Полный текст (77 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من قصص وكرامات الأولياء
إن من وهب له هذه المواهب الجليلة، ومن تخلق بهذه الأخلاق العظيمة، لا نستكثر أن تجري على يده خارقة من الخوارق الرحمانية، وقد ثبتت الخارقة بالكتاب والسنة، كما في القرآن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، كما ذكر المفسرون كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، ومريم لم تكن نبية، وإنما كانت من الأولياء.
كذلك قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فهذه كرامة، حيث أنامهم الله ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله .
وفي الصحيح أن قصعة الصديق كلما أكلوا منها ربى من أسفلها أكثر منها، حتى أطعم منها النبي ﷺ الجيش، فالكرامة ثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة.
وقد ورد عن السلف كرامات لا نجزم بصحة جميعها، ولكن وجود الأدلة عليها وثبوت هذه الأدلة يجعلنا نستأنس بهذه الروايات، فيروى أن سعد بن أبي وقاص -وكان مستجاب الدعوة- دعا على امرأة كذبت عليه أن تعمى وأن تموت في أرضها، فعميت ووقعت في حفيرة في أرضها فماتت.
ودعا على الرجل الذي قال بأنه لا يحكم بالسوية، ولا يسير خلف السرية، فدعا عليه بأن يطيل الله عمره، وأن يعظم فقره، وأن يعرضه للفتن، فصار شيخاً كبيراً سقط حاجباه يتعرض للجواري في السكك، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.
ويروى أن صلة بن أشيم أحد العباد التابعين، ماتت فرسه في الغزو، فقال: اللهم! لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحيا له فرسه، فلما عاد إلى بيته قال لابنه: انزع السرج؛ فإن الفرس عارية، فنزع السرج فماتت الفرس.
ويروى أن الحسن البصري دعا على رجل وقال: إن كنت كاذباً فجعل الله حتفك.
فمات الرجل في مكانه.
وأيضاً يروى أن زنيرة وكانت ممن عذب بمكة ذهب بصرها من تعذيب المشركين لها، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله! ودعت الله فرد الله عليها بصرها.
كذلك يروى أن أبا مسلم الخولاني -وكان أحد أئمة التابعين- ألقي في النار، فوجد في النار قائماً يصلي، فقال فيه عمر ﵁: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من صنع به كما صنع بإبراهيم.
فالعبد لا يصل إلى هذه الدرجة العالية من إجابة الدعوة، إلا ويصل معها إلى درجات عالية من محبة الله والرضا به، كما يروى أن سعد بن أبي وقاص كان معروفاً بإجابة الدعوة، فذهب بصره في آخر عمره، فقيل له: ألا دعوت لبصرك؟ فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري.
ويروى أن سعيد بن جبير عذبه الحجاج حتى قتله، وكان يمكن أن يدعو على الحجاج؛ لأنه كان مستجاب الدعوة ولكنه لم يفعل، فقد كان له ديك يوقظه للصلاة، فتأخر الديك يوماً عن الصياح فقال: ما له قطع الله صوته؟ فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: لا تدع على شيء بعدها أبداً.
فدعا سعيد بأن يكون آخر من يقتله الحجاج، فكان كذلك، فقد مات الحجاج بعده بمدة يسيرة.
стр. 37
شرح حديث: (من عادى لي ولياً)
فنحن لا نستكثر هذه الكرامة، أو الخارقة الرحمانية على من وصف بهذه الصفات السالفة، وليست كل خارقة كرامة، وليس كل من أتت على يده خارقة من الخوارق نشهد بأنه ولي من أولياء الله، فالخارقة قد تكون خارقة رحمانية، وقد تكون خارقة شيطانية، والمقياس الذي نرجع إليه هو مقياس الكتاب والسنة، فلا بد أن يقاس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، فيمكن أن تأتي الكرامة على يد مبتدع أو فاسق أو غير معروف بالصلاح، فلا بد أن يقاس نفس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، وأن تقاس نفس الخارقة بمقياس الكتاب والسنة.
ولا شك أن أفضل الأولياء هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولو العزم وهم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم.
وأفضل هؤلاء جميعاً نبينا محمد ﷺ ويليه في المرتبة إبراهيم الخليل، وقد رتب الحافظ ابن كثير أن بعد الخليل إبراهيم موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، ولم يرتب العلماء بين نوح وبين عيسى أيهما أفضل؟ فهؤلاء الخمسة أولوا العزم من الرسل هم أفضل الرسل والأولياء، وقد ذكرهم الله في آيتين من كتابه.
ثم يبين الحديث بعد ذلك كيف تكون ولاية الله ، وكيف يترقى العبد في درجات الولاية؟ فيقول: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فينبغي أن يبدأ العبد بالفرائض، فكما قيل في الأثر: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وحسن النية فيما عند الله ، فينبغي على العبد أن يبدأ بالفرائض؛ لأنها أكثر تقريباً وتحبيباً لله .
فمن أراد طريق الولاية فليبدأ بالفرائض، ويراجع نفسه، فيؤدي الصلاة في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الجماعة وفي أول الوقت، ويتم الركوع والسجود والخشوع، ويصوم الشهر كما شرع الله ، ويحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلاً، ويخرج زكاة ماله إن كان عنده مال تجب فيه الزكاة، فيراجع العبد الواجبات التي افترضها الله عليه، ويدخل فيها الواجبات التركية، كترك الغيبة والنميمة والغش والزنا، وشرب الخمر وغير ذلك، وهي من باب أولى كما قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا).
ويأتي بحد الاستطاعة في الأوامر دون النواهي، فينبغي على العبد أن يكمل الفرائض أولاً؛ لأنها رأس المال، ثم بعد ذلك يتحبب ويتقرب بكثرة النوافل، وفي الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، والنوافل هي ما عدا الفرائض من أجناس الطاعات، فلو جمعنا كل ما يحبه الله ويرضاه واستثنينا من ذلك الفرائض فما بقي فهو النوافل.
قال العلماء: ما بال النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض؟ وأجابوا بأن العبد يفعل الفريضة مخافة العقوبة ورجاء الأجر، أما النافلة فيفعلها بنية التحبب والتقرب إلى الله ، فلما خلصت النية في النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله دون الفرائض.
فالعبد ينبغي عليه أن يستكمل الفرائض، ثم يفتح على نفسه أبواب النوافل، وهي كثيرة متنوعة بحسب اختلاف استعدادات الناس وقابليتهم، فهناك نوافل في الصلاة: كالسنن الرواتب وهي اثنا عشر ركعة، كما قال ابن عمر ﵄: (حفظت عن رسول الله ﷺ أربعاً قبل الظهر، واثنان بعد الظهر، واثنان بعد المغرب، واثنان بعد العشاء، واثنان قبل الصبح).
وورد في فضل هذه النوافل حديث أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى في يوم وليلة اثنا عشر سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة).
ومن نوافل الصلاة: قيام الليل، قال ﷺ : (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل) كما ورد في صحيح مسلم.
ومن نوافل الصلاة: صلاة الضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، ومطلق التنفل بالصلاة في غير أوقات الكراهة.
وهناك نوافل الصيام: كصيام ست من شوال، وصيام الإثنين والخميس، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وهو أحب الصيام إلى الله ، وهو صيام داود ﵇.
وهناك نوافل الإنفاق في سبيل الله ، ونوافل الذكر، ونوافل الحج والعمرة بعد أداء الواجب، فالمسلم بعد أن يستكمل الفرائض يبدأ يتحبب ويتقرب بالنوافل حتى يصل إلى محبة الله ، كما جاء في الحديث: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) وفي بعض الروايات: (ورجله التي يمشي بها).
قال الحافظ: وقد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ويده ورجله؟ ثم أورد سبعة أوجه في تفسير هذا الجزء من الحديث القدسي، وأقرب هذه الأوجه للصواب أن العبد بكليته يكون مشغولاً بالله ، فإذا سمع سمع ما يرضي الله، وإذا أبصر أبصر ما يرضي الله، وإذا مد يده فبط
стр. 38
مجالس رمضان_ فضائل شهر الصيام
جعل الله تعالى أوقاتاً ومواسم للخيرات، يزيد فيها الأجور، ويضاعف فيها الحسنات، رحمة منه بعباده وتفضلاً منه تعالى عليهم، ثم دعاهم سبحانه إلى اغتنام هذه الأوقات والمبادرة بالأعمال الصالحة فيها، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك، فهو غنيمة المسلم وفرصته التي يتزود فيها بما يقربه إلى ربه ويوصله إلى مرضاته.
стр. 39
الحث على اغتنام شهر رمضان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة! يا من دامت خسارته! قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.
عباد الله! هبّت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب، وسعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح، ووصلت البشارة للمذنبين بالعفو، وللمنقطعين بالوصل، وللمستوجبين النار بالعتق.
لما سلسل الشيطان في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فلم يبق للعاصي عذر.
يا غيوم الغفلة! عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان! اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين! ارتفعي، يا عيون المتهجدين! لا تهجعي، يا أقدام المتهجدين! اسجدي لربك واركعي، يا ذنوب التائبين! لا ترجعي، يا أرض الهوى! ابلعي ماءك، ويا سماء النفوس أقلعي، يا همم العارفين! ارتعي، يا قلوب المحبين! بغير الله لا تقنعي.
قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوّام، فما منكم أحد إلا وقد دعي، ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن صُد عن الباب وما دُعي.
стр. 40
فضل شهر رمضان
عباد الله! قد أظلنا شهر كريم مبارك، شهر تفتّح فيه أبواب الجنان فلا يُغلق منها باب، وتُغلّق فيه أبواب الجحيم فلا يُفتح منها باب، وتسلسل فيه الشياطين.
شهر تفتّح فيه أبواب السماء، وتفتّح فيه أبواب الرحمة، قال النبي ﷺ : (إذا دخل رمضان فُتّحت أبواب الجنة)، وفي رواية (فُتّحت أبواب الرحمة)، وفي رواية: (فُتّحت أبواب السماء، وغُلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين، ونادى مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر) فكيف لا يفرح المسلمون بفتح أبواب الجنة وأبواب السماء وأبواب الرحمة؟ وكيف لا يفرحون بغلق أبواب جهنم وبتصفيد الشياطين؟ وينادي مناد في كل يوم من هذا الشهر الكريم: يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر، فتجدون أهل الخير والصلاح أشد اجتهاداً في طاعة الله ، وفي طلب مرضاته في هذا الشهر الكريم، وتجدون أهل الشر والفساد تقل غوايتهم وشرهم، فيزداد أهل الإيمان إيماناً وإقبالاً على الله وطاعة له ، وتقل غواية أهل الغي والفساد.
فهو شهر كريم عباد الله، موسم من مواسم المغفرة والرحمة، مدرسة ربانية رحمانية تفتح أبوابها كل عام، يتدرب فيها العباد على تقوى الله وعلى طاعته ؛ لعلهم عندما ينسلخ الشهر الكريم يصيرون من المتقين ومن عباد الله الصالحين.
стр. 41
الغاية من الصيام
شهر رمضان كله تدريب على تقوى الله وعلى طاعته ، وعلى التشبه بالصالحين وبالمحسنين، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فالعباد المسلمون في نهار هذا الشهر الكريم صائمون صابرون لله ، تركوا الطعام والشراب لله ، وبالأولى تركوا كل معصية لله .
قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) فالمسلم الذي ترك الطعام والشراب وما أباحه الله في غير نهار هذا الشهر الكريم ينبغي له من باب أولى إذا كان يفهم حكمة الصيام أن يدع كل معصية للواحد العلام؛ لأنه إذا ترك ما أباحه الله في غير نهار الشهر الكريم فبالأولى أن يترك ما حرمه الله في هذا الشهر وغير هذا الشهر، لأن من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، فإذا استمر على قول الزور والعمل بالزور فهو لم يفهم حكمة الصيام، ولم يفهم أن الصيام هو تدريب على تقوى الله ، وعلى ترك المعاصي، وعلى ترك إطلاق البصر وفضول الكلام والسماع المحرم وغير ذلك، كما قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
وكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً.
стр. 42
أحوال الصائمين في نهارهم وليلهم
المسلم -عباد الله- في نهار رمضان ملتزم بأخلاق الصيام، كما قال النبي ﷺ : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) فهو يتشبه بالمحسنين الذين يدرءون بالحسنة السيئة، فلا يجهل على الجاهل بمثل جهله، ولا يسفه على السفيه بمثل سفهه، (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) يتدرب على أخلاق المحسنين؛ لأن أخلاق الصائم هي أخلاق المحسنين، فإذا أتى الليل فهو فيه طاعم شاكر كما كان في النهار صائماً صابراً، وكما ترك الطعام والشراب والشهوة لله في نهار هذا الشهر فإنه إذا أقبل عليه الليل يبادر بالإفطار، لأن أحب عباد الله إليه أعجلهم فطراً، فيبادر بالإفطار طاعة لله ، ويفرح عند فطره؛ لأنه وفِّق لصيام هذا اليوم، ولأنه أتم العبادة كما أحبها الله ، فيفرح شرعاً ويفرح طبعاً، لأن العبد الذي منع من شيء تميل النفس إليه ثم رُخِّص له فيه وأُذِن له فيه يفرح بذلك بطبيعة الحال.
فللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، عندما يرى أجر الصيام مدخوراً موفوراً عند الله .
فإذا كان الليل فلا يجلس المسلم أمام الأجهزة الخبيثة ولا يتمتع بالشهوات المحرمة، بل كما شُغل في النهار بالصيام فإنه يُشغل في الليل بالقيام، قال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) فالمسلم في النهار صائم صابر، وفي الليل طاعم شاكر، فهو ينتقل من طاعة إلى طاعة، من عبادة إلى عبادة، ومن سعادة إلى سعادة، وجزاء الحسنة الحسنة بعدها، وهذا أمر من الأمور التربوية، فينبغي للعبد أن يُشغل نفسه دائماً بالطاعات، وألا يترك لنفسه فرصة لأن تعصي الله ، فإذا كان العبد مشغولاً بطاعة الله فلن يكون محلاً للوساوس، وإذا غفل القلب ساعة عن ذكر الله جثم عليه الشيطان، وأخذ يعده ويمنيه، فرمضان تدريب على الطاعة ودخول في عبادة الله ، وتدرب على أخلاق الصالحين والمحسنين.
والصالحون عباد الله يقومون السنة كلها، كما قال النبي ﷺ : (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد) فالصالحون يقومون السنة كلها، ونحن نتدرب في هذا الشهر الكريم على أخلاق الصالحين، فنقوم شهراً كاملاً لعل الشهر ينسلخ وقد صرنا من الصالحين الذين يقومون طوال السنة، كما قال الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
стр. 43
فضل قراءة القرآن وأداء العمرة في شهر رمضان وسائر أعمال الخير
وشهر رمضان -عباد الله- شهر اتصال بالقرآن؛ لأن شهر رمضان له خصوصية بنزول القرآن فيه، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
وكان السلف إذا دخل الشهر الكريم يتركون مجالسة أهل العلم ويقبلون على قراءة القرآن من المصحف.
وقال بعضهم: إنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن.
فالشهر له خصوصية بالقرآن، وكان النبي ﷺ يدارس جبريل القرآن كل ليلة في رمضان، وكان يعارضه القرآن كل ليلة في رمضان.
فمن السنة عباد الله أن يتدارس المسلم القرآن مع من هو أحفظ وأتقن له منه، وأن يراجع محفوظه من القرآن.
وهو شهر الصدقة، وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، فكان أجود الناس ﷺ ، ومع ذلك يزداد جوده في هذا الشهر الكريم.
وكذلك هو شهر العمرة، كما قال النبي ﷺ : (عمرة في رمضان تعدل حجة)، (وعمرة في رمضان كحجة معي) فالعمرة في هذا الشهر الكريم لشرف الزمان يبلغ أجرها أجر حجة مع النبي ﷺ ؛ لأن العمل يشرف بشرف الزمان أو بشرف المكان.
وكذلك هو شهر الاعتكاف، وكان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.
وهو شهر الدعاء والاستغفار، والتوبة والرجوع إلى الله ، وقد كثرت في هذا الشهر الكريم أسباب المغفرة والرحمة، قال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ : (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال النبي ﷺ : (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يُغفر له)؛ لكثرة أسباب المغفرة في هذا الشهر الكريم، فالشقي عباد الله من حُرم مغفرة الله في هذا الشهر الكريم.
وكان السلف ﵃ يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، وكان من دعاء بعضهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وتسلمه مني متقبلاً.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 44
مجالس رمضان_ فقه التجارة مع الله
تجارة المرء في هذه الحياة إما تجارة دنيوية أو تجارة أخروية، فحري بالمسلم أن يقصد التجارة الأخروية مع من يملك خزائن السماوات والأرض، ومع من يعطي على الشيء القليل الأجر الكثير المضاعف، فخزائنه ملأى لا تغيضها النفقة ولا ينقصها شيء.
стр. 45
المسارعة إلى التجارة مع الله تعالى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة؟ فوالله ما هزلت فيستامها المبطلون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق لمن يريد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون، ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن، فدارت السلعة في أيديهم، ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
لما كثر المدعون للمحبة، طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم، لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع النبي ﷺ في أقواله وأفعاله، فقيل: لا تقبل هذه البينة إلا بتزكية: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٥٤].
فتأخر الخلق كلهم، وثبت المجاهدون، فقيل: إن نفوس المجاهدين وأموالهم ليست لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، والعقد يوجب التسليم من الجانبين، لما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن، وجلالة قدر من وقع التبايع على يديه، علموا أن للسعلة قدراً وشأناً، فرأوا من الغبن الفاحش والخسران البين أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها، وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان، فقيل لهم: إن نفوسكم وأموالكم قد صارت إلينا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
فحي هلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا.
وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا.
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا.
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذناً واعية، وأسمع الله من كان حياً، فهزه السماع إلى دار الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت رحاله إلا بدار القرار.
أرسل عبد الله بن المبارك -وكان مرابطاً بطرسوس- كتاباً إلى فضيل بن عياض الذي يلقب بعابد الحرمين يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب.
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب.
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب.
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب.
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ وغبار نار تلهب.
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب.
فلما وصل الكتاب إلى فضيل بن عياض بكى، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث، قال: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية لحديث أبي هريرة: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله -أي: يحرك قدميه في موضع ربطه- فيكتب للمجاهد حسنات).
فأعلى تجارة وأغلى تجارة هي التجارة ببذل النفس والمال لله ، تجارة بالجهاد في سبيل الله ، وكل معاملة شرعية مع الله وكل عبادة لله فهي تجارة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].
فكل عبادة لله فهي تجارة مع الله ، وكل تجارة مع الله لا يمكن أن تبور بحال من الأحوال، والدنيا -عباد الله- سوق والناس كلهم تجار، قال النبي ﷺ : (الدنيا سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر من خسر، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).
(يغدو) أي: يخرج غدوة أو في أول
стр. 46
الفرق بين التجارة مع الله والتجارة مع غيره
التجارة مع الله نوع خاص من التجارات، تفترق عن سائر التجارات في الدنيا؛ لأنها معاملة بين العبد الفقير الضعيف المحتاج والرب الغني القادر القاهر.
فكل أحد من الناس يريد أن يعامل غيره من أجل أن يربح منه، فهي معاملة بين فقير وفقير، وبين محتاج ومحتاج، فكل الناس يريدك لنفسه، والله يريدك لك؛ لأن الله تعالى غني عنك وعن طاعتك وعن عبادتك: (لو أن الخلق كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم، ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم، ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً).
فالله يريد منا أن نعامله من أجل أن نربح نحن أعظم الأرباح، والله غني عنا وعن طاعتنا وعن عبادتنا.
الفرق الثاني بين تجارة الدنيا والتجارة مع الله : أن تجارة الدنيا عرضة للمكسب والخسارة، قد تكسب مرة وتخسر مرة، أو تكسب مرات، وتخسر مرة، أما التجارة مع الله فلا تبور بحال من الأحوال، وليس هناك احتمال للخسارة بحال من الأحوال: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].
يقول النبي ﷺ : (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الدنيا، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم)؛ لأن المجاهد ينتظر ثلاثة: ينتظر الثواب في الآخرة، وفرحة النصر، والغنائم، فإن انتصر نال فرحة النصر، ونال حظه من الغنائم، ويبقى أجر الآخرة، وإن لم ينتصر فيتم له أجره في الآخرة.
فهكذا التجارة مع الله لا تبور بحال من الأحوال.
الفرق الثالث بين تجارات الدنيا والتجارة مع الله: أن تجارة الدنيا الأرباح فيها محدودة، والسلع قد تربح فيه (١٠%) أو (٢٠%) غاية الأمر (١٠٠%) أو (٢٠٠%)، فالدرهم يربح درهماً أو درهمين، ولكن لا يمكن أن توجد تجارة في الدنيا الدرهم فيها يربح سبعمائة درهم، لا يمكن أن توجد مثل هذه التجارة، ولكن تجارة الآخرة يقول فيها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١].
إذاً: فيها أرباح عظيمة جداً.
الفرق الخامس: أن تجارة الدنيا قد يدخلها الغش، وقد تكون هناك سلعة معيبة ويدلسها صاحبها ويخفي ما بها من عيب ويروجها فتروج.
أما التجارة مع الله لا يمكن أن يدخلها الغش؛ لأن الله بصير خبير عليم، فلا يمكن أن يدخل التجارة مع الله الغش.
التجارة مع الله نوع خاص من التجارات.
стр. 47
نماذج من فقه التجارة مع الله
وأكثر الناس يعرف كيف يتاجر في الدنيا، ولكن القليل منهم من يعرف كيف يتاجر مع الله ، فنحتاج أن نتعرف على فقه التجارة مع الله .
فمن فقه التجارة مع الله أن يستصحب العبد الإخلاص في كل قول وعمل؛ لأن الله تعالى اشترط الإخلاص، فقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
وقال النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه).
فينبغي أن نستصحب الإخلاص في كل عبادة، وفي كل قول وعمل.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يتاجر العبد بالمباحات مع الله ؛ لأن العمل المباح لو توافرت فيه نية صالحة فإنه يصير من الطاعات، ومن القربات، فلو نام العبد بنية صالحة من أجل أن يقوم من آخر الليل، أو يقوم لصلاة الفجر وأذكار الصباح، فإنه يؤجر على ذلك، كما قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
فالطالب يذاكر من أجل أن يرضي والديه، ومن أجل أن ترتفع رتبته ووجاهته في الدنيا، ومن أجل أن تقبل دعوته ونصيحته.
فالذي يسعى للمعاش يسعى من أجل أن يكفي نفسه وأولاده ذل السؤال، ومن أجل أن يقوم بالواجب عليه من النفقة على زوجته وأولاده، فكل عمل مباح يستطيع العبد أن يستحضر فيه نية صالحة، فيصير من القربات والطاعات، فيتاجر العبد بالمباحات مع الله .
كذلك أن يستحضر العبد في العمل الواحد نيات كثيرة صالحة لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
فقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) أي: أصل قبول العمل بتوافر النية الصالحة، ثم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى).
وكما يقولون: الأصل في الشرع التأسيس، يعني: أن يؤسس قواعد جديدة، فليس قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) تكرار للقاعدة الأولى، ولكنها تأسيس لقاعدة جديدة، وهي أن ثواب العامل على عمله بمقدار ثواب النيات التي يجمعها العامل في هذا العمل: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيجمع العبد في العمل الواحد نيات كثيرة صالحة.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يتأكد العبد أن أعماله وأقواله مطابقة لسنة النبي ﷺ ، لقوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
فكل عمل لا يندرج تحت شريعة النبي ﷺ ، ولا تكون سنة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على صاحبه، وغير مقبول، فيشترط أن يكون العمل مطابقاً للسنة.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يجتهد العبد في أن يكون العمل سراً بينه وبين الله ، فإن هذا أدعى لحفظ العمل وأدعى لقبول العمل.
فهناك أعمال لا بد أن تظهر، كالدعوة إلى الله ، وإمامة الناس، والخروج للحج والعمرة، ولكن قد يصلي العبد ركعات في جوف الليل، كما قال بعضهم: صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، وصوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور، وتصدقوا بصدقة لشر يوم عسير قد يتصدق العبد بصدقة كما قال النبي ﷺ في حديث صحيح رواه مسلم: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، فهو يخفي هذه الصدقة.
وكان السلف يجتهدون في إخفاء أعمالهم الصالحة، كما نجتهد نحن في إخفاء أعمالنا السيئة.
فيروى أن رجلاً من السلف صام سنة كاملة ولم تعلم زوجته في بيته، فهو يخفي العمل عن أقرب الناس إليه، فقد كان يخرج بطعام إفطاره فيتصدق به، ثم يذهب إلى دكانه حتى غروب الشمس، ويعود فيفطر في بيته.
وكان الواحد منهم إذا كان يقرأ في المصحف ودخل عليه داخل غطاه.
وكان الواحد منهم يختم القرآن حفظاً ولا يعلم به جاره، فكانوا يجتهدون في إخفاء الأعمال الصالحة.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يحفظ العبد أعماله الصالحة، فالعبد قد يعمل عملاً صالحاً موافقاً للسنة تتوافر فيه شروط الصحة، ثم يمن بهذا العمل، أو يؤذي من أدى إليه خدمة ويمن عليه، أو يصاب بشيء من الكبر أو العجب أو الرياء فيحبط بذلك عمله الصالح، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].
فالمسلم ينبغي عليه أن يجتهد في أن يحفظ أعماله الصالحة من محبطات الأعمال، حتى يجد ثواب هذا العمل مذكوراً موفوراً عند الله يوم القيامة.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يداوم العبد على العمل الصالح، كما كان النبي ﷺ يقول: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل)؛ لأن العمل الدائم وإن كان قليلاً، فإنه يصير كثيراً بالمداومة عليه، بل يربو، ويكون أكثر من الكثير المنقطع، والله تعالى يحب أن يديم فضله وأن يوالي إحسانه، فيحب الله عز وج
стр. 48
مجالس رمضان_ قيام رمضان
قيام الليل شرف المؤمن، حث الله عباده عليه ليتقربوا به إليه سبحانه، ويستعينوا به على ما يواجههم في سائر حياتهم، وقد عظم الله شأن أهله، وضاعف أجورهم، ورفع منزلتهم، وحث على الاقتداء بهم، ويتأكد القيام ويعظم أجره في الأوقات المباركة، كشهر رمضان، والثلث الأخير من الليل، فينبغي للمؤمن اغتنام هذه الأوقات والتزود منها.
стр. 49
فضل صيام شهر رمضان وقيامه
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله! شهر رمضان ليس شهر الصيام فحسب، ولكنه شهر الصيام والقيام، قال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
стр. 50
مشروعية قيام رمضان
لقد رغب النبي ﷺ في قيام رمضان كما رغب في صيامه، وصلى النبي ﷺ بالصحابة الكرام غير ليلة، فقد صلى ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في الليل التالية فصلى بصلاته ناس، فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة ضاق المسجد بأهله فترك النبي ﷺ الخروج إليهم وقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم)؛ لأن النبي ﷺ خشي أن يفرض على الناس قيام رمضان، أو يشترط لصحة القيام أن يكون في المسجد، فقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم).
فلما كانت الدولة العمرية خرج عمر ﵁ فرأى الرجل يصلي لنفسه، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرجل، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرهط، فقال: لو جمعتهم على قارئ واحد لكان أعجب.
فجمعهم على أبي بن كعب وتميم الداري، فكان أبي بن كعب وتميم الداري يتناوبان القيام بالصحابة الكرام في الدولة العمرية.
وقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل.
ولم يقصد عمر ﵁ البدعة من حيث الشرع، ولكن أراد البدعة اللغوية، وإلا فقيام الليل في المساجد في رمضان من السنة؛ لترغيب النبي ﷺ في قيام رمضان، ولصلاته بالصحابة الكرام غير ليلة، ولكنه ترك الخروج إلى الناس؛ لأن الزمن كان زمن تشريع، فلما زالت هذه الخشية جمع عمر ﵁ الصحابة على قارئ واحد في المسجد، وأقره بقية الصحابة على ذلك، وعلى ذلك استمر عمل الأمة.
ثم إن النبي ﷺ دلنا على سنة الخلفاء الراشدين فقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، فسنة عمر ﵁ من سنته ﷺ ، لأنه قال: (عضوا عليها)، ولم يقل: عليهما، لأنهم كانوا أعلم الناس بالسنة وأحرص الناس عليها وعلى اتباعها.
فمن السنة قيام رمضان واجتماع الناس على القيام في المساجد بعد صلاة العشاء، ونحن نتدرب بقيام رمضان على هذه العبادة التي هي من أجل العبادات، وهي قيام الليل.
стр. 51
فضل قيام الليل
قال النبي ﷺ : (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد).
وقال ﷺ فيما رواه مسلم: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).
ووصف الله المؤمن فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
وقال : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
فعندما هدأت الأصوات وسكنت الحركات قاموا لربهم يتملقونه ويدعونه رغباً ورهباً، فكما أخفوا العمل واستتروا بظلمة الليل عند ذلك أخفى الله لهم الثواب، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
وقال في وصف المحسنين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، أي: ينامون، قال بعض السلف: ما مرت عليهم ليلة إلا وأخذوا منها شيئاً.
وقال بعضهم: ما ناموا ليلة حتى الصباح، بل لهم حظ من قيام الليل.
فهذا وصف المتقين ووصف المحسنين في كتاب الله .
إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك الجليل كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضع
стр. 52
صفة الصحابة في القيام
وصف علي ﵁ الصحابة الكرام فقال: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا تمادوا كما يميد الشجر يوم الريح وهملت أعينهم بالدموع، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين.
وقال الحسن: أدركت أقواماً وخالطت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فو الله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.
стр. 53
هدي النبي ﷺ في قيام الليل
كان من هدي النبي ﷺ في قيام الليل أنه لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.
وفي الحديث الآخر: (ثلاث عشرة ركعة).
وقال بعضهم: ثلاث عشرة بضم سنة العشاء أو ركعتي الفجر؛ لأن كل صلاة بعد صلاة العشاء من قيام الليل.
وكان يفتتح القيام بركعتين خفيفتين.
وقيل: إن الحكمة في هاتين الركعتين فك عقد الشيطان، كما في الصحيح عن النبي ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، فكأن افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين من أجل فك عقد الشيطان.
وفي حديث عائشة ﵂: (أنه كان يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)، فهذا كان هديه ﷺ في قيام الليل.
وكان يقوم كما أمره الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤] فكان يصلي إلى نصف الليل أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً، أو ما بين ثلث الليل إلى نصف الليل، وقد دل الأمة على أحب القيام إلى الله وعلى أحب الصيام إلى الله ، فقال: (أحب القيام إلى الله قيام داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فداود كان يجم نفسه أي: يريح نفسه بنوم طويل في نصف الليل الأول، ثم يقوم في النصف الأخير من الليل، وهو وقت النزول الإلهي والإذن العام، ففيه ينزل ربنا ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)؟ ولا شك أن النبي ﷺ هو أولى الخلق بكل فضيلة، فكان من شأنه ﷺ أن يقوم ثلث الليل تقريباً، وكان يقوم في الثلث الأخير من الليل، وثبت عنه أنه قام في أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ولكن كان أكثر عادته ﷺ أن يقوم في الثلث الأخير من الليل أو بعد منتصف الليل.
وتقول السيدة عائشة ﵂: (ما ألفاه عندي إلا قائماً)، وهذا القيام أحب القيام إلى الله، فكان يقوم في هذا الوقت ثم ينام سدس الليل الأخير، أي: قبل صلاة الفجر؛ ليذهب بهذا النوم اصفرار الوجه وذبول العينين وأثر السهر، ولكون هذا أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، فإذا خرج لصلاة الفجر فكأنه نائم طوال الليل.
فأما من يخرج من قيام الليل إلى صلاة الفجر فإنه يظهر عليه أثر السهر، فهذا أحب القيام إلى الله ، وهو قيام داود ﵇.
وكان من هديه ﷺ طول القيام، يقول حذيفة ﵁: (صليت ليلة خلف النبي ﵌ فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، فمضى، فقلت: يركع عند المائتين فمضى، فقلت: يركع بها، فافتتح النساء ثم قرأ آل عمران لا يمر بآية فيها تسبيح إلا سبح، ولا فيها سؤال إلا سأل)، فهذا كان هديه ﷺ .
ويقول ابن مسعود ﵁: (صليت ليلة خلف النبي ﷺ فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء)، فكان من هديه ﷺ طول القيام.
стр. 54
الأسباب المعينة على قيام الليل
هناك أسباب ميسرة لقيام الليل، وهي نوعان: أسباب ظاهرة وأسباب باطنة.
стр. 55
الأسباب الظاهرة المعينة على قيام الليل
فمن الأسباب الظاهرة الميسرة لقيام الليل: أن يترك العبد المعاصي بالنهار، قيل لبعض السلف: لا نستطيع قيام الليل، قال: أبعدتكم الذنوب.
وقال سفيان الثوري: منعت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته.
وكان الحسن البصري إذا دخل السوق فسمع لغوهم ولغطهم يقول: ما أرى ليل هؤلاء إلا ليل سوء.
فمن كان نهاره في طاعة الله فهو بالليل أقرب إلى رحمة الله ، ومن كان في المعاصي بالنهار فهو أبعد عن القيام بين يدي العزيز الغفار، والملوك لا يسمحون بالخلوة بهم ومناجاتهم إلا أهل الإخلاص في معاملتهم وفي طاعتهم.
والله لا يسمح لكل أحد ولا يوفق كل أحد للقيام بين يديه بالليل، فينبغي على العبد أن يترك الذنوب بالنهار حتى يوفق لقيام الليل.
ومن ذلك: عدم الإكثار من الطعام خاصة وجبة العشاء؛ من أجل أن يخف لقيام الليل.
ومن ذلك: أن يستعين بالقيلولة، فقد كان النبي ﷺ يقيل قبل صلاة الظهر، وكان يبرد بصلاة الظهر غالباً؛ أي: يؤخر صلاة الظهر إلى ثلث الوقت حتى تنكسر شدة الحر، ويقيل قبل صلاة الظهر، فيستعين بالقيلولة على قيام الليل.
ومن الأسباب الظاهرة كذلك التي تعين على قيام الليل: النوم مبكراً من أجل أن يوفق للقيام.
стр. 56
الأسباب الباطنة المعينة على قيام الليل
وأما الأسباب الباطنة فمن ذلك: معرفة الآيات والأحاديث في فضيلة قيام الليل.
ومن ذلك: خوف يغلب على قلب العبد فيجعله يقوم الليل يدعو الله ويصلي له .
ومن ذلك: الشوق إلى الله ومحبته ، كما قال بعضهم: عالجت قيام الليل سنة فتمتعت به عشرين سنة.
فأهل الإحسان والطاعة والعبادة يخف عليهم القيام، أما من لم يكن من أهل الإحسان فيشق عليه القيام، فينبغي عليه أن يجبر نفسه على القيام فترة حتى يذوق حلاوة الطاعة والعبادة، ثم بعد ذلك تساعد النفس صاحبها على الطاعة والعبادة، ويوفق لطاعة الله وعبادته .
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأن ينفعنا بصالح الأعمال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 57
مجالس رمضان_ قيمة الزمن
الوقت من أعظم نعم الله على عبده، فينبغي استغلاله في طاعة الله والتزود للقائه، فبالاجتهاد في الأوقات فاز المجدون، وسبقوا إلى رضوان الله وجنات النعيم، وبتضييع الأوقات خسر المبطلون واللاهون، وتأخروا في السباق، وفاتهم الركب.
стр. 58
أهمية الوقت وأدلته من الكتاب والسنة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: فإن نعمة العمر والأوقات واللحظات والأنفاس يغفل عن قيمتها كثير من الناس، وبما أننا في زمن طيب مبارك فينبغي لنا أن نعرف قيمة الزمن والوقت والعمر؛ لأن أكثر الناس لا يعرف قيمة عمره ووقته وساعاته وأنفاسه.
قال الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٣ - ٣٤]، فتسخير ساعات الليل والنهار من أجل أن نملأ هذه الساعات بالطاعات، ومن أجل أن نسابق الأوقات بالطاعات نعمة من الله .
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].
قال بعض السلف: من فاته طاعة الله بالنهار كان له من أول الليل مستعتب، ومن فاته طاعة الله بالليل كان له من أول النهار مستعتب.
والله أقسم بالفجر وأقسم بالعصر وأقسم بالضحى وأقسم بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه؛ من أجل أن يلفت أنظارنا إلى خطر المقسوم به، والعبد لا يجوز له أن يحلف بغير الله (ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشر).
قال الله : ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣].
﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١] هنا هو فجر يوم النحر، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] الشفع: هو يوم النحر، والوتر: هو يوم عرفة.
وقال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
وقال ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣].
وقال : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].
فالله تعالى أقسم بالزمن وبالوقت وبالعصر وبالضحى وبالفجر وبالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى من أجل أن يبين لنا قيمة الزمن وقيمة العمر.
كما دلت الأحاديث النبوية الشريفة على ما دلت عليه هذه الآيات القرآنية الكريمة، فقال النبي ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
والمغبون هو: الذي باع شيئاً بأقل من ثمنه، أو اشترى شيئاً بأكثر من ثمنه، فمن باع سيارة مثلاً تساوي عشرة آلاف بخمسة آلاف فهو مغبون؛ لأنه أضاع حظه، وكذلك من اشترى سيارة تساوي خمسة آلاف بعشرة آلاف فهو أيضاً مغبون.
فأكثر الناس مغبون في شيئين: في الصحة والفراغ؛ لأنهم لم يعرفوا قيمتها.
ويوم القيامة هو يوم التغابن؛ لكثرة المغبونين في هذا اليوم، ولم يكن الغبن في يوم القيامة، ولكن يظهر مقدار الغبن وعدد المغبونين يوم القيامة، فمن أسماء يوم القيامة أنه يوم التغابن.
فالزمن نعمة من الله .
стр. 59
الأمور الدالة على أهمية استغلال الوقت
دل على خطر الوقت والنَّفَس ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه لو تاجر العبد مع ربه في كل نفس من أنفاسه لربح على الله أعظم الأرباح، قال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر).
وقال ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة)، وقال: (من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة).
فكل نفس جوهرة لو تاجر به العبد مع الله .
الأمر الثاني الذي يدل على خطر الوقت والأنفاس أن الأنفاس التي قدرها الله لنا عددها مغيب عنا، كما قال الحسن البصري: المبادرة المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ، رحم الله امرأ نظر في نفسه ثم بكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤].
آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك.
فقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] يعني: الأنفاس.
أي: إن الله قدر لكل عبد فينا عدداً محدداً من الأنفاس، فكلما تنفس نفساً سجل عليه هذا النفس، فيعد لكل واحد منا عد تنازلياً، كحال كل المشروعات العظيمة يحدد يوم للافتتاح، فكلما مضى يوم يقولون: بقي تسعة وعشرون يوماً، بقي ثمانية وعشرون يوماًن وهكذا حتى يصل إلى يوم الافتتاح.
ونحن أيضاً كل إنسان فينا له عدد محدد مقدر في علم الله ، والملائكة تسجل عليه الأنفاس التي يتنفسها حتى يصل إلى آخر العدد، وعند ذلك خروج النفس وفراق الأهل ودخول القبر.
فكون الأنفاس التي قدرها الله لنا عددها مغيب عنا مما يدل على خطر الأوقات والأنفاس.
والعبد إذاكان ماله بالمليارات فإنه لو أنفق الآلاف لا يؤثر كثيراً في رأس ماله، بخلاف من ماله بالآلاف، فإنه لو أنفق الآلاف لأثر ذلك في رأس ماله، ونحن لا ندري مقدار رأس المال، فتضييع الأوقات في غير الطاعات مخاطرة خاصة أننا لا ندري مقدار الباقي من أنفاسنا.
الأمر الثالث: أن كل نفس ينفق في غير طاعة الله قد يكون آخر الأنفاس.
يا من بدنياه انشغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل فأي نفس ينفق في غير طاعة الله قد يكون آخر الأنفاس، والعبرة بالخواتيم، كما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم)، أي: إن عاقبة العبد تتعلق بخاتمته، فمن ختم له بعمل من أعمال أهل الجنة دخل الجنة، ومن ختم له بعمل من أعمال أهل النار دخل النار والعياذ بالله.
فالأعمال بالخواتيم.
كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها! ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣]، كم من قارب مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرتقي لعب به الموج فغرق! كل العباد تحت هذا الخطر، (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا.
يقول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
стр. 60
من قصص السلف في المحافظة على أوقاتهم
كان السلف ﵃ أحرص الناس على أوقاتهم، وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله ، وكانوا أشد بخلاً بذلك من أشد الناس بخلاً بماله.
وكانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها.
دخل بعضهم على عابد مريض فنظر إلى قدميه وبكى وقال: ما اغبرتا في سبيل الله.
وقال أحدهم: أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير ليس في شيء منها.
وقال بعضهم لأحد العلماء: قف أكلمك، فقال: أوقف الشمس، أوقف الشمس.
وكان أحد العلماء إذا زاره الناس وجلسوا عنده وأطالوا الجلوس قال: أما تريدون أن تقوموا؟! إن ملك الشمس يجرها لا يفتر.
فكانوا يجتهدون في طاعة الله ولا يفوتون وقتاً بغير طاعة، فملئوا حياتهم عبادة وطاعة لله ، بل وتمنوا لو أنهم واصلوا العبادة بعد الموت، كما كان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.
وكان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد! من يبكي بعد لك، من يترضى ربك عنك.
ودخلوا على الجنيد وكان يصلي وكان في النزع فقالوا له: الآن! قال: الآن تطوى صحيفتي.
ودخلوا على أبي بكر النهشلي وكان صائماً وكان في النزع فقالوا له: اشرب قليلاً من الماء، فقال: حتى تغرب الشمس.
وبكى أحد الصالحين عند موته فسئل عن سبب بكائه فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم.
فهو يبكي لأنه يفارق الدنيا فيصوم الصائمون وليس هو فيهم، ويصلي المصلون وليس هو فيهم، ونحن والله في الدنيا يصوم الصائمون ولسنا فيهم، ويصلي المصلون ولسنا فيهم.
فأين وصفنا من هذه الأوصاف؟ وأين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف؟ لقد قام القوم وقعدنا، وجدوا في الجد وهزلنا، ما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم.
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعد فأماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر، يا ديار الأحباب! أين السكان؟ يا منازل العارفين! أين القطان؟ يا أطلال الوجد! أين البنيان؟ إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدموع أم أجفاني لا يقبل مدع بلا برهان ونحن إنما ينطبق علينا -عباد الله- قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد! وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد وطرفه جامد! وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 61
مجالس رمضان_ معاني إيمانية شريفة
إن دين الله فيه معان عظيمة ومبادئ إسلامية راقية، ترقى بالمؤمن إلى أن يكون ذا عزة وعلو ورفعة على الكافرين، وخضوع وخشوع لله رب العالمين، وتواضع مع المؤمنين والصالحين.
стр. 62
معان وقيم إسلامية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: فهذه جملة من المعاني الإيمانية الكريمة الشريفة العظيمة، نلقي عليها بعض الضوء، حتى تزداد رسوخاً ووضوحاً في قلوب المؤمنين.
стр. 63
التوكل على الله وتعليق القلب به تعالى
من هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن لا يجوز له أن يعلق قلبه بغير الله ، فالله تعالى أمرنا بأن نأخذ بالأسباب، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، وقال مع ذلك: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فالعبد يأخذ بالأسباب بجوارحه، ولكن يعلق قلبه بالله ، ولا يجوز له أن يعلق قلبه بغير الله، أو يرجو الخير من عند غير الله .
وهذا هو التوكل: أن ينتظر العبد بقلبه الخير من عند الله ، لا يرجو ذلك من عند المخلوقين.
وهذا يجعله يسأل الحوائج بعزة النفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير، والنبي ﷺ علّم حبر الأمة ابن عباس بأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعوا على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.
стр. 64
الحب في الله والبغض في الله
من هذه المعاني الشريفة الكريمة العظيمة: المحبة في الله والبغض في الله ، والموالاة في الله والمعادة في الله.
فمن كمال حب الله أن نحب الرسل الكرام، وأن نحب الملائكة الأطهار، وأن نحب العلماء، وأن نحب الدعاة إلى الله ، وأن نحب الملتزمين بشرع الله ، فهذا أمر لا يتكلفه المؤمن، بل هو الثمرة الطبيعية لحب الله ، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا يمكن أن يحب المؤمن كافراً وإن كان أباه أو أخاه أو ابنه أو زوجته؛ لأن من كمال حب الله أن نحب أولياءه، ومن كمال حب الله كذلك أن نبغض أعداءه، فالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله من كمال حب الله ، وليس هناك أحد يُحب لذاته إلا الله ، حتى محبة الرسول ﷺ هي ثمرة من ثمرات محبة الله ؛ لأن الله تعالى اصطفاه وطهّره وجعله أكمل الخلق، وأرسله سراجاً منيراً وهداية للبشر، بل للإنس والجن، فليس هناك أحد يُحَب لذاته إلا الله ، أما محبة الأنبياء ومحبة الملائكة والأولياء فهي من تمام حب الله .
стр. 65
عزة المؤمن ومذلة الكافر
من هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن عزيز وأن الكافر ذليل.
لأنه ليس هناك مصدر للعزة إلا الله ، فالله هو العزيز، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].
كان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك.
فالكافر ذليل وإن كان رئيساً وإن كان أميراً، كما قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
بل كتب الله في اللوح المحفوظ بأن الذلة والصغار على من خالف أمر رسول الله ﷺ (وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري)، فكل من خالف أمر النبي ﷺ من الكفار والمنافقين والعصاة فهو ذليل، كل بحسب ما عنده من المخالفات.
فالمؤمن عزيز والكافر ذليل، ولما جهل هذا المعنى الإيماني عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق، وقال في غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق): ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وظن أنه هو الأعز، وأن رسول الله ﷺ -وحاشاه من ذلك- هو الأذل، لُقّن درساً عملياً تعلم به أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون، حيث أن ابنه عبد الله -وكان مؤمناً صادقاً- لما سمع هذه المقالة الفاجرة وقف على باب المدينة شاهراً سيفه والمسلمون يمرون من تحت سيفه، فلما أراد أبوه أن يدخل المدينة قال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، وحتى تعلم من الأعز ومن الأذل.
وقف له ولده وكان من أبر الناس بأبيه، ومنعه من دخول المدينة حتى يأذن رسول الله ﷺ ، فعلم بذلك أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.
стр. 66
محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات محبة طبيعية
من هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات محبة طبيعية فطرية.
فالكافر يحب ابنه، وكذلك المؤمن يحب أباه ويحب ابنه ويحب زوجته، فهذه محبة طبيعية فطرية يقرها شرع الإسلام، ولكن الإسلام يهذبها، ولا يجيز لهذه المحبة الفطرية أو الطبيعية أن تزداد؛ فتكون هذه المحبة أكثر من حب المؤمن لله أو لرسوله ﷺ ، أو للجهاد في سبيل الله، وإنما كان كذلك حتى يتحقق البذل وتتحقق التضحية، وحتى لا يعز المؤمن شيئاً على الله ، وحتى يبذل المؤمن كل شيء من أجل أن تعلو راية الله ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فالله تهدد كل من يحب أباه أو ابنه أو أخاه أو زوجته أو ماله أو تجارته أو داره أكثر من حبه لله ، أو لرسوله ﷺ أو للجهاد في سبيل الله، تهدده بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وفسّقهم في نهاية الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فهذه بديهية من بديهيات الإسلام صارت اليوم -لغربة الإسلام- من الغرائب، بل صار المسلمون يضحون بدينهم من أجل أن تسلم لهم دنياهم، ويبخلون بالبذل في سبيل الله ، ولم يكن السلف كذلك، بل كان الواحد منهم يرحب بأن يندق عنقه ولا يُسلم دينه، كما أسرت قريش خبيب بن عدي وعذّبوه عذاباً شديداً، وقالوا: أتود أن محمداً مكانك، وأنك معافى في أهلك ومالك؟ فقال: والله ما أحب أنني معافى في أهل ومالي ويُشاك محمد ﷺ بشوكة.
وفي ذلك قيل: أسرت قريشاً مسلماً فمضى بلا وجل إلى السياف سألوه: هل يرضيك أنك سالم ولك النبي فدى من الإتلاف؟ فأجاب: كلا لا سلمت من الردى ويُصاب أنف محمد برعاف ولما أرادوا قتله أنشأ يقول: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على أي شق كان في الله مصرعي ما دام في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع مات يوم أحد زوج امرأة وأبوها وأخوها، فقالت: كيف رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: هو على خير ما تحبين، قالت: دعوني أنظر إليه، فلما نظرت إليه قالت: كل مصيبة دونك جلل يا رسول الله! فهي لا تبالي إذا مات زوجها وأبوها وأخوها ما دام قد سلم رسول الله ﷺ ، فكانوا يفدون الإسلام ورسول الإسلام بآبائهم وأمهاتهم وأبنائهم.
فهذه الروح هي التي ارتفع بها الإسلام، وعلا بها دين الملك العلّام، ولكن المسلمين اليوم عباد الله يبخلون بالبذل في سبيل الله ، ولا يبالي الواحد منهم إذا سلم في نفسه وماله وأهله صارت الدولة للإسلام أو لأعداء الملك العلّام، وصار الناس يتحاكمون إلى شرع الرحمن أو إلى الطواغيت اللئام، فينبغي على العبد أن يفدي دين الإسلام بنفسه، فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فينبغي أن يكون حب المؤمن لله أكثر من حبه للآباء والأبناء والإخوة والزوجات.
من هذه المعاني الإيمانية الكريمة العظيمة: أن نعتقد أن النصر قادم، وأن جولة الإسلام قادمة، ولا بد كما قال الله : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
كان الصحابة ﵃ يعذّبون في ربوع مكة، والنبي ﷺ يبشرهم بالنصر والتمكين، ويقول: (والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله) وفي رواية: (والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)، ونزل قول الله : ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] وتحقق هذا الوعد الصادق في أول لقاء بين الكفر والإيمان في يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، فهزم جمع الكفر وولوا الدبر.
وكان عند الصحابة ثقة بنصر الله ، حتى كان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتّهمون الصحابة الصادقين بالغرور، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٩] فمن ثقة الصحابة بنصر الله ووعده كانوا يتهمونه بالغرور، وكان خالد بن الوليد يقول للروم وقد تحصّنوا بالحصون: أيها الروم انزلوا إلينا فوالله لو كنتم معلّقين في السحاب لرفعنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.
فينبغي للمسلمين أن يكونوا
стр. 67
علو الهمة والتنافس في درجات الآخرة
من هذه المعاني الإيمانية الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن ينبغي أن يكون عالي الهمة فلا يرضى بالدون، ولا يبيع الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون.
لا ينافس في حطام الدنيا، بل ينافس في درجات الآخرة، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]؛ لأن الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً منها شربة ماء، فالمؤمن ينبغي أن يكون عالي الهمة يطمع في جنة الله، بل في أعلى درجات الجنة.
وقد كان الصحابة ﵃ الذين رباهم رسول الله ﷺ عندهم علو في الهمة، فقد سأله أحد الصحابة الكرام، وكان يكنى بـ أبي فراس.
قال له النبي ﷺ : (سلني، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة) فهو طلب أن يكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، قال: (أو غير ذلك؟ قال: بل هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، ويقول النبي ﷺ : (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفه عرش الرحمن) فالعبد عندما يدعو ويطمع في رحمة الله لا يرجو أن يكون آخر من يدخل الجنة، أو يكون في أدنى درجات الجنة، بل يطمع أن يكون في أعلى الدرجات، وفي الفردوس الذي سقفه عرش الرحمن.
نسأل الله تعالى الفردوس.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 68
مجالس رمضان_ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
خلق الله عباده في هذه الدنيا وأمرهم بعبادته وندبهم إلى طاعته، وما من عامل في الدنيا إلا ويرجو أن يجد ما عمله مدخراً له يوم القيامة ليجازى عليه بالحسنات، ودخول الجنات، ولكن الغبن الواضح والخسارة الفادحة لمن أتى يوم القيامة بأعمال يجعلها الله هباء منثوراً؛ لأن العبد لم يتقيد فيها بأوامر الله ولم يتبع منهج رسوله ﷺ .
стр. 69
خوف السلف من لقاء الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: لما أتت محمد بن المنكدر الوفاة بكى بكاءً شديداً، فأحضروا له أبا حازم من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه، فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا له: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه.
стр. 70
أقوال السلف في المعني بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)
стр. 71
أن الآية نزلت في أهل الأهواء والرياء
وللسلف في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] أقوال: قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل الرياء الذين لم يخلصوا أعمالهم لله ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فكل عمل كان بإرادة غير الله مشوباً مغموراً يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).
وقال بعض السلف: عملوا أعمالاً فظنوا أنها حسنات، فكانت سيئات، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
وقال بعضهم: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، وإنما يشبهون من يعيد الله بالرياء كمن دخل السوق وكيسه مملوء بالحصى، فكلما مر بأحد قال: ما أملأ كيسه! حتى إذا وقف عند البائع واختار ما أراد، أخرج ما في الكيس وضرب به وجهه، ولم يحصل به على شيء، ولم ينل إلا قول الناس: ما أملأ كيسه! فينبغي للعبد أن يخلص عمله لله ، حتى ينتفع بأعماله الصالحة يوم القيامة.
стр. 72
أن الآية نزلت في أهل البدع
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أهل البدع الذين يظنون أنهم يتقربون إلى الله ، وهم إنما يبتعدون عن الله ، فكلما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً ازداد من الله بعداً، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
وصف النبي ﷺ الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، وقراءته إلى قراءتهم -ثم قال:- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وقالوا: ليس لصاحب بدعة توبة؛ لأن البدعة تزين لأصحابها، ويظنون أنهم على هدى، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله ، وهم إنما يبتعدون عن الله .
قيل لبعض العلماء: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ قال: ألم تسمع قول الله : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، فقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل البدع.
стр. 73
أن الآية نزلت فيمن غره طول الأمل والأماني الباطلة
قيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل الغرور والأماني الباطلة، الذين خدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم يقصرون في طاعة الله ، وينتهكون حرمات الله ، ويقولون: إن الله غفور رحيم.
قال الحسن البصري: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا.
لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
وقد تطرق فكر المرجئة الخاطئ إلى كثير من المسلمين، وظنوا أنه لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وأن العبد ما دام مسلماً فإنه لا تضره هذه الذنوب، والله يرد على هذا الفكر الخاطئ فيقول : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣].
وقال : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالمعاصي تضر أصحابها في الدنيا والآخرة.
فقيل نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أهل الغرور والأماني الباطلة.
стр. 74
أن الآية نزلت فيمن أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة، ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد، فهم يحسنون الظن بحسناتهم، ولكنهم غفلوا عما وقعوا فيه من مظالم العباد، روى الترمذي عن النبي ﷺ قال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي بحسنات كأمثال الجبال، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم، ثم طرح في النار)، فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب، فهو يحسن الظن بحسناته، ولكنه غافل عن مظالم العباد التي قال النبي ﷺ فيها: (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات).
فقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة، ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد.
стр. 75
أن الآية نزلت فيمن ظنوا كبائرهم صغائر
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بذنوب، وظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، وكانت هذه الذنوب من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
عن أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعرة كإن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.
فمقياس التحقير والتعظيم مقياس نسبي، فبحسب إيمان العبد وتقواه يعظم الأمور أو يحقرها.
وقول أنس هذا يدل على كمال يقين الصحابة وتقواهم ﵃، كما قال ابن مسعود -ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم- قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، وإن الكافر أو الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار) فالمؤمن لأنه يعظم حرمات الله، ويعظم شعائر الله يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، لم يقل: مبنى أو شجرة؛ لأن هناك احتمالاً لنجاة من سقط عليه مبنى أو شجرة أو شيء أقل من الجبل، ولكن من سقط عليه جبل فليس هناك أدنى احتمال للنجاة.
فالمؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، والفاجر أو الكافر أو المنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار.
فقيل: هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] نزلت في أناس أتوا بذنوب، وظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، فكانت هذه الذنوب من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
следующие страницы →