← Тараджим

Тараджим · id 37370

من أعلام السلف

أحمد فريد

Полный текст (222 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثناء العلماء على سفيان الثوري ثناء العلماء عليه: وهذا بحر لا يُدرك قعره ولا يُنزف غمره، ولا نُحرم بفضل الملك الوهاب من نقل ما أُثر من ذلك في هذا الكتاب. قال وكيع: كان سفيان بحراً. وقال الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان. وقال ابن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان. قال سفيان بن عيينة: ما رأيت أحداً أفضل من سفيان ولا رأى سفيان مثل نفسه. وعن يحيى بن سعيد وسألوه عن سفيان وشعبة قال: ليس الأمر بالمحاباة، ولو كان الأمر بالمحاباة لقدمنا شعبة على سفيان لتقدمه. لأن شعبة من صغار التابعين، وسفيان من كبار أتباع التابعين. فقال: لو كان الأمر بالمحاباة لقدمنا شعبة على سفيان لتقدمه، فإن سفيان يرجع إلى كتاب وشعبة لا يرجع إلى كتاب، وسفيان أحفظهما، وقد رأيناهما يختلفان فوجدنا الأمر كما قال سفيان. وقال أبو بكر بن عياش: إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم. وعن يحيى بن معين قال: ما خالف أحدٌ سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: أحسن إسناد الكوفة سفيان عن منصور بن معتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. وقال شعبة وسفيان بن عيينة وأبو عاصم النبيل ويحيى بن معين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان فقال له رجل: يا أبا عبد الله! رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء ومجاهد -وهؤلاء من التابعين- وتقول هذا؟ فقال: ما رأيت أفضل من سفيان. وروى وكيع عن شعبة قال: سفيان أحفظ مني. وقال عبد العزيز بن رزمة: قال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان فقال: دمغتني. وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثوري مقبلاً، فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، وأبو إسحاق السبيعي من التابعين. وقال محمد بن عبد الله بن عمار: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش. وعن شعيب بن حرب قال: إني لأحسب أنه يُجاء غداً بـ سفيان حجة من الله على خلقه، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم قد رأيتم سفيان. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري. ومع علو شأنه وارتفاع قدره وجمعه بين العلم والعمل لم يكن ﵀ بالمعصوم، فقد لخّص الحافظ الذهبي مناقبه وما أُخذ عليه ﵀. فقال: قد كان سفيان رأساً في الزهد والتأدب والخوف، رأساً في الحفظ، رأساً في معرفة الألفاظ، رأساً في الفقه لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين، واغتفر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تشيع يسير، كان يثلث بـ علي، أي أنه يقدم علياً على عثمان، وهو على مذهب بلده أيضاً في النبيذ، أي: أنهم كانوا يجيزون النبيذ الذي يسكر كثيره ولا يسكر قليله. ويأتي في ذكر ترجمة وكيع أيضاً أنه وقع في ذلك. ويقال: إنه رجع عن كل ذلك، وكان يُنكر على الملوك ولا يرى الخروج أصلاً، وكان يدلّس في روايته، وربما دلّس عن الضعفاء، وكان سفيان بن عيينة مدلساً لكن ما عُرف له تدليس عن ضعيف، فكان يدلّس عن ثقات.

стр. 177

زهد سفيان الثوري وورعه ﵀ زهده وورعه ﵀: والمقصود بالزهد: خلو القلب من الدنيا وعدم الحرص عليها، فليس الزهد نفض اليدين منها والقلب متعلق بها شديد الشغف بحبها. قال يحيى بن نصر بن حاجب: سمعت ورقاء بن عمر يقول: إن الثوري لم ير مثل نفسه. قال وكيع: سمعت سفيان يقول: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت. وعن عيسى بن يونس قال: مات سفيان الثوري مستخفياً، قد جمع قميصه خريطة قد ملأها كتباً. أي: كتابة. وعن شعيب بن حرب قال: قال لي الثوري: يا أبا صالح! احفظ عني ثلاثاً: إذا احتجت إلى شسع -وهو رباط النعل- فلا تسأل، وإذا احتجت إلى ملح فلا تسأل، واعلم أن الخبز الذي تأكله بملح عجن، وإذا احتجت إلى ماء فاستعمل كفّيك فإنه يجري مجرى الإناء. وقال أبو قطن: عن شعبة: ساد سفيان الناس بالورع والعلم. وعن أبي السري قال: قيل لـ فضيل بن عياض عما كان يذهب إليه من الورع: من إمامك في هذا؟ قال: سفيان الثوري. أُهدي لـ سفيان ثوبٌ فرده، فقال له من أهداه: لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده عليّ. قال: علمت أنك لست ممن يسمع الحديث، ولكن أخاك يسمع مني الحديث، فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر مما يلين لغيره. وعن قتيبة بن سعيد قال: لولا سفيان لمات الورع. وعن عبد العزيز القرشي قال: سمعت سفيان يقول: عليك بالزهد يبصّرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله عنك حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك. وقال العمري: معاشر القراء! كلوا الدنيا فقد مات سفيان الثوري. وعن حفص بن غياث وذكر الثوري فقال: كان يتعزى بـ سفيان وبمجالس سفيان عن الدنيا. وعن يحيى بن اليمان قال: كان سفيان الثوري يتمثل بهذا البيت: باعوا جديداً جميلاً باقياً أبداً بدارس خلق يا بئس ما اتجروا أي: باعوا الآخرة بالدنيا.

стр. 178

عبادة سفيان الثوري وخشيته عبادته وخشيته: عن علي بن فضيل قال: رأيت سفيان الثوري ساجداًً حول البيت، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه، أي: أنه طاف سبعة أشواط وهو في نفس السجدة. وعن ابن وهب قال: رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي لصلاة العشاء. وقال رجل لـ سفيان: أوصني! فقال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر مقامك فيها. وعن عبد الله بن عبدان أبو محمد البغلاني قال: حدثنا عبد الله أن رجلاً كان يتّبع سفيان الثوري فيجده أبداً يُخرج من لبنة - أي: طوب - رقعة ينظر فيها، فأحب أن يعلم ما فيها، فوقعت الرقعة في يده فإذا مكتوب فيها: سفيان! اذكر وقوفك بين يدي الله . وعن عطاء الخفاف قال: ما لقيت سفيان الثوري إلا باكياً. فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً. وكما قال بعضهم: كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا؛ لما نرى من خوفه وجزعه. وعن عبد الرحمن رسته قال: سمعت ابن مهدي يقول: بات سفيان عندي فجعل يبكي. فقيل له؟ فقال: لذنوبي عندي أهون من ذلك -ورفع شيئاً من الأرض- إني أخاف أن أُسلب الإيمان قبل أن أموت. وعن يحيى القطان قال: ما رأيت رجلاً أفضل من سفيان، لولا الحديث كان يصلي ما بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فإذا سمع مذاكرة الحديث ترك الصلاة وجاء. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا نكون عند سفيان الثوري فكأنه قد أوقف للحساب فلا نجترئ أن نكلمه، فنعرض بذكر الحديث فيذهب ذلك الخشوع، فإذا هو حدثنا وحدثنا.

стр. 179

اتباع سفيان الثوري ﵀ للسنة اتباعه ﵀ للسنة: عن شعيب بن حرب قال: قلت لـ سفيان الثوري: حدثني بحديث في السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يديه وسألني عنه قلت: يا رب حدثني بهذا سفيان، فأنجو أنا وتؤخذ، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، وتقدمة الشيخين - أبي بكر وعمر - إلى أن قال: يا شعيب لن ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين -ومسألة المسح على الخفين في الحضر والسفر مسألة فقهية، ولكن لما نفاها الروافض نص أهل السنة في عقائدهم على أن هذه من عقيدة أهل السنة لمخالفة أهل البدعة- قال وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر بها -يقصد: في الصلاة، وهذا أيضاً من الفقه بالسنة، ولكن لمخالفة أهل البدع في ذلك- وحتى تؤمن بالقدر، وحتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أو عدل. فقلت: يا أبا عبد الله! الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة، فإذا وقفت بين يدي الله وسألك عن هذا فقل: يا رب! حدثني بهذا سفيان بن سعيد، ثم خل بيني وبين ربي . قال الذهبي: هذا ثابت عن سفيان. والذهبي يحقق القصص والروايات، فيقول: هذه الرواية ضعيفة، وهذه الرواية مسندة صحيحة.

стр. 180

محنة سفيان الثوري ﵀ وصدعه بالحق محنته ﵀ وصدعه بالحق: عن داود عن أبيه قال: كنت مع سفيان الثوري فمررنا بشرطي نائم وقد حان وقت الصلاة، فذهبت أحركه فصاح سفيان فقال: مه! فقلت: يا أبا عبد الله يصلي، فقال: دعه لا صلى الله عليه، فما استراح الناس حتى نام هذا. وعن عطاء بن مسلم قال: لما استخلف المهدي بعث إلى سفيان، فلما دخل خلع خاتمه فرمى به إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟! قال عبيد قلت لـ عطاء: يا أبا مخلد! قال له: يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني شيئاً حتى أسألك، قال: فغضب من ذلك وهم به، فقال له كاتبه: أليس قد أمّنته يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى، قال: فلما خرج حف به أصحابه فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمر أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، قال: فاستصغر عقولهم ثم خرج هارباً إلى البصرة. وروى ابن سعد في الطبقات قال: وطُلب سفيان فخرج إلى مكة، فكتب المهدي أمير المؤمنين إلى محمد بن إبراهيم وهو على مكة يطلبه، فبعث محمد إلى سفيان فأعلمه بذلك، وقال: إن كنت تريد إتيان القوم فاظهر حتى أبعث بك إليهم، وإن كنت لا تريد ذلك فتوار، قال: فتوارى سفيان، وطُلب من محمد بن إبراهيم وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاء بـ سفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متوارياً بمكة لا يظهر إلا لأهل العلم ومن لا يخافه، قالوا: فلما خاف سفيان بمكة من الطلب خرج إلى البصرة فقدمها، فنزل قرب منزل يحيى بن سعيد القطان فقال لبعض أهل الدار: أما قُربكم أحداً من أهل الحديث؟ قالوا: بلى يحيى بن سعيد قال: جئني به، فأتاه به، فقال: أنا هنا منذ ستة أيام أو سبعة، فحوّله يحيى إلى جواره بينه وبينه بابٌ، وكان يأتي بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه الحديث، فكان فيمن أتاه جرير بن حازم والمبارك بن فضالة وحماد بن سلمة ومرحوم العطار وحماد بن زيد وغيرهم، وأتاه عبد الرحمن بن مهدي ولزمه، فكان يحيى وعبد الرحمن يكتبان عنه تلك الأيام، وكلّم أبا عوانة أن يأتيه فأبى، وقال: رجل لا يعرفني كيف آتيه. وذلك أن أبا عوانة سلّم عليه بمكة فلم يرد عليه سفيان السلام -ولعله شك فيه أو كأنه لا يعرفه- وكُلم في ذلك فقال: لا أعرفه، ولما تخوّف سفيان أن يشهر بمقامه بالبصرة قرب يحيى بن سعيد قال له: حوّلني من هذا الموضع، فحوّله إلى منزل الهيثم بن منصور الأعرجي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، فلم يزل فيهم فكلمه حماد بن زيد في تنحيه عن السلطان وقال: هذا فعل أهل البدع، وما نخاف منهم؟ فأجمع سفيان وحماد أن يقدما بغداد. وسيأتي أنه توفي قبل أن يذهب.

стр. 181

شيوخ سفيان الثوري وتلامذته شيوخه وتلامذته: شيوخه: قال الحافظ روى عن أبيه سعيد الثوري وأبي إسحاق الشيباني وعبد الملك بن عمير وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة وإسماعيل بن أبي خالد وسلمة بن كهيل وطارق بن عبد الرحمن والأسود بن قيس وبيان بن بشر وجامع بن أبي راشد وغيرهم. تلامذته: روى عنه خلق لا يُحصون منهم جعفر بن برقان وخصيف بن عبد الرحمن وابن إسحاق صاحب المغازي وغيرهم من شيوخه، وأبان بن تغلب وشعبة وزائدة والأوزاعي ومالك وزهير بن معاوية ومسعر وغيرهم من أقرانهم. وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين وابن المبارك وغيرهم.

стр. 182

درر من أقوال سفيان الثوري ﵀ درر من أقواله: عن عبد الله بن سابق قال: قال سفيان الثوري: النظر إلى وجه الظالم خطيئة. والأفضل أن نقول: يقسي القلب؛ لأن قولنا: خطيئة، يحتاج إلى دليل. وعن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان الثوري: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله. وعن يحيى بن يمان قال: حدثنا سفيان قال: قال عيسى بن مريم ﵇: تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والتمسوا رضوانه بالتباعد منهم، قالوا: فمن نجالس؟ قال: من تذكركم بالله رؤيته، ويرغّبكم في الآخرة عمله، ويزيد في علمكم منطقه. وعن محمد بن أبي منصور أو غيره قال: عاتب سفيان رجلاً من إخوانه كان هم أن يتلبس بشيء من أمر هؤلاء - أي: الأمراء - فقال له: يا أبا عبد الله! إن عليّ عيالاً، قال: لئن تجعل في عنقك مخلاة فتسأل على الأبواب خير من أن تدخل في شيء من أمر هؤلاء. وعن حذيفة المرعشي قال: قال سفيان: لئن أخلّف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وعن خلف بن تميم قال: سمعت سفيان يقول: من أحب أفخاذ النساء لم يفلح. وعن عبد الله بن بشر قال: سمعت الثوري يقول: إن الحديث عز، من أراد به الدنيا فدنيا، ومن أراد به الآخرة فآخرة. وعن أبي أسامة قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إنما العلم عندنا الرخص عن الثقة، فأما التشديد فكل إنسان يحسنه. فليس الفقه بالتشدد، ولكن الفقه أن تأتيك الرخصة من عالم، فالفقيه ليس هو الذي يقول: هذا حرام وهذا حرام ويضيّق على الناس، ولكن الفقيه هو الذي يجد للناس مخرجاً بحيث لا يخالف الشرع. وعن الفريابي قال: سمعت سفيان يقول: يعجبني أن يكون صاحب الحديث مكفياً - أي: عنده الرزق الذي يكفيه - فإن الآفات إليه أسرع وألسنة الناس إليه أسرع. وعن زيد بن أبي الزرقاء قال: خرج سفيان ونحن على بابه نتدارس النسخ - أي: يعالجون بعض الأخطاء في النسخ - فقال: يا معشر الشباب! تعجّلوا بركة هذا العلم؛ فإنكم لا تدرون لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضاً. وعن أبي أحمد الزبيري قال: كتب رجلٌ من إخوان سفيان الثوري إلى سفيان الثوري: أن عظني فأوجز، فكتب إليه: عافانا الله وإياك من السوء كله، يا أخي! إن الدنيا غمها لا يفنى، وفرحها لا يدوم، وفكرها لا ينقضي، فاعمل لنفسك حتى تنجو، ولا تتوانى فتعطب، والسلام.

стр. 183

ما تمثل به سفيان الثوري ﵀ من الشعر ما تمثل به من الشعر ﵀: عن عبد الله بن زياد عن محمد بن بشر قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وعن محمد بن عبيد الطنافسي قال: سمعت سفيان يقول: يسر الفتى ما كان قدم من تقى إذا عرف الداء الذي هو قاتله وعن مزاحم بن زفر قال: سمعت سفيان الثوري ينشد هذه الأبيات من قول ابن حطان: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوّع أراها وإن كانت قليلاً كأنها سحابة صيف عن قليل تقشّع وعن زكريا بن عدي قال: كان الثوري يتمثل: أرى الرجال بدون الدين قد قنعوا وليس في عيشهم يرضون بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين أي: أنه كما استغنى أهل الدنيا بالدنيا وتركوا الدين، فاستغن أنت بالدين. قال: وليس في عيشهم يرضون بالدون، أي: في الدنيا لا يرضون بالدون.

стр. 184

وفاة سفيان الثوري ﵀ وبعض ما قيل في رثائه وفاته ﵀: قال ابن سعد ﵀: كتب سفيان إلى المهدي أو إلى يعقوب بن داود فبدأ بنفسه فقيل له: إنهم يغضبون من هذا، أي: أنه عندما يكتب: من فلان إلى فلان -وهذه سنة في الرسائل- قالوا له: إن الأمراء يغضبون من ذلك، ولا بد أن يبدأ بهم، فبدأ بهم، فأتاه جواب كتابه بما يحب من التقريب والكرامة والسمع منه والطاعة، فأراد الخروج إليهم، فحُم ومرض مرضاً شديداً وحضره الموت فجزع، فقال له مرحوم بن عبد العزيز: يا أبا عبد الله! ما هذا الجزع؟ إنك تقدم على الرب الذي كنت تعبده، فسكن وهدأ وقال: انظروا من هاهنا من أصحابنا الكوفيين، فأرسلوا إلى عبدان فقدم عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر والحسن بن عياش أخو أبو بكر بن عياش فأوصى إلى عبد الرحمن بن عبد الملك وأوصاه أن يصلي عليه، فأقام عنده حتى مات، فأُخرج بجنازته على أهل البصرة فجأة وسمعوا بموته، وشهده الخلق، وصلى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك، وكان رجلاً صالحاً رضيه سفيان لنفسه، ونزل في حفرته ونزل معه خالد بن الحارث وغيرهما، ودفنوه، ثم انصرف عبد الرحمن بن عبد الملك والحسن بن عياش إلى الكوفة فأخبرا أهلها بموت سفيان ﵀. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: لما مات سفيان أخرجناه من الليل من أجل السلطان، فحملناه بالليل، فما أنكرنا الليل من النهار -لعل هذا من كثرة الناس- قال: وسمعته يقول في علّته وكان به البطن: ذهب التستر ذهب التستر أي: أنه لما أوشك على الموت وكان به البطن كان يقول: ذهب التستر ذهب التستر. وقال يحيى القطان: مات في أول سنة ١٦١هـ، وولد سنة ٩٧ هـ. قال الذهبي: الصحيح موته في شعبان سنة ١٦١ هـ، وكذلك أرّخه الواقدي ووهم خليفة فقال: مات سنة ١٦٢ هـ. وعن ضمرة قال: نظر حماد بن زيد إلى سفيان الثوري مسجى بثوب على السرير فقال: يا سفيان! لست أغبطك اليوم بكثرة الحديث، وإنما أغبطك بعمل صالح قدمت. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: جاءني جرير بن حازم وحماد بن زيد الغد يوم دفنا سفيان فقالا: أخرج بنا، فخرجت معهما فبينما نحن نمشي قال جرير بن حازم: من كان يبكي على حي لمنزله بكى الغداة على الثوري سفيانا قال: ثم سكت، فظننت أنه كان قد هيأ أبياتاً يقولها فسكت فقال عبد الله بن الصبّاح: أبكي عليه وقد ولى وسؤدده وفضله ناضر كالغصن ريانا فرحمه الله رحمة واسعة، وأدخلنا وإياه جنة عالية قطوفها دانية. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 185

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام سفيان بن عيينة الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي علم من أعلام أتباع التابعين وإمام أهل مكة، كان مقارباً للإمام مالك في إتقانه، اشتهر بزهده وعبادته، وأثنى عليه العلماء لعلمه الغزير وقلبه المستنير، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 186

نسب سفيان بن عيينة ومولده وصفته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فما زلنا -بحمد الله- سعداء مع الصحبة المباركة أعلام السلف، ونحن مع علم من الأعلام، وهو من أئمة كبار أتباع التابعين إمام مكة سفيان بن عيينة ﵀. اسمه: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم. مولده: عن محمد بن عمر قال: أخبرني سفيان بن عيينة أنه ولد سنة (١٠٧ هـ). قال ابن سعد: وكان أصله من أهل الكوفة، وكان والده من عمال خالد بن عبد الله القسري، فلما عُزل خالد عن العراق وولي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهربوا منه، فلحق عيينة بن أبي عمران بمكة فنزلها.

стр. 187

ثناء العلماء على سفيان بن عيينة قال أبو نعيم: ومنهم الإمام الأمين ذو العقل الرصين، والرأي الراجح الركين، المستنبط للمعاني المرتبط بالمباني، أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، كان عالماً ناقداً، وزاهداً عابداً، علمه مشهور، وزهده معمور. قال الذهبي: طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علماً جماً، وأتقن وجود وصنّف، وعمّر دهراً، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد -لأنه جاوز التسعين سنة- ورُحل إليه من البلاد، وألحق الأحفاد بالأجداد. طال عمر سفيان وظل إماماً لمكة أربعين سنة، فكان يروي عنه الرجل ثم يروي عنه ابنه، ثم يروي عنه حفيده، وهذا معنى قوله: وألحق الأحفاد بالأجداد. وقال علي بن المديني: ما من أصحاب الزهري أحد أتقن من سفيان بن عيينة. فهم دائماً يفضّلون سفيان بن عيينة إمام مكة ومالك بن أنس إمام المدينة، فقد كان سفيان بن عيينة أوسع علماً وأكثر حديثاً، ولكن مالكاً أتقن. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان ابن عيينة ثبتاً في الحديث، وكان حديثه نحواً من سبعة آلاف ولم تكن له كتب، أي: أن ضبطه كان ضبط صدر وليس ضبط كتاب. وقال بهز بن أسد: ما رأيت مثل سفيان بن عيينة، فقيل له: ولا شعبة؟ قال: ولا شعبة. وقال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار. لأن عمرو بن دينار أيضاً من علماء مكة. وذكر أن الإمام مالك لم يرو عن عمرو بن دينار؛ لأنه رأى الناس يكتبون عنه وهم واقفون، فأجل حديث النبي ﷺ أن يكتبه وهو واقف. وقال ابن المديني: قال لي يحيى القطان: ما بقي من معلمي أحد غير سفيان بن عيينة وهو إمام منذ أربعين سنة. وقال ابن المبارك: سئل سفيان الثوري عن سفيان بن عيينة؟ فقال: ذاك أحد الأحدين، ما أغربه! وكما ذكرنا الحمادين وقلنا: إن حماد بن سلمة بن دينار أكبر سناً من حماد بن زيد بن درهم، وكلاهما من علماء البصرة، فإن سفيان الثوري من علماء الكوفة وسفيان بن عيينة من علماء مكة، وهما متقاربان، وكان سفيان الثوري أيضاً أكبر سناً من سفيان بن عيينة. وقال أبو حاتم الرازي: سفيان بن عيينة إمام ثقة، كان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة، قال: وأثبت أصحاب الزهري هو ومالك. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. لأن سفيان بن عيينة من علماء الحجاز. وقال علي: وسمعت بشر بن المفضل يقول: ما بقي على وجه الأرض أحد يشبه سفيان بن عيينة. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين قلت له: ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار أو الثوري؟ فقال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فـ ابن عيينة أحب إليك فيه أو حماد بن زيد؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فـ شعبة؟ قال: أيش روى عنه شعبة؟ إنما روى عنه نحواً من مائة حديث. وقال محمد بن إسحاق صاحب كتاب المغازي -وهو من تلامذة الزهري - قال: وكان ثقة ثبتاً كثير الحديث حجة، توفي وهو ابن إحدى وتسعين سنة. وطلب العلم وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين، فانظروا كيف حصّل العلم.

стр. 188

سعة علم سفيان بن عيينة ﵀ سعة علمه ﵀: قال حرملة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحداً من الناس فيه آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أحداً أكفأ في الفتيا منه. قال الشافعي ﵀: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثاً. والشافعي مكث فترة طويلة في مكة وتتلمذ على سفيان بن عيينة. قال الذهبي معلّقاً على هذا الخبر: فهذا يوضّح لك سعة دائرة سفيان في العلم؛ وذلك لأنه ضم أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين، وارتحل ولقي خلقاً كثيراً، ما لقيهم مالك، وهما نظيران في الإتقان، أي: أنه قريب من مالك في الإتقان، ولكن الإمام مالكاً لم يرحل كثيراً، وكان يعتقد أن الحديث الذي ليس له أصل في الحجاز انقطع نخاعه؛ لأن الحجاز وخاصة المدينة كان فيها أبناء وأحفاد المهاجرين والأنصار، وكان يعتبر إجماع أهل المدينة حجة، فلذلك لم يرحل كثيراً. يقول: وهما نظيران في الإتقان، ولكن مالكاً أجل وأعلى، فعنده نافع وسعيد المقبري. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز. وقال ابن وهب: لا أعلم أحداً أعلم بالتفسير من ابن عيينة. وقال أحمد: ما رأيت أعلم بالسنن منه.

стр. 189

اتباع سفيان بن عيينة ﵀ للسنة اتباعه للسنة ﵀: قال الذهبي: كان سفيان ﵀ صاحب سنة واتباع. قال الحافظ ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى قال: حدثنا محمد بن منصور قال: رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله منه خرج وإليه يعود. وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: حدثنا لوين قال: قيل لـ ابن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

стр. 190

زهد سفيان بن عيينة ﵀ وأقواله في الزهد زهده ﵀، وأقواله في الزهد: قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لـ سفيان بن عيينة: ما الزهد في الدنيا؟ قال: إذا أُنعم عليه فشكر، وإذا ابتُلي ببلية فصبر، فذلك الزاهد. وقال المسيب بن واضح: سئل ابن عيينة عن الزهد؟ فقال: الزهد فيما حرم الله، فأما ما أحل فقد أباحه الله، فإن النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا. فكأن سفيان ينكر على الصوفية زهدهم، فهم يُحرّمون على أنفسهم الطيبات فلا يتزوج الواحد منهم مثلاً أو لا يأكل الطعام الطيب! وهذا كان في سلف الصوفية، ولكن بعد ذلك توسعوا في المآكل والمشارب، فالمقصود: أن الذي يُنكر هو الزهد المبتدع. قال: فأما ما أحل فقد أباحه الله، فإن النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا، لكن الله نهاهم عن شيء فانتهوا عنه وكانوا به زهاداً. وعن أحمد بن عبدة قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: الزهد في الدنيا الصبر وارتقاب الموت. وعن حرملة بن يحيى قال: أخذ سفيان بن عيينة بيدي فأقامني في ناحية، وأخرج من كمه رغيف شعير وقال لي: دع يا حرملة! ما يقول الناس، هذا طعامي منذ ستين سنة.

стр. 191

شيوخ سفيان بن عيينة وتلامذته ﵀ شيوخه: قال الحافظ: روى عن عبد الملك بن عمير وأبي إسحاق السبيعي وزياد بن علاقة والأسود بن قيس وأبان بن تغلب وإبراهيم بن موسى ومحمد بن عقبة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وإسرائيل بن موسى وإسماعيل بن أبي خالد وإسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وأيوب بن أبي تميم السختياني ويزيد بن أبي بردة وبيان بن بشر وجعفر الصادق وغيرهم. تلامذته: قال الحافظ: وعنه الأعمش -وهو أعلى طبقة منه؛ لأنه من صغار التابعين- وابن جريج وشعبة والثوري ومسعر، وكل هؤلاء من شيوخه، ولكنهم رووا عنه. أيضاً روى عنه من أقرانه: أبو إسحاق الفزاري وحماد بن زيد والحسن بن حي وهمام وأبو الأحوص وابن المبارك وقيس بن الربيع وأبو معاوية ووكيع ومعمر بن سليمان ويحيى بن أبي زائدة، وهم من أقرانه وماتوا قبله؛ لأنه عمّر وجاوز التسعين سنة. ومن تلامذته أيضاً: محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن وهب ويحيى القطان وابن مهدي وأبو أسامة وروح بن عبادة والفريابي وأبو الوليد الطيالسي وعبد الرزاق وأبو نعيم وغيرهم.

стр. 192

درر من أقوال سفيان بن عيينة ﵀ عن محمد بن ميمون الخياط قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما أصنع بالعلم الذي جمعت؟ وعن إبراهيم الجوهري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إنما أرباب العلم الذين هم أهله الذين يعملون به. وعن علي بن الجعد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: من زيد في عقله نقص من رزقه. وهذا في الغالب، كما قيل: تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب فليس معنى: أن الإنسان عنده رزق واسع أنه يكون أذكى الناس، فالله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وعن سنيد بن داود عن ابن عيينة قال: من كانت معصيته في الشهوة فارج له التوبة، فإن آدم ﵇ عصى مشتهياً فغُفر له، وإذا كانت معصيته في كبر فاخش على صاحبه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبراً فلُعن. وعن أبي معمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: ليس العالم الذي يعرف الخير والشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتّبعه، ويعرف الشر فيجتنبه. وعن أحمد بن محمد بن أيوب قال: اجتمع الناس إلى سفيان بن عيينة فقال: من أحوج الناس إلى هذا العلم؟ فسكتوا، ثم قالوا: تكلم يا أبا محمد! قال: أحوج الناس إلى العلم العلماء، وذلك أن الجهل بهم أقبح؛ لأنهم غاية الناس وهم يُسألون. وعن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: جالس العلماء؛ فإن مجالستهم غنيمة، وصحبتهم سليمة، ومؤاخاتهم كريمة. فالإنسان يجالس أهل العلم وأهل الفضل؛ لأن الإنسان يكتسب من صفات من يجالس. وقيل في تربية الأولاد: يجالسهم أهل الفضل وأهل الخير وأهل العلم، ويجنبون السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس خُلقاً. وعن أبي موسى الأنصاري قال: من أبر البر كتمان المصائب، قال: وسمعت سفيان يقول: لا تكن مثل العبد السوء، لا يأتي حتى يُدعى: ائت الصلاة قبل النداء، أي: على الإنسان أن يأتي المسجد قبل حي على الصلاة. قال: وسمعت سفيان يقول: قال رجل: من توقير الصلاة أن تأتي قبل الإقامة. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملاً منه، فأصبح العبد سيداً والسيد عبداً، ورجل له مال فلم يتصدّق منه، فمات فورثه غيره فتصدق منه. أي: جمع المال وبخل بإنفاقه في سبيل الله، فورثه ولد صالح وأنفقه فكان في ميزان ابنه، فهو جمع المال فكان في ميزان غيره. قال: ورجل عالم لم ينتفع بعلمه، فعلّمه غيره فانتفع به. وقال أبو أيوب سليمان بن داود: عن سفيان بن عيينة كان يقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة لم يزدد على الكثير منها إلا شراً.

стр. 193

وفاة سفيان بن عيينة عن الحسن بن عمران بن عيينة بن أبي عمران قال: حججت مع عمي سفيان آخر حجة حجها سنة (١٩٧هـ)، فلما كنا بجمع في مزدلفة وصلى، استلقى على فراشه ثم قال: قد وافيت هذا الموضع سبعين عاماً أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة (١٩٨هـ). وهو ولد سنة (١٠٧هـ) وتوفي سنة (١٩٨هـ) أي: أنه عاش (٩١) سنة، ودفن بالحجون فرحمه الله تعالى رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته. نكتفي بهذا القدر، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 194

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام طاوس بن كيسان طاوس بن كيسان علم من أعلام الهدى، وإمام من أئمة المسلمين الذين ينبغي الاقتداء بهم، والسير على طريقهم، والاهتداء بهديهم، ففي سيرته ﵀ مثال يحتذى في الزهد والورع والعبادة وقول الحق، فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار.

стр. 195

اسم طاوس ومولده وصفته الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه، أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]. فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً. أما بعد: فنحن في هذه الترجمة من سلسلة أعلام السلف المباركة مع إمام من أئمة التابعين من أهل اليمن، (الإيمان يمان والحكمة يمانية)، إنه طاوس بن كيسان من تلامذة ابن عباس ﵄. وقيل: سمي طاوساً لأنه كان طاوس القراء، وكان من أزهد الناس وأورعهم وأشدهم على الحكام الجائرين، فرحم الله أئمتنا وجمعنا بهم في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. اسمه: طاوس بن كيسان اليمني الحميري مولى بحير بن كريسان الحميري من أبناء فارس. وقال أبو حاتم بن حبان وأبو بكر بن منجويه: كانت أمه من أبناء فارس وأبوه من واسط، وقيل: اسمه ذكوان وطاوس لقبه. وروي عن يحيى بن معين قال: سمي طاوساً؛ لأنه كان طاوس القراء. مولده: قال الذهبي: أراه ولد في دولة عثمان ﵁ أو قبل ذلك. صفته: قال جرير بن حازم: رأيت طاوساً يخضب بحناء شديد الحمرة. وقال فطر بن خليفة: كان طاوس يصبغ بالحناء. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي: رأيت طاوساً وبين عينيه أثر السجود.

стр. 196

ثناء العلماء على طاوس بن كيسان قال حبيب بن الشهيد: كنت عند عمرو بن دينار فذكر طاوساً فقال: ما رأيت أحداً قط مثل طاوس. وعن عثمان بن سعيد قال: قلت لـ يحيى بن معين: طاوس أحب إليك أو سعيد بن جبير؟ فقال: ثقات ولم يخير. وكلاهما من أكبر تلامذة ابن عباس ﵄. وروى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: إني لأظن طاوساً من أهل الجنة. وقال ابن شهاب: لو رأيت طاوساً علمت أنه لا يكذب. فعلامات الصدق تبدو على الصادقين، كما قال حسان بن ثابت في وصف النبي ﷺ : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر أي: لو لم يأت بالمعجزات الدالة على صدقه لكان الناظر إلى وجهه الكريم ﷺ يعلم أنه نبي صادق. وهذا ما حدث من عبد الله بن سلام لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فقد ذهب عبد الله بن سلام ونظر في وجه النبي ﷺ ، وقال: أشهد أن وجهك ليس بوجه كذاب. وقال ابن حبان: كان من عباد أهل اليمن ومن فقهائهم، ومن سادات التابعين. وعن ابن عيينة قال: قلت لـ عبيد الله بن أبي يزيد: مع من كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه. قلت: طاوس؟ قال: أيهان! ذاك كان يدخل مع الخواص. وعن ابن أبي نجيح قال: قال مجاهد لـ طاوس: رأيتك يا أبا عبد الرحمن! تصلي في الكعبة والنبي ﷺ على بابها يقول لك: اكشف قناعك وبين قراءتك. قال طاوس: اسكت لا يسمع هذا منك أحد. قال: ثم خيل إليَّ أنه انبسط من الكلام -يعني: فرحاً بالمنام- وقد كان من عادته ﵀ التقنع -يعني: يلف شيئاً على وجهه- فعن أبي أيوب الجعفي قال: كان طاوس يتقنع ولا يدع التقنع. أي: حتى لا يعرف مثلاً، أو يثقل عليه. وعن يونس بن الحارث قال: رأيت طاوساً يصلي وهو متقنع. وعن قيس بن معدان قال: كان طاوس فينا مثل ابن سيرين فيكم. يعني: كان طاوس في أهل اليمن مثل ابن سيرين في أهل البصرة، وابن سيرين من أئمة التابعين، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. وقال سفيان: وحلف لنا إبراهيم بن ميسرة وهو مستقبل الكعبة: ورب هذه البنية ما رأيت أحداً الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاوساً، يحاسب الأمراء كما يحاسب الفقراء، ويعامل هذا مثل هذا. وروى جعفر بن برقان قال: حدثنا طاوس، ولا تحسبن فينا أحداً أصدق لهجة من طاوس.

стр. 197

ورع طاوس بن كيسان وزهده وخشيته عن عبد الله بن بشر: أن طاوس اليمني كان له طريقان إلى المسجد: طريق في السوق وطريق آخر، فيأخذ في هذا يوماً وفي هذا يوماً، فإذا مر في طريق السوق فرأى تلك الرءوس المشوية لم ينعس تلك الليلة. وعن سفيان قال: كان طاوس يجلس في بيته فقيل له في ذلك، فقال: حيف الأئمة وفساد الناس. وعن ابن طاوس قال: قلت لأبي: أريد أن أتزوج فلانة، قال: اذهب فانظر إليها. قال: فذهبت فلبست من صالح ثيابي وغسلت رأسي وأتيت، فلما رآني في تلك الهيئة قال: اقعد لا تذهب. كأنه خشي أن يدلس عليها، فكأنه أحب أن يذهب بثيابه وبهيئته، فلا يغسل رأسه ولا يلبس ثياباً جديدة. وعن عبد الرزاق قال: سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف أخا الحجاج -أو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بـ٧٠٠ دينار أو ٥٠٠، وقال للرسول: إن أخذها منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك -من أجل أن يؤكد عليه أن يقبلها منه- قال: فخرج بها حتى قدم على طاوس فقال: يا أبا عبد الرحمن! نفقة بعث الأمير بها إليك. قال: ما لي بها من حاجة، فأراده على أخذها فأبى أن يقبل طاوس، فرمى بها في كوة البيت -والكوة: تجويف في الحائط- ثم ذهب فقال لهم: أخذها -من أجل أن يأخذ الجائزة- فلبثوا حيناً، ثم بلغهم عن طاوس شيئاً يكرهونه، فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا. فهم يعتقدون أنه أنفق هذا المال ويصعب عليه أن يرد لهم هذا المال، فجاءه الرسول فقال: المال الذي بعث به إليك الأمير. فقال: ما قبضت منه شيئاً، فرجع الرسول فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقال: انظروا الذي ذهب بها فابعثوا إليه، فبعثوه فجاءه وقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن! قال: هل قبضت منك شيئاً؟ قال: لا. قال: هل تعلم أين وضعته؟ قال: نعم، في تلك الكوة، قال: انظر حيث وضعته، فمد يده فإذا هو بالصرة قد نسجت عليها العنكبوت، قال: فأخذها فذهب بها إليهم. وعن أيوب قال: سأل رجل طاوساً عن شيء فانتهره، ثم قال: أتريد أن تجعل في عنقي حبلاً ثم يطاف بي؟! وعن عمر بن طاوس قال: جاء رجل من الخوارج إلى أبي فقال: أنت أخي. فقال أبي: أمن بين عباد الله؟! المسلمون كلهم إخوة. وذلك أنه يعرف أنه يكفر المسلمين، فلما قال له: أنت أخي قال له: أمن بين عباد الله؟! يعني: وهل البقية كفار وأنا مسلم؟! فقال: المسلمون كلهم إخوة. وعن أبي عاصم قال: زعم لي سفيان قال: جاء ابن لـ سليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه. فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه! قال: أردت أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما في يديه. وقال الحافظ: قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً أعف عما في أيدي الناس من طاوس. وقال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاوس في زمانه، والثوري في زمانه. وطاوس كان في زمن كبار التابعين، وأما الثوري ففي الطبقة التي تليها أو في زمن أتباع التابعين، وكان من كبار أتباع التابعين، وهو من طبقة الإمام مالك وابن المبارك والليث بن سعد وغيرهم. وروي عن عبد الرزاق عن أبيه قال: كان طاوس يصلي في غداة باردة مغَيمة، فمر به محمد بن يوسف أخو الحجاج -أو أيوب بن يحيى - في موكبه وهو ساجد، فأمر بساج أو طيلسان مرتفع فطرح عليه، فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته، فلما سلم نظر فإذا الساج عليه، فانتفض ولم ينظر إليه ثم مضى إلى منزله. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر المكي: رأيت طاوساً وبين عينيه أثر السجود. فقد كان الأئمة أئمة في العلم وفي العبادة وفي الورع وفي الجهر بكلمة الحق.

стр. 198

عبادة طاوس بن كيسان عن داود بن إبراهيم: أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضاً -أي: من الزحام- فلما كان السحر ذهب عنهم، فنزل الناس يميناً وشمالاً فألقوا أنفسهم وناموا، فقام طاوس يصلي. فقال له رجل: ألا تنام، فإنك نصبت هذه الليلة؟! فقال طاوس: وهل ينام السحر أحد؟ وعن ابن شوذب قال: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة (١٠٥ هـ) فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج (٤٠) حجة. والحج لم يكن بالطائرة ولا بالسفينة ولا حتى بالسيارة المكيفة، ولكن كان على الدواب أو سيراً على الأقدام.

стр. 199

شيوخ طاوس بن كيسان وتلامذته شيوخه: قال المزي: روى عن جابر بن عبد الله، وحجر المدري وزياد بن الأعجم، وزيد بن أرقم وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل ولم يلقه، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وأم كرز الكعبية، وأم مالك البهزية. وقال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت (٥٠) من الصحابة ﵃. تلامذته: قال الحافظ: وعنه ابنه عبد الله، ووهب بن منبه، وسليمان التيمي، وسليمان الأحول، وأبو الزبير، وإبراهيم بن ميسرة، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتبة، والحسن بن مسلم بن يناق، وسليمان بن موسى الدمشقي وغيرهم.

стр. 200

درر من أقوال طاوس بن كيسان عن أبان بن أبي نجيح عن أبيه أن طاوساً قال له -أي: قال لـ أبي نجيح -: من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله. يعني: من يتقي الله وينصح الناس أو يعلمهم فيجمع بين التقوى وبين تعليم الناس أفضل ممن صمت واتقى الله. وعن هشام بن حجير عن طاوس قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج. أي: لا تتم عبادته حتى يتزوج. وعن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قاله عمر بن الخطاب لـ أبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. وعن سفيان قال: سمعت طاوساً يقول: لا يحرز دين المرء إلا حفرته. أي: إنه طوال حياته في الدنيا معرض للفتن، فإذا ختم له بخير وصار إلى قبره فإنه يأمن بذلك من الوقوع في الفتن أو من أن يفتن، فقد أراد الشيطان أن يفتن إمام المسلمين أحمد بن حنبل فكان يقول له: فُتَّني يا أحمد! فتني يا أحمد! وهو في السياق، فكان يقول: لا بعد، لا بعد. فكان يريد أن يصاب بعجب أو بشيء من ذلك عند الموت فيهلك، فقال: لا بعد، لا بعد. أي: ما دام في الدنيا فهو ما يزال في دار البلاء والفتن. وعن ابن طاوس عن أبيه قال: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه. والشح: أن يحب الإنسان أن يكون له ما في أيدي الناس. فالشح: شدة المحبة للمال والتطلع إلى الحرام، فلا يكفيه ما أحل الله ، بل يتطلع إلى ما حرم الله ، والبخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه. وعن ابن طاوس عن أبيه قال: كان رجل له أربعة من البنين -وهذه القصة لعلها عن الأمم السابقة من كتب أهل الكتاب أو سمعها من أحد من المتقدمين- فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوه -أي: تعالجوه- وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء. قالوا: مرضه وليس لك من ميراثه شيء، قال: فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ميراثه شيئاً، قال: فأتي في المنام فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه (١٠٠) دينار، فقال في نومه: أفيها بركة؟ قالوا: لا، قال: فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت امرأته: خذها، فإن من بركتها أن نكتسي منها، فأبى، فلما أمسى أتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، قال: أفيها بركة؟ قالوا: لا، فلما أصبح قال ذلك لامرأته فقالت له مثل مقالتها الأولى، فأبى أن يأخذها، فأتي في الليلة الثالثة فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه ديناراً، فقال: أفيه بركة؟ قالوا: نعم، قال: فذهب فأخذه ثم خرج إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين -أي: سمكتين- فقال: بكم هما؟ قال: بدينار. قال: فأخذهما منه بدينار ثم انطلق بهما، فلما دخل بيته شق بطنهما فوجد في بطن كل واحدة منهما درة لم ير الناس مثلها. قال: فبعث الملك يطلب درة يشتريها فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلاً ذهباً، فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه إلا بأختاً اطلبوا أختها وإن أضعفتم -أي: الثمن- قال: فجاءوا فقالوا: أعندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: وتفعلون؟! قالوا: نعم، فأعطاهم إياها بضعف ما أخذوا الأولى. وهذه القصة ذكرت في حليلة الأولياء، والله أعلم بسندها. وعن ابن طاوس عن أبيه قال: لقي عيسى ﵇ إبليس فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك؟ قال: نعم، قال: فارق ذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر أتعيش أم لا؟ قال: عيسى ﵇: إن الله يقول: لا يجربني عبدي؛ فإني أفعل ما شئت. ورواه معمر عن الزهري، وفيه: فقال: إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده، قال: فخصمه. وعن طاوس قال: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه. ولما كان الإمام أحمد في مرض موته يئن قيل له: إن طاوساً كان يكره الأنين، فما أنّ حتى مات. وعن أبي عبد الله الشامي قال: استأذنت على طاوس لأسأله عن مسألة فخرج علي شيخ كبير فظننته هو فقال: لا، أنا ابنه، قلت: إن كنت ابنه فقد خرف أبوك، قال: تقول ذاك؟! إن العالم لا يخرف. قال: فدخلت فقال لي طاوس: سل وأوجز، وإن شئت علمتك في مجلسك هذا القرآن والتوراة والإنجيل. قلت: إن علمتني إياهن لا أسألك عن شيء، قال: خف الله مخافة لا يكون شيء عندك أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحبه لنفسك.

стр. 201

وفاة طاوس بن كيسان رحمه الله تعالى قال محمد بن عمر الواقدي ويحيى القطان والهيثم وغيرهم: مات طاوس سنة (١٠٦). ويقال: كانت وفاته يوم التروية -يوم الثامن من ذي الحجة-، وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك، ثم بعد أيام اتفق له الصلاة بالمدينة على سالم بن عبد الله بن عمر. وروى عبد الرزاق عن أبيه قال: مات طاوس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث هشام بن عبد الملك بالحرس. قال: فلقد رأيت عبد الله بن الحسن واضعاً السرير على كاهله، فسقطت قلنسوة كانت عليه ومزق رداؤه من خلفه، فما زايله إلى قبره وتوفي بمزدلفة أو بمنى. وقال الذهبي: توفي طاوس بمكة أيام الموسم، ومن زعم أن قبر طاوس ببعلبك فهو لا يدري ما يقول، بل ذاك شخص اسمه طاوس يعني: أنه شخص آخر اسمه طاوس، وقد يكون من الصالحين إن صح، كما أن قبر (أبي) بشرق دمشق، وليس بـ أبي بن كعب البتة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.

стр. 202

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام عبد الرحمن بن مهدي قيض الله تعالى لسنة نبيه ﷺ رجالاً فحفظوها وذادوا عنها، وتمسكوا بهديها، ومن هؤلاء الرجال الأعلام الإمام عبد الرحمن بن مهدي، فقد بذل حياته كلها في خدمة السنة والتمسك بها والحث عليها، حتى بلغ بذلك شأواً رفيعاً استحق به ثناء الأكابر عليه فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.

стр. 203

نسب عبد الرحمن بن مهدي ومولده إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فما زلنا مع النجوم اللامعة والقمم الشامخة، ومعنا هنا إمام من أئمة الجرح والتعديل، وهو عبد الرحمن بن مهدي ﵀. اسمه: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، -وقيل: الأسدي - مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي. مولده: عن أبي الوليد الطيالسي قال: ولد عبد الرحمن بن مهدي في سنة ١٣٥هـ. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله -الإمام أحمد - يقول: ولد عبد الرحمن بن مهدي سنة ١٣٥هـ. والإمام أحمد من تلامذته، فهو من الطبقة التي هي فوق طبقة الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ويحيى بن معين والقاسم بن سلام وغيرهم.

стр. 204

ثناء العلماء على ابن مهدي ثناء العلماء عليه: قال أيوب بن المتوكل: كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي، كان شبيهاً بالإمام مالك. يعني: أنه له مكانة وعز وسعة في الدنيا والدين. وقال محمد بن أبي بكر المقدمي: ما رأيت أحداً أتقن لما سمع ولما لم يسمع وبحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي، إمام ثبت، أثبت من يحيى بن سعيد -يعني: القطان، وهو قرينه- وأتقن من وكيع، كان عرض حديثه على سفيان. يعني: الثوري، لأن ابن مهدي من علماء البصرة، والله أعلم. قال ابن حبان: وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث، وأبى الرواية إلا عن الثقات. وقال محمد بن سعد: وكان ثقة كثير الحديث. وعن خالد بن يزيد المخرمي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كأن عبد الرحمن بن مهدي خلق للحديث. وعن زياد بن أيوب قال: كنا في مجلس هشيم، فلما قام أخذ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وخلف بن سالم بيد فتى أمنَّا، فأدخلوه مسجداً وكتبوا عنه وكتبنا، فإذا هو عبد الرحمن بن مهدي. وعن الحسن بن محمد بن الصباح قال: أخبرني غير واحد أنهم كانوا عند حماد بن زيد فسئل عن مسألة فقال: أين ابن مهدي؟ من لهذا إلا ابن مهدي؟ قال: فأخبر عبد الرحمن فسأله عن ذلك فأجاب، فلما قام من عنده قال: هذا سيد -أو فتى البصرة- منذ ثلاثين سنة، أو نحو هذا. وعن علي بن المديني قال غير مرة: والله لو أخذت فحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وعلي بن المديني هو إمام زمانه. وقال أيوب بن المتوكل: كان حماد بن زيد إذا نظر إلى عبد الرحمن بن مهدي في مجلسه تهلل وجهه. وفي بعض الأحيان إذا كان يوجد في مجالس الشيوخ بعض المجتهدين فإنهم يفرحون بوجودهم، ويعرفون أن لهم شأناً، كما كان الإمام أحمد، فقد كانوا يقولون: كاد أن يكون إماماً في بطن أمه، وكان مرة في مجلس يزيد بن هارون -وهو شيخه- فمزح مع مستمليه فتنحنح الإمام أحمد، فقال: من المتنحنح؟ فقالوا: أحمد بن حنبل، فقال: هلا أخبرتموني؟ يعني: حتى لا أمزح. فأحياناً يكون للطالب مكانة وهيبة، كما كان بعض شيوخ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري يقول -والإمام البخاري ما زال فتى-: إذا دخل علي هذا الفتى لا أزال في رعب حتى يخرج؛ لأنه كان يأخذ السقطات عن الكبار، فكان يرعب منه الشيخ حتى لا يأخذ عليه خطأً حتى ينصرف. وقال محمد بن عبد الرحيم صاعقة والصاعقة لقب له، ولقب به لأنه كان صاعقة في الحفظ-: سمعت علياً -يعني: ابن المديني - وذكر الفقهاء السبعة، فقال: كان أعلم الناس بقولهم وحديثهم ابن شهاب ثم من بعده مالك ثم من بعده عبد الرحمن بن مهدي. وقال الخطيب البغدادي: هو بصري، قدم بغداد وحدث بها، وكان من الربانيين في العلم، وأحد المذكورين في الحفظ، وممن برع في معرفة الأثر وطرق الروايات وأحوال الشيوخ.

стр. 205

عبادة ابن مهدي قال ابن المديني: دخلت على امرأة عبد الرحمن بن مهدي وكنت أزورها بعد موته -لأنه شيخه- فرأيت سوداً في القبلة، فقلت: ما هذا؟ قالت: موضع استراحة عبد الرحمن، كان يصلي بالليل فإذا غلبه النوم وضع جبهته عليها. فأثر في الجدار. وقال علي: كان ورد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن. وقال رسته: وكان عبد الرحمن يحج كل عام، فمات أخوه وأوصى إليه فأقام على أيتامه، فسمعته يقول: قد ابتليت بهؤلاء الأيتام، فاستقرضت من يحيى بن سعيد أربعمائة دينار احتجت إليها في مصلحة أرضهم.

стр. 206

حفظ ابن مهدي وضبطه وتثبته ﵀ حفظه وضبطه وتثبته ﵀: تقدم قول الحافظ الخطيب البغدادي: كان من الربانيين في العلم، وأحد المذكورين بالحفظ، وممن برع في معرفة الأثر وطرق الروايات وأحوال الشيوخ. وعن حنبل قال: قال أبو عبد الله: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فـ عبد الرحمن أثبت؛ لأنه أقرب عهداً بالكتاب. يعني: كان وكيع ضبطه ضبط صدر. وعن عبيد الله بن عمر القواريري قال: أملى عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث حفظاً. وعن خالد بن يزيد الخواص المخرمي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كأن عبد الرحمن بن مهدي خلق للحديث. وقال محمد بن يحيى الذهلي -وهو من طبقة الإمام البخاري، وكان أكبر منه سناً ومن شيوخه-: ما رأيت في يد عبد الرحمن بن المهدي كتاباً قط: يعني: كان يحدث حفظاً. وعن عمرو بن علي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: حدثنا أبو خلدة. فقال له رجل: أكان ثقة؟ فقال: كان صدوقاً وكان خياراً وكان مأموناً، الثقة سفيان وشعبة. وهذا يدل على تشدده. وقال ابن حبان في صدر كتابه (الضعفاء): إلا أن من أكثرهم تنقيراً عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين حتى جعلوا هذا الشأن صناعة لهم لم يتعدوها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلين: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. وهما من تلامذة شعبة، وكان شعبة أول من نقب عن الرجال. وقال سهل بن صالح: سمعت يزيد بن هارون يقول: وقعت بين أسدين: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان.

стр. 207

اتباع ابن مهدي للسنة في العمل والاعتقاد وشدته على المبتدعة عن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن حسن العنبري -وهو يومئذ قاضي البصرة وله موضعه في قومه وقدره عند الناس- فتكلم في شيء فأخطأ، فقلت وأنا يومئذ حدث -يعني: غلام- ليس هكذا يا أبي! عليك بالأثر، فتزايد علي الناس -يعني: استكثروا علي أن أقول ذلك لرجل له مكانة وعلم وفضل- فقال عبيد الله: دعوه، وكيف هو؟ قال: فأخبرته، فقال: صدقت يا غلام! إذاً: أرجع إلى قولك وأنا صاغر. وعن أبي موسى محمد بن المثنى قال: رأيت في حجر عبد الرحمن بن مهدي كتاباً فيه حديث رجل قد ضرب عليه فقلت: يا أبا سعيد لم ضربت على حديثه قال: أخبرني يحيى أنه يرمي برأي جهم فضربت على حديثه. وعن إبراهيم بن زياد قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: لو كان لي سلطان لقمت على الجسر، فكان لا يمر بي أحد إلا سألته، فإذا قال لي: مخلوق ضربت عنقه وألقيته في الماء. وعن عبد الرحمن بن عمر قال: ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه. ثم قال: الزم الطريق والسنة. قال: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يكره الجلوس إلى أصحاب الأهواء، ويكره أن يجالسهم أو يماريهم، فقلت له: أترى للرجل إذا كانت له خصومة وأراد أن يكتب عهده أن يأتيهم؟ قال: لا، مشيك إليهم توقير، وقد جاء فيمن وقر صاحب بدعة ما جاء. وقال رسته: سمعت ابن مهدي يقول لفتى من ولد الأمير جعفر بن سليمان: بلغني أنك تتكلم في الرب وتصفه وتشبهه؟ قال: نعم، نظرنا فلم نر من خلق الله شيئاً أحسن من الإنسان، فأخذ يتكلم في الصفة والقامة، فقال له: رويدك يا بني! حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عنه فنحن عن الخالق أعجز، أخبرني عما حدثني شعبة عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن عبد الله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح. فبقي الغلام ينظر، فقال: أنا أهوِّن عليك، صف لي خلقاً له ثلاثة أجنحة، وركب الجناح الثالث منه موضعه حتى أعلم، قال: يا أبا سعيد! عجزنا عن صفة المخلوق، فأشهدك أني قد عجزت ورجعت. قال الذهبي: ونقل غير واحد عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى، وأن يكون استوى على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.

стр. 208

شيوخ ابن مهدي وتلامذته ﵀ شيوخه وتلامذته ﵀. شيوخه: قال الحافظ: روى عن أيمن بن نابل، وجرير بن حازم، وعكرمة بن عمار، وأبي خلدة، وخالد بن دينار، ومهدي بن ميمون، ومالك، وشعبة، والسفيانين، والحمادين، وإسرائيل، وحرب بن شداد، ومحمد بن راشد، ومالك بن مغول، ووهبت، وهشام بن سعد وغيرهم. تلامذته: قال الحافظ: وعنه ابن المبارك -وهو أعلى منه طبقة ومن شيوخه- وابن وهب -وهو عبد الله بن وهب، وكان من قضاة مصر، وكان شيخ ابن لهيعة وهو أكبر منه -وابنه موسى، وأحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو ثور، وأبو خيثمة، وأبو عبيد القاسم بن سلام -وكان من تلامذة القطان - وإبراهيم بن محمد، وابن أبي شيبة، وغيرهم.

стр. 209

من أقوال ابن مهدي درر من أقواله ﵀: عن عبيد الله بن سعيد قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: احفظ: لا يجوز للرجل أن يكون إماماً حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم بمخارج العلم. وعن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: يحرم على الرجل أن يقول في أمر الدين إلا شيئاً سمعه من ثقة. وعنه قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم كان يوم غنيمة -يعني: حتى يستفيد منه ويتعلم-، وإذا لقى من هو مثله دارسه وتعلم منه -يعني: كل واحد يتعلم من الآخر-، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إماماً في العلم من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إماماً في العلم من يحدث بالشاذ من العلم والحفظ والإتقان. وعنه قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لولا أني أكره أن يعصى الله لتمنيت ألا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع فيَّ واغتابني، وأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها؟! أي: يجد في صحيفة حسناته حسنات غيره الذين وقعوا فيه قد انتقلت إليه. وعن أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: لزمت مالكاً حتى ملني، فقلت يوماً: قد غبت عن أهلي هذه الغيبة الطويلة، ولا أعلم ما حدث بهم بعدي. قال: يا بني! وأنا بالقرب من أهلي ولا أدري ما حدث بهم منذ خرجت. وعن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت ابن مهدي يقول: فتنة الحديث أشد من فتنة المال والولد؛ لأن الحديث له شهوة وحلاوة، والإنسان يقول: حدثنا فلان أو حدثنا فلان. وقال أبو قدامة: سمعت ابن مهدي يقول: لأن أعرف علة حديث أحب إلي من أن أستفيد عشرة أحاديث. والعلة هنا المقصود بها العلة الخفية التي تقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منها، كوجود راوٍ ضعيف الحفظ مثلاً أو عنعنة مدلس، وأما العلل التي يعرفها طلاب العلم الصغار أمثالنا عند النظر في الحديث فهذه لا تسمى عللاً، وعندما يقول الأئمة: هذا الحديث معلول، لا يشبه حديث فلان، أو: إن فلاناً وهم فيه، فليس معناه أن الإنسان ليس ثقة أو أنه يخطئ، فقد يكون الرواة كلهم ثقات والحديث فيه تصريح بالسماع في كل السند، ولكن تكون هناك علة خفية، لا يقف عليها إلا أهل الشأن، مثل: علي بن المديني الذي كان إماماً في معرفة العلل، وكذلك الإمام أحمد، والقطان، والدارقطني. فلذلك لو نظر أحدنا في السند فلا يقل: الحديث صحيح حتى ينظر في كتب العلل؛ لأنه قد يكون معلاً، فلعل أحد العلماء أعل هذا الحديث. والعلامة أحمد شاكر دائماً في تحقيق المسند عن الحديث يقول: إسناده صحيح. وهذا من باب الورع، فهو يقول: الإسناد صحيح؛ لأن الرواة ثقات والسند متصل، ويقول: حديث صحيح؛ وقال رسته: قام ابن مهدي من المجلس وتبعه الناس، فقال: يا قوم! لا تطئوا عقبي، وتمشوا خلفي؛ حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال عمران: خفق النعال خلف الأحمق قل ما يبقي من دينه. وهذا من تواضعه. وقال رسته: سألت ابن مهدي عن الرجل يتمنى الموت مخافة الفتنة على دينه، قال: ما أرى بذلك بأساً، لكن لا يتمناه من ضر به أو فاقة. يعني: أن الإنسان لو خاف على دينه فله أن يتمنى الموت، ولكن لو أصابه فقر أو مرض لا يتمنى الموت؛ لأنه قد يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فلا يدري كيف يكون حاله في القبر وفي الآخرة، فأهل الدين لا يتمنون الموت إلا إذا أصابهم ضرر في الدين، كأن يخافوا على أنفسهم من الفتنة، كما في حديث: (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)، ولكن أهل الدنيا قد يتمنون الموت لضر أصابهم في الدنيا، وقد جاء في الحديث: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به -يعني: أصابه- ولكن ليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، وقد تمنى الموت أبو بكر وعمر ومن دونهما.

стр. 210

وفاة ابن مهدي وفاته ﵀: قال الذهبي: توفي ابن مهدي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة (١٩٨هـ). وقد ولد عام (١٣٥ هـ)، فيكون عمره ٦٣ سنة. وقال الخطيب البغدادي: ومات عبد الرحمن بن مهدي سنة ١٩٨هـ وهو ابن ٦٣ سنة. وقد توفي النبي ﷺ وعمره ٦٣ سنة، وكذلك أبو بكر، وكذلك الإمام أحمد كما ذكر. وعن أحمد بن سفيان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي سئل عن سنه سنة ٩٥هـ، فقال: هذه السنة تتم لي ستين، ومات عبد الرحمن في رجب سنة ٩٨هـ وهو ابن ٦٣ سنة. ﵀ رحمة واسعة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 211

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام وكيع بن الجراح وكيع بن الجراح علم من أعلام أتباع التابعين في الحفظ والعلم والعبادة والزهد، كان متبعاً للسنة معتقداً لما عليه أهلها، أثنى عليه علماء عصره، وشهدوا له بالعلم والحفظ والديانة، وبلغ شأن الكبار، فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.

стр. 212

مقتطفات من حياة وكيع بن الجراح

стр. 213

اسمه ومولده إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فما زلنا -بحمد الله- سعداء في صحبة أعلام السلف ﵃، فنحن هنا مع إمام من أئمة الكوفة، راوية سفيان الثوري، وهو وكيع بن الجراح ﵀. اسمه: وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، من قيس عيلان. مولده: ولد سنة ١٢٩هـ. وقال أحمد بن حنبل، وخليفة، وهارون بن حاتم: ولد سنة ١٢٨هـ. وروي عنه أنه قال: ولدت بـ (أبه) قرية من قرى أصفهان.

стр. 214

صفته قال الشاذكوني: قال لنا أبو نعيم يوماً: ما دام هذا التنين حياً لا يفلح أحد معه. قال الذهبي: كان وكيع أسمر ضخماً سميناً. وقال أبو داود: كان أعور. قال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة وكان سميناً، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟! قال: هذا من فرحي بالإسلام. وعن أبي جعفر الجمال قال: أتينا وكيعاً فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟! فتعجبنا من ذلك النور.

стр. 215

ثناء العلماء عليه قال محمد بن سعد: كان ثقة مأموناً عالماً رفيعاً كثير الحديث، حجة. وقال: كان ضبط وكيع ضبط صدر وليس ضبط كتاب -يعني: كان يحفظ الأحاديث التي يحدث بها- وكان ربما استند إلى سارية وحدث بسبعمائة حديث. عن يحيى بن يمان قال: نظر سفيان إلى عيني وكيع فقال: أترون هذا الرؤاسي لا يموت حتى يكون له شأن. وقيل: كان وكيع أحفظ من سفيان. قال يحيى بن يمان: مات سفيان الثوري فجلس وكيع بن الجراح في موضعه. وعن القعنبي قال: كنا عند حماد بن زيد، وكان عنده وكيع، فلما قام قالوا: هذا راوية سفيان، فقال: -هذا إن شئتم- أرجح من سفيان، وكما قلنا: إن سفيان كان أحفظ لحديث الأعمش من الأعمش. وعن أحمد بن أبي الحوري قال: سمعت مروان يقول: ما وصف لي أحد إلا رأيته دون الصفة، إلا وكيع فإنه فوق ما وصف لي. وعن يحيى بن معين قال: والله ما رأيت أحداً يحدث لله غير وكيع، وما رأيت رجلاً أحفظ من وكيع، ووكيع في زمانه كـ الأوزاعي في زمانه. وعن جرير الرازي قال: قدم ابن المبارك فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! من خلفت في العراق؟ قال: وكيع. قلت: ثم من؟ قال: ثم وكيع. وقال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد: وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ والمقارنة تكون بين اثنين من طبقة واحدة، وكان يحيى بن سعيد القطان في طبقة وكيع، وهو المقصود هنا، أما يحيى بن سعيد الأنصاري فهو من طبقة الأعمش والزهري، أي: من صغار التابعين. قال: سألت أحمد: وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: وكيع. فقلت: كيف فضلته على يحيى ويحيى ومكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت؟! قال: وكيع كان صديقاً لـ حفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وإن يحيى كان صديقاً لـ معاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره يحيى. وعن عبد الرزاق قال: رأيت الثوري، وابن عيينة، ومعمراً، ومالكاً ورأيت ورأيت، فما رأت عيناي مثل وكيع. فقد قارنه عبد الرزاق برجال من الطبقة التي فوقه وهم أئمة من كبار أتباع التابعين. فهذه القمم الشامخة يجهلها كثير من طلاب العلم فضلاً عن عوام الناس، وقد قلنا: إن من فوائد دراسة هذه التراجم أن نتعرف على هؤلاء الأعلام حتى نتقرب إلى الله بحبهم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان وكيع حافظاً حافظاً ما رأيت مثله. والإمام أحمد في الطبقة التي تلي طبقة وكيع. وقال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع. قال الذهبي: يقول هذا أحمد مع تحريه وورعه، وقد شاهد الكبار مثل هشيم، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأبي يوسف القاضي وأمثالهم. وقال الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن يقول: سئل أحمد بن حنبل عن وكيع وابن مهدي، فقال: وكيع أكبر في القلب، وعبد الرحمن إمام. وهذا من أدب الإمام أحمد، فإنه لو قال مثلاً: وكيع أفضل لأوهم هذا أن عبد الرحمن بن مهدي دونه أو ليس بشيء، فزكاه أيضاً بقوله: وعبد الرحمن إمام. وعن جرير قال: جاءني ابن المبارك فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! من رجل الكوفة اليوم؟ فسكت عني، ثم قال: رجل المصرين وكيع، والمصران: الكوفة والبصرة. وقال عباس الدوري: ذكرت أحمد بن حنبل بحديث من حديث شعبة، فقال لي: من حدثك بهذا؟ قلت: شبابة بن سوار، قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله:
следующие страницы →