← Тараджим

Тараджим · id 37370

من أعلام السلف

أحمد فريد

Полный текст (222 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفاة الزهري رحمه الله تعالى قال إبراهيم بن سعد وابن أخي الزهري: مات سنة (١٢٤هـ). وقال خليفة: مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (١٢٤هـ). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 72

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الشعبي الإمام الشعبي رحمه الله تعالى من أئمة التابعين، وكان فقيهاً عالماً بالسنة وبالمغازي، متورعاً عن الفتوى ذاماً للرأي، أخذ عن الصحابة ﵃، وبلغ في العلم والدين منزلة رفيعة، فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار.

стр. 73

بين يدي ترجمة الشعبي عالمنا في هذه الحلقة من السلسلة المباركة نحيف الجسم، عظيم القدر، جبل من جبال العلم، وإمام من أئمة التابعين، أدرك ما يقرب من خمسين صحابياً، وكانت له حلقة عظيمة في وجود أكابر الصحابة ﵃، رآه ابن عمر ﵄ فقال: كأنه قد شاهد معنا، ذو دعابة وذكاء، يرغب الملوك في قربه، ويحتاج الجميع إلى علمه، أرسله عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم فتعجب الملك لماذا لم يؤمره العرب عليهم؟ وهذه القصة ذكرها الذهبي في سيره عن ابن عائشة قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي رسولاً إلى ملك الروم، فلما انصرف من عنده قال: يا شعبي! أتدري ما كتب به إلي ملك الروم؟ قال: وما كتب يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أتعجب لأهل ديانتك كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك. قلت: يا أمير المؤمنين؛ لأنه رآني ولم يرك. وهذا من ذكائه رحمه الله تعالى.

стр. 74

حفظ الإمام الشعبي ونباهة خاطره وسعة علمه حفظه ونباهة خاطره وسعة علمه: عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني أحد قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي. وعنه عن الشعبي قال: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدث بحديث إلا أنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالماً. وعن وادع الراسبي عن الشعبي قال: ما أروي شيئاً أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد. وعن أبي مجلز قال: ما رأيت فقيهاً أفقه من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيت أعلم بسنة ماضية من الشعبي. وقال داود بن أبي هند: ما جالست أحداً أعلم من الشعبي. وعن عبد الملك بن عمير قال: مر ابن عمر بـ الشعبي وهو يقرأ المغازي، فقال: كأنه كان شاهداً معنا، ولهو أحفظ لها مني وأعلم. وقال عاصم الأحول: ما رأيت أحداً أعلم من الشعبي. فهذه قمم شامخة في سماء المجد، وأئمة في العلم يجهلها أكثر الناس، ومن فوائد دراسة هذه التراجم أن نتعرف على هؤلاء الأعلام حتى نتقرب إلى الله بحبهم.

стр. 75

تورع الإمام الشعبي عن الفتوى وذمه الرأي تورعه عن الفتوى وذمه للرأي: عن محمد بن جحادة أن عامراً الشعبي سئل عن شيء فلم يكن عنده فيه شيء، فقيل له: قل برأيك. فقال: وما تصنع برأيي؟ بل على رأيي. وعن آدم: أن رجلاً سأل إبراهيم -أي النخعي - عن مسألة فقال: لا أدري. فمر عليه عامر الشعبي فقال للرجل: سل ذاك الشيخ، ثم ارجع فأخبرني، فرجع إليه فقال: قال: لا أدري. قال إبراهيم: هذا والله الفقه. وبعض الإخوة الذين سجّلوا للشيخ ابن باز ﵀ وقد سئل عن راوٍ فقال: لا أدري. فأراد مسجّل البرنامج أن يحذف هذه الكلمة، يظن أن في هذا رفعاً لشأن الشيخ، فأصر الشيخ ابن باز ﵀ على أن تبقى هذه الكلمة في البرنامج. وقالوا: كان لها أثر عظيم جداً، وهذا موافق لما يقوله العلماء: ينبغي للعالم أن يورث تلامذته: لا أدري. أي: يُكثر منها حتى تُحمل عنه؛ لأنه إذا تجرأ على الشرع وأفتى بعلمه فإن هذا يكون من باب طلب الشرف بالدين، فهو يستحي أن يقول: لا أدري، فيتجرأ على شرع الله ويقول بلا علم. وعن مالك بن مغول عن الشعبي قال: لو كانت الشيعة من الطير كانوا رخماً، ولو كانوا من الدواب كانوا حمراً. وعن الوصافي عن عامر الشعبي قال: أحب صالح المؤمنين، وصالح بني هاشم، ولا تكن شيعياً، وارج ما لم تعلم ولا تكن مرجئاً، واعلم أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك ولا تكن قدرياً، وأحبب من رأيته يعمل بالخير وإن كان أخرم سندياً. وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان الشعبي صاحب آثار، وكان إبراهيم النخعي صاحب قياس. وعن مجالد قال: وكان الشعبي يذم الرأي ويفتي بالنص. قال مجالد: سمعت الشعبي يقول: لعن الله رأيت. وعن الهذلي قال: قال الشعبي: أرأيتم لو قُتل الأحنف بن قيس وقُتل طفل أكانت ديتهما سواء، أم يفضّل الأحنف لعقله وعلمه؟ قلت: سواء. قال: فليس القياس بشيء. وعن ابن أبجر قال: قال الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب محمد ﷺ ﵃ فخذه، وما قالوا برأيهم فبل عليه. وعن صالح بن مسلم قال: قال عامر الشعبي: إنما هلكتم أنكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس. وعن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم.

стр. 76

قصة خروج الإمام الشعبي مع القراء على الحجاج واعتذاره إليه قصة خروجه مع القراء على الحجاج واعتذاره إليه: قال الذهبي: خرج القراء وهم أهل القرآن والصلاح بالعراق على الحجاج لظلمه، وتأخير الصلاة، والجمع في الحضر، وكان ذلك مذهباً واهياً لبني أمية، كما أخبر النبي ﷺ : (يكون عليكم أمراء يميتون الصلاة)، فخرج على الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي وكان شريفاً مطاعاً، وجدته أخت الصديق فالتف على مائة ألف أو يزيدون، وضاقت على الحجاج الدنيا، وكاد أن يزول ملكه، وهزموه مرات، وعاين التلف وهو ثابت مقدام إلى أن انتصر وتمزق جمع ابن الأشعث، وقُتل خلق كثير من الفريقين، فكان من ظفر به الحجاج منهم قتله إلا من باء منهم الكفر على نفسه فيدعه. عن مجالد عن الشعبي قال: لما قدم الحجاج سألني عن أشياء من العلم فوجدني بها عارفاً، فجعلني عرّيفاً على قومي الشعبيين ومنكباً -يعني رأساً- على جميع همدان، وفرض لي، فلم أزل عنده بأحسن منزلة، حتى كان شأن عبد الرحمن بن الأشعث، فأتاني قراء أهل الكوفة فقالوا: يا أبا عمرو إنك زعيم القراء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم، فقمت بين الصفين أذكر الحجاج وأعيبه بأشياء، فبلغني أنه قال: ألا تعجبون من هذا الخبيث؟ أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل -يعني: جلد جمل-، قال: فما لبثنا أن هزمنا فجئت إلى بيتي وأغلقت علي، فمكثت تسعة أشهر، فنُدب الناس لخراسان، فقام قتيبة بن مسلم فقال: أنا لها، فعُقد له على خراسان، فنادى مناديه من لحق بعسكر قتيبة فهو آمن، فاشترى مولى لي حماراً وزودني، ثم خرجت فكنت في العسكر، فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة -وهي مدينة وكورة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان- فجلست ذات يوم وقد برق -أي: تحيّر قتيبة بن مسلم - فنظرت إليه فقلت: أيها الأمير عندي علم ما تريد، فقال: من أنت؟ قلت: أعيذك ألا تسأل عن ذلك، فعرف أني ممن يخفي نفسه، فدعا بكتاب فقال: اكتب نسخة، قلت: لا تحتاج إلى ذلك، فجعلت أملي عليه وهو ينظر حتى فرغ من كتاب الفتح. قال: فحملني على بغلة -يعني: أعطاه بغلة- وأرسل إلي بسرق من حرير، وكنت عنده بأحسن منزلة، فإني ليلة أتعشى معه إذا أنا برسول الحجاج بكتاب فيه: إذا نظرت إلى كتابي هذا فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك قطعت يدك على رجلك وعزلتك. قال: فالتفت إلي وقال: ما عرفتك قبل الساعة، فاذهب حيث شئت من الأرض. فهو أراد أن يخفي أمره، وطلب من الشعبي أن يختفي وكأنه ما رآه. ثم قال: فوالله لأحلفن له بكل يمين، فقلت: أيها الأمير! إن مثلي لا يخفى. فقال: أنت أعلم. قال: فبعثني إليه وقال: إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيدوه ثم أدخلوه على الحجاج، فلما دنوت من واسط استقبلني ابن أبي مسلم فقال: يا أبا عمرو! إني لأضن بك عن القتل، إذا دخلت على الأمير فقل كذا وكذا، فلما أُدخلت عليه ورآني قال: لا مرحباً ولا أهلاً، جئتني ولست في الشرف من قومك ولا عريفاً، فقلت: وفعلت، ثم خرجت علي وأنا ساكت. فقال: تكلم؟ فقلت: أصلح الله الأمير، كل ما قلته حق، ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلسنا الخوف، ولم نكن في ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة. قال: قد فعلت ذلك. يعني: هو عرّض بكلام وما قال باطلاً، فهو نوع من المداراة، وليس من المداهنة، لأن المداراة لا تكون على حساب الحق أو الشرع، فقال له: اكتحلنا بعدك السهر، وتحلسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقنت لي دمي. وعن عبادة بن موسى عن الشعبي قال: أُتي بي الحجاج موثقاً، فلما انتهيت إلى باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم فقال: إنا لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم الشفاعة، بؤ للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، فبالحري أن تنجو. ولقيني محمد بن الحجاج وقال لي مثل مقالة يزيد. فلما دخلت عليه قال: وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر! فقلت: أصلح الله الأمير أحزن بنا المنزل -يعني: ضاق- وأجدب بنا الجناب، وضاق المسلك، واكتحلني السهر، واستحلسنا الخوف، ووقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. قَال: صدق والله ما بروا في خروجهم علينا، ولا قووا علينا حيث فجروا، فأطلقوا عنه. قال: فاحتاج إلي في فريضة -أي: مسألة من المواريث- فقال: ما تقول في أخت وأم وجد؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : عثمان بن عفان و

стр. 77

شيوخ الإمام الشعبي وتلاميذه شيوخه وتلامذته ﵀: قال الحافظ: روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن ثابت وقيس بن سعد بن عبادة وقرظة بن كعب وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وغيرهم. ومن التابعين الذين روى عنهم: الحارث الأعور وخارجة بن الصلت وزر بن حبيش وسفيان بن الليل. تلامذته: قال الحافظ: وعنه: أبو إسحاق السبيعي وسعيد بن عمرو بن أشوع وإسماعيل بن أبي خالد وبيان بن بشر وأشعث بن سوار وتوبة العنبري وغيرهم.

стр. 78

من أقوال الشعبي ﵀ من أقواله ﵀: قال أبو الحسن المدائني في كتاب الحكمة: قيل للشعبي: من أين لك كل هذا العلم؟ قال: بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب. وعن ابن شبرمة عن الشعبي قال: إنما سمي هوى؛ لأنه يهوي بأصحابه. وعن أبي الجابية الفراء قال: قال الشعبي: إنا لسنا بالفقهاء، ولكنا سمعنا الحديث فروينا، ولكن الفقيه من إذا علم عمل. وعن مالك بن مغول قال: قيل للشعبي: أيها العالِم، فقال: العالِم من يخاف الله. وعن أبي إسحاق عن الشعبي قال: ما ترك أحد في الدنيا شيئاً لله إلا أعطاه الله في الآخرة ما هو خير له. وعن مجالد عن الشعبي قال: تعايش الناس بالدين زمناً طويلاً حتى ذهب الدين، ثم تعايش الناس بالمروءة زمناً طويلاً حتى ذهبت المروءة، ثم تعايش الناس بالحياء زمناً طويلاً حتى ذهب الحياء، ثم تعايش الناس بالرغبة والرهبة، وأظن أنه سيأتي بعد هذا ما هو أشد منه. وعن ابن عياش عن الشعبي قال: كانت العرب تقول: إذا كانت محاسن الرجل تغلب مساويه فذلكم الرجل الكامل، وإذا كانا متقاربين فذلكم المتماسك، وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن فذلكم المتهتك. وعن مجالد عن الشعبي قال: شهدت شريحاً وجاءته امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينها تبكي، فقلت: يا أبا أمية ما أظنها إلا مظلومة، فقال: يا شعبي إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون. أي: البكاء ليس دليلاً على الصدق. قال عيسى بن أبي عيسى الخياط عن الشعبي: إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك -يعني: العبادة-، فإن كان ناسكاً ولم يكن عاقلاً قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلم يطلبه، وإن كان عاقلاً ولم يكن ناسكاً قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلم يطلبه، قال الشعبي: ولقد رهبت أن يكون من يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك. وعن محمد بن بشر أو بشير قال: قال الشعبي: اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين؛ فإنهما آفة كل مفتون. وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: الرجال ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء، فأما الرجل التام هو الذي له رأي وهو يستشير، وأما نصف الرجل فالذي ليس له رأي وهو يستشير، وأما الذي لا شيء فالذي ليس له رأي ولا يستشير. وعن مجالد عن الشعبي قال: العلم أكثر من أن يُحصى فخذ من كل شيء أحسنه. وقال أيضاً عنه: ليس حسن الجوار أن تكف أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار. كما في حديث (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها).

стр. 79

وفاة الإمام الشعبي وفاته ﵀: قال الهيثم بن عدي ويحيى بن بكير: مات سنة (١٠٣هـ). زاد يحيى: وسنه (٧٩) سنة. وقال يحيى بن معين وغيره: مات سنة (١٠٤هـ). وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان: مات قبل الحسن بيسير، ومات الحسن سنة (١١٠هـ) بلا خلاف، فرحمه الله رحمة واسعة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 80

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام ابن سيرين الإمام ابن سيرين علم من أعلام السلف، وإمام في الورع، كان ثقة مأموناً عالماً فقيهاً إماماً، عالماً بتفسير الرؤيا، وكان شديداً على أهل البدع والأهواء، منكراً على السلاطين، فبمثل هذا الإمام يقتدى، وبمحاسنه وأخلاقه يؤتسى، فهو من مصابيح الدجى ومنارات الهدى.

стр. 81

بين يدي ترجمة الإمام ابن سيرين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فمع علم من أعلام السلف الكرام من علماء التابعين الأعلام وهو محمد بن سيرين إمام في الورع وتأويل الرؤيا. قال أبو نعيم: ومنهم ذو العقل الرصين والورع المتين، المطعم للإخوان والزائرين، ومعظم الرجاء للمذنبين والموحدين أبو بكر محمد بن سيرين، كان ذا ورع وأمانة، وحيطة وصيانة، كان بالليل بكَّاءً نائحاً، وبالنهار سائحاً بساماً، يصوم يوماً ويفطر يوماً. وقال محمد بن جرير الطبري: كان ابن سيرين فقيهاً عالماً ورعاً أديباً كثير الحديث، شهد له أهل العلم والفضل بذلك، وهو حجة. اجتمعت في هذا الإمام خلال من فضل الكبير المتعال، جعلته من أكابر الرجال في الورع والاحتياط في الدين، والاجتهاد في طاعة رب العالمين، مع الديانة والصيانة وكثرة الرواية، ثم هو من بيت علم وفضل وكمال، فقد كان سابع سبعة من إخوته من ثقات التابعين، أُلهم في تأويل الرؤيا، وعلم من علم التعبير ما صار يضرب به المثل في هذا العلم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. فنسأل الله أن ينفعنا بعلم هؤلاء الأكابر، ويجمعنا بهم في دار النعيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 82

التعريف بالإمام ابن سيرين وذكر صفته اسمه: محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري، أخو أنس ومعبد وحفصة وكريمة ن مولى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وكان أبوه من سبي عين التمر، الذين أسرهم خالد بن الوليد ﵁. مولده: قال أنس بن سيرين: ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال الحاكم: هكذا وجدت في كتابي: عمر، وقال غيره: عثمان. قال الذهبي: الثاني أشبه، ولو كان أولاهما الأول لكان ابن سيرين في سن الحسن، ومعلوم أن محمداً كان أصغر بسنوات، فالراجح أنه لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. صفته: عن يوسف بن عطية قال: رأيت ابن سيرين قصيراً، عظيم البطن، له وفرة - (وفرة). يعني: شعر يصل إلى أذنيه- يفرق شعره، كثير المزاح والضحك، يخضب بالحناء.

стр. 83

ثناء العلماء على الإمام ابن سيرين عن هشام بن حسان قال: حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأموناً عالماً رفيعاً فقيهاً إماماً كثير العلم ورعاً، وكان به صمم. أي: ثقل في سمعه. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وهو من أروى الناس عن شريح وعبيدة السلماني، وإنما تأدب بالكوفيين أصحاب عبد الله بن مسعود. وإخوته: معبد ويحيى وأنس وحفصة أم الهذيل تابعون ثقاة. وعن عمرو بن دينار قال: والله ما رأيت مثل طاوس، فقال أيوب السختياني وكان جالساً: والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله. وعن عثمان البتي قال: لم يكن بالبصرة أحد أعلم بالقضاء من ابن سيرين. وعن شعيب بن الحبحاب قال: كان الشعبي يقول لنا: عليكم بذاك الأصم. يعني: ابن سيرين. وعن ابن عون قال: ثلاثة لم تر عيناي مثلهم: ابن سيرين بالعراق أو بالبصرة، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام، كأنهم التقوا فتواصوا. وعن ابن عون قال: كان محمد من أرجى الناس لهذه الأمة، وأشد الناس إزراءً على نفسه. وعن أم عبدان امرأة هشام بن حسان قالت: كنا نزولاً مع محمد بن سيرين في الدار، فكنا نسمع بكاءه بالليل، وضحكه بالنهار. وعن ابن عوف عن محمد بن سيرين: أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وعن عبد الله بن السري قال: قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل علي به الدين ما هو؟ قلت لرجل من أربعين سنة: يا مفلس، فحدثت به أبا سليمان الداراني، فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبكم فليس ندري من أين نؤتى. أي: أن الإنسان إذا كانت ذنوبه قليلة ونزل به بلاء فإنه يعرف أنه بسبب ذنب كذا، أما من كان له في كل لحظة ذنب، وفي كل يوم عشرات الذنوب أو مئات الذنوب فلا يدري من أين يؤتى.

стр. 84

ورع الإمام ابن سيرين ﵀ قال الخطيب البغدادي: وكان محمد أحد الفقهاء من أهل البصرة، والمذكورين بالورع في وقته. وعن مورق العجلي قال: ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال أبو قلابة: اصرفوه حيث شئتم، فلتجدنه أشدكم ورعاً، وأملككم لنفسه. وعن عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار قال: لما حبس ابن سيرين في السجن قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، فإذا أصبحت فتعال، فقال ابن سيرين: لا والله لا أعينك على خيانة السلطان. وعن ابن عون قال: قال محمد في شيء راجعته فيه: إني لم أقل: ليس به بأس، وإنما قلت: لا أعلم به بأساً. وعن جرير بن حازم قال: سمعت محمد بن سيرين يحدث رجلاً فقال: ما رأيت الرجل الأسود؟ ثم قال: أستغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبت الرجل. وعن طلق بن وهب الطاحي قال: دخلت على محمد بن سيرين وقد كنت اشتكيت، فقال: ائتِ فلاناً فاستوصفه -يعني: اطلب منه وصفة أو علاجاً- فإنه حسن العلم بالطب، ثم قال: ولكن ائت فلاناً فإنه أعلم منه، ثم قال: أستغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبته. والغيبة: هي ذكرك أخاك بما يكره. والإنسان ينبغي له أن يستحضر ما يذكر به أخاه، فإن كان يكره ما يذكره به كان ذلك من الغيبة، فـ ابن سيرين ﵀ بعدما قال: ائت فلاناً فاستوصفه فإنه حسن العلم بالطب، ثم قال: ولكن ائت فلاناً، فلو أن الأول سمع ذلك لكرهه. وقال بكر بن عبد الله المزني: من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى محمد بن سيرين. وعن يونس بن عبيد قال: لم يكن يعرض لـ محمد أمران في ذمته إلا أخذ بأوثقهما. وعن عمارة بن مهران قال: كنا في جنازة حفصة بنت سيرين فوضعت الجنازة، ودخل محمد بن سيرين صهريجاً يتوضأ فقال الحسن: أين هو؟ قالوا: يتوضأ، صباً صباً، دلكاً دلكاً، عذاب على نفسه وعلى أهله. وقال هشام بن حسان: كان محمد يتّجر فإذا ارتاب في شيء تركه. وعن المدائني قال: كان سبب حبس ابن سيرين في الدين أنه اشترى زيتاً بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة فقال: الفأرة كانت بالمعصرة. الفأرة وقعت في الزيت فماتت فتنجس الزيت، فصب الزيت كله. وكان يقول: عيرت رجلاً بشيء منذ ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به، وكانوا يرون أنه عير رجلاً بالفقر فابتلي به. وعن ميمون بن مهران قال: قدمت الكوفة وأنا أريد أن أشتري البز، فأتيت ابن سيرين بالكوفة فساومته، فجعل إذا باعني صنفاً من أصناف البز قال: هل رضيت؟ فأقول: نعم، فيعيد ذلك علي ثلاث مرات، ثم يدعو رجلين فيشهدهما، ولا يشتري ولا يبيع بهذه الدراهم الحجاجية -نسبة إلى الحجاج - فلما رأيت ورعه ما تركت شيئاً من حاجتي أجده عنده إلا اشتريته حتى لفائف البز.

стр. 85

عبادة الإمام ابن سيرين وبره بأمه ﵀ عن أيوب وهشام: أن ابن سيرين كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وهذا أحب الصيام إلى الله وهو صيام داود. وعن أنس بن سيرين قال: كان لـ محمد سبعة أوراد، فكان إذا فاته شيء من الليل قرأه بالنهار. وعن هشام بن حسان قال: حدثني بعض آل سيرين قال: ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع. وعن ابن عون قال: دخل رجل على محمد وعنده أمه فقال: ما شأن محمد. أيشتكي شيئاً؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.

стр. 86

تورع الإمام ابن سيرين عن الفتوى قال أشعث: كان ابن سيرين إذا سئل عن الحلال والحرام تغير لونه حتى تقول: كأنه ليس بالذي كان. وعن عاصم الأحول قال: كنت عند ابن سيرين فدخل عليه رجل فقال: يا أبا بكر! ما تقول في كذا؟ قال: ما أحفظ فيها شيئاً، فقلنا له: فقل فيها برأيك، قال: أقول فيها برأيي ثم أرجع عن ذلك الرأي، لا والله. وعن ابن شبرمة قال: دخلت على محمد بن سيرين بواسط فلم أر أجبن على فتوى منه، ولا أجرأ على رؤيا منه.

стр. 87

شدة الإمام ابن سيرين على أهل البدع والحكام الجائرين عن شعيب بن الحبحاب قال: قلت لـ ابن سيرين: ما ترى في السماع من أهل الأهواء؟ قال: لا نسمع منهم ولا كرامة. وعن ابن عون قال: جاء رجل إلى محمد فذكر له شيئاً من القدر، فقال محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، قال ووضع إصبعي يديه في أذنيه، وقال: إما أن تخرج عني وإما أن أخرج عنك. فهو ﵀ لم يسمح لكلام أهل البدع أن يدخل في أذنيه، فإما أن يمرضه وإما أن يقتنع به فيصير من أهل البدع، وإما أن يحدث عنده شبهات فيظل قلبه مشوشاً. فكانت عادة السلف أنهم لا يجالسون أهل البدع، ولا يسمعون كلامهم، ولا يلقون عليهم سلاماً، وإذا وجدوا مبتدعاً في طريق سلكوا طريقاً آخر. قال: فخرج الرجل، فقال محمد: إن قلبي ليس بيدي، وإني خفت أن ينفث في قلبي شيئاً فلا أقدر على إخراجه منه، فكان أحب إلي ألا أسمع كلامه. وعن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت محمد بن سيرين وسمع عمن يسمع القرآن فيصعق، قال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره؛ فإن سقطوا فهم كما يقولون. وهذا من فعل الصوفية أن الواحد منهم إذا سمع آية صعق، ولكن لم يكن هذا من هدي الصحابة ﵃. وعن جعفر بن مرزوق قال: بعث ابن هبيرة الوزير إلى ابن سيرين والحسن والشعبي قال: فدخلوا عليه، فقال لـ ابن سيرين: يا أبا بكر ماذا رأيت منذ قربت من بابنا؟ قال: رأيت ظلماً فاشياً، قال: فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه ابن سيرين فقال: إنك لست تسأل إنما أنا أُسأَل، فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف، وإلى ابن سيرين بثلاثة آلاف، وإلى الشعبي بألفين، فأما ابن سيرين فلم يأخذها، قال هشام: ما رأيت أحداً عند السلطان أصلب من ابن سيرين. فالعلماء لا يحسنون إلا الصدق!

стр. 88

براعة الإمام ابن سيرين في تعبير الرؤيا قال الذهبي ﵀: قد جاء عن ابن سيرين عجائب يطول الكتاب بذكرها، وكان له في ذلك تأييد إلهي. وعن عبد الله بن مسلم المروزي قال: كنت أجلس إلى ابن سيرين فتركته، وجالست الإباضية -فرقة من الخوارج- فرأيت كأني مع قوم يحملون جنازة النبي ﷺ ، فأتيت ابن سيرين فذكرته له، فقال: مالك جالست أقواماً يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبي ﷺ . وعن المغيرة بن حفص قال: سئل ابن سيرين فقال: رأيت كأن الجوزاء تقدمت الثريا -يعني: كوكب الجوزاء سبق كوكب الثريا- فقال: هذا الحسن يموت قبلي ثم أتبعه وهو أرفع وأعلى مني منزلاً. وكما ذكرنا في الترجمة السابقة أنه مات بعده بمائةيوم تقريباً. وعن يوسف الصباغ عن ابن سيرين قال: من رأى ربه تعالى في المنام دخل الجنة. ورؤية الله في المنام جائزة؛ لأنها ليست رؤية بالبصر، فرؤية البصر لا تحيط بالشيء، والله يُرى في الآخرة ولا يدرك؛ لأن الإدراك فوق الرؤيا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فقد تحصل الرؤيا ولا يحصل الإدراك، فرؤية المنام رؤية بالبصيرة. يعني: بالقلب. فرؤية الله في المنام جائزة كما في حديث اختصام الملأ الأعلى: (فرأيت ربي في أحسن صورة. فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟). فيقول: من رأى ربه تعالى في المنام دخل الجنة. وعن أبي قلابة: أن رجلاً قال لـ أبي بكر: رأيت كأني أبول دماً، فقال: أتأتي امرأتك وهي حائض؟ قال: نعم. قال: اتق الله ولا تعد. وعن أبي جعفر عن ابن سيرين: أن رجلاً رأى في المنام كأن في حجره صبياً يصيح، فقص رؤياه على ابن سيرين فقال: اتق الله ولا تضرب بالعود. وعن مبارك بن يزيد البصري قال: قال رجل لـ ابن سيرين: رأيت كأني أطير بين السماء والأرض، قال: أنت رجل تكثر المنى. يعني: أحلام اليقظة. وعن هشام بن حسان قال: جاء رجل إلى ابن سيرين وأنا عنده فقال: إني رأيت كأن على رأسي تاجاً من ذهب، فقال له ابن سيرين: اتق الله فإن أباك في أرض غربة، وقد ذهب بصره، وهو يريد أن تأتيه، قال: فما زاده الرجل الكلام، حتى أدخل يده في حجزته فأخرج كتاباً من أبيه يذكر فيه ذهاب بصره، وأنه في أرض غربة، ويأمر بالإتيان إليه.

стр. 89

شيوخ الإمام ابن سيرين وتلامذته ﵏ قال الحافظ: روى عن مولاه: أنس بن مالك وزيد بن ثابت والحسن بن علي بن أبي طالب وجندب بن عبد الله البجلي وحذيفة بن اليمان ورافع بن خديج وسليمان بن عامر وسمرة بن جندب وابن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعمران بن حصين وكعب بن عجرة وغيرهم. وقال الحافظ: روى عنه الشعبي وثابت البناني وخالد الحذاء وداود بن أبي هند وابن عون ويونس بن عبيد وجرير بن حازم وأيوب السختياني وأشعث بن عبد الملك وحبيب بن الشهيد وعاصم الأحول وعوف الأعرابي وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.

стр. 90

درر من أقوال الإمام ابن سيرين ﵀ عن أيوب قال: قال محمد: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم. أي: أن العلم الشرعي لا يؤخذ عن أهل البدع ولا عن أهل المعاصي، كما يقول بعضهم: خذوا قرآني ولا تأخذوا دخاني فمثل هذا لا يؤخذ منه قرآن ولا دخان، وإنما يؤخذ العلم والدين من أهل الدين والورع، ومن اشتهر بالصيانة والديانة. وعن ابن عون قال: جاء ناس إلى محمد فقالوا: إنا قد نلنا منك فاجعلنا في حل، فقال: لا أحل لكم شيئاً حرمه الله عليكم. وعن هشام عن محمد قال: كانوا يقولون: المسلم المسلم عند الدراهم. يعني: عند المعاملة بالدينار والدرهم. وعن هشام عن محمد بن سيرين قال: كان مما يقال للرجل إذا أراد أن يسافر في التجارة: اتق الله تعالى واطلب ما قدر لك في الحلال؛ فإنك إن تطلبه من غير ذلك لم تصب أكثر مما قدر لك. فالإنسان يطلب الرزق الحلال، وهو مقدر له رزق محدد، فلو ناله من الحرام فهو رزقه الذي يأتيه، لا يأتيه أكثر مما قدر له، فهو إذا اتقى الله في الرزق فليس معنى ذلك أنه سوف يكون مقدراً عليه في الرزق ويأتيه الرزق قليلاً، فبالعكس فالتقوى تكون سبباً في البركة في الرزق: (وإن الرزق ليطلب ابن آدم كما يطلبه أجله، ولو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت). وعن حبيب عن ابن سيرين قال: إذا أردا الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من قلبه يأمره وينهاه. وعن قرة بن خالد عن ابن سيرين أنه كان يقول: إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق. فالإنسان يطلب ما يطاق. وعن ابن عون قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: ثلاثة ليس معها غربة: حسن الأدب، وكف الأذى، ومجانبة الريب.

стр. 91

وفاة الإمام ابن سيرين ﵀ قال الذهبي: قال غير واحد: مات محمد بعد الحسن بمائة يوم، سنة (١١٠) هـ. وعن خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد قال: مات ابن سيرين لتسع مضين من شوال سنة (١١٠) هـ. وعن عبد الله بن محمد بن سيرين قال: لما ضمنت على أبي دينه قال لي: بالوفاء به، قلت: بالوفاء به، فابنه وعده أن يقضي عنه دينه، وهذا من أعظم البر، فدعا له بخير، قال: فقضى عبد الله عنه (٣٠٠٠٠) درهم، فما مات عبد الله حتى قومنا ماله (٣٠٠٠٠٠) درهم، أو نحوها. فبورك له في رزقه لبره بأبيه وقضاء دين أبيه. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 92

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام شعبة لقد دعا النبي ﵊ لمن اعتنى بحديثه وسمعه وحفظه وأتقنه ثم بلغه كما سمعه بالنضارة، وقد نالت هذه الدعوة المباركة من النبي ﷺ كثيراً من أئمة الحديث المتقنين، وكان منهم الإمام العلم أمير المؤمنين في الحديث شعبة الخير أبو بسطام، فقد كان شديد الحرص على الحديث وإتقانه، حامل لواء الجرح والتعديل، ومع هذا كان ورعاً عابداً زاهداً في الدنيا وملذاتها ﵀ رحمة واسعة.

стр. 93

بين يدي ترجمة الإمام شعبة بن الحجاج إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد. فلا زلنا بحمد الله سعداء بصحبة العلماء الأعلام والأئمة الكرام، وهذه الحلقة من حلقات هذه السلسلة المباركة سلسلة التراجم التربوية (من أعلام السلف)، وشيخنا فيها إمام من أئمة الحديث من التابعين، ومن العلماء العاملين، إمام الحديث في أوانه، والمقدّم على سائر أقرانه، كان حماد بن زيد -وناهيك به شرفاً وفضلاً- شيخ ابن المبارك إذا حدّث عنه قال: حدّثنا الضخم عن الضخام شعبة الخير أبو بسطام، إنه شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام. وقال بعضهم: وهل العلماء إلا شعبة من شعبة. اشتهر بالزهد والعفاف والورع والكفاف، كان محباً للمساكين معظماً لأهل الدين، مع أنه كان فقيراً من الفقراء، قوموا ثيابه وحماره وسرجه ولجامه ببضعة عشر درهماً، كان إذا حك جلده تناثر منه التراب، ولكنه كان شديد الغيرة على حديث النبي ﷺ . قال حماد بن زيد: رأيت شعبة قد لبب أبان بن أبي عياش يقول: أستعدي عليك إلى السلطان؛ فإنك تكذب على رسول الله ﷺ . قال: فبصر بي. فقال: يا أبا إسماعيل قال: فأتيته فما زلت أطلب إليه حتى خلّصته. وكان شديد التحري، قال: لو حدثتكم عن ثقة ما حدثتكم إلا عن ثلاثة. وقالوا له مرة: حدثنا ولا تحدثنا إلا عن ثقة، فقال: قوموا. فكأنه لم يجد شرطهم. روى عنه مالك نجم السنن بواسطة، مع أن مالكاً لا يفعل ذلك إلا نادراً، والإمام مالك من كبار أئمة أتباع التابعين، وشعبة من صغار التابعين، فالفترة قريبة بين مالك وشعبة، فإذا حدث عنه بواسطة فهذا يدل على حرص الإمام مالك على الرواية عن هذا الإمام. قال العلماء: لولا شعبة لذهب حديث أهل العراق، ولما مات شعبة قال سفيان: مات الحديث. قال الذهبي: كان أبو بسطام إماماً ثبتاً حجة ناقداً جهبذاً صالحاً زاهداً قانعاً بالقوت، رأساً في العلم والعمل منقطع النظير، وهو أول من جرّح وعدّل. أخذ عنه هذا الشأن: يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وطائفة، وكان سفيان الثوري يخضع له ويجله ويقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. فلا يليق بطلاب العلم الشرعي أن يجهلوا مثل هذه القمم الشامخة، والأمثلة النادرة التي قل أن يسمع الزمان بمثلها. لقد لمع نجمه في سماء كثرت فيها النجوم، واشتهر اسمه في أزمنة هي أزمنة العلم والخير والبركة، والعلماء العاملين، في زمن سفيان ومالك والأوزاعي والليث بن سعد وحماد بن زيد وغيرهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. وهذه فائدة جديدة من فوائد هذه السلسلة المباركة، وهي تبصير أجيال الصحوة بمن لم يشتهر عند العوام من العلماء الكرام والأئمة الأعلام؛ حتى يتقربوا إلى الله بحبهم والنسج على منوالهم، نسأل الله أن يرزقنا وإياهم جنة عالية قطوفها دانية!

стр. 94

نسب الإمام شعبة ومولده وصفته اسمه: شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي أبو بسطام الواسطي مولى عبدة بن الأغر مولى يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وقال قعنب بن المحرر: مولى الجهاضم من العتيك. وقال محمد بن سعد: مولى الأشاقر عتاقة. مولده: ولد في سنة (٨٠ هـ) في دولة عبد الملك بن مروان. وقال أبو زيد الهروي ولد سنة (٨٢ هـ). صفته: قال حمزة بن زياد الطوسي: سمعت شعبة وكان ألثغ قد يبس جلده على عظمه من العبادة. يبس جلده على عظمه. أي: ليس بينهما لحم. وعن أبي بحر البكراوي قال: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى حنى جلده على ظهره ليس بينهما لحم. وقال أبو قطن: كانت ثياب شعبة كالتراب، وكان كثير الصلاة، سخياً. وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان شعبة إذا حك جسمه انتثر منه التراب، وكان سخياً، كثير الصلاة.

стр. 95

ثناء العلماء على الإمام شعبة قال أبو عبد الله الحاكم: شعبة إمام الأئمة بالبصرة في معرفة الحديث، رأى أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الجرمي وسمع من أربعمائة شيخ من التابعين. قال: وحدث عنه من شيوخه: منصور والأعمش وأيوب وداود بن أبي هند وسعد بن إبراهيم يعني قاضي المدينة. قال الذهبي: ومن جلالته قد روى مالك الإمام عن رجل عنه، وهذا قل أن يعمله مالك. وعن أبي داود قال: حدثنا شعبة قال: قال لي سفيان الثوري: أنت أمير المؤمنين في الحديث. وعن أبي النضر قال: كان سليمان بن المغيرة إذا ذكر شعبة قال: سيد المحدثين. وكان شعبة إذا ذكر سليمان بن المغيرة قال: سيد القراء. وعن الفضيل بن زياد قال: سئل أحمد بن حنبل: شعبة أحب إليك حديثاً أو سفيان؟ فقال: شعبة أنبل رجالاً، وأوثق حديثاً. وعن سلم بن قتيبة قال: قدمت البصرة فأتيت الكوفة، فأتيت سفيان فقال لي: من أين أنت؟ فقلت من البصرة قال: ما فعل أستاذنا شعبة؟ وقال يحيى بن معين: شعبة إمام المتقين. وقال أبو زيد الأنصاري: وهل العلماء إلا شعبة من شعبة. وقال ابن معين: كان يحيى بن سعيد -يعني: القطان فهو من الطبقة التي بعد طبقة الإمام شعبة، أما الأنصاري فهو من صغار التابعين- إذا سمع الحديث من شعبة لم يبال ألا يسمعه من غيره. لأن شعبة كان يسمع الحديث أكثر من مرة قبل أن يحدث به من تثبته. وقال محمد بن زيد: إذا خالفني شعبة في حديث صرت إليه. وعن حسن بن عيسى قال: سمعت ابن المبارك قال: كنت عند سفيان فأتاه موت شعبة فقال: اليوم مات الحديث، وقال الشافعي: لولا شعبة لما عُرف الحديث بالعراق. وقال أبو قطن: كتب لي شعبة إلى أبي حنيفة فأتيته، فقال: كيف أبو بسطام؟ قلت: بخير، قال: نعم حشو المصر هو! وقال أحمد بن حنبل: شعبة أثبت من الأعمش في الحكم -أي: ابن عتيبة - وشعبة أحسن حديثاً من الثوري، وقد روى عن ثلاثين شيخاً كوفياً لم يلقهم سفيان، قال: وكان شعبة أمة وحده في هذا الشأن. قال أبو نعيم في وصفه: ومنهم الإمام المشهور في المناقب، مذكور له التقشف والتعبد والتكشف عن الأخبار والتشدد، أمير المؤمنين في الرواية والتحديث، وزين المحدثين في القديم والحديث، أكثر عنايته بتصحيح الآثار والتبري من تحمل الأوزار، المتثبت المحجاج أبو بسطام شعبة بن الحجاج كان للفقر عانقاً، وبضمان الله تعالى واثقاً. وقال يحيى بن سعيد: لا يعدل شعبة عندي أحد.

стр. 96

عبادة الإمام شعبة عن أبي بكر البكراوي قال: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم. وعن عمر بن هارون قال: كان شعبة يصوم الدهر كله لا ترى عليه، وكان سفيان يصوم ثلاثة أيام من الشهر ترى عليه. وعن ابن منيع قال: سمعت أبا قطن قال: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه قد نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه قد نسي، من إطالته للركوع والقعود بين السجدتين. وقال عبد السلام بن مطهر: ما رأيت أحداً أمعن في العبادة من شعبة. وعن أبي الوليد عن شعبة قال: إذا كان عندي دقيق وقصب -يعني حطباً للفرن- ما أبالي ما فاتني من الدنيا. وعن صالح بن سليمان قال: كان شعبة مولى للأزد، مولده ومنشؤه بواسط، وعلمه كوفي، وكان له ابن يقال له سعد وكان له أخوان: بشار وحماد وكانا يعالجان الصرف، وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلكم الزموا السوق فإنما أنا عيال على أخوين يعني: ينفقان عليه. قال: وما أكل شعبة من كسبه درهماً قط. وعن قراد أبي نوح قال: رأى علي شعبة قميصاً فقال: بكم اشتريت هذا؟ فقلت: بثمانية دراهم، فقال: ويحك، أما تتقي الله، ألا اشتريت قميصاً بأربعة دراهم وتصدقت بأربعة كان خيراً لك؟ قلت: يا أبا بسطام إنا مع قوم نتجمل لهم، قال: إيش نتجمل لهم؟ كأنه ينكر عليه هذه الكلمة. وعن يحيى بن أيوب قال: حدثنا أبو قطن قال: كانت ثياب شعبة لونها لون التراب -وقد كان بعض العلماء يفضّلون الثياب التي بلون التراب حتى لا تحتاج إلى غسل كل فترة- وكان كثير الصلاة كثير الصيام سخي النفس. وعن عبدان بن عثمان عن أبيه قال: قومنا حمار شعبة وسرجه ولجامه ببضعة عشر درهماً. وعن عبد العزيز بن رواد قال: كان شعبة إذا حك جلده انتفض منه التراب. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أعقل من مالك بن أنس، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أنصح للأمة من عبد الله بن مبارك.

стр. 97

أدب شعبة وسماحته وحبه للمساكين عن أبي داود الطيالسي قال: كنا عند شعبة فجاء سليمان بن المغيرة يبكي، فقال له شعبة: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ قال: مات حماري، وذهبت مني الجمعة، وذهبت حوائجي، قال: فبكم أخذته؟ قال: بثلاثة دنانير، قال: فعندي ثلاثة دنانير والله ما أملك غيرها، يا غلام هات تلك الصرة، فإذا فيها ثلاثة دنانير فدفعها إليه، وقال: اشتر بها حماراً ولا تبك. وعن حجاج قال: ركب شعبة حماراً له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكى إليه، فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار، ثم نزل عنه ودفعه إليه. وعن نضر بن شميل قال: ما رأيت أرحم لمسكين من شعبة، إذا رأى المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عن وجهه. وعن مسلم بن إبراهيم قال: كان شعبة إذا وقف في مجلسه سائل لا يحدث حتى يُعطى، فقام له يوماً سائل ثم جلس، فقال: ما شأنه؟ قال: ضمن عبد الرحمن بن مهدي أن يعطيه درهماً. قال يحيى القطان: كان شعبة من أرق الناس، يُعطي السائل ما أمكنه. وعن أبي داود قال: كنا عند شعبة نكتب ما يملي فسأل سائل؟ فقال شعبة: تصدقوا. فلم يتصدق أحد، فقال: تصدقوا فإن أبا إسحاق حدثني عن عبد الله بن معقل عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) قال: فلم يتصدق أحد، فقال: فإن عمرو بن مرة حدثني عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) فلم يتصدق أحد، فقال: تصدقوا فإن محلاً الضبي حدثني عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (استتروا من النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) فلم يتصدق أحد، فقال: قوموا عني فوالله لا حدثتكم ثلاثة أشهر، ثم دخل منزله فأخرج عجيناً فأعطاه السائل، فقال: خذ هذا فإنه طعامنا اليوم. وعن مسلم بن إبراهيم قال: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته قائماً يصلي، وكان أبا الفقراء وأمهم، وسمعته يقول: والله لولا الفقراء ما جلست لكم. وهذا يدل على أنه يحدث من أجل أن يتصدق الناس على الفقراء. وعن سليمان بن حرب قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تساوي عشرة دراهم، وكان شيخاً كثير الصدقة. فالصدقة ليست خاصة بالأغنياء، بل صدقة الفقير يكون وقعها أكبر، وقد يسبق درهم ألف درهم. وعن مسلم بن إبراهيم قال: سمعت شعبة يقول: لولا المساكين ما حدثت، فإني أُحدث ليعطوا. وعن عفان قال: لولا حوائج لي ما حدثتكم، وكان يسأل لنسوة ضعاف.

стр. 98

احتياط الإمام شعبة في الرواية وتشدده في التوثيق عن أبي داود الطيالسي -وهو في الطبقة التي قبل طبقة الإمام أحمد وهي طبقة يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وهما من تلامذة كبار أتباع التابعين وصغار التابعين- قال: سمعت شعبة بن الحجاج يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل. وعن حماد بن سلمة قال: جاء شعبة إلى حميد فسأله عن حديث فحدثه به فقال: أسمعته؟ قال: أحسبه، قال: فقال بيده هكذا -أي لا أريده- فلما قام فذهب، قال: سمعته من أنس ولكن تشدد عليّ فأحببت أن أشدد عليك. فهو شديد الاحتياط للتدليس؛ لأنه كان يعظم أمر التدليس جداً، وكان يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أدلّس، فكان يتأكد أن المعروف بالتدليس سمع الحديث فيكتبه عنه، فهو عندما جاء إلى حميد فسأله عن الحديث فحدثه به، فقال: أسمعته؟ قال: أحسبه، فقال بيده هكذا -يعني: لا أريده- فلما قام فذهب، قال: سمعته من أنس ولكن تشدد عليّ فأحببت أن أشدد عليك. وعن خضر بن زياد قال: رئي شعبة متقنعاً في شدة الحر فقيل له: إلى أين أبا بسطام؟ قال: أستعدي على رجل يكذب على رسول الله ﷺ . وعن حماد بن زيد قال: لقيني شعبة بن الحجاج ومعه مدرة فقلت: يا أبا بسطام أين تريد؟ قال: إلى أبان بن عياش أدعوه إلى القاضي فإنه يكذب، فقلت له: إني أخاف عليك عبد القليس قال: فكلمته فانصرف، قال حماد: ثم لقيني شعبة بعد ذلك فقال: يا أبا إسماعيل إني نظرت في ذلك فلم يسعني السكوت. وعن أبي أسامة قال: وافقنا من شعبة طِيبَ نفسٍ فقلنا له: حدثنا ولا تحدثنا إلا عن ثقة، فقال: قوموا. وعن يحيى بن سعيد قال: ما رأيت أحداً قط أحسن حديثاً من شعبة. قال أبو نعيم: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إليّ من أن أُدلّس. وقال عبد الرحمن بن مهدي: قال شعبة: كنت أتفقد فم قتادة -لأن قتادة مدلّس- فإذا قال سمعت أو حدثنا تحفّظته وإلا تركته. ولذلك إذا كان شعبة هو الراوي عن قتادة -حتى لو كان الحديث بالعنعنة- فهو محمول على السماع؛ لأن شعبة قال: كفيتكم تدليس قتادة. وتجدون في البخاري ومسلم بعض الأحاديث يحدث فيها شعبة عن قتادة بالعنعنة -بدون تصريح بالسماع- فمادام الراوي عن قتادة هو شعبة فيكون هذا الحديث قد صُّرح فيه بالسماع، وإن لم يكن في هذه الرواية ففي رواية أخرى. قال أبو زرعة: سمعت مقاتل وهو ابن محمد يقول: سمعت وكيعاً يقول: إني لأرجو أن يرفع الله لـ شعبة درجات في الجنة بذبه عن رسول الله ﷺ . وقال أبو الوليد: قال لي حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة في حديث صرت إلى قوله، قلت: كيف يا أبا إسماعيل؟ قال: إن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث عشرين مرة، وأنا أرضى أن أسمعه مرة. وقال مكي بن إبراهيم: سئل شعبة عن ابن عون؟ فقال: سمن وعسل. قيل: فما تقول في هشام بن حسان؟ قال: خل وزيت، قيل: فما تقول في أبي بكر الهذلي؟ قال: دعني لا أقيء به. وقال أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث؟ فقال: والله لا حدثتك به، قلت: ولم؟ قال: لأني لم أسمعه إلا مرة. وقال: شعيب بن حرب: سمعت شعبة يقول: لئن أُقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أحدث عن أبي هارون العبدي. وقال بشر بن عمر الزهراني: سمعت شعبة يقول: لئن أخر من السماء -أو من فوق هذا القصر- أحب إليّ من أن أقول قال: الحكم بشيء لم أسمعه منه. قال الذهبي: هذا والله ورع. يعني: أنه لا بد أن يكون قد سمع الحديث بالتصريح. وقال عبد الرحمن بن مهدي قلت لـ شعبة من الذي تترك الرواية عنهم؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يُعرف، أو أكثر الغلط، أو تمادى في غلط مجتمع عليه، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه، أو رجل متهم بالكذب وسائر الناس يروي عنهم. فـ شعبة أول من عدّل -يعني: إمام الجرح والتعديل- ثم أخذ ذلك عنه عبد الرحمن بن مهدي

стр. 99

شيوخ الإمام شعبة وتلامذته ﵏ شيوخه وتلامذته ﵏: شيوخه: قال الذهبي: حدث عن أنس بن سيرين وإسماعيل بن رجاء. وقد رأى أنس بن مالك وبعض الصحابة ولكن لم يرو عنهم. وحدث عن سلمة بن كهيل وجامع بن شداد وسعيد بن أبي سعيد المقبري وجبلة بن سحيم والحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وغيرهم. تلامذته: قال الخطيب: روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وإبراهيم بن سعد وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر وعبد الله بن المبارك وغيرهم.

стр. 100

درر من أقوال الإمام شعبة درر من أقواله: قال عفان: سمعت شعبة يقول: من ذهبنا إلى أبيه فأكرمنا فجاءنا ابنه أكرمناه، ومن أتيناه فأهاننا فأتانا ابنه أهناه! وعن يحيى القطان عن شعبة قال: من الناس من عقله معه، ومن الناس من عقله بفنائه، ومنهم من لا عقل له، فأما الذي عقله معه فالذي يبصر ما يخرج منه قبل أن يتكلم، وأما الذي عقله بفنائه فالذي وذكر كلمة. وعن ابن عيينة قال: سمعت شعبة يقول: من طلب الحديث أفلس، بعت طست أمي بسبعة دنانير. وكان بيعه للطست من أجل الرحلة في طلب الحديث. وقال سلمة بن قتيبة: ربما سمعت شعبة يقول لأصحابه: يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن. كأنه ينكر على أهل الحديث أن يشتغلوا بالحديث عن القرآن. وعن يزيد بن هارون قال: كان شعبة يقول: لا تكتبوا الحديث إلا عن غني، وكان هو فقيراً يعوله بنو أخيه. وعن مؤمل بن إسماعيل قال: سمعت شعبة يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا فهو مثل الرجل في فلاة معه بعير بلا خطام. وقال أبو نوح قراد سمعت شعبة يقول: إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه. وعن الأصمعي قال: سمعت شعبة يقول: ما أعلم أحداً فتّش الحديث كتفتيشي، وقفت على أن ثلاثة أرباعه كذب. وهذا فيه شيء من المبالغة، وإلا فكل العلماء حكموا على كل حديث بما يليق به. وعن حمزة بن زياد الطوسي: سمعت شعبة وكان ألثغ قد يبس جلده من العباده، يقول: لو حدثتكم عن ثقة ما حدثتكم إلا عن ثلاثة. وقال يحيى بن سعيد: سمعت شعبة يقول: كل من كتبت عنه حديثاً فأنا له عبد. وقال ابن مهدي: سمعت شعبة يقول: إن هذا العلم يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن صلة الرحم فهل أنتم منتهون. فكأنه يُنكر على طالب العلم اشتغاله بطلب العلم بحيث يفرط في أشياء هي واجبة عليه وجوباً عينياً. وقال أبو قطن: سمعت شعبة يقول: ما من شيء أخوف عندي من أن يدخلني النار من الحديث.

стр. 101

وفاة الإمام شعبة ﵀ وفاته ﵀: عن شبابة قال: دخلت على شعبة في يومه الذي مات فيه وهو يبكي، فقلت له: ما هذا الجزع يا أبا بسطام؟ أبشر فإن لك في الإسلام موضعاً، فقال: دعني فلقد وددت أني وقّاد حمام، وأني لم أعرف الحديث. وعن أبي قطن قال: سمعت شعبة يقول: ما من شيء أخوف عندي من أن يدخلني النار من الحديث. يعني: خشية أن يكون قد زاد فيه شيئاً أو نقص منه شيئاً. قال الذهبي: كل من حاقق نفسه في صحة نيته في طلب العلم يخاف من مثل هذا، ويود أن ينجو كفافاً. حتى أن بعض العلماء أوصى بأن تُحرق كتبه أو تُغسل، خشية أن يكون فيها شيء من الزيادة أو النقص. وقال سعد بن شعبة: أوصى أبي إذا مات أن أغسل كتبه فغسلتها، قال الذهبي: وهذا فعله غير واحد بالغسل والحرق والدفن خوفاً من أن تقع في يد إنسان واهم يُزيد فيها أو يغيرها. ويكون هذا من باب الكذب على النبي ﷺ ، وهو لم يكذب عليه ولكن يخشى أن يقع الكتاب في يد كذاب فيزيد فيه شيئاً. وقال ابن منجويه: مولده سنة ٨٢ هـ ومات سنة ١٦٠ هـ في أولها، وله يوم مات سبع وسبعون سنة. وهكذا أكثر علماء الحديث كانوا يعمّرون كما قال بعضهم: أهل الحديث طويلة أعمارهم ووجوهم بدعا النبي منضّره وسمعت من بعض المشايخ أنهم أرزاقهم أيضاً به متكثّره نكتفي بهذا القدر، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 102

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام مالك الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وارث العلوم النبوية، قصده طلبة العلم من الآفاق وازدحموا عليه، كان عزيزاً في نفسه موقراً لحديث النبي ﵊، محتاطاً في الرواية ومتحرياً في نقد الرجال، ورعاً في الفتوى ناصراً للسنة، وقد أثنى عليه العلماء ثناءً جميلاً رحمه الله تعالى.

стр. 103

بين يدي ترجمة الإمام مالك ﵀ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: ما زلنا نسعد بحمد الله تعالى مع سلسلة التراجم التربوية، وإمامنا وقدوتنا فيها هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀، وارث العلوم النبوية والسنن المصطفوية في مدينة رسول الله ﷺ . قال الإمام الذهبي: قد كان هذا الإمام من الكبراء والسادة العلماء، ذا حشمة وتجمل وعبيد ودار فاخرة، ونعمة ظاهرة، ورفعة في الدنيا والآخرة، كان يقبل الهدايا، ويأكل طيباً، ويعمل صالحاً، وما أحسن قول ابن المبارك فيه: صموت إذا ما الصمت زين أهله وفتاق أبكار الكلام المختم وعى ما وعى القرآن من كل حكمة وسيطت له الآداب باللحم والدم وقال أبو مصعب: كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام، وكنا نكون عنده فلا يكلم ذا ذا، ولا يلتفت ذا إلى ذا، والناس قائلون برءوسهم هكذا. وكانت السلاطين تهابه وهم قابلون منه ومستمعون، وكان يقول: لا ونعم، ولا يقال له: من أين قلت هذا؟ وقال بعضهم: يدع الجواب ولا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان والدارس لترجمة الإمام يقف على شيء من أسباب هذه الهيبة وهذا القبول، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في غضون الترجمة، فمن ذلك: أنه كان كثير التعظيم لحديث النبي ﷺ ، فإذا أراد أن يحدث اغتسل وتطيب وسرح لحيته وجلس على منصة، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، ومن أعز دين الله أعزه الله ، ومن نصر دين الله نصره الله ، قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]. ومن ذلك: قوة حجته في نصر السنة وشدته على أهل الأهواء والبدعة. ومن ذلك: احتياطه في الرواية نصرة للشريعة، فلا يروي إلا عن ثقة، ولا يروي إلا عمن عرف بالرواية وأنه من أهل الحديث، وهو الذي قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به. قال ابن أبي حاتم: كان مالك ﵀ أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك. وأصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصح الكتب المصنفة في زمانه موطأ مالك كما أشار الشافعي ﵀، وذلك قبل تصنيف الصحيحين، وهو لم يجرد الصحيح كما فعل البخاري ومسلم، وأسانيده أنقى الأسانيد، وإن كان قد خلط الأسانيد المسندة ببعض البلاغات عن النبي ﷺ كما يأتي إشارة إلى ذلك، والله يغفر لنا وله، ويدخلنا وإياه جنة عالية، قطوفها دانية.

стр. 104

التعريف بالإمام مالك وذكر صفته اسمه ومولده وصفته: اسمه: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ذو أصبح الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، وعداده في بني تيم بن مرة من قريش، حلفاء عثمان بن عبيد الله التيمي أخي طلحة بن عبيد الله. مولده: قال الذهبي: مولد الإمام مالك على الأصح في سنة (٩٣هـ) في السنة التي توفي فيها أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، ونشأ في صيانة ورفاهية وتجمل. صفته: عن مطرف بن عبد الله قال: كان مالك بن أنس طويلاً عظيم الهامة أصلع أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشقر. وعن عيسى بن عمر المدني قال: ما رأيت بياضاً قط ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب من مالك. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أهيب من مالك، ولا أتم عقلاً ولا أشد تقوى.

стр. 105

طلب الإمام مالك للعلم وثناء العلماء عليه ابتداء طلبه للعلم وثناء العلماء عليه: قال الذهبي: وطلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حيي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد إلى أن مات. وعن عبد الله بن المبارك قال: ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة. يعني: سريرة صالحة من حب الله ومن الإخلاص. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقد لمع نجم الإمام مالك في زمن كثرت فيه النجوم. قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فـ مالك النجم. وعن ابن عيينة قال: مالك عالم الحجاز وهو حجة زمانه. وقال الذهبي: كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله ﷺ وصاحبه زيد بن ثابت وعائشة ثم ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد الله بن عمر ثم مالك. وقال كذلك: لم يكن بالمدينة عالم بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه والجلادة والحفظ. فقد كان فيها بعض العلماء مثل: سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وعكرمة ونافع ومن في طبقتهم، ثم زيد بن أسلم وابن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن في طبقتهم، فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون وفليح بن سليمان والدراوردي وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق. وقال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد. وقال: ما رأيت أحداً أعقل من مالك. قال الواقدي: كان مالك يجلس في منزله على ضجاع ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتي. وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان مهيباً نبيلاً ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه، وكان له كاتب يقال له: حبيب قد نسخ كتبه ويقرأ للجماعة، فإذا أخطأ فتح عليه مالك وكان ذلك قليلاً. وعن بقية قال: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية منك يا مالك.

стр. 106

عزة نفس الإمام مالك وتوقيره لحديث رسول الله ﷺ عزة نفسه وتوقيره لحديث النبي ﷺ : عن ابن أبي أويس قال: كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدث فقيل له في ذلك، قال: أحب أن أعظم حديث النبي ﷺ ، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً. وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو مستعجل قال: أحب أن أفهم ما يحدث به عن رسول الله ﷺ . وعن معن بن عيسى قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره، قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ . وعن عمر بن المحبر الرعيني قال: قدم المهدي إلى المدينة فبعث إلى مالك فأتاه، فقال لولديه هارون وموسى: اسمعا منه، فبعثا إليه فلم يجبهما، فأعلما المهدي فكلمه فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يؤتى أهله، فقال: صدق مالك صيرا إليه. فظن الناس أن الإمام مالك سيذهب إليهما؛ لأنهما أبناء الخليفة، فتوقير الإمام مالك للعلم منعه، وقد كان لهما مؤدب وهو المربي، فقال له مؤدبهما: اقرأ علينا، قال: إن أهل المدينة يقرءون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإن أخطئوا أفتاهم، فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه فقال: سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ونافع وعبد الرحمن بن هرمز، ومن بعدهم: أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وابن شهاب، كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرءون. فقال الخليفة: في هؤلاء قدوة، صيروا إليه فاقرءوا عليه. ففعلوا. وعن ابن القاسم قال: قيل لـ مالك: لم لم تأخذ عن عمرو بن دينار؟ قال: أتيته فوجدته يأخذون عنه قياماً فأجللت حديث رسول الله ﷺ أن آخذه قائماً.

стр. 107

احتياط الإمام مالك في الرواية وتحريه في نقد الرجال احتياطه في الرواية وتحريه في نقد الرجال: عن منصور بن سلمة الخزاعي قال: كنت عند مالك فقال له رجل: يا أبا عبد الله! أقمت على بابك سبعين يوماً وقد كتبت ستين حديثاً، فقال: ستون حديثاً! وكأنه يستكثره. أي: أن الرجل كان يقلل العدد، والإمام مالك يستكثره، فقال له الرجل: إننا ربما كتبنا بالكوفة في المجلس ستين حديثاً، قال: وكيف بالعراق دار الضرب، يضرب بالليل وينفق بالنهار. وعن محمد بن إسحاق الثقفي السراج قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر. وعن سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم. قال الذهبي: وقد كان مالك إماماً في نقد الرجال حافظاً مجوداً متقناً. قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكاً عن رجل فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. فهذا يشير إلى أن الإمام مالك كان لا يروي إلا عن ثقة. قال الذهبي: فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أن يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه وهو عنده ثقة أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه بكل حال كثير التحري في نقد الرجال. وعن عثمان بن كنانة عن مالك قال: ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثاً واحداً، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث. وعن ابن عيينة قال: ما نحن عند مالك إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ إن كان كتب عنه مالك كتبنا عنه. وابن عيينة إمام مكة وشيخ الإمام الشافعي والإمام أحمد. وعنه قال: كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولم يحدث إلا عن ثقة، وما أرى المدينة إلا ستخرج بعد موته، يعني: من العلم. قال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسراً، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث. فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلأ منزله، وإذا حدث عن غيره من الكوفيين لم يجئه إلا اليسير. فـ محمد بن الحسن لما رجع من الكوفة كان يروي الموطأ؛ لأنه من أحد رواة الموطأ، فكانت الدار تمتلئ بالتلاميذ، فإذا حدث عن غيره خلت الدار، أو ما سمعه إلا اليسير. وعن محمد بن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ﵁ -نحن نقولها بنية الدعاء وليس بنية الخبر؛ لأنها خاصة بالصحابة رضوان الله عليهم- يقول: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به. وعنه عن الشافعي قال: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله. وعن حبيب بن زريق قال: قلت لـ مالك بن أنس: لم لم تكتب عن صالح مولى التوأمة وحزام بن عثمان وعمر مولى غفلة، قال: أدركت سبعين تابعياً في هذا المسجد، ما أخذت العلم إلا عن الثقات المأمونين.

стр. 108

تورع الإمام مالك عن الفتوى تورعه عن الفتوى: عن مالك قال: جنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله. ومعنى جنة العالم: لا أدري: أي: كلمة (لا أدري) تحمي العالم، فلا يتجرأ على ما ليس عنده به علم. وعن الهيثم بن جميل قال: سمعت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب في اثنين وثلاثين منها بـ: (لا أدري). وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة فما أجابني منها إلا في خمس مسائل. وعن مالك أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً يرجعون إليه.

стр. 109

نصرة الإمام مالك للسنة وشدته على أهل البدع نصرته للسنة وشدته على أهل البدع: عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكاً يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وعن يحيى بن خلف الطرسوسي وكان من ثقات المسلمين قال: كنت عند مالك فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله! إنما أحكي كلاماً سمعته، قال: إنما سمعته منك، وعظم هذا القول. فأعلام السنن كانت مرفوعة ومشهورة في زمن كبار التابعين، زمن الإمام مالك والسفيانين. وحدث أبو ثور عن الشافعي قال: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال القاضي عياض: قال أبو طالب المكي: كان مالك ﵀ أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقداً للعراقيين. ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكاً فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء -يعني: العرق- ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه. فناداه الرجل: يا أبا عبد الله! والله لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.

стр. 110

محنة الإمام مالك ﵀ محنته ﵀: قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط واختلف في سبب ذلك، حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا ابن ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق)، وهو أن طلاق المكره ليس بشيء؛ لأنه يقاس على ذلك أن بيعة المكره ليست بشيء، فلو أكره إنسان على مبايعة إمام معين فإن هذه البيعة تكون غير شرعية. يقول: ثم دس إليه من يسأله على رءوس الناس فضربه بالسياط. وعن فضل بن زياد القطان قال: سألت أحمد بن حنبل من ضرب مالك بن أنس؟ قال: ضربه بعض الولاة لا أدري من هو، إنما ضربه في طلاق المكره، كان لا يجيزه فضربه لذلك. وعن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن راشد قال: سمعت أبا داود يقول: ضرب جعفر بن سليمان مالك بن أنس في طلاق المكره. وحكى له بعض أصحاب ابن وهب أن مالك بن أنس لما ضرب حلق وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك، فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء، قال: فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدركوه، أنزلوه. وروى ابن سعد عن الواقدي قال: لما دعي مالك وشور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف بطلاق المكره أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر فدعا بـ مالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو. قال الذهبي ﵀: هذه ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال هي بما كسبت أيدينا، ويعفو عن كثير، (ومن يرد الله به خيراً يصب منه)، وقال النبي ﷺ : (كل قضاء المؤمن خير له) وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١]، وأنزل تعالى في واقعة أحد قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.
следующие страницы →