Полный текст (222 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وفاة أيوب السختياني ﵀
وفاته: قال الذهبي: اتفقوا على أنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، زمن الطاعون وله ثلاث وستون سنة، وآخر من روى حديثه عالياً أبو الحسن بن البخاري.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 142
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام حماد بن زيد
حماد بن زيد ﵀ أحد الأئمة الأعلام في عصر كبار أتباع التابعين، وقد أثنى عليه العلماء ثناء عطراً في علمه وإمامته وحفظه وفقهه واتباعه للسنة وزهده وصلاحه، فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
стр. 143
بين يدي ترجمة حماد بن زيد رحمه الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فنحن في هذه السلسلة المباركة من أعلام السلف مع إمام من أئمة المسلمين في زمن كبار التابعين، زمن مالك والسفيانين والليث والأوزاعي؛ إنه إمام أهل البصرة، وراوية أيوب السختياني: حماد بن زيد ﵀، إنه شيخ ابن المبارك وابن مهدي، كان يحفظ أربعة آلاف حديث عن ظهر قلب لا يخطئ في حرف واحد، فارق الدنيا وليس له فيها نظير، فرحمه الله رحمة واسعة، ورحم الله سائر الأئمة الكرام والعلماء الأعلام.
وحماد بن زيد بن درهم، وكذلك حماد بن سلمة بن دينار كلاهما من أئمة البصرة، وفي عصر واحد هو عصر كبار أتباع التابعين.
стр. 144
نسب حماد بن زيد ومولده وصفته
اسمه: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، مولى آل جرير بن حازم، وكان جده درهم من سبي سجستان.
أما مولده: قال الذهبي: مولده في سنة ثمان وتسعين.
وعن حماد بن زيد قال: زعمت أمي أنني ولدت في خلافة عمر بن عبد العزيز.
قال: وقالت عمتي: في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك.
صفته: قال أبو حاتم بن حبان: كان ضريراً، يحفظ حديثه كله.
يعني: كان ضبطه ضبط صدر.
وقال الذهبي: إنما أضر بآخره.
يعني: ذهب بصره في آخر عمره، وليس في أوله.
وعن عفان بن مسلم قال: كان حماد بن زيد يلبس قلنسوة بيضاء طويلة لطيفة.
стр. 145
ثناء العلماء على حماد بن زيد
قال الحافظ أبو نعيم: ومنهم الإمام الرشيد الآخذ بالأصل الوتيد، المتمسك بالمنهج الحميد، نزل من العلوم بالمحل الرفيع، وتوصل إلى الأصول بالوسيط المنيع، اقتبس الآثار عن الأخيار، وأخذ الأعمال عن الأبرار، أكبر فوائده في الأقضية والأحكام، وأبلغ مواعظه في مراعاة الأبنية والأعلام، أبو إسماعيل حماد بن زيد.
وعن علي بن الحسن بن شقيق قال: قال عبد الله بن المبارك: أيها الطالب علماًَ ائت حماد بن زيد فاطلب العلم بحلم ثم قيده بقيد لا كثور وكجهم وكعمرو بن عبيد وعن خالد بن خداش قال: حماد بن زيد من عقلاء الناس، وذوي الألباب.
وعن أبي عاصم قال: مات حماد بن زيد يوم مات ولا أعلم له في الإسلام نظيراً في هيبته ودله.
وأظنه قال: وسمته.
قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
وقال آخر: هو أجل أصحاب أيوب السختياني وأثبتهم.
وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد من أئمة المسلمين من أهل الدين، هو أحب إلي من حماد بن سلمة.
فـ حماد بن سلمة كان مشهوراً بالعبادة والشدة على أهل البدع، وكان واعظاً، وكان الناس يحسبون فيه الإخلاص في تعلمه وتعليمه، ولكن حماد بن زيد أثبت في الحديث.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وما رأيت أحداً أفقه منه، يعني: حماد بن زيد.
وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سمعت أبا أسامة يقول: كنت إذا رأيت حماد بن زيد قلت: أدبه كسرى وفقهه عمر.
وقال محمد بن سعد: حماد بن زيد يكنى أبا إسماعيل، وكان عثمانياً، يعني: كان يقدم عثمان على علي.
وكما قال بعض العلماء: من فضل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تقديم عثمان على علي.
وعن يحيى قال: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن علية وعبد الوهاب الثقفي وابن عيينة.
وعن عبيد الله بن الحسن قال: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه من الحمادين.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد.
стр. 146
تثبت حماد بن زيد وحفظه ﵀
عن محمد بن المنهال الضرير قال: سمعت يزيد بن زريق وسئل: ما تقول في حماد بن زيد وحماد بن سلمة، أيهما أثبت في الحديث؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلاً صالحاً.
وعن يحيى بن معين قال: ليس أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سئل أبو زرعة عن حماد بن زيد وحماد بن سلمة؟ فقال: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، أصح حديثاً وأتقنه.
وقال ابن مصفى: أخبرنا بقية قال: ما رأيت بالعراق مثل حماد بن زيد.
وقال الذهبي: ومن خاصية حماد بن زيد أنه لا يدلس أبداً.
وقال خالد بن خداش: سمعته يقول: المدلس متشبع بما لم يعط.
وقال الذهبي أيضاً: والمدلس داخل في عموم قوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]، وداخل في قوله ﵊: (من غشنا فليس منا)؛ لأنه يوهم السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع، وهذا إذا دلس عن ثقة، أما إذا دلس خبره عن ضعيف يوهم أنه صحيح؛ لكون الضعيف -مثلاً- مشهوراً بالاسم فيذكره بالكنية، أو مشهوراً بالكنية فيذكره بالاسم حتى لا يفطن له، فهذا نوع من الغش، أو أنه يسقطه، وهو تدليس الإسقاط، فيذكر شيخه بصيغة توهم السماع، فيقول: عن فلان، ويسقط شيخاً ضعيفاً، فهذا أيضاً غش، وقد قال عبد الوارث بن سعيد: التدليس ذل.
وعن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: ما رأيت أحفظ من حماد بن زيد.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: حماد بن زيد ثقة، وحديثه أربعة آلاف حديث كان يحفظها ولم يكن له كتاب.
وقال عبد الرحمن بن خراش الحافظ: لم يخطئ حماد بن زيد في حديث قط.
وعن مقاتل بن محمد قال: سمعت وكيعاً وقد قيل له: حماد بن زيد كان أحفظ أو حماد بن سلمة؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبه حماد بن زيد إلا بـ مسعر.
стр. 147
اتباع حماد بن زيد للسنة وحذوه معتقد أهلها
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: لم أر أحداً قط أعلم بالسنة ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد.
وعن يحيى بن المغيرة قال: قرأت كتاب حماد بن زيد إلى جرير: بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون غير ذلك، اثبت على ذلك ثبتك الله.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: إذا رأيت بصرياً يحب حماد بن زيد فهو صاحب سنة.
وهذا إشارة إلى أنه من أئمة السنة في زمانه، فمحبة علماء أهل السنة علامة على الخير، وبغض علماء السنة والطعن فيهم علامة على البدعة.
قال الذهبي: لا أعلم بين العلماء نزاعاً في أن حماد بن زيد من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم وأعدمهم غلطاً على سعة ما روى ﵀.
وعن سليمان بن محمد قال: سمعت حماد بن زيد يقول: إنما يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء إله.
يعني الجهمية الذين ينفون الفوقية.
وعن أبي النعمان عارم قال: قال حماد بن زيد: القرآن كلام الله، أنزله جبريل من عند رب العالمين.
وعن فطر بن حماد بن واقد قال: سألت حماد بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل! إمام لنا يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة.
وعن خالد بن خداش قال: سمعت حماد بن زيد يقول: لئن قلت: إن علياً أفضل من عثمان لقد قلت: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد خانوا.
فهذا يدل على ضعف القول أنه كان علوياً، أو لعل هذا كان مذهباً له في البداية ثم رجع عنه.
فترتيب الصحابة الخلفاء في الخلافة كترتيبهم في الفضل.
стр. 148
التفريق بين حماد بن زيد وحماد بن سلمة
اشترك الحمادان في كثير من المشايخ والتلاميذ، فكيف نفرق بينهما: قال الحافظ الذهبي ما ملخصه: اشترك الحمادان في الرواية عن مشايخ، يعني: لأنهما متعاصران وفي مصر واحد وهو البصرة، فطبيعي أن يكون هنالك اشتراك بينهما في أكثر الشيوخ والتلاميذ، كما هو الحال في سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وإن كان سفيان بن عيينة بالحجاز والثوري بالكوفة، إلا أنهما متعاصران واشتركا في جملة من المشايخ، فكيف نفرق لو وجدنا في الإسناد: (حدثنا حماد) دون أن يبين من هو حماد.
يقول الحافظ الذهبي: اشترك الحمادان في الرواية عن مشايخ، وروى عنهما جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن (حماد) ولم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن -وذلك قليل- لم نقطع أنه ابن زيد ولا ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم؛ إذ مسلم قد احتج بهما جميعاً، كما ذكرنا أن البخاري تحاشا الرواية عن حماد بن سلمة لأنه تغير بآخره، فقد كان له أحاديث كثيرة جداً، وليس هو في الضبط مثل حماد بن زيد، ولكن الإمام مسلم تخير من حديث حماد بن سلمة فروى حديثه في الأصول عن ثابت البناني وعن خاله حميد الطويل، وفي المتابعات ذكر روايته عن حماد بن سلمة عن غيرهما.
أي: ثابت البناني وحميد الطويل.
فيقول: لو وجدنا في السند حماداً ولم يميز فنقول: إن هذا من شرط مسلم؛ لأن مسلماً روى للحمادين، أما البخاري فروى لـ حماد بن زيد وحده، فلو وجدنا حماداً في صحيح البخاري غير منسوب إلى أبيه فهو حماد بن زيد فقط.
ثم ذكر ﵀ جملة من شيوخهما وتلامذتهما، ثم قال: والحفاظ المختصون بالإكثار من الرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد وحبان بن هلال والحسن الأشيب وعمر بن عاصم، يعني: لو قال بهز بن أسد: حدثنا (حماد) وسكت، فيكون الغالب أنه حماد بن سلمة أو قال ذلك حبان بن هلال أو الحسن الأشيب أو عمر بن عاصم.
والحفاظ المختصون بالإكثار من الرواية عن حماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة أكثر وأوضح، فـ حماد بن سلمة كان أكبر، وهناك حفاظ ما أدركوا حماد بن سلمة، فلو قال واحد منهم: (حدثنا حماد)، فهو حماد بن زيد؛ لأنهم فاتهم حماد بن سلمة فلم يرووا عنه، كـ علي بن المديني وأحمد بن عبدة وأحمد بن المقدام وبشر بن معاذ العقدي وخالد بن خداش وخلف بن هشام وزكريا بن عدي وسعيد بن منصور وأبي الربيع الزهراني والقواريري وعمرو بن عوف وقتيبة بن سعيد ومحمد بن أبي بكر المقدمي ولوين ومحمد بن عيسى الطباع ومحمد بن عبيد الأحدب ومسدد ويحيى بن حبيب ويحيى بن يحيى التميمي وعدة من أقرانهم، فإذا رأيت الرجل من هذه الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه -يعني: لم يميزه- علمت أنه ابن زيد، وأن هذا الراوي لم يدرك حماد بن سلمة.
وكذلك إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت نظرنا في شيخ حماد من هو، فإذا كان من شيوخهما ترددنا، وإن كان من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفنا أنه من شيوخه المختصين به.
يعني: ينظر للتلاميذ وللشيوخ، فهناك تلاميذ أدركوا حماد بن زيد ولم يدركوا حماد بن سلمة، فهؤلاء لو قالوا: (حماد) نعرف أنهم يقصدون حماد بن زيد، بخلاف الذين أكثروا من الرواية عن حماد بن سلمة كما سبق.
وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإذا رأيته من شيوخهما ترددت، وإذا رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته من شيوخه المختصين به.
وأنفع كتاب بالنسبة لتحديد هؤلاء العلماء كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي، فهو لم يحصر الشيوخ والتلاميذ، ولكن يذكر أكثر الشيوخ والتلاميذ، وهو الكتاب الذي اختصره من الكمال لـ
стр. 149
شيوخ حماد بن زيد وتلامذته ﵀
شيوخه: قال الحافظ: روى عن ثابت البناني وأنس بن سيرين وعبد العزيز بن صهيب وعاصم الأحول ومحمد بن زياد القرشي وأبي جمرة الضبعي والجعد أبي عثمان وأبي حازم سلمة بن دينار وشعيب بن الحبحاب وصالح بن كيسان وعبد الحميد صاحب الزيادي وأبي عمران الجوني وعمرو بن دينار وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وغيرهم من التابعين فمن بعدهم.
تلامذته: قال الحافظ: وعنه ابن المبارك وابن مهدي وابن وهب والقطان وابن عيينة وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عبلة وهو من عداد شيوخه ومسلم بن إبراهيم وعارم ومسدد ومؤمل بن إسماعيل وأبو أسامة وسليمان بن حرب وعفان وعمرو بن عوف وعلي بن المديني وقتيبة ومحمد بن زنبور المكي وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي وخلق كثير آخرهم الهيثم بن سهل التستري مع ضعفه.
стр. 150
درر من أقوال حماد بن زيد ﵀
عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول في قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه وجب عليك أن تنصت له كما تنصت للقرآن.
فهذا من الأدب مع النبي ﷺ ، فليس المقصود التأدب معه في حياته فحسب، ولكن إذا سمعت حديثه فعليك أن تخفض صوتك عند سماع حديث رسول الله ﷺ .
وكذلك يدخل فيها - والله أعلم - ألا ترفع الآراء والأهواء والأقيسة الفاسدة على كلام النبي ﷺ فتطرح الآراء وتوضع الأقوال المخالفة لقوله، فهذا من الأدب معه ﷺ في حياته وبعد مماته.
وقال محمد بن وزير الواسطي: سمعت يزيد بن هارون يقول: قلت لـ حماد بن زيد: هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ قال: بلى، الله تعالى يقول: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢].
يعني: طائفة تنفر إلى الجهاد، وطائفة تنفر لتتعلم حديث النبي ﷺ ، فإذا أتت الطائفة التي نفرت للجهاد علمتها الطائفة التي نفرت لسماع الحديث.
وعن أيوب العطار قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: حدثنا حماد بن زيد ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء.
стр. 151
وفاة حماد بن زيد ﵀
قال الذهبي: ولد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة.
وقال أبو حفص الفلاس: مات يوم الجمعة في التاسع عشر من شهر رمضان.
وقال عارم: مات لعشر ليال خلون من رمضان في يوم الجمعة.
وقال أبو داود: مات قبل مالك بشهرين وأيام.
قال الذهبي: هذا وهم، بل مات قبله بستة أشهر، فرحمهما الله، فلقد كانا ركني الدين، وما خلفهما مثلهما.
يعني: ما بقي في الدنيا مثل مالك بن أنس نجم السنن -وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى- وحماد بن زيد إمام أهل البصرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 152
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام حماد بن سلمة
حماد بن سلمة علم من أعلام السلف، وإمام من الأئمة الكرام، كان أكثر أتباع التابعين عبادة وشدة على البدع وأهلها، أثنى عليه العلماء، واتهموا من يطعن فيه، فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.
стр. 153
بين يدي ترجمة حماد بن سلمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فنحن هنا في سلسلة من أعلام السلف مع علم من الأعلام، وإمام من الأئمة الكرام، إنه أكبر الحمادين سناً وأكثرهم عبادة وشدة على أهل البدع، إنه إمام أهل البصرة حماد بن سلمة ﵀، كفاه شرفاً وفخراً قول ابن المبارك ﵀: دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة.
فرحمه الله وأعلى درجته وجمعنا به في دار كرامته، ولله الحمد والمنة على كل نعمة.
стр. 154
نسب حماد بن سلمة ومولده وصفته
اسمه: حماد بن سلمة بن دينار، الإمام القدوة، شيخ الإسلام أبو سلمة البصري النحوي البزاز الخرقي البطائني مولى آل ربيعة بن مالك، وابن أخت حميد الطويل.
مولده: قال أبو سلمة التبوذكي: مات حماد بن سلمة وقد أتى عليه ست وسبعون سنة.
والمشهور أن وفاته سنة سبع وستين ومائة، فيكون ميلاده في إحدى وتسعين.
صفته: قال البخاري: سمعت آدم بن أبي إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة ودعوه - يعني: السلطان - فقال: أحمل لحية حمراء إلى هؤلاء؟ لا والله ما فعلت.
فرفض أن يذهب إلى السلطان.
стр. 155
ثناء العلماء على حماد بن سلمة
عن يحيى بن معين قال: حماد بن سلمة ثقة.
وعن حجاج بن المنهال قال: حدثنا حماد بن سلمة وكان من أئمة الدين.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: حماد بن سلمة صحيح السماع حسن اللقي، أدرك الناس -أي: وجوه الناس أو العلماء- ولم يتهم بلون من الألوان -يعني: من البدع- ولم يتلبس بشيء، أحسن ملكة نفسه، ولسانه لم يطلقه على أحد، ولا ذكر خلقاً بسوء، فسلم حتى مات ﵀.
وقال عبد الله بن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة.
وعن موسى بن إسماعيل قال: سمعت حماد بن زيد يقول: ما كنا نأتي أحداً نتعلم شيئاً بنية في ذلك الزمان إلا حماد بن سلمة.
وكان معاصراً له، وإن كان حماد بن سلمة أكبر منه بعشر سنوات تقريباً، ولكنهما إماما أهل البصرة، وإن كان حماد بن زيد أثبت، وحماد بن زيد يشبه بالإمام مالك، ولكن حماد بن سلمة لشدته على أهل البدع وعبادته وشبهه بالأولين ركزنا عليه في هذه الترجمة التربوية.
وقال أحمد: أعلم الناس بـ ثابت البناني حماد بن سلمة، وهو أثبتهم في حميد الطويل.
ولذلك فإن البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة، ولكن روى عنه الإمام مسلم، وركز على روايته عن ثابت البناني وحميد الطويل؛ لأنه كان من أعلم الناس بحديثهما.
قال الذهبي: كان بحراً من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق حجة، وليس هو في الإتقان كـ حماد بن زيد، وتحايد البخاري إخراج حديثه إلا حديثاً خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي، ولم ينحط حديثه عن رتبة الحسن.
ومسلم روى له في الأصول، أي: الأحاديث التي ليس في سندها مقال فيصدرها، ثم بعد ذلك يذكر روايات للحديث قد يكون فيها عنعنة مدلس، أو فيها راو تكلم فيه، فهو مطمئن إلى صحة الحديث من الطرق السليمة التي أوردها في المقدمة وفي الأصول، ولا بأس بالمتابعات إذا كان فيها شيء من الضعف.
ورد الحافظ ابن حبان على الإمام البخاري في تجنب حديثه، فقال في صحيحه: لم ينصف من جانب حديثه واحتج بـ أبي بكر بن عياش، وبـ ابن أخي الزهري وعبد الرحمن بن دينار، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه -مثل الثوري وشعبة ودونهما- كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه فكذلك أبو بكر - يعني: ابن عياش - ولم يكن مثل حماد بالبصرة، ولم يكن يثلبه - أي: يطعن فيه - إلا معتزلي أو جهمي؛ لما كان يظهر من السنن الصحيحة، وهل يبلغ أبو بكر بن عياش مبلغ حماد بن سلمة في إتقانه أم في جمعه أم في علمه أم ضبطه؟ وقال الذهبي: قال أحمد بن حنبل ﵀: إذا رأيت من يغمزه فاتهمه، فإنه كان شديداً على أهل البدع.
وعلامة أهل البدع الطعن في علماء السنة، وخاصة الذين عرفوا بتحريهم للسنة، كالإمام أحمد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة أهل السنة والجماعة، قال الذهبي: إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه، فلذلك لم يحتج به البخاري.
أما مسلم فاجتهد فيه، وأخرج من حديثه عن ثابت مما سمع منه قبل تغيره، ويقصد بالتغير قلة الحفظ لا الاختلاط، فقد ينزل من درجة الصحيح إلى الحسن، ولكن ليس معنى ذلك أن يترك حديثه في آخر عمره.
فيقول: أخرج من حديثه عن ثابت.
كما قالوا عن عبد الرزاق أيضاً: تغير بآخره، ولكن لا يقصدون بذلك أنه اختلط.
وقالوا أيضاً في عروة بن الزبير: تغير بآخره، فليس المقصود أنه نزل عن رتبة الاحتجاج، ولكن المقصود: قل حفظه وضبطه.
يقول: وأما عن غير ثابت فأخرج له نحو اثني عشر حديثاً في الشواهد دون الاحتجاج.
أي: لم يخرج له في الأصول، وإنما في الشواهد أو المتابعات، فالاحتياط ألا يحتج به فيما يخالف الثقات، وهذا الحديث من جملتها.
وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا الحمادان، وفضل ابن سلمة على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم.
يعني: الذي اسم جده دينار أفضل من حماد بن زيد الذي اسم جده
стр. 156
عبادة حماد بن سلمة ﵀
قال أبو نعيم في ترجمته له: ومنهم المجتهد في العبادة المعدود في الإمامة: أبو سلمة حماد بن سلمة، كان لخطير الأعمال مصطنعاً، وبيسير الأقوات مقتنعاً.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً.
وعن عفان بن مسلم قال: رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة.
وعن موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً لصدقت، كان منشغلاً، إما أن يحدث، أو يقرأ، أو يسبح، أو يصلي، قد قسم النهار على ذلك.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: حدثني أبي قال: كان حماد بن سلمة لا يحدث حتى يقرأ مائة آية نظراً في المصحف.
وعن حماد بن سلمة قال: أخذ إياس بن معاوية بيدي وأنا غلام فقال: لا تموتن حتى تقص -أي: يعظ الناس- أما إني قد قلت هذا لخالك - يعني: حميد الطويل - فما مات حماد حتى قص.
قال أبو خالد: قلت لـ حماد: أنت قصصت؟ قال: نعم.
قال الذهبي: القاص هو الواعظ.
стр. 157
ورع حماد بن سلمة ﵀
عن موسى بن إسماعيل قال: سمعت حماد بن سلمة يقول لرجل: إذا دعاك الأمير أن تقرأ عليه (قل هو الله أحد) فلا تأته.
فقد كان حماد على مذهب سفيان الثوري في البعد عن أبواب الأمراء.
وعن محمد بن الحجاج قال: كان رجل يسمع معنا عند حماد بن سلمة، فركب إلى الصين، فلما رجع أهدى إلى حماد بن سلمة هدية، فقال له حماد: إني إن قبلتها لم أحدثك بحديث، وإن لم أقبلها حدثتك.
قال: لا تقبلها وحدثني.
وعن حماد بن سلمة قال: ما كان من شأني أن أحدث أبداً، حتى رأيت أيوب السختياني - في منامي فقال لي: حدث فإن الناس يقبلون.
وقال سوار بن عبد الله العنبري: حدثني أبي قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه، فإذا ربح في حبة أو حبتين شد جونته ولم يبع شيئاً، فكنت أظن ذلك يقوته.
فكان بعض السلف يفتح دكانه ويبيع حتى يأتي بقوت يومه، ثم يغلق دكانه ويعود إلى بيته للعبادة.
стр. 158
اتباع حماد بن سلمة للسنة واعتقاده معتقد أهلها
عن أحمد بن حنبل قال: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديداً على المبتدعة.
وتقدم قول ابن حبان: ولم يكن مثل حماد بالبصرة، ولم يكن يثلبه إلا معتزلي أو جهمي؛ لما كان يظهر من السنن الصحيحة.
وقال حنبل بن إسحاق: قلت لـ أبي عبد الله: وهيب وحماد بن زيد وحماد بن سلمة؟ قال: وهيب وهيب، كأنه يوثقه، وحماد بن سلمة لا أعلم أحداً أروى في الرد على أهل البدع منه، وحماد بن زيد حسبك به.
وقال عبد الله بن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة.
وروى عبد العزيز بن المغيرة عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب فقال: من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه.
стр. 159
شيوخ حماد بن سلمة وتلامذته ﵀
شيوخه: روى عن ثابت البناني وقتادة وخاله حميد الطويل وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأنس بن سيرين وثمامة بن عبد الله بن أنس ومحمد بن زياد القرشي وأبي الزبير المكي وعبد الملك بن عمير وعبد العزيز بن صهيب وأبي عمران الجوني وعمرو بن دينار وهشام بن زيد بن أنس وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني وخالد الحذاء وداود بن أبي هند وسليمان التيمي وسماك بن حرب وخلق كثير من التابعين فمن بعدهم.
وهو أيضاً من نفس الطبقة الفاضلة طبقة كبار أتباع التابعين.
تلامذته: قال الحافظ: وعنه ابن جريج والثوري وشعبة وهم أكبر منه، وابن المبارك وابن مهدي والقطان وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وأبو سلمة التبوذكي وآدم بن أبي إياس والأشيب وأسود بن عامر شاذان وبشر بن السري وبهز بن أسد وسليمان بن حرب وأبو نصر التمار وهدبة بن خالد وشيبان بن فروخ وعبيد الله العيشي وآخرون.
стр. 160
درر من أقوال حماد بن سلمة
قال إسحاق بن الطباع: سمعت حماد بن سلمة يقول: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به.
يعني: إذا لم تكن نيته خالصة مكر به، وإن كان بعضهم قال: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على طلب الدين، يعني: قد تكون نية طالب العلم في البداية ليست صحيحة، ولكن العلم يهذبه ويوجهه الوجهة الصحيحة.
وعن محمد بن إسماعيل البخاري قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: عاد حماد بن سلمة سفيان الثوري، فقال سفيان: يا أبا سلمة! أترى الله يغفر لمثلي؟ فقال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله، وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي.
وعن أبي سلمة المنقري قال: سمعت حماد بن سلمة يقول: إن الرجل ليثقل حتى يخف.
стр. 161
وفاته ﵀
قال أبو الحسن المدائني: مات حماد بن سلمة يوم الثلاثاء في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة.
إذاً: ولد سنة إحدى وتسعين، ومات سنة سبع وستين ومائة، وصلى عليه إسحاق بن سليمان.
وقال يونس بن محمد المؤذن: مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد.
وهكذا فإن الإنسان غالباً يموت على ما عاش عليه، إن كان مشغولاً بالدعوة أو بالعبادة أو بالخير فغالباً يموت على ذلك، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 162
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام سعيد بن جبير
صاغ الإسلام رجالاً أناروا الطريق للناس، وكانوا قدوات ومفاتيح خير وأعلام هدىً لهذه الأمة، ومنهم الإمام العلم المفسر الزاهد العابد سعيد بن جبير أجل تلاميذ ابن عباس ﵄، ففي سيرته معلم هداية ومنبر علم، ومحراب خشوع، وإمامة للعلماء العاملين.
стр. 163
بين يدي ترجمة سعيد بن جبير
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: فمع السلسلة المباركة من أعلام السلف والفارس في هذه الجولة إمام من أئمة المسلمين اشتهر بالعبادة وكثرة البكاء من خشية الله، وكان كاسمه بالطاعة سعيداً، ونرجو أن يكون عند الله شهيداً، فقد كان ولياً من أولياء الله الصالحين مستجاب الدعوة.
عن أصبغ بن زيد قال: كان لـ سعيد بن جبير ديك كان يقوم من الليل بصياحه، قال: فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته? فما سُمع له صوت بعد.
فقالت أمه: لا تدع على شيء بعدها.
عذّبه الحجاج حتى قتله، وكان يمكن أن يدعو على الحجاج فلم يفعل، ودعا أن يكون آخر من يقتله الحجاج فأهلك الله الحجاج وأراح البلاد والعباد من شره، وكان ذلك بعد مقتل سعيد بمدة يسيرة.
كان ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن إذا سأله أحد من أهل الكوفة يحيل عليه ويقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ إنه السعيد الذي بكى بالليل حتى عمش، تابع ابن الأشعث عندما خرج على الحجاج، ودعا الناس إلى قتال الحجاج لجوره وتجبره، وإماتة الصلاة واستذلال المسلمين، فلما انهزم ابن الأشعث فر سعيد بن جبير إلى مكة وظل مختفياً اثنتي عشرة سنة، ثم ظفر به الحجاج في السنة التي هلك فيها؛ لما أراده الله للحجاج الثقفي -لعنة الله على الظالمين- من سوء الخاتمة، وكذا لسوق السعادة والشهادة لـ ابن جبير، فقتله أشنع قتلة، وهو صابر محتسب راغب في فضل الله والجنة، فنسأل الله أن يرفعه فوق كثير من خلقه لصبره وعبادته، وبذله وشهادته، ونسأل الله أن يرزقنا شهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين.
стр. 164
نسب الإمام سعيد بن جبير ومولده وصفته
اسمه سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم -أي: أنه لم يكن من أصل عربي ولكنه مولى لبني أسد، أي: أن أحد أفراد هذه القبيلة اشتراه فأعتقه، فصارت هناك علاقة بين المُعتِق والمُعتَق وهي علاقة الولاء- أبو محمد ويقال: أبو عبد الله الإمام الحافظ المقرئ المفسّر الشهير أحد الأعلام.
مولده: لم يصرّح أحد من المترجمين بتاريخ مولده، وصرحوا بأن مقتله كان في شعبان سنة ٩٥ هـ، وكثير من المترجمين أو كثير من الذين يرصدون الأخبار ويؤرخون للحوادث لا يقفون كثيراً على تاريخ الميلاد، ولكنهم يضبطون تاريخ الوفاة.
وقد قال لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبعة وخمسين، كأنه عاش ٥٧ سنة، وتوفي سنة ٩٥ هـ، وعلى ذلك يكون ميلاده سنة ٣٨ هـ تقريباً، وقد صرّح الذهبي بأن ميلاده كان في خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ وهو الخليفة الخامس، والذي اشتهر عند كثير من الناس أن الخليفة الخامس هو عمر بن عبد العزيز، ولكن الصحيح أن الخليفة الخامس هو الحسن بن علي؛ لأن خلافته كانت ستة أشهر بعد مقتل أبيه، وتم به ما أخبر عنه النبي ﷺ بأن الخلافة بعده ثلاثون سنة، أي: الخلافة الراشدة ثلاثون سنة، فتمت الثلاثون سنة بخلافة الحسن بن علي ﵄.
وقال بعضهم: مات وله تسع وأربعون سنة، فيكون ميلاده سنة ٤٦ هـ.
صفته: قال الذهبي: روي أنه كان أسود اللون.
وعن عبد الله بن نمير عن فطر قال: رأيت سعيد بن جبير أبيض الرأس واللحية.
وعن أيوب قال: سئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فكرهه، وقال: يكسو الله العبد النور في وجهه ثم يطفئه بالسواد؟! فالصبغ يكون بالأحمر أو بالحناء، ويكره الصبغ بالسواد.
وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت على سعيد بن جبير عمامة بيضاء.
وعن القاسم الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
стр. 165
ثناء العلماء على الإمام سعيد بن جبير
عن جعفر بن أبي المغيرة قال: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء -يعني: سعيد بن جبير؟ - فكان ابن عباس يحيل عليه، وهذا يدل على تبحّره وأنه كان من أكبر تلامذة ابن عباس ﵄.
وعن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.
وعن أشعث بن إسحاق قال: كان يقال: سعيد بن جبير جهبذ العلماء.
وعن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة -مسألة في المواريث- فقال: ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض.
فالصحابة كانوا يحيلون عليه.
وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين.
وقال إبراهيم النخعي: ما خلّف سعيد بن جبير بعده مثله.
وعن خصيف قال: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء تلميذ ابن عباس -وهو عطاء بن أبي رباح - وأعلمهم بالحلال والحرام طاوس.
وهؤلاء كلهم تلامذة ابن عباس، وطاوس إمام من أهل اليمن كان أعلمهم بالحلال والحرام، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
وعن علي بن المديني قال: ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير قيل: ولا طاوس؟ قال: ولا طاوس ولا أحد.
стр. 166
عبادة الإمام سعيد بن جبير ﵀
عن هلال بن خباب قال: خرجنا مع سعيد بن جبير في جنازة فكان يحدثنا في الطريق ويذكرنا حتى قمنا فرجعنا، وكان كثير الذكر لله.
وعن هلال بن خباب قال: خرجت مع سعيد بن جبير في أيام مضين من رجب، فأحرم من الكوفة بعمرة، ثم رجع من عمرته، ثم أحرم بالحج في النصف من ذي القعدة، وكان يخرج كل سنة مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة.
وطبعاً لم يكن أحد في ذلك الزمان يركب الطائرة، وفي خلال ساعة أو ساعتين يكون في جدة، ولكن كانوا يسافرون إما سيراً على الأقدام أو على الراحلة، فكان سعيد بن جبير يسافر مرتين في السنة للحج والعمرة، وهذه عبادة يُخضع لها.
وعن خصيف قال: رأيت سعيد بن جبير صلى ركعتين خلف المقام قبل صلاة الصبح، قال: فأتيته فصليت إلى جنبه وسألته عن آية من كتاب الله فلم يجبني، فلما صلى الصبح قال: إذا طلع الفجر فلا تتكلم إلا بذكر الله حتى تصلي الصبح.
وعن أبي جرير أن سعيد بن جبير قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر.
فكانت العبادة تعجبه.
وكان يقول: أيقظوا خدمكم يتسحّرون لصوم يوم عرفة.
وعن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير أنه كان ينكر أن يتكفأ الرجل في صلاته، قال: وما رأيته قط يصلي إلا وكأنه وتد.
فكان يكره أن يصلي الإنسان وهو منحنٍ، فكان يصلي وكأنه وتد، وقيل عن بعض السلف -ومنهم مسلم بن يسار - إنه كان يصلي وكأنه جذع شجرة حتى يأتي الطير فيقف عليه.
وانهدمت ناحية في المسجد فهرع لها أهل السوق وهو في صلاته فما تحرك.
وعن هشام بن حسان قال: قال سعيد بن جبير: إني لأزيد في صلاتي من أجل ابني هذا.
قال هشام: رجاء أن يُحفظ فيه.
فالإنسان يكون تقواه لله في حدود خوفه على الذرية، قال : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٩] فهذا هو التأمين الرباني.
وعن عمر بن ذر قال: كتب سعيد بن جبير إلى أبي كتاباً أوصاه بتقوى الله، وقال: إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة؛ لأن المسلم يزداد من الدنيا خيراً، فكل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة، ومن تساوى يوماه فهو مغبون، فهو يزداد طاعة ويزداد حباً لله ، ويزداد علماً، ويرتفع في الأحوال الإيمانية، فكل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة.
وعن القاسم بن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
وعن ابن شهاب قال: كان سعيد بن جبير يصلي العتمة -أي: العشاء- في رمضان ثم يرجع فيمكث هنيهة ثم يرجع فيصلي بنا ست ترويحات، ويوتر بثلاث، ويقنت بقدر خمسين آية.
стр. 167
توكل الإمام سعيد بن جبير وخشيته ﵀
عن ضرار بن مرة الشيباني عن سعيد بن جبير قال: التوكل على الله جماع الإيمان.
والتوكل هو: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار.
وعن أبي سنان عن سعيد بن جبير أنه كان يدعو: اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك.
وعن موسى بن رافع قال: دخلت على سعيد بن جبير بمكة وقد أخذه صداع شديد، فقال له رجل ممن عنده: هل لك أن نأتيك برجل يرقيك من هذه الشقيقة؟ -الشقيقة: هي الصداع النصفي، وغالباً ما يكون هذا الصداع بسبب الأوردة- قال: لا حاجة لي في الرقى.
قال ذلك لأنه يريد أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : (يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب)، ولما سأل الصحابة عن صفتهم قال: (هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون) وفي رواية: (يرقون) ولكن هذه الرواية ضعيفة، والرواية الصحيحة: (لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية.
وعن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال: لدغتني عقرب فأقسمت عليّ أمي أن أسترقي -أي: أطلب رقية- فأعطيت الراقي يدي التي لم تُلدغ وكرهت أن أحنّثها.
أي: أعطى الراقي يده التي لم تُلدغ حتى لا يحنث أمه ويوقعها في حنث اليمين.
وعن قاسم الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
стр. 168
محنة الإمام سعيد بن جبير ﵀
خرج القراء على الحجاج الثقفي وكان أميراً لـ عبد الملك بن مروان على العراق، وانتصر جند ابن الأشعث على الحجاج في مواطن كثيرة وكاد أن يزول ملكه، وكان الحجاج مقداماً شجاعاً فثبت حتى فرّق جمعهم، ثم تعقّب الذين خرجوا عليه، وكان من هؤلاء سعيد بن جبير، ولكنه اختفى فترة ثم وقع في يد الحجاج، وكان منهم أيضاً الإمام الشعبي، ولكن الشعبي استعمل التقية وعرّض بالكلام وتحايل حتى نجا من القتل، أما سعيد بن جبير فاستبسل للموت حتى قُتل.
قال الذهبي: خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، ثم إنه اختفى وتنقل في النواحي اثنتي عشرة سنة، ثم أوقعوا به وأحضروه إلى الحجاج فقال: يا شقي بن كسير -أي: بدل سعيد بن جبير قال: يا شقي بن كسير- أما قدمت الكوفة وليس يؤم بها إلا عربي فجعلتك إماماً؟ -لأنه كان مولى وليس عربياً أصلياً- قال: بلى، قال: أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح للقضاء إلا عربي، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته ألا يقطع أمراً دونك؟ قال: بلى، قال: أما جعلتك في سماري؟ -يعني: من يسمر معه ويحادثه بالليل- وكلهم رءوس العرب؟ قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال: بلى، قال: ما أخرجك عليّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لـ ابن الأشعث، فغضب الحجاج وقال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ يا حرسي اضرب عنقه، فضرب عنقه ﵀.
وعن أبي حصين قال: رأيت سعيداً بمكة فقلت: إن هذا خالداً -يعني: خالد بن عبد الله القسري وكان أميراً على مكة لـ عبد الملك بن مروان - ولست آمنه عليك، قال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله.
قال الذهبي: طال اختفاؤه، فإن قيام القراء على الحجاج كان في سنة ٨٢ هـ وما ظفروا بـ سعيد إلا سنة ٩٥ هـ وهي السنة التي أهلك الله فيها الحجاج.
وعن أبي اليقظان قال: كان سعيد بن جبير يقول يوم دير الجماجم -وهي المعركة التي بين القراء وبين الحجاج - وهم يقاتلون: قاتلوهم على جورهم في الحكم، وخروجهم من الدين، وتجبّرهم على عباد الله، وإماتتهم الصلاة -فإنهم كانوا يصلون الجمعة قرب المغرب، ولكنهم كانوا يحكمون الشرع، إلا أنه كان عندهم شيء من الجور، وكانوا يداً قوية على أعداء الإسلام، ولكن من ينازعهم السلطان كانوا يضربونه بيد قوية- واستذلالهم للمسلمين.
فلما انهزم أهل دير الجماجم لحق سعيد بن جبير بمكة فأخذه خالد بن عبد الله فحمله إلى الحجاج مع إسماعيل بن أوسط البجلي.
قال محمد بن سعد: كان الذي قبض على سعيد بن جبير والي مكة خالد بن عبد الله القسري، فبعث به إلى الحجاج، فأخبرنا يزيد عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمع خالد بن عبد الله صوت القيود، فقال: ما هذا؟ قيل: سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما، يطوفون بالبيت، قال: اقطعوا عليهم الطواف.
وعن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجاج فبكى رجل، فقال سعيد: ما يبكيك؟ قال: لما أصابك، قال: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، وتلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].
وهذا مما يتسلى به عند المصائب، فإن الإنسان المؤمن يعلم أن هذا في قدر الله ولا بد أن يكون، كما قال بعضهم: هي المصيبة تصيب العبد فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
وعن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتى سعيد بن جبير الحجاج قال: أنت شقي بن كسير، قال: أنا سعيد بن جبير قال: لأقتلنك، قال: أنا إذاً كما سمتني أمي -أي: سعيد - ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة:١١٥]-ولأنه مكره على الصلاة لغير القبلة فليس عليه شيء- قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم، قال: ما عاذت به مريم؟ قال: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨].
قال سليمان التيمي:
стр. 169
علم الإمام سعيد بن جبير ﵀ بالتفسير
علمه ﵀ بالتفسير: سعيد بن جبير هو أكبر تلامذة ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد أخذ عنه علماً كثيراً.
بعض آثاره في التفسير: عن ربيع بن أبي راشد عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦] قال: إذا عُمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا.
أي: إذا وجدت معاصٍ في بلدة فاخرجوا منها؛ فإن أرض الله واسعة.
وعن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] قال: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي.
وعن عطاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] قال: ما سنوا.
أي: السنن التي تركوها سواء كانت سنن خير أو شر.
وعن أبي سنان ضرار بن مرة عن سعيد في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] قال: الصلاة في الجماعة.
وعن سالم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] قال: الأيدي القوة في العلم والبصر فيما هم فيه من أمر دينهم.
وعن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:٥] يقول: سوف أتوب.
يعني: يستمر على المعاصي ويسوف بالتوبة ويقول: سوف أتوب.
وعن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣] قال: لا ترضوا أعمالهم.
стр. 170
شيوخ الإمام سعيد بن جبير وتلامذته
شيوخه وتلامذته: شيوخه: روى عن أنس بن مالك والضحاك بن قيس الفهري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وغيرهم.
تلامذته: روى عنه ابناه: عبد الملك وعبد الله، ويعلى بن حكيم ويعلى بن مسلم وأبو إسحاق السبيعي وأبو الزبير المكي وآدم بن سليمان وأشعث بن أبي الشعثاء وأيوب السختياني وبكير بن شهاب وثابت بن عجلان وحبيب بن أبي ثابت وجعفر بن أبي وحشية وغيرهم.
стр. 171
درر من أقوال الإمام سعيد بن جبير ﵀
درر من أقواله ﵀: عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيته، فتلك الخشية.
يعني: ليست الخشية أن يرق الإنسان فيبكي؛ لأن هذه الرقة قد توجد في الممثلين والمنافقين، وقد توجد كثيراً في النساء؛ لأن النساء قد يبكين أكثر من الرجال، ومع ذلك فإن النساء أكثر أهل النار، فهذا البكاء ليس هو الخشية، ولكن الخشية أن يمنع الإنسان خوفه لله من الوقوع في المعصية.
وقال: الذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال لي سعيد بن جبير: لأن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري.
ولهذا قالوا: ليس للعالم أن يضيع نفسه، وأن يكون في مكان لا يُعرف فلا يُسأل ولا يتعلم منه، فالإنسان قد يُخبر عما عنده من العلم من أجل أن يستفاد منه، كما قال علي بن أبي طالب: إن هاهنا علماً -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة.
فيجوز للإنسان أن يخبر عما عنده من العلم ليس تكبراً، ولكن من أجل أن يستفاد منه.
وعن هلال بن خباب قال: قلت لـ سعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا ذهب علماؤهم.
وعن عمر بن حبيب قال: كان سعيد بن جبير بأصبهان لا يحدث، ثم رجع إلى الكوفة فجعل يحدث.
فقلنا له في ذلك.
فقال: انشر بزك حيث تُعرف.
البز: هو القماش أو ما يتاجر فيه، فهو يحدث في وطنه لأنه معروف.
وعن عبد الملك بن سعيد بن جبير قال: قال أبي: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإنه عناء، وإياك وما يُعتذر منه فإنه لا يُعتذر من خير.
وعن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال: لأن أُضرب على رأسي أسواطاً أحب إليّ من أن أتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة.
وعن أيوب قال: حدث سعيد بن جبير بحديث، فتبعته أستزيده - أي: يريد أن يسمع منه حديثاً آخر أو أحاديث - فقال: ليس كل حين أحلب فأشرب.
ويؤخذ من هذا أن طالب العلم عليه أن يتأدب مع شيخه، وليس في كل وقت يطلب منه، ولكنه ينتهز فرصة راحة باله ثم يطلب منه، أو إذا تكلم يسجّل كلامه.
وعن جعفر عن سعيد قال: من عطس عنده أخوه المسلم فلم يشمته - أي: لم يقل له: يرحمك الله - كان ديناً يأخذه به يوم القيامة.
стр. 172
وفاة الإمام سعيد بن جبير ﵀
وفاته: قال الذهبي: وكان قتله في شعبان سنة (٩٥ هـ)، ومن زعم أنه عاش تسعاً وأربعين سنة لم يصنع شيئاً، وقد مر قوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين.
فالراجح أنه عاش (٥٧) سنة، وكان قتله سنة (٩٥ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأدخلنا وإياه جنة عالية قطوفها دانية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 173
سلسلة من أعلام السلف_ الإمام سفيان الثوري
الخير باقٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة ما بقي فيها العلماء العاملون الذين تحيا بهم الأمم ويرشدون الناس إلى طريق الخير والهدى والحق، ومن هؤلاء العلماء سفيان الثوري الإمام العالم العلم إمام أهل زمانه المشهور بالزهد والورع والصدع بكلمة الحق ﵀ رحمة واسعة.
стр. 174
بين يدي ترجمة سفيان الثوري
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد.
فما زلنا -بحمد الله تعالى- في هذه الجولة المباركة مع العلماء الأعلام والأئمة الكرام، نسعد بصحبتهم ونأخذ من هديهم وننهل من بركة علمهم وعملهم في سلسلة التراجم التربوية من أعلام السلف.
والعالم الذي نتشرف بترجمته اليوم عالم زمانه والمقتدى به في أوانه، سيد من سادات العلماء العاملين والعباد المجتهدين، إنه عالم الكوفة وشيخها سفيان بن سعيد الثوري من بيت خير وعلم وفضل، فأبوه من كبار الثقات بالكوفة، وإخوته من العلماء الأفذاذ، فرحمة الله على الجميع.
والدارس لتراجم العلماء يرى حاجة الطلاب إلى دراستها، والانتفاع ببركتها، إلا أنها كسائر العلوم المدونة تحتاج إلى تصفية، فقد يكون فيها شيء من الغلو أو العصبية المذهبية، أو الحكايات الملفقة والأخبار المزوقة التي تخالف روح الشرع المتين، وتنادي على نفسها بالوضع، فمن ذلك ما أتى في ترجمة هذا الحبر: أنه عندما طلبه أبو جعفر لاذ بالبيت، وقال -ومعاذ الله أن يُنسب ذلك إليه-: أكون بريئاً منك إذا دخل أبو جعفر مكة، فمات أبو جعفر قبل أن يدخلها.
فأمثال هذه الحكايات إن قصد بها بيان كرامة سفيان ﵀ ففيها نسبة سوء الأدب إليه، فهو في الخشية والورع والأدب بمكانة، فنحن نقتصر على الأخبار التي تنشّط الهمم وتشحذ العزائم على الاجتهاد في الطاعة والزهد والورع والخشية، وإمامنا في هذه الرسالة أستاذ هذه الصنعة، وقد جمع بين العلم والعمل والشجاعة في الجهر بكلمة الحق.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، وحصل الإجماع على إمامته بحيث يُستغنى عن تزكيته، مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد.
وقال ابن مهدي: ما كنت أقدر أن أنظر إلى سفيان استحياءً وهيبة منه.
وقد قال بعض السلف: على قدر محبتك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خشيتك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر انشغالك بالله تشغل الخلق بأشغالك.
стр. 175
نسب سفيان الثوري ومولده
اسمه ومولده وصفته: اسمه: سفيان بن سعيد بن مسروق بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن عامر بن ملكان بن ثور بن مناة بن أد بن طابخة بن إلياس.
مولده: ولد سنة ٩٧ هـ اتفاقاً، أي: أنه لا يوجد خلاف في أنه ولد سنة ٩٧ هـ.
ووالده المحدث سعيد بن مسروق الثوري من أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن من ثقات الكوفيين.
وعداده في صغار التابعين.
وقد انتهينا من ذكر صغار التابعين بذكر شعبة والأعمش وأبي حنيفة، ونبدأ بهذه الترجمة في بيان كبار أتباع التابعين: سفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد وحماد بن زيد وغيرهم.
روى له الجماعة الستة في دواوينهم، وحدث عنه أولاده سفيان -الإمام الذي نحن بصدد ترجمته- وعمر ومبارك، وحدث عنه شعبة بن الحجاج وآخرون.
موطنه: ولد ﵀ بالكوفة في خلافة سليمان بن عبد الملك.
وقال أبو نعيم: خرج سفيان من الكوفة سنة ١٥٥ هـ ولم يرجع إليها.
ولم أقف على شيء من صفته ﵀، فقد كان اعتناء أكثر المترجمين له في بيان أحواله وأقواله وثناء العلماء عليه، ولا شك أنه أولى بالاهتمام، والله المستعان.
стр. 176
ثناء العلماء على سفيان الثوري
ثناء العلماء عليه: وهذا بحر لا يُدرك قعره ولا يُنزف غمره، ولا نُحرم بفضل الملك الوهاب من نقل ما أُثر من ذلك في هذا الكتاب.
قال وكيع: كان سفيان بحراً.
وقال الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان.
وقال ابن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان.
قال سفيان بن عيينة: ما رأيت أحداً أفضل من سفيان ولا رأى سفيان مثل نفسه.
وعن يحيى بن سعيد وسألوه عن سفيان وشعبة قال: ليس الأمر بالمحاباة، ولو كان الأمر بالمحاباة لقدمنا شعبة على سفيان لتقدمه.
لأن شعبة من صغار التابعين، وسفيان من كبار أتباع التابعين.
فقال: لو كان الأمر بالمحاباة لقدمنا شعبة على سفيان لتقدمه، فإن سفيان يرجع إلى كتاب وشعبة لا يرجع إلى كتاب، وسفيان أحفظهما، وقد رأيناهما يختلفان فوجدنا الأمر كما قال سفيان.
وقال أبو بكر بن عياش: إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم.
وعن يحيى بن معين قال: ما خالف أحدٌ سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: أحسن إسناد الكوفة سفيان عن منصور بن معتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
وقال شعبة وسفيان بن عيينة وأبو عاصم النبيل ويحيى بن معين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان فقال له رجل: يا أبا عبد الله! رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء ومجاهد -وهؤلاء من التابعين- وتقول هذا؟ فقال: ما رأيت أفضل من سفيان.
وروى وكيع عن شعبة قال: سفيان أحفظ مني.
وقال عبد العزيز بن رزمة: قال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان فقال: دمغتني.
وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثوري مقبلاً، فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، وأبو إسحاق السبيعي من التابعين.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش.
وعن شعيب بن حرب قال: إني لأحسب أنه يُجاء غداً بـ سفيان حجة من الله على خلقه، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم قد رأيتم سفيان.
وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري.
ومع علو شأنه وارتفاع قدره وجمعه بين العلم والعمل لم يكن ﵀ بالمعصوم، فقد لخّص الحافظ الذهبي مناقبه وما أُخذ عليه ﵀.
فقال: قد كان سفيان رأساً في الزهد والتأدب والخوف، رأساً في الحفظ، رأساً في معرفة الألفاظ، رأساً في الفقه لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين، واغتفر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تشيع يسير، كان يثلث بـ علي، أي أنه يقدم علياً على عثمان، وهو على مذهب بلده أيضاً في النبيذ، أي: أنهم كانوا يجيزون النبيذ الذي يسكر كثيره ولا يسكر قليله.
ويأتي في ذكر ترجمة وكيع أيضاً أنه وقع في ذلك.
ويقال: إنه رجع عن كل ذلك، وكان يُنكر على الملوك ولا يرى الخروج أصلاً، وكان يدلّس في روايته، وربما دلّس عن الضعفاء، وكان سفيان بن عيينة مدلساً لكن ما عُرف له تدليس عن ضعيف، فكان يدلّس عن ثقات.
стр. 177
زهد سفيان الثوري وورعه ﵀
زهده وورعه ﵀: والمقصود بالزهد: خلو القلب من الدنيا وعدم الحرص عليها، فليس الزهد نفض اليدين منها والقلب متعلق بها شديد الشغف بحبها.
قال يحيى بن نصر بن حاجب: سمعت ورقاء بن عمر يقول: إن الثوري لم ير مثل نفسه.
قال وكيع: سمعت سفيان يقول: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت.
وعن عيسى بن يونس قال: مات سفيان الثوري مستخفياً، قد جمع قميصه خريطة قد ملأها كتباً.
أي: كتابة.
وعن شعيب بن حرب قال: قال لي الثوري: يا أبا صالح! احفظ عني ثلاثاً: إذا احتجت إلى شسع -وهو رباط النعل- فلا تسأل، وإذا احتجت إلى ملح فلا تسأل، واعلم أن الخبز الذي تأكله بملح عجن، وإذا احتجت إلى ماء فاستعمل كفّيك فإنه يجري مجرى الإناء.
وقال أبو قطن: عن شعبة: ساد سفيان الناس بالورع والعلم.
وعن أبي السري قال: قيل لـ فضيل بن عياض عما كان يذهب إليه من الورع: من إمامك في هذا؟ قال: سفيان الثوري.
أُهدي لـ سفيان ثوبٌ فرده، فقال له من أهداه: لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده عليّ.
قال: علمت أنك لست ممن يسمع الحديث، ولكن أخاك يسمع مني الحديث، فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر مما يلين لغيره.
وعن قتيبة بن سعيد قال: لولا سفيان لمات الورع.
وعن عبد العزيز القرشي قال: سمعت سفيان يقول: عليك بالزهد يبصّرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله عنك حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك.
وقال العمري: معاشر القراء! كلوا الدنيا فقد مات سفيان الثوري.
وعن حفص بن غياث وذكر الثوري فقال: كان يتعزى بـ سفيان وبمجالس سفيان عن الدنيا.
وعن يحيى بن اليمان قال: كان سفيان الثوري يتمثل بهذا البيت: باعوا جديداً جميلاً باقياً أبداً بدارس خلق يا بئس ما اتجروا أي: باعوا الآخرة بالدنيا.
стр. 178
عبادة سفيان الثوري وخشيته
عبادته وخشيته: عن علي بن فضيل قال: رأيت سفيان الثوري ساجداًً حول البيت، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه، أي: أنه طاف سبعة أشواط وهو في نفس السجدة.
وعن ابن وهب قال: رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي لصلاة العشاء.
وقال رجل لـ سفيان: أوصني! فقال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر مقامك فيها.
وعن عبد الله بن عبدان أبو محمد البغلاني قال: حدثنا عبد الله أن رجلاً كان يتّبع سفيان الثوري فيجده أبداً يُخرج من لبنة - أي: طوب - رقعة ينظر فيها، فأحب أن يعلم ما فيها، فوقعت الرقعة في يده فإذا مكتوب فيها: سفيان! اذكر وقوفك بين يدي الله .
وعن عطاء الخفاف قال: ما لقيت سفيان الثوري إلا باكياً.
فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً.
وكما قال بعضهم: كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا؛ لما نرى من خوفه وجزعه.
وعن عبد الرحمن رسته قال: سمعت ابن مهدي يقول: بات سفيان عندي فجعل يبكي.
فقيل له؟ فقال: لذنوبي عندي أهون من ذلك -ورفع شيئاً من الأرض- إني أخاف أن أُسلب الإيمان قبل أن أموت.
وعن يحيى القطان قال: ما رأيت رجلاً أفضل من سفيان، لولا الحديث كان يصلي ما بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فإذا سمع مذاكرة الحديث ترك الصلاة وجاء.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا نكون عند سفيان الثوري فكأنه قد أوقف للحساب فلا نجترئ أن نكلمه، فنعرض بذكر الحديث فيذهب ذلك الخشوع، فإذا هو حدثنا وحدثنا.
стр. 179
اتباع سفيان الثوري ﵀ للسنة
اتباعه ﵀ للسنة: عن شعيب بن حرب قال: قلت لـ سفيان الثوري: حدثني بحديث في السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يديه وسألني عنه قلت: يا رب حدثني بهذا سفيان، فأنجو أنا وتؤخذ، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، وتقدمة الشيخين - أبي بكر وعمر - إلى أن قال: يا شعيب لن ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين -ومسألة المسح على الخفين في الحضر والسفر مسألة فقهية، ولكن لما نفاها الروافض نص أهل السنة في عقائدهم على أن هذه من عقيدة أهل السنة لمخالفة أهل البدعة- قال وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر بها -يقصد: في الصلاة، وهذا أيضاً من الفقه بالسنة، ولكن لمخالفة أهل البدع في ذلك- وحتى تؤمن بالقدر، وحتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أو عدل.
فقلت: يا أبا عبد الله! الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة، فإذا وقفت بين يدي الله وسألك عن هذا فقل: يا رب! حدثني بهذا سفيان بن سعيد، ثم خل بيني وبين ربي .
قال الذهبي: هذا ثابت عن سفيان.
والذهبي يحقق القصص والروايات، فيقول: هذه الرواية ضعيفة، وهذه الرواية مسندة صحيحة.
стр. 180
محنة سفيان الثوري ﵀ وصدعه بالحق
محنته ﵀ وصدعه بالحق: عن داود عن أبيه قال: كنت مع سفيان الثوري فمررنا بشرطي نائم وقد حان وقت الصلاة، فذهبت أحركه فصاح سفيان فقال: مه! فقلت: يا أبا عبد الله يصلي، فقال: دعه لا صلى الله عليه، فما استراح الناس حتى نام هذا.
وعن عطاء بن مسلم قال: لما استخلف المهدي بعث إلى سفيان، فلما دخل خلع خاتمه فرمى به إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟! قال عبيد قلت لـ عطاء: يا أبا مخلد! قال له: يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني شيئاً حتى أسألك، قال: فغضب من ذلك وهم به، فقال له كاتبه: أليس قد أمّنته يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى، قال: فلما خرج حف به أصحابه فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمر أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، قال: فاستصغر عقولهم ثم خرج هارباً إلى البصرة.
وروى ابن سعد في الطبقات قال: وطُلب سفيان فخرج إلى مكة، فكتب المهدي أمير المؤمنين إلى محمد بن إبراهيم وهو على مكة يطلبه، فبعث محمد إلى سفيان فأعلمه بذلك، وقال: إن كنت تريد إتيان القوم فاظهر حتى أبعث بك إليهم، وإن كنت لا تريد ذلك فتوار، قال: فتوارى سفيان، وطُلب من محمد بن إبراهيم وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاء بـ سفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متوارياً بمكة لا يظهر إلا لأهل العلم ومن لا يخافه، قالوا: فلما خاف سفيان بمكة من الطلب خرج إلى البصرة فقدمها، فنزل قرب منزل يحيى بن سعيد القطان فقال لبعض أهل الدار: أما قُربكم أحداً من أهل الحديث؟ قالوا: بلى يحيى بن سعيد قال: جئني به، فأتاه به، فقال: أنا هنا منذ ستة أيام أو سبعة، فحوّله يحيى إلى جواره بينه وبينه بابٌ، وكان يأتي بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه الحديث، فكان فيمن أتاه جرير بن حازم والمبارك بن فضالة وحماد بن سلمة ومرحوم العطار وحماد بن زيد وغيرهم، وأتاه عبد الرحمن بن مهدي ولزمه، فكان يحيى وعبد الرحمن يكتبان عنه تلك الأيام، وكلّم أبا عوانة أن يأتيه فأبى، وقال: رجل لا يعرفني كيف آتيه.
وذلك أن أبا عوانة سلّم عليه بمكة فلم يرد عليه سفيان السلام -ولعله شك فيه أو كأنه لا يعرفه- وكُلم في ذلك فقال: لا أعرفه، ولما تخوّف سفيان أن يشهر بمقامه بالبصرة قرب يحيى بن سعيد قال له: حوّلني من هذا الموضع، فحوّله إلى منزل الهيثم بن منصور الأعرجي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، فلم يزل فيهم فكلمه حماد بن زيد في تنحيه عن السلطان وقال: هذا فعل أهل البدع، وما نخاف منهم؟ فأجمع سفيان وحماد أن يقدما بغداد.
وسيأتي أنه توفي قبل أن يذهب.
следующие страницы →