← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37372

مجالس رمضان - أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (77 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مجالس رمضان_ التزكية عند أهل السنة لقد اعتنى الشرع المطهر بتزكية الأنفس وتطهيرها من أدرانها، وجعل فلاح العبد وفوزه منوطاً بتزكية النفس، وما ذلك إلا لما للتزكية من المكانة العظيمة عند الله ، فعلى المؤمن أن يبذل وسعه في تزكية نفسه وتطهيرها.

стр. 2

أهمية تزكية النفوس وبيان مناهجها الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فإن من المهمات التي بعث بها النبي الكريم ﷺ تزكية نفوس العباد، كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، وكان النبي ﷺ يسأل الله هذه الزكاة لنفسه فيقول: (اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها). كما تمنن الله على المؤمنين بهذه الزكاة فقال : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]، فالله يتفضل على من يشاء بالتزكية. وقد أقسم الله في كتابه أحد عشر قسماً متوالياً -وليس في القرآن كله أقسام متوالية بهذا العدد وعلى هذا النسق- على حقيقة: وهي أن فلاح العباد ونجاحهم منوط بتزكية نفوسهم، وأن خيبتهم وخسارتهم منوطة بتدسية نفوسهم، فقال : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ١٠]. فهذه الأقسام المتوالية على أن فلاح العباد منوط بتزكية نفوسهم. فقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) * (وقد خاب من دساها) فما معنى التزكية وما معنى التدسية؟ التزكية: هي التنمية والإصلاح. يقولون: زكا الزرع إذا نما وصلح وبلغ كماله. فتزكية النفس: هي تنميتها وتعليتها وتنقيتها وإصلاحها بتوحيد الله وطاعته؛ لأن النفس تزكو بذلك وتعظم وتطهر. أما التدسية: فهي التحقير والتصغير، فالنفس تصير حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها، كما قال : ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]؛ أي: يخفيه في التراب. فالنفس تنمو وتصلح بطاعة الله ، وتصغر وتصير حقيرة دنيئة بمعصية الله ! فالعباد يجهلون مواقع السعادة ولا يعلمون أن سعادتهم في صلاح نفوسهم وتزكيتها، والله قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. والجاهل لا يدري مصلحته، فينبغي أن يجبر على ما فيه صلاحه. قال عبد الله بن المبارك ﵀: إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا، فينبغي علينا أن نكرهها. فالنفوس الجاهلة لا تعلم أن مصلحتها وسعادتها في طاعة الله ، وفي الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ولكن إذا أجبر العبد نفسه على الطاعة وعلى العبادة وعلى الاستقامة على طريق الله ، فعند ذلك تذوق النفس حلاوة الطاعة والعبادة، وبعد ذلك تساعد النفس صاحبها وتأتي معه على طاعة الله . وقال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة وتمتعت به عشرين سنة. أي: ثقل على نفسه قيام الليل وعالج قيام الليل. ومنهم من يفتح عليه في الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير. ومنهم من يفتح له في قضاء حوائج الناس، وتحقيق مآربهم. ومنهم من يفتح له في الجهاد والبذل لإعلاء دين الله ورفع رايته. وهناك من يوفق لكل هذه الأبواب، فإذا نظرت في الحجاج وجدته وسطهم، وإذا نظرت في المجاهدين وجدته بينهم، وإذا نظرت في العلماء وجدته في صفهم، فلو قيل له: ماذا تريد يقول: طاعة ربي جمعتني أو فرقتني، فهو السابق بالخير والمسارع إلى كل سبيل يرضي ربه . فهذه مناهج التزكية عند أهل السنة والجماعة: التزكية بالتوحيد، التزكية بأداء الفرائض، التزكية بالإكثار من النوافل.

стр. 3

الغاية من تزكية النفس عند أهل السنة أما غاية التزكية عند أهل السنة: فهي تحقيق كمال العبودية لله ، والوصول إلى أعلى مراتب الذل والحب لله ؛ لأن العبودية هي كمال الحب مع تمام الذل، والله وصف أكابر الخلق بالعبودية، فوصف نبيه ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسراء، ومقام التحدي، ومقام الدعوة إلى الله ، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]. وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولذلك لما ذكر الإمام الطحاوي ﵀ تشريفات النبي ﷺ ابتدأ بالتشريف الأول وهو العبودية، قال: وإن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء، فقبل أن يذكر بأنه إمام الأنبياء وسيد المرسلين ذكر أنه عبد الله المصطفى. فالعبودية لله تشريف وتكريم، كما قال عياض: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فالذي يتكبر عن العبودية لله لا بد أن يقع في عبودية غير الله من المخلوقات الخسيسة، فيعبد الشجر أو الحجر أو الشمس أو القمر أو البقر، بل من الناس من وقع في عبادة الشيطان الرجيم. فكل من يتكبر عن العبودية لله لا بد أن يقع في العبودية لغير الله، ومهما تحرر العبد من العبادة لغير الله تكمل عبوديته لله ، ولذلك فإن وظيفة الرسل وأتباع الرسل تعبيد الناس لله ، وتحرير الناس من العبادة الباطلة للآلهة الباطلة التي لا تستحق العبادة، وجعلهم عبيداً حقيقيين لله ، كما قال ربعي بن عامر: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فوظيفة الرسل وأتباع الرسل أن يحرروا الناس من عبادة غير الله ويعبدوهم لله ، ويشرفوهم بأن يجعلوهم عبيداً حقيقيين لله . نسأل الله تعالى أن يشرفنا بالعبودية له ، وأن يرفعنا بالقيام والصيام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 4

مجالس رمضان_ الصيام مدرسة التقوى الصيام عبادة تفضل الله بها على عباده؛ لما فيها من المنافع والفوائد، فالصائم يغفر الله له ذنوبه بصومه، ويكون صومه شافعاً له يوم القيامة، كما أن الصوم يعود الصائم على الصبر والجلد ومراقبة الله ، والإحسان في القول والعمل.

стр. 5

آثار الصيام في زياد تقوى الصائم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرر أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. الصيام عباد الله! مدرسة التقوى، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. والترجي في كلام الله أو كلام رسوله ﷺ على القطع، كما قال ابن عباس: عسى من الله واجب. على عادة الملوك إذا أرادوا أن يقولوا: نحن سنفتح هذا البلد، يقولون: نرجو أن نفتح هذا البلد، ونرجو أن ننتصر على هذا الجيش، فلما يقطعون به يأتون به على صيغة الترجي، كما قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فأنتم ترحمون قطعاً إذا استمعتم إلى كلام الله ، كذلك من صام حق الصيام كما أمر الله لا بد أن يصل إلى درجة التقوى. والتقوى هي: علم القلب بقرب الرب. والتقوى هي: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإن الله يراك. والتقوى كذلك عباد الله: ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. فالصيام يوصل إلى تقوى الله ؛ لأنه يتكون من نية باطنة لا يطلع عليها أحد إلا الله ، وترك لشهوات يستخفى بتناولها عادة، فلا نستطيع أن نجزم في شخص بأنه صائم؛ لأنه قد يخلو ولو للحظات فينتهك حرمة الصيام، فهو إنما يترك الطعام والشراب والشهوة لأنه يحس بأن الله يراه، وبأن الله مطلع على قلبه، وعلى سر أمره وعلانيته، فالصيام يدرب العبد على مراقبة الله ، وهذه المراقبة هي التقوى المقصودة، والدرة المفقودة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. وقد شرف الله هذه العبادة بإضافتها إلى نفسه الشريفة فقال تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به). فأضاف الله كل أعمال ابن آدم إلى نفس ابن آدم، وشرف عبادة الصيام بأن أضافها إلى نفسه الشريفة فقال: (إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به). فلما كان الصيام سراً بين العبد وربه تكفل الله بتحديد أجر الصيام، فليس له تسعيرة محددة: (فكل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشرة أمثالها). فكل عمل من الأعمال له ثواب محدد، أما الصيام فالله تعالى يتكفل بتحديد أجره. والصيام من الصبر وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. فالصيام عبادة ترقى بالعبد إلى درجة المراقبة وإلى درجة التقوى، كما أن الصائم يلتزم بأخلاق معينة هي أخلاق المتقين وأخلاق المحسنين، فلا يسفه على السفيه بمثل سفهه، ولا يجهل على الجاهل بمثل جهله. قال النبي ﷺ : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث). ولا يتكلم كلاماً فاحشاً: (ولا يصخب) أي: لا يرفع صوته بغير حاجة أو ضرورة: (وإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم). أي: يدفعه على أن يواجه السيئة بالسيئة أنه صائم، فينبغي عليه أن يلتزم بأخلاق الصائمين، وأخلاق المحسنين، فيدفع بالحسنة السيئة، فيقول: (إني صائم إني صائم).

стр. 6

ما ينتظره الصائم يوم القيامة من الأجر فالصيام عباد الله! قد يكون صياماً عن الطعام والشراب والشهوات، فمن كان صيامه عن الطعام، والشراب والشهوة، فله في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب وحور عين، كما قال : ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين. ومن الناس من يصوم عما سوى الله ، فيحفظ الرأس وما وعى، ويحفظ البطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى. ومن صام في الدنيا عن شهواته، أدركها غداً بعد وفاته، ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته، عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، أنت في دار شتات فتأهب لشتاتك، واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك، واجعل الفطر عند الله يوم وفاتك. أهل الصيام! أهل الخصوص من الصوام صومهم صون اللسان عن البهتان والكذب والعارفون وأهل الأنس صومهم صون القلوب عن الأغيار والحجب. فينبغي للمسلم عباد الله! إذا نوى الصيام أن ينوي ترك كل الذنوب والمعاصي، وأن يصوم سمعه وبصره وجوارحه، كما قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. ولما كان الصيام سراً بين العبد وبين ربه يشتهر أهل الصيام يوم القيامة برائحة أفواههم، كما قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). فكل عبادة ينشأ عنها أثر مكروه عند العباد تكون محبوبة عند الله ، فخلوف فم الصائم -أي: الرائحة التي تنبعث من المعدة الخالية من الطعام- أطيب عند الله من ريح المسك. والشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه ينزف دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك. وقال النبي ﷺ : (الصيام جنة) أي: وقاية، فهو وقاية لصاحبه من النار؛ لأن النار حفت بالشهوات، والصيام يكسر الشهوات المحرمة، وقد قال النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). فالصيام يكسر الشهوات، ويطوع النفس لرب الأرض والسموات؛ ولذلك ورد في فضل الصيام قوله ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي! منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. فيشفعان). وقال النبي ﷺ : (إن في الجنة باب يقال له: الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون). ولم يقل: للجنة ولكن قال: في الجنة، إشارة إلى أن في هذا الباب من الراحة ومن النعيم ومن البهجة والسرور مما في الجنة، فقال: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون). قال النبي ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض). وهذا المقصود به: صيام النافلة، فإذا كان يوم صيام في النافلة يباعد الله بهذا اليوم بين العبد وبين النار سبعين خريفاً، فكيف بصوم الفريضة الذي هو أفضل وأقرب إلى الله . وسأل رجل النبي ﷺ كما روى النسائي عن أبي أمامة عن عمل يتقرب به إلى الله فقال: (عليك بالصيام، فإنه لا عدل له أو لا مثل له)، فدله على الصيام. فالصيام عباد الله! من أحب العبادات إلى الله ؛ لأن الله يحب من العباد أن يعاملوه سراً، فالصيام سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه أحد إلا الله ؛ ولذلك كان من أحب العبادات إلى الله ، فينبغي علينا أن نصون الصيام، فمن صان صيامه وجد أجر صيامه عند الله . فنسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام، وتلاوة القرآن، وأن ينفعنا بأعمالنا الصالحة، وأن يتجاوز عن الزلات والسيئات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 7

مجالس رمضان_ العبودية وظيفة العمر خلق الله البشر لعبادته سبحانه، وأمرهم بالقيام بهذه الوظيفة، فلا تكون العبودية إلا لله وحده، وقد فهم الصحابة ومن سار على هديهم حقيقة هذه الوظيفة، فذاقوا السعادة ووجدوا الطمأنينة والراحة ونعيم الدنيا والآخرة.

стр. 8

فهم وظيفة العبودية والقيام بها الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فإن الله لم يخلق خلقه عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرض هذا الأمر على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه وجلاً، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعاً وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلاً، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به بظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا يتفكرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا يتفكرون في سرعة رحيلهم من هذه الدنيا الفانية، وانتقالهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة، والخدع الكاذبة، فخدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم في شهوات الدنيا ولذات النفوس كيف حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحداناً، ولم يؤثروا عليه فضلاً من الله ولا رضواناً، نسوا الله فنسيهم أولئك هم الفاسقون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. خلقنا الله لوظيفة، فمن اهتدى لمعرفة هذه الوظيفة وقام بها حق القيام أفلح وأنجح، وسعد في الدنيا والآخرة، ومن تغابى عن معرفة هذه الوظيفة أو عرف الوظيفة ولم يقم بها حق القيام خاب وخسر في الدنيا والآخرة، فما هي هذه الوظيفة التي خلقنا الله من أجلها، حتى لا نكون يوم القيام من المغبونين، أو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟ فالله بين لنا هذه الوظيفة في كتابه، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالله تعالى خلق العباد من أجل عبادته وحده، وأرسل الرسل من أجل أن يعبِّدوا الناس له ، ومن أجل أن ينبهوا الناس إلى القيام بالوظيفة التي خلقهم الله من أجلها، فقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، فالله تعالى أرسل الرسل من أجل أن يعبِّدوا الناس له ، ومن أجل أن يعرف الناس الوظيفة التي خلقهم الله من أجلها. وقد فهم ربعي بن عامر ﵁ أحد تلامذة النبي ﷺ هذه الوظيفة، فلما دخل على رستم قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

стр. 9

وجوب إخلاص العبودية لله وحده إن وظيفة الرسل، ووظيفة أتباع الرسل وهي تعبيد الناس لله ، فنحن جميعاً عبيد لله ، والعبد لا يجوز له أن يعمل ويؤدي إلى غير سيده، بل يجب عليه أن يعمل ويؤدي إلى سيده، فلا يجوز لنا أن نعمل عملاً لا نرجو به وجه الله، فينبغي أن تكون كل الأقوال وكل الأعمال وكل الأحوال لله ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فنحن وأموالنا وأوقاتنا وزوجاتنا وأولادنا ملك لله ، فلا يجوز لنا أن نعمل عملاً لغير الله، بل ينبغي أن يكون لله . كثير من الناس يظن أن العبد لو كان كل عمله لله فإنه لا يجد سعادة وراحة وحياة طيبة، وهذا من جهلهم بدين الله ، ومن جهلهم بما تسعد به النفوس، فهم يظنون أنهم لا يمكن أن يسعدوا حتى ينسلخوا من الشرع المتين، وحتى يتبعوا الشياطين، لكن القلوب التي خلقها الله بين تعالى أنها لا تسعد إلا به، ولا تطمئن إلا بذكره، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فالله كما خلق العين للإبصار والأذن للسماع واللسان للتحدث والذوق، خلق القلب لمعرفة الله وتوحيده، فمهما تعلق بغير الله فمآله إلى التعاسة والشقاء، كما قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، فالقلب لا يسعد إلا بالله ، ففي القلب فقر وحاجة واضطرار إلى الله ، فإذا تعلق بالله، وعُبِّد له سعد بذلك في الدنيا والآخرة، وإذا عُبِّد لغير الله فالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة.

стр. 10

سعادة الصالحين وأخبارهم في عبوديتهم لله مهما أكمل العبد عبوديته لله سعد في الدنيا والآخرة، ومهما نقصت عبوديته نقصت سعادته، ولذلك يخبرنا الصالحون كيف وجدوا السعادة التي ما ذقنا شيئاً منها لضعف إيماننا ويقيننا وقلة توحيدنا، فقال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة. وقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كالذي نحن فيه والله إنهم لفي عيش طيب. وقال بعضهم: والله! إنه لتمر بي أوقات يرقص فيها القلب طرباً. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان يقول: ما يفعل بي أعدائي، أنا جنتي معي، وبستاني في صدري، إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله. ولما سجن في القلعة نظر من خلف الباب وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. وكان يقول: لو أملك ملء القلعة ذهباً ما استطعت أن أكافئهم على ما قدموه لي من الخير. وكان يقول: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. وكان يكثر أن يقول في سجوده وهو مسجون: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. يصفه تلميذه المحقق ابن القيم فيقول: كنا إذا ضاقت بنا الأمور، واشتدت بنا الأحوال نلقاه، فما أن نراه وننظر إليه إلا ذهب كل ذلك عنا، وانقلب انشراحاً وفرحاً، ولقد كان من أطيب الناس عيشاً مع ما كان فيه من شدة العيش وخلاف الرفاهية، كانت نضرة النعيم تلوح على وجهه. فالحمد لله الذي فتح لعباده باباً إلى جنته، فأتاهم من ريحها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، وهم ما يزالون في دار العمل، فـ شيخ الإسلام تجاوز الستين سنة وما وجد حياة الاستقرار حتى يتزوج؛ لأنه كان من سجن إلى سجن، ومن معركة إلى معركة، ومن مناظرة إلى مناظرة، وما سعى يوماً لأن يتزوج زوجة حسناء، أو يملك سرية حوراء، ولا داراً قوراء، ولا سعى خلف دينار ولا درهم. فالذي يحقق العبودية لله ، وتكتمل عبوديته له تكتمل سعادته في الدنيا والآخرة، بل يسعد به من رآه. وكان أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة من التابعين، كان إذا دخل السوق ورآه أهل السوق سبحوا وهللوا وكبروا، لما يرون على وجهه من أنوار العبادة، فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن أقبل الله عليه أضاءت ساحاته واستنارت جوارحه. والعجب كل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه، وكل نفس من أنفاسه إذا ذهب لم يرجع إليه، فمطايا الليل والنهار تسير به ولا يتفكر إلى أين يحمل، ويسار به أعظم من سير البريد، ولا يدري إلى أي الدارين ينقل، حتى إذا نزل به الموت اشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من تفريطه حيث لم يقدم لحياته، فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له، دفعها باعتماده على العفو، وقال: قد أنبئنا بأنه هو الغفور الرحيم، وكأنه لم ينبأ بأن عذابه هو العذاب الأليم. ولما علم الموفقون لما خلقوا له, وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم، فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من بعض الغبن بيع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش، إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سر يوماً أحزن شهوراً. آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بخبيثات قذرات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، وحوراً مقصورات في الخيام بخبيثات سيبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل جبار عنيد. وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رءوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، لعل

стр. 11

مجالس رمضان_ دعاء تفريج الهم إن سعادة القلوب لا تكون إلا بتوحيد الله ، والتسليم بقضاء الله وقدره، فإذا أصاب عبداً هم أو غم أو حزن لجأ إلى الله داعياً متوسلاً بأسمائه، عاكفاً على قراءة القرآن، فكما أن القرآن ربيع القلوب، كذلك هو جلاء الأحزان وذهاب الغموم والهموم.

стр. 12

كيفية علاج القلب من الهم والغم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فقوله ﷺ : (ما أصاب عبداً قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم! إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً). هذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا كيف تعالج القلوب من الهم أو الغم أو الحزن، فالقلوب خلقت لمعرفة علام الغيوب وغفار الذنوب ؛ فهي لا تسعد إلا بتوحيد الله ؛ لأنها خلقت لمعرفة الله وتوحيده، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فكذلك قلوب العباد لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت بذلك فساداً لا يرجى له صلاح، حتى توحد ربها وتعرفه . قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). فالقلوب إذا علقت بغير الله ، وعبدت غيره شقي أصحابها في الدنيا والآخرة. والقلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، فهي لا تسعد إلا بالله ، ولا تطمئن إلا بذكره وعبادته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. فلما خلقت لتوحيد الله صار علاجها كذلك إذا أصابها شيء من الهم أو الغم أو الحزن. والهم: ما يصيب القلب عند انتظار مكروه في المستقبل. والغم: ما يصيب القلب عند المصيبة الحاضرة. والحزن: هو الأثر الباقي في القلب نتيجة لمصيبة ماضية. فإذا أصيبت القلوب بشيء من الهم أو الغم أو الحزن فعلاجها مركب من أمرين: الأمر الأول: هو توحيد الله . والأمر الثاني: هو التسليم بقضاء الله وقدره، والتسليم لشرع الله ، فيقول ﷺ : (ما أصاب عبداً قط هم ولا غم ولا حزن، فقال: اللهم! إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك)، فعلاج القلوب في التوحيد، وأن يقف العبد ذليلاً عند باب ربه العزيز، ويقول بأنه عبد وليس عبداً ابن سيد، ولكن العبودية متأصلة فيه، فهو عبد وابن عبد وابن أمة: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك). قوله: (ناصيتي بيدك) إقرار لله بالربوبية، فالله قهر جميع الخلق وأذل جميع الخلق: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، فالله تعالى يملك نواصي العباد وقاهر لكل العباد، ومذل لكل العباد كما يملك قلوب العباد، ولو شاء الله لأعطى كل نفس تقواها. قوله: (ماض فيَّ حكمك) تسليم للشرع المتين. قوله: (عدل فيَّ قضاؤك)، تسليم للقضاء والقدر.

стр. 13

أسماء الله الحسنى ومشروعية التوسل بها قوله: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) توسل مشروع بأسماء الله ، والأسماء الحسنى الله هو الذي سمى بها نفسه لكماله سبحانه، وقد عاب الله تعالى الآلهة الباطلة؛ لأنها احتاجت إلى من يسميها، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]، فاحتياج المخلوق إلى من يسميه نوع من الفقر، والله هو الغني ومن سوى الله فقير إليه، فالله تعالى هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء الحسنى واختارها لنفسه. قوله: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك)، أو: تفصيل بعد إجمال، فالله سمى نفسه بكل الأسماء الحسنى، فأنزل بعضها في بعض كتبه، وعلم بعضها بعض خلقه، واستأثر الله بعلم بعضها، وهذا موافق لما يجب اعتقاده من أن الله لا يحاط به علماً. فنحن لا نعلم كل أسماء الله الحسنى؛ وذلك لعظمته وكماله وجلاله، كما أن الله يُرى في الآخرة ولا يُدرك، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ولكن الإدراك فوق الرؤية كما قال الله حاكياً عن موسى وقومه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فلما حصلت الرؤية وتراءى الجمعان ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]؛ لأن الله وعده بأن يجعل له هو وهارون سلطاناً فلا يصلون إليهما، فهو يثق بوعد الله ويثق بنصره ، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. ولما سئل الحبر البحر ابن عباس عن قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقال للسائل: سوف أضرب لك مثلاً من خلقه، قال: أترى السماء؟ قال: نعم، قال: أفتدركها، قال: لا، قال: الله أعظم وأجل. فالسماء خلق من خلق الله ، ننظر إليها فنرى شيئاً من الكواكب غير الشمس والقمر، ولكن الإنسان ينظر إلى السماء ولا يحيط بها علماً فيعلم كل ما في السماء من أجرام وكواكب وشموس وأقمار وغير ذلك، فإذا كان خلق من خلق الله لا نستطيع أن ندركه، فكيف بالخالق الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وعلا فوق كل شيء . فالله له أسماء غير هذه الأسماء التي أشار إليها في الحديث الثابت في الصحيحين: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فالله له أسماء غير التسعة والتسعين، وهذا كما قال شيخ الإسلام شبيه بقول النبي ﷺ : (إن في الجنة مائة درجها أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، فمن بين درجات الجنة التي لا نعلم عددها مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض. كذلك من جملة الأسماء التي لا يعلم عددها ووصفها إلا الله تسعة وتسعين اسماً موجودة في الكتاب والسنة الصحيحة، من أحصاها قيل: حفظها، وقيل: أثنى على الله بها، وقيل: عمل بمقتضاها، فإذا قال: الرزاق وثق بالرزق، وإذا قال: التواب وثق بالتوبة وهكذا.

стр. 14

بيان تأثير القرآن في القلوب قوله: (أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا) الربيع: هو المطر، وحال القرآن مع القلوب كحال المطر مع الأرض، فالقرآن واحد ولكن القلوب تختلف، كما أن المطر ينزل واحداً ولكن الأرض تختلف، فهناك أرض طيبة تقبل الماء وتهتز وتربو وتنبت الكلأ والعشب والخيرات الكثيرة والثمار اليانعة، وهناك أرض تمسك الماء فينتفع الناس، وهناك أرض سبخة لا تمسك الماء ولا تنبت كلاً ولا عشباً. كذلك القلوب تختلف، فهناك قلوب طيبة عندما تسمع القرآن تثمر الثمار الطيبة والأعمال الصالحة، وهناك قلوب تعي وتحفظ القرآن، وتبلغه فينتفع الناس، وهناك قلوب لا تنتفع في نفسها ولا تنفع غيرها. قال: (وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً). فمن قال هذه الكلمات الطيبات من كلمات النبي عليه الصلوات أذهب الله عنه همه وغمه. فينبغي له أن يلجأ إلى هذه الأفكار الطيبة التي تعالج القلوب، وذلك بتجديد التوحيد والتسليم للشرع المجيد، فإنه سيجد بركة كلام النبي ﷺ في علاج كثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب وغيره وسيغنيه عن كثير من العقاقير أو العلاجات التي لا تزيد إلا هماً وغماً وحزنا، فالإنسان ينبغي له أن يعالج قلبه بالعلاجات القرآنية، وبالأحاديث النبوية؛ لأن القلوب لا تصلح إلا بذلك، فنسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يغفر ذنوبنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 15

مجالس رمضان_ شهر الاستغفار من فضل الله على عباده أن شرع لهم الاستغفار من ذنوبهم في كل وقت، وفي الأوقات الفاضلة لا سيما شهر رمضان، وقد حث الله على الاستغفار في كتابه، وجعل أسباباً للمغفرة، وشرع آداباً يتحلى بها المؤمن حال استغفاره ودعائه.

стр. 16

فضل الاستغفار وبيان أفضله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: هذا الشهر الكريم ليس شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن والدعاء فحسب، ولكنه كذلك شهر طلب المغفرة من الله ، قال النبي ﷺ : (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له)، فقد كثرت في هذا الشهر الكريم أسباب المغفرة، كما قال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، والمغفرة: هي ستر الذنوب مع محو عقوبتها. أي: أن الله يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا، ولا في عرصات القيامة، ويمحو عنه عقوبة هذه الذنوب. وقد أكثر الله من ذكر الاستغفار في كتابه، فتارة يمدح أهله، كما قال في وصف المحسنين: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]، وتارة يأمر به: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وتارة يخبر الله أنه يغفر لمن استغفره، فقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]. وحكم الاستغفار كحكم الدعاء، فهو سبب مقتضٍ للإجابة إذا توفرت الشرائط وانتفت الموانع، فكذلك الله يغفر لمن استغفره إذا توفرت شرائط المغفرة وانتفت الموانع. أفضل الاستغفار ما بدئ بحمد الله وتمجيده، واعتراف العبد بذنوبه، كما قال النبي ﷺ : (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). فهذا كان سيد الاستغفار؛ لأنه يشتمل على الاعتراف بنعم الله على العبد، وكذلك اعتراف العبد بذنوبه: (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي)، أي: واعترف بذنبي. وكما يقولون: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطاوعة عيب النفس والعمل؛ فينظر بإحدى عينيه إلى نعم الله عليه، وهذا يورثه كمال الحب لله ، وينظر بالعين الأخرى إلى عيوب نفسه وسيئات عمله فيورثه ذلك كمال الذل لله ، وهما شقا العبادة. وقالوا: العارف يخرج من الدنيا وما قضى وطره من شيئين: ثناؤه على ربه ، وبكاؤه على نفسه.

стр. 17

الدعاء مع الرجاء وكثرة الاستغفار من أعظم أسباب المغفرة روى الترمذي بسند حسن وحسنه الألباني ﵀ في الصحيحة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك. يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، فهذا الحديث يبين لنا ثلاثة أسباب من أعظم أسباب المغفرة. أما السبب الأول: فهو الدعاء مع الرجاء: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني)، وهو من أعظم أسباب المغفرة. السبب الثاني من أسباب المغفرة: كثرة الاستغفار، وهو طلب المغفرة من الله . قال الحسن: أكثروا من الاستغفار على موائدكم وفي طرقكم وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، وروي أن لقمان قال لابنه: يا بني! عود لسانك: اللهم اغفر لي. فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً، وقال علي ﵁: ما ألهم الله عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه؛ لأن الله إذا أراد لعبد خيراً فتح له باب الخير، فإذا أراد أن يغفر له ألهمه الاستغفار، فيستغفر العبد فيقبل الرب منه ويغفر له، كما إذا أراد الله أن يتوب على عبد يوفقه للتوبة ويقبل منه توبته. قال : ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، وإذا أراد الله أن يعطي عبداً مسألة يفتح عليه باب الدعاء بهذه المسألة، فيسأل العبد ربه فيقبل الرب منه ويعطيه سؤله، فالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، كذلك تقول عائشة ﵂: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. فينبغي للعبد أن يكثر من استغفار الله ، روى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (أنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، فهذا النبي ﷺ المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله في اليوم مائة مرة، وكان يقول: (توبوا إلى الله واستغفروه فوالله إني لأتوب إليه وأستغفره، في اليوم أكثر من سبعين مرة).

стр. 18

توحيد الله من أعظم أسباب المغفرة السبب الثالث وهو من أعظم أسباب المغفرة: توحيد الله : (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا؛ ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). يقول ابن القيم ﵀: يعفى لأهل التوحيد المحض الذين لم يشوبوه بشيء ما لا يعفى لغيرهم، فلو أتى الموحد الذي أخلص توحيده لله ربه بقراب الأرض خطايا لأتاه الله بقرابها مغفرة، ودل على ذلك أيضاً حديث البطاقة، كما قال النبي ﷺ : (يصاح على رجل من أمتي يوم القيامة فيقال: احضر وزنك، وينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر مليئة بالذنوب والخطايا، فتوضع في كفة، ويظن أنه هالك، فيؤتى له ببطاقة عليها لا إله إلا الله، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة). يقول ابن القيم: إن هذا الرجل حقق التوحيد، ووقع في ذنوب دون الشرك، فليست هذه بطاقة كل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، ولكن هذا الرجل قام بالتوحيد حق القيام، ووقع في ذنوب دون الشرك، فنجا ببركة التوحيد وفضله، فينبغي للعبد أن يخلص توحيده لله ، فالتوحيد هو الإكسير الأعظم الذي لو وضعت منه ذرة على جبال من الذنوب لنسفتها نسفاً، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. فينبغي للعبد أن يحقق التوحيد بقلبه وجوارحه، حتى يكون على رجاء المغفرة من الله . أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 19

مجالس رمضان_ شهر التوبة من فضل الله تعالى أن فتح باب التوبة للتائبين، ولقبول التوبة شروط، ولها علامات تدل على صحتها وعلامات تدل على عدم صحتها، وكل ذلك حري بالمسلم أن يعلمه ليبتغي مواضع الفضل فيه.

стр. 20

أهمية التوبة ودعوة الناس كافة إليها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فإن شهر رمضان هو شهر التوبة، فهو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، فالذي لا يستطيع أن يقهر نفسه ويطوعها لله في هذا الشهر الكريم وقد صفدت الشياطين فمتى يستطيع قهر نفسه؟ ومتى يستطيع إلزام نفسه بطاعة الله والاستقامة على طريقه سبحانه؟ والتوبة هي بداية الطريق ووسطه ونهايته، وبعد ما قدمه الصحابة الكرام من الإيمان والهجرة والجهاد والصبر أمرهم بالتوبة فقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فهذه الآية آية مدنية نزلت بعد الإيمان والهجرة والجهاد والصبر، أمرهم الله فيها بالتوبة وعلق فلاحهم بها، فقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، فقسم الله الناس إلى تائب وظالم، وليس ثم فريق ثالث: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]. وقد فتح الله هذا الباب العظيم -باب التوبة- وأمر جميع العباد بالولوج من هذا الباب، فأمر المنافقين بالولوج منه، كما أمر المشركين عامة، وأمر اليهود والنصارى، وأمر المسرفين على أنفسهم من أمة النبي ﷺ ومن غيرهم، كما أمر بذلك المؤمنين الصادقين، فالله دعا جميع العباد إلى التوبة وإلى الدخول من هذا الباب العظيم فقد دعا إلى ذلك المنافقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. كما دعا المشركين فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. كما دعا اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، والذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]. فقال بعد أن ذكر حالهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]. كما دعا إلى ذلك المسرفين على أنفسهم من أمة النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]. كما دعا المؤمنين الصادقين فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].

стр. 21

شرائط التوبة والتوبة لها شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب. الشرط الثاني: الندم على فعله. الشرط الثالث: العزم على عدم العودة. الشرط الرابع: رد المظالم. الشرط الخامس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه وقبل أن يغلق بابها. أما الإقلاع عن الذنب فتستحيل التوبة مع الاستمرار على الذنب، فيجب على العبد أن يقلع عن الذنب، والندم على فعله يدل على استقباح هذا الفعل، والندم توبة كما قال النبي ﷺ : (والذنب إما أن يحرق بنار الندم في الدنيا، أو يحرق بنار الآخرة). كذلك يعزم على ألا يعود عزماً صادقاً، واشترط بعض العلماء ألا يعود، ولكن الصحيح أن الذي يشترط هو العزم على ألا يعود، فكم من محب للصحة ويأكل ما يضره. الشرط الرابع: وهو رد المظالم كما قال النبي ﷺ : (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات) قبل أن يكون التعامل بالعملة الصعبة بالحسنات والسيئات. الشرط الخامس: وهو أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، وهو قبل أن تطلع الشمس من مغربها، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغرها). كذلك عندما يصل العبد إلى الحشرجة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، فساوى الله بين من يموت على الكفر، وبين من يتوب عند الموت في عدم قبول التوبة. قال الحسن: ابن آدم! لا يجتمع عليك حسرتان: سكرة الموت، وحسرة الفوت. أي: فوت التوبة. وقال بعض السلف منهم عمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]، قال: حيل بينهم وبين التوبة حين سألوها، فأكثر الناس يسوفون بالتوبة، ويؤجلونها إلى الوقت الذي لا تقبل فيه فيتوبون عند حشرجة الموت، وهو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فمن شروط صحة التوبة أن تقع في الوقت الذي تقبل فيه وقبل أن يغلق بابها.

стр. 22

علامات صحة التوبة وعدم صحتها هناك علامات للتهمة في التوبة، وعلامات لصحة التوبة، فمن علامات التهمة استمرار الغفلة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته. ومن علامات التهمة الاطمئنان والأمان، حتى كأنه أعطي منشوراً بالأمان، فالعبد قد تاب، ولكنه لا يدري هل قبلت توبته أم لا، وهل محيت حوبته أم لا. أما علامات الصحة فمن علاماتها: أن يستقيم العبد على طاعة الله ، كما قال الله : ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، فيكون حال العبد بعد التوبة غير حاله قبلها، فيستقيم على طاعة الله ، فالتوبة الصادقة هي التي يعقبها عمل صالح: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]. ومن علامات الصحة كذلك: أن يستمر العبد على الخوف؛ لأنه يعلم أنه قد تاب، ولكنه لا يدري هل قبل الله توبته أم لا، فهو على الخوف حتى تنزل عليه رسل تبشره بقول الله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، فهناك يزول خوفه. ومن علامات الصحة كذلك: أن يتقطع قلب العبد كما قال سفيان بن عيينة في قوله : ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠]، قال: تقطعها بالتوبة، والقلوب لا بد أن تتقطع إما بالتوبة في الدنيا، وإما يوم القيامة إذا حقت الحقائق وعاين الخلق ثواب المطيعين وعقاب العاصين. ومن علامات الصحة: كسرة تصيب قلب العبد وتطرحه على باب الله ذليلاً، ويكون حاله كحال عبد أبق من سيده بعد كثرة جناياته ومخالفاته، وهو يعلم أن منتهى سعادته في رضا سيده عنه، فأحيط به وأعيد إلى سيده، فما أحلى قوله عند ذلك: أسألك بقوتك وضعفي إلا رحمتني، أسألك بغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخائف الضرير، يا من ذل لك قلبه! وخشعت لك جوارحه! يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره فالبدار البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملاً يجاوز الأمر فيه مجهود الأطباء واختبارهم، فلا ينفع بعد ذلك نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وتحق الكلمة عليه أنه من أصحاب الجحيم. فالتوبة التوبة قبل أن يأتيكم من الموت النوبة، فلا تحصلوا إلا على الخسران والخيبة. الإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة. الإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة.

стр. 23

أقسام الناس في التوبة الناس في التوبة على أقسام: منهم من لا يتوب إلى الله ، بل يعيش حياة الغفلة والمعاصي حتى يموت على ذلك، فهو لم يقف يوماً في الصف، ولم يدخل بيت الله، ولم يقل: إياك نعبد وإياك نستعين، ولعله لا يدخل إلا مرة واحدة، ولا يدخل على قدميه، بل محمولاً على خشبته، ولا يدخل من أجل أن يصلي، بل من أجل أن يصلى عليه، ثم لا يعود بعد ذلك إلى المسجد مرة ثانية، فهذه حالة المصرين على المعاصي الذين يموتون على هذه الحال، نعوذ بالله من حال أهل البوار. القسم الثاني عباد الله! من يعرف ربه برهة من عمره وزماناً من دهره، ثم ينقلب -لعلم الله فيه- فيعمل بمعصية الله ويموت على ذلك. ما أصعب العمى بعد البصيرة، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقوى، كم من وجوه خاشعة ووقع على قصص أعمالها عاملة ناصبة! كم من قارب مركبه ساحل النجاة، فلما هم أن يرتقي لعب به موج فغرق! كل العباد تحت هذا الخطر (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. يقول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). وتقول السيدة عائشة ﵂: إن الرجل ليعمل زماناً بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، والعياذ بالله. القسم الثالث عباد الله! من يعمل بمعصية الله ، ثم يوفق إلى توبة نصوح، فيعمل بطاعة الله ، ويموت على ذلك، ومن هؤلاء من يتوب قبل موته بمدة مديدة، تؤهله لأن يصل إلى الدرجات، ومنهم من يتوب قبل موته بمدة يسيرة، فحسبه أن ينجو من اللفحات، وأن يدخل الجنات. قال النبي ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). بقي هنا قسم هو أشرف الأقسام، وهو حال نبينا محمد ﷺ وهو أن يعمل الرجل عمره كله بطاعة الله ، ثم ينبه إلى قرب أجله، فيجتهد في العمل، حتى يموت على عمل يصلح للقاء. لما نزل على النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، صار النبي ﷺ أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة، وكان لا يقوم ولا يقعد إلا قال: سبحان الله العظيم وبحمده يتأول القرآن. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 24

مجالس رمضان_ شهر الدعاء الدعاء من العبادات التي أمرنا الله تعالى بها، والمؤمن يتسلح بالدعاء دائماً، وكلما أكثر المؤمن من سؤاله لمولاه والتضرع بين يديه ودعائه له كان على خير كثير، وللدعاء آداب كثيرة، فحري بالمؤمن التأدب بهذه الآداب لعله يحوز استجابة دعائه.

стр. 25

فضل الدعاء وأهميته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: فهذا الشهر الكريم شهر رمضان ليس شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن فحسب، ولكنه كذلك شهر الدعاء؛ لأنه شهر تفتّح فيه أبواب السماء، وتفتّح فيه أبواب الرحمة، وتفتّح فيه أبواب الجنة، وقد ذكر الله في كتابه بعد آيات الصيام قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] فلا ينسى العبد نفسه من الدعاء في هذا الشهر الكريم، قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة، ثم تلا قوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠])، فسبحان الله العظيم ذو الكرم الفياض والجود المتتابع، جعل سؤال عبده لحوائجه وما يصلحه في الدنيا والآخرة عبادة، وأمر العبد به، واعتبر الذين لا يدعونه ولا ينزلون حوائجهم به مستكبرين، فقد أمر الله بالدعاء ووعد بالإجابة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، وقال النبي ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحي من الرجل إذا رفع يديه أن يردهما صفراً خائبتين)، وقال ﷺ : (لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد)، وقال ﷺ : (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخر له الأجر في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، فالله يقبل الدعاء، ولكن الصورة التي يقبل فيها الدعاء تختلف، فقد يجيب العبد إلى سؤاله، وقد يدّخر له أجراً في الآخرة، وقد يصرف عنه من البلاء والمصائب ما هو أعظم مما دعا به العبد. رأى أحد العلماء رجلاً يتردد على أحد الملوك، فقال له: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه، ويظهر لك فقره، ويخفي عنك غناه، وتدعُ من يفتح لك بابَه ويظهر لك غناه، ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. قال النبي ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه). قال الشاعر: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تُحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ فالله يغضب حين لا يسأله العبد، أما ابن آدم يغضب حين يُسأل؛ لأن الله ليس كمثله شيء وهو غني كريم يحب أن يتفضّل على عباده، يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه.

стр. 26

آداب الدعاء فالدعاء سبب مقتض للإجابة إذا توفّرت الشرائط وانتفت الموانع، وشرائط الدعاء هي آداب الدعاء. ومن آداب الدعاء: ١ - أن يدعو العبد ربه وهو موقن بالإجابة؛ لأن الله وعد بالإجابة، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. ٢ - أن يعظّم العبد الرغبة في الله ؛ لأن الله غني كريم، لو أعطى كل الخلق جميع ما يؤملونه لما نقص ذلك مما عند الله إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، فالعبد يطمع في الله ، وفي رحمته وكرمه. ٣ - ألا يعجل العبد، كما قال النبي ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فالعبد يطلب المسألة من الله مرة أو مرتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، ثم يترك الطلب ويترك الدعاء؛ لأنه لم يجد الإجابة على الصورة التي طلبها، فهذا يكون كالمبخِّل للرب الكريم الذي لا ينقصه العطاء، بل ينبغي على العبد أن يلازم الدعاء، ومن داوم طرق الباب يوشك أن يُفتح له، ويمثلون من يدعو بشيء معين ثم يترك الدعاء به بمن حرث الأرض وبذر البذر، وتعهّد الزرع بالخدمة، ثم استبطأ خروج الثمر فترك الزرع فأضاع مجهوده السابق، فينبغي للعبد أن يلازم المسألة. ٤ - أن يحسن الظن بالله ، فيقول: لعله يستجيب لي، أو يدّخر لي أجراً، أو لعله يصرف عني سوء، ويسيء الظن بنفسه فيقول: لعلي قاطع رحم، أو لعل مطعمي حرام أو مشربي حرام، فيراجع نفسه ويراجع عبادته مع الله . ٥ - أن يلح العبد في الدعاء، (كان النبي ﷺ إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سلّم سلّم ثلاثاً). ٦ - أن يتخير العبد الأوقات والأحوال والدعوات. يتخير الأوقات كيوم عرفة من أيام السنة، وليلة القدر من بين الليالي، والثلث الأخير من الليل، وأن يتحرى ساعة الجمعة، والراجح أنها آخر ساعة من بعد عصر يوم الجمعة أي: قبل المغرب، وقيل: هي ساعة صعود الخطيب المنبر إلى حين ينزل. أيضاً الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد. ويتخير الأحوال كحال نزول المطر؛ لأن الله قرن نزول المطر بالرحمة فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]، وحال السجود، لقوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) أي: جدير أن يستجاب لكم. كذلك عند زحف الصفوف لرفع راية الله وإعلاء كلمته ، يقولون: شرف الحال لشرف الوقت، فيوم عرفة يوم تكثر فيه الأسئلة على الله ويكثر فيه الدعاء، والله ليس كمثله شيء، فترجى الإجابة عند كثرة المسائل، كذلك عند ساعة الجمعة ترتفع الأيدي وتُظهر شعيرة الجمعة فعند ذلك يُرجى قبول الدعاء. ينبغي أن يتخير العبد كذلك الدعوات القرآنية أو ما ثبت في السنة عن النبي ﷺ ، ولا يتكلّف السجع في الدعاء. ٧ - أن يطيّب العبد مطعمه، قال النبي ﷺ : (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذي بالحرام، فإنى يُستجاب لذلك؟) فالله ما فرّق بين الرسل الكرام وبين عامة المسلمين في الأمر بالأكل من الحلال الطيب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، ودعوة المسافر مستجابة للمشقة التي يجدها ولكسرة قلبه، والله يقبل دعاء المنكسرة قلوبهم إذا مدوا أيديهم، ورفع اليدين متواتر في الدعاء يقول: يا رب يا رب، وفي هذا إلحاح على الله باسم الربوبية، وهذا أيضاً من آداب الدعاء. ٨ - أن يبدأ دعاءه بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي ﵌، والدعاء للنبي ﷺ ، ثم يدعو ويختم كذلك بالحمد والثناء والصلاة على رسول الله. (رأى النبي ﷺ رجلاً يدعو لم يحمد الله ولم يصل على نبيه ﷺ فقال: عجّل هذا، ثم دعاه وقال له ولغيره: إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الرب جل وعلا، ويثني بالصلاة على نبيه ﷺ . ٩ - أدب الباطن وهو التوبة والاستجابة لله ، فمن أراد أن يستجيب الله له فينبغي أن يستجيب لله ، كما قال تعال

стр. 27

مجالس رمضان_ شهر الذكر الذكر من أفضل القربات إلى الله ، وقد مدح الله تعالى الذاكرين كثيراً وأثنى عليهم ثناءً عظيماً، فالذكر من خير الأعمال وأفضلها عند الله وأزكاها، وللذكر فضائل كثيرة وفوائد عظيمة ينالها الذاكرون الله كثيراً والذاكرات.

стр. 28

تعريف الذكر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: شهر رمضان هو شهر الذكر؛ فإن أفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله ، وأفضل المجاهدين أكثرهم ذكراً لله ، وأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله . والذكر: هو منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو الباب المفتوح بين العبد وبين ربه ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن؛ فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق. في كل جارحة من جوارح العباد عبودية مؤقتة، والذكر هو عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة، بل أمروا بذكر معبودهم ومحبوبهم قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. ومدح الله الذاكرين والذاكرات، وأعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

стр. 29

فوائد الذكر ذكر العلامة ابن القيم في كتابه القيم الوابل الصيب من الكلم الطيب أكثر من سبعين فائدة من فوائد الذكر: فمن ذلك: أنه يرضي الرحمن ، وأنه يقمع الشيطان ويكسره، وأنه يوصل إلى درجة المراقبة والإحسان، ولا يمكن للعبد أن يصل إلى درجة الإحسان بغير ذكر الله ، كما أن القاعد لا يمكن أن يصل إلى بيته، كذلك من قعد عن ذكر الله لا يمكن أن يصل إلى درجة الإحسان. قال شيخ الإسلام: والذكر للقلب كالماء للسمك. فانظر كيف يكون حال السمك إذا أخرج من الماء؟! والذكر علاج قسوة القلب. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! أشكو إليك قسوة قلبي. قال: أذبه بالذكر. وشكوا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قسوة قلوبهم. قالت: ادنوه من الذكر. أي: قربوه من الذكر، فالذكر يلين القلب القاسي. ومن فضائل الذكر وفوائده: أنه يورث ذكر الله ، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وكما في الحديث القدسي: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم). ومن ذلك: أن الجبال والقفار تتباهى إذا مر عليها ذاكر لله ، كما في بعض الآثار: إن الجبل لينادي الجبل باسمه فيقول له: هل مر عليك اليوم ذاكر لله ؟ فإن قال: نعم استبشر. ومن ذلك: أنه ليس هناك عمل يورث حلاوة العبادة مثل ذكر الله ، كما قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله . والله تعالى لم يحرم أهل الجنة من نعيم الذكر فدعواهم فيها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، مع أن الجنة دار نعيم وليست دار تكليف، ولكن لما كان الذكر من أعظم نعيم الدنيا لم يحرم أهل الجنة من هذا النعيم. وكثرة الذكر أمان من النفاق؛ فإن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، ولذلك لما سئل علي ﵁ عن الخوارج أمنافقون هم؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وكان الخوارج معروفين بكثرة الذكر، وكان الذي يمر بمعسكرات الخوارج يسمع تلاوة القرآن كطنين النحل. قال بعض العلماء: ختم الله سورة المنافقون بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]، فالذكر أمان من النفاق. ومن فوائد الذكر كذلك أنه أمان من نسيان العبد لنفسه، فإذا نسى العبد ربه أنساه الله نفسه، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، والنسيان يأتي بمعنى: الترك، فالله ليقسم لهم من توفيقه ولا يقسم لهم في الآخرة من رحمته، وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فمن نسى ذكر الله أنساه الله نفسه فينسى أن يصلح نفسه وأن يقدم لحياته، ويكون حاله كحال من عنده زرع أو ماشية وما لا صلاح له إلا بالتعهد والعناية والرعاية فينساه فيهلك ولابد. ومن فوائد الذكر كذلك: أنه غراس الجنة، كما أخبر الخليل إبراهيم ﵇ محمداً ﷺ فقال: (أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وقال النبي ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة). ومن فوائد الذكر كذلك أنه يورث صلاة الله على العبد، كما قال رجل لـ أبي أمامة: رأيت الملائكة تصلي عليك إذا دخلت وإذا خرجت، فقال: وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٣]. ومن فوائد الذكر كذلك: أنه يغني عن غيره من نوافل العبادات حيث لا تغني جميع النوافل عن ذكر الله كما في الأثر: إذا أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم بالمال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله . وقال ابن مسعود ﵁: لأن أسبح الله تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ، ولما ذهب وفد الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: (ذهب أصحاب الدثور بال

стр. 30

مجالس رمضان_ شهر القرآن وصف الله شهر رمضان بأنه شهر القرآن، وهذا يدل على فضل القرآن في هذا الشهر، ومدى ارتباطه به، فشهر منوط بكلام الله حري بالمؤمن أن يعتني به، وأن يستغله في فهم كتاب الله تعالى وكثرة تلاوته فيه مع التدبر والتعقل، ثم إتباع ذلك بالعمل.

стр. 31

خصوصية شهر رمضان بالقرآن إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فشهر رمضان ليس شهر الصيام والقيام فحسب، ولكنه كذلك شهر القرآن، فله خصوصية بالقرآن، قال الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، فأنزل القرآن الكريم جملة في هذا الشهر المبارك، وفي ليلة مباركة وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:١ - ٤]. فالله أنزل هذا القرآن قيل: جملة واحدة، في مكان يسمى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجماً على قلب رسول الله ﷺ . وقيل: ابتدأ نزول القرآن في ليلة القدر من رمضان، والقرآن كله يسمى قرآناً، والآية الواحدة تسمى قرآناً. وقيل: ابتدأ نزول القرآن في هذا الشهر المبارك، وفي الليلة المباركة ليلة القدر، فالشهر له خصوصية بالقرآن. وروى الشيخان من حديث ابن عباس: (كان النبي ﷺ يعارض جبريل القرآن كل ليلة في رمضان). فكان يعرض القرآن على جبريل ﵇، وعارضه القرآن مرتين في السنة الأخيرة من عمره ﷺ ، وأسر إلى فاطمة الزهراء بحديث فبكت ﵂، ثم أسر إليها بحديث آخر فضحكت، فلما سألت عائشة ﵂ فاطمة الزهراء عما أسر به رسول الله ﷺ إليها قالت: (ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، فلما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، أخبرت بأن النبي ﷺ أخبرها بأن جبريل كان يعارضه القرآن مرة واحدة، وأنه في هذه السنة عارضه القرآن مرتين، وقال: ما أرى ذلك إلا لقرب أجلي، فبكت فاطمة ﵂، ثم أسر إليها بأنها أول أهله لحوقاً به فضحكت ﵂، وتوفيت فاطمة الزهراء بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فكانت أول أهله لحوقاً به). فهذا الشهر له خصوصية بالقرآن. كان الإمام مالك إذا دخل الشهر الكريم يترك الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على قراءة القرآن من المصحف. وكان سفيان الثوري يقول: إنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن، فينبغي على المسلم أن يتأسى برسول الله ﷺ ، وأن يدارس القرآن من هو أحفظ له منه في هذا الشهر المبارك. وكان من السلف من يختم القرآن كل عشرة أيام، ومنهم من يختم كل سبعة أيام، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، ورخص بعض العلماء في أن يختم القرآن في أقل من ثلاث في رمضان، لخصوصية يعني هذا الشهر الكريم بالقرآن. والقرآن جعله الله هدى للمتقين كما أخبر الله . والمؤمنون يزدادون إيماناً بسماع القرآن، ولا يزداد الذين في قلوبهم مرض إلا شكاً واضطراباً، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. فمقياس الإيمان الصحيح والصدق في الإيمان أن المسلم عندما يسمع القرآن يزداد إيماناً. وكما قال الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. فأهل الإيمان الذين في قلوبهم صدق وإيمان ومحبة وإخلاص لله عندما يستمعون للقرآن يزدادون إيماناً، والذين في قلوبهم ريب وشكوك ونفاق لا يزدادون إلا شكاً واضطراباً، فهذا القرآن هدى للمتقين، والله جعله شفاء لما في الصدور. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]. فهو شفاء لما في الصدور.

стр. 32

أنواع الأمراض وعلاج القرآن لها والقلوب تصاب بنوعين من الأمراض: أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات. الأول: أمراض الشبهات كما قال الله : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]. قال مجاهد وغيره: شك، فالمرض هنا: هو الشك، أي: عندهم شك في صدق القرآن وفي وعد الله ، وفي صدق رسول الله ﷺ . والنوع الثاني من الأمراض: أمراض الشهوات، كما قال الله آمراً أمهات المؤمنين وبالأولى نساء الأمة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. فالمرض هنا هو مرض الشهوة؛ لأن المريض يضره ما لا يضر السليم، والسليم يدفع بصحته وسلامته أضعاف ما يمكن أن يتحمله المريض. فالقرآن يعالج أمراض الشبهات ويعالج أمراض الشهوات يعالج أمراض الشبهات بما فيه من أدلة قطعية وبراهين ساطعة، كما قال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، قيل: نزلت هذه الآية في أحد الكفار، أتى بعظمة بالية ففركها ونفخها وقال لرسول الله ﷺ : (أويحيي هذا الله بعد أن رم؟ قال: نعم، ويدخلك النار). أي: بعد أن صار رميماً وتراباً قال: (نعم ويدخلك النار). ونزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، أي: نسي هذا الكافر الجاحد أن الله خلق الإنسان ولم يكن قبل ذلك شيئاً مذكوراً، فالذي يأتي إلى عمارة أو إلى منزل ويقول: لو سقط هذا المنزل لا يستطيع أحد أن يقيمه مرة ثانية، لاتهمه الناس بالخبل؛ لأن الذي أقامه في المرة الأولى قادر ولا شك على إقامته في المرة الثانية، وهو أهون عليه، أي: أسهل عليه، وكل شيء هين على الله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]. فإماتة الخلق جميعاً وإحياء الخلق جميعاً سهل وهين على الله ، كإماتة نفس وإحياء نفس، فكل شيء هين على الله . فعندما يسمع الإنسان هذه الآية الكريمة فإن أي شك في نفسه من البعث لا بد وأن يذهب، ولا بد أن يطمئن إلى صدق الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. أما علاج القرآن لأمراض الشهوات فيكون بالتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، فعندما نقرأ القرآن لا نجده يحدثنا عن المشاكل الحياتية اليومية التي نعيشها، بل يأتي على الدنيا فينسفها نسفاً: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]، فالقرآن يأتي على الدنيا فينسفها نسفاً ويصور لنا الآخرة أنها هي الحياة الباقية: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]. فعندما يسمع المسلم القرآن أو يقرأ القرآن لا بد أنه يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير. فبذلك يعالج القرآن أمراض الشبهات وأمراض الشهوات؛ ولذلك عندما نستمع للقرآن نجد راحة في قلوبنا، ونجد اطمئناناً في نفوسنا؛ لأن القرآن يزيل الشبهات والشهوات من القلوب، وعندما تستريح القلوب من الشبهات والشهوات لا بد أن تطمئن، وأن تسعد وتفرح بالله . قال الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. فنسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم لتلاوة القرآن وتدبره، والاتعاظ بمواعظه، والقيام به بالليل، والعمل به بالنهار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 33

مجالس رمضان_ طريق الولاية ولاية الله تعالى منزلة سامية لا يصل إليها إلا من آمن بالله حق إيمانه وحقق تقوى الله في السر والعلن، وقد آذن الله بمحاربة من حارب أولياء الله، ووعد أولياءه الصالحين بمحبته لهم وقربه منهم وإجابة سؤالهم واستجابة دعائهم.

стр. 34

حديث: (من عادى لي ولياً) أشرف حديث في شأن الولاية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: روى البخاري في أصح كتب السنة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته). فهذا الحديث كما قيل فيه: هو أشرف حديث في شأن الولي، فقد بدأ الحديث بإعلان الحرب من الله على من عادى ولياً من أولياء الله ، فقال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، أي: فقد أعلمته بأنني محارب له، حيث أنه كان محارباً لي بمعاداته ولياً من أوليائي، فأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، وأعداء الله تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم.

стр. 35

صفات أولياء الله وخصائصهم وولي الله -كما قال الحافظ ابن حجر - هو القائم بطاعته، المخلص في عبادته. فكل إنسان قائم بطاعة الله ، مخلص في عبادته فهو ولي من أولياء الله . وذكروا في صفات الولاية: أن يكون مستجاب الدعوة، راضياً عن الله في كل حال، مكثراً من طاعة الله مشغولاً بها غير منشغل بالتكاثر من أعراض الدنيا، إذا وصل إليه القليل صبر، وإذا وصل إليه الكثير شكر، يستوي عنده المدح والذم، والظهور والخمول، والفقر والغنى، لأنه يرجو وجه ربه الأعلى لا يرجو وجوه الناس، حسن الصحبة، كثير الحلم، عظيم الاحتمال، كلما زاده الله عزاً ازداد في نفسه تواضعاً وخضوعاً، فيكون مستجاب الدعوة في منزلة تؤهله إلى أنه إذا دعا الله أجابه، وإذا استعاذ بالله أعاذه. قال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله .

стр. 36

من قصص وكرامات الأولياء إن من وهب له هذه المواهب الجليلة، ومن تخلق بهذه الأخلاق العظيمة، لا نستكثر أن تجري على يده خارقة من الخوارق الرحمانية، وقد ثبتت الخارقة بالكتاب والسنة، كما في القرآن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، كما ذكر المفسرون كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، ومريم لم تكن نبية، وإنما كانت من الأولياء. كذلك قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فهذه كرامة، حيث أنامهم الله ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله . وفي الصحيح أن قصعة الصديق كلما أكلوا منها ربى من أسفلها أكثر منها، حتى أطعم منها النبي ﷺ الجيش، فالكرامة ثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة. وقد ورد عن السلف كرامات لا نجزم بصحة جميعها، ولكن وجود الأدلة عليها وثبوت هذه الأدلة يجعلنا نستأنس بهذه الروايات، فيروى أن سعد بن أبي وقاص -وكان مستجاب الدعوة- دعا على امرأة كذبت عليه أن تعمى وأن تموت في أرضها، فعميت ووقعت في حفيرة في أرضها فماتت. ودعا على الرجل الذي قال بأنه لا يحكم بالسوية، ولا يسير خلف السرية، فدعا عليه بأن يطيل الله عمره، وأن يعظم فقره، وأن يعرضه للفتن، فصار شيخاً كبيراً سقط حاجباه يتعرض للجواري في السكك، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. ويروى أن صلة بن أشيم أحد العباد التابعين، ماتت فرسه في الغزو، فقال: اللهم! لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحيا له فرسه، فلما عاد إلى بيته قال لابنه: انزع السرج؛ فإن الفرس عارية، فنزع السرج فماتت الفرس. ويروى أن الحسن البصري دعا على رجل وقال: إن كنت كاذباً فجعل الله حتفك. فمات الرجل في مكانه. وأيضاً يروى أن زنيرة وكانت ممن عذب بمكة ذهب بصرها من تعذيب المشركين لها، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله! ودعت الله فرد الله عليها بصرها. كذلك يروى أن أبا مسلم الخولاني -وكان أحد أئمة التابعين- ألقي في النار، فوجد في النار قائماً يصلي، فقال فيه عمر ﵁: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من صنع به كما صنع بإبراهيم. فالعبد لا يصل إلى هذه الدرجة العالية من إجابة الدعوة، إلا ويصل معها إلى درجات عالية من محبة الله والرضا به، كما يروى أن سعد بن أبي وقاص كان معروفاً بإجابة الدعوة، فذهب بصره في آخر عمره، فقيل له: ألا دعوت لبصرك؟ فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري. ويروى أن سعيد بن جبير عذبه الحجاج حتى قتله، وكان يمكن أن يدعو على الحجاج؛ لأنه كان مستجاب الدعوة ولكنه لم يفعل، فقد كان له ديك يوقظه للصلاة، فتأخر الديك يوماً عن الصياح فقال: ما له قطع الله صوته؟ فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: لا تدع على شيء بعدها أبداً. فدعا سعيد بأن يكون آخر من يقتله الحجاج، فكان كذلك، فقد مات الحجاج بعده بمدة يسيرة.

стр. 37

شرح حديث: (من عادى لي ولياً) فنحن لا نستكثر هذه الكرامة، أو الخارقة الرحمانية على من وصف بهذه الصفات السالفة، وليست كل خارقة كرامة، وليس كل من أتت على يده خارقة من الخوارق نشهد بأنه ولي من أولياء الله، فالخارقة قد تكون خارقة رحمانية، وقد تكون خارقة شيطانية، والمقياس الذي نرجع إليه هو مقياس الكتاب والسنة، فلا بد أن يقاس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، فيمكن أن تأتي الكرامة على يد مبتدع أو فاسق أو غير معروف بالصلاح، فلا بد أن يقاس نفس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، وأن تقاس نفس الخارقة بمقياس الكتاب والسنة. ولا شك أن أفضل الأولياء هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولو العزم وهم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم. وأفضل هؤلاء جميعاً نبينا محمد ﷺ ويليه في المرتبة إبراهيم الخليل، وقد رتب الحافظ ابن كثير أن بعد الخليل إبراهيم موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، ولم يرتب العلماء بين نوح وبين عيسى أيهما أفضل؟ فهؤلاء الخمسة أولوا العزم من الرسل هم أفضل الرسل والأولياء، وقد ذكرهم الله في آيتين من كتابه. ثم يبين الحديث بعد ذلك كيف تكون ولاية الله ، وكيف يترقى العبد في درجات الولاية؟ فيقول: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فينبغي أن يبدأ العبد بالفرائض، فكما قيل في الأثر: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وحسن النية فيما عند الله ، فينبغي على العبد أن يبدأ بالفرائض؛ لأنها أكثر تقريباً وتحبيباً لله . فمن أراد طريق الولاية فليبدأ بالفرائض، ويراجع نفسه، فيؤدي الصلاة في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الجماعة وفي أول الوقت، ويتم الركوع والسجود والخشوع، ويصوم الشهر كما شرع الله ، ويحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلاً، ويخرج زكاة ماله إن كان عنده مال تجب فيه الزكاة، فيراجع العبد الواجبات التي افترضها الله عليه، ويدخل فيها الواجبات التركية، كترك الغيبة والنميمة والغش والزنا، وشرب الخمر وغير ذلك، وهي من باب أولى كما قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا). ويأتي بحد الاستطاعة في الأوامر دون النواهي، فينبغي على العبد أن يكمل الفرائض أولاً؛ لأنها رأس المال، ثم بعد ذلك يتحبب ويتقرب بكثرة النوافل، وفي الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، والنوافل هي ما عدا الفرائض من أجناس الطاعات، فلو جمعنا كل ما يحبه الله ويرضاه واستثنينا من ذلك الفرائض فما بقي فهو النوافل. قال العلماء: ما بال النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض؟ وأجابوا بأن العبد يفعل الفريضة مخافة العقوبة ورجاء الأجر، أما النافلة فيفعلها بنية التحبب والتقرب إلى الله ، فلما خلصت النية في النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض. فالعبد ينبغي عليه أن يستكمل الفرائض، ثم يفتح على نفسه أبواب النوافل، وهي كثيرة متنوعة بحسب اختلاف استعدادات الناس وقابليتهم، فهناك نوافل في الصلاة: كالسنن الرواتب وهي اثنا عشر ركعة، كما قال ابن عمر ﵄: (حفظت عن رسول الله ﷺ أربعاً قبل الظهر، واثنان بعد الظهر، واثنان بعد المغرب، واثنان بعد العشاء، واثنان قبل الصبح). وورد في فضل هذه النوافل حديث أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى في يوم وليلة اثنا عشر سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة). ومن نوافل الصلاة: قيام الليل، قال ﷺ : (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل) كما ورد في صحيح مسلم. ومن نوافل الصلاة: صلاة الضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، ومطلق التنفل بالصلاة في غير أوقات الكراهة. وهناك نوافل الصيام: كصيام ست من شوال، وصيام الإثنين والخميس، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وهو أحب الصيام إلى الله ، وهو صيام داود ﵇. وهناك نوافل الإنفاق في سبيل الله ، ونوافل الذكر، ونوافل الحج والعمرة بعد أداء الواجب، فالمسلم بعد أن يستكمل الفرائض يبدأ يتحبب ويتقرب بالنوافل حتى يصل إلى محبة الله ، كما جاء في الحديث: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) وفي بعض الروايات: (ورجله التي يمشي بها). قال الحافظ: وقد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ويده ورجله؟ ثم أورد سبعة أوجه في تفسير هذا الجزء من الحديث القدسي، وأقرب هذه الأوجه للصواب أن العبد بكليته يكون مشغولاً بالله ، فإذا سمع سمع ما يرضي الله، وإذا أبصر أبصر ما يرضي الله، وإذا مد يده فبط

стр. 38

مجالس رمضان_ فضائل شهر الصيام جعل الله تعالى أوقاتاً ومواسم للخيرات، يزيد فيها الأجور، ويضاعف فيها الحسنات، رحمة منه بعباده وتفضلاً منه تعالى عليهم، ثم دعاهم سبحانه إلى اغتنام هذه الأوقات والمبادرة بالأعمال الصالحة فيها، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك، فهو غنيمة المسلم وفرصته التي يتزود فيها بما يقربه إلى ربه ويوصله إلى مرضاته.

стр. 39

الحث على اغتنام شهر رمضان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد: يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة! يا من دامت خسارته! قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح. عباد الله! هبّت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب، وسعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح، ووصلت البشارة للمذنبين بالعفو، وللمنقطعين بالوصل، وللمستوجبين النار بالعتق. لما سلسل الشيطان في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فلم يبق للعاصي عذر. يا غيوم الغفلة! عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان! اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين! ارتفعي، يا عيون المتهجدين! لا تهجعي، يا أقدام المتهجدين! اسجدي لربك واركعي، يا ذنوب التائبين! لا ترجعي، يا أرض الهوى! ابلعي ماءك، ويا سماء النفوس أقلعي، يا همم العارفين! ارتعي، يا قلوب المحبين! بغير الله لا تقنعي. قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوّام، فما منكم أحد إلا وقد دعي، ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن صُد عن الباب وما دُعي.

стр. 40

فضل شهر رمضان عباد الله! قد أظلنا شهر كريم مبارك، شهر تفتّح فيه أبواب الجنان فلا يُغلق منها باب، وتُغلّق فيه أبواب الجحيم فلا يُفتح منها باب، وتسلسل فيه الشياطين. شهر تفتّح فيه أبواب السماء، وتفتّح فيه أبواب الرحمة، قال النبي ﷺ : (إذا دخل رمضان فُتّحت أبواب الجنة)، وفي رواية (فُتّحت أبواب الرحمة)، وفي رواية: (فُتّحت أبواب السماء، وغُلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين، ونادى مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر) فكيف لا يفرح المسلمون بفتح أبواب الجنة وأبواب السماء وأبواب الرحمة؟ وكيف لا يفرحون بغلق أبواب جهنم وبتصفيد الشياطين؟ وينادي مناد في كل يوم من هذا الشهر الكريم: يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر، فتجدون أهل الخير والصلاح أشد اجتهاداً في طاعة الله ، وفي طلب مرضاته في هذا الشهر الكريم، وتجدون أهل الشر والفساد تقل غوايتهم وشرهم، فيزداد أهل الإيمان إيماناً وإقبالاً على الله وطاعة له ، وتقل غواية أهل الغي والفساد. فهو شهر كريم عباد الله، موسم من مواسم المغفرة والرحمة، مدرسة ربانية رحمانية تفتح أبوابها كل عام، يتدرب فيها العباد على تقوى الله وعلى طاعته ؛ لعلهم عندما ينسلخ الشهر الكريم يصيرون من المتقين ومن عباد الله الصالحين.
следующие страницы →