Полный текст (222 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الأعمش
من أعلام السلف وعلمائهم وأئمتهم الإمام الأعمش ﵀ الذي رفعه الله بالعلم، حتى لقد كان السلاطين أحقر الناس في مجلسه، وقد عرف عنه الدعابة، ومع ذلك كان من أعبد الناس.
стр. 2
بين يدي ترجمة الأعمش ﵀
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فمع علم جديد من أعلام السلف، وهو من علماء الكوفة ومن صغار التابعين، اسمه سليمان بن مهران الملقب بـ الأعمش، له علم وفضل وملح ونوادر، إمام في القرآن والحديث، لقب بالمصحف لصدقه، وكانوا يصححون مصاحفهم من حفظه، فقد كانت المصاحف تكتب باليد، لكنهم كانوا يصححون مصاحفهم المكتوبة من قراءته.
كان فقيراً من الدنيا ولكنه كان مليئاً من العلم.
قال عيسى بن يونس: ما رأينا الأغنياء والسلاطين في مجلس قط أحقر منهم في مجلس الأعمش، وهو محتاج إلى درهم.
قال أبو نعيم في وصفه: ومنهم الإمام المقرئ الراوي المفتي، كان كثير العمل قصير الأمل، مع ربه راهباً ناسكاً، ومع عباده داعباً ضاحكاً، يعني: إشارة إلى كثرة مزاحه.
سليمان بن مهران الأعمش تتلمذ عليه الأكابر، كـ شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وكان أعلم الناس بحديث عبد الله بن مسعود.
فهو من صغار التابعين، وتتلمذ عليه أئمة كبار أتباع التابعين.
وكان أعلم الناس بحديث عبد الله بن مسعود، رأى أنس بن مالك، ولكنه لم يرو عنه إلا بواسطة، وكانت له عجائب ونوادر وملح سنذكر شيئاً منها في غضون الترجمة، فرحمه الله وسائر الأئمة الأعلام والعلماء الكرام.
стр. 3
نسب الأعمش ﵀ ومولده وصفته
اسمه: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي الأعمش، وكاهل هو: ابن أسد بن خزيمة، أصله من نواحي الري.
فقيل: ولد بقرية أمه من أعمال طبرستان في إحدى وستين، وقدموا به إلى الكوفة طفلاً، وقيل: حملاً.
صفته: عن ابن عيينة قال: رأيت الأعمش لبس فرواً مقلوباً، وثياباً تسيل خيوطه على رجليه، ثم قال: أرأيتم لولا أني تعلمت العلم من كان يأتيني؟ لو كنت بقالاً كان يقذرني الناس أن يشتروا مني.
فانظروا إلى شرف العلم، وكيف أن العلم يرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك، كما ورد في الصحيح: أن عمر بن الخطاب لقى نافع بن الحارث بعسفان، وعسفان ما بين مكة والمدينة، وهي أقرب إلى مكة، وكان قد استخلفه عمر على أهل الوادي، فلما لقيه قال: (من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى.
قال: من ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا -والمولى يطلق على العبد، ويطلق على العبد الذي أعتق - فقال: رجل من موالينا، فقال عمر ﵁: استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر ﵁: ألا إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).
وعن أبي بكر بن عياش قال: رأيت الأعمش يلبس قميصاً مقلوباً فيقول: الناس مجانين، يلبسون الخشن مقابل جلودهم.
وعن أبي هشام قال: سمعت عمي يقول: قال عيسى بن موسى لـ ابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء.
كان عيسى بن موسى أميراً، فأمر ابن أبي ليلى أن يجمع الفقهاء فجمعهم، فجاء الأعمش في جبة فرو وقد ربط وسطه بشريط فأبطئوا، فقام الأعمش فقال: إن أردتم أن تعطونا شيئاً وإلا فخلوا سبيلنا، فقال: يا ابن أبي ليلى! قلت لك تأتي بالفقهاء تجيء بهذا؟ قال: هذا سيدنا الأعمش.
стр. 4
ثناء العلماء على الأعمش ﵀
قال أحمد بن عبد الله العجلي: الأعمش ثبت، وكان محدث الكوفة في زمانه.
ويقال: إنه كان له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، أي: كان ضبطه ضبط صدر وليس ضبط كتاب.
قال: وكان يقرأ القرآن وهو رأس فيه، وكان فصيحاً.
وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن مثل الأعمش، وما رأيت الأغنياء عند أحد أحقر منهم عنده مع فقره وحاجته.
قال الذهبي: كان عزيز النفس قنوعاً، وله رزق على بيت المال في الشهر خمسة دنانير، قررت له في آخر عمره.
وعن ابن عيينة قال: سبق الأعمش الناس بأربع: كأن أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى.
وقال أحمد: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة، يعني: في زمنهم.
وأبو إسحاق هو السبيعي.
وقال محمد بن سعد: وكان الأعمش صاحب قرآن وفرائض وعلم بالحديث، قرأ عليه طلحة بن مصرف القرآن، وكان يقرئ الناس، ثم ترك ذاك في آخر عمره، وكان يقرأ القرآن في كل شعبان على الناس في كل يوم شيئاً معلوماً حين كبر وضعف، ويحضرون مصاحفهم فيعرضونها ويصلحونها على قراءته.
وعن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ولا الطبقة الذين كانوا قبلنا، وما رأينا الأغنياء والسلاطين في مجلس قط أحقر منهم في مجلس الأعمش، وهو محتاج إلى درهم.
وكان القاسم بن عبد الرحمن يقول: ليس أحد أعلم بحديث عبد الله من الأعمش.
وذلك لأن عبد الله بن مسعود سكن الكوفة، وكان الأعمش من علماء الكوفة، فكان أعلم الناس بحديث عبد الله بن مسعود.
وعن ضرار بن صرد قال: ما كان هذا العلم إلا في العرب وأشراف الملوك.
فقال له رجل من جلسائه: وأي نبل كان في الأعمش؟ قال شريك: أما لو رأيت الأعمش ومعه لحم يحمله وسفيان الثوري عن يمينه وشريك عن يساره، وكلاهما ينازعه حمل اللحم لعلمت أن ثم نبلاً كثيراً.
وعن إسحاق بن راشد قال: قال لي الزهري: وبالعراق أحد يحدث؟ قلت: نعم.
قلت له: هل لك أن آتيك بحديث بعضهم؟ فقال لي: نعم.
فجئته بحديث سليمان الأعمش، فجعل ينظر فيها ويقول: ما ظننت أن بالعراق من يحدث مثل هذا؟ قال: قلت: وأزيدك؟ هو من مواليهم.
وقال علي بن المديني: حفظ العلم على أمة محمد ﷺ ستة، فلأهل مكة عمرو بن دينار، ولأهل المدينة ابن شهاب الزهري، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران، ولأهل البصرة يحيى بن أبي كثير وقتادة.
وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.
وقال عبد الله بن داود الخريبي: سمعت شعبة إذا ذكر الأعمش قال: المصحف، المصحف.
وقال عمر بن علي: كان الأعمش يسمى المصحف من صدقه.
وقال محمد بن عمار الموصلي: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش ومنصور بن المعتمر، ومنصور أفضل من الأعمش إلا أن الأعمش أعرف بالمسند وأكثر مسنداً منه.
стр. 5
الأعمش والتدليس
قال الذهبي: الأعمش أبو محمد أحد الأئمة الثقات، عداده في صغار التابعين، ما نقموا عليه إلا التدليس.
والتدليس يعني: إخفاء عيب في الحديث، والتدليس على أقسام.
تدليس الشيوخ: وهو أن المشهور بالاسم يذكر بالكنية أو ينسب إلى اسم غير مشهور به حتى يوعر الطريق إلى معرفته.
وهناك تدليس الإسناد وهو: أن يسقط شيخاً ضعيفاً بين ثقتين ويكون هذا الشيخ الذي أسقط هو شيخه الأقرب.
وهناك تدليس آخر يسمى تدليس التسوية وهو: أن يسقط ضعيفاً بين ثقتين ولا يكون هذا الضعيف شيخه الأقرب.
وتدليس التسوية أسوأ أنواع التدليس؛ لأنه يصرح بالتحديث من شيخه فيقول: حدثنا فلان فيكون فلان ثقة، ثم يسقط ضعيفاً في بقية السند فيقول: عن فلان، فيكون الذي أسقط ضعيفاً، والعنعنة أو الأنأنة صيغة توهم السماع وليس فيها تصريح بالسماع؛ ولذلك كان شعبة يقول: كفيتكم تدليس الأعمش، يعني: كان ينظر إلى فمه فإذا قال: حدثنا كتب، وإذا قال عن فلان لم يكتب.
فالحاصل: أن التدليس ليس كذباً، وإنما المدلس يسقط ضعيفاً في السند فيخفي عيباً فيه، ولا يكون الدافع للتدليس هنا دائماً هو الغش أو توعير الطريق إلى معرفة السند، ولكن أحياناً يكون للتجمل، كأن يروي شخص عن شيخ أحاديث كثيرة جداً، فيذكره مرة بالاسم ومرة بالكنية من أجل أن يجمل الحديث، ويكون هذا الشيخ ثقة ليس ضعيفاً، أو أنه يريد أن يوهم أن السند مرتفع، فيسقط شيخه لتقليل عدد الرواة، وعلى هذا لا يكون الدافع للتدليس هو الغش، وقد وقع في التدليس جماعة من كبار الأئمة؛ كـ الأعمش وكـ سفيان الثوري، إذ كان يدلس عن الضعفاء، وكذلك سفيان بن عيينة، ولكن لم يكن يدلس إلا عن ثقة.
قال الإمام الشافعي في الرسالة: من دلس لنا مرة فقد كشف عن عورته في الرواية، فلا نقبل منه إلا التصريح بالسماع.
يعني: الذي ثبت تدليسه لا يقبل منه شيء إلا أن يقول: حدثنا أو أخبرنا، فإذا عنعن أو أنأن في الحديث، كأن يقول: أن فلان أو عن فلان قال كذا، فلا يقبل منه.
قال الذهبي: قال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا.
كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فـ الأعمش عدل صادق ثبت صاحب سنة وقرآن، ويحسن الظن بمن يحدثه ويروي عنه، ولا يمكننا أن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذي يدلسه، فإن هذا حرام.
وقال الذهبي في خاتمة ترجمته في الميزان: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كـ إبراهيم -يعني: النخعي - وابن أبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.
وقال ابن المديني: الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء.
стр. 6
عبادة الأعمش رحمه الله تعالى
قال وكيع بن الجراح: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.
وعندما تسمعون عن مزاحه تتعجبون كيف حرصه على العبادة بهذه الطريقة.
وقال عبد الله الخريبي: ما خلف الأعمش أعبد منه.
وعن عبد الرزاق قال: أخبرني بعض أصحابنا: أن الأعمش قام من النوم لحاجة فلم يصب ماءً، فوضع يده على الجدار فتيمم ثم نام، فقيل له في ذلك؟ قال: أخاف أن أموت على غير وضوء.
وعن إبراهيم بن عرعرة قال: سمعت يحيى القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظاً على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول، وهو علامة الإسلام، وكان يحيى - يعني: القطان - يلتمس الحائط حتى يقوم في الصف الأول.
وعن أبي نعيم قال: قال عبد السلام: كان الأعمش إذا حدث يتخشع ويعظم العلم.
стр. 7
شيوخ الأعمش ﵀ وتلاميذه
شيوخه: قال الحافظ: روى عن أنس ولم يثبت له منه سماع.
يعني: أنه رآه، ولكنه لم يسمع منه، وإنما روى عنه بواسطة، وعبد الله بن أوفى يقال: مرسل، وزيد بن وهب وأبي وائل وأبي عمرو الشيباني وقيس بن أبي حازم وإسماعيل بن رجاء وأبي صخرة جامع بن شداد وأبي ظبيان بن جندب وخيثمة بن عبد الرحمن الجعفي وسعيد بن عبيدة وأبي حازم الأشجعي وسليمان بن مسهر وطلحة بن مصرف وأبي سفيان طلحة بن نافع وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وعبد الله بن مرة وعبد العزيز بن رفيع وعبد الملك بن عمير وعدي بن ثابت وعمارة بن عمير وعمارة بن القعقاع ومجاهد بن جبر وأبي الضحى ومنذر الثوري وهلال بن يساف وخلق كثير.
قال الحافظ: وعنه -أي: روى عنه- الحكم بن عتيبة وزبيد اليامي وأبو إسحاق السبيعي وهو من شيوخه، وسليمان التيمي وسهيل بن أبي صالح وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع وشعبة والسفيانان وإبراهيم بن طهمان وجرير بن حازم وأبو إسحاق الفزاري وإسرائيل وزائدة وأبو بكر بن عياش وشيبان النحوي وعبد الله بن إدريس وابن المبارك وابن نمير والخريبي وعيسى بن يونس وفضيل بن عياض ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي وهشيم وأبو شهاب الحناط وخلائق من أواخرهم أبو نعيم وعبيد الله بن موسى.
стр. 8
ملح من أخبار الأعمش ﵀
قال الذهبي: وكان مع جلالته في العلم والفضل صاحب مزاح.
قيل: إنه جاءه أصحاب الحديث يوماً فخرج فقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم.
وسأله داود الحائك: ما تقول يا أبا محمد! في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء.
قيل: فما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل مع عدلين.
وقيل: إن الأعمش كان له ولد مغفل، فقال: اذهب فاشتر لنا حبلاً للغسيل.
فقال: يا أبت! طول كم؟ قال: عشرة أذرع، قال: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك.
стр. 9
درر من أقوال الأعمش ﵀
عن حفص بن غياث قال: سمعت الأعمش يقول: يوشك إن احتبس علي الموت إن وجدته بالثمن اشتريته.
وعن الحسن بن صالح عن الأعمش قال: إنا كنا لنشهد الجنازة فلا ندري من نعزي من حزن القوم.
يعني: من حزن الجميع لا يعرف أهل الميت.
وعن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم.
قال حميد: سمعت أبي يقول: سمعت الأعمش يقول: لا تنثروا اللؤلؤ تحت أظلاف الخنازير، يعني: لا تبذلوا العلم لمن لا يستحقه.
وقيل لـ حفص بن أبي حفص الأبار: رأيت الأعمش؟ قال: نعم، وسمعته يقول: إن الله يرفع بالعلم أو بالقرآن أقواماً ويضع به آخرين، وأنا ممن يرفعني الله به، لولا ذلك لكان على عنقي دم صحن أطوف به في سكك الكوفة.
ومر أنه كان يقول: لو كنت بقالاً لقذرني الناس -يعني: ما أتوه- ومع ذلك كان يذهب إليه الأكابر؛ لما عنده من العلم، وكان الأغنياء أحقر الناس حين يكونون في مجلسه، وهو محتاج إلى درهم.
стр. 10
وفاة الأعمش ﵀
عن أبي بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرضه الذي توفي فيه، فقلت: أدعو لك الطبيب؟ قال: ما أصنع به؟ لو كانت نفسي معي لطرحتها في الحش، إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحداً، واذهب بي واطرحني في لحدي.
قال الذهبي: يقال: مات الأعمش في ربيع الأول سنة (١٤٨هـ) بالكوفة.
стр. 11
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الشافعي
الإمام الشافعي أحد أئمة المذاهب المتبعة، ناصر الحق وسنة المصطفى ﷺ ، طلب العلم منذ نعومة أظفاره، ونبغ فيه وفاق أقرانه، كان عابداً ورعاً تقياً لا يخاف في الله لومة لائم، له المصنفات الكثيرة والنادرة، وهو أول من صنف في أصول الفقه وأحكام القرآن، أخذ عن جملة من العلماء وأخذ عنه كذلك مشاهير العلماء كأحمد بن حنبل وغيره، وأثنى عليه العلماء ثناء عطراً، فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.
стр. 12
التعريف بالإمام الشافعي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا مع علماء السلف ﵃، ونحن اليوم مع إمام من أئمة المذاهب المتبعة، ناصر الحق والسنة محمد بن إدريس الشافعي، نتعرف على اسمه ونسبه ومولده ونشأته وصفته ﵀.
اسمه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
كنيته: أبو عبد الله، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، يلتقي معه في جده عبد مناف، فرسول الله ﷺ من بني هاشم بن عبد مناف، وإمامنا الشافعي من بني المطلب بن عبد مناف، قال النبي ﷺ : (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد).
قال الإمام النووي: اعلم أنه ﵁ كان من أنواع المحاسن بالمحل الأعلى والمقام الأسنى؛ لما جمعه الله له من أنواع المكرمات، فمن ذلك شرف النسب الطاهر، والعنصر الباهر، واجتماعه هو ورسول الله ﷺ في النسب، وذلك غاية الشرف ونهاية الحسب.
ومن ذلك: شرف المولد والمنشأ؛ فإنه ولد بالأرض المقدسة ونشأ بمكة.
مولده ونشأته: قال الذهبي ﵀: اتفق مولد الإمام ﵀ بغزة، ومات أبوه إدريس شاباً فنشأ محمد يتيماً في حجر أمه فخافت عليه الضيعة، فتحولت إلى محتده وهو ابن عامين -يعني: انتقلت به من غزة إلى مكة وهو ابن عامين- فنشأ بمكة وأقبل على الرمي حتى فاق الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة، ثم أقبل على العربية والشعر فبرع في ذلك وتقدم، ثم حبب إليه الفقه فساد أهل زمانه.
والإمام الشافعي يعتبر من أذكياء العالم.
قال العليمي: أبو عبد الله الشافعي الإمام الأعظم والحبر المكرم أحد الأئمة المجتهدين الأعلام، إمام أهل السنة وركن الإسلام، لقي جده شافع رسول الله ﷺ وهو مترعرع، وكان أبوه السائب -والد شافع- صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت أحرم المسلمين طعماً لهم في، فأراد أن يكون سبباً في الرزق للمسلمين، ففدى نفسه ثم أسلم.
ولد الإمام الشافعي بغزة من بلاد الشام على الأصح في سنة (١٥٠هـ) وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة النعمان، فقد ولد الإمام أبو حنيفة سنة (٨٠هـ)، ومات سنة (١٥٠هـ)، أما الإمام الشافعي فإنه ولد سنة (١٥٠هـ)، ومات سنة (٢٠٤هـ)، فعاش (٥٤) سنة ﵀، وقيل: إن الشافعي ولد في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة.
وقيل: كان مولده بعسقلان وقيل: باليمن، ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبمدينة رسول الله ﷺ ، وقدم بغداد مرتين، وخرج إلى مصر فنزلها وكان وصوله إليها في سنة (١٩٩هـ)، ومكث في مصر خمس سنين وأفتى بها، وعندما يقولون: قال الشافعي في الجديد، فيقصدون ما كتبه وهو في مصر، وهي الخمس السنين الأخيرة من عمره؛ فإنه مكث في مكة فترة وفي بغداد فترة، ومر على بلاد كثيرة، وقيل: دخل مصر سنة (٢٠١هـ) ولم يزل بها إلى حين وفاته.
صفته ﵀: روى أبو نعيم بسنده عن إبراهيم بن برانة قال: وكان الشافعي طويلاً نبيلاً جسيماً.
وقال الزعفراني: كان الشافعي يخضب بالحناء، خفيف العارضين.
يعني: خفيف شعر اللحية في العارضين.
وقال المزني: ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي، وكان ربما قبض على لحيته فلا تفضل على قبضته.
стр. 13
طلب الإمام الشافعي للعلم ونبوغه فيه
ابتداء طلبه للعلم ونبوغه فيه: روى أبو نعيم بسنده عن أبي بكر بن إدريس وراق الحميدي -أي: الذي كان يحمل أوراقه التي يكتب فيها الحديث- عن الشافعي قال: كنت يتيماً في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة، وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.
وروى البيهقي بسنده عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد.
قال: وكان سبب أخذه في الفقه أنه كان يوماً يسير على دابة له، خلفه كاتب أبي، فتمثل الشافعي ببيت من الشعر فقرعه كاتب أبي بسوط ثم قال له: مثلك تذهب مروءته في مثل هذا، أين أنت عن الفقه؟ قال: فهزه ذلك فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجي وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس.
وروى البيهقي كذلك عن أبي بكر الحميدي قال: قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني مسلم بن خالد فقال: يا فتى من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة؟ قال: وأين منزلك بها؟ قلت: بشعب الخيف، قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف قال: بخ بخ! لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه كان أحسن بك؟! قال الذهبي: وعن الشافعي قال: أتيت مالكاً وأنا ابن ثلاث عشرة سنة -كذا قال، والظاهر أنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة- فأتيت ابن عم لي والي المدينة فكلم مالكاً فقال: اطلب من يقرأ لك.
قلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعده فأعيده حفظاً، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى فقال: أنت تحب أن تكون قاضياً، وفي بعض النسخ: يجب أن تكون قاضياً.
وقال النووي ﵀: أخذ الشافعي ﵀ في الفقه، وحصل منه على مسلم بن خالد الزنجي وغيره من أئمة مكة ما حصل، ورحل إلى المدينة قاصداً الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس، وأكرمه مالك ﵀ وعامله لنسبه وعلمه وفهمه وعقله وأدبه بما هو اللائق بها، وقرأ الموطأ على مالك حفظاً فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لإعجابه بقراءته، ولازم مالكاً فقال له: اتق الله! فإنه سيكون لك شأن.
وفي رواية أنه قال له: إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية.
ثم ولى اليمن -صار والياً أو حاكماً عليها- واشتهر من حسن سيرته وحمله الناس على السنة والطرائق الجميلة أشياء كثيرة معروفة، ثم رحل إلى العراق للاشتغال بالعلم، وناظر محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة - وغيره، ونشر علم الحديث، وأقام مذهب أهله، ونصر السنة، وشاع ذكره وفضله، وتزايد تزايداً ملأ البقاع، وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون، واعترف به العلماء أجمعون، وعظمت عند الخلائق وولاة الأمور مرتبته، وظهر من فضله في مناظرات أهل العراق وغيرهم ما لم يظهر لسواه.
عكف على الاستفادة منه الصغار والكبار والأئمة الأخيار من أهل الحديث والفقه وغيرهم، ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وتمسكوا بطريقته، وصنف في العراق كتابه القديم المسمى (كتاب الحجة)، ثم خرج إلى مصر سنة (١٩٩هـ)، وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره في البلدان، وقصده الناس في الشام واليمن والعراق.
لذلك فإن أكثر أهل مصر شافعية.
стр. 14
ثناء العلماء على الإمام الشافعي
ثناء العلماء عليه: قال الحافظ أبو نعيم: ومنهم الإمام الكامل العالم العامل، ذو الشرف المنيف، والخلق الظريف، له السخاء والكرم، وهو الضياء في الظلم، أوضح المشكلات، وأفصح عن المعضلات، المنتشر علمه شرقاً وغرباً، المستفيض مذهبه براً وبحراً، المتبع للسنن والآثار، المقتدي بما اجتمع عليه المهاجرون والأنصار.
اقتبس عن الأئمة الأخيار فحدث عنه الأئمة الأحبار، الحجازي المطلبي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ وأرضاه، حاز المرتبة العالية، وفاز بالمنقبة السامية، إذ المناقب والمراتب يستحقها من له الدين والحسب، وقد ظفر الشافعي بهما جميعاً.
شرف العلم والعمل به، وشرف الحسب قربه من رسول الله ﷺ ، فشرفه في العلم ما خصه الله من تصرفه في وجوه العلم، وتبسطه في فنون الحكم، فاستنبط خفيات المعاني، وشرح بفهم الأصول والمباني، ونال ذلك بما يخص الله تعالى به قريشاً من نبل الرأي.
وروى الخطيب بسنده إلى إسحاق بن راهويه قال: أخذ أحمد بن حنبل بيدي وقال: تعال حتى أذهب بك إلى من لم تر عيناك مثله، فذهب به إلى الشافعي.
فالإمام الشافعي يعتبر شيخ الإمام أحمد.
وبسنده أيضاً إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: يا أبت أي شيء كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، انظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ وعن أيوب بن سويد قال: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ركب الشافعي حماره فجعل أبي يمشي والشافعي راكب وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي في ذلك؛ فبعث إليه الإمام أحمد فقال: إنك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار كان خيراً لك.
وعن حميد بن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول وهو يروي الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم)، وإني نظرت في سنة مائة فإذا رجل من آل رسول الله ﷺ وهو عمر بن عبد العزيز -توفي سنة (١٠١هـ) - ونظرت في المائة الثانية فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ محمد بن إدريس، توفي سنة (٢٠٤هـ).
وعن محمد بن الفضل البزار قال: سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل فنزلنا عند أحد الناس بمكة، وخرج أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل - باكراً وخرجت أنا معه، فلما صلينا الصبح بدأت المجالس، فجئت مجلس سفيان بن عيينة، وكنت أبحث مجلساً مجلساً طلباً لـ أبي عبد الله حتى وجدته عند شاب أعرابي وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جمة فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل.
فقلت: يا أبا عبد الله! تركت ابن عيينة وعنده الزهري يعني: محمد بن مسلم بن شهاب وعمرو بن دينار وزياد بن علاقة ومن التابعين ما الله بهم عليم؟ فقال: اسكت فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول فلا يضرك في دينك ولا في عقلك أو فقهك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله تعالى من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.
وعن سويد بن سعيد قال: كنا عند سفيان بن عيينة فجاء محمد بن إدريس فجلس، فروى ابن عيينة حديثاً رقيقاً فغشي على الشافعي فقيل: يا أبا محمد مات محمد بن إدريس، فقال ابن عيينة: إن كان قد مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.
قال الرازي ﵀: إن ثناء العلماء على الإمام الشافعي أكثر من أن يحيط به الحصر، ونحن نذكر السبب في محبتهم له وثنائهم عليه، فنقول: الناس كلهم كانوا قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله ﷺ إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالاً بقوا على ما في أيديهم عاجزين متحيرين.
وأما أصحاب الرأي فكانوا أصحاب الجدل والنظر إلا أنهم كانوا فارغين من معرفة الآثار والسنن، وهي مدرسة الكوفة، وأما الشافعي فإنه كان عارفاً بسنة النبي صلى الل
стр. 15
عبادة الإمام الشافعي وزهده وورعه
عبادته وزهده وورعه.
قال بحر بن نصر: ما رأيت ولا سمعت أتقى لله ولا أورع من الشافعي، ولا أحسن صوتاً منه بالقرآن.
وعن الحسين الكرابيسي قال: بت مع الشافعي ثمانين ليلة فكان يصلي نحو ثلث الليل، وما رأيته يزيد على خمسين آية فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، فكأنما جمع له الرجاء والرحمة معاً.
وعن بحر بن نصر قال: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته.
وعن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، يعني: الحديث، والثلث الثاني: يصلي، والثلث الثالث: ينام.
وعن حرملة قال: قال الشافعي: ما حلفت لله صادقاً ولا كاذباً.
وقال الحارث بن مسكين: أراد الشافعي الخروج إلى مكة فأسلم إلى قصارٍ -يعني: خياطاً- ثياباً بغدادية مرتفعة، فوقع الحريق فاحترق دكان القصار والثياب، فجاء القصار ومعه قوم، فتحمل بهم على الشافعي في تأخيره ليدفع إليه قيمة الثياب.
فقال له الشافعي: قد اختلف أهل العلم في تضمين القصار -يعني: هل يضمن ثمن ما ضاع عنده- ولم أتبين أن الضمان يجب، فلست أضمنك شيئاً.
وعن الحارث بن شريح قال: دخلت مع الشافعي على خادم للرشيد وهو في بيت قد فرش بالديباج يعني: بالحرير، فلما وضع الشافعي رجله على العتبة أبصره فرجع، ولم يدخل، فقال له الخادم: ادخل، فقال: لا يحل افتراش هذا، فقام الخادم فتبسم حتى دخل بيتاً قد فرش بالأرض، فدخل الشافعي، ثم أقبل عليه فقال: هذا حلال وهذا حرام، وهذا أحسن من ذلك وأكثر ثمناً، فتبسم الخادم وسكت.
وعن الربيع قال: قال عبد الله بن عبد الحكم للشافعي: إن عزمت أن تسكن البلد -يعني: مصر- فليكن لك قوت سنة، ومجلس من السلطان تتعزز به.
فقال له الشافعي: يا أبا محمد من لم تعزه التقوى فلا عز له، ولقد ولدت بغزة، وربيت بالحجاز، وما عندنا قوت ليلة وما بتنا جياعاً.
وقيل للشافعي: ما لك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر، يعني: في الدنيا.
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: يا أبا موسى! أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه.
وعن الربيع بن سليمان قال: قال لي الشافعي يا ربيع! عليك بالزهد، فللزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد.
وعن عبد الله بن محمد البلوي قال: جلسنا ذات يوم نتذاكر الزهاد والعباد والعلماء وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباته فقال: بماذا تتحاورون؟ قلنا: نتذاكر الزهاد والعباد والعلماء وما بلغ من فصاحتهم.
فقال عمر بن نباته: والله ما رأيت رجلاً قط أورع ولا أخشع ولا أفصح ولا أسمح ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل ولا أنبل ولا أفضل من محمد بن إدريس الشافعي.
стр. 16
سخاء الشافعي وجوده
أما سخاؤه وجوده ﵀: فعن الحميدي قال: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار في منديل، فضرب خباءه في موضع خارجاً من مكة، فكان الناس يأتونه، فما برح حتى ذهبت كلها.
وعن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي راكباً حماراً فمر على سوق الحذائين، فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذائين فأخذ السوط ومسحه بكمه وناوله إياه، فقال الشافعي لغلامه: ادفع الدنانير التي معك إلى هذا الفتى.
قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو ستة.
وعن الربيع بن سليمان قال: تزوجت فسألني الشافعي: كم أصدقتها؟ فقلت: ثلاثين ديناراً، قال: كم أعطيتها؟ فقلت: ستة دنانير، فصعد داره وأرسل إلي بصرة فيها أربعة وعشرون ديناراً.
كان ابن عبد الحكم مالكياً ثم رجع عن مذهبه وصار شافعياً، ولما أوصى الإمام الشافعي بحلقته إلى البويطي رجع ابن عبد الحكم إلى المذهب المالكي مرة ثانية، قال ﵀: كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمر بنا، فإن وجدني وإلا قال: قولوا لـ محمد إذا جاء يأتي المنزل فإني لا أتغدى حتى يجيء، فربما جئته، فإذا قعدت معه على الغداء قال: يا جارية أنضجي لنا فالوذجاً -يعني: فطيراً- فلا تزال المائدة بين يديه حتى يفرغ منها ويتغدى.
وعن الربيع قال: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده.
وعن الربيع قال: كنا مع الشافعي رحمه وقد خرج من مسجد مصر، فانقطع شسع نعله -وهو رباط النعل- فأصلح له رجل شسعه ودفعه إليه، فقال: يا ربيع معك من نفقتنا شيء؟ قلت: نعم، قال: كم؟ قلت: سبعة دنانير، قال: ادفعها إليه.
ولعل النعل كله لا يساوي هذا المبلغ.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جاءنا الشافعي إلى منزلنا قال: فقال لي: اركب دابتي هذه قال: فركبتها، قال: فقال لي: أقبل بها وأدبر ففعلت، فقال: إني أراك بها لبقاً فخذها فهي لك.
قال: وكان من أسخى الناس ثم ذكر قصة التمر.
وقصة التمر رواها البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: كان الشافعي ﵀ من أسخى الناس قال: وكنت آكل مع الشافعي تمراً ملوزاً -وهو التمر الذي ينزع منه النوى ويوضع فيه اللوز، فجاء رجل فقعد وأكل وكان يجلس إليه، فلما فرغ من الأكل، قال الرجل للشافعي: ما تقول في أكل الفجأة؟ قال: فلوى الشافعي عنقه إلي وقال: هلا كان سؤاله قبل أن يأكل.
لأنه لو قال له: لا يجوز كان كف عن الأكل.
وقال الشافعي ﵀: السخاء والكرم يغطيان عيوب الدنيا والآخرة بعد ألا يلحقهما بدعة.
وعن إبراهيم بن محمد قال: كنت في مجلس أحمد بن يوسف النقلي صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام فجرى ذكر الشافعي وأخلاقه وفقهه وسماحته فقالوا: ما شبهناه إلا بأبيات أنشدها حفص بن عمر الأزدي المقرعي لبعض الأعراب: إن زرت ساحته ترجو سماحته بلتك راحته بالجود والكرم أخلاقه كرم وقوله نعم يقولها بفم بحبحت فاحتكم ما ضر زائره يرجو أنامله إن كان ذا رحم أو غير ذا رحم الجود غرته والنجم غايته يقولها بفم قد لج في نعم وعن الربيع بن سليمان قال: دفع إلي الشافعي دراهم لأشتري له حملاً -وهو الكبش أو الخروف- وأمرني أن أشوي ذلك، قال: فنسيت واشتريت سمكتين وشويتهما فأتيته بهما، فنظر فقال: يا أبا محمد! كلهما فقد اشتهيتهما.
стр. 17
اتباع الشافعي للسنة وذمه لأهل الأهواء
اتباعه للسنة ﵀ وذمه لأهل الأهواء.
عن ميمون بن مهران قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما لك لا تنظر في كتب الشافعي؟ فما من أحد وضع الكتب أتبع للسنة من الشافعي.
وعن أبي جعفر الترمذي قال: أردت أن أكتب كتب الرأي، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله! فأكتب رأي الشافعي فقال النبي ﷺ : إنه ليس برأي، إنه رد على من خالف سنتي.
وعن أحمد بن حنبل قال: قدم علينا نعيم بن حماد وحثنا على طلب المسند -يعني: الحديث بالإسناد- فلما قدم علينا الشافعي وضعنا على المحجة البيضاء.
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بها ودعوا ما قلته.
قال: وقال له رجل: يا أبا عبد الله نأخذ بهذا الحديث؟ فقال: متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً ولم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.
وقال الحميدي: روى الشافعي يوماً حديثاً فقلت: أتأخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة أو علي زناراً -وهو الحبل الذي يربط في الوسط علامة لأهل الكتاب-، حتى إذا سمعت عن رسول الله ﷺ حديثاً لا أقول به.
وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
إلى غير ذلك من الأقوال التي ثبتت عن الإمام الشافعي.
стр. 18
فقه الإمام الشافعي
فقهه ﵀: قال عبيد بن محمد بن خلف البزاز: سئل أبو ثور فقيل له: أيهما أفقه الشافعي أو محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة؟ فقال أبو ثور: الشافعي أفقه من محمد وأبي يوسف وأبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وإبراهيم يعني: النخعي وعلقمة والأسود، يعني: أن كلهم من مدرسة الرأي في الكوفة.
وعن أحمد بن يحيى قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت سيد الفقهاء محمد بن إدريس الشافعي.
وعن الربيع قال: سمعت الحميدي يقول: عن مسلم بن خالد أنه قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي، وكان ابن خمس عشرة سنة.
وهذه بعض الأشياء التي تدل على فقهه وفهمه.
وعن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول في رجل قال لامرأته وفي فيها تمرة: إن أكلتيها فأنت طالق، قال: طرحتيها فأنت طالق، بأن تأكل نصفها وتطرح نصفها.
فكما يقولون: ليس الفقه بالتشدد، بل الفقه أن تأتيك الرخصة من العالم الذي يجد المخرج الموافق للشرع.
وعن المزني قال: سئل الشافعي عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل آخر فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيساً عدا على النعامة فذبحها واستخرج جوهرته ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة.
وعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول لـ محمد بن إدريس الشافعي: يا محمد لأي علة خلق الله الذباب؟ قال: فأطرق ثم قال: مذلة للملوك يا أمير المؤمنين، قال: فضحك المأمون، وقال: يا محمد رأيت الذباب قد سقط على خدي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ولقد سألتني وما عندي جواب، فلما رأيت الذباب قد سقط بموضع لا يناله أحد انفتق في ذهني الجواب.
فقال: لله درك يا محمد.
وقال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ: سألت أبا قدامة السرخسي عن الشافعي وأحمد وأبي عبيد وابن راهويه فقال: الشافعي أفقههم.
وعن الربيع قال: كنت يوماً عند الشافعي فجاءه رجل فقال: أيها العالم! ما تقول في رجل حلف إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فعبدي حر، وكان في كمه أربعة دراهم، فقال: لم يعتق عبده، قال: لم؟ قال: لأنه استثنى من جملة ما في كمه دراهم، والدرهم لا يكون دراهم.
فقال: آمنت بالذي فوهك هذا العلم.
стр. 19
براعة الإمام الشافعي في التصنيف وبركة مصنفاته
براعته في التصنيف وبركة مصنفاته: الشافعي ﵀ أول من صنف في أصول الفقه وأحكام القرآن، وقد تسابق العلماء والأكابر على اقتناء مصنفاته والاستفادة منها، وأعظم كتبه كتاب (الرسالة) وهي موجودة الآن بتحقيق أحمد شاكر، وأسلوب الرسالة في غاية السهولة واليسر والفصاحة، فهي على سهولة لفظها كثيرة المعاني عظيمة المباني، شاهدة برجاحة عقله وكمال بصيرته.
وعن أبي ثور قال: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن والأخبار وحجة الإجماع والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب (الرسالة).
قال عبد الرحمن بن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها.
وعن المزني قال: قرأت كتاب الرسالة للشافعي (٥٠٠) مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى.
والمفروض أن طالب العلم يقرأ كتب العلم في كل فترة من أجل أن يستفيد أكثر وأكثر.
وعن محمد بن مسلم بن واره قال: قدمت من مصر فأتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلم عليه فقال: كتبت كتب الشافعي قلت: لا، قال: فرطت، ما علمنا المجمل من المفصل، ولا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه حتى جالسنا الشافعي قال: فحملني ذلك إلى أن رجعت إلى مصر وكتبتها ثم قدمت.
وعن أحمد بن مسلمة النيسابوري قال: تزوج إسحاق بن راهويه بمرو بامرأة رجل بعد وفاته عنده كتب الشافعي من أجل كتب الشافعي؛ لأن الكتب لم تكن متوفرة كما هو الآن، فوضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي، ووضع جامعه الصغير على جامع الثوري الصغير.
وقال أبو بكر الصومعي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صاحب الحديث لا يشبع من كتب الشافعي.
وقال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، كأن لسانه ينظم الدرر.
قال العلامة أحمد شاكر: فكتبه كلها مثل رائعة من الأدب العربي النقي، في الذروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيته وعلى فطرته ولا يتكلف ولا يتصنع، أفصح نثر تقرؤه بعد القرآن والحديث، لا يساميه قائل، ولا يدانيه كاتب.
وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: أريت في المنام كأن آتياً أتاني فحمل كتبي وبثها في الهواء فتطايرت، فاستعبرت بعض المعبرين فقال: إن صدقت رؤياك لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا ودخله علمك.
стр. 20
شيوخ وتلاميذ الإمام الشافعي
شيوخه وتلامذته: قال الحافظ: روى عن مسلم بن خالد الزنجي ومالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وسعيد بن سلمة القداح والدراوردي وعبد الوهاب الثقفي وابن علية إسماعيل بن إبراهيم -وعلية اسم أمه- وابن عيينة وأبي ضمرة وحاتم بن إسماعيل وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وإسماعيل بن جعفر وغيرهم.
وروى عنه سليمان بن داود الهاشمي وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي وإبراهيم بن المنذر الحزامي وأبو ثور إبراهيم بن خالد وأحمد بن حنبل وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي وحرملة وأبو طالب وغيرهم.
وله كتب كثيرة منها كتاب (الأم) وكتاب السنن المأثورة، وكتاب الرسالة، ومسند يضم الأحاديث التي جمعها، و (اختلاف الحديث) وغير ذلك من الكتب.
стр. 21
درر من أقوال الشافعي ونتف من أشعاره
درر من أقواله، ونتف من أشعاره: قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وقال: زينة العلم الورع والحلم.
وقال: لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغبهم فيه، وقال: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع.
وقال: من غلبته الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، وقال: من رضي بالقنوع زال عنه الخضوع.
وقال: لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي لما شربته، ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة.
وقال: للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك.
وقال: المروءة عفة الجوارح عما لا يعنيها.
وقال: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
وقال: من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وغفر زلله.
وقال: ليس سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم.
وقال: الشفاعات زكاة المروءات.
وقال: من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه لما يراه من ثواب الله غداً.
وقال لأخ له في الله يعظه ويخوفه: يا أخي! إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وساكنها للقبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، والإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافرغ إلى الله، وارض برزق الله تعالى، ولا تستلف من دار بقائك في دار فنائك، فإن عيشك فيء زائل، وجدار مائل، أكثر من عملك، وقصر من أملك.
وقال: الشعر حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على سائر الكلام.
ودخل رجل عليه وهو مستلق على ظهره فقال: إن أصحاب أبي حنيفة الفصحاء، فأنشد فقال: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد وأشجع في الوغى من كل ليث وآل مهلب وأبي يزيد وله أشعار أخرى منها: أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون وأحييت القنوع وكان ميتاً ففي إحيائه عرضي مصون وقال: إن الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفاع مقدور القضا ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبري مثله فيما مضى هلك المداوى والمداوي والذي جلب الدواء وباعه ومن اشترى
стр. 22
مرض الإمام الشافعي ووفاته
مرضه ﵀ ووفاته: قال الربيع بن سليمان: أقام الشافعي هاهنا أربع سنوات، فأملى (١٥٠٠) ورقة، وخرج كتاب (الأم) (٢٠٠٠) ورقة، وكتاب (السنة) وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين، وكان عليلاً شديد العلة، يكاد ربما يخرج الدم منه وهو راكب، حتى تمتلئ سراويله ومركبه وخفه.
كان عنده بواسير ﵀، والبواسير عندما تنزف دماً تكون متقدمة.
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحداً لقي من السقم ما لقي الشافعي، فدخلت عليه يوماً فقال لي: يا أبا موسى! اقرأ علي ما بعد العشرين والمائة من آل عمران: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١] إلى آخر السورة، وأخف القراءة، ولا تثقل.
فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني، فإني مكروب.
قال يونس عنى الشافعي بقراءتي بعد العشرين والمائة ما لقى النبي ﷺ وأصحابه أو نحوه؛ ليتأسى بهم، والإنسان يتصبر بما حدث للنبي ﷺ والصحابة الكرام في غزوة أحد.
وعن الربيع قال: دخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله تعالى وارداً، ولسوء عملي ملاقياً، ثم رمى بطرفه نحو السماء واستعبر، ثم أنشأ يقول: إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنت يا ذا المن والجود مجرما ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما ولولاك لا يقوى بإبليس عابد فكيف وقد أغوى صفيك آدما فإن تعف عني تعف عن ذي إساءة ظلوم غشوم قاسي القلب مجرما وإن تنتقم مني فلست بآيس ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما فجرمي عظيم من قديم وحادث وعفوك يا ذا العفو أعلى وأجسما قال الربيع بن سليمان: لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعي قال له ابن عمه ابن يعقوب: ننزل نصلي؟ قال: تجلسون تنتظرون خروج نفسي؟ قال: فنزلنا ثم صعدنا فقلنا: صلينا أصلحك الله.
قال: نعم.
فاستسقى وكان شتاء، فقال له ابن عمه: أمزجه بالماء المسخن فقال الشافعي: لا، بل بلب السفرجل، وتوفي مع العشاء الآخرة ﵀.
قال الربيع بن سليمان: توفي الشافعي ﵀ ورضي عنه ليلة الجمعة بعد المغرب وأنا عنده، ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب، فانصرفنا من جنازته ورأينا هلال شعبان سنة (٢٠٤)، وهو ابن أربع وخمسين سنة.
وعن أبي زكريا يعني: الأعرج قال: سمعت الربيع يقول: رأيت في المنام أن آدم مات، ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض، إن الله علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسيراً حتى مات الشافعي ﵀، وغربت بذلك شمس حياته، ولكن محبة هذا الإمام وبركة علمه ومصنفاته تملأ طباق الأرض، فما من صاحب محبرة إلا وللشافعي عليه منة.
فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا وله، وأن يمن علينا وعليه بأعلى الدرجات، والله يغفر لنا تقصيرنا في ترجمته، وأن يمتعنا في الآخرة بصحبته، ويدخلنا وإياه فسيح جنته.
وهذا أوان ترك القلم في ترجمة هذا العلم، فالقلوب تشتاق إلى صحبته والتمتع بكمال عقله ووفور فطنته وبركة كلماته.
وصل اللهم وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وآل بيته الطيبين، وأصحابه الغر الميامين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 23
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام أبو حنيفة
الإمام أبو حنيفة من أئمة المذاهب الأربعة المتبعة، أخذ العلم عن شيوخ التابعين، وأخذ عنه جملة من علماء المسلمين الأعلام، كان ورعاً فقيهاً متبعاً للسنة المطهرة، وقد أثنى عليه علماء عصره، ابتلي بمحنة تولية القضاء من قبل المنصور فأبى، فسجن حتى مات رحمه الله تعالى.
стр. 24
بين يدي ترجمة الإمام أبي حنيفة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فهذه الجولة في السلسلة المباركة (من أعلام السلف) مع إمام من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، وكلهم فاضل كريم، وإنما تأخرت في إنجاز ترجمته لأمور: أولها: أن الأمور تجري بالمقادير، والذي يملك مفاتيح خزائن السماوات والأرض هو الذي يملك قلوب العباد.
ثانيها: همة البحث والتوفيق بيد الله ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يعرضنا لأسباب رحمته وجنته.
ثالثها: أن هذا الإمام تباينت أقوال الناس فيه تبايناً بالغاً، فمن معظم له أشد التعظيم، فمقدم له على جميع العلماء، وهم متعصبة الأحناف، وفي مقابلهم من انتقصه وطعن في حفظه وفضله.
وقد ساق الخطيب ﵀ في ترجمته أقوال الفريقين، إلا أن أسانيد من طعن فيه الغالب عليها الضعف الشديد، وبعد تتبع سيرته، وانتقاء أبعد الروايات عن الغلو اتضحت لنا بفضل الله الأمور، وظهر ما أخبر به الخريبي: لا يقع في أبي حنيفة إلا جاهل أو حاسد.
وإذا كان الأصل في المسلم حسن الظن، فكيف بمن شهد له علماء عصره الأثبات بالعدالة والفقه والشرف والفضل؟! وكيف بمن امتلأت قلوب المسلمين بمحبته، وشغلت الألسن بالثناء عليه، وقد قال النبي ﷺ : (تلك عاجل بشرى المؤمن)؟! فالإمام أبو حنيفة تباينت فيه أقوال الناس، فبعض الناس يرفعه فوق كل الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وبعضهم يطعن فيه، ومع تتبع الأخبار وجد أن الذين مدحوا هذا الإمام هم الذين معهم الحق، وكما سنرى في خاتمته وفي ترجمته كيف أنه إمام عظيم من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة لهم فضل وشرف، ونظن أن لهم نية حسنة؛ لأن المذاهب كانت كثيرة جداً، والعلماء كانوا كثيرين، فقد يوجد في القرية الواحدة ما يزيد على مائة عالم، ولكن الذين بقي علمهم وبقيت مذاهبهم ونقلت أخبارهم هم هؤلاء الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة المتبعة.
قال التاج السبكي: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وحسن الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم؛ فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضي لبعضهم على بعض، فإياك ثم إياك أن تصغى إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي.
ففي كل زمن هناك شيء من تغاير العلم، ومن طبيعة البشر بين بعض العلماء، ولكنهم نسور في الفضاء ونحن أفراخ على الأرض.
وهلم جراً إلى زمن العز بن عبد السلام، والتقي ابن الصلاح؛ فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم تفهم بعضها، فليس لك إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم، كما نقول فيما جرى بين الصحابة ﵃.
أي: نقول بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
وعن يحيى بن معين قال: سمعت يحيى القطان يقول: جالسنا والله أبا حنيفة وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله .
ويحيى بن معين، هو إمام الجرح والتعديل.
وقال سفيان بن عيينة: ما قدم مكة رجل في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة.
وروى الخطيب بسنده أبياتاً مدح فيها ابن المبارك مدح فيها أبا حنيفة ﵀ فقال: رأيت أبا حنيفة كل يوم يزيد نبالة ويزيد خيراً وينطق بالصواب ويصطفيه إذا ما قال أهل الجور جوراً يقايس ما يقايسه بلب فمن ذا يجعلون له نظيراً كفانا فقد حماد وكانت مصيبتنا به أمراً كبيراً وهو حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.
فرد شماتة الأعداء عنا وأبدى بعده علماً كثيراً رأيت أبا حنيفة حين يؤتى ويطلب علمه بحراً غزيراً إذا ما المشكلات تدافعتها رجال العلم كان بها بصيراً فهذا من مدح عبد الله بن المبارك إمام المسلمين لـ أبي حنيفة ﵀.
وبعد! فلسنا مع متعصبة الأح
стр. 25
التعريف بالإمام أبي حنيفة
اسمه ومولده وصفته: اسمه: النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي الكوفي مولى بني تيم بن ثعلبة، وقيل: سبب تكنيته بـ أبي حنيفة ملازمته للدواة المسماة حنيفة بلغة العراق ولاجتهاده في طلب العلم، فـ أبو حنيفة كنية وليست اسماً.
مولده: ولد سنة (٨٠) بالكوفة في خلافة عبد الملك بن مروان، في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، ولم يثبت له حرف عن أحد من الصحابة.
فـ أبو حنيفة يعتبر من صغار التابعين، وهو في طبقة الأعمش، ولذلك يقول أبو حنيفة: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى العين والرأس، وإن جاء عن الصحابة فعلى العين والرأس، وإن جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال.
صفته: قال أبو يوسف ﵀: كان ربعة -يعني: ليس طويلاً ولا قصيراً- من أحسن الناس صورة، وأبلغهم نطقاً، وأكملهم إيراداً، وأحلاهم نغمة، وأبينهم حجة على من يريد.
وقال حماد ولده: كان طويلاً -يعني: يميل إلى الطول أكثر منه إلى القصر- يعلوه سمرة، جميلاً حسن الوجه، هيوباً لا يتكلم إلا جواباً، ولا يخوض فيما لا يعنيه.
وقال أحمد بن حجر الهيتمي: ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طويلاً؛ لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول.
وقال ابن المبارك: كان حسن الوجه، حسن الثياب.
وكان تاجراً فهو كثير المال.
وقال عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة: رأيت أبا حنيفة شيخاً يفتي الناس بمسجد الكوفة على رأسه قلنسوة سوداء طويلة.
стр. 26
ثناء العلماء على أبي حنيفة والرد على من طعن فيه
قال الفضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه مشهوراً بالورع، واسع المال، معروفاً بالإفضال على من يطيف به، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، فكان يحسن أن يدل على الحق، هارباً من مال السلطان.
وزاد ابن الصباح: وكان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين وإلا قاس وأحسن القياس.
وعن أبي بكر بن عياش قال: مات عمر بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري فأتينا نعزيه فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس إذ أقبل أبو حنيفة في جماعة معه فلما رآه سفيان تحرك من مجلسه ثم قام فاعتنقه وأجلسه في موضعه وقعد بين يديه.
قال أبو بكر: فاغتظت عليه، يعني: كأنه كره أن يفعل سفيان ذلك بـ أبي حنيفة.
وقال ابن إدريس: ويحك ألا ترى؟ فجلسنا حتى تفرق الناس، فقلت لـ عبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده في هذا.
يعني: أرادوا أن يسألوا سفيان الثوري عما فعله مع أبي حنيفة.
فقلت: يا أبا عبد الله! رأيتك اليوم فعلت شيئاً أنكرته وأنكره أصحابنا عليك، قال: وما هو؟ قلت: جاءك أبو حنيفة فقمت إليه وأجلسته في مجلسك وصنعت له صنيعاً بليغاً، وهذا عند أصحابنا منكر، فقال: وما أنكرت من ذاك؟ هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه، فأحجمني فلم يكن عندي جواب.
فالصراع كان بين مدرسة الرأي مع مدرسة الحديث.
وعن أبي وهب محمد بن مزاحم قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فـ عبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فـ الفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فـ سفيان الثوري، وأما أفقه الناس فـ أبو حنيفة، فيقصد بالفقه هنا القدرة على القياس واستنباطه للأحكام، ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله.
وعن يحيى بن معين قال: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ.
وبعض الناس ضعفوه في الحديث.
وعن أبي وهب محمد بن مزاحم قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لولا أن الله أعانني بـ أبي حنيفة وسفيان لكنت كسائر الناس.
وعن الشافعي قال: قيل لـ مالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وعن قيس بن ربيع قال: كان أبو حنيفة ورعاً تقياً مفضلاً على إخوانه.
وعن شريك قال: كان أبو حنيفة طويل الصمت، كثير العقل.
وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحداً أحلم من أبي حنيفة.
وعن أبي معاوية الضرير قال: حب أبي حنيفة من السنة.
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
وقال الذهبي: وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة.
فهذا كلام العلماء الذين مدحوا أبا حنيفة وأثنوا على علمه وفقهه وورعه وعبادته.
وقال ضرار بن صرد: سئل يزيد بن هارون أيهما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث، فـ سفيان الثوري كان واسع العلم جداً بالحديث، فهو أمير المؤمنين في الحديث، أما الذي يستنبط ويقيس فـ أبو حنيفة فهو أفقه.
قال في هامش السير: وأما ما يؤثر عن النسائي وابن عدي من تضعيفهم لـ أبي حنيفة من جهة حفظه فهو مردود لا يعتد به في جنب توثيق أئمة الجرح والتعديل، من أمثال علي بن المديني ويحيى بن معين وشعبة وإسرائيل بن يونس ويحيى بن آدم وعبد الله بن داود الخريبي والحسن بن صالح وغيرهم، فهؤلاء كلهم معاصرون لـ أبي حنيفة أو قريبو العهد به، وهم أعلم الناس به، وأعلم من النسائي وابن عدي.
فـ النسائي متأخر عنه فقد مات سنة (٣٠٣) هـ
стр. 27
عبادة الإمام أبي حنيفة
عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة ﵀ صلى العشاء والصبح بوضوءٍ أربعين سنة.
وعن بشر بن الوليد عن القاضي أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لم أفعله، فكان يحيي الليل صلاة وتضرعاً ودعاءً.
وعن المثنى بن رجاء قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقاً أن يتصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.
وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد، لكثرة صلاته.
وعن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبيه أنه صحب أبا حنيفة ستة أشهر قال: فما رأيته صلى الغداة -أي: الصبح- إلا بوضوء عشاء الآخرة، وكان يختم كل ليلة عند السحر.
وعن القاسم بن معن: أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦] ويبكي ويتضرع إلى الفجر.
وقال الفضل بن دكين وكنيته أبو نعيم: رأيت جماعة من التابعين وغيرهم فما رأيت أحسن صلاة من أبي حنيفة، ولقد كان قبل الدخول في الصلاة يبكي ويدعو.
وقالت أم ولد لـ أبي حنيفة، وأم الولد: أمة وطأها فأنجبت له، فالولد يكون تبعاً لأبيه فيكون سيداً لا عبداً، فلو مات سيدها عتقت، وقد نهي عن بيع أمهات الأولاد.
وقالت أم ولد لـ أبي حنيفة: ما توسد فراشاً بليل منذ عرفته، وإنما كان نومه بين الظهر والعصر بالصيف، وأول الليل بمسجده في الشتاء.
وقال ابن أبي رواد: ما رأيت أصبر على الطواف والفتيا بمكة منه، إنما كان كل الليل والنهار في طلب الآخرة والنجاة، ولقد شاهدته عشر ليال فما رأيته نام بالليل ولا هدأ ساعة من نهار من طواف وصلاة أو تعليم.
وعن سفيان بن عيينة قال: ما قدم مكة رجل في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة.
стр. 28
ورع الإمام أبي حنيفة
عن عبد الله بن المبارك قال: قدمت الكوفة فسألت عن أورع أهلها فقالوا: أبو حنيفة.
وقال مكي بن إبراهيم: جالست الكوفيين فما رأيت أورع من أبي حنيفة.
وعن علي بن حفص البزار قال: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه -يعني: يرسل له بثياب وشريكه يبيعها- فبعث إليه رفقة بمتاع -والرفقة هم الأصحاب- وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيباً، فإذا بعته فبين، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم لمن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله.
стр. 29
سماحة الإمام أبي حنيفة وكرمه
عن قيس بن ربيع قال: كان أبو حنيفة رجلاً ورعاً فقيهاً محسوداً -يعني: لكثرة النعم عليه- كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه.
وعن حفص بن حمزة القرشي قال: كان أبو حنيفة ربما مر به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده، حتى يجره إلى مواصلته، وكان أكرم الناس مجالسة.
стр. 30
اتباع أبي حنيفة للسنة
عن سعيد بن سالم البصري قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بمكة فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، قال: أنت من القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً؟ قلت: نعم، قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحداً بذنب، قال: فقال لي عطاء: عرفت فالزم.
قال أحمد بن حجر الهيتمي المكي: اعلم أنه يتعين عليك ألا تفهم من أقوال العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم أصحاب الرأي أن مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدمون رأيهم على سنة رسول الله ﷺ ولا على قول أصحابه؛ لأنهم براء من ذلك، فقد جاء عن أبي حنيفة من طرق كثيرة ما ملخصه: أنه أولاً يأخذ بما في القرآن، فإن لم يجد فبالسنة، فإن لم يجد فبقول الصحابة، فإن اختلفوا أخذ بما كان أقرب إلى القرآن والسنة من أقوالهم ولم يخرج عليهم.
-يعني: أن الصحابة إذا اختلفوا على قولين فلا بد أن يكون الحق منحصراً في القولين، لا يكون هناك قول ثالث؛ لأن الحق لا يضيع في الأمة، فإن اختلفوا أخذ بما كان أقرب إلى القرآن أو السنة من أقوالهم ولم يخرج عليهم.
ثم قال: فإن لم يجد لأحد منهم قولاً لم يأخذ بقول أحد من التابعين، بل يجتهد كما اجتهدوا.
فكان ﵀ لا يقدم رأيه على القرآن والسنة ولا على كلام الصحابة إذا اتفقوا، وإذا اختلفوا فيتخير من أقوالهم الأقرب إلى الكتاب والسنة، وهو أحد التابعين وإن كان من صغارهم فكان يجتهد ويقول: هم رجال ونحن رجال، لأنه ولد سنة (٨٠) هـ فهو قريب من عصر النبوة.
وقال الفضيل بن عياض: إن كان في المسألة حديث صحيح تبعه، وإن كان عن الصحابة أو التابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسن القياس.
وقال ابن المبارك رواية عنه: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة اخترنا ولم نخرج عن أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
وعنه أيضاً: عجباً للناس! يقولون: أفتى بالرأي وما أفتى إلا بالأثر.
وعنه أيضاً: ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى، ولا مع سنة رسول الله ﷺ ، ولا مع ما أجمع عليه الصحابة، وأما ما اختلفوا فيه فنتخير من أقوالهم أقربه إلى كتاب الله تعالى أو إلى السنة ونجتهد، وما جاوز ذلك فالاجتهاد بالرأي لمن عرف الاختلاف وقاس، وعلى هذا كانوا.
يعني: فلا يجوز القياس مع وجود النص؛ لأن القياس كأكل الميتة للمضطر، فإذا لم يوجد في المسألة نص من الكتاب أو السنة فينظر في إجماع الصحابة، فإن كانت المسألة غير منصوصة فالقياس يلجأ إليه عند الاضطرار، وكل قياس مهما كان حسناً من حيث النظر إذا صح الحديث بخلافه فهو مردود بالقادح من مسمى فساد الاعتبار.
стр. 31
محنة الإمام أبي حنيفة
عن عبيد الله بن عمرو أن ابن هبيرة ضرب أبا حنيفة مائة سوط وعشرة أسواط في أن يلي القضاء فأبى، وكان ابن هبيرة عامل مروان على العراق في زمن بني أمية.
وعن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال: كان أبو حنيفة يخرج كل يوم -أو قال: بين الأيام- فيضرب ليدخل في القضاء فأبى، ولقد بكى في بعض الأيام، فلما أطلق قال لي: كان غم والدتي أشد علي من الضرب، فهو يبكي؛ لأنه يعلم أن والدته في غم من أجل أنه يضرب.
وعن بشر بن الوليد قال: طلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف ليلين فأبى، وحلف: إني لا أفعل، فقال الربيع الحاجب: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف، فقال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني، فهو أغنى مني يمكن أن يكفر عن يمينه، فأمر به إلى السجن فمات فيه ببغداد.
وقيل: دفعه أبو جعفر إلى صاحب شرطته حميد الطوسي فقال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يدفع إلي الرجل فيقول لي: اقتله أو اقطعه -يعني: اقطع يده- أو اضربه ولا أعلم بقصته فماذا أفعل؟ فقال: هل يأمرك أمير المؤمنين بأمر قد وجب أو بأمر لم يجب؟ قال: بل بما قد وجب، قال: فبادر إلى الواجب.
وعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلح، قال: كذبت، قال: قد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح إن كنت كاذباً، فإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح، فحبسه.
وروى نحوها إسماعيل بن أويس عن الربيع الحاجب وفيها قال أبو حنيفة: والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب فلا أصلح لذلك؟ قال المنصور: كذبت بل تصلح، فقال: كيف يحل أن تولي من يكذب؟ وقيل: إن أبا حنيفة ولي القضاء، فقضى قضية واحدة، وبقي يومين ثم اشتكى ستة أيام وتوفي.
وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري: لم يقبل العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات بالسجن.
وقيل: سقي السم كما سيأتي.
стр. 32
شيوخ وتلاميذ الإمام أبي حنيفة
شيوخه: قال الحافظ روى عن عطاء بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود إمام القراءات، وعلقمة بن مرثد وحماد بن أبي سليمان، فهذا هو شيخه المباشر الذي كان في حلقته وعلى كرسيه بعدما توفي، والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي جعفر محمد بن علي وعلي بن الأقمر وزياد بن علاقة وسعيد بن مسروق الثوري والد سفيان وعدي بن ثابت الأنصاري وعطية بن سعيد العوفي وأبي سفيان السعدي وعبد الكريم بن أبي أمية ويحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين وهشام بن عروة وآخرين.
تلامذته: قال الحافظ: وعنه ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان وحمزة بن حبيب الزيات وزفر بن الهذيل وأبو يوسف القاضي وأبو يحيى الحماني وعيسى بن يونس ووكيع ويزيد بن زريع وأسد بن عمرو البجلي وغيرهم.
стр. 33
براعة الإمام أبي حنيفة في الفقه
قال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة.
وقال علي بن عاصم: لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم.
وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر، لا يعيبه إلا جاهل.
وروي عن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت وأظنه بورك له في عمله.
لعله في علمه، وهذه أيضاً شهادة من الأعمش وهو من الأئمة كما مر في الترجمة السابقة.
وقال جرير: قال لي المغيرة: جالس أبا حنيفة تفقه، فإن إبراهيم النخعي لو كان حياً لجالسه.
وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس.
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
وقال الذهبي: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه.
стр. 34
وفاة الإمام أبي حنيفة
قال الذهبي في العبر: روي أن المنصور سقاه السم فمات شهيداً ﵀.
وقال الهيثمي: روى جماعة أنه رفع إليه قدح فيه سم ليشرب فامتنع، وقال: إني لأعلم ما فيه، ولا أعين على قتل نفسي، فطرح ثم صب في فيه قهراً فمات.
وقيل: إن ذلك كان بحضرة المنصور، وصح أنه لما أحس بالموت سجد وخرجت نفسه وهو ساجد.
وقيل: الامتناع عن القضاء لا يوجب للمنصور أن يقتله هذه القتلة الشنيعة، وإنما السبب في ذلك أن بعض أعداء أبي حنيفة دس إلى المنصور أن أبا حنيفة هو الذي أثار عليه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃ الخارج عليه بالبصرة، فخاف خوفاً شديداً ولم يقر له قرار، وأنه قواه بمال كثير، فخشي المنصور من ميله إلى إبراهيم؛ لأنه -أعني: أبا حنيفة - كان وجيهاً ذا مال واسع التجارة، فطلبه لبغداد ولم يجسر على قتله بغير سبب، فطلب منه القضاء مع علمه بأنه لا يقبله ليتوصل بذلك إلى قتله.
واتفقوا على أنه ﵀ مات سنة (١٥٠) عن (٧٠) سنة.
قال كثيرون: وكان موته في رجب، وقيل: شعبان، وقيل: نصف شوال، ولم يخلف غير ولده حماد فرحمه الله رحمة واسعة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 35
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الأوزاعي
الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى من أئمة أتباع التابعين، ومن علماء الشام الغر الميامين، جمع بين العلم والأدب، والعبادة والخشية، وعدم المداهنة للخلق، فلذلك هابه الملوك والسلاطين، فما أحوج العلماء والدعاة وطلاب العلم إلى معرفة سيرته والانتفاع بها!
стр. 36
بين يدي ترجمة الإمام الأوزاعي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا بحمد الله تعالى سعداء بصحبة الركب المبارك أعلام السلف، وعالمنا وعلمنا في هذه الترجمة إمام مبارك من أئمة أتباع التابعين، ومن علماء الشام الغر الميامين، جمع العلم والأدب، والعبادة والخشية، فكان لا يهاب الملوك الجبابرة، وتهابه الملوك لقوته في الحق، وعدم مداهنته للخلق، فما أحوج الطلاب والعلماء إلى معرفة سيرته والانتفاع ببركته، ونكتفي في هذه المقدمة بما ذكره الحافظ الذهبي في سيره عن العباس بن الوليد قال: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء، كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر أمه، تنقله من بلد إلى بلد، وقد بلغ حكمك فيه أن بلغته حيث رأيته.
يا بني! عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعت كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه.
يعني: ما تكلم بكلمة خير إلا احتاج من يستمع إليها إلى إثباتها.
ثم قال: ولا رأيته ضاحكاً قط حتى يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي: أترى في المجلس قلباً لم يبك.
فرحم الله الأوزاعي وسائر أئمة المسلمين، وجمعنا بهم في عليين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
التعريف بالإمام الأوزاعي وذكر صفاته
اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الشامي الأوزاعي.
مولده: قال أبو مسهر وجماعة: ولد سنة (٨٨) هـ.
يعني: بعد أبي حنيفة بثمان سنين.
وعن ضمرة قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنت محتلماً أو شبيهاً بالمحتلم في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال الوليد بن مزيد: مولده ببعلبك ومنشؤه بالكرك.
قال الذهبي: كان يسكن عجلة الأوزاع، وهي العقبة الصغيرة ظاهر باب الفراديس بدمشق، ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات.
صفته: قال محمد بن عبد الرحمن السلمي: رأيت الأوزاعي فوق الربعة، خفيف اللحم، به سمرة، يخضب بالحناء.
стр. 38
ثناء العلماء على الإمام الأوزاعي
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد.
يعني: هؤلاء أئمة زمانهم، الأوزاعي بالشام، ومالك بالمدينة، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن زيد بالبصرة، وكان يمكن أن يضيف سفيان بن عيينة في مكة، وابن المبارك أيضاً بخرسان.
وعنه قال: ما كان في الشام أحد أعلم بالنسب من الأوزاعي.
وعن عثمان بن سعيد الدارمي قال: سألت يحيى بن معين عن الأوزاعي ما حاله في الزهري؟ قال: ثقة، ما أقل ما روى عن الزهري.
يعني: رواياته عن الزهري قليلة؛ لأنه من نفس الطبقة، من طبقة كبار أتباع التابعين، والذين رووا عن الإمام الزهري من صغار التابعين، وكان أعلم أهل زمانه.
وعن سفيان بن عيينة قال: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن سعد: وكان ثقة مأموناً صدوقاً فاضلاً خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة.
وقال إسماعيل بن عياش: سمعت الناس في سنة (١٤٠) هـ يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.
وعن محمد بن شعيب قال: قلت لـ أمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول.
قال الذهبي: بلا ريب هو أوسع دائرة في العلم من مكحول.
وقال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.
وعن الوليد بن مسلم قال: ما كنت أحرص على السماع من الأوزاعي حتى رأيت رسول الله ﷺ في المنام والأوزاعي إلى جنبه، فقلت: يا رسول الله! عمن أحمل العلم؟ قال: عن هذا، وأشار إلى الأوزاعي.
قال الذهبي: كان الأوزاعي كبير الشأن وقال إسحاق بن راهويه: إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة.
لقد كان الإمام الذهبي مؤرخاً، لكنه لم يكن مؤرخاً حاطب ليل يجمع أي أخبار، ولكن كان يعلق أحياناً ويعترض أحياناً على ما لا يوافق الحق، فعلق على هذه الكلمة (فهو سنة) فقال الذهبي: بل السنة سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، والإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً إجماعاً ظنياً أو سكوتياً، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له، فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة، كما كان الإمام مالك يعتبر إجماع أهل المدينة حجة.
وكان يقول: إن المدينة هي مدينة العلم وفيها أبناء المهاجرين والأنصار، فلا شك أن الحديث الذي ليس له أصل في الحجاز كما يقولون انقطع نخاعه، لا بد أن يكون له أصل في الحجاز، ولكن العلماء بعد الإمام مالك اعترضوا على ذلك، ولم يوافقوه على إن إجماع أهل المدينة حجة؛ لأن هذا ليس عليه دليل شرعي؛ والعلماء تفرقوا في الأمصار، والإجماع هو إجماع سائر الأئمة المجتهدين في عصر من العصور.
فلا شك أنه كان في خارج المدينة علماء مجتهدون، فلا يعتبر إجماع أهل المدينة أو أي بلد من بلاد المسلمين حجة.
كذلك يعترض هنا الإمام الذهبي على أن اجتماع الثوري والأوزاعي ومالك سنة فيقول: إن السنة هي سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، وأيضاً هذا لا يعتبر إجماعاً؛ لأن الإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً، إجماعاً ظنياً أو سكوتياً، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له.
والذي يخالف الإجماع يكون شاذاً.
يقول: فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة، وإنما مراد إسحاق أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالباً.
كما نقول اليوم: لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق عليه أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها، فهذا على سبيل الغالب.
يعني: لو اجتمع هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم إسحاق وهم أئمة زمانهم فغالباً يكون هو الحق.
ومن غرائب ما انفرد به الأوزاعي: أن الفخذ ليست في الحمام عورة، وأنها في المسجد عورة.
وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها، وهي موجودة في الكتب
стр. 39
عبادة الأوزاعي ﵀
قال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحداً أشد اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة.
وقال غيره: حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة.
من السنة التنفل في الراحلة في السيارة في السفينة على الدابة، يقول: حج فما نام على الراحلة إنما هو في صلاة، يعني: كان إذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى.
وعن الوليد بن مزيد قال: كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحد قوى عليه، ما أتى عليه زوال قط إلا وهو قائم يصلي.
وقال مروان الطاطري: قال: الأوزاعي من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة.
وقال الوليد بن مسلم من علماء الشام: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والفقه في دينه.
стр. 40
خشية الأوزاعي ﵀
عن بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
وعن أبي مسهر قال: ما رئي الأوزاعي باكياً قط، ولا ضاحكاً حتى تبدو نواجذه، وإنما كان يتبسم أحياناً كما روي في الحديث، وكان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء.
وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاه، فتجده رطباً من دموعه في الليل.
وقال بعضهم: ما رئي الأوزاعي ضاحكاً مقهقهاً قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يرحم.
يعني: كان أمام الناس لا يبكي، ولكن إذا كان وحده بكى حتى يرحم.
следующие страницы →