Полный текст (222 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بين يدي ترجمة الإمام الأوزاعي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا بحمد الله تعالى سعداء بصحبة الركب المبارك أعلام السلف، وعالمنا وعلمنا في هذه الترجمة إمام مبارك من أئمة أتباع التابعين، ومن علماء الشام الغر الميامين، جمع العلم والأدب، والعبادة والخشية، فكان لا يهاب الملوك الجبابرة، وتهابه الملوك لقوته في الحق، وعدم مداهنته للخلق، فما أحوج الطلاب والعلماء إلى معرفة سيرته والانتفاع ببركته، ونكتفي في هذه المقدمة بما ذكره الحافظ الذهبي في سيره عن العباس بن الوليد قال: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء، كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر أمه، تنقله من بلد إلى بلد، وقد بلغ حكمك فيه أن بلغته حيث رأيته.
يا بني! عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعت كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه.
يعني: ما تكلم بكلمة خير إلا احتاج من يستمع إليها إلى إثباتها.
ثم قال: ولا رأيته ضاحكاً قط حتى يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي: أترى في المجلس قلباً لم يبك.
فرحم الله الأوزاعي وسائر أئمة المسلمين، وجمعنا بهم في عليين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
التعريف بالإمام الأوزاعي وذكر صفاته
اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الشامي الأوزاعي.
مولده: قال أبو مسهر وجماعة: ولد سنة (٨٨) هـ.
يعني: بعد أبي حنيفة بثمان سنين.
وعن ضمرة قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنت محتلماً أو شبيهاً بالمحتلم في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال الوليد بن مزيد: مولده ببعلبك ومنشؤه بالكرك.
قال الذهبي: كان يسكن عجلة الأوزاع، وهي العقبة الصغيرة ظاهر باب الفراديس بدمشق، ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات.
صفته: قال محمد بن عبد الرحمن السلمي: رأيت الأوزاعي فوق الربعة، خفيف اللحم، به سمرة، يخضب بالحناء.
стр. 38
ثناء العلماء على الإمام الأوزاعي
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد.
يعني: هؤلاء أئمة زمانهم، الأوزاعي بالشام، ومالك بالمدينة، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن زيد بالبصرة، وكان يمكن أن يضيف سفيان بن عيينة في مكة، وابن المبارك أيضاً بخرسان.
وعنه قال: ما كان في الشام أحد أعلم بالنسب من الأوزاعي.
وعن عثمان بن سعيد الدارمي قال: سألت يحيى بن معين عن الأوزاعي ما حاله في الزهري؟ قال: ثقة، ما أقل ما روى عن الزهري.
يعني: رواياته عن الزهري قليلة؛ لأنه من نفس الطبقة، من طبقة كبار أتباع التابعين، والذين رووا عن الإمام الزهري من صغار التابعين، وكان أعلم أهل زمانه.
وعن سفيان بن عيينة قال: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن سعد: وكان ثقة مأموناً صدوقاً فاضلاً خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة.
وقال إسماعيل بن عياش: سمعت الناس في سنة (١٤٠) هـ يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.
وعن محمد بن شعيب قال: قلت لـ أمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول.
قال الذهبي: بلا ريب هو أوسع دائرة في العلم من مكحول.
وقال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.
وعن الوليد بن مسلم قال: ما كنت أحرص على السماع من الأوزاعي حتى رأيت رسول الله ﷺ في المنام والأوزاعي إلى جنبه، فقلت: يا رسول الله! عمن أحمل العلم؟ قال: عن هذا، وأشار إلى الأوزاعي.
قال الذهبي: كان الأوزاعي كبير الشأن وقال إسحاق بن راهويه: إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة.
لقد كان الإمام الذهبي مؤرخاً، لكنه لم يكن مؤرخاً حاطب ليل يجمع أي أخبار، ولكن كان يعلق أحياناً ويعترض أحياناً على ما لا يوافق الحق، فعلق على هذه الكلمة (فهو سنة) فقال الذهبي: بل السنة سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، والإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً إجماعاً ظنياً أو سكوتياً، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له، فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة، كما كان الإمام مالك يعتبر إجماع أهل المدينة حجة.
وكان يقول: إن المدينة هي مدينة العلم وفيها أبناء المهاجرين والأنصار، فلا شك أن الحديث الذي ليس له أصل في الحجاز كما يقولون انقطع نخاعه، لا بد أن يكون له أصل في الحجاز، ولكن العلماء بعد الإمام مالك اعترضوا على ذلك، ولم يوافقوه على إن إجماع أهل المدينة حجة؛ لأن هذا ليس عليه دليل شرعي؛ والعلماء تفرقوا في الأمصار، والإجماع هو إجماع سائر الأئمة المجتهدين في عصر من العصور.
فلا شك أنه كان في خارج المدينة علماء مجتهدون، فلا يعتبر إجماع أهل المدينة أو أي بلد من بلاد المسلمين حجة.
كذلك يعترض هنا الإمام الذهبي على أن اجتماع الثوري والأوزاعي ومالك سنة فيقول: إن السنة هي سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، وأيضاً هذا لا يعتبر إجماعاً؛ لأن الإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً، إجماعاً ظنياً أو سكوتياً، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له.
والذي يخالف الإجماع يكون شاذاً.
يقول: فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة، وإنما مراد إسحاق أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالباً.
كما نقول اليوم: لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق عليه أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها، فهذا على سبيل الغالب.
يعني: لو اجتمع هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم إسحاق وهم أئمة زمانهم فغالباً يكون هو الحق.
ومن غرائب ما انفرد به الأوزاعي: أن الفخذ ليست في الحمام عورة، وأنها في المسجد عورة.
وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها، وهي موجودة في الكتب
стр. 39
عبادة الأوزاعي ﵀
قال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحداً أشد اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة.
وقال غيره: حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة.
من السنة التنفل في الراحلة في السيارة في السفينة على الدابة، يقول: حج فما نام على الراحلة إنما هو في صلاة، يعني: كان إذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى.
وعن الوليد بن مزيد قال: كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحد قوى عليه، ما أتى عليه زوال قط إلا وهو قائم يصلي.
وقال مروان الطاطري: قال: الأوزاعي من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة.
وقال الوليد بن مسلم من علماء الشام: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والفقه في دينه.
стр. 40
خشية الأوزاعي ﵀
عن بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
وعن أبي مسهر قال: ما رئي الأوزاعي باكياً قط، ولا ضاحكاً حتى تبدو نواجذه، وإنما كان يتبسم أحياناً كما روي في الحديث، وكان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء.
وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاه، فتجده رطباً من دموعه في الليل.
وقال بعضهم: ما رئي الأوزاعي ضاحكاً مقهقهاً قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يرحم.
يعني: كان أمام الناس لا يبكي، ولكن إذا كان وحده بكى حتى يرحم.
стр. 41
ورع الأوزاعي ﵀
عن أبي مسهر قال: حدثنا محمد بن الأوزاعي قال: قال لي أبي: لو قبلنا من الناس كل ما يعطونا لهنا عليهم.
يعني: قبول الجوائز والهدايا، خاصة من الأمراء.
وعن أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل.
فقال: يا أبا عمرو! تكتب لي إلى والي بعلبك، قال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك.
قال: فرد الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين ديناراً.
وعن أبي فروة يزيد بن محمد الرهاوي قال: سمعت أبي يقول: قلت لـ عيسى بن يونس: أيهما أفضل الأوزاعي أو سفيان؟ فقال: وأين أنت من سفيان، قلت: يا أبا عمرو ذهبت بك العرقية، الأوزاعي فقهه وفضله وعلمه، فغضب وقال: أتراني أوثر على الحق شيئاً، سمعت الأوزاعي يقول: ما أخذنا العطاء حتى شهدنا على علي بالنفاق وتبرأنا منه، وأخذ علينا بذلك الطلاق والعتاق وأيمان البيعة -يعني: كل هذا بإكراه- فلما عقلت أمري سألت مكحولاً ويحيى بن أبي كثير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير فقالوا: ليس عليك شيء، وإنما أنت مكره.
يعني: كان هذا تحت تهديد السلاح بأن يقتل أو يطلق امرأته مثلاً، فهو لما سألهم قالوا: ليس عليك شيء، وإنما أنت مكره، يقول: فلم تقر عيني حتى فارقت نسائي، وأعتقت رقيقي، وخرجت من مالي، وكفرت أيماني، فأخبرني سفيان أنه كان يفعل ذلك.
يعني: فعل ذلك على سبيل الورع، وإلا فقد أفتاه علماء عصره، أنه كان مكرهاً وليس على المكره شيء.
وعن سعيد بن سالم صاحب الأوزاعي قال: قدم أبو مرحوم من مكة على الأوزاعي فأهدى له طرائف فقال له: إن شئت قبلت منك ولم تسمع مني حرفاً، وإن شئت فضم هديتك واسمع.
стр. 42
اتباع الأوزاعي للسنة
عن العباس بن الوليد قال: حدثني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم.
هذه عدة آثار تدل على اتباعه للسنة، وإنما يعظم شأن الإنسان إذا عظم شرع الله، وإذا عظم سنة النبي ﷺ ، ولكن من هان عليه الشرع أهانه الله : ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
فكان الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم.
وعن بقية بن الوليد وهو أيضاً من علماء الشام، وكان مشهوراً بتدليس التسوية، كما قال بعضهم: أحاديث بقية غير نقية، فكن منها على تقية.
وليس معنى أنه مدلس أنه وضاع أو أنه كذاب أو ضعيف، ولكن كما قال الشافعي في الرسالة: من دلس لنا مرة فقد أبان عن عورته في الرواية، فلا نقبل منه إلا تصريحاً بالسماع، ومن يثبت عنه تدليس التسوية لا بد أن يكون هناك تصريح بالسماع في كل السند؛ لأنه لا يؤمن أن يكون طوى ضعيفاً بين ثقتين.
عن بقية بن الوليد قال: قال لي الأوزاعي: يا بقية لا تذكر أحداً من أصحاب نبيك ﷺ إلا بخير.
يا بقية العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ وما لم يجئ عنهم فليس بعلم.
يعني: أن العلم هو علم الكتاب والسنة بفهم الصحابة الذين هم سلف الأمة.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه.
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه.
فالعلم ما جاءنا من قبل الصحابة؛ لأنهم هم الذين نقلوا لنا الكتاب والسنة، وأيضاً نفهم الكتاب والسنة بفهم الصحابة ﵃.
وعن بقية بن الوليد قال: قال الأوزاعي: لا يجتمع حب علي وعثمان ﵄ إلا في قلب مؤمن.
لأنه وجد الشيعة، وفي مقابلهم النواصب، فالشيعة تشيعوا لـ علي وآل البيت، ونصبوا العداوة للصحابة، والنواصب تشيعوا للصحابة ونصبوا العداوة لآل البيت.
ولكن المؤمن الذي يتبع سنة النبي ﷺ يجتمع في قلبه حب علي وحب عثمان ﵄ وعن سائر الصحابة.
وعن محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وعن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية وموافقة السنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم جامع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين.
يعني: صدق من قال: ما يتكلم الأوزاعي بكلمة إلا احتاج من يسمعها إلى إثباتها.
وعن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقلت: بفضلك أي ربي، ثم قلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة.
ورؤية الله في المنام جائزة، لأنها ليست رؤيا بالبصر، وإنما هي رؤية قلبية.
стр. 43
صدع الأوزاعي بكلمة الحق
عن أبي خليد عتبة بن حماد القارئ قال: حدثنا الأوزاعي قال: بعث عبد الله بن علي إلي، وقدمت فدخلت والناس صفان، فقال: ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه؟ يعني: عندما قامت الدولة العباسية قتل عبد الله بن علي كثيراً من أمراء بني أمية، وكان يجبر العلماء على أن يوافقوه على خروجه وأن يطعنوا في بني أمية، فأرسل إلى الأوزاعي فقال: ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه؟ قال: قلت: أصلح الله الأمير، قد كان بيني وبين داود بن علي مودة -يعني: أراد أن يهرب من السؤال- قال: لتخبرني، يقول: فتفكرت ثم قلت: لأصدقنه واستبسلت للموت، ثم رويت له عن يحيى بن سعيد حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وبيده قضيب ينكت به، ثم قال: يا عبد الرحمن! ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟ قلت: حدثني محمد بن مروان عن مطرف بن الشخير عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (لا يحل قتل المسلم إلا في ثلاث) وساق الحديث.
فقال: أخبرني عن الخلافة وصية لنا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فقلت: لو كانت وصية من رسول الله ﷺ ما ترك علي ﵁ أحداً يتقدمه.
قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالاً فهي عليكم حرام، وإن كانت عليهم حراماً فهي عليكم أحرم.
يعني: إن كانوا نهبوها فلا يجوز لكم أن تنهبوها، وإن كانت عليهم حراماً فهي عليكم أحرم، فأمر بي فأخرجت.
قال الذهبي: وقد كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً سفاكاً للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون من الظلم والعسف، ويقلبون له الباطل حقاً، قاتلهم الله، أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق.
وعن أبي الأسوار محمد بن عمر التنوخي قال: كتب المنصور إلى الأوزاعي أما بعد: فقد جعل أمير المؤمنين في عنقك ما جعل الله لرعيته قبلك في عنقهم، فاكتب إليه بما رأيت فيه المصلحة مما أحببت.
فكتب إليه: أما بعد: فعليك بتقوى الله، وتواضع يرفعك الله يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق، واعلم أن قرابتك من رسول الله ﷺ لن تزيد حق الله عليك إلا عظماً، ولا طاعته إلا وجوباً.
وعن عبد الحميد بن بكار قال: حدثنا ابن أبي العشرين قال: سمعت أميراً بالساحل يقول: وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر، رحمك الله أبا عمرو! فلقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني.
يعني: أنه كان يخاف من هذا العالم أكثر من أمير المؤمنين الذي ولاه.
стр. 44
شيوخ الأوزاعي وتلامذته
قال الحافظ: روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وعبدة بن أبي لبابة، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وأبي النجاشي عطاء بن صهيب، ونافع مولى ابن عمر، والزهري ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن سيرين، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وأبي عبيد المذحجي، وأبي كثير السحيمي، وسليمان بن حبيب المحاربي، وحسان بن عطية وغيرهم.
وقال الحافظ: روى عنه مالك، وهو من طبقته، وشعبة وهو قريب منهم، والثوري وابن المبارك وابن أبي الزناد، وعبد الرزاق وبقية، وبشر بن بكر، ومحمد بن حرب، وعقل بن زياد، ويحيى بن سعيد القطان، وشعيب بن إسحاق وأبي ضمرة المدني، وصخرة بن ربيعة، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة، وأبو إسحاق الفزاري، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم.
стр. 45
درر من أقوال الأوزاعي
عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد: فإنه قد أحيط بك من كل جانب، وأعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به.
والسلام.
وعن الأوزاعي قال: إن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً.
فعلامة إيمان إنسان أن يكون كلامه قليلاً، وعبادته وعمله الصالح كثيراً، وأما المنافق فيقول كثيراً ويعمل قليلاً.
وعن موسى بن أعين قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك، فأما إذ صرنا يقتدى بنا ما أرى يسعنا إلا التبسم.
يعني: من صار يقتدى به ينبغي أن يضبط تصرفاته.
وعن أبي حفص عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
فقال أبو حفص: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما جاء الأوزاعي بشيء أعجب إلينا من هذا، يعني: من هذه الكلمة، يقول: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
وعن الوليد بن مزيد قال: سمعت الأوزاعي يقول: إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل، ومنعهم العمل، وكذلك العكس بالعكس، وإذا أراد بقوم خيراً فتح لهم باب العمل، وأغلق عنهم باب الجدل.
وعن محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي يقول: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.
أي: زلات العلماء، فمن اتبع زلة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.
وعن الأوزاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب الورع.
стр. 46
وفاة الإمام الأوزاعي ﵀
عن محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت عند سفيان الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب رفعت، قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي.
وسفيان الثوري كان بالكوفة، وتكون الشام في جهة المغرب بالنسبة إلى العراق، فقال: كنت عند سفيان الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب رفعت، قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فكتبوا ذلك فوجد كذلك في ذلك اليوم.
وعن أحمد بن عيسى المصري قال: حدثني خيران بن العلاء -وكان من خيار أصحاب الأوزاعي - قال: دخل الأوزاعي الحمام وكان لصاحب الحمام حاجة.
يعني: حمامات عامة ليست كالحمامات الموجودة في البيوت، يدخل الإنسان فيها بالأجرة، يأخذ كمية ماء مسخن ويغتسل في هذه الحمامات، فدخل الأوزاعي الحمام يقول: وكان لصاحب الحمام حاجة، فأغلق عليه الباب وذهب، ثم جاء ففتح فوجد الأوزاعي ميتاً مستقبل القبلة.
يبدو من الدخان، أو أتى أجله في هذا الوقت.
وعن أبي مسهر قال: بلغنا موت الأوزاعي، وأن امرأته أغلقت عليه باب الحمام غير متعمدة فمات، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة، ولم يخلف سوى ستة دنانير فضلت من عطائه، وكان قد اكتتب ﵀ في ديوان الساحل.
وقال أبو مسهر وعدة: مات سنة (١٥٧) هـ وزاد بعضهم في صفر.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 47
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الحسن البصري
كان الحسن البصري علماً من أعلام السلف رحمة الله عليهم، وعالماً من علمائهم، وكان كلامه يشبه كلام الأنبياء، تشرب العلم حتى نطق بالحكمة، وصار حليف الخوف والحزن، وأليف الهم والشجن، وعديم النوم والوسن، وكان فقيهاً زاهداً مشمراً عابداً رحمه الله تعالى.
стр. 48
بين يدي ترجمة الإمام الحسن البصري
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فمع أحد العلماء العاملين، والأئمة التابعين، الإمام الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء، تشرب بالعلم حتى نطق بالحكمة، وصفه أبو نعيم فقال: ومنهم حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن، الفقيه الزاهد، المشمر العابد، كان لفضول الدنيا وزينتها نابذاً، وشهوة النفس ونخوتها واقذاً.
ووصفه الزهري فقال: مناقبه كثيرة، ومحاسنه غزيرة، كان رأساً في العلم والحديث إماماً مجتهداً كثير الاطلاع، رأساً في القرآن وتفسيره، رأساً في الوعظ والتذكير، رأساً في الحلم والعبادة، رأساً في الزهد والصدق، رأساً في الفصاحة والبلاغة، رأساً في الأيد والشجاعة.
كان رجلاً مليحاً تام الشكل حسن الصورة، طال عمره في العلم والعمل، فقال ابنه: عاش أبي ثماني وثمانين سنة.
عصمه الله من الفتن، فلم يخف في فتنة ابن الأشعث، وسلك مسلك الورع، فكان ينهى عن الانضمام إليه، وكذا إلى جيش الحجاج، فأمر باعتزال الجميع، وهذا هو الواجب على المسلم في الفتن.
وكان يرى الحجاج الثقفي عقوبة من الله ، ومع ذلك يدعو إلى اللجوء إلى الله وعدم اللجوء إلى السلاح؛ فإنهم إذا لجئوا إلى الله جعل لهم من ظلم الظالمين فرجاً ومخرجاً، وإذا لجئوا إلى السلاح والخروج عليهم وكلوا إليه، فلا يغني عنهم شيئاً، فما أحوج المسلمين إلى معرفة أخباره والانتفاع بآثاره! الحسن البصري كان يشبه الأنبياء في سمته وهيئته، وحسنه، وحسن كلامه.
стр. 49
نسب الإمام الحسن البصري ومولده وصفته
اسمه: الحسن بن أبي الحسن وأبوه اسمه يسار البصري أبو سعيد مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جابر بن عبد الله، ويقال: مولى جميل بن قطبة بن عامر بن حديدة، ويقال: مولى أبي اليسر وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي ﷺ ، ويقال: إن يساراً والد الحسن من بيسان.
مولده: ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
صفته: قال محمد بن سعد: كان الحسن ﵀ جامعاً عالماً رفيعاً فقيهاً ثقة حجة مأموناً عابداً ناسكاً، كثير العلم، فصيحاً جميلاً وسيماً.
وقال الذهبي: كان رجلاً تام الشكل، مليح الصورة، بهياً، وكان من الشجعان الموصوفين.
وعن العوام بن حوشب قال: ما أشبه الحسن إلا بنبي؛ لأن الأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، وأحسن الناس كلاماً.
وعن شعبة قال: رأيت الحسن وعليه عمامة سوداء.
وعن عاصم بن سيار الرقاشي قال: أخبرتني أمة الحكم قالت: كان الحسن يجيء إلى حطان بن عبد الله فما رأيت شاباً قط كان أحسن وجهاً منه.
стр. 50
ثناء العلماء على الإمام الحسن البصري
عن أبي بردة قال: ما رأيت أحداً أشبه بأصحاب محمد ﷺ منه.
وعن حميد بن هلال قال: قال لنا أبو قتادة: الزموا هذا الشيخ، فما رأيت أشبه رأياً بـ عمر منه.
يعني: الحسن.
وعن أنس بن مالك قال: سلوا الحسن؛ فإنه حفظ ونسينا.
فإذا أحال الصحابة على الحسن فهذا يدل على تمكنه في العلم.
وعن أيوب قال: كان الحسن يقول: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً وينقلب باليقين في الحزن ويكفيه ما يكفي العنيزة.
وعن محمد بن جحادة عن الحسن قال: ذهبت المعارف، وبقيت المناكير -يعني: ذهبت الأشياء الطيبة، وبقيت المناكير، والمناكير: جمع منكر- ومن بقي من المسلمين فهو مغموم.
يقول: هذا في زمن فاضل، زمن التابعين، فكيف بهذه الأزمنة المتأخرة؟!
стр. 51
علم الإمام الحسن البصري ﵀
قال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام.
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: من سره أن ينظر إلى أفقه من رأينا فلينظر إلى الحسن.
وعن أبي هلال قال: كنت عند قتادة فجاء الخبر بموت الحسن، فقلت: لقد غمس في العلم غمساً.
قال قتادة: بل نبت فيه وتحقبه وتشربه، والله! لا يبغضه إلا حروري.
وهذه علامة أن أهل البدعة يبغضون أهل السنة.
وعن حجاج بن أرطأة قال: سألت عطاء عن القراءة على الجنازة؟ قال: ما سمعنا ولا علمنا أنه يقرأ عليها، قلت: إن الحسن يقول: يقرأ عليها، قال عطاء: عليك بذاك، ذاك إمام ضخم يقتدى به.
وعن أبي سعيد بن الأعرابي قال: كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن، ويسمعون كلامه، ويذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصة، وكان عمرو بن عبيد وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له، وكان له مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن؛ فإذا سأله إنسان غيرها تبرم به، وقال: إنا خلونا مع إخواننا نتذاكر.
فأما حلقته في المسجد فكان يمر فيها الحديث والفقه وعلوم القرآن واللغة وسائر العلوم، وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب، وكان منهم من يصحبه للحديث، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان، ومنهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص كـ عمرو بن عبيد وأبي جهيم، وعبد الواحد بن زيد وصالح المري شميط وأبي عبيدة الناجي وكل واحد من هؤلاء اشتهر بحال في العبادة، ولكن عمرو بن عبيد اعتزل مجلس الحسن وصار من أئمة المعتزلة.
وعن خالد بن رباح أن أنس بن مالك سئل عن مسألة فقال: عليكم بمولانا الحسن، فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا.
وعن قتادة قال: دخلنا على الحسن وهو نائم، وعند رأسه سلة، فجذبناها فإذا خبز وفاكهة فجعلنا نأكل، فانتبه فرآنا فسره فتبسم وقرأ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١]، لا جناح عليكم.
يعني: لا جناح على الإنسان أن يأكل من بيت صديقه بغير إذنه.
стр. 52
الحسن البصري وفتنة ابن الأشعث
يبدو أن الحسن البصري ﵀ كان معارضاً للخروج على الحجاج مع ابن الأشعث، ولكنهم ما زالوا به حتى أكرهوه على الخروج معهم، ثم نجاه الله بفضله ورحمته، وكاد أن يهلك، وهذه جملة من أخباره ﵀ تنبئ بذلك: عن سليمان بن علي الربعي قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث، إذ قاتل الحجاج بن يوسف، انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب في نظرائهم، فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد! ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟! قال: وذكروا من فعل الحجاج، قال: فقال الحسن: أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم.
يعني: إذا أراد الله أن يعاقبكم به فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم.
قال: وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟! يعني: الأعجمي؛ لأن أصله مولى وليس عربياً أصيلاً، وهم عرب، فقالوا: نطيع هذا العلج؟! قال: وهم قوم عرب.
قال: وخرجوا مع ابن الأشعث، فقتلوا جميعاً.
وعن الحسن قال: لو أن الناس إذ ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله! ما جاءوا بيوم خير قط.
وهذه عادة الخروج على الحكام غالباً لا يجنى منها إلا الدماء والأشلاء، ولا يكون فيها مصلحة للإسلام والمسلمين، والدارس لتاريخ الإسلام يرى أمثال هذه الفتنة كثيراً، ولا ينتج عنها عز الإسلام.
وعن أيوب قال: قيل لـ ابن الأشعث: إن سرك أن يقتلوا حولك كما قتلوا حول جمل عائشة فأخرج الحسن، فأرسل إليه فأكرهه.
وعن ابن عون قال: استبطأ الناس أيام ابن الأشعث، فقالوا له: أخرج هذا الشيخ، يعني: الحسن، قال ابن عون: فنظرت إليه بين الجسرين وعليه عمامة سوداء، قال: فغفلوا عنه فألقى نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم، وكاد يومئذ أن يهلك.
يعني: كأنهم أخذوه جبراً ليكون معهم؛ حتى ينضم الناس معه إذا رأوا الحسن، ثم هرب منهم.
وعن سلم بن أبي الذيال قال: سأل رجل الحسن وهو يسمع وأناس من أهل الشام، فقال: يا أبا سعيد! ما تقول في الفتن مثل يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟! فغضب، ثم قال بيده فخطر بها، ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ نعم، ولا مع أمير المؤمنين.
فظاهر الكلام أنه لا يكون مع الذين خرجوا ولا مع جند الحجاج، يعني: يعتزل الفريقين، فقال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب وقال: ولا مع أمير المؤمنين.
وعن ابن عون قال: كان مسلم بن يسار أرفع عند أهل البصرة من الحسن، حتى خف مع ابن الأشعث، فلم يزل في علو منها بعد، وسقط الآخر.
يعني: لما انضم مسلم بن يسار لـ ابن الأشعث خف ولم يخف الحسن، فصار الحسن في علو وسقط الآخر.
стр. 53
شيوخ الإمام الحسن البصري وتلامذته ﵏
شيوخه: قال الحافظ: رأى علياً ﵁ وطلحة وعائشة، وكتب للربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وروى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب ولم يدركهم.
يعني: روى عنهم مرسلاً.
وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم.
وقال الذهبي: روى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بكرة والنعمان بن بشير وجندب بن عبد الله وسمرة بن جندب وابن عباس وعمر وجابر وغيرهم.
تلامذته: قال الحافظ: وعنه حميد الطويل.
ويزيد بن أبي مريم وأيوب السختياني وقتادة بن دعامة وعوف الأعرابي وبكر بن عبد الله المزني وجرير بن حازم وأبو الأشهب والربيع بن صبيح وغيرهم.
стр. 54
درر من أقوال الإمام الحسن البصري ﵀
عن عمران بن خالد قال: قال الحسن: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً، ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.
يعني: له ذنوب في الماضي لا يدري هل غفرت أم لا، وكذلك لا يدري هل يصيبه شيء من المهالك في بقية عمره، فلابد أن يكون حزيناً.
وعن عمران القصير قال: سألت الحسن عن شيء فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا، فقال: وهل رأيت فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه .
وعن طلحة بن صبيح عن الحسن قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، المؤمن أحسن عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين -يعني: الآخرة- ولا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً.
وهذا له شاهد من حديث النبي ﷺ : (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، فكلما ازداد الإنسان علماً وصلاحاً وعبادة يزداد خشية من الله ؛ لأنه يعلم من صفات الله ومن عظمته من أمور الآخرة ما يجعله يزداد خوفاً من الله .
والله تعالى حصر الخشية في العلماء، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقيل للشعبي: فلان عالم، قال: إنما العالم من يخشى الله.
قال: ولا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي ولا بأس علي وينسى العمل، ويتمنى على الله تعالى.
وعن هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يحلف بالله ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله.
وبالمقابل ما أعز أحد دين الله إلا أعزه الله، وإذا أهان دين الله أهانه الله ، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
وعن حزم بن أبي حزم قال: سمعت الحسن يقول: بئس الرفيقان: الدينار، والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك.
وعن أبي عبيدة الناجي عن الحسن قال: ابن آدم! ترك الخطيئة أهون عليك من معالجة التوبة، ما يؤمنك أن تكون أصبت كبيرة أغلق دونها باب التوبة، فأنت في غير معمل.
وعن زريك بن أبي زريك قال: سمعت الحسن يقول: إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل.
يعني: من فائدة معرفة الفتنة عند إقبالها أن يعصم الإنسان منها، ولا يعرفها إلا العلماء، ولكن إذا أدبرت عرفها كل جاهل، حيث لا تفيد المعرفة.
وعن عمارة قال: كنت عند الحسن فدخل علينا فرقد، وهو يأكل خبيصاً، فقال: تعال فكل، فقال: أخاف ألا أؤدي شكره، فقال الحسن: وتؤدي شكر الماء البارد؟! ويروى أيضاً أنه وزع حلوى في مجلس الحسن فرفض أحد الجالسين وقال: لا أستطيع أن أؤدي شكرها، فقال له: كل يا أحمق! فإن شربة الماء البارد لا تستطيع أن تؤدي شكرها.
فعلى كل حال حق الله أثقل من أن يقوم به العباد.
стр. 55
وفاة الإمام الحسن البصري ﵀
عن عبد الواحد بن ميمون مولى عروة بن الزبير قال: قال رجل لـ ابن سيرين: رأيت طائراً آخذاً أحسن حصاة في المسجد، فقال ابن سيرين: إن صدقت رؤياك مات الحسن.
قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى مات.
وعن يونس قال: لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع، فقام إليه ابنه فقال: يا أبت! قد غممتنا، فهل رأيت شيئاً؟ قال: هي نفس لم أصب بمثلها.
قال هشام بن حسان: كنا عند محمد بن سيرين عشية يوم الخميس، فدخل عليه رجل بعد العصر، فقال: مات الحسن، فترحم عليه محمد وتغير لونه، وأمسك عن الكلام، فما تكلم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه مما رأوا من وجده عليه.
قال الذهبي: وما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن إلا مائة يوم.
وقال عبد الله بن الحسن: إن أباه عاش نحواً من ثمان وثمانين سنة.
قال الذهبي: مات في أول رجب أي: سنة عشر ومائة، وكانت جنازته مشهودة، وصلوا عليه عقب الجمعة بالبصرة، فشيعه الخلق وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع.
وروي أنه أغمي عليه ثم أفاق إفاقة، فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
فرحمه الله رحمة واسعة، وأدخلنا وإياه جنة عالية، قطوفها دانية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 56
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الزهري
الإمام الزهري إمام علم من أئمة أهل الحديث، وممن حمل علوم الشريعة الغراء على خير وجه، قال عنه بعضهم أنه أول من دون العلم وكتبه، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقاً لمتون الأخبار.
стр. 57
بين يدي ترجمة الزهري رحمه الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فما زلنا -بحمد الله- في صحبة العلماء الكرام من أئمة الدين، والعلماء العاملين في هذه السلسلة المباركة من أعلام السلف.
وهذه الجولة مع إمام من أئمة الحديث، من صغار التابعين، انتهت إليه رئاسة الحديث، إنه شيخ مالك والليث وابن أبي ذئب والسفيانين وغيرهم من أئمة أتباع التابعين.
إنه الإمام الزهري، وناهيك به علماً وفضلاً وشرفاً! قال أبو نعيم ﵀: ومنهم العالم السوي، والراوي الروي: أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان ذا عز وسناء، وفخر وسخاء.
لازم سعيد بن المسيب سيد التابعين، ومست ركبته ركبته ثمان سنين، وتردد على عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود والقاسم بن محمد وغيرهم من أئمة التابعين، وكان آية في الحفظ والذكاء، فنهل من علومهم، حتى قال له سعيد بن المسيب: من مات وترك مثلك لم يمت.
ساق الله له أسباب الشرف والعز في الدنيا والآخرة، فكان كثير المال، عظيم السخاء، له رتبة وشرف في دولة بني أمية، وكان أول من دون الحديث بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، وكان يتردد بين الشام والحجاز.
قال أبو بكر الذهلي: قد جالست الحسن وابن سيرين فما رأيت أحداً أعظم منه.
يعني: الزهري.
والحسن وابن سيرين أعلى منه طبقة وأكبر منه سناً، ولكن العلم منايح، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 58
نسب الزهري ومولده وصفته
اسمه ومولده وصفته: اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام العلم، حافظ زمانه، أبو بكر القرشي الزهري المدني، نزيل الشام.
مولده: قال دحيم وأحمد بن صالح: في سنة خمسين.
وقال خليفة بن خياط: في سنة إحدى وخمسين.
صفته: قال محمد بن يحيى بن أبي عمرو عن سفيان: رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية، وفي حمرتهما انكفاءً قليلاً، كأنه يجعل فيها كتماً، أي: كأنه يصبغ بالحناء وفيه كتم.
قال: وكان الزهري أعيمش وعليه جميمة.
وعن يعقوب بن عبد الرحمن قال: رأيت الزهري قصيراً، قليل اللحية، له شعرات طوال، خفيف العارضين.
قال الذهبي: كان ﵀ محتشماً جليلاً بزي الأجناد، له صولة كبيرة في دولة بني أمية.
وقال محمد بن إشكاب: كان الزهري جندياً.
قال الذهبي: كان برتبة أمير.
стр. 59
ثناء العلماء على الزهري رحمه الله تعالى
ثناء العلماء عليه: عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت أحداً أبصر للحديث من ابن شهاب.
وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: هل تأتون ابن شهاب؟ قالوا: إنا لنفعل.
قال: فأتوه فإنه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه.
فهو حصل علم فقهاء المدينة السبعة، ثم لقن هذا العلم الجليل لأئمة أتباع التابعين كـ مالك والسفيانين والليث بن سعد وغيرهم.
وقال محمد بن عبد الملك في حديثه: والحسن وضرباؤه يومئذ أحياء.
يعني: أن عمر بن عبد العزيز قال هذا القول وكبار التابعين كـ الحسن وابن سيرين أحياء.
وعن الليث قال: ما رأيت عالماً قط أجمع من الزهري، يحدث في الترغيب فتقول: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كذلك.
وعن الدراوردي قال: أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب.
وقال أحمد بن حنبل: الزهري أحسن الناس حديثاً وأجود الناس إسناداً.
وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس: الزهري.
وعن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما رئي أحد جمع بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب.
فكأن أكثر واحد جمع السنة ابن شهاب؛ لأنه حصل علم كبار التابعين، إضافة إلى أنه أدرك بعض الصحابة كـ أنس بن مالك، وكان شيخ من بعده من أئمة أتباع التابعين.
وقيل لـ مكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب.
قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب.
قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب.
كأن ليس هناك أحد يدانيه.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: أدرك من أصحاب النبي ﷺ أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الرحمن بن أزهر ومحمود بن الربيع الأنصاري، وروى عن عبد الله بن عمر نحواً من ثلاثة أحاديث، وروى عن السائب بن يزيد.
وقال أبو بكر بن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقاً لمتون الأخبار، وكان فقيهاً فاضلاً.
وعن جعفر بن ربيعة قال: قلت لـ عراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أفقههم فقهاً وأعلمهم بما مضى من أمر الناس سعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثاً فـ عروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله - أي: ابن عتبة بن مسعود - بحراً إلا فجرته.
قال عراك: فأعلمهم عندي جميعاً ابن شهاب، فإنه جمع علمهم جميعاً إلى علمه.
وعن يونس عن ابن شهاب قال: قال لي سعيد بن المسيب: ما مات رجل ترك مثلك.
أي: كأن سعيد بن المسيب ترك نسخة أخرى لما عنده من العلم.
стр. 60
أسباب تفوق الزهري في العلم
أسباب تفوقه في العلم: قوة حفظه، وكتابته كل ما يسمع، ومدارسته العلم ومذاكرته، وملازمته أهل العلم وخدمتهم والقرب منهم وتوقيرهم، والأخذ بالأسباب التي تساعد على الحفظ؛ وتجنب ما يؤدي إلى النسيان.
ونذكر ذلك بشيء من التفصيل:
стр. 61
السبب الأول: قوة حفظه
قال الذهبي: ومن حفظ الزهري أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة.
روى ذلك عنه ابن أخيه محمد بن عبد الله.
وعن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال: ما استعدت حديثاً قط -أي: ما طلب إعادة حديث؛ لأنه كان يحفظ من أول مرة- وما شككت في حديث إلا حديثاً واحداً، فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت.
وعن الليث قال: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته.
стр. 62
السبب الثاني: كتابته كل ما يسمع
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كنت أطوف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح والصحف.
قال: وكنا نضحك به.
وفي رواية: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس.
وعن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كان ابن شهاب يختلف إلى الأعرج، وكان الأعرج يكتب المصاحف فيسأله عن الحديث، ثم يأخذ قطعة ورقة، فيكتب فيها ثم يتحفظ، فإذا حفظ الحديث مزق الرقعة.
وعن صالح بن كيسان قال: كنت أطلب العلم أنا والزهري، قال: فقال: نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة.
قال: فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت.
أي: لم يقتصر على كتابة الأحاديث المرفوعة، ولكنه كتب أيضاً الوارد عن الصحابة.
стр. 63
السبب الثالث: مدارسته العلم ومذاكرته
عن الأوزاعي عن الزهري قال: إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة.
وعن يعقوب بن عبد الرحمن: أن الزهري كان يكتب العلم عن عروة وغيره، فيأتي جارية له نائمة فيوقظها فيقول لها: حدثني فلان وفلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا؟ فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعت الآن فأردت أن أستذكره.
يعني: أنه كان يوقظ الجارية ويخبرها بالحديث الذي حفظه فيقول لها: حدثني فلان وفلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا؟ فيقول: قد علمت أنكِ لا تنتفعين به؛ ولكن سمعته فأردت أن أستذكره.
فكأنه عندما لا يجد أحداً يذاكره الحديث كان يوقظ جاريته ويذاكرها أو يحدثها بالحديث.
стр. 64
السبب الرابع: ملازمته أهل العلم وخدمتهم والقرب منهم
عن مالك عن الزهري قال: تبعت سعيد بن المسيب في طلب حديث ثلاثة أيام.
وعن معمر قال: سمعت الزهري يقول: مست ركبتي ركبة سعيد بن المسيب ثمان سنين.
وهي إشارة إلى أدب من آداب طلب العلم وهي القرب من العالم، وكما في حديث جبريل عندما أتى في صورة رجل إلى النبي ﷺ : شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، وجعل كفيه على فخذيه، وسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فالقرب من أهل العلم سبب للبركة في العلم.
وعن مالك بن أنس عن الزهري قال: خدمت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حتى كان ليقول: من بالباب؟ فتقول الجارية: غلامك الأعيمش.
فظنت الجارية أنه عبد من عبيده فتقول: غلامك الأعيمش، قال: وإن كنت لأخدمه حتى لأستقي له وضوءه.
стр. 65
السبب الخامس: توقير أهل العلم
عن معمر عن الزهري قال: إن كنت لآتي باب عروة فأجلس، ثم أنصرف، ولا أدخل، ولو أشاء أن أدخل لدخلت؛ إعظاماً له.
وعن سفيان قال: كنت أسمع الزهري يقول: حدثني فلان وكان من أوعية العلم، ولا يقول: كان عالماً.
стр. 66
السبب السادس: الأخذ بالأسباب التي تساعد على الحفظ وتجنب ما يؤدي إلى النسيان
عن إسماعيل المكي قال: سمعت الزهري يقول: من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب.
قال الحاكم: لأن زبيب الحجاز حار حلو رقيق، فيه يبس مقطع للبلغم.
وعن الليث عن ابن شهاب: أنه كان يسمر على العسل.
فالعسل من أسباب الحفظ، فقد كان وكيع يشرب العسل ويجلس الساعات الطويلة وهو يحدث، ويقول: اسقونا وحدثونا، فقد كان يكثر شرب العسل ولا يأكل شيئاً من التفاح.
وعن ابن وهب عن الليث قال: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً، وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأر، وكان يشرب العسل ويقول: إنه يذكره.
стр. 67
سخاء الزهري وكرمه في العلم
عن الليث قال: كان ابن شهاب يختم حديثه بدعاء جامع يقول: اللهم أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة.
قال: وكان من أسخى من رأيت، كان يعطي فإذا فرغ ما معه، يستلف من عبيده ويقول: يا فلان! أسلفني كما تعرف، وأضعف لك كما تعلم، وكان يطعم الناس الثريد ويسقيهم العسل.
وعن مالك قال: كان ابن شهاب من أتقى الناس، فلما أصاب تلك الأموال قال له مولى وهو يعظه: قد رأيت ما مر عليك من الضيق، فانظر كيف تكون، أمسك عليك مالك، قال: إن الكريم لا تحنكه التجارب.
فكان ينفق كثيراً حتى يستدين، وإذا نصح يقول: إن الكريم لا تحنكه التجارب.
وعن عقيل بن خالد: أن ابن شهاب كان يخرج إلى الأعراب يفقههم، فجاء أعرابي وقد نفد ما بيده، فمد الزهري يده إلى عمامته فأخذها فأعطاه، وقال: يا عقيل! أعطيك خيراً منها.
وعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت أحداً أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البعرة.
وعن مالك بن أنس قال: قال الزهري: وجدنا السخي لا تنفعه التجارب.
ولـ فايد بن أقرم يمدح الزهري: ذر ذا وأثن على الكريم محمد واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال من الجواد بماله قيل: الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه وربيع بادية على الأعراب
стр. 68
قصة دخول الزهري على بني أمية وعدم مداهنته في الحق
كان بعض العلماء يمنع من الدخول على الأمراء، وينصح من أراد أن يأمرهم أن يأمرهم من بعد، يعني: خشية أن يميل قلبه إليهم، ومنهم من كان يرى الدخول عليهم لنصحهم، فمن الذين كانوا يرون الدخول عليهم الإمام مالك، ولما قيل له: إنك تغشى الأمراء وتدخل عليهم وهم يفعلون كذا وكذا، فقال: يرحمك الله! فأين الجهر بالحق؟ فكان لدى العلماء قوة في الجهر بالحق، من هؤلاء أيضاً الإمام الزهري، كان قريباً من أمراء بني أمية، ولم يكن يداهنهم، بل يجهر أمامهم بكلمة الحق.
قال ابن أبي ذئب: ضاقت حال الزهري ورهقه دين، فخرج إلى الشام فجالس حويصة بن ذؤيب.
قال ابن شهاب: فبينما نحن معه نسمر إذ جاءه رسول لـ عبد الملك بن مروان، فذهب به إليه ثم رجع، فقال: من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد؟ قلت: أنا.
قال: قم، فدخلنا على عبد الملك، فإذا هو جالس على نمرقة بيده مخصرة وعليه غلالة ملتحف بسبيبة بين يديه شمعة.
قال: من أنت؟ فانتسبت له -ذكر نسبه- فقال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن -أي: يثير الفتن على الدولة الأموية -قلت: يا أمير المؤمنين! عفا الله عما سلف.
قال: اجلس: فجلست.
قال: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم.
قال: اقرأ من سورة كذا ومن سورة كذا فقرأت، فقال: أتفرض؟ -يعني: أتعلم علم الفرائض؟ - قلت: نعم.
قال: فما تقول في امرأة تركت زوجها وأبويها؟ قلت: لزوجها النصف ولأمها السدس ولأبيها ما بقي، قال: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ، إنما لزوجها النصف ولأمها ثلث ما بقى.
هات حديثك.
قلت: حدثني سعيد بن المسيب فذكر قضاء عمر في أمهات المؤمنين، فقال: وهكذا حدثني سعيد.
وذلك لأن عبد الملك بن مروان كان يتعلم من سعيد بن المسيب، ولكن لما ولي الخلافة بعد وفاة أبيه شغل عن ذلك بالملك وترك طلب العلم.
فقال: هكذا حدثني سعيد.
فقلت: يا أمير المؤمنين! اقض ديني، قال: نعم.
قال: وتفرض لي؟ يعني: تجعل لي راتباً ثابتاً، قال: لا، والله! ما نجمعهما على أحد، قال: فتجهزت إلى المدينة.
قال الشافعي: حدثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال هشام: يا سليمان! من الذي تولى كبره منهم؟ قال: عبد الله بن أبي ابن سلول.
قال: كذبت، هو علي، فدخل ابن شهاب فسأله هشام فقال: هو عبد الله بن أبي، قال: كذبت، هو علي.
فقال الإمام الزهري: أنا أكذب؟ لا أب لك، فوالله! لو نادى منادٍ من السماء: إن الله أحل الكذب، ما كذبت، حدثني سعيد وعروة وعبيد الله وعلقمة بن وقاص عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي.
قال: فلم يزل القوم يغرون به، فقال له هشام: ارحل، فوالله! ما ينبغي لنا أن نحمل عن مثلك.
قال: ولمَ، أنا اغتصبتك على نفسي أو أنت اغتصبتني على نفسي؟ فخل عني.
فقال له: لا، ولكن استدنت ألفي ألف، فقال: قد علمت وأبوك قبلك أني ما استدنت هذا المال عليك ولا على أبيك.
قال هشام: إنا لن نهيج الشيخ، فأمر فقضي عنه ألف ألف، فأخبر بذلك فقال: الحمد لله الذي هذا هو من عنده.
فهذه بعض الأخبار التي تدل على أنه كان يجهر بكلمة الحق مع قربه من الحكام والأمراء.
стр. 69
شيوخ الزهري وتلامذته
شيوخه: روى عن سهل بن سعد وأنس بن مالك لقيه بدمشق والسائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة بن صغير ومحمود بن الربيع وغيرهم.
وكما ذكرنا روى عن عشرة من الصحابة ﵃، بالإضافة إلى أئمة التابعين كفقهاء المدينة السبعة.
تلامذته: قال الذهبي: حدث عنه عطاء بن أبي رباح وهو أكبر منه، ومات قبله ببضع وعشرين سنة.
وعمرو بن دينار وعمرو بن شعيب وقتادة بن دعامة وزيد بن أسلم وطائفة من أقرانه ومنصور بن المعتمر وأيوب السختياني ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم.
стр. 70
درر من أقوال الزهري ﵀
عن معمر عن الزهري قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
وعن ابن أبي رواد عن ابن شهاب قال: العمائم تيجان العرب.
وبعض الناس يجعلون هذا حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهناك كثير من الأحاديث التي يتداولها الناس هي في الأصل قول لبعض السلف أو حكمة، فيضعون لها إسناداً، أو يظنها بعض الناس لجهلهم حديثاً مرفوعاً، منها هذه المقالة: العمائم تيجان العرب، يظنون أنها حديث نبوي، وهي من قول الإمام الزهري.
قال: العمائم تيجان العرب، والحبوة حيطان العرب، والاضطجاع في المسجد رباط المؤمنين.
وعن يونس قال: قال الزهري: إياك وغلول الكتب، قلت: وما غلولها؟ قال: حبسها.
يعني: أن يستعير إنسانٌ كتاباً مثلاً، فيحبسه ويمنع صاحبه من الانتفاع به، أو حتى أن يقرضه إلى غيره.
وعن أبي يحيى عن الزهري قال: استكثروا من شيء لا تمسه النار.
قيل: وما هو؟ قال: المعروف.
وعن سفيان قال: سئل الزهري عن الزهد؟ فقال: من لم يمنعه الحلال شكره ولم يغلب الحرام صبره.
وعن محمد بن إسحاق عن الزهري قال: إن للعلم غوائل - يعني: آفات - فمن غوائله: أن يترك العالم حتى يذهب بعلمه، يعني: لا ينتفع به.
ومن غوائله: النسيان، ومن غوائله: الكذب فيه، وهو أشد غوائله.
وروى معمر عن الزهري قال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم.
وعن يونس عن الزهري قال: العلم وادٍ، فإذا هبطت وادياً فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه.
وعن الزهري قال: كنا نأتي العالم، فما نتعلم من أدبه أحب إلينا من علمه.
يعني: ما يأخذون من سمته وهديه وأدبه أفضل عندهم مما يسمعونه من الأحاديث المسندة؛ لأنهم قد يسمعون هذه الأحاديث من غيره، يعني: ممن ليس في درجته من الأدب.
وعن الأوزاعي عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً، فبعز العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.
وقال حماد بن زيد: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من أشعاركم وأحاديثكم؛ فإن الأذن مجاجة، وإن للنفس حمضة.
стр. 71
وفاة الزهري رحمه الله تعالى
قال إبراهيم بن سعد وابن أخي الزهري: مات سنة (١٢٤هـ).
وقال خليفة: مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (١٢٤هـ).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 72
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الشعبي
الإمام الشعبي رحمه الله تعالى من أئمة التابعين، وكان فقيهاً عالماً بالسنة وبالمغازي، متورعاً عن الفتوى ذاماً للرأي، أخذ عن الصحابة ﵃، وبلغ في العلم والدين منزلة رفيعة، فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
стр. 73
بين يدي ترجمة الشعبي
عالمنا في هذه الحلقة من السلسلة المباركة نحيف الجسم، عظيم القدر، جبل من جبال العلم، وإمام من أئمة التابعين، أدرك ما يقرب من خمسين صحابياً، وكانت له حلقة عظيمة في وجود أكابر الصحابة ﵃، رآه ابن عمر ﵄ فقال: كأنه قد شاهد معنا، ذو دعابة وذكاء، يرغب الملوك في قربه، ويحتاج الجميع إلى علمه، أرسله عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم فتعجب الملك لماذا لم يؤمره العرب عليهم؟ وهذه القصة ذكرها الذهبي في سيره عن ابن عائشة قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي رسولاً إلى ملك الروم، فلما انصرف من عنده قال: يا شعبي! أتدري ما كتب به إلي ملك الروم؟ قال: وما كتب يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أتعجب لأهل ديانتك كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك.
قلت: يا أمير المؤمنين؛ لأنه رآني ولم يرك.
وهذا من ذكائه رحمه الله تعالى.
стр. 74
حفظ الإمام الشعبي ونباهة خاطره وسعة علمه
حفظه ونباهة خاطره وسعة علمه: عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني أحد قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي.
وعنه عن الشعبي قال: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدث بحديث إلا أنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالماً.
وعن وادع الراسبي عن الشعبي قال: ما أروي شيئاً أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد.
وعن أبي مجلز قال: ما رأيت فقيهاً أفقه من الشعبي.
وقال مكحول: ما رأيت أعلم بسنة ماضية من الشعبي.
وقال داود بن أبي هند: ما جالست أحداً أعلم من الشعبي.
وعن عبد الملك بن عمير قال: مر ابن عمر بـ الشعبي وهو يقرأ المغازي، فقال: كأنه كان شاهداً معنا، ولهو أحفظ لها مني وأعلم.
وقال عاصم الأحول: ما رأيت أحداً أعلم من الشعبي.
فهذه قمم شامخة في سماء المجد، وأئمة في العلم يجهلها أكثر الناس، ومن فوائد دراسة هذه التراجم أن نتعرف على هؤلاء الأعلام حتى نتقرب إلى الله بحبهم.
стр. 75
تورع الإمام الشعبي عن الفتوى وذمه الرأي
تورعه عن الفتوى وذمه للرأي: عن محمد بن جحادة أن عامراً الشعبي سئل عن شيء فلم يكن عنده فيه شيء، فقيل له: قل برأيك.
فقال: وما تصنع برأيي؟ بل على رأيي.
وعن آدم: أن رجلاً سأل إبراهيم -أي النخعي - عن مسألة فقال: لا أدري.
فمر عليه عامر الشعبي فقال للرجل: سل ذاك الشيخ، ثم ارجع فأخبرني، فرجع إليه فقال: قال: لا أدري.
قال إبراهيم: هذا والله الفقه.
وبعض الإخوة الذين سجّلوا للشيخ ابن باز ﵀ وقد سئل عن راوٍ فقال: لا أدري.
فأراد مسجّل البرنامج أن يحذف هذه الكلمة، يظن أن في هذا رفعاً لشأن الشيخ، فأصر الشيخ ابن باز ﵀ على أن تبقى هذه الكلمة في البرنامج.
وقالوا: كان لها أثر عظيم جداً، وهذا موافق لما يقوله العلماء: ينبغي للعالم أن يورث تلامذته: لا أدري.
أي: يُكثر منها حتى تُحمل عنه؛ لأنه إذا تجرأ على الشرع وأفتى بعلمه فإن هذا يكون من باب طلب الشرف بالدين، فهو يستحي أن يقول: لا أدري، فيتجرأ على شرع الله ويقول بلا علم.
وعن مالك بن مغول عن الشعبي قال: لو كانت الشيعة من الطير كانوا رخماً، ولو كانوا من الدواب كانوا حمراً.
وعن الوصافي عن عامر الشعبي قال: أحب صالح المؤمنين، وصالح بني هاشم، ولا تكن شيعياً، وارج ما لم تعلم ولا تكن مرجئاً، واعلم أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك ولا تكن قدرياً، وأحبب من رأيته يعمل بالخير وإن كان أخرم سندياً.
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان الشعبي صاحب آثار، وكان إبراهيم النخعي صاحب قياس.
وعن مجالد قال: وكان الشعبي يذم الرأي ويفتي بالنص.
قال مجالد: سمعت الشعبي يقول: لعن الله رأيت.
وعن الهذلي قال: قال الشعبي: أرأيتم لو قُتل الأحنف بن قيس وقُتل طفل أكانت ديتهما سواء، أم يفضّل الأحنف لعقله وعلمه؟ قلت: سواء.
قال: فليس القياس بشيء.
وعن ابن أبجر قال: قال الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب محمد ﷺ ﵃ فخذه، وما قالوا برأيهم فبل عليه.
وعن صالح بن مسلم قال: قال عامر الشعبي: إنما هلكتم أنكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.
وعن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم.
следующие страницы →