Полный текст (657 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
عوامل رجوع المسلمين وثباتهم مع رسول الله ﷺ
كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ كيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟ في مثل هذه الأزمات الهائلة وحين يتخلى الجميع أو المعظم عن المسئولية في عمل من الأعمال الهامة للأمة، سواء كان جهاداً أو غيره من الأعمال، ماذا نعمل في مثل هذه المواقف؟ لقد ضرب لنا الرسول ﵊ القدوة في ذلك، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقدم لنا منهجاً عملياً واضحاً للخروج من مثل هذه الأزمات، فماذا عمل الرسول ﵊؟!
стр. 562
ثبات النبي القائد ﷺ
أول نقطة: ضرب القدوة من نفسه، فلم يفر؛ لأنه إذا فر القائد فلا أمل في ثبات الجنود، وإذا تخلى القائد عن المسئولية فلن يحملها أحد.
فالرسول ﵊ ثبت في هذه الموقعة ثباتاً عجيباً، بل إنه لم يكتف بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى أن العباس ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره ﷺ كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم خوفاً على رسول الله ﷺ ، لكن الرسول ﵊ استمر في الدخول وسط جيش الكفار، وكان الجيش يمشي عكس اتجاه الرسول ﵊، كله يفر إلى الوراء والرسول ﷺ متقدم إلى الأمام ويقول وينادي بأعلى صوته: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله.
لن تجد مثل الرسول ﵊ مهما قرأت في التاريخ، ومهما قرأت في السير، ومهما قرأت في المعارك لن تجد مثل ذلك الموقف أبداً، إذا فكر القائد في النجاة بنفسه لا شك أن الجنود سيحبطون إحباطاً يمنعهم من أي مقاومة، أما إذا ثبت القائد وتقدم وجاهد وضحى بنفسه فهذه أعظم الدروس التربوية لجيشه ولأمته؛ ولذلك تجد أن الراية تعطى في المعارك لأفضل الناس وأقوى الناس وأشجع الناس؛ لأن الناس تبع لرايتهم وتبع لقائدهم، فإذا هرب الشجاع الذي يحمل الراية فلا شك أن غيره سيهرب وسينهزم، لذلك تجد أن أشد القتال دائماً يدور حول الراية، ليس لمجرد قتل رجل شجاع؛ ولكن لأن سقوط الراية سيؤثر معنوياً على كامل الجيش؛ فالرسول ﵊ كان يدرك ذلك تمام الإدراك، فلذلك حرص ﷺ كل الحرص على عدم التراجع خطوة واحدة، مع كل الخطورة التي قد يتعرض لها، لكن هذه هي الفرصة الأخيرة لجيشه ولأمته أن تراه ثابتاً فتثبت بثباته، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، وألف خطة في الثبات والتضحية لا تساوي موقف الرسول ﵊ يوم حنين.
هذه رسالة لكل المسئولين عن أعمال جماعية للأمة الإسلامية، ثبات القائد يعني ثبات الجنود وتضحية الرئيس تعني تضحية المرءوسين.
إذاً: هذه كانت أول نقطة عملها الرسول ﵊: ضرب القدوة من نفسه كقائد.
стр. 563
اعتماده ﷺ على الموثوق بهم من الجنود
النقطة الثانية: الاعتماد على الموثوق فيهم من الجنود، القائد كفرد لا يستطيع أن يفعل شيئاً بلا جنود، حتى لو ثبت لابد أن يكون في جنود؛ فالزعيم لا يأتي بالنصر إلا إذا كانت معه أمة، لكن يتفاوت الناس في إمكانياتهم، يتفاوت الناس في أخلاقهم، في تربيتهم، في تاريخهم، كذلك يتفاوت الناس في درجة الاعتماد عليهم، فهناك من يعتمد عليه في أمور، وهناك من يعتمد عليه في أمور أخرى، وهناك من لا يعتمد عليه أصلاً.
فالقائد المحنك والرئيس الذكي هو الذي يدرك بوضوح إمكانيات من حوله، يعرف الأعمال البسيطة السهلة التي يستطيع الجميع القيام بها، ويعرف الأعمال الصعبة التي لا يقوم بها إلا بعض الرجال، كما يعرف الأعمال شديدة الصعوبة التي لا يفلح في أدائها إلا القليل من الرجال، فكلما ازدادت حكمة القائد أدرك المستوى الدقيق لكل من حوله، وبالتالي لا يكلف أحداً من جنوده فوق ما يطيق، حتى ممكن يحقق نسبة نجاح كبيرة.
فتعالوا لننظر كيف طبق الرسول ﵊ هذا؟ لقد كان الرسول ﵊ أفضل من يميز الرجال، وأفضل من يقدر إمكانياتهم، فهو الرسول ﵊ لم يناد في هذه المعركة على (١٢.
٠٠٠) مقاتل الذين معه؛ لأن فيهم أناساً حديثو عهد بالإسلام، ويصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه ﷺ لم يناد على (١٠٠٠٠) مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أن الذي دخل الإسلام قبل الفتح له درجة عالية جداً في ميزان الإسلام، ومع ذلك لم يناد عليهم كلهم؛ لأنه يعرف أن منهم من آمنوا رهباً من الدولة الإسلامية أو رغباً في ثرواتها بعد الانتصارات المتتالية مثل: قبائل غطفان وسليم وتميم وغيرهم.
فماذا عمل ﷺ ؟ ركز النداء في أولئك الذين يثق بدينهم، ويطمئن لعقيدتهم، ويعلم تماماً أنهم وإن فروا في أول يوم حنين إلا أنهم سيعودون سريعاً إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد بمجرد التذكير؛ لأن معدنهم شديد النقاء.
فمن هؤلاء الذين وثق فيهم الرسول ﵊؟ إنهم أصحاب الشجرة، أصحاب بيعة الرضوان الذين شهدوا صلح الحديبية، الذين فتحوا خيبر بعد ذلك، الذين قال الله في حقهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
فهؤلاء بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار.
ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة -بيعة الرضوان- لعادوا فوراً إلى القتال؛ لأنهم يقيناً لم يبايعوا هذه البيعة نفاقاً ولأنه ذكر في كتابه أنه علم ما في قلوبهم، وهؤلاء نزلت عليهم السكينة قبل ذلك وهم على أبواب مكة في سنة (٦) هجرية، وكما تعلمون لم يكن معهم إلا سلاح المسافر، ونزول السكينة عليهم في هذا اللقاء في حنين سيحدث إن شاء الله بشرط أن يعودوا.
وهؤلاء وإن كانوا (١٤٠٠) فقط، إلا أن الواحد منهم بمائة والواحد منهم بألف والواحد منهم بأكثر من ألف، فهؤلاء لو ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت لثباتهم، من أجل ذلك ركز الرسول ﵊ عليهم.
أمر ﷺ العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره، لم يفر العباس ولا لحظة واحدة، أمره أن ينادي على هؤلاء المبايعين على عدم الفرار، فرفع العباس صوته ونادى بكل ما فيه من قوة: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب السمرة، يا أصحاب الشجرة هكذا.
ثم إن الرسول ﵊ خص النداء أكثر، فلم يعد ينادي على كل أصحاب الشجرة، فأمر العباس أن ينادي على الأنصار، فخص الأنصار من أصحاب الشجرة، فرفع العباس صوته ونادى: يا أنصار الله، يا أنصار رسوله ﷺ ، ثم إنه خص أكثر وأكثر فنادى على الخزرج: يا بني الخزرج، يا بني الخزرج.
ثم إنه خص أكثر وأكثر وأكثر، فنادى على بني حارثة من الخزرج وهم من خير دور الأنصار، كما قال في الحديث عن أبي أسيد الساعدي في البخاري ومسلم.
فماذا كان رد فعل أصحاب الشجرة والأنصار والخزرج وبني حارثة؟ نترك العباس ﵁ يصور لنا رد فعل هؤلاء ﵃ أجمعين.
يقول العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
يعني: عادوا مسرعين كالبقر التي تدافع عن أولاها الصغار، وقال الأنصار في لحظة واحدة وبصورة جماعية وبحماس: يا لبيك، يا لبيك، لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، فجاءوا من كل مكان في أرض الموقعة، مع كل الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم كانوا لا يرون الرسول ﵊ من شدة تزاحم الناس، وكان الرجل يجد صعوبة في العودة؛ لأن الدابة التي يركب عليها في عكس الاتجاه، لكن كان يترك الدابة وينزل ويترجل على قدميه حتى يلح
стр. 564
تذكير الصحابة بأن النصر من عند الله
الخطوة الثالثة: أنه ﷺ ذكر العائدين بما نسوه، ألم تحدث المصيبة ويحدث الفرار؛ لأنهم أعجبوا بقوتهم وعددهم ولم يذكروا نصر الله لهم؟ إذاً: فليتذكر الجميع الآن أن النصر من عند الله ، فرفع ﷺ صوته يطمئن المسلمين ويقول: انهزموا ورب محمد، انهزموا ورب الكعبة، ثم رفع يده إلى السماء وابتهل إلى الله في الدعاء وقال في إلحاح: اللهم أنزل نصرك، اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا، اللهم أنزل نصرك.
في هذه اللحظات العظيمة عولج المرض الخطير الذي أصيب به المسلمون يوم حنين، وأدركوا بما لا يدع مجالاً للشك أن الناصر الحقيقي هو الله ، واستوعبوا بكل ذرة في كيانهم قول الله : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠] وانتقلت هذه الآية في لحظات يسيرة وسريعة جداً من المفاهيم النظرية إلى الوقائع العملية.
عندما تغير واقع المسلمين بهذه الصورة أذن الله للنصر أن ينزل على المسلمين، وكما تعودنا أن ينزل النصر ينزل بصورة لا يتوقعها المسلمون، ليعلم الجميع أن النصر من عند الله .
стр. 565
وسائل تحقيق النصر للمسلمين في غزوة حنين
كانت وسائل تحقيق النصر في حنين عجيبة، كما كانت عجيبة قبل ذلك في بدر والأحزاب وخيبر ومكة وغيرها وغيرها.
لقد أنزل على المؤمنين السكينة، فقاتلوا بثبات وقوة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] ما عادوا يرون (٢٥.
٠٠٠) مقاتل قدامهم، فثبتوا في أرض القتال، وأنزل الله الرعب في قلوب الكافرين فولوا مدبرين، متنازلين بسهولة شديدة عما حققوه من نصر، وعن كل تقدم وصلوا إليه، وأنزل الله الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦].
في لحظات يسيرة يفر الجيش المشرك من الجيش المسلم، فر أكثر من (٢٥.
٠٠٠) مقاتل في عدة حسنة وفي مواقع إستراتيجية جيدة وفي حالة معنوية عالية من (١٢.
٠٠٠) مجاهد، وتفرقوا هنا وهناك، لا تسأل عن الأسباب المادية، فقط قل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠].
يقول أحد الصحابة: فما ثبتوا لنا حلب شاة يعني: مدة قصيرة جداً، انطلقوا في كل اتجاه يفرون، الرعب يملأ قلوبهم، تركوا وراءهم أموالهم وأنعامهم وأكثر نسائهم وأولادهم.
ووصف الله موقف المشركين بعد عودة المسلمين إلى ربهم بقول بليغ مختصر معجز، قال : ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢٦] من العذاب أن تأخذ قرار الفرار من العذاب أن تهرب وأنت الأكثر عدداً وعدة من العذاب أن تتنازل عن حصاد السنين من المال والأنعام في لحظة واحدة هكذا من العذاب أن تتخلى عن زوجتك وأولادك؛ لأن الرعب يملأ قلبك من العذاب أن تشعر أن كل شيء يطاردك حتى الجماد.
وهذه حقيقة فهذا عمرو بن سفيان الثقفي كان من المشركين الذين فروا في حنين والحمد لله أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، يقول: فانهزمنا، فخيل إلينا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا.
قال: فأعجرت -أي: أسرعت- على فرسي حتى دخلت الطائف.
هذا هو العذاب بعينه: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٢٦] فر الجيش المشرك في ثلاثة اتجاهات، فر جزء إلى أوطاس جانب من وادي حنين، والجزء الثاني فر إلى منطقة نخلة، والجزء الثالث والأساسي فر إلى مدينة الطائف، هرب الجميع بهذه الصورة المخزية المشينة، وهرب معهم قائدهم مالك بن عوف الذي دفعهم إلى هذه المهزلة العسكرية، واندفع المسلمون خلفهم هنا وهناك، وطردوا المشركين في كل مكان، وتوجهت سرية إلى أوطاس، وأخرى إلى نخلة، وتوجه الجيش الرئيسي بقيادة الرسول ﵊ إلى الطائف لحصار هوازن وثقيف في داخل الطائف.
وأوقف الرسول ﵊ توزيع الغنائم الهائلة التي حصلوها حتى يعود من الطائف، وجعل كل هذه الغنائم في وادي اسمه وادي الجعرانة إلى جوار حنين، وكانت هذه أكبر وأعظم غنائم تحصل في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبة؛ لأن مالك بن عوف أتى بكل صغيرة وكبيرة في قومه ليجعلها بعد ذلك في أيدي المسلمين، كما قال ﷺ (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله).
لقد بلغ السبي من النساء في هذه الموقعة (٦٠٠٠) امرأة، هذا عدد هائل، وتجاوز عدد الإبل (٢٤.
٠٠٠)، وتجاوز عدد الأغنام (٤٠.
٠٠٠)، والفضة تزيد على (٤.
٠٠٠) أوقية، يعني: حوالي (١٥٠) كيلو جرام من الفضة.
هذا نصر هائل، لم يتوقعه ولم يحلم به أحد، فمعركة حنين غريبة جداً، وعجيبة بكل المقاييس، وكان شهداء المسلمين في هذه الموقعة الضروس خمسة شهداء فقط، وقتلى المشركين (٧٠) قتيلاً، ومن يشاهد الأعداد الهائلة المشتركة في هذه الموقعة (١٢٠٠٠) مجاهد يحاربون أكثر من (٢٥.
٠٠٠) يظن أن الضحايا سيكونون بالمئات أو بالآلاف، لكن هذا الكلام لم يحصل.
أول المعركة فر المسلمون دون قتال تقريباً، وآخر المعركة فر المشركون دون قتال تقريباً كذلك، وهذه النتائج الهائلة والغنائم العظيمة جاءت دون قتال يذكر، وإنما فر وكر من المسلمين ثم كر وفر من المشركين، هكذا تغيرت الأحداث في دقائق، انقلب النصر للمشركين إلى هزيمة لهم وتحولت الهزيمة للمسلمين إلى نصر لهم، والفارق تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله يراه، فانحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات أدى إلى النصر؛ لتبقى الحقيقة واضحة في الذهن وراسخة في أعماق المسلمين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠].
لا يخفى علينا أن حنيناً تتكرر كثيراً في حياتنا، ما أكثر توكلنا على الطبيب الماهر المشهور للدرجة التي تمنعنا أحياناً من رفع الأيدي إلى الله لطلب الشفاء من الله الشافي، لا أقصد عدم التداوي، التداوي أمر نبوي، لكن الاعتماد على الطبيب ونسيان رب الطبيب هذا لا يقبل.
كثيراً ما نثق بمال الأغنياء من الب
стр. 566
سلسلة السيرة النبوية_ بين حنين والطائف
كان فتح مكة ضربة خاطفة دهش لها العرب، وسلمت القبائل المجاورة بالأمر الواقع الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وهي بطون هوازن وثقيف، حيث رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنفة تأبى أن تقابل انتصار المسلمين بالخضوع، فاجتمعت تحت قيادة مالك بن عوف النصري لمقاتلة المسلمين، فكان اللقاء في حنين، وكانت العاقبة للمتقين، والنصر حليف المؤمنين.
стр. 567
أهم الآثار المترتبة من غزوة حنين
أعوذ بالله بالسميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا في الدرس السابق عن يوم حنين العجيب جداً أنه لم يَدُرْ فيه قتال يذكر، ومع ذلك كان له من الآثار ما لا يحصى.
من أهم هذه الآثار: أن المسلمين فقهوا جيداً حقيقة النصر في الإسلام، وعلموا تمام العلم أن المسلم الذي يعد العدة دون أن يرتبط بالله أن نصره بعيد، وثباته محال.
فكان هذا الدرس من أبلغ الدروس التي تعلمها المسلمون في كل حياتهم السابقة.
стр. 568
مطاردة جيش هوازن
رأينا فرار جيش هوازن بكل بطونها أمام جيش المسلمين عندما عاد المسلمون إلى ربهم ، وعندما عادوا إلى الفقه السليم، فرت جيوش هوازن حتى واصلوا فرارهم إلى مدينة الطائف، وفر معهم زعيمهم القومي مالك بن عوف النصري.
بعد هذا الأمر أخذ الرسول ﷺ معظم الجيش وذهب لحصار مدينة الطائف، وحرب جيش هوازن، واستغلال فرصة انهزام هوازن من أجل مقابلتهم في معركة فاصلة، من أجل ذلك ترك الرسول ﷺ توزيع غنائم حنين الهائلة حتى ينتهي من قضية هوازن وثقيف، وتستقر الأوضاع.
سار الرسول ﵊ بجيشه الضخم متجهاً إلى الطائف، وسبحان الله المقارنة عجيبة جداً بين هذا المسير المهيب للطائف، وبين مسيره ﷺ إليها من إحدى عشرة سنة، أيام العهد المكي، من إحدى عشرة سنة كان ﷺ متجهاً إلى الطائف وهو في أشد حالات الحزن والضيق، وكان ماشياً على قدميه ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة ﵁، طردته مكة وأخرجته وتنكرت له، وكانت السيدة خديجة ﵂ قد ماتت، وكذلك مات عمه أبو طالب أيضاً، وليس معه في مكة إلا قليل من المؤمنين لا يتجاوزون مائة واحد من الصحابة، وكانوا مشردين في الحبشة، وكان الوضع في غاية المأساة، ولم تخفف الطائف من آلامه، بل عمقت الآلام، فرفضت الدعوة الإسلامية بتكبر، وحاربت الرسول ﷺ بشدة، واستقبلته استقبال اللئام لا استقبال الكرام، وطردوه وصاحبه زيداً ﵃، وقد أمطروهما بوابل من الحجارة والتراب والسباب، حتى ألجئوهما إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة.
وأنتم تعلمون الدعاء المشهور الذي دعا به هناك، وهو دعاء يعبر عن درجة الألم والأسى والحزن الشديدة التي وصل إليها ﷺ في ذلك الوقت.
وغادر الرسول ﷺ في ذلك اليوم الطائف وعاد متجهاً إلى مكة مهموماً على وجهه في ظروف لا يتحملها عامة البشر، ومع كون حالته النفسية قد وصلت إلى أقصى درجات الألم إلا أنه رفض تدمير هذه القرية الطائف وغيرها من القرى ممن كفر بالله ، مع أن ملك الجبال عرض عليه هذا الأمر، لكن الرسول ﷺ قال في منتهى التجرد: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً).
وسبحان الله مرت الأيام، والأيام دول، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وغير الله الأحوال، وجاء ﷺ الآن بعد إحدى عشرة سنة بما لم يتصوره أحد، لا من الطائف ولا من مكة، ولا من أهل الجزيرة بكاملها، جاء ﷺ الآن عزيزاً منتصراً ممكناً رافعاً رأسه، محاطاً بجيش مؤمن جرار يزلزل الأرض من حوله، يرفع راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أحد عشر عاماً فقط فرقت بين الموقفين.
وتحقق ما ذكره ﷺ لصاحبه زيد بن حارثة ﵁ يوم قال له بيقين بعد عودتهم المحزنة من الطائف: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه.
وجاء الفرج والمخرج على صورة أعظم بكثير من تصور الجميع، ونصر الله الدين، وأظهر النبي الكريم ﷺ .
لاشك أن رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى الطائف كانت تجول في خاطره ذكريات لا حصر لها، يخرج بجيش يقطع الصحراء باتجاه الطائف للمرة الثانية في حياته، فماذا كان يفكر به ﷺ ؟ لعله تذكر صاحبه زيد بن حارثة حبه ﵁، الآن زيد لا يسير معهم قد سبق زيد إلى الجنة ﵁ وأرضاه، استشهد في مؤتة كما ذكرنا قبل ذلك، لعله تذكر أهل الطائف وهم يرفضون دعوته جميعاً بلا استثناء في تعنت أشد من تعنت أهل مكة.
لعله تذكر عبد يا ليل بن عمرو بن عمير الثقفي -هذا الذي انتهت إليه الآن زعامة ثقيف- عندما وقف يسخر من النبي ﷺ ، ويقول: إنه يمرط -أي: يمزق- ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسله.
وعبد يا ليل فر فراراً مخزياً من أرض حنين، وذهب ليختبئ في جبن ظاهر في داخل حصون الطائف.
لعله تذكر عداس النصراني ﵁ الغلام الصغير الذي آمن، واختفى ذكره من السيرة بعد ذلك، ولا نعلم من حاله شيئاً، لكن الله يعلمه.
لعله تذكر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة صاحبي الحديقة التي لجأ إليها ﷺ عندما طردوه من الطائف، فالآن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة يرقدان في قليب بدر يعذبان مع قادة الكفر في قبورهم.
لعله تذكر وهو يمر من وادي نخلة مجموعة الجن التي آمنت به ف
стр. 569
حصار الطائف
وصل الجيش العملاق إلى الطائف، وتوقع الجميع معركة هائلة ستقع بين تجمع هوازن وثقيف في حصون الطائف في عقر دارهم وبين جيش المسلمين الضخم، وكما ذكرنا أن عدد قتلى المشركين في موقعة حنين (٧٠) رجلاً فقط، يعني: الجيش بكامله لا زال موجوداً في الطائف (٢٥٠٠٠) مقاتل أو يزيدون والجيش المسلم (١٢٠٠٠) مجاهد، فتوقع الجميع معركة هائلة، لكن رفض المشركون الخروج للحرب، فظلوا في حصونهم دون قتال، وحصون الطائف كانت شديدة المنعة، وإذا قرر أهل ثقيف وهوازن عدم الخروج فسيكون القتال صعباً للغاية.
ومع أن عددهم وعدتهم أضعاف المسلمين.
ومع أنهم يقاتلون في بلادهم التي خبروها، وهم في ظروف اعتادوا عليها، لكن ألقى الله الرهبة في قلوبهم، فما استطاعوا أن يأخذوا قرار الحرب مرة ثانية، بل اكتفوا بفضيحة حنين.
ولاشك أن في هذا خزياً كبيراً جداً وصغاراً شنيعاً؛ لأن نساء وأموال وأنعام هوازن في يد المسلمين الآن، ومع ذلك فضلوا ألا يخرجوا لاستخلاص هذه الأنعام والأموال والنساء والأولاد من أيدي المسلمين، هذا خزي كبير جداً وذل ليس بعده ذل، فالرسول ﷺ عندما رأى أهل الطائف من هوازن وثقيف يرفضون الخروج للقاء الفاصل لم يتنازل ﷺ بسهولة، بل جمع الجيش الإسلامي وقرر ضرب الحصار على حصون الطائف المنيعة، لعلهم يفقدون الأمل ويخرجون، لكن أول ما فرض الحصار بدأ أهل الطائف بإطلاق السهام والرماح على المسلمين، وكانت حصونهم عالية وكبيرة، واشتد رميهم واستشهد من المسلمين اثنا عشر رجلاً، ولم تكن سهام المسلمين تصل إلى داخل الحصون، وأصبحت المشكلة كبيرة على المسلمين، فأشار الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه أن يبتعد المسلمون عن الحصن حتى لا تصيبهم السهام، وبالفعل عسكر الرسول ﷺ في مكان بعيد عن حصون الطائف، لكن أيضاً استمر الحصار على مدينة الطائف.
стр. 570
الوسائل التي استخدمها رسول الله لإخراج المشركين من حصون الطائف
الرسول ﷺ فكر في خطة لإخراج المشركين من الحصون، فأمر سلمان الفارسي ﵁ بصناعة المنجنيق لقذف حصون الطائف بالحجارة، وأمر بصناعة دبابات خشبية لكي يختبئ تحتها الجنود ليصلوا إلى القلاع وإلى الحصون دون أن تصيبهم السهام، وبالفعل بدءوا في قذف أسوار الطائف بالمنجنيق الذي صنعه سلمان ﵁، وصار المسلمون تحت الدبابات الخشبية، وبالفعل كسروا جزءاً من السور، وكانوا على وشك الدخول داخل أسوار الطائف لولا أن أهل الطائف فاجئوا المسلمين بإلقاء الحسك الشائك المحمى بالنار، والحسك الشائك هو عبارة عن أشواك حديدية ضخمة أوقدت عليها النار حتى احمرت، فألقوها على المسلمين فصارت مأساة كبيرة، أصيب المسلمون إصابات بالغة، مما دفعت المسلمين إلى العودة من جديد إلى معسكرهم، وما قدروا أن يقتحموا حصن الطائف.
لكن الرسول ﵊ لم ييئس فقرر أن تحرق حدائق العنب المحيطة بالطائف، وكانت جنات ضخمة فيها مزروعات كثيرة، وأهم هذه المزروعات العنب.
فأخذ رسول ﷺ القرار بحرق هذه الأعناب حتى يدفع أهل الطائف أو يجبرهم على الخروج للقتال، هو لا يحرق هذه الأشجار أو هذه الأعناب بغرض التدمير أبداً، لكن بغرض إجبار أهل الطائف على الخروج للقتال.
وبدأ المسلمون بحرق كمية ضخمة من العنب، فنادت ثقيف الرسول ﷺ من وراء الأسوار وقالت: لم تقطع أموالنا إما أن تأخذها إن ظفرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم.
يعني: لو غلبتمونا تأخذونها، ولو لم تغلبونا فاتركوها لله وللرحم، فقال ﷺ : فإني أدعها لله وللرحم التي بيني وبينكم.
ذكرنا فيما مضى أن العلاقة بين ثقيف وقريش سيئة جداً، لكن كانت إحدى جدات الرسول ﷺ لأمه من ثقيف، كانت الجدة الخامسة للرسول ﵊ واسمها: هند بنت يربوع الثقفية؛ فلذلك ترك ﷺ حرق الأعناب وقطعها للرحم التي بينه ﷺ وبينهم.
ولم يفعل ﷺ كما تفعل الجيوش الكافرة العلمانية مثل: جيوش فارس والرومان والتتار واليهود، وجيوش العصور الحديثة التي تفسد في الأرض لمجرد الإفساد؛ حتى إن الله يصفهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
يعني: الإفساد عند غرض، أما المسلمون فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لغاية محددة، فلما لم تحقق وقفوا عن الحرق كما رأينا، إذاً: هذه الوسيلة لم تفلح في إخراج أهل الطائف.
الوسيلة الأولى: الضرب بالمنجنيق.
الوسيلة الثانية: حرق الأعناب.
الوسيلة الثالثة: محاولة تفكيك الصف داخل الحصون، فقد نادى ﷺ على العبيد في داخل الحصون وقال: (أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر) وكان العبيد كثيرين في المجتمع العربي القديم، وسياسة الإسلام أتت بتحرير العبيد في كل مناسبة ممكنة، فكانت هذه فرصة طيبة لتحرير بعض العبيد من صفوف المشركين، فهؤلاء العبيد في الغالب سيسلمون، وبذلك يستنقذون من ظلمات الكفر، وسيفقد أهل ثقيف طاقة هؤلاء العبيد، وسوف ينقل هؤلاء العبيد الأخبار من داخل الطائف إلى خارجها، فهناك أكثر من فائدة، فقد كان قراراً سياسياً دعوياً عسكرياً بارعاً من الرسول ﵊.
وبالفعل بدأ يخرج بعض العبيد من داخل الحصون، حتى وصل عددهم إلى ثلاثة وعشرين من العبيد، واكتشفت ثقيف الأمر وشددت الحصار على الأسوار، ومنعت خروج بقية العبيد، واستفاد المسلمون من خروج هؤلاء الثلاثة والعشرين عبداً وأهم استفادة كانت أمرين: وأعظم الأمرين: هو إضافة ثلاثة وعشرين رجلاً إلى أمة الإسلام، (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
الأمر الثاني: معرفة بعض المعلومات العسكرية الخطيرة.
فقد أخبر هؤلاء العبيد الرسول ﵊ أن الطعام والشراب الذي في داخل الطائف يكفي للمطاولة والصبر على الحصار سنة على الأقل أو عدة سنوات، فهذه معلومة في غاية الأهمية، فالحصار لن يكون يوماً أو يومين ولا شهراً ولا شهرين، بل عندهم طعام يكفي لسنة أو أكثر، والمسلمون لا يستطيعون أن يبقوا في هذا المكان؛ لأن القوات الإسلامية ليست مجرد فرقة إسلامية من الجيش الإسلامي، وليست مجرد جيش لدولة، بل القوات الإسلامية هي المجتمع المسلم بكامله، والرسول ﷺ لم يترك في المدينة المنورة التي هي عاصمة الدولة الإسلامية إلا القليل من الرجال لحراسة النساء والأطفال والديار، وهناك الكثير من القبائل التي دخلها الإسلام حديثاً، فهي تحتاج إلى متابعة مستمرة خوفاً من انقلابها إلى الكفر، والهجوم على المدينة المنورة.
وهناك الكثير من القبائل لم تسلم بعد في الجزيرة العربية، وهناك اليهود في خيبر على مقربة من المدينة، وهم على
стр. 571
استشارة الرسول ﷺ لأحد أصحابه بعد طول حصار الطائف
استشار الرسول ﵊ أحد أصحابه من أصحاب الخبرة العسكرية والرأي السديد، عندما تسمع اسم هذا الصحابي الذي استشاره الرسول ﵊ سينتابك العجب لا محالة، من هذا الذي استشاره ﷺ ؟ إنه نوفل بن معاوية الديلي ﵁ وأرضاه، هذا نوفل بن معاوية الديلي زعيم بني بكر القبيلة التي كانت متحالفة مع قريش بعد صلح الحديبية، وهو الذي قاد قومه لقتل خزاعة، والذي كان سبباً في نقض صلح الحديبية، والذي دخل الحرم المكي ليستمر في عملية قتل رجال خزاعة، والذي رد بالرد الكفري على قومه عندما قالوا له: يا نوفل إلهك إلهك، فقال: يا بني بكر! لا إله لكم اليوم، هذا هو نوفل بن معاوية الذي ارتكب كل هذه الجرائم منذ شهرين أو ثلاثة، والذي كان سبباً في خروج رسول الله ﷺ إلى فتح مكة المكرمة ثم حنين، ثم الطائف، وسبحان مقلب القلوب ومصرفها .
أسلم نوفل بن معاوية بعد هذا التاريخ الأسود مع المسلمين، أسلم وحسن إسلامه، وانضم إلى الجيش المسلم، وأصبح مستشاراً أميناً لرسول الله ﷺ .
وإن كنا نعجب من تحوله من الكفر إلى الإيمان، ومن الغدر إلى الأمانة، ومن حلفه لقريش إلى دخوله في الإسلام، إن كنا نعجب من كل ذلك فالعجب كل العجب والإبهار كل الإبهار في الدروس التي يعطيها لنا معلم البشرية وسيد الخلق محمد ﷺ !.
فنحن نرى هذا التوظيف الرائع منه ﷺ لكل الطاقات التي حوله، وهذا الاستغلال المفيد لكل من دخل في صف المؤمنين، وهذه القيادة المبهرة لكل هذه الأنواع المختلفة من البشر، وهذا الأمر لم يكن حدثاً عارضاً في حياته ﷺ ، لا، بل كان أمراً متكرراً وثابتاً في حياته كلها ﷺ ، ولعلكم تذكرون توليته عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه إمارة معركة ذات السلاسل ولم يمر على إسلامه إلا شهور قليلة، وكذلك تقريبه خالد بن الوليد في كل أموره، حتى قال خالد: فوالله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحداً من أصحابه فيما حزبه! فهذا إحساس صادق من خالد بن الوليد، مع أنه من المؤكد أن الرسول ﵊ كان كثيراً ما يستشير أصحابه الآخرين مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وغيرهم وغيرهم أكثر من استشارته لـ خالد بن الوليد، لكنه كان ﷺ يشعره دائماً بقيمته وأهميته واحتياجه لرأيه.
وكلنا يذكر توليته عتاب بن أسيد ﵁ على مكة المكرمة، ولم يكن قد أسلم إلا منذ أيام، هكذا يكون التعامل مع الرجال، وبالذات الذين يتمتعون بملكات قيادية.
والقواد إذا همشوا لا تضيع قواتهم فقط، بل قد يكونون وبالاً على الأمة.
فالرسول ﷺ بلغ قمة الحكمة في التعامل مع الناس، وقمة الحكمة في إنزال الناس منازلهم، وقمة الحكمة في احترام أرائهم واستغلال قدراتهم.
ومن هذه السياسة الحكيمة نرى نوفل بن معاوية القائد المحنك يدلي برأيه في قضية تنفع الإسلام والمسلمين، لو كان القائد غير رسول الله ﷺ فلعله كان يتتبع قواد الجيش المعادي بالقتل والإبادة والسجن والتعذيب، مثل ما نرى في كل مكان، لكن الرؤية كانت واضحة جداً عند رسول الله ﷺ ، (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، إنها سياسة نبوية ثابتة مستقرة، فماذا قال نوفل بن معاوية لرسول الله ﷺ ؟ قال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
يعني: هو يشبه أهل ثقيف بالثعالب، وهذا حقيقي ومشتهر عنهم وسط العرب، حتى قال عنهم عيينة بن حصن: إنهم قوم مناكير.
يعني: أصحاب دهاء وفطنة.
ورأينا من هذه الفطنة وهذا الدهاء في هذا الحصار الصعب، وهذه المقاومة الشرسة.
ثم إنه يؤكد أنهم لا مهرب لهم من هذه الحصون (إن أقمت عليه أخذته) غير أنه يشير إلى شيء في غاية الأهمية، يقول: إن شوكة ثقيف وهوازن قد كسرت ومعنوياتهم هبطت إلى الحضيض، لن تكون لهم قائمة بعد اليوم، فقد طارت فضيحتهم في الآفاق، لذلك قال نوفل في نظرة عميقة وتحليل دقيق: (وإن تركته لم يضرك).
يعني: لو صبرت على الحصار، فستصل إلى مرادك وستفتح الحصن، لكن تضييع الوقت في حصارهم قد يكون ضاراً بالجيش الإسلامي أكثر من ضرره بثقيف.
فهنا عقد الرسول ﷺ موازنة بين الأمرين، فوجد أن بقاءه في هذه البلاد أكثر من ذلك سيوقع الدولة الإسلامية في أضرار أكثر من الفوائد المحصلة، فأخذ الرسول عليه الصلاة وال
стр. 572
واقعية الرسول ﷺ في المواقف
يعلمنا الرسول ﵊ في هذا الموقف أموراً مهمة جداً، يعلمنا الواقعية في الحياة، ليس عيباً أن نفشل في أمر من الأمور، وليس بالضرورة أن تكون كل معاركنا وكل مشاريعنا ناجحة، لكن المهم لا نغرق في العمل دون إدراك أن الهدف غير قابل للتحقيق، وليس معنى هذا سرعة اليأس، فالرسول ﷺ بذل كل ما في الوسع، فقد استخدم كل وسيلة لفتح الحصن، ولكن لم يقدر، فقبل في واقعية أن ينسحب، وفرق كبير جداً بين المثابرة وبين تضييع الوقت، فالمثابرة على أداء عمل أمر مطلوب، لكن لابد أن تكون هناك مؤشرات للنجاح، لابد أن تكون هناك مقاييس تشير إلى أن هذا العمل ممكن التحقيق، ولابد أن تكون الخسائر أقل من الفوائد، من أجل هذا لابد من المتابعة والملاحظة والتقييم المستمر.
أما تضييع الوقت فهو الاستمرار في عمل يستحيل تحقيقه بالإمكانيات المتاحة، أو يتسبب في خسائر أكبر من الفوائد.
فالرسول ﷺ كان يريد أن يحقق الفائدة العظمى حتى وإن حصلت بعض الخسائر.
فنحن نلاحظ رد فعل الرسول ﵊ مع الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقد أذن لهم بالقتال مع علمه أن فتح الحصن صعب جداً، لكن ليعيشوا معه في واقعيته ﷺ .
ولما أيقن الصحابة بعد بصعوبة المهمة، ووافقوا على الرحيل وهم راضون، قام رسول الله ﷺ ليفك الحصار ويغادر الطائف وهو يضحك.
هذه القيادة الهادئة تبث الأمن والراحة في قلوب الجنود، لا يوجد انفعال ولا عصبية، ولا تحميل الآخرين أخطاء لم يعملوها، ولا حالة غضب، ولا حالة يأس وإحباط، ولا حزن، ولا كلمة (لو)، لو فعلنا كذا لكان كذا أو كذا، بل هدوء أعصاب، ورزانة، وثقة، وقدرة على التكيف في ظل كل الظروف.
أنا سعيد بعدم فتح الطائف، قد تستغرب الناس هذا الكلام، لكن الأمر المفرح من وجهين: الأول: لو فتحت الطائف في هذه الظروف الصعبة والقتال الشرس، والمطاردة لهوازن وثقيف، والقتال في داخل الحصون، لقتل منهم ما لا يتصور، ولفقد الإسلام قوة هؤلاء جميعاً؛ لأن هوازن وثقيف أسلموا بعد ذلك، فلو قتلوا لفقد الإسلام قوتهم، ولكان عاقبتهم النار، وهذا أسوأ ولاشك.
الثاني: أن هذا الانسحاب دون إتمام المهمة فتح لنا باباً أن نفعل المثل إن تعرضنا لنفس الموقف، لكن لو أصر الرسول ﵊ على عدم الانسحاب حتى يفتح الحصن، لكان في هذا إحراج كبير جداً للأمة الإسلامية؛ لأنه سيكون لزاماً علينا أن نفعل مثله، لكن بهذا الفعل منه ﷺ ترك الأمر لقادة المسلمين، ولرأي الشورى، إن رأى المسلمون أن الحصار يجدي صبروا كما حدث في فتح خيبر، وإن رأوا أنه أمر غير ممكن أو خسائره كبيرة انسحبوا، كما حدث في الطائف، ولهم في كلتا الحالتين أُسوة في رسول الله ﷺ .
стр. 573
من مواقفه ﷺ مع مخالفيه
هنا موقف في منتهى الرقي من مواقفه ﷺ وهو يغادر الطائف، قال له بعض الصحابة: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال في حب وفي أمل: اللهم أهد ثقيفاً وائت بهم.
روى الترمذي وأحمد وقال الترمذي: حسن صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ : (اللهم أهد ثقيفاً وائت بهم) ما غابت عنه أبداً رسالته في الحياة، فرسالته أن يصل بدعوته إلى الناس لا أن يقتلهم، ما على الرسول إلا البلاغ، حتى وإن رفض أهل الطائف الإيمان واستكبروا عنه وقاوموا وقاتلوا، فهو ما زال يرجو إسلامهم، حتى مع مرور السنين تلو السنين ما زال يرجو إسلامهم، حتى مع ذكريات الطائف في المرة الأولى، ومع واقع الطائف في المرة الثانية، ما زال ﷺ يرجو إسلامهم.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجز الناس عن النار، وهم يقتحمون فيها).
وأهل الطائف يدفعون أنفسهم دفعاً إلى النار ويقتحمون فيها، والرسول ﵊ حريص عليهم أكثر من حرصه على نفسه ﷺ .
كذلك عندما ناداه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين أبى ﷺ أن يهلك الطائف ومكة المكرمة حتى بعد أن عرض عليه ذلك ملك الجبال.
كذلك فعل ذلك أيضاً مع قبيلة دوس لما رفضوا الإسلام قال: (اللهم أهد دوساً، وائت بهم).
وفعل ذلك مع قريش بعد أن قتلت (٧٠) من خيار الصحابة في أحد، قال: (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون).
فصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ليس رحمة للمسلمين فقط، ولكن رحمة للعالمين لكل البشرية لكل الإنسانية.
стр. 574
قسمة غنائم معركة حنين بالجعرانة
رجع الرسول ﷺ ﵊ من الطائف بعد أربعين يوماً كاملة، ووصل إلى وادي الجعرانة ليبدأ في مهمة أخرى عظيمة، وهي مهمة تقسيم الغنائم المهولة على الجيش المنتصر.
نريد أن نقف وقفة سريعة مع الغنائم، الغنائم خصيصة لهذه الأمة العظيمة الأمة الإسلامية، فهي لم تكن مشروعة للأمم السابقة، روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.
وذكرها منها: وأحلت لي الغنائم)، يعني: هي نعمة من الله وحافز قوي للمجاهد، فهي عوض للمجاهد عن تركه للديار وللأعمال وللأسرة وللوطن، ولاشك أن الجيش الذي توزع عليه الغنائم يقاتل بحمية تختلف عن الجيش الذي لا يتجاوز فيه راتب الجنود دراهم معدودة.
يقول الشرع الإسلامي: إن أربعة أخماس الغنيمة توزع على أفراد الجيش المقاتل، وخمس الغنيمة المتبقية يذهب للدولة تتصرف فيه حسب المصلحة، لكن في هذا الوقت في زماننا يستكثر القادة الكبار والزعماء هذا العطاء الضخم للجنود، ويحتفظون به للدولة أو لهم، فيسلبون بذلك حق الجنود.
ولاشك أن ذلك سيكون له انعكاس كبير على قتال الجنود في المعارك، وعلى أداء الجنود في الحروب.
стр. 575
أقوال العلماء في غنائم حنين وبيان الراجح منها
فماذا عمل رسول الله ﷺ في غنائم حنين الهائلة؟ الفقهاء وكتاب السير اختلفوا فيما فعله ﷺ في غنائم حنين خاصة؛ أما المعارك السابقة بدءأً من بدر وحتى هذه اللحظة فقد اتفق الجميع على أن أربعة أخماس الغنائم توزع على الجيش وخمس للدولة، إلا أن الأمر بالنسبة لحنين كان موضع خلاف بين الفقهاء.
فمنهم من قال: إن رسول الله ﷺ وزع الغنائم بكاملها على المؤلفة قلوبهم.
والمؤلفة قلوبهم: هم الذين أسلموا حديثاً سواءً من أهل مكة الطلقاء، أو من الذين أسلموا من الأعراب قبل فتح مكة مباشرة.
ومن قال بهذا الرأي: ابن حجر العسقلاني ﵀ كما في فتح الباري.
ومنهم من قال: إن رسول الله ﷺ وزع أربعة أخماس الغنيمة على الجيش بكامله، ثم أعطى المؤلفة قلوبهم من الخمس المتبقي المملوك للدولة.
وممن قال بهذا الرأي: القرطبي، وأبو عبيد القاسم بن سلام صاحب كتاب الأموال، وابن خلدون، والقاضي عياض وغيرهم.
وأنا أميل إلى هذا الرأي الأخير؛ لأن هذا الرأي يتفق مع الشرع والعقل والنقل، وعندي أكثر من دليل على ذلك: الأول: هذه الغنائم ليست ملكاً للرسول ﵊ ليوزعها بطريقة تخالف التوزعة الشرعية، بل هذه الغنائم ملك للجيش، ولا تؤخذ منه إلا باستئذان خاص، وأيضاً هذا ما حصل.
ومن قال: إن هذا أمر خاص بالرسول ﵊ يلزمه الدليل على ذلك، وإلا يصبح من حق أي زعيم أن يقول: إن ظرفي يماثل ظرف يوم حنين، فيأخذ الغنائم كلها لينفقها حسب ما يرى.
الدليل الثاني: لو كان هناك تغيير في تقسمة الغنائم لتوقعنا أن يذكر ﷺ أن ذلك أمر خاص بهذه الواقعة، حتى لا يعتقد البعض أن ما فعله في حنين قد نسخ التقسيم السابق للغنائم، خاصة وأن هذه المعركة هي آخر موقعة حربية مع العرب، حتى موقعة تبوك التي لم يحدث فيها قتال، ولم تكن فيها غنائم.
الدليل الثالثة: ما رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وكذلك عن عمرو بن عبسة ﵁ أن الرسول ﵊ قال لأعرابي عند توزيع غنائم حنين بعد أن أمسك وبرة أو شعرة بين إصبعيه قال: (إنه ليس لي من الفيء شيء، ولا هذه) أي: ولا مقدار هذه الشعرة، (إلا الخمس، والخمس مردود فيكم) فهذا تصريح من الرسول ﵊، وقاله بعد توزيع الغنائم، ولا أدري كيف خفي هذا الحديث عمن قال: إن الرسول ﷺ وزع الغنائم بكاملها على المؤلفة قلوبهم، والحديث أيضاً رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، وأخرجه كذلك مالك والشافعي، وحسنه ابن حجر في الفتح.
فالرسول ﷺ يصرح أنه لا يملك في يوم حنين إلا الخمس فقط من الغنائم.
يبقى هذا الدليل الثالث.
الدليل الرابع: لو نظرت إلى من وزع عليهم الغنائم لأدركت أنه من المستحيل أن يكون قد قسم كل هذه الغنائم على المؤلفة قلوبهم، فعدد الذين أعطاهم الرسول ﷺ هذا العطاء السخي لا يزيدون في أي كتاب من كتب السيرة على عشرين رجلاً، ولو جمعت الأسماء من الكتب المختلفة قد تصل إلى أربعين أو خمسين رجلاً بالكثير.
إذاً: إذا كان الرسول ﵊ يعطي الناس مائة من الإبل فعطاؤه لأربعين رجلاً سيبلغ أربعة (٤٠٠٠) بعير فقط، مع أنه كان يعطي بعضهم خمسين لا مائة، فسيكون أقل من (٤٠٠٠) أو أقل من (٥٠٠٠) بعير.
فهذه (٤٠٠٠) بعير فأين ذلك من (٢٤٠٠٠) بعير هي غنائم حنين من غير الشياه فقد بلغت (٤٠٠٠٠) شاة، وغير الفضة (٤٠٠٠) أوقية من الفضة، وغير (٦٠٠٠) من السبي، ولم يرد أنه ﷺ أعطى أرقاماً كبيرة كمائة بعير أو خمسين بعيراً إلا لهذه المجموعة من المؤلفة قلوبهم فقط.
الدليل الخامس: هل كان سيرضى أفراد القبائل من الأعراب ومن قريش إعطاء زعمائهم فقط، أم أنهم لا يرضون أبداً إلا إذا أخذوا ولو شيئاً يسيراً؟ يعني: لو أنا أعطيت لزعيم قبيلة غطفان مائة من الإبل، هل سيرضى (٢٠٠٠) أو (٣٠٠٠) غطفاني دون إعطائهم؟ لاشك أن قلوب الجميع كانت تهفوا إلى الغنيمة، وكل الناس تحتاج إلى تأليف قلوبهم.
أنا أرى أن (٩٩%) من المسلمين الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية وبعد فتح خيبر يحتاجون إلى تأليف لقلوبهم، ولن يترفع منهم عن هذه الغنيمة إلا القليل، أمثال: خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، والعباس، أمثال هؤلاء الكبار وبعض الأفراد المعدودين.
أما الباقي فسيحتاج إلى تأليف، ودليل ذلك أن الرسول ﵇ عند الهزيمة أول المعركة في حنين لم ينادِ على أولئك الذين أسلموا قبل الفتح؛ لأ
стр. 576
مقدار غنائم حنين
نتحدث عن غنائم حنين بالأرقام: كانت غنائم (٢٤٠٠٠) من الإبل، و (٤٠٠٠٠) شاة، و (٤٠٠٠) أوقية من الفضة، هذا غير (٦٠٠٠) من السبي.
إذاً: أربعة أخماس الغنيمة تساوي (١٩٢٠٠) من الإبل، و (٣٢٠٠٠) شاة، و (٣٢٠٠) أوقية من الفضة، و (٤٨٠٠) من السبي، فهذه الغنائم توزع على (١٢٠٠٠).
كانوا يقيمون الجمل الواحد بعشر من الشياه، يعني: أن كل واحد من أفراد الجيش سيأخذ إما جملين، وإما عشرين من الشياه.
وجاء في بعض الكتب تقول: أن الواحد من (١٢٠٠٠) كان يأخذ أربعة جمال أو أربعين شاة، لكن عندما تحسبها ستجد أن هذا غير صحيح، وأن الصحيح أن الواحد كان يأخذ جملين أو عشرين من الشياه، إلا أن تكون عدد الغنائم أكثر من ذلك، لكن الثابت والصحيح أن عدد الغنائم مثل ما ذكرناه: (٢٤٠٠٠) من الإبل، و (٤٠٠٠) وأربعة آلاف أوقية من الفضة.
فتكون هذه التقسيمات إما جملين أو عشرين من الشياه لكل فرد.
أما تقسيم الفضة فكل واحد سيأخذ ربع أوقية من الفضة.
أما السبي فتقسم بمعرفة الزعيم أو الإمام أو رئيس الدولة، وبما أن السبي (٤٨٠٠) وعدد الجيش (١٢٠٠٠) فهناك من سيأخذ وهناك من لا يأخذ، فكان ﷺ يقرع بين الصحابة ﵃ أحياناً، وكان يعوضهم بالمال أحياناً، وكان يعطي البعض أحياناً، والبعض الآخر يعطى من الغزو اللاحق بعد ذلك.
إذاً: القاعدة التي ستحكم هو التقسيم بالتساوي بالنسبة لأربعة أخماس الغنائم، أما بالنسبة للخمس المتبقي، فهذا المال هو مال الدولة، والرسول ﵊ كقائد يوجهه في الوجه الأصلح للدولة، قد يشترى به السلاح، قد يفتدى به الأسرى، قد تكون منه الهبات لأهل البأس في الحرب، قد تعطى منه رواتب وأجور، قد يدخل في مشروعات الدولة المختلفة.
المهم أن القائد سينفقه في الوجه الأصلح للدولة، فما هو الأصلح للدولة في ذلك الوقت؟ الرسول ﷺ رجل عمل يعيش أرض الواقع، ويعلم ﷺ أن في جيشه من الرجال من يقف على شفا حفرة، فمنهم من هو متردد جداً في الإسلام.
ومنهم من دخل الإسلام رهباً من قوته، أو رغباً في أمواله.
ومنهم من كان سيداً مطاعاً في قومه ليس لأحد في العرب أو في العالم كلمة واحدة عليهم، فأصبح الآن تابعاً له ﷺ .
ومنهم من لو أمر قبيلته بالردة ومحاربة المسلمين لفعلوا ذلك، فالرسول ﷺ يعلم كل هذه الأمور ويدركها تماماً، فهو ﷺ يعلم أن هناك من لم يكن مقتنعاً تمام الاقتناع بالإسلام، ولم يكن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم، وأن نور الإسلام لم يكن قد محا تماماً ظلمات الكفر التي عاشوا فيها سنوات طويلة.
стр. 577
سبب تأليف الرسول ﷺ زعماء القبائل والمؤلفة قلوبهم بغنائم حنين
كان الرسول ﵊ يعلم أن الدولة الإسلامية تقف الآن على بركان خطير، فلو خطر على ذهن كل سيد من سادات العرب، وكل زعيم من زعماء القبائل المختلفة أن يثور وينقلب على الدولة الإسلامية، فإن هذا قد يؤدي إلى دمار شامل للدولة الجديدة؛ الدولة الجديدة لم تستقر بعد بصورة جيدة، وخاصة أن أموال وأملاك الدولة الإسلامية قد اتسعت جداً، وكثر أتباع المسلمين، وليس هناك وقت كاف لتربية كل هؤلاء المسلمين الجدد.
فماذا يعمل الرسول ﷺ ؟ عرف الرسول ﵊ أنه لن يؤمن جانبهم إلا بترضية سخية ومجزية من الدولة الإسلامية، فلو أحسوا أن حالتهم المادية استقرت، وأن أموالهم كثرت، وأن وضعهم الاجتماعي تحسن بعد انتمائهم للدولة الإسلامية، فسيحبون هذه الدولة التي حققت لهم هذا الرخاء، ويحاولون بكل طاقة أن يدعموا هذه الدولة؛ ليستمر وضعهم في التحسن، وهؤلاء أصحاب مادة من البداية إلى أن يحسن إسلامهم بعد ذلك.
نعم، الإيمان الذي يكون سببه حب المال إيمان ضعيف، لكن قد يكون هذا في البداية، ثم إذا دخل في محاضن التربية الإسلامية يبدأ الإيمان في الرسوخ تدريجياً حتى يصبح الإيمان أغلى عنده من المال.
والرسول ﵊ يعلم أن النظام القبلي المترسخ في الجزيرة العربية منذ قرون يجعل لقائد القبيلة الكلمة العليا المطلقة في قبيلته؛ من أجل ذلك أراد ﷺ أن يشتري رضا هؤلاء الزعماء واستقرار هؤلاء الزعماء بالمال.
فعلاً هؤلاء الزعماء سوف يؤثرون تأثيراً إيجابياً على أتباعهم من القبائل المختلفة، ومن ثم هو يشتري استقرار الدولة الإسلامية، لكن هناك معوق لهذا الأمر، وهذا المعوق يحتاج إلى دراسة.
فالذين بذلوا الجهد في معركة حنين، والذين كانوا سبباً مباشراً من أسباب النصر هم قدامى المهاجرين والأنصار، وهؤلاء بفضل الله ثابتون في الإسلام دون شك، لا يحتاجون لإغراء بالمال أو بغيره، وتاريخهم معروف جداً، ومواقفهم مشرفة وأياديهم بيضاء عن الإسلام والمسلمين.
وكان ﷺ من عادته أن يعطي عطاءً أكبر لأهل البلاء ولمن بذل جهداً زائداً في القتال، وعمل ذلك في أكثر من موقعة قبل حنين.
فهو لو أراد أن يكافئهم على جهدهم سيعطيهم من الخمس الذي تمتلكه الدولة، لكن الرسول ﷺ في هذا الموقف المحايد، هل يعطي زعماء القبائل الذين أسلموا حديثاً ولم يبذلوا الجهد المطلوب في حنين، ولم يعودوا إلى الصف إلا بعد رؤية الأمور تتجه لصالح المسلمين؟ هل يعطي هؤلاء ليشتري استقرار الدولة الإسلامية، أم يعطي الأنصار والمهاجرين ليكافئهم على جهدهم؟ لقد عقد الرسول ﵊ مقارنة بين الوضعين، واختار دون تردد الرأي الأول؛ لأن استقرار الدولة الإسلامية هدف تتضاءل إلى جواره الأهداف الأخرى، لو تزعزع هذا الاستقرار فسيدفع الجميع الثمن، سواء من قدامى المسلمين، أو ممن أسلموا حديثاً، الجميع سيعاني من هذا الاضطراب في استقرار الدولة الإسلامية.
ولا ننكر أن هناك ضرراً نفسياً ومادياً سيقع على الأنصار والمهاجرين، لكن الضرر الأكبر هو اضطراب الدولة الإسلامية وعدم استقرارها، ولتصديق قاعدة: دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين.
رأى الرسول ﵊ أن شراء زعماء القبائل وسادتهم بالمال مقدم على مكافأة الأنصار والمهاجرين، بل وجد ﷺ أنه لا يستطيع أن يعطي جزءاً لسادة القبائل وجزءاً للأنصار والمهاجرين؛ لأن هذا سيؤدي إلى نقص المعطى لسادة القبائل، وقد يستصغرونه أو يستحقرونه فلا يتحقق المطلوب، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: هؤلاء الزعماء قد لا يشعرون بشيء من التميز، ومن ثم قد لا يرضون تمام الرضا.
وأنا أعلم أن كلامي هذا قد لا يرضي عواطف المستمعين، لكن لاشك أنه يقنع عقول المستمعين، هذا الكلام عليه تطبيقات عملية كثيرة جداً سنراها بعد ذلك في الفتوح وعند مواجهة أحداث الفتنة، وفي مواقف كثيرة، ولاشك أن هذا هو الأفضل والأحكم؛ لأنه في الأساس اختيار نبوي أقره رب العالمين ، ولم ينزل وحي يعارض هذا القرار.
ونحن رأينا ممن عاصر هذا الموقف بعض الاستغراب وعدم الفهم، وكان ممن استغربه مؤمنون شديدو الإيمان كالأنصار ﵃ وأرضاهم، وسنأتي لقصتهم في الدرس القادم إن شاء الله.
كذلك استغربه بعض الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وليسوا من السادة، ووصل استغرابهم إلى درجة غير مقبولة، من هؤلاء أحد الأعراب جاء إلى الرسول ﵊ كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ حيث جاء هذا الرجل وقال في غلظة: (والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله فغضب ﷺ وقال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) فالرسول ﵊ لم ينسب العدل في هذه القسمة له وحده، إنما قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) وهذا
стр. 578
إعطاء الرسول ﷺ لأبي سفيان وولديه يزيد ومعاوية من غنائم حنين
تعالوا بنا ننظر ما فعله الرسول ﵊ في هذا الخمس مع زعماء مكة وقادة القبائل، مع العلم أن هذا الخمس يمثل رقماً كبيراً جداً من الغنائم، فالخمس كان (٤٨٠٠) من الإبل، و (٨٠٠٠) شاه، و (٨٠٠) أوقية من الفضة، و (١٢٠٠) من السبي.
فكان أول لقاء مع زعماء مكة وأولهم أبو سفيان زعيم مكة الأول، فقد حكم مكة ست سنوات متصلة بعد مقتل أبي جهل، منذ غزوة بدر حتى فتح مكة، وهو من أصحاب رءوس الأموال الضخمة في مكة، وهو قد حصلت له مواقف مهينة في غضون الشهرين السابقين بدءاً من زيارته للمدينة المنورة كما رأينا قبل ذلك لمحاولة إطالة مدة الحديبية، ومروراً بموقفه في الطريق من المدينة إلى مكة، وكان إيمانه في ظروف قاسية جداً على قلب أي زعيم، وكذلك عند دعوته أهل مكة إلى عدم الدفاع عنها وفتحها لرسول الله ﷺ دون قتال، وانتهاءً بنزع زعامة مكة منه، وإعطاء هذه الزعامة لأحد الأمويين، كان في مثل عمر أولاده وهو عتاب بن أسيد ﵁.
لاشك أن الرسول ﵊ كان يقدر كل هذه المعاناة التي يشعر بها أبو سفيان، كما أنه يعلم أنه لن يرضى بقليل من العطاء؛ لأنه من كبار زعماء مكة؛ من أجل هذا أعطاه الرسول ﵊ عطاء ضخماً.
جاء أبو سفيان إلى الرسول ﵊ وهو في وادي الجعرانة، وحين رأى أبو سفيان الغنائم الهائلة قال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريش مالاً.
يعني: صرت أغنى رجل فينا.
فقد كان يلمح بوجود المال الكثير، فتبسم ﷺ ولم يتكلم، فلما رأى أبو سفيان أن التلميح غير نافع، قال: أعطني يا رسول الله من هذا المال.
هكذا تصريحاً.
لا تتعجبوا؛ فهذه كميات هائلة من المال، ولعله إن لم يصرح أن توزع على غيره وعندها سيندم حيث لا ينفع الندم، فقال النبي ﷺ : يا بلال زن لـ أبي سفيان أربعين أوقية من فضة، وأعطه مائة من الإبل.
بلال الذي كان يباع ويشترى ويعذب هو الآن المقرب من زعيم الدولة، وهو الذي يعطي هذا وذاك من الزعماء السابقين، فكان أبو سفيان ينظر إلى العطايا وهو لا يصدق نفسه، فكل هذه الأغنام، وكل هذه الإبل، وكل هذه الفضة تصبح ملكه، في لحظة واحدة أصبح أبو سفيان يمتلك أربعين أوقية من الفضة.
يعني: حوالي كيلو ونصف فضة، ومائة من الإبل، وهذا رقم ضخم هائل، فدية القتيل مائة من الإبل، وهذا هو نفس الرقم الذي رصدته قريش لمن يأتي بالرسول ﵊ أو الصديق ﵁ حياً أو ميتاً عند الهجرة إلى المدينة، ومع أن هذا رقم مهول إلا أن أبا سفيان وجد نفسه يطلب المزيد قبل أن يفنى هذا المال الغزير، قال أبو سفيان: ابني يزيد يا رسول الله، فقال ﷺ : زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان: ابني معاوية يا رسول الله، وهذان كانا مسلمين من أبنائه، فقال ﷺ : زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطه مائة من الإبل، فذهل أبو سفيان وقال في صدق -واسمعوا هذا الكلام الذي سيقوله-: إنك الكريم فداك أبي وأمي، ولقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيراً.
تشعر بالصدق في كل كلمة من كلماته، ما الذي غيره من رجل يشك في نبوة الرسول ﵊ إلى رجل مؤمن مادح لرسول الله ﷺ ؟ ما الذي ثبته بعد تردد؟ ما الذي أسعده بعد حزن؟ أليست الثلاثمائة من الإبل والمائة والعشرين أوقية من الفضة، وما هذه الأموال إلى جوار هداية إنسان؟ وما هذه الأموال إلى جوار استقرار الدولة الإسلامية؟ وما هذه الأموال إلى جوار تأليف قلوب بني أمية، وما هذه الأموال إلى جوار ثبات أهل مكة على الإيمان.
صحيح أن المال حلو خضر، لكن يتصاغر جداً إلى جوار هذه المعاني، فهذه كانت نظرة الرسول ﵊، من أجل هذا كان يعطي ﷺ بلا حساب، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان يعطي وكأن المال لا ينتهي، وانتهت قصة أبي سفيان مع الرسول ﵊، وجاء غيره وغيره وغيره.
стр. 579
إعطاء الرسول ﷺ لحكيم بن حزام من غنائم حنين مع درس تربوي نبوي
جاء حكيم بن حزام ﵁ وهو أيضاً من مسلمة الفتح، ودار بينه وبين الرسول ﵊ حوار رواه البخاري ومسلم، والذي يروي الحوار هو حكيم بن حزام نفسه، يقول حكيم ﵁: (سألت رسول الله ﷺ فأعطان) يعني: أعطاه مائة من الإبل، ثم يقول حكيم: (ثم سألته فأعطاني) يعني: أعطاه مائة ثانية، (ثم سألته فأعطاني) يعني: أعطاه مائة ثالثة، فأراد الرسول ﵊ أن يعطي حكيم بن حزام درساً تربوياً في منتهى العظمة، قال له: (يا حكيم، إن هذا المال حلوة خضرة) ولم يقل: حلو خضر؛ لأن المقصود هنا الدنيا، كما في الحديث: (إن الدنيا حلوة خضرة).
ثم يقول ﷺ : (فمن أخذه بسخاوة نفس) يعني: بغير شره وبغير إلحاح، (بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس) يعني: بطمع وتشوف، (لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى).
لما سمع حكيم بن حزام الدرس دخل في قلبه مباشرة، وفقه مراد الرسول ﵊ مباشرة، وأسرع برد المائة الثانية والثالثة وأخذ الأولى فقط، ثم قال في صدق: (يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا) يعني: لا آخذ من أحد شيئاً، ولا أنقص أحداً من ماله، فكان صادقاً في قسمه هذا ﵁، ما كان يأخذ من أحد شيئاً أبداً، حتى إنه كان يرفض العطاء الذي يستحقه من أبي بكر ثم عمر بعد ذلك؛ لأنه أقسم أنه لا يأخذ من أحد شيئاً أبداً.
كان هذا درساً نبوياً عظيماً جداً، والمنهج الإسلامي العظيم كيف يبني الناس على صورة أشبه بالملائكة منها بالبشر.
стр. 580
إعطاء الرسول ﷺ لبقية زعماء القبائل من المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين
غدا ﷺ يوزع على بقية زعماء مكة، أعطى من يعتقد أن في قلبه ضغينة للإسلام وحقد على الدولة الجديد، إما لدوافع قبلية، أو أن أقارب بعضهم قتلوا على يد المسلمين، أو أنهم نزعت زعامتهم الشخصية، فأعطى سهيل بن عمرو ﵁ وهو أحد كبار زعماء مكة، والمفاوض القرشي الشهير في صلح الحديبية، والذي أسلم منذ أيام قليلة فقط في فتح مكة.
وأعطى الحارث بن هشام أخا أبي جهل وذلك ليلين قلبه، ويهون عليه مصابه في أخيه زعيم مكة سابقاً أبي جهل، وليتألف قلوب بني مخزوم.
وأعطى النضير بن الحارث أخا النضر بن الحارث شيطان قريش المعروف، والذي كان من ألد أعداء الرسول ﵊، والذي قتل في أعقاب غزوة بدر، أعطاه ليتألف قلبه، ويتألف قلوب بني عبد الدار.
وأعطى ﷺ كثيراً من زعماء مكة ليضمن استقرار الأوضاع في مكة.
بعد ذلك بدأ يعطي زعماء القبائل من الأعراب من أجل أن يضمن ولاءهم وانتماءهم للدولة الإسلامية، فقد أعطى عيينة بن حصن زعيم قبيلة بني فزارة، أعطاه مائة من الإبل، وهذا الرجل كان غليظاً جداً سيئ الخلق، اشتراه ﷺ بالمال في هذا الموقف، فسكن عن إحداث فتنة، وإن كانت أخلاقه لم تتغير كثيراً، فهذا الرجل ارتد بعد وفاة الرسول ﵊، لكنه عاد وتاب أيام أبي بكر الصديق ﵁.
وأعطى كذلك زعيم بني تميم: الأقرع بن حابس وأيضاً كان من غلاظ الطباع، وحديث الإسلام، وقبيلته بنو تميم قوية أعطاه مائة من الإبل ليتألف قلبه وقبيلته.
وكذلك أعطى العباس بن مرداس زعيم قبيلة سليم، يبدو أنه قدر قيمة العباس أقل مما قدر قيمة عيينة والأقرع فأعطاه خمسين ناقة فقط، ومع أن خمسين ناقة كثيرة جداً إلا أن ذلك لم يعجب العباس بن مرداس فطلب من الرسول ﷺ يطلب المزيد والمساواة مع عيينة والأقرع زعيمي فزارة وتميم، وقال العباس بن مرداس شعراً: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع العبيد الذي هو: الفرس حقه، يعني: يكون نصيبه أصبح هو لين بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع.
فـ حصن والد عيينة وحابس والد الأقرع ومرداس والد العباس هذا.
وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع يعني: من تضع قدره يا رسول الله اليوم لن يرفع بعد ذلك، فلما سمع رسول الله ﷺ هذه الكلمات قال: اقطعوا عني لسانه وزيدوه إلى مائة، فزادوا له في العطاء فزادوه إلى المائة.
وتعليق الرسول ﵊ يشعر أن هؤلاء ما دخلوا في الإسلام إلا رغباً في هذه الأموال أو رهباً من الدولة الإسلامية.
وبعد ذلك حسن إسلام العباس بن مرداس وصار من فضلاء الصحابة ﵁.
إذاً: نجحت سياسة إعطاء المال لتأليف القلوب بتثبيت هؤلاء المسلمين الجدد على الإسلام، وبالتالي تثبيت أركان الدولة الإسلامية.
روى مسلم عن أنس ﵁ أنه قال: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
стр. 581
إعطاء الرسول ﷺ لصفوان من غنائم حنين مع كونه مشركاً في ذلك الوقت
إن الرسول ﵊ عند توزيع غنائم حنين أعطى من غنائم حنين بعض المشركين، ومن أشهر من أعطاهم: أحد زعماء مكة الكبار صفوان بن أمية وكان مشركاً.
وصفوان هو ابن الزعيم المكي المشهور أمية بن خلف، وأمية بن خلف قتل كافراً في بدر، وصفوان من زعامات مكة الذين اشتركوا في الحروب المتتالية ضد المسلمين، وممن فر من مكة بعد الفتح صفوان بن أمية، والرسول ﵊ قبل ذلك كان قد أعطاه مدة أربعة شهور ليفكر في أمر الإسلام، ثم استأجر منه ﷺ السلاح في غزوة حنين، وخرج صفوان مع الجيش المسلم إلى حنين؛ ليحمل الأسلحة للمسلمين على جماله، وظهرت منه بعض الكلمات توضح ميلاً إلى الإسلام، لما انهزم المسلمون في أول الأمر وهربوا قال كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم، فاعترض صفوان على شماتة كلدة وقال: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني -أي: يملكني- رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وإن كان قال هذا الكلام من ناحية قبلية بحتة إلا أنه عبر عن اختفاء الضغينة الشديدة للرسول ﵊ من قلبه.
ويبدو أن الرسول ﵊ أحس منه فرصة إسلام، فأراد أن يجزل له العطاء بصورة أضخم من كل التصور.
فـ صفوان بن أمية كان واقفاً يشاهد الناس تأخذ الغنائم، ولكونه من المشركين بقي يشاهد متحسراً، فنادى الرسول ﵊ صفوان بن أمية وأعطاه مائة من الإبل، كما أعطى زعماء المسلمين من أهل مكة، وبعد أن أعطاه الإبل نظر إلى واد في حنين فيه إبل كثيرة وشياه كثيرة، فظهرت عليه علامات الانبهار من كمية الأنعام، فقال له ﷺ : أبا وهب يعجبك هذا الشأن؟ يعني: أعجبتك هذه الأغنام وهذه الإبل؟ قال صفوان في صراحة شديدة: نعم، فقال ﷺ في سهولة وكأنه يتنازل عن جمل أو جملين: هو لك وما فيه.
فذله صفوان بن أمية من هذا التصرف العجيب من الرسول ﷺ ، فلم يملك صفوان بن أمية نفسه أن قال: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
فأسلم صفوان في مكانه.
يقول صفوان بن أمية كما روى الإمام مسلم في الصحيح: (والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) ﷺ .
أي خير أصاب صفوان ﵁ وأرضاه؟ أي خير تحقق لقبيلة بني جمح عندما أسلم زعيمها؟ أي خير حقق لمكة؟ أي خير تحقق للمسلمين عندما أضيفت إليهم قوة الزعيم المكي المشهور صفوان بن أمية والذي حسن إسلامه بعد ذلك، وصار من المجاهدين في سبيل الله؟ كل هذا الخير حصل بمجموعة من الإبل والشياه، فأي قيمة لهذه الإبل والشياه؟ هذه الإبل والشياه إما تؤكل أو تموت، بل الدنيا بكاملها ستفنى، لكن الذي لا يزول هو نعيم الجنة، كم من البشر سيذوق نعيم الجنة ويخلد فيه؛ لأنه أعطي مجموعة من الإبل والشياه؟ أليس هذا فهماً راقياً من رسول الله ﷺ لحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وحقيقة الغنائم وحقيقة البشر؟! أليس هذا تقديراً صائباً من الرسول الحكيم ﷺ ؟
стр. 582
نتائج تقسيم خمس غنائم حنين على المؤلفة قلوبهم
هذه هي المقارنة التي عقدها المصطفى ﷺ الغنائم مقابل الإسلام، الدنيا مقابل الآخرة، فهو ﷺ هانت عليه الدنيا بكاملها وأعطاها دون تردد؛ لأن الدنيا عنده لا تعدل جناح بعوضة، والدنيا عنده قطرة في يم واسع، والدنيا عنده أهون من جدي أسك ميت.
هذا لم يكن كلاماً نظرياً فلسفياً، شاهده الناس جميعاً بعيونهم كان واقعاً في حياته وحياة الصحابة ﵃ وأرضاهم، وكان هذا الواقع بارزاً في أبهى صوره في قصة غنائم حنين، حيث أعطى ما لم يعط أحد من العالمين، حتى بعدما أعطى هذا العطاء لم يتبق في يده شيء لنفسه ﷺ ، لم يتبق ما يعوض به فقر السنين وتعب العمر، وقد بلغ الستين من عمره، بل تجاوز ﷺ الستين، لم يحتفظ بشيء لنفسه، بل وزع هنا وهناك على الأعراب، وعلى حديثي الإسلام، حتى إنه لم يبق معه شيء أبداً، وحاصره الأعراب الجفاة يطلبون المال والأنعام حتى اضطروه -وهو الزعيم المنتصر والقائد الأعلى والرسول الكريم ﷺ اضطروه إلى شجرة ونزعوا رداءه، فقال في أدب وفي رفق وفي لين يليق به كنبي، ويجدر به كمعلم ﷺ : (أيها الناس ردوا علي ردائي، فو الذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً)! وصدق رسول الله ﷺ ما كان بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً، كان هذا هو فقه النبي ﷺ يوم حنين، كان هذا هو قراره ﷺ بتوزيع خمس الغنائم بالكامل على المؤلفة قلوبهم، وكانت هذه هي تبعات هذا القرار ونتائجه، وكانت هذه هي الصورة في ذهن الرسول ﷺ ، لكن هل استوعب كل الصحابة هذه الصورة؟ هل فهموا جميعاً هذه الأبعاد، وأدركوا هذه النتائج؟ هل اقتنعوا بهذا القرار حيث أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط السابقين شيئاً؟ لا، ليس كل الصحابة اقتنعوا بهذا القرار، نعم هناك من أدرك هذه الأبعاد والنتائج، لكن هناك من لم يستطع أن يدرك هذه الأبعاد النبيلة في فكر الرسول ﷺ ، فكان لابد لهم من الاستفهام والتساؤل، ومن هؤلاء مثلاً: سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد أبدى الاستغراب لهذا الأمر، قال سعد: يا رسول الله، أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري.
وجعيل بن سراقة من أهل الصفة من فقراء المسلمين.
فأجاب ﷺ الإجابة التي تفسر وتوضح ما فعله، قال: أما والذي نفس محمد بيده لـ جعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض خير مما يملأ الأرض كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
﵁ وأرضاه.
هذه الكلمة تعدل عند جعيل مال الأرض كله، ليس معنى أنني أعطيت واحداً ومنعت الآخر أن الأول أفضل من الثاني، بل العكس فقيمة جعيل بن سراقة عند الرسول ﵊ أغلى من ملء الأرض من مثل عيينة والأقرع مع أن جعيلاً أقل مالاً وأقل سلطة وأقل شهرة وأقل وضعاً اجتماعياً، لكنه أعلى إيماناً وأرسخ قدماً في الإسلام.
وجعيل ﵁ وأرضاه فقه ذلك المعنى، وكانت هذه الشهادة من رسول الله ﷺ عنده أغلى ليس فقط من غنائم حنين، ولكن أغلى من كل مال الأرض.
إذاً: هذا كان استغراب بعض الصحابة مثل: سعد بن أبي وقاص من إعطاء حديثي الإسلام وترك السابقين من المهاجرين والأنصار.
لكن هناك استغراب كان أكثر أهمية وأكثر خطورة من مجموعة أخرى من المسلمين، هذه المجموعة كانت الأنصار.
ووجه الأهمية ومكمن الخطورة أن هذا الاستغراب والإنكار لم يكن فردياً في الأنصار، إنما كان جماعياً من مجموعة كبيرة من الأنصار، هذا موقف مشهور معروف وفيه دروس لا تحصى، ويحتاج إلى تحليل كبير، وإلى استخراج عبر وعظات وتعلم نهج نبوي راق جداً في إدارة الأمور، وكيف يخرج ﷺ من الأزمات الطاحنة بأفضل النتائج التي لا تخطر على بال إنسان؟ إنه فقه نبوي حكيم رباني في تربية البشر وفي قيادة العالمين.
وبما أن هذا محتاج إلى تفصيل وأشعر أن الوقت قد لا يتسع لهذا التحليل؛ لذلك سنتكلم عنه بالتفصيل وعن غيره من الأحداث إن شاء الله في الدرس القادم.
أسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 583
سلسلة السيرة النبوية_ إسلام هوازن
بعد هزيمة هوازن أمام المسلمين في حنين، وبعد تقسيم الغنائم على الجيش وما وقع بسببها من مواقف متباينة، ومعالجة الرسول ﷺ لتلك المواقف بحكمة وحنكة، بعد ذلك كله جاء وفد هوازن وأعلن إسلامه، وطالب برد السبي، فقام ﷺ بخطة رائعة في إرجاع سبي هوازن، فكانت خطة ناجحة بكل المقاييس والمعايير، وانضمت قبيلة هوازن إلى جماعة المسلمين مجاهدة في سبيل الله تعالى، وكل هذا يبين لنا أن دين الإسلام دين رحمة وهداية للناس.
стр. 584
موقف الأنصار من توزيع غنائم حنين على المؤلفة قلوبهم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تحدثنا عن توزيع غنائم حنين، وعن تقسيم أربعة أخماس الغنيمة على الجيش بكامله، ثم توزيع الخمس المتبقي على المؤلفة قلوبهم من طلقاء مكة وزعماء مكة وزعماء القبائل العربية المختلفة، وكان كما رأينا توزيعاً سخياً بلغ مائة من الإبل للبعض، وتجاوز هذا الرقم للبعض الآخر، وذكرنا علة ذلك وأن الرسول ﵊ كان يريد استقرار الدولة الإسلامية، ووازن بين مصلحة هذا الاستقرار، وبين مفسدة حرمان المجاهدين الذين بذلوا الجهد، وكانوا سبباً مباشراً في النصر يوم حنين، فوجد ﷺ بعد هذه الموازنة أن استقرار الدولة الإسلامية أثقل، ولذلك أعطى المؤلفة قلوبهم ومنع السابقين، وتفهم كثير من الصحابة هذا الموقف، لكن هذا التفهم لم يكن من الجميع، بل غضبت مجموعة من الصحابة لهذا الفعل، وشعرت هذه المجموعة أنها حرمت ما تستحقه، بينما أعطي من لا يستحق، فهذه المجموعة من الأصحاب هم الأنصار، غضب كثير من الأنصار؛ لأن الرسول ﷺ لم يعطهم من الخمس المملوك للدولة، مع أنه أعطى بسخاء مجموعة حديثة الإسلام، ما قدمت شيئاً للإسلام، وما خدمت الدولة الإسلامية خدمة تذكر.
وقبل أن تأخذوا موقفاً من الأنصار، وقبل أن توجهوا اللوم على الأنصار بأي صورة من صور اللوم، فتعالوا بنا نراجع بعض الحقائق التاريخية الهامة: أولاً: على أكتاف الأنصار قامت الدولة الإسلامية الأولى، قبل ظهور الأنصار في الصورة كان المسلمون متشتتين في الأرض، ناس في مكة وناس في الحبشة وناس في غيرها من القبائل، فجعل الله الأنصار سبباً في جمع شمل المسلمين، وفي إقامة الدولة الإسلامية، وذلك عندما استضافوا الرسول ﵊ والمسلمين في مدينتهم، المدينة المنورة.
ثانياً: أخذ الأنصار منذ الأيام الأولى لإسلامهم القرار بمواجهة الأحمر والأسود من الناس، كانوا يعرفون تماماً أن الإسلام يعني: مفارقة العرب قاطبة، يعني: قطع الحبال التي بينهم وبين اليهود، يعني: مواجهة العالم، هكذا كانوا يعرفون، وهكذا أخذوا القرار بمنتهى التشرف القوة.
ثالثاً: أن قيمة المال في عيون الأنصار قليل جداً، بل لعله منعدم، فأحياناً قد لا يرون لأنفسهم حقاً في أموالهم الشخصية، فتجدهم يعطون هذه الأموال للآخرين بطيب نفس، قل أن يوجد مثلهم في البشر، ورأينا كيف كانوا يقسمون الأموال بينهم وبين المهاجرين ﵃، بغض النظر عن الحالة المادية للأنصاري الذي ينفق، وقد ذكر ذلك في كتابه الكريم، ووصف الأنصار بصفة الإيثار، قال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، حتى الفقير من الأنصار كان ينفق في سبيل الله ويؤثر غيره على نفسه وهو محتاج.
هذه هي نفسية الأنصار بشهادة رب العالمين .
رابعاً: اشترك الأنصار في كل غزوات الرسول ﷺ ، بل كانوا الجانب الأعظم من الجيش في بدء أول مواقع المسلمين، وبدء المسلمين كانوا (٣١٣) أو (٣١٤) والأنصار كانوا يمثلون ثلثي الجيش تقريباً، (٢٣١) من الأنصار، و (٨٣) أو (٨٤) من المهاجرين، واستمر الأمر على ذلك في بقية الغزوات إلا الغزوات المتأخرة التي زاد فيها عدد المسلمين جداً، لكن في الغزوات الأولى كان معظم الجيش من الأنصار ﵃ وأرضاهم.
ولديهم من المواقف المشرفة في التاريخ ما لا يحصى، ومن أشهر المواقف موقف أحد، ففي أحد فر بعض المسلمين، وصار إحباط من بعض المسلمين، لكن الثبات كل الثبات كان في جانب الأنصار ﵃ وأرضاهم، فرأينا في غزوة أحد استشهاد شباب الأنصار حول الرسول ﷺ الواحد تلو الآخر، كانوا واقفين حوله تسعة، سبعة من الأنصار واثنين من المهاجرين: سعد، وطلحة ﵄، مات السبعة كلهم تحت أقدام الرسول ﷺ دفاعاً عنه ﷺ ، ورأينا أمثلة سعد بن الربيع وحنظلة وأنس بن النضر وعبد الله بن حرام وخيثمة وعمرو بن الجموح وغيرهم.
وشهداء أحد كانوا سبعين، وكان فيهم (٦٦) أنصارياً، يعني نسبة (٩٤%)، بذل، تضحية، جهاد في سبيل الله بالمال وبالنفس.
خامساً: أن الأنصار على خلاف
стр. 585
خوف الأنصار من ترك الرسول ﷺ للمدينة والإقامة بمكة
على الرغم من كل ما ذكرناه، وعلى الرغم من المثل الذي وضحنا به هذه الصورة، فهذا الموقف وهذه الكلمات لم تكن من عامة الأنصار، إنما كانت من بعض شباب الأنصار، ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ سأل عن الذي قال هذا الكلام وأعلن بهذا الاعتراض، فقال فقهاء الأنصار وعلماؤهم وسابقوهم: (أما ذوي رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم) يعني: أن هذا الكلام كان من بعض الشباب، لكن سعد بن عبادة ﵁ كما سيتبين في الأحداث القادمة كان موافقاً على هذا الكلام، مع أنه لم يقله، وهذا الكلام واضح في رواية الإمام أحمد ﵀: قال سعد بن عبادة ﵁ لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي) يعني: أنني أشعر بما يشعرون به وإن كنت لم أقل مثل ما قالوا.
ولا تنسوا أن الأنصار بشر وليسوا ملائكة، والبشر جبلوا على حب المال، فإذا كان هذا المال حلالاً صرفاً فما المانع من طلبه، وخاصة إذا كانوا يشعرون أنهم هم السبب في تلك الثروة، فلماذا لا يأخذون جزءاً منها.
ثم إن هناك بعداً آخر مهماً جداً وهو أن الأنصار كانوا يخشون أن يتركهم رسول الله ﷺ ويعيش في مكة المكرمة خير بقاع الأرض، وأحب بلاد الله إلى قلب الرسول ﷺ ، وفيها الآل والعشيرة، وفيها الطفولة والشباب والذكريات، وفيها أعز قبائل العرب قريش، وأهم مركز من مراكز التجارة في الجزيرة العربية، ويأتي لها الناس جميعاً طول السنة من كل مكان، وفيها من المقومات الكثيرة ما يجعل اختيارها كعاصمة جديدة للدولة الإسلامية أمراً مقبولاً جداً ومتوقعاً، فلما حدث توزيع الغنائم بهذه الصورة ثارت الشكوك في قلوب الأنصار، ولا ننسى أن الأنصار قالوا هذا الكلام قبل ذلك منذ أقل من شهرين عندما فتحت مكة، وطمأنهم ﷺ أنه سيعود معهم إلى المدينة ولن يبقى في مكة المكرمة، وقال: (المحيا محياكم، والممات مماتكم) غير أنهم خافوا أن يكون الظرف قد تغير، والأحداث الجديدة غيرت من الصورة، وأن الرسول ﵊ أصبح له رأي جديد في هذه القضية، وأنه سيعود إلى مكة المكرمة ولن يعود معهم إلى المدينة المنورة، والرسول ﵇ كان يشعر بأن الأنصار يشعرون بهذا المعنى؛ لأن في الحوار الذي دار بينهم كما سنرى أكد على أنه سيعود معهم إلى المدينة المنورة، فشعر أن الأنصار كانوا خائفين من بقاء الرسول ﷺ في مكة ويترك المدينة مع كل المشاكل التي ممكن أن تحصل في المدينة المنورة نتيجة خروج الرسول ﵊ والجيش الإسلامي الأساس من المدينة.
أيضاً ينبغي أن نذكر عظمة سعد بن عبادة ﵁ والأنصار ﵃ أجمعين، الذين كانوا صرحاء إلى أبعد درجة، وهذه الصراحة هي التي عالجت الموقف، فلو أخذ الأنصار بمثاليات غير واقعية، وأنكروا وجود مشكلة لتفاقمت هذه المشكلة، وحينها سيكون الحل والعلاج صعباً أو مستحيلاً.
стр. 586
كيفية تعامل الرسول ﷺ مع الأنصار في موقفهم من توزيع غنائم حنين
تعالوا بنا ننظر كيف تعامل رسول الله ﷺ مع بوادر هذه الأزمة الخطيرة؟ وإن سريان مثل هذا الشعور في هذه الطائفة المهمة جداً من الجيش قد يؤدي إلى كوارث مستقبلية، هذه الكوارث بكل وضوح قد تعصف بالدولة الإسلامية.
ماذا نفعل إذا كانت هناك بوادر انسلاخ مجموعة من الجنود عن الصف العام للمسلمين؟ فهيا بنا لنرى المنهج النبوي الرفيع في علاج مثل هذا الأمر، هذا العلاج يجمع بشكل فريد فعلاً بين إقناع العقل وإرضاء العاطفة: أولاً: عدم التغافل عن النار التي تحت الرماد، كان الموقف الشرعي والعقلي للرسول ﷺ في قضية الغنائم سليماً تماماً، وهو الأولى بلا جدال، بدليل أن الوحي لم ينزل بخلاف ذلك، ومع ذلك الرسول ﵊ حرص على علاج الموقف من البداية، لم يقل مثل ما يقول الكثير من الناس: ما دام أنني على الصواب لا يهمني كلام الناس، لم يقل: ما دام الله راضياً وعالماً ليس هناك داع إلى أن أسترضي الناس أو أبين لهم الأمر.
لم يقل: إن الأنصار مؤمنون شديدو الإيمان، وهذا كلام عارض لن يؤثر في مستقبل الدولة الإسلامية.
لم يقل: إن الأيام كفيلة بحل هذه القضايا، بل إنه لم يقل: أنا رسول الله ﷺ وواجب عليهم الطاعة.
لم يقل هذا الكلام ولا غيره من الكلام، بل انتقل إلى حل المشكلة بموضوعية، وأخذ الموضوع بمنتهى الجدية، ولم يؤجل الموضوع يوماً واحداً، ولا حتى ساعة واحدة، كان حاسماً تماماً في قراره، سريعاً في حل الأزمة، قال لـ سعد بن عبادة مباشرة: (فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة).
إذاً: الملمح الأول في حل المشكلة: عدم التغافل عن الأزمة وهي ما زالت في بدايتها.
ثانياً: أن الرسول ﵊ أراد أن لا ينتشر الأمر بين المسلمين، فقصر الحديث فيه مع أهل المشكلة وهم الأنصار، فهو لم يشأ أن يعلم به عامة الناس؛ لئلا يفتن بعضهم بالشبهة التي أثيرت، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي لا يأخذ الناس موقفاً سلبياً من الأنصار إذا تبين خطأ الأنصار، لكي تظل صورة الأنصار جميلة ومحفوظة عند عامة الناس، ولذلك عندما رأى الرسول ﷺ بعض المهاجرين يدخلون إلى الحظيرة التي سيتم فيها اللقاء في البداية تركهم، لكن عندما رآهم يزيدون منع دخول المهاجرين، وسمح بدخول الأنصار فقط، فهو حصر المشكلة في إطار محدود، بل إنه في رواية في البخاري ومسلم عن أنس سألهم تصريحاً قال: (أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال ﷺ : ابن أخت القوم منهم).
الشاهد أن معظم الذين حضروا أو كلهم من الأنصار.
ثالثاً: أن وسائل حل مثل هذه المشاكل الضخمة من أبلغ الوسائل، فقد حرص الرسول ﵊ على لقاء أصحاب المشكلة بنفسه ﷺ ، ليسمع منهم ويسمعوا منه دون واسطة؛ لأن الواسطة قد لا تحمل الكلمات تماماً كما قيلت، وهذا الكلام ليس طعناً في الواسطة أو تقليلاً من إمكانيات الواسطة، أبداً، لكن شعور الجنود عامة بالقرب من قائدهم يحل الكثير جداً من المشاكل التي ممكن أن تحصل.
أحياناً الحوار المباشر بين القائد والجنود يخرج بعض القضايا التي يكتمها الجنود عادة، ويفتح باب التحاور، ويناقش الفرعيات، وكل هذا الكلام يساهم في احتواء الأزمة في أولها.
رابعاً: أن الرسول ﵊ علل بوضوح وصراحة التقسيم الذي قسمه للغنائم، وذكر لهم السبب الذي من ورائه أعطى هؤلاء وترك الأنصار، قال لهم: (فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم) يعني: ليس تقديمي لهم؛ لأني أحبهم بصورة أكبر، أو لأني أقدر موقفهم البطولي، أو أداءهم المتميز، بل على العكس أنا وبكل صراحة أعلم أن قلوبهم مترددة، وأن أقدامهم ليست براسخة بعد في الإسلام، ولذلك أعطيهم.
فهذه الكلمات جاءت في منتهى الوضوح وبدون تورية حتى تحل المشكلة حلاً جذرياً.
خامساً: أن الرسول ﵊ لفت أنظار الأنصار إلى النظر أيضاً إلى النصف المملوء من الكوب، هذا هو النظر الواقعي، لو كان هناك كوب مملوء إلى النصف، فليس من الصواب أن تنظر إلى نصفه الفارغ، فتكون شديد التشاؤم، وليس من الصواب أيضاً أن تنظر إلى نصفه المملوء فتكون شديد التفاؤل بصورة غير واقعية، لكن الصواب أن تكون متوازناً وترى الأمر على حقيقته، نصف مملوء ونصف فارغ، نعم أنتم لم تأخذوا من هذا المال ومن هذه العطايا السخية، لكن ألم تأخذوا شيئاً؟! هل ألفتم النعمة فنسيتموها؟! ألم يقدم لكم رسول الله ﷺ شيئاً قبل ذلك؟! ألم ينفعكم الإسلام؟! ألم تستفيدوا من انضمامكم إلى هذا الكيان الجديد في الدولة الإسلامية؟! انظروا نظرة متوازنة حتى لا تشعروا بالغبن أو الظلم، فالرسول ﷺ لم يترك هذا الكلام عائماً دون توثيق، بل ذكر طرفاً مما حصله الأنصار من الإسلام، ولم يذكر كل النعم، ذكر بعض النعم، وكان
стр. 587
قدوم وفد هوازن مسلماً
بعد انتهاء توزيع الغنائم بكاملها ورضا كل فريق بما أخذ، سواء من الجزء الرئيسي من الغنيمة أو من الخمس الذي وهب للبعض، بعد انتهاء هذا التوزيع حدثت مفاجأة ضخمة غير متوقعة، جاء وفد من قبيلة هوازن أو بالتحديد من بطون بني نصر وبني سعد وكل بطون هوازن الأخرى باستثناء قبيلة ثقيف، جاءوا جميعاً إلى وادي الجعرانة.
لماذا جاءوا إلى هذا المكان الآن؟ هل جاءوا للتهديد والوعيد، أم جاءوا للمفاوضات مع الرسول ﵊، أم جاءوا لتحديد موعد جديد للقتال والثأر؟ لم يأتوا لهذا كله، وإنما جاءوا للإسلام، جاء وفد هوازن يعلن إسلامه بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان الوفد مكوناً من أربعة عشر نفراً، يمثلون بطون هوازن المختلفة باستثناء ثقيف كما قلنا.
وجدوا أنفسهم خسروا كل شيء، خسروا نساءهم وأبناءهم وأموالهم وأنعامهم، خسروا حاضرهم وسيخسرون أيضاً مستقبلهم إن هم بقوا على الشرك، ومثلما ذكرنا قبل ذلك أنهم كانوا قد فروا إلى الطائف مع ثقيف، وما استطاعوا الخروج لحرب المسلمين، وكان أمامهم بعد فقد كل هذه الممتلكات أن يفقدوا أيضاً ديارهم، ويعيشوا عمرهم لاجئين عند ثقيف في الطائف، كان موقفهم صعباً جداً، ففكروا لو أنهم عادوا إلى رسول الله ﷺ فقد يقبل منهم إسلامهم، وقد يعيد إليهم بعض الممتلكات، وواضح جداً أنهم لم يأتوا حباً في الإسلام، لكن معظم الذين يدخلون الإسلام لأجل شيء دنيوي يحبونه بعد فترة من الزمان تقصر أو تطول، فهم في النهاية بعد أن يعيشوا الإسلام سيشعرون بقيمته.
جلس وفد هوازن مع الرسول ﵊ وأعلنوا إسلامهم، ثم قالوا: (يا رسول الله! إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك) ثم قام خطيبهم زهير بن صرد فقال: (يا رسول الله! إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك - يعني منهم بنو سعد الذين أرضعوا الرسول ﷺ ثم أنشد شعراً كان منه: امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر) فماذا يفعل الرسول ﷺ في موقف مثل هذا؟ الموقف في غاية الحرج، ها هي القبيلة الضخمة هوازن تأتي لتعلن إسلامها، وكما ذكرنا أنهم ما أتوا حباً في الإسلام، ولكنهم جاءوا لأنهم خسروا كل شيء، ولم يعد أمامهم من سبيل إلا أن يسلموا، فيستردوا شيئاً من ممتلكاتهم، فماذا يحدث إن لم تعد لهم نساؤهم وأموالهم؟ إن ردتهم محتملة جداً، بل هي الأغلب، وهذا هو المتوقع، في نفس الوقت الرسول ﵊ قسم كل شيء في الغنائم على الجيش، أربعة أخماس الغنائم تقسمت على أفراد الجيش العام، وقسم كذلك الخمس المتبقي على سادة القبائل والزعماء وطلقاء مكة وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، فالرسول ﵊ أعطى هذه العطايا ليتألف قلوب الناس، لو أخذ منهم هذه الأشياء فقد يرتدون عن الإسلام، فماذا يعمل؟ هو يريد إسلام هوازن، وفي نفس الوقت يريد ثبات أهل مكة وزعماء القبائل، كيف الخروج من هذه الأزمة؟
стр. 588
خطوات الرسول ﷺ في استرجاع سبي هوازن من المسلمين
تعالوا لننظر إلى المنهج الإسلامي الذي رأيناه من حبيبنا ﷺ لحل مثل هذه المعضلة، فقد تحرك الرسول ﵊ في ثلاث خطوات رائعة: الخطوة الأولى: حاول أن يصل مع هوازن إلى حل في منتصف الطريق، ليس من الممكن أن يرجع لهم كل شيء، وحاول أن يصل معهم إلى أكبر تنازل ممكن، بحيث يقبلون به مع ثباتهم على الإسلام، فقال لهم ﷺ في وضوح: (أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟) حتى في رواية البخاري يقول: (أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم) يعني: أنا أخرت توزيع الغنائم لعلكم تأتون، لكنكم تأخرتم، وهو بهذا يحاول أن يلطف قلوبهم.
وهنا يتصرف الرسول ﷺ بوضوح وبتعقل وبواقعية، لا يندفع بعاطفته إلى أمر قد لا يقدر عليه، ونحن لا بد أن نلاحظ أن السبي والأموال ليست أموراً مسروقة أو منهوبة من هوازن، وإنما هي حق للمسلمين، وتطلب هوازن أن يتنازل عنها المسلمون كرماً منهم، فالرسول ﷺ خيرهم بين السبي أو المال، فماذا كان رد فعل هوازن؟ كانوا واقعيين، قالوا: (يا رسول الله! خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، فلترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا) فاختاروا السبي دون الأموال.
الخطوة الثانية: إشعار هوازن أن رسول الله ﷺ شخصياً معهم قلباً وقالباً، وأنه متعاطف معهم إلى أقصى درجة، وسوف يضحي هو شخصياً من أجلهم، وسيبذل قصارى جهده لاسترداد السبي من أفراد الجيش الإسلامي، أي: أن الرسول ﵊ وضع نفسه في خندق هوازن، وصار مدافعاً عن قضيتهم، ولا شك أن الرسول ﵊ قد ثبت أقدامهم بهذا العرض، فقد قال لهم في تجرد: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) يعني: أنا متنازل عما كان في نصيبي من السبي، وبصفتي عميد لعائلة عبد المطلب فسوف أطلب منهم رد السبي الذي أخذوه منكم، لكن في نفس الوقت أنا لا أستطيع أن أجبر بقية أفراد الجيش على رد ما معهم، لكني سأحاول.
هنا نجد ما نسميه بواقعية العطاء عند رسول الله ﷺ ، هو لم يعد إلا بما يستطيع، وكان كريماً واسع الكرم ﷺ ، تنازل عن نصيبه وأقنع بني عبد المطلب بالتنازل عن حقوقها، لكنه لم يعط ما لا يملك.
الخطوة الثالثة خطوة هائلة مذهلة، لا أعتقد أن لها مثيلاً في تاريخ الأرض: اتفق الرسول ﷺ مع هوازن على القيام بمحاولة لطيفة أمام المسلمين، يقنع فيها أفراد الجيش المسلم بإعادة السبي إلى هوازن.
هذه المحاولة من الرسول ﵊ يبذل فيها هذا الجهد من أجل قبيلة كانت تحاربه منذ شهرين فقط، بل كانت حريصة تمام الحرص على استئصاله وأصحابه، فالرسول ﷺ لقنهم ما يقولونه تماماً باللفظ، قال ﷺ : (إذا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا للناس: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم).
لاحظ العظمة النبوية، هو لم يتنازل عن حقه في السبي وحق بني عبد المطلب بينه وبينهم فقط، بل أراد أن يكون ذلك الأمر في العلن، ليقتدي به بقية المسلمين فيتنازلون عن السبي الذي ملكوه، ثم إنه يعلم وفد هوازن ألفاظاً ترقق من مشاعر المسلمين: (إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله) وهنا الرسول ﵊ سيقبل شفاعة المسلمين، وليس من المعقول أن المسلمين لن يقبلوا بشفاعة الرسول ﵊، ثم إن الرسول ﵊ يؤكد لهم على واقعية الطلب، ينصحهم ألا يطلبوا الأموال والشياة، وإنما يطلبون السبي فقط؛ لكي لا يصعبوا الأمر على المسلمين فتفشل المحاولة، وفوق كل ذلك وعد الرسول ﵊ وفد هوازن أنه سيسأل بنفسه المسلمين أنهم يرجعون السبي إلى هوازن.
ولاحظ مدى الرقي والتوازن والتعامل الحضاري من رسول الله ﷺ ، فهو مع كونه زعيم الأمة الإسلامية ورئيس الدولة والرسول المطاع ﷺ ، إلا أنه لا يريد أن يجبر المسلمين على رأي يرى أنه لا يجوز له تأميم ما لا يملك، وأن هذا حق المالكين الآن، وليس له دخل فيه، إنما سيدخل في القضية في صورة شفيع أو وسيط يريد الخير بصدق للطرفين.
هل جاء في التاريخ كله شيئاً مثل هذا؟! وعظمة الموقف لم تنته بعد، ما زال هناك فصول في القصة.
стр. 589
موقف المسلمين من طلب الرسول ﷺ منهم إرجاع سبي هوازن
لما صلى الرسول ﷺ الظهر بالمسلمين، ثم كما هو متفق عليه مع هوازن، قام وفد هوازن يخاطب المسلمين جميعاً، وكأنهم لم يجلسوا مع الرسول ﷺ قبل ذلك، وقالوا مثل ما نصحهم الرسول ﵊ تماماً، قالوا: (إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا).
فقام صلى الله عليه سلم قابلاً شفاعة المسلمين وقال: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) وكأن هذا الكلام لأول مرة يقوله، فالرسول ﵊ قام بما ينبغي عليه تجاه هوازن، وبقي أن يقوم المسلمون برد سبيهم كما فعل ﷺ وأن يقبلوا بشفاعته كما قبل هو بشفاعتهم، لكن تعالوا لنر رد فعل المسلمين، والحقيقة أن رد المسلمين كان متبايناً، فالبعض وافق والبعض رفض.
قام المهاجرون فقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، أي: نعطي رسول الله ﷺ مطلق الحرية في التصرف فيه، وبالتالي سيرد إلى هوازن سبيهم، وقام الأنصار كذلك وقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وفي ذلك دليل على أن المهاجرين والأنصار أخذوا من الغنائم، وإلا ماذا سيعيدون؟ فواضح أنهم أخذوا أربعة أخماس الغنيمة، والآن يعيدون ما أخذوه.
فهذا سبي أعيد من قسم هام من أقسام الجيش من المهاجرين والأنصار، لكن تبقى أقسام كبيرة من الجيش وخاصة الأعراب؛ لأنهم غالب الجيش، وهم في الأساس قبائل تميم وفزارة وسليم، فقام الأقرع بن حابس زعيم بني تميم وقال: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقام عيينة بن حصن زعيم بن فزارة وقال: وأما أنا وبنو فزارة فلا.
وقام العباس بن مرداس زعيم بني سليم وقال: وأما أنا وبنو سليم فلا.
هذه ثلاث مشاكل كبيرة، فقامت بنو سليم وقالت: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ .
يعني: بنو سليم رفضت كلام زعيمهم العباس بن مرداس وقالت: سنعيد السبي مع رسول الله ﷺ .
موقف هذه القبائل الثلاث يحتاج إلى وقفة وتحليل.
قبيلة تميم وفزارة رفضتا إعادة السبي إلى هوازن، بينما قبلت قبيلة سليم، فبقيت مشكلتان أمام الرسول ﵊: المشكلة الأولى: هي رفض قبيلة فزارة وتميم إعادة السبي، وهذا الموقف قد يؤثر على إسلام هوازن.
المشكلة الثانية: الخلاف الذي ظهر بين رأي العباس بن مرداس زعيم قبيلة سليم وبين أفراد القبيلة.
أما المشكلة الأولى: وهي مشكلة رفض قبيلتي فزارة وتميم إعادة السبي، فالرسول ﵊ لم ييئس من ذلك الأمر، لكن النظرة مادية بحتة عند تميم وفزارة، ولذلك دخل معهم الرسول ﷺ في مساومة مادية تجارية تناسب طبيعتهم في هذه المرحلة، فكان ﷺ واقعياً إلى أبعد درجة، لم يلمهم على أنهم لم يقبلوا شفاعته؛ لأن هذا حقهم ورفضوا أن يتنازلوا عنه، وليس هذا أمراً مباشراً منه ﷺ ، فقال لهم: (أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان يتنازل عنه من السبي ست فرائض من أول شيء نصيبه).
سبحان الله! هل وقع في التاريخ كله موقف مشابه لهذا الموقف؟! أنا والله لا أجد له مثيلاً إلا موقفه ﷺ من طلقاء مكة.
فالرسول ﵊ سيدفع لهم قيمة ما عندهم من السبي مضاعفاً ست مرات من أول سبي يحصل عليه المسلمين بعد ذلك.
والنبي ﵊ يدافع عن هوازن وكأنها أقرب الأقربين إليه ﷺ ، مع أنها لم تسلم إلا منذ ساعة من الزمان، وقبلها كانت من ألد أعدائه ﷺ ، يعني: أنه سيغرم الدولة الإسلامية ستة أضعاف قيمة السبي؛ من أجل الحفاظ على عقيدة هؤلاء القوم الجدد، فهو يتفاوض مع جيشه ليعيدوا السبي لهوازن لا يوجه لهم أمراً؛ لأنه يعلم أن ذلك حقهم.
وهو ﷺ يفهم طبيعة النفس البشرية، ويفهم حدود العدل، ويفهم أسس القيادة، ويفهم قواعد الإدارة، ويفهم طرق الحكم، ويفهم فنون التعامل مع الناس بصفة عامة، إنه بلا جدال بحر لا ساحل له، وقدوة لا مثيل لها، من المستحيل أن نحيط بعظمته ﷺ ، ولو قضينا الأعمار في تحليل السيرة النبوية.
فماذا فعلت تميم وفزارة إزاء هذا العرض المغري من رسول الله ﷺ ؟! لقد قبلت القبيلتان بالكامل إعادة السبي إلى هوازن، ونجح العرض النبوي في الخروج من الأزمة، وعاد كل السبي إلى هوازن، إلا عجوزاً كانت في يد عيينة بن حصن الفزاري رفض أن يرجعها في أول الأمر كيداً لهوازن، ثم أعادها بعد ذلك، وبذلك حلت المشكلة الأولى، وعاد جميع السبي إلى هوازن.
المشكلة الثانية: أن هناك تعارضاً بين رأي زعيم القبيلة وبين جمهور الأتباع من القبيلة.
هذا السبي حق شخصي لكل فرد، ليس حقاً عاماً للقبيلة، بمعنى أنه لو اعترض فرد أو اثنان أو أكثر من أفراد القبيلة ما جاز هـ
стр. 590
موقف الرسول ﷺ من مالك بن عوف النصري بعد إسلام قبيلته هوازن
بقي في قصة هوازن فصل عجيب جداً يحتاج إلى وقفة وتحليل واستفادة، يحتاج أن نحمله ليس فقط للمسلمين، ولكن إلى أهل الأرض جميعاً لنقول لهم: هذا هو قدوتنا ﷺ ، فأي قدوة تتبعون؟! هذا الفصل العجيب هو أنه ﷺ اكتشف أن مالك بن عوف النصري الزعيم الشاب قائد هوازن الذي جمع الجموع للحرب، والذي كان يريد أن يستأصل المسلمين، اكتشف أنه ليس مع الوفد المفاوض، وهو زعيم الناس ولم يأت معهم، ولم يسمع عنه كلمة، فسأل عنه، فقالوا له: إنه في الطائف في حصون ثقيف يخشى على نفسه من القتل، فقام ﷺ في موقف رائع لا يقل عن المواقف الرائعة السابقة فقال: (أخبروا مالكاً أنه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله) يعني: ليس أهله فقط، وإنما أهله وماله، ثم قال: (وأعطيته مائة من الإبل).
هل ترون كم هو عظيم ﷺ ؟! لقد كان الهدف الأسمى في حياة الرسول ﵊ هداية الناس لرب العالمين ، بغض النظر عن تاريخهم وعن عداوتهم السابقة له وللمسلمين، فهو ﷺ لم يغب عن ذهنه هذا الهدف, فهو حتى مع مالك بن عوف ما زال يحرص على إسلامه وهدايته.
فالرسول ﷺ قائد محنك حكيم مجرب، يقدر الأمور بحكمة، ويزن الأشخاص بميزان الذهب أو أدق، فـ مالك بن عوف النصري قوة لا يستهان بها، ولا يمكن أبداً أن تتجاهل، فهو رجل استطاع أن يجمع ويحرك أكثر من (٢٥٠٠٠) ألف مقاتل، واستطاع أن يقنعهم أن يضحوا بكل ثرواتهم من أجل قضية ما، فوجود هذا الرجل خارج الصف أمر خطير فعلاً، وخاصة أنه في ثقيف، وثقيف لم تسلم بعد، وخطر ثقيف لم ينقطع عن المسلمين، ووجود شخصية خطيرة مثل هذه في داخل حصون ثقيف أمر لا تؤمن عواقبه، ثم إن هذا الرجل استطاع تحريك الجموع الكثيرة من أجل قضية قبائلية تافهة بالقياس إلى أهداف القتال في الإسلام.
فماذا سيحصل لو انضم هذا القائد الخطير إلى صفوف الجيش المسلم؟ ماذا سيفعل لو أصبح مقاتلاً في سبيل الله بدلاً من أن يكون مقاتلاً في سبيل هوازن؟ لذلك حرص الرسول ﵊ كل الحرص على إسلامه، وحرص في نفس الوقت على حفظ كرامته، فرفع قيمته فخصه بوضع غير الناس، خصه بإعادة المال له مع الأهل، وليس فقط الأهل، ووعد بإعطائه مائة من الإبل كنوع من تأليف القلب؛ لأن الرسول ﷺ يعلم أن إسلام هوازن ضربة كبيرة جداً لـ مالك بن عوف، ومع ذلك لم يرد أن يكسر معنوياته، ولم يرد أن يذله وأن يعيره بانضمام جنوده إلى جيش المسلمين، وإنما عرض عليه عرضاً مغرياً جداً، وهو يعلم أن وضع مالك الآن أصبح صعباً للغاية، ومن ثم فتح له باب الرجوع إلى الله، والانضمام إلى دولة الإسلام.
هذه هي الحكمة، لو تريد أن تعرف ماذا تعني كلمة حكمة، فادرس سيرة الرسول ﷺ .
وصل الخبر إلى مالك في الطائف، وكما توقع الرسول ﵊ كان وضع مالك صعباً جداً شديد الصعوبة، كان يتخوف على نفسه من قبيلة ثقيف، فقد أصبح وضعهم في مأزق خطير، كتب عليهم أن يحصروا في مدينتهم، ومالك هو الذي وضعهم في هذا الموقف الصعب، فأصبح خائفاً منهم، ومالك لم يعد لديه أتباع، فقد أسلمت قبيلته، وأصبح موقفه في غاية الحرج، فجاءت دعوة الرسول ﵊ منقذة له من أزمة خطيرة، جاءت هذه الدعوة لتخرجه من موقف لا يحسد عليه، وبالفعل لم يتردد مالك بن عوف لحظة ولم يفكر كثيراً، بل أسرع من فوره إلى لقاء الرسول ﷺ وأعلن إسلامه بين يديه.
هل يوجد أحد في الدنيا كان يتوقع نتيجة مثل هذه بعد شهرين من موقعة حنين؟! أرأيتم المنهج الإسلامي في التعامل مع البشر؟! أي قائد غير الرسول ﵊ ممن لا ينهج نهجه يكون همه الأول بعد النصر البحث عن قواد عدوه، لكي يحكم عليهم بالحبس، أو بالنفي، أو بالقتل، ويضع لهم صوراً على الإنترنت، لكن الرسول ﵊ كان حريصاً على كل البشر بغض النظر عن تاريخهم أو مواقفهم السابقة، فكانت نتيجة موقفه ذلك أن أسلمت هذه الشخصية القيادية الفذة مالك بن عوف، فقوة مالك بن عوف التي تكلمنا عليها قبل ذلك، وقدرته على الحشد سيكون في صالح المسلمين.
لكن الرسول ﵊ كان يعلم أن مالك بن عوف إنما أسلم في ظروف صعبة، وقد يكون إسلامه رغبة في المال والأهل والإبل، أو رهبة من ثقيف أو من رسول الله ﷺ ، فكيف نثبت أقدامه في الإسلام؟ كيف نستفيد من طاقاته وقدراته؟ هل بمائة من الإبل أم أن هناك وسائل أخرى؟ انظروا إلى فعل النبي الحكيم ﷺ ، قام بخطوتين مبهرتين: الخطوة الأولى: أعاد مالك بن عوف إلى زعامة هوازن.
ومثل
стр. 591
سلسلة السيرة النبوية_ غزوة تبوك
غزوة تبوك اسم لامع في سماء الغزوات التي ربت المؤمنين، ومحصت الصفوف من المنافقين، وأعطت للدولة الإسلامية هيبتها، ووضعتها بحذاء قوة الروم والفرس، فرغم الأزمة الاقتصادية التي كان يعيشها المسلمون، واشتداد الحر، وقرب موسم جني الثمار، إضافة إلى بعد المسافة، أعلن ﷺ الجهاد وتجهيز الجيش؛ ليضع أهل الإيمان أياديهم البيضاء في يد الرسول ﷺ لينطلق الجيش مخلفاً آثار فضائح المنافقين وصفات المتخلفين عن الجهاد، مظهراً طبقة عمالقة الإيمان الذين قادوا الأمة بعد نبيها، وعلى أكتافهم حمل الدين، وبسعيهم وبفضل جهودهم انتشر الإسلام.
стр. 592
تحليل للأوضاع السياسية بعد فتح مكة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الخامس عشر من دروس السيرة النبوة: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
بعد فتح مكة وانتصار حنين دانت قبائل عربية كثيرة في الجزيرة العربية للمسلمين، ومن أشهر هذه القبائل هوازن، وأصبحت الجزيرة العربية أشبه بدولة إسلامية، لها وضعها وكيانها وهيبتها، ليس فقط في الجزيرة العربية، ولكن حول الجزيرة العربية أيضاً.
لا شك أن ذلك لفت أنظار الدول المحيطة بالدولة الإسلامية الجديدة، ومن أهم هذه الدول: الدولة الرومانية العظمى التي تقبع في شمال الجزيرة العربية في الشام وما فوقها، وبالنظر إلى الوضع في نظر الرومان يظهر لنا التحليل الآتي، مع العلم أن الرومان يراقبون الأحداث المتطورة في الدولة الإسلامية الجديدة.
الأمر الأول: الدولة الإسلامية تتنامى قواتها بشكل لافت للنظر، فقد تحولت من حركة مضطهدة في مكة المكرمة إلى دويلة صغيرة في المدينة المنورة، ثم إلى دولة عظمى تأخذ مساحة ضخمة في الجزيرة العربية بكاملها، وأنتم تعرفون أن اليمن وعمان والبحرين كانت في نطاق الدولة الإسلامية؛ لذا فالدولة الرومانية ستحصر شرقاً بالدولة الفارسية، وجنوباً بالدولة الإسلامية الجديدة، وهذا الشيء خطير بالنسبة للدولة الرومانية.
الأمر الثاني: الرومان يعرفون القوة الذاتية العظيمة في داخل الدولة الإسلامية؛ لأنهم يعرفون أن هذه الدولة تتبع نبياً، ويدينون بدين سماوي صحيح غير محرف، وهرقل أدرك ذلك بوضوح في حواره مع أبي سفيان قبل فتح مكة، ولو ترك لهذا الدين العنان فسوف يملك ما تحت أقدام هرقل نفسه، كما قال ذلك في الحوار مع أبي سفيان.
كما أن هذا الكلام يفسر لنا رعب الدول الكبرى في العالم الآن وفي كل زمن من أي حركة إسلامية تنمو وإن كانت ضعيفة في بدايتها؛ لأنهم يعرفون أن عندهم القابلية لا لحكم بلاد فقط، ولكن لحكم العالم أجمع، وهذا كان نص كلام هرقل زعيم الدولة الرومانية.
إذاً: كان الرومان يعرفون أن الدين الإسلامي فيه ذاتية تجعل العرب أقوياء، وتجعل كل من اتبع هذا الدين قوياً للدرجة التي يستطيع بها أن يبتلع قوى ضخمة عالمياً مثل الدولة الرومانية أو الدولة الفارسية أو غيرها.
الأمر الثالث: أن الحدود الرومانية المتاخمة للجزيرة العربية هي: الشام من الشمال، ومصر من الغرب، ولو ترك لهذه الدولة الإسلامية أن تقوى من نفسها، فإنه لا يستبعد أبداً أن تَضُم إليها هاتين المستعمرتين، واعلم أن مصر والشام في ذلك الوقت كانتا تتبعان الرومان، وهذا يعد خسارة كبيرة للرومان، خاصة أن مصر والشام في ذلك الوقت كان فيهما من الخيرات ما لا يعد ولا يحصى، بل كانت تسمى في ذلك الوقت بمخازن الغلال للدولة الرومانية.
الأمر الرابع: منطقة الشام ملأى بعملاء الدولة الرومانية خاصة من نصارى الشام، ولو تركوهم للمسلمين فليس من المستبعد أبداً أن يسلموا، لا سيما أنهم أهل كتاب، فـ هرقل نفسه كان يفكر في الإسلام؛ لولا أن بطانة السوء منعته من ذلك، فهؤلاء النصارى في الشام كان من الممكن أن يسلموا -وهذا ما حدث بعد ذلك بالفعل- ومن المؤكد أن هذه خسارة ضخمة أخرى للدولة الرومانية.
الأمر الخامس: ذكريات مؤتة، فمؤتة لم يمض عليها إلا سنة تقريباً.
وثبات ثلاثة آلاف مقاتل وانتصارهم على مائتي ألف رومي وعربي في هذه الموقعة الشرسة أمر يستحق النظر، ولابد أن يؤخذ بالاعتبار.
الأمر السادس: كان من الواضح أن الرسول عليه والسلام جاد في التعامل مع الإمبراطوريات والممالك المحيطة بالدولة الإسلامية، فقد أرسل رسالة دعوة بالإسلام إلى هرقل عظيم الروم، ولم يتردد في مراسلته ودعوته إلى ترك دينه ودين آبائه لاعتناق الدين الإسلامي، والرسالة وإن كانت في لهجتها لطيفة، وأعطت هرقل وضعاً ومكاناً، إلا أنه لا يخفى على أحد التهديد غير المباشر الذي كان فيها، حين قال ﷺ : (فإن عليك إثم الأريسيين) أي: الأتباع من الفلاحين، فلا يستبعد أبداً أن يسعى الدين الجديد لاكتساب الأتباع الرومانيين المقهورين على طاعة واتباع هرقل وحاشية هرقل.
الأمر السابع: أن من طبيعة أهل الأديان الأخرى: أنهم لا يرضون عن دين الإسلام أبداً، كما قال رب العالمين : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، يعني: بعد أن تبين لهم الحق الذي في الإسلام فهم بين أمرين: إما أن يكيدوا للإسلام، وإما أن يدخلوا فيه.
فالدولة الرومانية بدون أي مصالح ولا أسباب لن ترضى عن الدولة الإسلامية إلا في حالة واحدة، وذلك عندما تترك الدولة ا
стр. 593
مرجح خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى تبوك
تجمعت هذه الجيوش في منطقة البلقاء -وهي الأردن الآن- يريدون دولة الإسلام.
كل السيناريو الذي نتكلم عليه الآن، وكل التفكير الذي كان في ذهن الرومانيين وغيرهم كان يتوقعه الرسول ﷺ ، وكان يخبر به أصحابه رضوان الله عليهم، وكان يعد العدة لذلك، ودليل ذلك: أن الرسول ﷺ عندما آلى من نسائه جاء أحد الصحابة وطرق الباب بشدة على عمر بن الخطاب فخرج وهو مفزوع، قال: أجاءت غسان؟! فكان عمر بن الخطاب يتوقع قدوم غسان لغزو المدينة المنورة، وهذا أمر ممكن وقريب الحدوث، ولا شك أن الرسول عليه والسلام كان يجهز الناس لهذا الاحتمال، من أجل ذلك كان أصحاب المدينة المنورة يتوقعون حرباً قوية مع الدولة الرومانية في الفترة القادمة.
ومن أجل ذلك أيضاً كانت العيون الإسلامية تراقب بدقة منطقة شمال الجزيرة العربية، ومنطقة الأردن والشام، وبمجرد أن حدث هذا التجمع على بعد مئات الكيلو مترات من المدينة المنورة عرفه ﷺ ، وبدأ يأخذ القرار في ضوء هذه المعرفة المبكرة.
كان عنده اختيار من اثنين: إما أنه ينتظر الرومان في المدينة المنورة، وإما أن يذهب إليهم في شمال الجزيرة العربية، وانتظار الرومان في المدينة المنورة كان أسهل على المسلمين؛ لأنهم لو انتظروهم ما كانوا ليقطعوا تلك المسافة الضخمة في الصحراء، مع ما تتطلبه من تجهيز المؤن والزاد الذي يكفي مسافة مئات الكيلو مترات، ومن المحتمل أن يهلك الجيش الروماني في الصحراء؛ لأنه غير معتاد على قتال الصحراء؛ فهو يعيش طوال عمره في أماكن خضراء في أوروبا والشام، وفي غيرها من المناطق الباردة، ولم يعايش من قبل أي نوع من التجارب في داخل الصحراء، ومع ذلك قرر الرسول ﷺ أن يخرج بجيشه من المدينة المنورة إلى الشام لأمور: أولاً: ليأخذ عنصر المبادأة، فيختار بنفسه مكان وزمان الحرب، بدل أن تفرض عليه.
ثانياً: حتى يكون عنده خط دفاع بعد ذلك، فلو أنه غزي في المدنية المنورة فإلى أين يذهب؟ فعقر دار المسلمين المدينة المنورة، ولو سقطت المدينة المنورة سقط الإسلام في الجزيرة العربية، وكلنا يعلم أن معظم العرب لم يدخلوا الإسلام إلا منذ قليل.
ثالثاً: ليظهر عزة الإسلام وقوته، وعدم جبنه أو رهبته من القتال، وهذا الثبات والإقدام له أثر ضخم كبير على نفوس الأعداء، سواء كانوا من الرومان أو الفرس أو غيرهم، عندما يجدون الجيوش الإسلامية لا تهاب الموت، وتأتي إلى بلادهم لتحاربهم في ظروف صعبة؛ فإن هذا -ولاشك- يلقي الرهبة في قلوبهم من المسلمين، والرسول ﵊ نصر بالرعب مسيرة شهر ﷺ .
رابعاً: أن الرسول ﷺ له شعب في شمال الجزيرة العربية، والرسول ﵊ كزعيم مسئول لا يترك شعبه هكذا دون حماية، ومعلوم أن شمال الجزيرة العربية بعد غزوة مؤتة كان قد دخله الإسلام، وجاءت القبائل تبايع على الإسلام لرسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ لا يريد أن يترك الشعب هكذا بدون حماية، لا يفعل مثلما يفعل كثير من الزعماء بتأمين حدود العاصمة فقط، وترك الشعب بعد ذلك يعاني ويلات العدو، ثم الفرار بعد ذلك من العاصمة إذا ما حوصرت، بل خرج ﷺ بنفسه على رأس أعظم جيوشه فيه أقرب خاصته ليلقى أعتى قوة في العالم في ذلك الوقت؛ ليحفظ دماء شعبه ﷺ ، ولو كانوا فقراء بسطاء يعيشون في أطراف الصحراء.
стр. 594
مظاهر العسر في غزوة تبوك
إن قرار الخروج إلى تبوك لم يكن سهلاً، بل كان عسيراً بمعنى الكلمة، ولم نأت بهذا اللفظ من عند أنفسنا، بل هذا كلام رب العالمين لما قال: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧]، يصف هذه الموقعة بأنها العسرة، لماذا؟ لأكثر من أمر: أولاً: أن المدينة المنورة في ذلك الوقت كانت تعيش ضائقة اقتصادية، ولم تجن الثمار منذ فترة، وهذا الوقت الذي سيخرج فيه الجيش يعتبر موسم جني الثمار، ولو انتظر الجيش قليلاً لأمكن أن يكون هناك فرصة لإصلاح الأزمة الاقتصادية، ومع ذلك لو انتظرنا فمن المحتمل أن تهجم جيوش الرومان على الدولة الإسلامية، فلا ينبغي الانتظار.
إذاً: عندي مشاكل اقتصادية، ولا أستطيع الانتظار لإصلاح هذه المشاكل الاقتصادية مع احتمال الإصلاح إن انتظرنا، ولكن المشاكل ستكون أكبر مع الدولة الرومانية.
ثانياً: الحر الشديد.
فهذه الغزوة تمت في آخر شهور الصيف، وتخيلوا وضع جيش يخترق الصحراء القاحلة في هذا الجو الشديد الحرارة في الجزيرة العربية، إن الواحد منا يذهب إلى العمرة أو الحج في داخل المدينة، وتكون أموره ميسرة إلى حد كبير، ومع ذلك فإن الحر لا يُحتمل، فما بالك باختراق الصحراء على الجمال أو سيراً على الأقدام؟! كانت المسافة من المدينة المنورة إلى تبوك (٧٠٠) كيلو متر، هذا بالقياسات الحديثة في الطرق المستقيمة، أما طرق الصحراء فمن المؤكد أنها كانت أطول من ذلك، طرق ملتفة وملتوية وصعبة.
ثالثاً: بعد هذه المسافة الطويلة أنا لن أقابل قبيلة من القبائل، أو فرقة من فرق جيش ضعيف، لا، بل كان الخروج لمحاربة جيش أكبر دولة في العالم في ذلك الوقت، جيش الدولة الرومانية العظمى، وهذا العدو ما كان العرب يتخيلون حتى لقاءه، فهي دولة ضخمة، ولها تاريخ طويل في الحروب.
في هذا الجو الصعب، وفي هذه الظروف الاقتصادية، مع وجود العدو القوي، في كل هذه الظروف يطلب من المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله، كان فعلاً امتحاناً عسيراً، ولماذا يعسر الله الامتحان على المسلمين إلى هذه الدرجة؟ لسبب هام جداً، وهو تمييز المؤمن من المنافق.
والدعوة الإسلامية في ذلك الوقت وصلت من القوة إلى درجة لم يتخيلها أحد قبل ذلك، فقد كثر أتباعها، واتسعت مساحة الرقعة التي تحكمها، وكثرت الأموال، وأصبحت دولة ذات هيبة وسيادة وتمكين في الجزيرة العربية، كل ذلك جعل الكثير من العرب يسارعون إلى الدخول في الدولة الإسلامية وليسوا منها، يعني: يبطنون الكفر، أو الكراهية للدولة الإسلامية، ولكن يظهرون الإسلام، وهذا ما نسميه: بالنفاق، وكلما زاد تمكين الدولة صعب الله الامتحان على المسلمين لإظهار المنافقين، أما الدولة الضعيفة فلا ينافق فيها إلا القليل، لكن الدولة الإسلامية الآن وصلت إلى قمة المجد -حتى هذه اللحظة- في السيرة النبوية، وعدد المسلمين سيصل إلى ثلاثين ألفاً أو أكثر في داخل المدينة المنورة، وهذا عدد هائل بالنسبة للعرب، من أجل ذلك اختلط الحابل بالنابل، واختلط الصادق بالكاذب، والمؤمن بالمنافق، فكان لابد من تمييز، فليكن الامتحان في قوة صعوبته؛ لكيلا ينجح فيه إلا الصادق حقيقة.
стр. 595
أهداف النبي ﷺ من الخروج إلى تبوك
كيف كانت الدعوة إلى مثل هذا الامتحان الصعب من الخروج إلى القتال في سبيل الله في تبوك في هذه الظروف الصعبة؟ كان الرسول ﵊ يريد تحقيق هدفين رئيسين من هذا الامتحان: الهدف الأول: أن المؤمنين الصادقين ينجحون في الامتحان، فهو لا يريد لهم الفشل في هذا الامتحان الصعب، نعم هو امتحان صعب، لكن في نفس الوقت كان عنده أمل كبير أن ينجح أكبر عدد من المؤمنين.
الهدف الثاني: أن يكشف أوراق المنافقين في داخل المدينة ويعرفهم جميعاً.
وإن كان الرسول ﵊ يستطيع معرفة المنافقين عن طريق الوحي، لكن لابد أن يتعلم المسلمون الطريقة التي يستطيعون بها اكتشاف المنافقين في داخل الصف؛ لأنه بعد وفاة الرسول ﵊ لن يكون هناك وحي.
فماذا صنع النبي ﵊ لتحقيق هاتين الغايتين؟ قرر ﷺ القيام بعمل يحقق المصلحتين سوياً، وهو فتح باب الجهاد علنياً، ودعوة الجميع للجهاد في سبيل الله بالمال والنفس على العلن، فكانت دعوة عامة لكل من يستطيع أن يجاهد بماله لتجهيز الجيش الضخم الذي يخرج في تبوك، وهذا حدث غير متكرر في السيرة النبوية؛ لأن هذه الفترة تميزت بوجود عدد كبير من المنافقين في الدولة الإسلامية على خلاف الفترات السابقة.
وحدث ما توقعه ﷺ وتمايز الصف تمايزاً واضحاً، وهذا ما يحدث دائماً عند الأزمات الخطيرة التي تمر بالأمة، فعندما يرى المؤمن إخوانه المؤمنين بدءوا بالدفاع سيدفع معهم، ومن ثم يحاول أنه ينجح في الامتحان، وربما يوفق وينجح إن شاء الله، والمنافق لا يستطيع المشاركة علناً مع الناس؛ لأنه منافق وضعيف وإيمانه مهزوز فيعلن صراحة أنه لا يستطيع أن يجاهد في الصف، وبذلك يتمايز الصف.
стр. 596
طبقات عمالقة الإيمان
المسلمون عادة يتكون صفهم من خمس طبقات، هذه الطبقات الخمس تكون متداخلة في أيام الراحة والرخاء، أو في غياب الأزمات، ثم إذا ما حدثت أزمة كبيرة يتمايز الصف وتتميز بداخله الطبقات الخمس بوضوح، وهذا الأمر ليس خاصاً بتبوك، بل هو خاص بكل مراحل التاريخ الإسلامي، وخاص بواقعنا الذي نعيش فيه، وسيظل معنا إلى يوم القيامة، أي مجتمع مسلم في التاريخ كله، خاصة إذا كانت هناك دولة ممكنة فيها خمس طبقات، فما هي هذه الخمس الطبقات؟ الطبقة الأولى: طبقة عمالقة الإيمان، وهي طبقة في غاية الأهمية، الرجل منهم بألف أو يزيد، وعلى أكتاف هؤلاء تقام الأمم، هؤلاء هم الذين يحركون الخير في قلوب العوام، ويقودون حركات التغيير إلى الأصلح والأنفع، ويضحون بأموالهم وأوقاتهم وجهدهم -بل وبأرواحهم- لنفع الآخرين ولنفع الأمة الإسلامية؛ فقد خلصت نفوسهم من حظ نفوسهم فعاشوا لله بكل ذرة في كيانهم، هؤلاء هم الصفوة الحقيقية في المجتمع، ليست الصفوة في أصحاب المال ولا السلطة ولا الجاه ولا الشهرة، الصفوة هم: دعاة الخير ومصلحوا الأمم.
كانت هذه الطبقة العظيمة -طبقة عمالقة الإيمان- في يوم تبوك، ووجد منهم عدد كبير من أصحاب الرسول ﷺ ، كان على رأس هؤلاء في ذلك اليوم: عثمان بن عفان، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة، هؤلاء الذين حملوا على أكتافهم هموم الأمة بكاملها، تعالوا لنرى ماذا فعل هؤلاء لكي ندخلهم في طائفة عمالقة الإيمان؟
стр. 597
عثمان بن عفان أنموذجاً
أما عثمان ﵁ وأرضاه فكان هذا اليوم يومه؛ ما إن فتح الرسول ﵊ باب الجهاد بالمال حتى كان أسرع وأسبق الناس إلى الدخول فيه ﵁، قام في تجرد واضح، وفي تضحية عميقة يقول: علي مائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها.
يعني: بكامل عدتها.
وكنا قد ذكرنا في الدروس الماضية نماذج ممن كان يطلب مائة من الإبل ليثبت على الإسلام، والآن نتكلم على شخص يدفع مائة من الإبل في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة، هذا هو مقياس الدنيا في عين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، في لحظة يدفع بمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله.
فـ عثمان ليس مكلفاً بدفع كل هذا في إعداد الجيش الإسلامي، لكنه يشعر أن القضية فعلاً قضيته، والهم همه، لا يضيره في ذلك أن قعد آخرون، المهم عنده أن يعمل لله ، لم ينتظر أن يسبقه أحد أو أن يشجعه أحد، ليست النائحة كالمستأجرة، فهو يعيش القضية، فلما رأى الرسول ﵊ عثمان بن عفان يدفع مائة من الإبل سر سروراً عظيماً ﷺ حتى ظهر ذلك على وجهه، وانبسطت أساريره ﷺ ، ثم فتح باب الجهاد من جديد.
فيقوم آخر ليبذل من ماله فيحدث العجب، لقد قام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه مرة ثانية يزايد على نفسه هو، فقد دفع في الأولى، وكذلك يدفع في الثانية، لا ينتظر أحداً من المسلمين ليساعده في عملية الإنفاق على جيش العسرة ﵁ وأرضاه، قام وقال: علي مائة أخرى من الإبل بأحلاسها وأقتابها! تفشل كثير من الأمم في الخروج من أزماتها لافتقادها إلى رجل مثل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.
ويرقب الرسول ﵊ ذلك بسعادة لا تخفى على أحد، إلى الدرجة التي قال فيها كلمة عجيبة جداً، قال ﷺ : (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، أي: أن الحسنات التي حصلها عثمان ﵁ وأرضاه في هذا اليوم لا تضر معها معصية أبداً، وهذا الكلام ليس استنتاجاً، بل هو نص كلام الرسول ﵊، فقد ينجو الإنسان طيلة حياته بموقف واحد وقفه لله .
(ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) ليست هناك سيئة إن فعل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أي سيئة بعد ذلك، لن يكون هناك تأثير على ميزانه يوم القيامة.
وليست هذه دعوة لفعل السيئات، فالرسول ﵊ يقول الكلمة وهو يعرف في حق من يقولها، يقولها في حق عثمان بن عفان ذي النورين ﵁ وأرضاه.
وعثمان بن عفان بعد أن سمع هذه الكلمة العجيبة التي علق بها ﷺ على فعله العظيم لم يكتف بهذا العطاء، بل قام للمرة الثالثة في بساطة وهو يقول: علي مائة ثالثة من الإبل بأحلاسها وأقتابها، ماذا نرى؟! إنه إنفاق غير طبيعي، لا يرى للدنيا أي حجم في عينه ﵁ وأرضاه.
والرسول ﷺ يسمع هذا الكلام ويقول: (اللهم اغفر لـ عثمان ما أقبل وما أدبر، وما أخفى وما أعلن، وما أسر وما جهر)، بل إن البعض يصل بنفقة عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه في ذلك اليوم إلى تسعمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها! ولم يكن عطاؤه من الإبل فقط ﵁، بل عاد إلى بيته وأتى بألف من الدنانير نثرها في حجر الرسول ﷺ حتى رفع الرسول ﵊ يده إلى السماء وقال: (اللهم ارض عن عثمان؛ فإني عنه راض).
سبحان الله! ماذا يساوي هذا؟! إن مال الدنيا بأكمله لا يساوي هذا الدعاء العظيم من الحبيب ﷺ .
لم تكن عظمة عثمان ﵁ وأرضاه فقط في أنه أنفق أو أعطى، لكن العظمة الحقيقية في أنه سبق، لم ينتظر تشجيعاً من أحد، بل هو الذي شجع الآخرين، لم يقل: كل الناس لم يتحركوا، بل هو الذي تقدم وسبق؛ من أجل أن يقلده الناس بعد ذلك.
هذا بيت القصيد في بناء الأمم؛ أن يحمل أناس الهم على أكتافهم ويتحركوا به حتى وإن قعدت الأمة بأكملها، كل من أعطى بعد عثمان بن عفان ﵁ تقليداً لفعله واتباعاً لهديه هو في ميزان حسنات عثمان بن عفان، وهذا أمر يعجز عن حسابه العقل.
روى مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء).
لماذا يعمل عثمان بن عفان هذا كله وينفق تسعمائة بعير، ويأتي بألف دينار، ويتحمل كل هذه المسئولية وحده ﵁ وأرضاه؟ إن قلبه وعينيه على الجنة: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)، يشتري الجنة
стр. 598
أبو بكر أنموذجاً
كان من عمالقة الإيمان أيضاً في ذلك اليوم: أبو بكر الصديق ﵁، وهو من عمالقة الإيمان من أول يوم آمن فيه إلى آخر يوم في حياته ﵁ وأرضاه؛ أتى بأربعة آلاف درهم، لكن قد يقول قائل: هذا المبلغ يعتبر بسيطاً بالنسبة لعدد الإبل التي قدمها عثمان بن عفان ﵁.
أقول: انتبه، فنحن نتكلم على أعظم شخصية في تاريخ الأرض بعد الأنبياء، هذه الأربعة آلاف هي كل ما يملك، فهل يستطيع أحد أن يعمل مثل هذا؟ هل يمكن أن تتخيل ذلك مع نفسك ولو مرة واحدة في حياتك؟ صعب جداً، ويكاد يكون مستحيلاً، مع مراعاة أن أبا بكر الصديق فعل ذلك أكثر من مرة في حياته؛ في بداية الدعوة، وفي وسط الدعوة، وفي الهجرة وفي تجهيز الجيوش بصفة مستمرة حتى وصل إلى هذا الأمر في تبوك، وكان خليفة للمسلمين بعد ذلك، ومات وليس في بيته دينار ﵁ وأرضاه.
كل حياته إنفاق في سبيل الله، كل الذي عنده أتى به، أتى بكل ثروته لنصرة الإسلام والمسلمين، من أجل ذلك فـ الصديق درجته مختلفة عن درجة بقية المسلمين، لا لشيء إلا ليقينه العميق فيما عند الله ، لا لمنصب ولا لعرق ولا لنسب؛ بل لدرجة الإيمان والصدق الذي في قلبه.
وقد سأله الرسول ﵊ سؤالاً واضحاً فقال: (هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ فقال -في يقين عجيب-: أبقيت لهم الله ورسوله)، سبحان الله! هل يضيع الله من استودعناه إياه؟ هل يترك ربنا من تركناه له؟ هذا مستحيل، وكلنا يؤمن بذلك، لكن إيمان بعضنا إيمان نظري، ليس له تطبيق في واقع حياتنا، أما أبو بكر فكل معنى آمن به كان له انعكاس مباشر على حياته، وعلى حياة المسلمين، وعلى واقعه وعلى واقع المسلمين.
هذا هو الفهم الذي تصلح به الأمم.
стр. 599
عمر بن الخطاب وابن عوف أنموذجاً
عمر بن الخطاب ﵁ كان أيضاً من عمالقة الإيمان في ذلك اليوم، فقد أتى بنصف ماله ﵁، جاهد في سبيل الله بنصف ثروته.
وإياك أن تنتقصه بعد أن رأيت فعل أبي بكر ﵁، فإن عمر بن الخطاب أتى بما لا يستطيع عامة البشر أن يأتوا به، ولولا أنك تقارنه بـ الصديق لما شعرت أبداً بقلة عطائه ﵁، وإلا فقارن عمر بن الخطاب بغيره من البشر، فمن يستطيع أن يتنازل في موقف واحد عن نصف ممتلكاته في سبيل الله؟! احسبها مع نفسك وكن صادقاً، قرار صعب، لو كان معك عشرة آلاف جنيه، أو مائة ألف جنيه أتستطيع قسمه نصفين: نصف تتبرع به للجيوش الإسلامية، ونصف تبقيه معك؟ هذا صعب، بل لعله مستحيل في حق الكثيرين من أبناء الأمة بدون هؤلاء العمالقة الذين يستطيعون أن يأخذوا مثل هذا القرار.
وعبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه فعل نفس الشيء الذي فعله عمر ﵁ وأتى بنصف ماله، ونصف ماله كان مائتي أوقية من الفضة، والرسول ﵊ قال له آنذاك: (بارك الله لك فيما أنفقت وفيما أبقيت)، وصدق الرسول الكريم ﷺ ، فقد بارك الله في مال عبد الرحمن بن عوف، فما أفقرته الصدقة التي دفع، ما نقص ماله، ما ضاع أولاده، ما شردت نساؤه، بل قسمت ثروته الذهبية بالفئوس بعد موته، بورك في ماله حياً وميتاً، هذا وعد الله ، والله لا يخلف الميعاد، وهذا الكلام ليس خاصاً بـ عبد الرحمن بن عوف فقط، بل هو لأي إنسان ينفق في سبيل الله.
والرسول ﷺ يقسم في الحديث ويقول: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه.
وذكر منها: ما نقص مال عبد من صدقة).
والله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، هذا وعد الله ، والمسألة في النهاية مرجعها إلى اليقين.
стр. 600
من صفات طبقة عمالقة الإيمان
هكذا قام هؤلاء العمالقة وغيرهم بمعظم أمر الأمة، لم تكن عظمة هؤلاء -كما ذكرنا- فيما أنفقوه، ولكن كانت العظمة الحقيقية في بذلهم لكل ما في الوسع، كانت عظمتهم في قيامهم لا بدورهم فقط، ولكن بأدوار أولئك الذين لا يستطيعون، أو بأدوار أولئك الذين تخلفوا عن نصرة الدين مع قدرتهم على ذلك، لم يقترح هؤلاء أن تقسم الأعمال على أغنياء الأمة، بل شعروا أنهم معنيون تماماً بهذا الأمر، ولو تقاعس الجميع فليس هذا مبرراً لتقاعسهم، الجيش جيشهم، والنصر أملهم، وعزة الإسلام هدفهم، والله غايتهم وهو مطلع عليهم ويرى أعمالهم، وهذا يكفيهم.
قد يقول قائل: ألا يصل إلى درجة عمالقة الإيمان إلا أغنياء الأمة فقط الذين يملكون المال الوفير فيقدرون على هذه العطايا السخية؟ والإجابة على العكس تماماً، فليس المهم هو كمية الإنفاق، لكن المهم هو استنفاذ الوسع، وبذل الطاقة، ورب درهم سبق ألف درهم، وقد ينفق منافق نفقة عظيمة مردودة عليه لفساد نيته، وقد ينفق فقير درهماً واحداً فيصل به إلى أجر الأغنياء الذين بذلوا الألوف؛ من أجل ذلك تسابق عمالقة الإيمان من الفقراء لبذل الوسع في يوم تبوك، والوسع قد يكون مكيالاً من التمر، قد يكون دريهمات معدودات، هو جزء قليل في عدة وعتاد جيش ضخم، لكن هذا ما يستطيعونه ويقدرون عليه، فبلغوا بهذا القدر اليسير منازل كبار المنفقين في سبيل الله.
كل واحد مهما كانت إمكانياته، ومهما كانت قدراته يستطيع أن يكون من هؤلاء العمالقة، ليس هذا فقط، بل إن المسلم قد لا يملك شيئاً أصلاً ويتمنى في داخله أن لو استطاع أن يشارك أو يساهم أو يجاهد فيعطى أجر الشهداء وأجر المجاهدين وأجر المنفقين في سبيل الله، يريد أن يجاهد بماله، ولكنه معدم لا يملك درهماً ولا ديناراً، يريد أن يجاهد بروحه، ولكنه معتل ومريض ولا يقوى على حمل السلاح، يريد أن يشارك بجسده ولكنه لا يملك راحلة تصل به إلى أرض الجهاد، هؤلاء المعذورون الصادقون في نيتهم لهم من الأجر مثل ما للقادرين المجاهدين بأموالهم وأرواحهم، هذا هو العدل الإلهي فعلاً، يعامل الناس على قدر الوسع، وليس على ما يمتلكون من أموال أعطاها لهم رب العالمين ، أو حرمهم إياها، اسمع إلى هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل ﵀، وسنن ابن ماجه عن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر)، ثم ذكر منهم ﷺ : (رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه، وفي ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال ﷺ : فهما في الأجر سواء)، يتمنى أن ينفق فيعطي أجر المنفقين في سبيل الله وليس معه شيء، أي رحمة من رب العالمين ! هؤلاء قال الله في حقهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩١].
следующие страницы →