺ بعينيه، وما أجملها من نهاية لقصة إسلام مدينة الطائف مع رسول الله ﷺ . إذاً: كان هذا هو الوفد الأول الذي جاء إلى المدينة المنورة بعد عودة الرسول ﵊ مباشرة من تبوك.

стр. 620

وفد بني سعد بن بكر من هوازن الوفد الثاني في غاية الأهمية أيضاً، مع أن الذي جاء فيه رجل واحد فقط، ومع أنه مكون من رجل واحد إلا نفعه كان عظيماً جداً، ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عباس ﵄ قال: ما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من هذا الوافد. وهذا الوافد كان وافد بني سعد بن بكر من هوازن، ومعظم قبيلة بني سعد أسلمت بعد موقعة حنين، لكن بقيت منها بعض البطون، كان منها هذا البطن الذي جاء منه هذا الوافد، وهذا الوافد كان أعرابياً فيه شيء من الغلظة والجفاء، إلا أنه كان ذكياً جداً، كان عاقلاً، وكان إيجابياً على مستوى عال من الفهم وحسن التصرف. وقصة هذا الوافد جاءت في صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم وأبي داود. وحاولت أن أجمع لكم قدر المستطاع تفاصيل القصة من هنا وهناك لتكمل الفائدة: جاء هذا الرجل إلى المدينة المنورة والرسول ﵊ جالس وسط أصحابه، فقال: أيكم محمد؟ هكذا باسمه، يقول أنس بن مالك: وكان النبي ﷺ متكأ بين ظهرانيهم. انظروا إلى رسول الله ﷺ ، وهو القائد المهاب والزعيم المنتصر، والذي دانت له كل القبائل، وواجه الرومان، يجلس بين أصحابه في تواضع، بحيث إن الغريب لا يميزه من بين عامة الأصحاب والجنود والأتباع. لا نرى مثل هذه المواقف إلا في أمة الإسلام. نحن لا نعرف من هو هذا الرجل، ولا الصحابة أنفسهم يعرفونه، قال الرجل: (يا ابن عبد المطلب! قال ﷺ : قد أجبتك، قال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك -يعني: لا تغضب مني، فهو يتكلم بحدة وبشدة- فقال ﷺ في تواضع جم: سل عما بدا لك، قال الرجل: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال ﷺ : صدق، قال الرجل: فمن خلق السماء؟ قال ﷺ : الله، قال الرجل: فمن خلق الأرض؟ قال ﷺ : الله، قال الرجل: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال ﷺ : الله، قال الرجل: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال ﷺ : نعم. قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال ﷺ : صدق، قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم. قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، تؤخذ من أغنيائنا فتقسم في فقرائنا، قال ﷺ : صدق، قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم. قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال ﷺ : صدقك. قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ : نعم. قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال ﷺ : صدق. قال أنس بن مالك ﵁: فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. قال أنس: ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، ثم ولى، فقال ﷺ : لئن صدق ليدخلن الجنة). هذه الفروض إن قام بها الرجل دون نقص فإنها طريق إلى الجنة، أما النوافل فهي ترفع من درجات العبد في الجنة، أو تجبر كسر الفروض المنقوصة، وهذا هو يسر الإسلام، وهذا هو جمال الإسلام. فذهب ضمام بن ثعلبة ﵁ إلى قومه بهذه المعلومات التي يعرفها عامة المسلمين رجالاً ونساءً بل وأطفالاً، فماذا فعل؟ لقد عاد ضمام بن ثعلبة ﵁ وأرضاه مسرعاً إلى قومه، فاجتمع حوله الناس فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. فماذا كانت النتيجة؟ يقول عبد الله بن عباس ﵄: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً. تصوروا بهذه المعلومات اليسيرة القليلة غيّر ضمام من واقع قبيلة بكاملها، وهدى الله به أقواماً، فهم جميعاً في ميزان حسناته، والدال على الخير كفاعله. هذا الذي فعله ضمام يمنع أياً منا من أن يعتذر؛ بأنه غير مؤهل للدعوة، ولا يمتلك العلم الكافي، ولا نقول لك: أفتِ الناس بما لا تعلم، لكن ما تعلمه وتظنه قليلاً هو بالنسبة لغيرك كثير كثير، ولنا في

стр. 621

وفد نصارى نجران الوفد الثالث: هو وفد نصارى نجران، نجران بلد كبيرة في جنوب الجزيرة العربية، وكان أهل نجران يدينون بالنصرانية، فأرسلوا وفداً إلى الرسول ﵊، وهذا الوفد كان فيه أربعة عشر وافداً، وتقول بعض الروايات: إن الوفد وصل إلى ستين رجلاً. وصل هذا الوفد بهيئة منظمة جداً، وفي صورة منمقة وصلت حد المبالغة، فقد لبسوا الثياب الحريرية وتحلوا بالذهب، والرسول ﵊ يحرم هذه الأمور على الرجال، فكره ﷺ أن يتكلم معهم وهم بهذه الصورة، وأجلهم يوماً، فجاءوا في اليوم الثاني وهم يلبسون لبس الرهبان، فبدأ الرسول ﵊ في الحوار معهم، وهذا الوفد لم يكن من نيته ولا من همه أن يسلم أو يفكر في الإسلام، وإنما أتى ليناظر الرسول ﵊ ويجادله من ناحية، وأتى ليبهره ويبهر المسلمين من ناحية أخرى؛ لهذا فالحوار معهم كان على صورة مختلفة كثيراً عن الحوار مع الوفود الأخرى. فقد عرض الرسول ﵊ عليهم الإسلام، ولكنهم رفضوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، هذه الكلمة صحيحة لو كانوا متبعين لكتبهم الأصيلة دون تبديل ولا تحريف، وفي هذه الكتب غير المحرفة بشارة برسولنا ﷺ ، وعلامات واضحة لنبوته، وأدلة دامغة على صدقه، لذلك فعلماء اليهودية والنصرانية يعرفون الرسول ﷺ ، ويعرفون علاماته، ويوقنون بصدقه وبوجوب اتباعه، من أجل هذا يقول : ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧]، لكن منعهم الكبر والمصالح والدنيا والهوى والحسد، وأشياء كثيرة جداً منعتهم من الإسلام. من أجل هذا أنكر الرسول ﵊ عليهم كلمة (كنا مسلمين قبلكم)، وذكر لهم أنهم يحرفون دينهم في أمور كثيرة، وهذا التحريف يتنافى مع الإسلام، والإسلام معناه: أن يسلم الإنسان نفسه تماماً لله ، ويسلم نفسه لتشريعات الله وقوانينه، ولا يسلم نفسه لأهوائه الشخصية أو مصالحه الخاصة. قال لهم الرسول ﵊: (يمنعكم من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً)، هذه أمور ثلاثة حرفتموها في الإنجيل، ولن تسلموا فيها لله رب العالمين، ولا يستقيم أن تطلقوا على أنفسكم مسلمين قبل أن تتركوا هذا الاعتقاد الفاسد، وللأسف هذا اعتقاد جازم عند معظم النصارى، وهو يمنعهم من التفكير في الإسلام. وهناك أمر غريب جداً كنت دائماً استقربه ولم أفهمه إلا بعدما قرأت حوار الرسول ﷺ مع وفد نصارى نجران، وهو أنه عند نزول المسيح ﵇ قبل يوم القيامة يجعل من مهمته أن يصحح هذه الأمور التي ألصقت بدينه ولم تكن فيه. انظروا إلى الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد). وكما ذكرنا أن وفد نجران لم يكن يريد الإسلام، من أجل ذلك كثر الجدال بينه وبين الرسول ﵊، وكثر إلقاء الشبهات والرد عليها، وكان مما قالوه: (ما لك تشتم صاحبنا؟ -يقصدون عيسى ﵇ وتقول: إنه عبد لله ، فقال ﷺ : أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول). هذا ليس انتقاصاً أبداً من عيسى ﵇، بل العبودية لله تشريف، وهو رسول من أولي العزم من الرسل، وهو كلمة الله ألقاها إلى مريم ﵍، والتي نكرمها ونجلها، وننفي عنها أي شبهة سوء، فنقول: إنها مريم العذراء البتول، لكن النصارى يبالغون في تكريم المسيح ﵇ حتى خرجوا به عن طبيعته إلى طبيعة أخرى، فقالوا: هو الله، وقالوا: هو ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة، وكلها مبالغات غير مقبولة، إنها عقيدة فاسدة دفعهم إليها الحب والتقديس الزائد عن الحد المطلوب، من أجل هذا كان الرسول ﵊ حريصاً عند موته على إبراز هذا المعنى؛ حتى لا يتجاوز المسلمون الحب المفروض له إلى الحب الذي يقود إلى ضلال وكفر، فيخرجون بطبيعة الرسول إلى غيرها، فقد كان الرسول ﵊ وهو على فراش الموت يقول: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، رواه البخاري ومسلم. ولكون النصارى في وفد نجران لا يتنازلون عن هذا الاعتقاد الفاسد، فإنهم غضبوا من وصف عيسى ﵇ بالبشرية والعبودية وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب، فإن كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فأنزل الله الحجة الدامغة، حيث ضرب لهم مثلاً يوضح حقيقة عيسى ﵇، قال الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَ

стр. 622

حج أبي بكر الصديق ﵁ بالناس في آخر السنة التاسعة من الهجرة أرسل الرسول ﵊ وفداً من المسلمين للحج، وأمر على الناس أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، والسبب في أنه ﷺ لم يذهب بنفسه: أن الحج في تلك السنة كان مفتوحاً للمسلمين والمشركين سوياً، وأُخبر ﵊ أن المشركين يحضرون ويطوفون بالبيت عراة، فقال ﷺ : لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. وخرج وفد الحج إلى مكة المكرمة بقيادة الصديق ﵁، وبعد خروج الوفد سبحان الله! نزل صدر سورة براءة ببعض التشريعات الهامة جداً في تعامل المسلمين مع المشركين، فيها إعلان مصيري بالنسبة لكل مشرك في الجزيرة العربية؛ من أجل هذا أمر الرسول ﵊ علي بن أبي طالب ﵁ أن يحمل هذه الآيات وينطلق بها إلى مكة المكرمة؛ ليقرأها على أسماع المشركين في الجزيرة العربية، يقول سبحانه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١ - ٥]. تستمر الآيات على هذا النسق تحمل تشريعات تلو التشريعات في بيان في غاية الأهمية. وبعد قراءة هذه الآيات كان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ينادي في الناس بأمور أربعة: كان يقول: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك. هذه الآيات تحتاج إلى تفصيل كبير وتعليقات كثيرة، لكن بإيجاز: هذا إعلان مباشر للمشركين أنه بعد انقضاء الأجل المضروب في الآيات، فإن الحرب معلنة عليهم بوضوح وقوة، وليس أمامهم إلا خيار من اثنين: إما القتال ومواجهة المسلمين، وإما الإسلام. إذاً: المقصود بهذه الآيات هم مشركو الجزيرة العربية، فقد كانت الحرب بينهم وبين المسلمين معلنة ومستمرة لأكثر من عشرين سنة متصلة، فقد اجتمعوا جميعاً على حرب المسلمين، قال الله : ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وعلة قتال المشركين كافة أنهم يقاتلون المسلمين كافة، ومن هنا فإنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل من لم يقاتله إلا بعلة واضحة، كسلب أو نهب أو اغتصاب لحقوق المسلمين، أو بسبب منعهم للمسلمين من نشر دينهم وإيصاله إلى غيرهم، وبدون هذه الأمور يصبح قتال المشركين غير جائز، ومن ثم فقتال مشركي العالم جميعاً ليس منطقياً، وإنما يقاتل المسلمون بعض مشركي العالم الذين قاموا بما ذكرناه من أمور. وواقع المسلمين بعد نزول هذه الآيات وفي زمن الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول ﵊ يصدق هذا الأمر، فالمسلمون في فتوحاتهم لم يقاتلوا كل المشركين الذين قابلوهم، وإنما كانوا يقاتلون من قاتلهم من جيوش البلاد المفتوحة، وكانوا يتركون بقية المشركين على دينهم إلى أن يختاروا هم بإرادتهم الإسلام إن أرادوا ذلك. هذا واقع رأيناه بأنفسنا في كل الفتوحات الإسلامية، وما وجدنا رجلاً واحداً -فيما أعلم- قتل فقط لكونه مشركاً، وعلى هذا يحمل حديث رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، يحمل على قتال مشركي العرب. ولا تعارض بين هذه الأحكام الخاصة بمشركي العرب والآية الكريمة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؛ فقوله: (لا إكراه في الدين) عام في كل البشر إلا هؤلاء المشركين من العرب، ليس لأنهم العرب، ولكن لكونهم محاربين للرسول ﵊ ولدولته، وهذه الحرب كما ذكرنا معلنة منذ قديم. والأصل في الأمور أن الحرب ما زالت مستمرة، وقد أعلن المسلمون أنهم سيستمرون في الحرب مع مشركي العرب، ولن يتم إيقاف الحرب حت

стр. 623

سلسلة السيرة النبوية_ الوداع تمت أعمال الدعوة وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد، وشعر ﷺ أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، وشاء الله أن يري رسوله ﷺ ثمار دعوته التي عانى في سبيلها ألواناً من المتاعب ثلاثة وعشرين عاماً، فاجتمع بأفراد قبائل العرب وممثليها في حجة الوداع، ليأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، وليشهدوا له أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة.

стр. 624

حجة الوداع أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمع الدرس السابع عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين. في الدرس السابق تعرفنا على النتائج العظيمة لغزوة تبوك ورأينا قدوم الوفود الكثيرة إلى المدينة المنورة لتعلن إسلامها بين يدي رسول الله ﷺ ، لكن لكل شيء نهاية، ولكل أجل كتاب، ولكل قصة خاتمة، وكثيراً ما نرى أن عمر الإنسان ينتهي دون أن يرى حلمه يتحقق، أو دون أن يشاهد خطة تنجح، لكن من سعادة الإنسان حقاً أن يطيل الله في عمره حتى يرى ثمار عمله، ونتيجة جهده، فيسعد لذلك أيما سعد، ويشعر أن تعب السنين لم يذهب هباء منثوراً، نعم، لا يشترط للإنسان المخلص أن يرى نتيجة كده وتعبه، ولكن لا شك أنها نعمة من الله ومنة عظيمة لا تقدر بثمن. وقد عاش الرسول ﵊ حتى رأى الجزيرة العربية بكاملها تقريباً تدخل في الإسلام، وتقر به، بعد حرب ضروس، بعد مقاومة عنيفة شديدة، ها قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، ها قد مكن للإسلام وارتفعت راية التوحيد في كل مكان، ها قد عادت الكعبة المشرفة إلى حقيقتها، صارت كما كانت أيام إبراهيم ﵊ يوحد فيها الله ، ولا يشرك به أحد أبداً. لا أستطيع وصف سعادة الرسول ﵊ الصلاة والسلام بكل هذا الخير. وكان الرسول ﵊ يسعد إذا رأى رجلاً واحداً يؤمن، كان يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم). فها هو الآن لا يرى رجلاً ولا رجالاً يؤمنون، بل يرى الجموع الغفيرة والقبائل العظيمة والبلاد الكثيرة تدخل في دين الله أفواجاً. فهذا التمكين يحمل معنى آخر لرسول الله ﷺ ولعموم المسلمين وهو أن مهمة الرسول ﷺ قد أشرفت على الانتهاء، ومهمة الرسول ﵊ كانت البلاغ، وها قد تحققت مهمته على الوجه الأكمل، ووصلت رسالته بيضاء نقية إلى كل الجزيرة العربية، بل وتجاوزت ذلك إلى ممالك العالم القديم، ووصلت الدعوة إلى فارس والروم ومصر واليمن والبحرين وعمان وغيرها، واكتملت كل بنود الشرع الحكيم. وإذا كان قد حدث ذلك فمعناه: أن حياة رسول الله ﷺ قد قاربت هي الأخرى على الانتهاء. ومع كل الألم الذي يصاحب النفس عند تصور ذلك، إلا أن الواقع يخبر أن لكل شيء نهاية، ولكل أجل كتاباً، ولكل قصة خاتمة. ففي أواخر العام العاشر من الهجرة كان واضحاً لرسول الله ﷺ ولصحابته أن أجل الحبيب ﷺ قد اقترب، ومن رحمة رب العالمين أنه مهد لهذا الموت بأحداث ومواقف وبعبارات كثيرة؛ وذلك ليهون على المسلمين مصابهم الفادح، ففتح مكة وإسلام هوازن وثقيف وقدوم الوفود تلو الوفود على المدينة المنورة كل ذلك علامة من علامات اقتراب الأجل، وأن المهمة قاربت على الانتهاء. كذلك في شهر رمضان من السنة العاشرة من الهجرة اعتكف ﷺ عشرين يوماً بدلاً من عشرة أيام كان معتاداً عليها، كل هذا كان تمهيداً لأمته أنه سيعتزلها ويبتعد عنها مدة أطول من المدة المعتادة، سيأتي وقت يبعد عنها بجسده تماماً، وإن كان سيظل بروحه وسنته وأقواله وأفعاله وتوجيهاته معهم إلى يوم القيامة. وفي شهر رمضان أيضاً راجعه جبريل ﵇ القرآن مرتين، بدلاً من مرة واحدة. وفي شهر شوال توفي ابنه إبراهيم ﵇، ومع أن البعض كان يتمنى أن لو بقي شيء من عقبه ﷺ ليذكرنا به، لكن هذه حكمة ورحمة من رب العالمين ، فنحن رأينا مغالاة الشيعة في أحفاد الرسول ﷺ من ابنته فاطمة ﵂ وأرضاها، ما بالك لو عاش له ولد، وكان له عقب ينتهي نسبهم إلى محمد ﷺ ، لا شك أنها كانت ستتحول إلى فتنة عصمنا الله منها، ولله الحمد والمنة. أيضاً في هذه الأيام بعث ﷺ معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه إلى اليمن، وقال له: يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري. هذه إشارات في منتهى الوضوح إلى أن أجله ﷺ قد اقترب. وفي شهر ذي القعدة من نفس السنة العاشرة بدأ ﷺ في الاستعداد للقيام بالحج، للمرة الأولى والأخيرة في حياته ﷺ ، وهي الحجة التي عرفت في التاريخ بحجة الوداع. ودعا إليها القبائل المختلفة من كل أنحاء الجزيرة العربية، وتجاوز المسلمون الذين حضروا هذه الحجة مائة ألف مسلم، وذكر بعض الرواة أن عدد المسلمين في هذه الحجة كان يزيد على (١٤٠٠٠) من المس

стр. 625

وصايا الرسول ﷺ في خطبه في حجة الوداع كانت حجة الوداع من أهم المعسكرات الإيمانية التي عاشها الصحابة ﵃ وأرضاهم مع الرسول ﵊ لعدة أيام، ومن أسعد اللحظات، فقد علمهم وأدبهم وأرشدهم ووضح لهم الطريق وبين لهم المعالم فيها، فهذه الحجة لم تكن مجرد أداء لفريضة، بل وضعت فيها وبوضوح القواعد التي عليها تبنى الأمة الإسلامية، والأمور التي بها تحافظ الأمة الممكنة على تمكينها في الأرض. وخطب الرسول ﵊ في هذه الحجة ثلاث خطب، في ثلاثة مواضع مختلفة، في هذه الخطب بصر ﷺ الأمة التي كتب الله لها التمكين بما يحفظ لها هذا التمكين ويقويه، وهذه الحجة العظيمة، تحتاج إلى دراسة خاصة، وإلى تفريغ جهد ووقت، لعل في هذه المحاضرات لا يتسع الوقت لتحليل حجة الوداع، وسنفرد إن شاء الله لها محاضرة خاصة أو محاضرتين، نتحدث فيهما عن الدروس المستفادة والقواعد الهامة المستنبطة من هذه الحجة العظيمة. لكن في هذا الدرس سنمر سريعاً على بعض الوصايا التي حرص ﷺ أن يوجهها إلى أمته. الوصية الأولى: دستور المسلمين هو الكتاب والسنة، والاعتصام بهما يحمي من الضلال ويحفظ الأمة، ويقود إلى الجنة، يقول ﷺ : (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي). الوصية الثانية: الوحدة بين المسلمين على أساس الدين والعقيدة، لا على أساس العرق والعنصر، يقول ﷺ : (تعلمون أن كل مسلم أخ للمسلم). ويقول: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى). الوصية الثالثة: العدل، والعدل المطلق، فلا تقوم أمة ولا تستمر وهي ظالمة، مع وصية خاصة بالنساء، فقال ﷺ : (أيها الناس إن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً). الوصية الرابعة: التحذير من الذنوب، والتنبيه على أن ما يحتقره العبد من الذنوب قد يؤدي إلى هلكته، والتحذير من الشيطان، قال ﷺ : (ألا إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به، فاحذروه على دينكم). الوصية الخامسة: أن الاقتصاد الإسلامي ليس فيه مشروعية للربا، يقول ﷺ : (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع). وفي رواية يقول: (قضى الله أنه لا ربا). هكذا وضع ربا الجاهلية جميعها. الوصية السادسة: البلاغ، مهمة هذه الأمة البلاغ، وأن تحمل رسالة رب العالمين إلى العالمين، قال ﷺ : (فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع). وأكثر ﷺ من قوله: (ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد). إذاً: مهمة الأمة الإسلامية: أن تحمل الرسالة إلى كل العالم. الوصية السابعة: تأصيل مبدأ التيسير في الدين، وأن الشريعة كلها يسر، فقد أكثر ﷺ في هذه الحجة من قوله: (لا حرج، لا حرج، افعل ولا حرج، افعل ولا حرج). وليت المسلمين يفقهون طبيعة هذا الدين، إن طبيعة هذا الدين هي اليسر: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). الوصية الثامنة: السمع والطاعة لأمير المسلمين ما دام يحكم بكتاب الله ، قال ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي، ما أقام فيكم كتاب الله . الوصية التاسعة: أن الشرع يطبق على الحاكم كما يطبق المحكومين، ليس هناك استثناء أمام القانون قال ﷺ (ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب). ابن ابن عم رسول الله ﷺ . وقال عن الربا: (وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله). إذاً: تطبق الشريعة على الرسول ﷺ نفسه، وهو زعيم هذه الأمة، وعلى عموم الشعب بكامله ليس هناك استثناء. الوصية العاشرة: على الدولة الصالحة أن تأخذ بيد شعبها إلى الجنة، وليس فقط أن توفر لهم سبل المعاش المريح، والحياة الرغيدة، قال ﷺ : (وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت). الدولة العلمانية لا تنظر مطلقاً إلى هذه النقطة، فليذهب الشعب إلى الجحيم إن أراد ذلك، المهم عندها قيم في الدنيا، لكن الدولة الإسلامية لا تنظر للشعب هذه النظرة الآنية السطحية التافهة، وإنما وظيفتها الأولى أن تسعى حثيثاً لهداية الناس إلى رب دين العالمين ، ومن أدوارها أن تدعو شعبها بل وتدعو العالم كله إلى دخول الجنة، فتلك عشر كاملة. لا شك أن كل وصية من هذه الوصايا تحت

стр. 626

رجوع الرسول ﷺ من حجة الوداع وتجهيزه جيش أسامة بعد هذه الحجة رجع الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة، ومكث فيها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وفي شهر صفر بدأ الرسول ﵊ في إعداد بعث حربي جديد للشام، لقتال الرومان؛ لأن الرومان قتلوا والي معان عندما أسلم، فكان لا بد من رد حاسم، وهذا هو الإعداد الثالث لمجابهة الدولة الرومانية العظمى: الأول: كان في مؤتة، والثاني: كان في تبوك، والثالث: بعث جيش أسامة بن زيد هذا. وأمر ﷺ على هذا البعث أسامة بن زيد بن حارثة ﵄، فالرسول ﷺ يلفت أنظارنا بهذا الفعل إلى أمرين مهمين: الأول: ليس من المهم من هو القائد، ولا نسب القائد، ولا عمر القائد، المهم هو كفاءة القائد، وأنه يحتكم في كل أموره إلى كتاب الله ، وإلى سنة نبيه ﷺ . والقائد في هذه المعركة أسامة بن زيد هو ابن مولى كان يباع ويشترى، وهو زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه. وفي نفس الوقت كان عمره ثماني عشرة سنة، أو حتى لم يبلغ الثامنة عشرة سنة، ومع ذلك يتولى قيادة هذا الجيش العظيم. الأمر الثاني: أن طاقات الشباب هائلة، والرسول ﵊ بأي حال من الأحوال لا يضيع جيشه، ولا يخاطر بمصير أمته بزعامة لا تتصف بكفاءة، وبخاصة أن الصراع القادم سيكون مع أعتى قوة في الأرض في زمانهم، ولو لم يكن ﷺ موقناً تمام اليقين أن أسامة بن زيد ﵄ أهل لهذه المهمة لما ولاه، لا سيما أنه كان تحت إمرة أسامة مجموعة فذة من القادة العسكريين، ومن السابقين، ويكفي أن من جنود أسامة ﵃ في هذه المعركة عمر ﵁. وهذا الفعل يبين لنا قيمة وإمكانيات الشباب عند رسول الله ﷺ . وجهز الجيش الهام، وخرج من المدينة المنورة في اتجاه الشام في أواخر شهر صفر سنة إحدى عشرة للهجرة، لكن بعد خروجه مسافة خمسة أميال من المدينة المنورة سمع الجيش بمرض رسول الله ﷺ فانتظروا في مكانهم، لم يكملوا الطريق؛ حتى يطمئنوا على صحة الحبيب ﷺ .

стр. 627

إلى الرفيق الأعلى بدأ مرض الرسول ﵊ الذي كان في نهايته الوفاة، ويصعب على النفس أن تتصور موت الرسول ﷺ ، فسبحان الله الذي ثبت أصحاب الرسول ﵊ في هذه الفاجعة. ونحن بعد مرور أكثر من (١٤٠٠) سنة على موت الرسول ﵊ لا نستطيع أن نتمالك أنفسنا عند سماع أو قراءة قصة وفاة الحبيب ﷺ ، فقد كانت بلا مبالغة أكبر مصيبة، وأعظم كارثة في تاريخ الأرض منذ خلقها الله وإلى يوم القيامة. ومع كون وفاة الأنبياء بصفة عامة مصيبة كبيرة على أقوامهم، إلا أن مصيبة وفاة الرسول عليه الصلاة السلام كانت أعظم وأجل، ليس فقط لكونه ﷺ أعظم الأنبياء أو سيد المرسلين وإن كان كذلك ﷺ ، لكن كانت المصيبة الكبرى هي انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ انقطاعاً أبدياً إلى يوم القيامة؛ لأنه لا يوجد نبي بعد رسول الله ﷺ ، وعلى مدار ثلاثة وعشرين سنة كاملة تعود الصحابة ﵃ وأرضاهم على نزول الوحي من السماء في كل لحظة، وفي كل ظرف وفي كل أزمة. رحلة طويلة من الأحداث الساخنة والصاخبة والمعقدة كان الوحي فيها دليلاً للمسلمين وهادياً لهم، ومبصراً لعقولهم، ومطمئناً لأفئدتهم. فما أعجب الحياة في ظل الوحي! ولا شك أن البشر جميعاً يخطئون، والمؤمن الصادق يعتذر سريعاً عن خطئه ويتوب من قريب، لكن أحياناً تختلط الحقائق مع الأباطيل، فيتوه الصواب بين طرق الخطأ المتشعبة، فتجد الإنسان المسلم يأخذ أحياناً قراراً يحسبه سليماً صحيحاً شرعياً، بينما يكون الحق في خلاف ذلك، يحدث هذا مراراً وتكراراً معنا ومع الناس جميعاً، حتى إننا لا ندري أكنا على حق أم اخترنا الباطل؟ لكن في أيام الوحي كان الوضع مختلفاً عن وضعنا، كان إذا أخطأ الصحابة نزل الوحي يبين لهم الخطأ، ويبصرهم بالطريق، ويوضح الحق من الباطل، فيعلم الصحابة علماً يقينياً حدود الحق وحدود الباطل، حتى عندما كان ﷺ يختار رأياً خلاف الأولى، كان الوحي ينزل بالتصويب وبترتيب الأوليات، وبتوضيح الفروق الدقيقة جداً بين الصحيح والأصح، وبين الفاضل والمفضول، كانت حياة عجيبة. نعم، ترك الله لنا منهجاً قيماً عظيماً نعرف به الحلال من الحرام ونرتب به الأوليات ترتيباً شرعياً سليماً، لكن ليس ذلك كما كان أيام الوحي. وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يحبون الرسول ﵊ أكثر من حبهم لأبنائهم وإخوانهم وأزواجهم، بل أكثر من أنفسهم، وكلنا نعلم قصة امرأة بني دينار وذكرناها في غزوة أحد، عندما علمت باستشهاد أبيها وأخيها وزوجها في موقعة أحد، فقالت في لهفة: (ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير كما تحبين، قالت: أرونيه، فلما رأته سالماً قالت: كل مصيبة بعدك جلل) يعني: صغيرة يسيرة؛ لذلك كانت مصيبة موت الرسول ﷺ أعظم من كل المصائب التي حدثت في الأرض منذ خلقت وإلى يوم القيامة.

стр. 628

طلائع التوديع كيف كانت الأيام الأخيرة في حياته ﷺ ؟ لقد حرص ﷺ في أيامه الأخيرة على توديع الجميع، حتى إنه لم يودع الأحياء فقط، بل ودع الأموات أيضاً، فقد خرج ﷺ في أوائل شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة إلى أحد فصلى على الشهداء هناك وودعهم، ومن ثم رجع إلى المدينة المنورة، وصعد المنبر وأوصى الناس كما روى البخاري عن عقبة بن عامر قال: (إني فرطكم - يعني: أنا سابقكم إلى الله ، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها). وصايا من الرسول ﵊ إلى أمته في آخر حياته. وفي أواخره شهر صفر، خرج ﷺ إلى البقيع حيث يدفن الموتى من أهل المدينة المنورة هو وأبو مويهبة وهو مولى للرسول ﵊، روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده والدارمي في سننه عن أبي مويهبة: (أن الرسول ﷺ جاءه من جوف الليل ذات ليلة فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، يقول أبو مويهبة ﵁: فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس). يعني: ما أنتم فيه الآن أفضل مما يعيش فيه الناس، ومما هم قادمون عليه. ثم قال: (لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى، يقول أبو مويهبة ﵁: ثم أقبل علي ﷺ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقال أبو مويهبة: قلت: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال ﷺ لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت ربي ، ثم استغفر لأهل البقيع وبشرهم بقوله: إنا بكم للاحقون، ثم انصرف إلى بيته ﷺ .

стр. 629

بداية مرضه ﷺ في اليوم التاسع والعشرين من صفر شهد الرسول ﷺ جنازة في البقيع، وعند رجوعه من البقيع بدأ المرض الذي مات فيه ﷺ ، وكان قبل أسبوعين تماماً من وفاته ﷺ ، فقد أصابه صداع شديد في رأسه، وارتفعت درجة حرارته جداً، حتى ربط عصابة على رأسه، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يشعرون بالحرارة من فوق العصابة. كان مرض النبي ﷺ في منتهى الشدة، وكانت السيدة عائشة ﵂ تشعر هي الأخرى بصداع في رأسها، فقالت: (وا رأساه، فقال ﷺ : بل أنا وا رأساه). ولعلها المرة الأولى في حياته ﷺ التي لا يلتفت فيها إلى مرض السيدة عائشة ﵂؛ لشدة مرضه هو ﷺ ، ومع مرور الوقت اشتد المرض برسول الله ﷺ ، وكان كعادته ينتقل كل يوم من بيت زوجة إلى بيت أخرى، بحسب دورهن، لكنه مع اشتداد المرض عليه أصبح من الصعب عليه فعلاً أن ينتقل بين الحجرات، فأراد ﷺ أن يستقر في بيت إحداهن إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فأراد الرسول ﷺ أن يستقر في بيت أحب زوجاته إلى قلبه، السيدة عائشة بنت الصديق ﵄، لكنه استحيا ﷺ أن يطلب ذلك من زوجاته؛ لئلا يكسر نفوسهن، فكان يقول ﷺ : (أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ حتى جاء يوم عائشة فسكن ﷺ . ففهمن أمهات المؤمنين ﵁، ومن أدبهن وحبهن له أذن له بالبقاء حيث يحب، فبقي ﷺ في بيت السيدة عائشة من يوم خمسة من شهر ربيع الأول إلى آخر حياته ﷺ يعني: بقي: أسبوعاً كاملاً.

стр. 630

الأسبوع الأخير في هذا الأسبوع كان لا يقوى ﷺ على المسير، فكان يتحامل على الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وكانت قدماه تخط في الأرض لا يقوى على المشي، وكان ﷺ عاصباً رأسه، وقضى هذا الأسبوع الأخير كما ذكرنا كله في بيت عائشة ﵂ وأرضاها. وكان ﷺ لا يكاد يتكلم في هذا الأسبوع إلا بصعوبة شديدة، حتى قالت السيدة عائشة ﵂: (ما رأيت رجلاً اشتد عليه الوجع من رسول الله ﷺ . وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أنه دخل على الرسول ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً، فيقول عبد الله: فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً؟ فقال ﷺ : أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال ﷺ : أجل. ثم قال ﷺ : ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئات كما تحط الشجرة ورقها).

стр. 631

قبل الوفاة بخمسة أيام في يوم الأربعاء سبعة ربيع أول سنة إحدى عشرة هجرية قبل الوفاة بخمسة أيام ارتفعت درجة حرارة الرسول ﷺ جداً، واشتد ألم الرسول ﷺ حتى أغمي عليه أكثر من مرة، فلما أفاق في إحدى المرات أراد أن يخرج إلى المسلمين حتى يوصيهم، فما استطاع أن يتحرك ﷺ . فقال لأهله: (هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه في مخضب عليه الماء، حتى طفق يقول ﷺ : حسبكم حسبكم، وشعر عند ذلك ﷺ بخفة، فدخل المسجد وهو معصوب الرأس، وصعد المنبر والناس مجتمعون حوله فقال: لعنة على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). هذه إشارة شديدة الوضوح باقتراب أجله ﷺ . ثم إنه ﷺ عرض نفسه للقصاص، فقال: (من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه). يقول ذلك ﷺ وهو الذي لم يظلم في حياته قط، بل كان دائم التنازل عن حقه، وما غضب لنفسه قط ﷺ . يقول ذلك وهو الذي كان يحب الرفق في كل شيء، وهو الذي لم يتلفظ بفحش ولا سوء، ولا طعن حتى في أشد مواقف حياته صعوبة ﷺ . ثم أوصى ﷺ بالأنصار، فقال: (أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي). يعني: خاصتي وموضع سري: (وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم). ثم قال ﷺ بعد ذلك كلاماً مؤثراً غاية التأثير، روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عبداً خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، يقول أبو سعيد ﵁: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فتعجب الصحابة ﵃ من بكاء الصديق ﵁، قال أبو سعيد الخدري: فعجبنا له، قال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ -يقصدون أبا بكر الصديق - يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا). لم يدرك الصحابة في هذه الساعة ولم يتصوروا أن الرسول ﵊ هو العبد المقصود بالتخيير، ولكن الصديق ﵁ بما له من حس مرهف وعلم واسع أدرك ذلك الأمر فبكى ﵁ وقال: (فديناك بآبائنا وأمهاتنا، يقول أبو سعيد فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا، ثم قال ﷺ : إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، ثم قال: لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر). فلما انتهى ﷺ من هذه الوصايا المؤثرة في ذلك اليوم دخل بيته.

стр. 632

قبل الوفاة بأربعة أيام في يوم الخميس الثامن من ربيع أول يعني: قبل الوفاة بأربعة أيام حدث موقف هام، روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن الرسول ﵊ لما اشتد به الوجع قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده -وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- فـ عمر ﵁ أشفق على الرسول عليه والسلام، فقال: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله)، يعني: عمر ﵁ وأرضاه كان يرى أنه لا داعي لإرهاق الرسول ﷺ بالكتابة، وقد حفظ الله لهم القرآن، لكن بعض الصحابة اعترضوا على ذلك، وأرادوا أن يكتب لهم الرسول ﵊ الكتاب الذي يريد، فاختلف أهل البيت واختصموا وكثر اللغط، وارتفع الصوت، فلما حدث ذلك قال ﷺ : (قوموا عني). من الواضح أن الرسول ﵊ لم يكن يرى أن كتابة هذا الذي يريد كتابته أمر واجب ضروري، إنما هو أمر اختياري تقديري؛ لأنه ﷺ عاش بعد هذا أربعة أيام ولم يطلب الكتاب مرة أخرى ليكتب، ولو كان ضرورياً لأمر به ﷺ ، لكن على الرغم من أن كتابة الكتاب لم تكن أمراً حتمياً، إلا أنه كان لغرض الإيضاح، وكان فيه خير ما، لكن منع المسلمون هذا الخير؛ بسبب اختلافهم وكثرة لغطهم. والاختلاف دوماً يمنع كثيراً من الخير. ضحى الرسول ﷺ بهذا الخير الذي كانوا سيحصلونه في سبيل أن يمنع عنهم التنازع؛ ولأن وحدتهم كانت مقدمة عنده على ما دونها من مصالح. وفي نفس هذا اليوم ثمانية ربيع أول سنة إحدى عشرة هجرية أوصى ﷺ بثلاث وصايا: قال ﷺ : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب). والوصية الثانية: (وأجيزوا الوفد، بنحو ما كنت أجيزهم به). يعني: أعطوا الوفد جائزة كما كنت أعطيهم، يعني: أقروهم وأحسنوا ضيافتهم. أما الوصية الثالثة: فنسيها أحد رواة الحديث، واختلف العلماء في تحديدها، فبعضهم قال: القرآن، وبعضهم قال: تجهيز جيش أسامة بن زيد ﵄، وبعضهم قال: الصلاة. وكان ﷺ حتى ذلك اليوم وبرغم مرضه يصلي بالناس كل الصلوات، فصلى بهم ذلك اليوم الصبح والظهر والعصر، وبعد ذلك صلى بهم المغرب وقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفاً) ثم عاد إلى بيته ﷺ وقد ثقل عليه المرض جداً، وأغمى عليه أكثر من مرة، ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟ قال الصحابة: لا، هم ينتظرونك، فقال ﷺ ضعوا لي ماء في المخضب). مكان يغتسل فيه ﷺ ، أراد الاغتسال لتخفيف درجة الحرارة حتى يقوم لتأدية صلاة العشاء، تقول السيدة عائشة ﵂: (ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ﷺ ، ثم أفاق، فقال أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، فقال للمرة الثالثة: ضعوا لي ماء في المخضب فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه للمرة الثالثة، ثم أفاق: فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله). أرأيتم الحرص على صلاة الجماعة، والحرص على الذهاب إلى المسجد مع هذا المرض الثقيل وهذا الإغماء المتكرر؟! يا حسرتاه على أقوام أصحاء يتخلفون عن صلاة العشاء وغيرها من صلوات الجماعة، والمساجد على بعد خطوات معدودات من بيوتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! بعد هذه المحاولات المضنية من رسول الله ﷺ أدرك أنه لن يستطيع الخروج لصلاة الجماعة، وللمرة الأولى في حياته ﷺ -ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها- لم يستطع أن يتحرك، لكنه مع ذلك كان حريصاً على أمته حتى في أشد حالات مرضه ﷺ ، فما زال يردد: (أصلى الناس؟ أصلى الناس؟). تقول عائشة ﵂: (والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة) في هذا الوقت قرر ﷺ أن ينوب عنه واحد من المسلمين لإمامة المسلمين في الصلاة، فقال ﷺ : (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فخافت السيدة عائشة أن يتشاءم الناس بأبيها لو وقف مكان الرسول عليه والسلام، فقالت: (إن أبا بكر رجل أسيف -وفي رواية-: رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء) فلما أصر ﷺ على اختيار أبي بكر لهذا الأمر أعادت عليه عائشة ﵂ ومن معها من أمهات المؤمنين الاقتراح بتغيير أبي بكر

стр. 633

قبل الوفاة بثلاثة أيام في يوم الجمعة، صلى أبو بكر جميع الصلوات بالمسلمين وخطب بهم الجمعة في ذلك اليوم أيضاً، ولم يستطع ﷺ الحركة مطلقاً في ذلك اليوم، وكان مما أوصى به في ذلك اليوم ما رواه مسلم عن جابر ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله . في يوم السبت العاشر من ربيع أول صلى أبو بكر جميع الصلوات بالناس، لكن في أثناء صلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس شعر ﷺ في نفسه خفة، فقرر ألا يضيع الفرصة، فحاول أن يصلي مع الجماعة مرة ثانية، فخرج يهادى بين رجلين: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵄، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى وصلا به إلى الصف الأول، فكان أبو بكر يؤم الناس في ذلك الوقت، فلما أحس أبو بكر بقدوم الرسول عليه والسلام، أراد أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أتي به ﷺ حتى جلس إلى جنب أبي بكر الصديق ﵁ من ناحية اليسار، يعني: كان الرسول ﷺ في موضع الإمام، فكان النبي ﷺ يصلي جالساً لا يستطيع القيام، وأبو بكر يصلي بصلاته، ويرفع صوته فيصلي الناس بصلاة أبي بكر. مجهود هائل من رسول الله ﷺ حتى لا يفوت صلاة واحدة مع الجماعة وهو يستطيع، مع أنه قد وصل إلى هذه الحالة التي وصفنا من التعب والمرض والإغماء.

стр. 634

قبل يوم من وفاته ﷺ في يوم الأحد الحادي عشر من شهر ربيع أول، يعني: قبل الوفاة بيوم واحد صلى أبو بكر بالمسلمين كل الصلوات، وتخلص ﷺ من كل بقايا الدنيا التي عنده على بساطتها وقلتها، فأعتق ما تبقى من غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، ولم يترك في بيته عند موته من الطعام إلا القليل. روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني). يقول أنس ﵁: (ما أمسى عند آل محمد ﷺ صاع بر ولا صاع حب، وإن عنده لتسع نسوة) يعني: كل بيوته ﷺ لم يكن فيها الطعام الذي يكفيهم.

стр. 635

آخر يوم من حياته ﷺ جاء يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول إحدى عشرة هجرية، وهو اليوم الذي شهد أعظم مصيبة في تاريخ البشرية. يقول أنس بن مالك ﵁: (ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه ﷺ يوم أن هاجر من مكة إلى المدينة، وما رأيت يوماً كان أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ . وشتان بين بداية هذا اليوم وبين نهايته، فأول هذا اليوم صلى أبو بكر ﵁ وأرضاه صلاة الصبح بالناس، وكانت هذه الصلاة هي السابعة عشرة التي يصليها أبو بكر بالناس في وجود الرسول ﷺ . يقول أنس ﵁: (كان أبو بكر يصلي بنا في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف النبي ﷺ ستر حجرة عائشة ﵂ ينظر إلينا، ونظر إلى الصحابة ﵃ وأرضاهم ثم تبسم يضحك ﷺ سعيد برؤيتهم وهم يصلون مجتمعين وراء أبي بكر الصديق ﵁. يقول أنس (فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر). لم يستطع ﷺ أن يصلي معهم، ولم يأت عليه في الدنيا صلاة أخرى ﷺ ، لما ارتفع الضحى من ذلك اليوم دعا ﷺ ابنته فاطمة ﵂، ثم أسر في أذنها أمراً فبكت بكاءً شديداً ﵂ وأرضاها، قال لها: (لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري؛ فإني نعم السلف أنا لك، فلما رأى ﷺ بكاءها قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، فضحكت ﵂ وأرضاها)، وفي رواية: (أنه بشرها بأنها أول أهل بيته لحوقاً به ﷺ . لكن السيدة فاطمة ﵂ كانت تشاهد الألم والمعاناة التي يشعر بها الحبيب ﷺ فدفعها ذلك إلى أن تقول: (وا كرب أبتاه فقال ﷺ : ليس على أبيك كرب بعد اليوم). وصدق ﷺ كيف يشعر بالكرب من رأى مقعده من الجنة وهو حي على وجه الأرض؟! فقد كان الرسول ﷺ يقول قبل أن يمرض: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير). أي: يخير بين الموت، وبين البقاء في الدنيا. تقول السيدة عائشة ﵂: (لما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف) يعني: نظر إلى السقف وكأنه يرى مقعده من الجنة، وكأنه يعرض عليه التخيير في هذه اللحظة، ثم قال: (اللهم الرفيق الأعلى). فاختار لقاء الله ، تقول السيدة عائشة ﵂: (إذاً لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح). يعني: أنه ﷺ كان أخبرهم بالتخيير. واقتربت اللحظات الأخيرة من حياته ﷺ وهو يريد أن ينصح أمته حتى آخر أنفاسه ﷺ ، فكانت عامة وصية الرسول ﷺ حين حضره الموت: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل ﷺ يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه). يوصي الرسول ﷺ يوصي بحاجتين في غاية الأهمية، الأولى: الصلاة، ثم كذلك يوصي بالرقيق والعبيد مما ملكت أيمانكم، ويجمع بينهما، لكي يؤكد على وجوب الإحسان إلى الرقيق. يروي البخاري أن السيدة عائشة ﵂ كانت تقول: (إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري). السحر هو الصدر أو الرئة، والنحر هو الرقبة. يعني: كان الرسول ﵊ يسند رأسه على صدر ورقبة السيدة عائشة ﵂، ثم تكمل عائشة ﵂ وتقول: (وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: للرسول ﵊، لم يستطيع من صلابة السواك الجاف أن يحركه بين أسنانه ﷺ فقالت السيدة ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته. فأمره- وفي رواية-: أنه
следующие страницы →