Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
العلاج الجماعي لظاهرة الانتكاس
النقطة الثانية: وهي الأمور الجماعية التي يجب على المربي أن يعتني بها، وتتلخص في أمور:
стр. 1017
الارتقاء بالمستوى التربوي
الأمر الأول: الارتقاء بالمستوى التربوي، من ناحية العناية بالإيمان والعناية بالجدية، نريد أن نربي شباباً أصحاب ورع وعبادة وطاعة لله ، ولا نريد مظاهر، نريد شباباً جادين، عندهم استعداد أن يستجيبوا لله ويقدمون مرضاته على حظوظ النفس.
وأخاطب الإخوة الأساتذة والمربين فأقول: إن الشباب مهما كانوا فهم قادرون على أن يصلوا إلى مستويات عالية من التربية، أصحاب النبي ﷺ ألم يكونوا بشراً؟ الشباب الذين رأينا نماذج كثيرة منهم في أرض الجهاد في أفغانستان، يترك أحدهم أهله وماله ويذهب هناك ويسلم نحره للعدو، هم شبابنا ومن مجتمعاتنا، بل قد يكون بعضهم عاش في فتن أكثر مما عاشه أولئك الشباب، فالشباب مهما كانوا فهم قادرون على أن يصلوا إلى مستويات عالية من التربية، لكننا نظراً لأننا نمارس تربية دون المستوى المطلوب نتخيل أن هذا هو القدر الذي يمكن أن يصل الشباب إليه.
فلابد من الارتقاء بتربية الشباب من ناحية الإيمان، والجدية والعلم النافع، فالعلم هو الذي يعين الإنسان على الثبات، ويجعل الإنسان يعرف الحق من الباطل، عندما يغرم الإنسان بالعلم يعرف أنه سلك طريقاً لن ينتهي به، أما عندما تكون القضية مجرد عواطف، ومجرد ذهاب فلان مع فلان وفلان من الناس فسرعان ما يمل هذا الطريق.
стр. 1018
المتابعة الدقيقة
الأمر الثاني: المتابعة الدقيقة، فهؤلاء الشباب أمانة في أعناقكم، وتسألون عنهم يوم القيامة، وكل راع مسئول عن رعيته.
стр. 1019
الحرص على الاستدراك في المراحل الأولى
الأمر الثالث: الحرص على الاستدراك في المراحل الأولى: عندما ترى تقصيراً على أحد هؤلاء الشباب وخللاً يجب أن تبادر في البداية؛ لأنه عندما يهوي يصعب بعد ذلك استدراكه.
стр. 1020
المناصحة
وأخيراً: المناصحة: فعندما ترى أحداً قد أعرض يجب أن تناصحه، وتبذل كل ما تستطيع، وليس عليك إلا المناصحة والبلاغ، والتوفيق والهداية بيد الله .
أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 1021
الأسئلة
стр. 1022
معنى الحور بعد الكور
السؤال
إني أريد معنى واضح وصورة مبسطة لهذه الكلمات: الحور بعد الكور؟
الجواب
إن معنى الحور بعد الكور هو الانحراف بعد الاستقامة؛ إما الكفر بعد الإيمان، أو الانحراف بعد الاستقامة، يعني: بدلاً من أن كان مطيعاً تحول إلى عاص.
стр. 1023
سماع الأناشيد والتعلق بالأشخاص
السؤال
بعض الشباب لا يسمعون غالباً إلا الأناشيد، فهل عليهم خطر الانحراف؟ والسؤال الثاني: بعض الشباب قد يلتزم بسبب شخص معين، فيصبح هذا الشخص هو قدوته، فيعلق التزامه عليه، فإذا حدث أي خلل من ذلك القدوة تأثر التزام ذلك الشاب، ألا يكون هذا من أسباب الحور؟ نرجو التحدث عن هذه النقطة.
الجواب
القضية الأولى لا شك أنها قضية سلبية، ومن الخطأ ألا يسمع إلا الأناشيد، بل بقدر ما يتقلل منها يكون أولى، لأنك لا تستفيد منها علماً ولا قربةً ولا طاعة لله ، وإذا كان الإنسان يحتاج إلى إجمام النفس فلا بأس، لكن لا نبالغ أحياناً ونقول إن تحثنا على الجهاد فإن الجهاد يحتاج إلى رجال، لا إلى نشيد.
فأقول: سماعها لا حرج فيه، لكن علينا أن نتقلل قدر الإمكان، ونحرص على سماع القرآن وعلى سماع المحاضرات والدروس العلمية التي تفيدنا، وبعد أن تعود نفسك لا تصبر على مثل هذه الأشرطة، يعني في البداية أنت تحتاج إلى أن ترغم نفسك على سماع المحاضرات والدروس العلمية التي يكون فيها نوع من الجفاف، لكن بعد ذلك تصبح أمنية لك، وتصبح تبحث عن الشريط بأي وسيلة.
الشق الثاني من السؤال وهو قضية التعلق بالأشخاص، لا شك أن له دوراً كبيراً، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ لما مات ارتد الكثير من الناس، ولذلك ينهانا الله حتى أن نعلق أنفسنا بشخص الرسول ﷺ : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤].
ثم افترض مثلاً أن هذا الذي دعاك إلى طريق الاستقامة انحرف، فهل يعني هذا أن تنحرف؟ لا، هذا طريق واضح، مستقبلك الحقيقي هو معلق بسلوكك لهذا الطريق، وليس ذلك لأجل فلان من الناس، وفلان من الناس جزاه الله خيراً كان سبباً في هدايتك وله دور في تعليمك ودعوتك، لكن لا يعني هذا أن تقلده في كل صغيرة وكبيرة، لكن تستفيد مما عنده من الخير، ولا يمنع أن تستفيد ممن سواه.
стр. 1024
كيفية ترك الأصدقاء السيئين
السؤال
إنني أسير مع أصدقاء سيئين، وأسير مع أصدقاء صالحين، وأريد أن أترك السيئين، فما هو الطريق الذي أسلكه لكي أتجنبهم؟
الجواب
كثيراً ما يأتي مثل هذا السؤال وغيره، وأحياناً تأتيني رسائل في البريد من بعض الشباب يقول: إنني أعاني من هذه المعصية، وفعلت وفعلت ولم أستطع التخلص منها، وأحدهم يقول: أنا أسير مع السيئين وأحاول أن أتخلص منهم وعجزت، حتى سألني أحدهم مرة سؤالاً يقول: إنني أعق والدي، وعجزت أن أتخلص من عقوق الوالدين! يا أخي أنت تعرف أن هذه معصية، والحل هو ترك المعصية باختصار.
تعرف أن هذه طاعة فجاهد نفسك على الطاعة، إذا لم تستطع فأنت إنسان ضعيف الإرادة ضعيف الشخصية.
أحياناً يخيل لأنفسنا أن هذه مشاكل، فإذا تخيلنا أنها مشاكل أخذنا نبحث عن حل، والقضية أنك على طريق معصية فاتركها، أو طاعة فافعلها، ويجب أن تعرف أنك لابد أن تتبرأ من الأصدقاء السيئين، إما الآن وإما يوم القيامة، فاختر أحد الأمرين، إما أن تتبرأ منهم الآن، أو أن تقول يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩].
ويجب -يا شباب- أن نعتني بأن نربي الإرادة في أنفسنا، فعندما تقتنع أن هذا الطريق خاطئ ما الذي يجبرك على البقاء فيه!
стр. 1025
كيفية علاج ضعف الحماس عند الصديق
السؤال
بماذا تنصح المسلم عندما يرى صديقاً له ضعف إيمانه بعد أن كان قوياً؟ وما هو الأسلوب الحقيقي لإرجاعه؟
الجواب
أولاً: بالنسبة لضعف الإيمان بعد قوته، له حالتان: هناك حالة فتور عادية تحصل لكل إنسان، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ في الحديث، خاصة الشاب أول ما يلتزم ويستقيم يكون عنده حماس فتجده يشعر بالإقبال على العبادة والطاعة، وبعد فترة يفتر قليلاً، لكنه لا يعني هذا أنه يقصر، وهذه قضية عادية يجب سألا نقلق منها، يقول النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو: (إن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى)، يعني: كل إنسان يكون عنده فترة فيها إقبال وحماس، ثم بعد ذلك يفتر، هذه الفترة هل تؤدي بك إلى التهاون بالمعاصي وتتهاون بالفرائض؟ إذا كان كذلك فهي خلل وليست فترة.
أما إذا كانت مجرد أن يفقد بعض الحماس وبعض الإقبال على الطاعة، فهو أمر يصيب كل الناس، لكن اعتن بنفسك.
فأقول: يجب أن نفرق بين الحالتين، وعندما ترى على أخيك مثل هذا الأمر فمن حقه عليك أن تناصحه وتعظه.
стр. 1026
التأثر بغير الملتزمين
السؤال
إني أحبك في الله، أنا شاب في مركز، فحينما أخرج من المركز أذهب إلى أصدقاء آخرين، ونشاهد الكرة، فهل علي إثم في ذلك؟
الجواب
أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتحابين بجلال الله .
هنا يختلف الوضع، عندما تذهب مع الناس الذين يشاهدون الكرة، فإذا كانوا أخياراً صالحين يعملون مثل هذه الأمور لأجل إجمام النفس، فهذه صورة.
وإذا كنت تذهب مع الذين يلعبون في الشوارع أو في الأحياء فهم فئة غير مرغوب فيها في الغالب، ولو كان ابن عمك أو ابن خالك، أو كان أحد أقاربك أو جيرانك فاحذر منه، وما يؤتى الشر إلا من هؤلاء، وأنا أذكر لكم موقفاً مؤلماً.
مرة اتصلت علي امرأة في المعهد، استغربت للاتصال، قالوا: امرأة تريدك، قالت: أنت الأستاذ فلان؟ قلت: نعم، قالت: ابني فلان كان صالحاً ومستقيماً ويذهب مع الناس الأخيار، ثم بعد ذلك انحرف، كان يقوم الليل، وكان يؤذن إذا لم يأت المؤذن، وكان يصوم، وأنا أتشجع عندما أراه، وبعد ذلك انحرف وأصبح يسمع أغاني، فأريد منك أن تناصحه بأسلوبك المناسب؛ لأنه يتحدث عنك، أي: باعتبار أني أنا مدرسة، وقد يكون شارك معي في بعض الأنشطة، فقد يرد الاسم عند هذه المرأة.
فهذه المرأة المسكينة أصيبت بولدها، فتريد أن تبحث عمن ينقذه، فلما استدعيته عندي وتحدثت معه اكتشفت أن السبب ما أشرت إليه، أنه سافر إلى منطقة مع أقاربه وأصبح يجلس مع أبناء عمه، فأنا أحاول أن أقنعه أن يتخلى عن أبناء عمه، وأبناء عمه قد لا يكونون سيئين إلى آخر درجة، لكنهم على الأقل أناس غير مستقيمين، فهنا عندما يجلس معهم الشاب يذهب معهم ويأتي معهم، فقد يصاب، فأنا أحذر الشباب من ذلك؛ لأن بعض الشباب يقول لك: هذا من الحارة، أو هذا ابن عمي أو ابن خالي، فأقول: ما دام غير مستقيم فيجب أن تتخلى عنه.
стр. 1027
رواسب الماضي والتلذذ بأصوات الفتيات
السؤال
أنا شاب حديث عهد بالتزام، وكان لي مع التلفون مرحلة كبرى، حيث أنني أكلم الفتيات، وبعد التزامي تركت المكالمات، ولكن في قلبي منها شيء، وصرت أتلذذ بسماع أصواتهن وأتذكر ذلك؛ فما العلاج لذلك؟
الجواب
أولاً: نحمد الله على أن هداك، واسأل الله الثبات والهداية، وأكثر من دعاء الله ، ثم حاول قدر الإمكان أن تتخلص من التفكير؛ لأن التفكير في حد ذاته قد لا يكون معصية، لكنه قد يقودك حتى تستولي الشهوة على قلبك، فتخلص من التفكير إطلاقاً، وعندما يأتي إلى ذهنك مثل هذه الأفكار فانصرف إلى التفكير بما ينفعك، فكر في البرزخ، في القبر وما فيه من العذاب والنعيم، فكر في الدار الآخرة، في الجنة والنار، فكر بالحور العين، واقرأ في كتب الرقائق، اقرأ مثلاً في الترغيب والترهيب، في نعيم الجنة، وترى أوصاف الحور العين التي أعدها الله لمن أطاعه، واقرأ في كتاب الله وتمعن، وألح على الله في الدعاء في جميع صلواتك وفي كل وقتك أن يخلصك من هذه الفتنة، وادع الله أن يعينك وأن يثبتك، واعلم أنه لا يرد القدر إلا الدعاء، واعلم أن الله لا يرد العبد الصادق إذا أقبل عليه، وتخلص من كل الأمور التي تذكرك بالمعصية، إذا كنت تستطيع الزواج فلا شك أن هذا أمر طيب، وإذا لم تستطع فليكن لنفسك حظ من الصيام، تصوم بعض الأيام الفاضلة، فالنبي ﷺ ، يقول: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوجـ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، ونسأل الله في هذا المكان أن يثبتك وأن يعينك أنت وإخوانك الصالحين، وأن يعصم إخواني الشباب من هذه الفتن.
стр. 1028
أثر الازدواجية في الصداقة وعلاجها
السؤال
كثير من الشباب يقع في ازدواجية بين الطيبين وغيرهم، فهو متذبذب، فما أثر ذلك وما علاجه؟
الجواب
أثر ذلك أنه لابد أن يصير إلى أحد الطريقين، ولا يمكن أن يستمر؛ عندما تسير مع الطيبين هناك مواصفات يجب أن تتصف بها، يجب أن تحافظ على الصلاة، يجب أن تكون إنساناً مستقيماً ورعاً عن المعاصي، وعندما تكون مع السيئين هناك مواصفات أخرى يجب أن تتصف بها، فتقع في تناقض، فإما أن تكون شخصاً متناقضاً، تأتي مع هؤلاء بوجه وأولئك بوجه، وهذه مشكلة، أو أن تكون إنساناً ضعيفاً، المهم أنك لن تستمر فاختر أحد الطريقين، بأن تتبرأ من الطيبين وتكون مع السيئين فتأخذ كل الشهوات، لكن النتيجة أنك تتبرأ منهم يوم القيامة، أو تتبرأ من السيئين وتعاشر الطيبين الأخيار، والنتيجة أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، (أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
والله يا شباب إنها لفرصة أن يمن الله عليكم بالصحبة الصالحة، فرصة أن ييسر الله لك أن ترى صحبة صالحة تعينك على الخير، وغيركم قد لا يطيق هذا الأمر وقد لا يجده، فماذا يصنع؟ لا يستطيع أن يثبت وحده.
فأقول: يجب أن نعض على هؤلاء بالنواجذ، ولو كان عندهم سلبيات أحياناً، ولو أخطئوا أو قصروا، فقد يكون في النفوس ما بها، وقد يكون بينك وبين أخيك بعض ما يكون بين الناس، قد تكون هناك حزازات ومشاكل، لكن النهاية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، يوم القيامة بعد أن يظلهم الله في ظله، بعد أن يكونوا على منابر من نور، بعد أن يتبرأ الأب من ابنه والزوجة من زوجها، هؤلاء يبقون أخلاء؛ لأن علاقتهم لله ومحبتهم له، ثم بعد ذلك قبل أن يدخلوا الجنة يتم الله عليهم النعيم، فينزع كل شيء في قلوبهم، تصبح القلوب صافية مائة في المائة، على سرر متقابلين، فقرر مصيرك من الآن.
стр. 1029
المقصود بالجهاد في آخر العنكبوت
السؤال
ما المقصود بالجهاد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]؟
الجواب
الجهاد عام، لكن إذا أطلق الجهاد فهو ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله بقتال الكفار، فالجهاد معنى عام يعني: جهاد الدعوة وجهاد النفس في طاعة الله ، لكن الأصل أنه إذا أطلق الجهاد فإنه ينصرف إلى القتال في سبيل الله.
стр. 1030
كتب ينصح بقراءتها
السؤال
ما الكتب التي تنصح بقراءتها، وخاصة في هذا الباب؟
الجواب
بعد كتاب الله كتاب: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم، ولا أنصح بقراءته فقط، بل بإكثار قراءته، فهو كتاب قيم ورائع، وبداية الكتاب هو سؤال سأله شخص قال: ما تقول السادة العلماء في رجل أصيب ببلية ويرى أنها إن استمرت عليه أفسدت دنياه وآخرته، أفتونا مأجورين، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه؟ وكذلك كتاب: العفة ومنهج الاستعفاف للعقيلي، وكتاب وسائل الثبات على دين الله للشيخ محمد المنجد.
على كل حال الكتب كثيرة، وبإمكانكم أيضاً أن تسألوا أساتذتكم في مثل هذا المركز، فسيفيدونكم كثيراً.
стр. 1031
مواجهة الشهوة
السؤال
كيف نواجه الشهوة؟
الجواب
هذا يحتاج إلى محاضرة كاملة، لكن نستطيع أن نقول باختصار: بالإيمان بالله والاتجاه إلى الله ، غض البصر والإعراض عن مثيرات الشهوة ودواعيها، ترك التفكير في مثل هذه الأمور، التخلي عن الجلساء السيئين، دعاء الله ، في بعض ما أشرت إليه، وسبق أن أشرت إلى جزء من هذه الأمور، ولعلكم تجدون في كتاب الجواب الكافي وكتاب العفة ومنهج الاستعفاف كثيراً من علاج مثل هذه القضية.
стр. 1032
الالتزام الشكلي وعدم العمل للدين
السؤال
مشكلة تظهر في الشباب، ألا وهي كثرة الشباب الملتزمين شكلاً، ولكنهم باردون، بل الأكثر لا يختلفون عمن سواهم في العمل للإسلام والحماس له إلا القليل، فضيلة الشيخ! أرجو توضيح السبب في ذلك، مع العلاج، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذه الذي سبق أن أشرت إليها هي قضية الغثائية، يعني أن فئة من الشباب يلتزم التزاماً ظاهرياً، وليس هو منافقاً، لكنه غير جاد، لا يقدم للإسلام شيئاً، ولا يشعر بقيمة التزامه.
ومن الأسباب لذلك، أولاً: عدم القناعة، فليس عنده قناعة بأن هذا طريق لابد أن يسلكه، وليس عنده معرفة تامة بطريق الهداية وطريق الضلال.
أيضاً: ضعف الإيمان الذي يدعو الإنسان إلى مثل هذه الأعمال.
كذلك التربية: أحياناً يكون مع بعض الشباب الذين يضيعون الوقت كثيراً ويربون على مثل هذا الأمر، يذهبون ويأتون في لقاءات، وعندهم كثرة هزل وكثرة عبث ولهو، فهذه الأمور لا تربي أناساً جادين، وإنما تخرج أمثال هؤلاء.
وهناك عامل آخر، وهو انتشار الصحوة، فإنه يساعد على وجود مثل هذه النوعيات، فإذا كان الملتزمون قلة يصبح الملتزم غريباً نادراً، ولذلك لا يلتزم إلا عن قناعة، لكن عندما ينتشر الأمر يسلك هذا الطريق كل إنسان، ولذلك تجد الذين دخلوا في الإسلام أول الأمر كانوا أناساً أقوياء وثبتوا وما ارتدوا، أما بعد ذلك فقد ارتد الكثير ممن دخلوا في الإسلام.
العلاج لذلك باختصار: هو أن نشعر بأهمية هذا الطريق وحاجتنا إليه، وأن القضية قضية مستقبل، وقضية إيمان، وأن نرى واقع الأمة الآن، وأنه لا يسمح لنا بأن نقضي أوقاتنا في العبث واللهو وإضاعة الأوقات، بعض الشباب الطيبين يقضون ليلة كاملة، بل ليالي عديدة، مرة عند فلان ومرة عند فلان، ومرة يذهبون هنا وهناك يضيعون أوقاتهم، والوقت لا يحتمل، وواقع الأمة كلها لا يحتمل، وتخيل هذه الساعة نضيعها على فلان، ونضيعها على فلان، اجمع هذه الساعات كلها وتخيل الأوقات الهائلة التي تضيع على الأمة في مرحلة هي أحوج ما تكون إلى أبنائها، فعندما ندرك واقع الأمة ودورنا جميعاً في إنقاذ الأمة أظن أننا ننظر إلى حياتنا وتربيتنا نظرة أخرى تختلف عما نحن عليه.
أسأل الله أن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، كما أسأل الله أن يثبتنا وإياكم، وشباب المسلمين، وأن يصد عنهم الفتن.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1033
ولله الأسماء الحسنى
الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى من أهم الأمور العقدية التي ضلت فيها كثير من الفرق والطوائف، ولذا ينبغي الاهتمام بها ومعرفة معانيها والعمل بمقتضاها.
стр. 1034
أهمية الحديث عن الأسماء والصفات
стр. 1035
تعلقها بالله
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فموضوعنا في هذا اللقاء هو: (ولله الأسماء الحسنى)، ولا شك أن الحديث يأخذ قيمته وشأنه ومكانته مما نتحدث عنه، وحين نتحدث عن الأسماء الحسنى فإننا نتحدث عن أسماء الله وصفاته.
وهو حديث يأخذ بالقلوب، وينقل المرء من عالم المحسوسات إلى عالم آخر ليتعرف على أسماء الله وصفاته، وحينها يشعر بعظمة الله وسلطانه وملكه وكبريائه، ويتعرف في المقابل على فقره وذله وخضوعه لله .
الأسماء والصفات تأخذ جانباً كبيراً وباباً واسعاً من أبواب العقيدة، بل صارت في مرحلة من المراحل هي المعلم البارز في اعتقاد أهل السنة، فمن صنف من أهل السنة والجماعة لابد أن يبدأ في الحديث عن الأسماء والصفات، وكما أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق، وأن هذه الفرق كلها في النار إلا طائفة واحدة ناجية وهي أهل السنة والجماعة.
стр. 1036
أنه من أعظم الأبواب التي ضلت فيها الطوائف والفرق
وباب الأسماء والصفات كما تعلمون من أوسع الأبواب التي ضلت فيها الطوائف والفرق، ودار جدل طويل وصراع طويل بين هؤلاء وبين أهل السنة؛ صراع علمي وعقدي وفكري حول هذه القضية.
ولا شك أن علماء أهل السنة والذين كانوا يذبون عنها ويسعون لبيانها للناس كان يعنيهم أن يستقر المعتقد السليم والصحيح عند الناس، وأن يدفعوا تلك الشبه التي كان يثيرها أولئك الضالون زعماً منهم أنهم يريدون تنزيه الله وتعظيمه، وهذا بلا شك ترك أثره البارز على منهج عرض الأسماء والصفات والحديث عنها، فصار أهل السنة حينما يتحدثون عن الأسماء والصفات في مرحلة من المراحل كانوا يعنون بدرجة كبيرة بقضية الإثبات، وقضية الجدل مع المخالفين، ودفع شبه أولئك الذين يثيرون هذه الشبه حول أسماء الله وصفاته، وحينها يتوقفون عند هذا القدر؛ وذلك أن الأمة كانت تقرأ القرآن، وكان الناس يتدبرون القرآن، وكانوا يعون هذه المعاني، وكان القدر الذي يحتاجون إليه حينها هو أن يتضح لهم ما يجب لله ، وما يجوز على الله وما لا يجوز عليه، وهي قضايا بدهية.
القضايا الأساسية دائماً في العقيدة قضايا واضحة يدركها كل مسلم متعلم أو طالب علم؛ فكل مسلم يشعر بتعظيم الله ، ويشعر أنه لا يمكن أن يقاس الله بخلقه، ويشعر أنه ليس له الحق أن يعتدي على أسماء الله وصفاته فيفهمها من خلال عقله القاصر وقياسه العقلي، فهو يدرك أن الله أكبر وأعظم وأعلى وأجل من أن تحيط به هذه الأفهام القاصرة، ومن أن يتصوره هو في ذهنه ويتخيله.
стр. 1037
اعتقاد ما يليق بالله تعالى من الأوصاف
وأيضاً: يعرف المسلم أن الله حينما يصف نفسه بأنه الرزاق ذو القوة المتين، وأنه على العرش استوى، وأن يديه مبسوطتان، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ يدرك من هذه النصوص كلها معنى يليق بجلال الله وعظمته.
ولعلك ترى أحد كبار السن الصالحين العابدين لله من العامة عندما يسمع هذه الآيات من كتاب الله ، أو يسمع متحدثاً يتحدث عن عظمة الله ، وعن أسمائه وعن صفاته لا يلبث أن يلهج لسانه بالتسبيح والتمجيد والتنزيه لله ، ولو قدر أن ترى وجهه لرأيت وقرأت فيه علامة التعظيم والخضوع لله ، واستشعار النقص والفقر أمام ذات الله .
إن هذه القضايا قضايا متقررة وبدهية، لكن نظراً لوجود هذا التيار الجارف من الشبه والضلال الذي حاول أن يحرف هذا المعتقد فيؤول أسماء الله وصفاته، ويشبه الله بخلقه، ويسلط عقله البشري على ذات الله ، وعلى أسمائه وصفاته، فيجعل من عقله القاصر مقياساً وحكماً على أسماء الله وصفاته، حكماً على ما يجب لله وما لا يجب، لا شك أن هذا التيار الجارف كان يفترض من أهل الإسلام مواجهته ويفترض منهم رد الشبه، والحديث عن هذا، وهو واجب لا شك متحتم، وعامة المسلمين من حقهم أن يوضح لهم المعتقد السليم وأن تدفع عنهم هذه الشبه.
لكن تلك الفترة التي بدأ الحديث فيها عن الأسماء والصفات كانت القضية واضحة عند الناس، وكان الناس يتدبرون القرآن ويعون هذه المعاني التي أشرنا إليها، لكن طال الزمان وطال العهد بالناس، وبعدوا عن مشكاة النبوة، وبعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ومن هنا انحرفت نظرتهم لهذا المعنى أو صار الناس حينما يسمعون الحديث عن الأسماء والصفات يقفز إلى أذهانهم مباشرة الجدل الطويل مع الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومع سائر الطوائف الكلامية التي انحرف فهمها لهذه العقيدة، وانحرفوا في فهمهم لأسماء الله وصفاته.
ثم يغيب عن بالهم معنى آخر له أهميته حول هذا الجانب، ويتزامن هذا مع الفصام النكد الذي يعيشه المسلمون بين قضية التوحيد وقضية السلوك، وقضية الواقع الذي يعيشه المسلمون.
لقد صار البعض من المسلمين يتصور أن قضية التوحيد قضية جدلية فلسفية بحتة لا تعدو أن تكون مجرد قضايا معرفية بحتة يعتقدها ويصارع حولها، ثم تقف وتنتهي عند هذا الحد.
وأضرب لكم أمثلة سريعة حول هذا، ثم أعود إلى موضوعنا الأساسي: من أسس عقيدة التوحيد أن لا إله إلا الله، وهذا يعني: أنه لا أحد يستحق العبادة ولا الخضوع غير الله ، والتشريع والتعظيم إنما هو حق لله .
إن قضية لا إله إلا الله، وقضية ألوهية الله وعبودية المخلوق حينما تضعها على بساط معرفي جدلي بحت تراها قضية واضحة مقررة عند المسلمين، لكنك ترى البعض قد يخضع لغير الله ويتوجه بقلبه لغير الله .
إن الذي يخاف من المخلوق ويحسب له ألف حساب هو نفسه الذي يقر بعقيدة التوحيد، ويقر بأن الله هو الذي ينبغي أن يخاف وينبغي أن يخشى وينبغي أن يرجى .
خذ على سبيل المثال عقيدة الولاء والبراء وهي من أسس اعتقاد المسلم، بل الخلل بها باب من أبواب الكفر، فمن نواقض الإسلام موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين.
كم يقع الموحدون والمسلمون في هذا، بل يرون الفصل التام بين هذه القضية وقضية التوحيد، فيرون أن قضية العقيدة التوحيد إنما هي قضايا معرفية بحتة بعيدة عن السلوك والواقع الذي يعيشونه، ولعل ما يأتي من الحديث بمشيئة الله حول الأسماء والصفات سيجيب على جزء من هذا التساؤل الذي طرحناه: ما مدى العلاقة بين واقع المسلمين سلوكاً وحياة، وبين التوحيد والمعتقد؟ وقضية التوحيد ليست قضية جدلية فلسفية، وليست قضايا معرفية بحتة، إنما هي قضايا ما لم ينطبع أثرها على السلوك فإنها لا فائدة منها ولا أثر، وما قيمة أن يقتصر المرء على قضايا معرفية مجردة، بل هو منشأ الضلال الذي نشأ عند أهل الفلسفة والجدل؛ أن حولوا القضية إلى قضية جدل وفلسفة ومعرفة فقط بعيدة عن واقع العمل والسلوك.
стр. 1038
شرف العلم بشرف المعلوم
الأسماء والصفات تتعلق بالله ، وهذا يزيدها شرفاً، وهذا يجعل علم الأسماء والصفات أشرف العلوم؛ لأنه يتعلق بالله ، كما قال ابن العربي ﵀: شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات فالعلم بأسمائه أشرف العلوم.
وابن القيم ﵀ يقول: وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم به أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى؛ ولهذا لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله، إما أن يكون لجهل به أو لعدم حكمته، أما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض.
أنتم جميعاً أحسبكم من حفاظ كتاب الله ، ومن لم يكمل منكم حفظ كتاب الله فهو في الطريق، وتقرءون كتاب الله كثيراً، فما هو حجم الحديث عن الأسماء والصفات في القرآن الكريم؟ إنك حين تتأمل كتاب الله لا تكاد تخطئك هذه الأسماء والصفات فتجد أحياناً حديثاً سرداً لأسماء الله وصفاته وحديثاً عن عظمة الله ، وأحياناً تجدها تعقيباًَ على آية من الآيات في وعد أو وعيد أو حكم شرعي، أو حديث عن المكذبين والضالين، أو عن أنبياء الله ورسله.
وحينها نطرح سؤالاً مهم: لماذا هذا الحديث المستفيض في القرآن الكريم عن الأسماء والصفات؟ لو أننا وقفنا عند النقطة المعرفية البحتة وقلنا: إن واجبنا تجاه أسماء الله وصفاته أن نثبتها حقاً كما هي لله فقط فهل يجوز ذلك؟ إن المعرفة قضية لا يجوز أن نهمشها، بل الخلل فيها انحراف ومدعاة لأن يكون المسلم خارج دائرة الفرقة الناجية، وضمن الفرق الهالكة المتوعدة بالنار عافانا الله وإياكم، لكن هذا الحديث المستفيض عن علو الله على خلقه، وأن الله هو الرزاق، وأن الله هو العليم الحكيم السميع البصير، فهل يمكن أن نقف فقط هنا ونقول: هذا إثبات اسم والاسم يتضمن صفة وننتهي فقط عند هذا القضية، أم أن هناك معنى آخر.
لماذا يحدثنا الله في القرآن عن الأسماء والصفات؟ بل لماذا يكون أكثر الحديث في كتاب الله .
أليس هذا موحياً بأهمية الأمر، ثم أليس هذا موحياً بأن هناك واجباً آخر وأن هناك أثراً آخر لقضية الإيمان بالأسماء والصفات ينبغي أن نعيه؟
стр. 1039
الإيمان بالأسماء والصفات يتضمن إثبات معناها
ثانياً: الإيمان بالأسماء والصفات عند أهل السنة يتضمن إثبات معناها، وهي معلومة المعنى لكنها مجهولة الكيفية، ولهذا حكموا بالضلال على أهل التفويض الذين يقولون إن المعنى مجهول أو إن ظاهرها غير مراد.
فمثلاً حتى نقرب لكم الصورة: خذ مسلماً عامياً لا يعرف القراءة وقل له مثلاً: إن الله غفور حليم تواب رحيم، تجد أنه يعرف من هذه الكلمة معنى، وقل له: إن الله شديد العقاب، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٣]، هنا الآن ذكرت له صفات من صفات الله، وهنا ذكرت له صفات من صفات الله، ألا يفهم من هذا فهماً؟ ألا يترك هذا أثراً على نفسه؟ بغض النظر عن قدرته على التعبير الدقيق عما فهمه، لكن هذه تترك معنى في نفسه.
حينما تسمع قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) ألا يفهم المسلم من هذا معنى، يترك أثراً في نفسه؟ جرب واذهب إلى جدك أو إلى أحد أعمامك أو أقاربك كبار السن أو جدتك الكبيرة في السن واقرأ عليها هذا الحديث وانظر ماذا تقول، وانظر أثر هذا النص عليها.
إذاً: فالمسلمون يفهمون معنى الأسماء والصفات في الجملة، وإن كانت الكيفية وما وراء ذلك قضية لا يدركونها.
إذاً: حينما تكون قضية الإيمان بالمعنى وإثبات معاني هذه الأسماء والصفات على ما يليق بجلال الله من واجبات المسلم ضمن قضية اعتقاد أهل السنة، حينها يكون المعنى له أثر، وإلا فما الفائدة من ذلك؟
стр. 1040
ختم الآيات بما يناسبها من الأسماء والصفات
ثالثاً: نحن نجد أن الآيات كثيراً ما تختم بالأسماء والصفات، وهي تختم غالباً ختماً مناسباً لمعنى ما دلت عليه الآية.
من الأمثلة على ذلك: يحكون أن أعرابياً جاء فسمع رجلاً يقرأ قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [المائدة:٣٨] غفور رحيم، فقال هذا الأعرابي: لست قارئاً للقرآن؛ لأنه لو غفر ورحم لما قطع، ولكنه عز فحكم فقطع.
وفعلاً: تنبه الرجل وعرف أن الآية كما قال، ولهذا تجد ختم الآية مناسباً، خذ مثلاً قول الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] بقية الآية ما هي؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١].
وفي آية الزكاة مثلاً يقول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] بقية الآية: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
وفي آية الفرائض لما ذكر الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ختمها بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١].
فختمت بنفس المعنى، إذاً: وصف الله بالعلم والحكمة بعد آية الصدقة أو آية الفرائض فيها معنى، وفيها إشارة للذي يقرأ الحكم بأن هذا التوزيع للزكاة أو التركة صادر من عليم حكيم.
فإذا سأل: لماذا تأخذ البنت النصف؟ يسمع: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١] فيشعر أن الله اتصف بصفة العلم والحكمة فهو يضع الأشياء في مواضعها.
يقول الله مثلاً لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] وذلك حينما دعا على أولئك الذين شجوا رأسه ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢٨ - ١٢٩]، بينما تقرأ في سورة المائدة نفس الآية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:٤٠]، هنا السياق يختلف عن ذاك السياق؛ ولهذا ختمت الآية بهذا الاسم، وهناك ختمت بذاك.
إذاً: ختم الآيات بالأسماء والصفات يعطينا دلالة أن هناك ارتباطاً بين الاسم والصفة وبين ما سبق من الآية، وهذا يعني أن قضية الأسماء والصفات ليست قضية جافة، وأن هناك علاقة بين هذه الأحكام وبين أن الله عليم حكيم، وعلاقة بين تلك القضية وبين كون الله سميعاً بصيراً، وقل مثل ذلك في سائر الأحكام.
ثم تجد عجباً حينما تتأمل، فهناك معان قد يبدو لنا أنها مترادفة، لكنها ليست مترادفة، فمثلاً قد يأتي أحياناً غفور رحيم، وقد يأتي: غفور حليم، هناك فرق هنا الرحمة والحلم، قد يأتي مثلاً عليم حكيم، وقد يأتي عليم حليم، قد يأتي خبير بما تصنعون، وقد يأتي لطيف خبير، كل هذه المعاني لها أثر، ولها دلالة، ولا يوجد في لغة العرب كلمتان مترادفتان ترادفاً تاماً، بل كل كلمة لها دلالة، حتى مثلاً أسماء الأسد كما يقولون: الأسد والهزبر والليث، كل كلمة لها دلالة معينة، ولو ساغ هذا في كلام العرب لما ساغ في كلام الله ، فمجيء الآية هنا له معنى وله أثر غير مجيئها هناك، فغفور رحيم غير غفور حليم، ولو قرأت في كتب التفسير وتأملت لوجدت عجباً في ذلك.
إذاً: ختم الآيات بهذه الأسماء والصفات دليل على أن هناك ارتباطاً بين هذا المعنى الذي دلت عليه الآية وبين الاسم والصفة، ودلت على أن قضية الاسم والصفة ليست قضية معرفية جافة.
стр. 1041
الأسماء والصفات من القضايا الأساسية في العقيدة
أيضاً: مكان الأسماء والصفات في العقيدة، فلو سألت أي شخص عن أنواع التوحيد، لقال لك: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، أو تقسيم آخر: توحيد المعرفة والإثبات والطلب والقصد، لكن المقصود أنها تأخذ حيزاً كبيراً وقسماً مستقلاً من أقسام التوحيد.
ثم في كتب العقيدة لو تصفحت فهارس كتب العقيدة لوجدت أن الأسماء والصفات تأخذ حديثاً واسعاً عند أهل السنة، بل إنك تجد طوائف المشكلة بينها وبين أهل السنة هي في قضية الصفات وسبب الخلاف معهم هو قضية الصفات.
إذاً: فهي تمثل قضية أساسية في العقيدة، وقضية لها أهمية، ونوعاً مستقلاً من أنواع التوحيد، فلماذا نهمش القضية ونجعلها قضية معرفية، لا أظن أن هذا هو التعامل الصحيح اللائق بالله وأسمائه وصفاته.
стр. 1042
الدعاء بالأسماء والصفات
أيضاً: من الأمور التي ينبغي أن نطرحها بين يدي الحديث عن الأسماء والصفات والتي تقودنا إلى مثل هذا الفهم الأوسع الأمر بالدعاء بها، فإن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأنتم تقرءون في القرآن الكريم عن جمع من أنبياء الله أنهم يدعونه بأسمائه وصفاته.
وفي السنة النبوية فيما نقل عن النبي ﷺ من أدعية سواء مما دعا به ﷺ أو أمرنا ﷺ بالدعاء به نجد كثيراً من هذه النصوص فيها الدعاء بالأسماء والصفات، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] هذه فيها دعاء بالأسماء والصفات؛ فالرب من أسماء الله وصفاته.
وأما الأدعية في السنة النبوية فهي كثيرة، منها مثلاً قوله: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك).
وقوله: (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
نكتفي بهذه الأمثلة والأمثلة كثيرة.
стр. 1043
أنواع الدعاء بالأسماء والصفات
الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة، فحينما يقول المسلم: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهذا دعاء لكنه دعاء ثناء على الله .
يقول النبي ﷺ : (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، فجعلها النبي ﷺ دعاء، لكنه دعاء ثناء وليس دعاء مسألة، فدعاء الثناء ثناء على الله ، ودعاء المسألة نعرفه جميعاً وهو الذي ينصرف إليه الذهن حينما نقول: الدعاء.
الدعاء بأسماء الله وصفاته ينبغي أن يتناسب مع ما يدعو به المسلم، فكما قال ابن العربي: يطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هاد اهدني.
وقال ابن القيم: يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لهذا.
هناك عدة معان حول قضية دعاء الله بأسمائه وصفاته تترك آثاراً على النفس، منها أن يتقدم المسلم بين يدي الدعاء بالثناء على الله ، وكما قال النبي ﷺ : (لا أحد أحب إليه الثناء من الله ، ولا أحد أغير من الله ، ولهذا كان النبي ﷺ يحمد الله في كل خطبة، ويثني عليه في كل مناسبة حينما يبدأ حديثه، فهو حينما يدعو الله بأسمائه وصفاته يثني على الله ويتوسل بين يدي الدعاء بعمل صالح يقربه لله ، هذا جانب.
جانب ثان له أهميته وقد نغفل عنه، وهو الأثر النفسي على الإنسان عندما يدعو بهذا الاسم، وذلك أنه يدعوه إلى اليقين بالإجابة، واليقين بالإجابة سبب من أسباب إجابة الدعاء، تأمل معي مثلاً حديث دعاء الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي).
حينما يتأمل الإنسان هذا المعنى سينخلع من كل حول وقوة، ويشعر أنه سلم نفسه بين يدي الله ، وحينها سيشعر أنه محتاج إلى الله ليختار، محتاج إلى الله أن يوفقه؛ لأن الله يقدر وهو لا يقدر ويعلم وهو لا يعلم، وهو صاحب الفضل العظيم ، وعندما يعيش هذا المعنى يكون على يقين ويكون عنده شعور بالحاجة ويقين بالإجابة، وحينها يصدق عليه قول النبي ﷺ : (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء غافل لاه).
إذاً: فالدعاء بالأسماء والصفات مع ما فيه من الثناء على الله والتوسل بين يدي هذا الدعاء؛ فيه معنى آخر مهم، وهو أنه يترك عند الداعي شعوراً يجعله يعظم الله ، ويسلم لله ، ويجعله يوقن بإجابة الدعاء؛ لأنه حين يقول مثلاً: رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ويتأمل هذه المعاني تترك أثراً وتعطيه أملاً ورجاء يجعله يوقن بالإجابة، فيساهم هذا بأن يتحقق لديه أدب من آداب الدعاء، وهو اليقين بالإجابة، علاوة على الأثر والشعور بالعبودية والخضوع لله والافتقار بين يديه ، وذلك حين يعيش آثار هذه الأسماء والصفات ومعانيها؛ ولهذا كان الدعاء عبادة كما قال ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، لأن فيه الفقر والذل والخضوع بين يدي الله .
стр. 1044
الأسماء الحسنى ليست محصورة في تسعة وتسعين اسماً
أخيراً: يقول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) وفي رواية: (من حفظها دخل الجنة)، واختلف العلماء في معنى: (من أحصاها).
وهذا الحديث ثابت لكن الحديث الذي ورد فيه تعداد الأسماء والصفات لا يصح باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
بقيت قضية أخرى: هل هذه الأسماء محصورة في تسعة وتسعين؟ الصحيح والمقطوع به أنها لا تنحصر في تسعة وتسعين، وفي هذا الحديث قال: (إن لله)، ولم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون.
وفي الحديث الآخر قال: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن) إلى آخر الحديث وهو دليل على أن لله أسماء غير معلومة، مما استأثر بعلمها أو مما علمها أحداً من خلقه ممن اختصهم بذلك.
لكن هذه التسعة والتسعين لابد أن تكون مما علمنا الله في كتابه، لأن الله رتب عليها ثواب دخول الجنة، فلا يمكن أن يكون من هذه التسعة وتسعين اسم مما استأثر الله بعلمه؛ لأنه لا فائدة إذاًَ في أن يدعى إلى إحصائها وحفظها وأن يرتب على ذلك ثواب، والثواب إنما يترتب على عمل يمكن أن يقوم به الناس، لكن حينما تكون هذه التسعة والتسعون من ضمن ما استأثر الله بعلمه لا يمكن الناس أن يعملوا بهذا الحديث، ولا يمكن أن يحصوها، وكلام الرسول ﷺ منزه عن أن يكون عبثاً وأن يعلق الأمة بثواب لا يمكن أن تصل إليه أصلاً ولا تطيقه.
المقصود: أن العلماء اختلفوا في معنى: (من أحصاها)، فمنهم من ربطها مع قوله : ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: لن تطيقوه، فقال: أن إحصاءها هنا إطاقتها.
ومنهم من قال: من قام بحقها، وتأمل معانيها، وقام بآثارها.
ومنهم من قال: المقصود عدها.
ومنهم من قال: أن يدعو الله بها كلها.
ومنهم من قال: قراءة القرآن؛ لأنها في القرآن، فإذا قرأ القرآن يكون قد أحصاها.
ومنهم من قال: إحصاؤها حفظها، وهي رواية في الحديث: (من حفظها)، وهذا لكن هناك رأي آخر ومنحى آخر أشار إليه ابن القيم ﵀: هو أن الإحصاء مراتب: مرتبة الإطاقة، ومرتبة الحفظ، ومرتبة الدعاء كل هذه مراتب.
ويوضح هذا أنه لو قررنا أن المعنى هو حفظها لترتب عليه شيء آخر، فإن ثواب حفظ القرآن الكريم معروف كما قال ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، فلو فرضنا أن شخصاً منافقاً حفظ القرآن، أو شخصاً يختم القرآن كل يوم، لكنه لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً، فهل ينفعه حفظه للقرآن؟ وهل تنفعه تلاوته القرآن؟ (القرآن حجة لك أو عليك)، ربما كان خصماً له هذا القرآن، فكذلك هذه الأسماء حين يكون إحصاؤها مجرد حفظ فقط لا ينفعه ذلك، لكن يحفظها ويتأمل معانيها ويلزم نفسه بمقتضياتها.
стр. 1045
آثار الأسماء والصفات على المسلم
من خلال كل ما سبق نصل إلى نتيجة أن هذه الأسماء والصفات لابد أن تترك آثاراً على نفس المسلم، وهي آثار عظيمة نشير إلى جزء يسير منها:
стр. 1046
تعظيم الله
من هذه الآثار: تعظيم الله : المسلم الذي يعلم أن الله حليم وأن الله غفور رحيم كريم، وفي المقابل شديد العقاب وأنه يبطش ويمكر بمن يمكر، وأنه يكيد الكافرين، ولا يعجزه شيء، فإذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، وحين يعرف أيضاً أن الله يسمع ولا يغيب عن سمعه شيء، ويبصر سبحانه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ حين يعلم هذه الأسماء والصفات فإنه يزداد تعظيماً لله ، ويزداد خضوعاً له .
ولله المثل الأعلى والله لا يقاس بخلقه: فلو رأيت إنساناً حليماً لا يغضب، فإنك تزداد إعجاباً به، وسرداً لتلك القصص التي تحكي حلمه وتحكي صبره على من يجفونه وعلى من يغلظون عليه ويسيئون إليه.
والله أعلى وأجل وأعظم من أن يقاس بخلقه، وله المثل الأعلى ، فالله حليم، لكن حلم المخلوقين مهما كان لا يمكن أن يكون كحلم الله ، وهو كريم، لكن لا يمكن أن يقاس كرم المخلوقين به، وأيضاً حلمه وكرمه وعفوه ومغفرته وتوبته لا يمكن أن يطمع بها كافر ومعرض، بل هو كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].
وأخبر أنه قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٦]، فحينما يتأمل المسلم هذه المعاني يزداد تعظيماً لله ، وكلما ازداد المرء تعظيماً لله ازداد عبودية وخضوعاً له .
стр. 1047
احتقار المخلوق
من آثارها أيضاً: احتقار المخلوق: فعندما يعرف المسلم أسماء الله وصفاته يحتقر المخلوق، ويشعر أن المخلوق لا يساوي شيئاً.
العز بن عبد السلام لما جاء السلطان في يوم العيد وخرج بأبهته وجنوده وكبريائه قام إليه وقال له: الحانة الفلانية يباع فيها الخمر، المكان الفلاني فيه كذا وكذا، قال: هذا من عهد أبي، قال: إذاً أنت ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فأمر بإزالة هذه المنكرات.
الشاهد معنا: أنه بعد هذا سأله أحد تلامذته، قال: أما خفت السلطان لما رأيته؟ قال: تذكرت عظمة الله ، فصار السلطان أمامي كالنملة.
ولاحظ أثر هذا الأمر عند هود ﵇، حينما عاداه قومه: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٣ - ٥٤] أحس هود أن هؤلاء القوم لا يعرفون إلا منطق التحدي، ولا يعرفون منطق الحوار ولا ينفع فيهم هذا الأسلوب: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]، يقول لقومه وهم عاد: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧ - ٨]، يقول لهم: ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ))، كيدوني كلكم ولا تمهلون، وافعلوا ما بدا لكم: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
والذي جعل هوداً يسلك سبيل التحدي والمواجهة حتى يقولها أمام قومه صريحة: كيدوني وتآمروا علي واصنعوا ما بدا لكم لأنه يعلم أن ما من دابة إلا ربه آخذ بناصيتها.
المسلم عندما يتصور أن نواصي العباد بيد الله ، وأن قلبه بيد الله الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، حينها يشعر أن المخلوق لا يساوي شيئاً، فيحتقر المخلوق، ولا يمكن أن يتوجه إلى المخلوق، ولا أن يرجو منه نفعاً ولا نوالاً ولا عطاء ولا حفظاً، ولا يمكن أن يرهبه أو يخافه.
стр. 1048
التوبة
من آثارها أيضاً: التوبة، حينما يعرف المسلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويعرف أن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه حينها يقبل على الله ويتوب إليه، كما قال الله : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤].
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، حينما يتأمل المسلم هذه المعاني فإنه سرعان ما يتوب إلى الله ويقبل ويشعر أن الله رحيم رءوف، وأن الله تواب سيقبل توبته.
стр. 1049
الدعوة إلى الله ومواجهة الأعداء
أيضاً: الدعوة إلى الله ومواجهة الأعداء، حينما قال موسى وهارون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] قال تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
أيضاً: من آثارها مراقبة الله ، تقول عائشة: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كانت المجادلة تجادل النبي ﷺ وهي في طائفة الحجرة وأنا لا أسمع منها شيئاً)، أي أن هذه المرأة كانت تخاطب النبي ﷺ وتجادل وعائشة لا تسمع ما يقولون، ثم ينزل قول الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، ثم تجد في نفس السورة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
حينما يعرف المسلم أن الله سميع يعرف أن أي كلمة يتفوه بها أو يقولها فإن الله سيسمعه، حينما يعرف أن الله لا تخفى عليه خافية: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠] لا يتجرأ على المعصية؛ لأنه قد يخلو، ويغلق الباب على نفسه ولا يراه أحد، لكنه يعلم أن الله سيراه.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني فحين يستحضر المسلم هذه المعاني سيراقب الله ، وسيعلم أن الله يسمعه، وأنه يراه وأنه لا تخفى عليه خافية .
стр. 1050
أمور الاعتقاد تدور على الأسماء والصفات
أيضاً: أمور الاعتقاد كلها مدارها على قضية الأسماء والصفات، مثلاً مسألة الدعاء وأنه عبادة كما قلنا مداره على قضية الأسماء والصفات، فالذي سيسأل الله أن يغفر له لو لم يكن يعلم أن الله غفور رحيم لما دعا الله .
الذي تلم به حاجة وتدلهم الخطوب أمامه فيستعين بالله في حاجته لو لم يكن عالماً أن الله يسمع ويجيب لما توجه إلى الله بالدعاء، لو لم يكن عالماً أن الله قادر، وأن نواصي العباد بيده لما دعا الله ، وقل مثل ذلك في الاستغاثة والرجاء والتوكل، والقدر، والحاكمية، حيث يخضع المسلم لحكم الله ؛ لأنه يعلم أن الله هو الحكم يحكم ما يريد، وأن له الخلق والأمر، وحينئذ لا يمكن أن يخضع لغير الله ، وهكذا لو تأملت في اعتقاد المسلم وفي سلوكه وفي حياته لرأيت أن أموراً كثيرة إنما تصدر عن قضية معرفته بأسماء الله وصفاته.
стр. 1051
كلام ابن القيم عن آثار معرفة الأسماء والصفات
أختم هذا الحديث بكلام طويل لـ ابن القيم ﵀ حول هذا المعنى: يقول بعد أن تحدث عن أولية الله وما في ذلك الشهود من الغنى التام: وليس هذا مختصاً بأوليته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب سبحانه يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها، فمن شهد مشهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر بها أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت، بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به، وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك علمه علماً تفصيلياً، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية، لا يخفى عليه منها شيء.
وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه سبحانه لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، سواء عنده من أسر القول ومن جهر به، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه صوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة.
وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير ﷻ الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاته وسكناته تيقن أنه بمرأى منه سبحانه، ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء.
وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن وجزاء المسيء إليه، وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يضل ولا ينسى إلى آخر كلامه ﵀.
والمقصود: أن هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى لله ينبغي أن تترك أثراً في نفوسنا وفي أعمالنا وفي سلوكنا، وأن نشعر أن من كمال التعبد لله بهذه الأسماء والصفات أن نصف الله بها كما يليق بجلاله وعظمته ، وأن ننزهه عن مشابهة خلقه ومساواة خلقه، ومع ذلك أيضاً أن نتعبد لله بمقتضى هذه الأسماء والصفات.
فالذي يعرف أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين لا يمكن أن يتطلع إلى ما حرم الله، أو إلى أن يخشى من غير الله أن يقطع رزقه، أو يمنع عنه رزقه فيشعر أن الأمور بيده ، ومن يعرف أن الله سميع بصير عليم لا تخفى عليه خافية لا يمكن إلا أن يراقب الله ، وأن يخشى الله وأن يعبد الله كأنه يراه.
هذا ما تيسر أن نقوله بين يدي هذا الأمر، والأمر أوسع وأعظم وأجل من أن تحيط به لغة العبد الفقير المذنب المسيء، لكن هذه محاولة لأن نتأمل بعض ما يجب علينا تجاه أسماء الله وصفاته .
стр. 1052
دعوة للعمل
العمل عمود الحياة، فلا تقوم حياة الناس من غير عمل، ومن كان أكثر عملاً وأتقن فعلاً فهو الأسعد بالنجاح والفلاح.
وقد أولى الإسلام العمل أهمية كبيرة في مصادره التشريعية، وتمثل ذلك في واقع أتباعه على مر العصور.
стр. 1053
نعي لأخوين توفيا في حادث سيارة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف هذه الدروس المباركة مع بداية هذا العام الدراسي الذي نسأل الله أن يكون عام خير وبركة، وأن يرزقنا فيه العلم النافع والعمل الصالح.
ونسأل الله أن يعيننا على إتمام هذه الدروس، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب.
عنوان هذا الدرس أيها الإخوة كما تعلمون جميعاً: (دعوة للعمل).
وقبل أن نبدأ الحديث عن الدرس لعلكم تذكرون أنه في آخر الدروس في العام الماضي وعدنا بإكمال هذه الدروس أثناء الإجازة مفرقة، فلعلي أذكر لكم عناوين تلك الدروس التي ألقيت في الإجازة حتى يتيسر لمن أراد أن يرجع إليها.
كان آخر هذه الدروس في العام الماضي هو الدرس السابع والذي كان بعنوان: (التربية الجادة ضرورة).
وكان الدرس الثامن بعنوان: (كلانا على خير)، وألقي في الرياض في كلية إعداد المعلمين في التاسع والعشرين من شهر محرم.
والدرس التاسع كان بعنوان: (التربية الذاتية)، وألقي في جدة في الثامن من شهر صفر.
والدرس العاشر كان بعنوان: (عناية الشريعة بسد ذرائع الفاحشة)، وألقي أيضاً في جدة في التاسع من شهر صفر.
والدرس الحادي عشر كان بعنوان: (الشباب والاهتمامات)، وألقي في عنيزة في الثاني والعشرين من شهر صفر.
والدرس الثاني عشر كان بعنوان: (ماذا بعد الهداية)؟ وألقي في البكيرية بتاريخ الثالث والعشرين من شهر صفر.
وآخرها الدرس الثالث عشر وكان بعنوان: (سوء الفهم آفة)، وألقي في الخرج في الثاني من شهر ربيع الأول.
وهذا هو الدرس الأول في هذا العام وهو يمثل الرقم الرابع عشر من هذه الدروس المباركة، نسأل الله أن يعيننا على إتمامها.
وقبل أن أبدأ هذا الدرس لعلي أن أبث لكم خبراً لتشاركوني أحزاني ولتعذروني أيضاً عما يبدر من خلل في أداء هذا الدرس، فقد تلقيت عصر هذا اليوم نبأ وفاة أخوين من إخوانكم الذين كانوا يحضرون معنا هذه الدروس، وقد أصيبوا في حادث سيارة فتوفي منهم شابان وبقي بعضهم في المستشفى، منهم من هو في العناية المركزة، ومنهم من هو بصحة جيدة، نسأل الله أن يرحمهم ويتجاوز عنهم، ونسأل الله أن يشفي مرضاهم.
وحق على كل من حضر مثل هذا المجلس المبارك أو سمع هذا الكلام أن يدعو لإخوانه المسلمين، ونحن إذ يصيبنا الحزن والأسى ونحن نفقد أخوين من إخواننا نشعر أيضاً بالغبطة لهم على هذه الميتة التي نسأل الله أن تكون خاتمة حسنة، حيث كانوا في سفر -نحسبهم والله حسيبهم- يبتغون به وجه الله وطلب العلم في صحبة صالحة، نسأل الله أن يكتب لنا وإياكم حسن الخاتمة، وقد صلي عليهم هذا اليوم بعد المغرب، ولقد فكرت في أن أذهب لأشهد الصلاة عليهم لكني كرهت أن أخلفكم الموعد، ولعل في الأمر خيراً أن ندعو لهم جميعاً، نسأل الله أن يمن عليهم بواسع رحمته وعفوه وأن يتجاوز عنهم ويرفع درجاتهم، ونسأله أن يشفي سائر إخواننا المرضى والمصابين، وأن يجعل ذلك تكفيراً لسيئاتهم وذنوبهم، وأن يجعل ما يصيبنا من حزن وأسى لفقد إخواننا في تكفير سيئاتنا ورفعة درجاتنا إنه سميع مجيب.
ويحق لي أن أحزن وقد فقدت أناساً من أعز طلابي وتلامذتي الذين كنت أراهم لثلاث سنواتٍ خلت يحضرون معي هذه الدروس، ويحضرون معي بعد الفجر، ويسألونني وأتحدث معهم، ولعل أحدهم الذي كان في غرفة العناية المركزة نسأل الله أن يمن عليه بالعافية كان من أكثرهم مداومة على هذه الدروس سواء هذا الدرس أو درس الثلاثاء، أو دروس ما بعد الفجر.
ولا أنسى وقد حدثني بعد ثاني درس من هذه الدروس عن جهد وعمل قام به في مدرسته بعد محاضرتي على مقاعد الدراسة، إنني لا أتصور أني أنسى تلك الوجوه أو أن أنسى هذا الحزن والأسى الذي يصيبنا، لكنا نسأل الله أن يرزقنا الصبر، وأن يغفر لهم ويتجاوز عنهم، وهكذا الدنيا أيها الإخوة لا تدوم على حال، والبقاء إنما هو في دار القرار، نسأل الله أن يجمعنا وإياهم جميعاً في مستقر رحمته.
стр. 1054
الجد في العمل عنوان النجاح
هذا الموضوع يشمل مدخلاً للموضوع وتمهيداً، ثم في القرآن دعوة للعمل، وفي السنة دعوة للعمل، وأهل العلم على الجادة يدعون للعمل، وصور من الإخلال بالعمل، وصور مشرقة، وأخيراً: لم نتجاوز هذه المراحل بعد؟ سنة الله في الحياة أن لا يعيش فيها ولا يفلح إلا الرجل العامل، بل ولا يأكل رزقه إلا الرجل العامل، وحتى أصحاب الشهوات والمبادئ الأرضية لا بد لهم من عمل يحصلون من خلاله على ما يريدون، فكيف بالمسلم العابد لله .
إن صاحب المؤسسة الخاصة والعمل الشخصي لا يريد أن يوظف لديه إلا الرجل العامل المنتج، والتقارير ومعايير الكفاية لديه مرتبطة بالعمل الذي يقدمه والإنتاج الذي يحققه، ومدير الدائرة الرسمية هو الآخر لا يريد إلا الموظف العامل، ومعايير التقويم الرسمية وغير الرسمية لديه أيضاً مرتبطة بعمل الموظف وما يقدمه.
ولا نزال نسمع أن فلاناً المسئول أو فلاناً المدير حين انتقل من دائرته أو شركته اختار بعض الموظفين في مكتبه لينقلهم معه؛ والجميع يتحدثون أنه أدرك منهم أنهم أناس عاملون جادون فهو يريد رجلاً عاملاً يعينه ويعتمد عليه.
إذاً: فالعمل هو مطلب الجميع ومعيار التقويم، بل حتى في تاريخ الأمم أيضاً فالأمم إنما تنمو وتفلح بالعمل والإنتاج، وأي أمة لها تاريخ كان سواءً كانت حضارة مرتبطة بدين سماوي قامت به على هداية الناس، أو كانت حضارةً مادية ارتفعت على الناس في دنياهم، لم تدخل التاريخ إلا من بوابة العمل.
وفتش في صفحات التاريخ فإنك لن تجد فيه مكاناً لأمة من الكسالى أو أمة من غير العاملين اللهم إلا أن تجد لها صفحات من الذم والحديث أنها كانت ضحيةً للمتآمرين والطامعين.
إن الحياة كلها لا تقوم إلا على العمل، فالرجل الذي يحقق أهدافه خيرةً كانت أو سيئة مرتبطة بالدار الآخرة أو بالدار الدنيا، هو الرجل العامل، والرجل الذي يلقى التقدير والإكرام هو الرجل العامل، والأمة التي تدخل التاريخ من باب واسع إنما هي الأمة التي تملك رصيداً من العمل ومن الرجال العاملين.
ولعلنا نرى التقهقر الذي أصاب هذه الأمة في شتى جوانب الحياة فندرك أن من أسباب هذا التخلف وهذا التقهقر أننا أمة رضعنا الكسل والهوان والذل فأصبحنا نعتمد على غيرنا.
стр. 1055
القرآن يدعو إلى العمل
следующие страницы →