Полный текст (1 904 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
توجيه النجباء توجيهاً خاطئاً لا يوافق مواهبهم
وأخيراً وهو الأمر الرابع: أن يوجه النجيب توجيهاً خاطئاً، فهو يملك مواهب وطاقات تؤهله لمنزلة معينة ومكانة معينة وقيادة معينة، فنوجهه لما لا يحسن، وقديماً قيل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع والإنسان فضله وطاقته فيما يحسن، وإذا تحدث في غير فنه وفي غير ما يحسن -كما يقال- أتى بالعجائب، فنحن عندنا طريق وأحياناً طريق واحد نرى أنه لا بد أن يسلك، فإذا أتانا شخص نجيب يملك قدرات جيدة فإننا نتصور أنه أن يتوجه إلى هذا الطريق.
أتاني مرة أحد الطلبة -وهو يملك قدراً من النبوغ- ليستشيرني حول دراسته في المعهد العلمي فقال: إن أهلي يشيرون عليَّ أن أترك المعهد العلمي وأتوجه إلى الثانوية العامة، قلت: لماذا؟ قال: لأجل أن أكون مثل والدي -وكان والده مهندساً- فقلت له: يا أخي الكريم، أنت تملك قدراً من الذكاء والنبوغ قد يفوق أقرانك، ولكن عندما تتوجه للعلم الشرعي، وتسخر علمك في خدمة دين الله ، فستكون عالماً شرعياً وستملك مكانة أكثر مما يمتلكه أبوك الآن، فأبوك يملك منزلة وشهرة ومكانة اجتماعية، وهي التي لا تسعى إليها أنت، ونحن أحوج منك أن نوجه هذه الطاقات إلى العلم الشرعي؛ لأنا نريد إنساناً مخلصاً يقول كلمة الحق، ونريد إنساناً جريئاً، يضحي بوقته ومع ذلك يحمل العلم الشرعي، حتى يقود الأمة قيادة صحيحة وسليمة.
فأحياناً يتصور أن الشاب الذكي النابغ ما ينبغي أن يتوجه للعلم الشرعي، وإنما ينبغي أن يتوجه للطب أو الهندسة وأنه لو لم يفعل ذلك فإنه يكون من الإهمال للطاقات والإهدار للطاقات.
فنقول: ثم ماذا؟ يتوجه للطب ويكون طبيباً ثم تقتل موهبته ويوضع في مكان آخر ويتولى عليه رجل نصراني وانتهينا، أو يكون مهندساً أو غير ذلك، لأنه حتى لو نبغ في علمه فلن يتاح له المجال الذي ينتج فيه، صحيح نحن لا نقلل من شأن هذه العلوم، ولكننا بحاجة إلى أن ندفع فئات من هؤلاء أصحاب الشجاعة، وأصحاب الجرأة على اتخاذ القرار، وأصحاب العمق في التفكير وأصحاب الذكاء، نحتاج لأن ندفع فئات من هؤلاء للعلم الشرعي حتى يقودوا الأمة، فإنه من غير المعقول أن التخصصات الشرعية لا يتوجه إليها إلا الأغبياء والمغفلون.
هذه بعض الخواطر حول هذا الموضوع، وهو موضوع له أهميته كما قلت، وهذا الموضوع وغيره لا يمكن أن نقتصر فيه على مثل هذه الأحاديث، بل لعل ما أطرحه يكون على الأقل مساهماً في إثارة الاهتمام بهذا الموضوع، وأن يشعر الآباء والمربون والأساتذة أنهم يجب أن يعتنوا بهؤلاء النجباء، وأنهم عندما يعتنون بهم فإنهم يعتنون بالجيل اللاحق ويعتنون بقادة الأمة.
لعلي أقف عند هذا الحد لأجيب على بعض ما ورد من أسئلة الإخوة.
стр. 982
الأسئلة
стр. 983
الدعوة إلى الاهتمام بالنجباء لا يعني إهمال من هم دونهم
السؤال
تعلمون حفظكم الله كما أن لأهل السنة والجماعة أصولاً اعتقادية فإن لهم أصولاً سلوكية ومنهجية دعوية، ومن هذه الأصول: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود:٢٩]، ولقد أكثرت حفظك الله من الإشارة إلى وجوب الاهتمام بالنجباء، ولكني أخشى أن يفهم من هذا تقليل الاهتمام بغير النجباء، وإن كانوا أقوياء الإيمان، وهذا يخالف الأصل السابق؟
الجواب
نحن أحياناً عندنا مشكلة، وهي أننا لما نسمع إنساناً يتحدث عن قضية معينة فنفترض أنه يتحدث عن كل ما يتعلق بالدعوة إلى الله ، فأنا الآن لم أتحدث عن الدعوة إلى الله أصلاً، وإنما تحدثت عن جزئية واحدة وهي النجباء، وكيف نتعامل مع النجباء، فهل يفهم أحد من كلامي أني أدعو إلى إهمال الناس الآخرين؟ وهل يفهم من كلامي أني أدعو إلى العناية بالنجباء وحدهم؟ لا أبداً، فدعوة الله عامة إلى الناس جميعاً، للمتعلم وغير المتعلم، للصغير والكبير، ولكن هذا النجيب يحتاج إلى قدر من التربية وقدر من العناية والرعاية؛ لأنه سيتبوأ منزلة وسيؤهل لقيادة لم يتبوأ لها غيره، وهذه القضية لا نقاش فيها، فدعوة الله عامة للصغير والكبير، وقد قلت في ثنايا المحاضرة: أننا بحاجة إلى أن نستنفر كل الطاقات حتى الشيخ الطاعن في السن، وحتى العجوز في منزلها بحاجة إلى تسخر هذه الطاقة للدعوة إلى الله ولخدمة الأمة، هذه قضية ما نخالف فيها، وأن الدعوة إلى الله مخاطب بها الجميع.
وقبل أن أتحدث أمامكم اليوم كنت أتحدث مع السجناء، وإذا كان السائل يفهم أني أنطلق من هذا المنطلق، فماذا عساي أرجو من وراء أولئك السجناء، وأنا هنا لا أحتقرهم، لكن أولئك طبقة نعتبر أننا حققنا قدراً من النجاح معها عندما يستقيم الواحد منهم على طاعة الله ويترك ما هو عليه من الفساد والسوء، فلا أدعو بحال إلى إهمال هذا القطاع، ولا يمكن أن يفهم ذلك مما أقوله، لكن الذي أدعو إليه أن نعتدل في الفهم، فعندما يتكلم إنسان عن موضوع معين جزئي فلا يعني ذلك أن هذا هو أهم الموضوعات، فمثلاً: الآن عندما أتحدث عن هذا الموضوع هل يعني هذا أن هذه أكبر مشكلة تواجه الدعاة؟ وهل يعني أن هذه القضية أهم قضايا الدعوة؟ لا ليس بالضرورة، فأنا أجزم أن هناك موضوعات أهم، وأن هناك جوانب أخرى، لكني أتحدث عن قضية جزئية معينة بحاجة إلى أن نلقي عليها الضوء ونعتني بها.
стр. 984
ضرورة سعي الإنسان إلى تطوير نفسه في مجاله الذي يتخصص فيه
السؤال
نحن شباب لسنا بالنجباء ولكن نعد من الملتزمين، ولكننا لا نرى في التزامنا زيادة بل نحن باقون على حد معين لا نزيد ولا نقص، فما الحل في مثل حالنا؟
الجواب
الإنسان -كما قلنا- مسئول مسئولية فردية، والإنسان لا يبقى عند مستوى واحد، فكل إنسان يملك قدراً من الاستمرار، حتى الرجل الطاعن في السن عندما يهديه الله يستطيع أن يغير الكثير، والنبي ﷺ عندما جاء بهذا الدين دخل في الإسلام كبار السن والعجائز، وكان منهم نماذج رائعة، فكان منهم: المرأة العجوز التي تقدم بها السن وفي ثقافتها على أن هذا الطفل الذي تربيه تخشى عليه الموت وتخاف عليه النوائب وترى أنه ذخر لها في قادم أيامها، ولكنها بعد ذلك أصبحت ترمي به في المعارك، وتتمنى أن يقتل، وتتمنى أن يشرفها الله باستشهاده، وهي ما تربت هذه التربية إلا في سن متأخرة، فكل إنسان قابل للتربية، والذي يملك القرار الوحيد هو أنت.
بل حتى أنت افترض أن الله رزقك بمرب قدير يملك قدرات ومؤهلات عالية، فإذا لم يكن عندك تفاعل أنت أصلاً فإنك لن تستفيد من هذه التربية، وغاية ما يستطيعه المربي هو أن يقدم لك فقط الفرصة، وأن يتيح لك المجال، أما التفاعل والاستجابة للتربية فهو قرار لا يتخذه إلا أنت، حينئذ يجب أن تساهم أنت بزيادة التزامك والحرص على الإيمان وزيادة العلم، وتقوى الله ، وزيادة الخبرات والطاقات التي ترى أنك تحتاج إليها.
стр. 985
الأساليب التي يلجأ إليها المربي لتحريك الطاقات وتوظيفها عند تلاميذه
السؤال
من كان قائماً ومربياً على جيل يعد للدعوة ولحمل هذا الدين فكيف يحرك ما به من طاقات ويوظفها التوظيف الصحيح؟
الجواب
هناك عدة أساليب لعلنا نشير إلى بعضها باختصار، منها: أن نربي عند الناس أن يحملوا في قلوبهم الغيرة على دين الله ، وأن تكون الدعوة إلى الله هماً لهم، وأن تصبح هي الهاجس الوحيد والهدف الذي يتطلع إليه، وهي قضية القضايا عنده، وهذا شعور يجب أن نحاول وأن نجتهد في أن نغرسه عند كل مسلم، أن يشعر بأن الأمر الذي ينبغي أن يسعى إليه هو هذا الدين ونصرته، وأن يتيقن أننا الآن لسنا في مرحلة أن الإنسان يبدأ يباري غيره في الشهرة أو في المال أو في الثراء أو في تحقيق الشهوات، فالأمة الإسلامية تعيش في مرحلة حرجة -بل وأسوأ من الحرجة- وهي بحاجة إلى أن تستنفر الطاقات، فنربي عندهم هذا الشعور؛ أن يشعر بالغيرة، وأن يشعر بالواقع المر، وأن يشعر بأنه هو وغيره هم أداة التغيير، وأن هذا الواقع لن يغيره إلا الناس.
ثم بعد ذلك أيضاً من الوسائل: ذكر النماذج التاريخية السابقة كأصحاب النبي ﷺ من الشباب وغيرهم من الجيل السابق.
كذلك أيضاً من الوسائل: التربية العملية، وذلك بأن يدفعه ويعطيه خطوات عملية، مثلاً: هذا إنسان عنده قدرة على الخطابة والإلقاء فعلي أن أبدأ بتعويده على إلقاء كلمات أمام زملائه في الفصل، أو أمام زملائه في أي لقاء آخر، حتى يتقوى ويبدأ في إلقاء كلمات في مساجد نائية، وإذا وجد إنسان أشعر أن عنده قدرة على القيادة والمسئولية فأبدأ أحمله مسئوليات بسيطة في البداية، ثم أتدرج به حتى يكون مؤهلاً، فهذه هي التربية العملية، ثم التربية العملية هي من أفضل وسائل الإقناع، فقد يكون الشاب عنده قدرات مدفونة لكنه لا يشعر بها، وعندما أضعه في الموقع المناسب وينجح في أداء الدور المناط به يقتنع حينئذ أنه قادر.
стр. 986
التربية العملية علاج للنجباء من الشعور باحتقار النفس
السؤال
يعاني كثير من المربين والعاملين مع النجباء مشكلة احتقارهم لأنفسهم أو ما يسمى بالتواضع؟
الجواب
لا هو ليس بالتواضع، التواضع أمر مشروع، لكن نحن وهماً نسميه بالتواضع، فالإنسان لا يتصدر، ولا يقول كلمة، ولا يعض الناس، ولا يدعو بحجة أنه يتواضع، ولأنه يرى أن من تقوى الله ألا يتصدر، هذه مغالطة، نعم نحن لا ندعو الإنسان إلى أن يتصدر إلى ما ليس له بأهل، ولكن أيضاً من علم علماً فلا يسوغ له أن يسكت عنه، ومن رأى منكراً فلا يسوغ له أن يمتنع عن إنكاره؛ لأن من أعطاه الله خيراً فسيسأل عنه يوم القيامة، فأقول: أفضل الوسائل لهؤلاء التربية العملية، وذلك بأن يوضع في ميدان حتى يرى النجاح بنفسه ويلمس النجاح ويوقف هو على النجاح، أحياناً: الإنسان قد يقوم بعمل فينجح فيه لكنه لا يلمس النجاح بنفسه، فيأتي مثلاً يلقي كلمة على زملائه ولا يستطيع أن يلمس أثر هذه الكلمة، لكن عندما أقول له: كلمة رائعة وجيدة وفلان تأثر بها، فإنني بذلك أوقفه على نجاح فعلاً، وحينئذ أعطيه دفعة وشعوراً بالنجاح؛ لأنه ما من شيء يقنع الإنسان إلا النتائج المباشرة له.
فأنا أتصور أن أفضل وسيلة تقنع هؤلاء الذين يحتقرون أنفسهم هي أن يوضعوا في الميدان، وحينئذ سيلمسون النجاح بأنفسهم.
стр. 987
بعض الوسائل المعينة على التغلب على صفة الغرور والعجب عند الداعية
السؤال
المرأة الداعية إلى الله كيف تواجه مشكلة الغرور والإعجاب بالنفس، خاصة إذا كان من حولها هم الذين يوحون إليها بأنها ذات منزلة ومكانة عالية في مجتمعها، ونحن نعلم أثر المجتمع المحيط على الفرد؟
الجواب
هي مشكلة تعاني منها المرأة كما يعاني منها الرجل، أولاً: نحن نفرح ولله الحمد أن يوجد من النساء من تؤدي هذا الدور، والإنسان حين يشعر أنه يؤدي دوراً ما ثم يدعوه ذلك إلى الغرور أو الإعجاب بالنفس، فلا يصح أن يتخذ قراراً معاكساً ويترك هذا الدور، لا بل يستمر في هذا الدور، ولكن يبدأ يعالج المرض ولا يعالجه بخطأ آخر.
ومن وسائل العلاج: أن يتذكر الإنسان ذنوبه وتقصيره، وأن يذكر أن هذه نعمة أعطاه الله إياها، وسيحاسب على قدر هذه النعمة، وأن هذه منة من الله وليست من تحصيله.
وكذلك من وسائل العلاج، ومن أفضلها: أن يقرأ في سير السلف؛ لأنه سيجد نماذج عالية لا يمكن أن يقيس نفسه بهم إطلاقاً، وإذا فعل فإنه سيحتقر نفسه وسيرى أنه لن يصل إلى شيء.
ومن الوسائل أيضاً: أن يعلم أن الناس لا يعلمون حقيقته، ولا يعلمون ما في داخله، ولا يعلمون قدراته، وإنما الناس لما يجدون عند أي إنسان شيئاً ليس عندهم فإنهم يعطونه مكانة عالية، ويتصورون أن هذا عالم وأن هذا صاحب قدرات، فقط لكونه يملك شيئاً لا يملكونه، فينبغي له أن يعرف أن تقييم الناس له لا يساوي شيئاً ولن ينفعه أمام الله ، وحينما يتذكر هذه الأمور ويستعين بالله ويدعو الله ويتذكر ذنوبه فلعل هذا مما يساهم في دفع هذا الغرور.
стр. 988
شعور الداعية بالتقصير في نفسه يدفعه إلى تربيتها لا إلى ترك ما يدعو إليه
السؤال
إنني إنسان قد أعطاني الله قدرة على إقناع الشباب المبتدئين في العلم والحفظ ورحل مشاكل الشباب، ولكني أجد في نفسي أنني أريد أن أكون أنا الأعلى، فإذا فتشت في نفسي وحاسبتها وجدت أني مقصر في كل ما أحث عليه، فأرجو أن توجهوني إلى حل هذه المشكلة، فإني أعاني منها منذ زمن طويل، علماً أن كثيراً من الشباب يعتبرونني قدوة لهم، ويرجعون إلي في كثير من مشاكلهم، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
نقول: هذه منزلة طيبة فلا تفرط فيها؛ لأنك حين تكون مرجعاً للشباب، وتساعد في حل مشاكلهم، وقدوة لهم، ولكن كما قلت سابقاً ليس الحل أن تترك هذا الأمر، بل الحل أن تساهم في تربية نفسك.
ثم أنت هل تتصور أن الآخرين أيضاً لا يعانون من هذه المشكلة؟ الجميع يعاني من هذه المشكلة، ويرى أنه من أكثر الناس تقصيراً وذنوباً وإهمالاً، أنا الآن الذي تعرض علي السؤال أشعر بأني أكثر منك تقصيراً وإهمالاً، بل أشعر أن الكثير ممن يستمع إلي هو أتقى لله وأخشى لله مني، وما لي من رجاء أكثر من أن ينفعني الله بدعوة من رجل صالح سمع مني خيراً فنفعه الله به، هذا العمل الذي أرجوه، أما ما أقدمه فأنا أعلم بنفسي، وأعرف أن عندي تقصيراً، وأعرف أن عندي إهمالاً وذنوباً، لكن لو كان كل إنسان يرى عنده ذنوباً وتقصيراً فلن يعمل أحد؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم لا يذنبون).
فالبشر لا بد أن يقعوا في الذنب والتقصير، ثم الذنوب شيء وواجب الدعوة شيء آخر، يعني: وقوعك في الذنب لا يعني أبداً أن تترك الدعوة، وتعال قارن لي بين شخصين: شخص مذنب ومقصر ويساهم في الدعوة، وشخص آخر مذنب ومقصر ولا يساهم في الدعوة، أيهما أسوأ حالاً؟ فهل الحل أن تترك الواجب الشرعي بحجة أنك مذنب؟! لا أدري من أين جاء هذا الوهم، عند بعض الناس شعور أنه لا يصلح لأن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ولا ينصح ولا يقول كلمة الحق إلا الإنسان المتقي الكامل، أبداً، إذا صار عندنا هذا الشعور فلن يصل الإنسان إلى المنزلة التي يقتنع فيها بنفسه، وإذا وصل الإنسان إلى منزلة يقتنع فيها ويرضى فيها عن حاله فهو مغرور ومعجب بنفسه.
стр. 989
كما يوجد النجباء الصالحون يوجد النجباء المنحرفون
السؤال
ذكرت أثابك الله بعض النجباء من الصحابة ﵃ وكيف اعتنى رسول ﷺ بهم، فهلا ذكرت أمثلة حية من الجيل المعاصر؛ حتى لا يقول البعض: إن جيل الصحابة لن يتكرر لتتحقق القدوة الحية بهم، وحتى يقتنع البعض بتكرر أولئك النجباء في كل مجتمع، كما أن هناك بعض النجباء الذين انحرفوا، فلو ذكروا للعبرة والحذر، خصوصاً أن بعضهم لم يهتدوا إلى هذا الدين أو ارتدوا عنه نسأل الله السلامة، خصوصاً أن مدينة شقراء ولله الحمد تزخر بالكثير من النجباء نفع الله بهم الإسلام والمسلمين.
الجواب
هذه شهادة ونحن لا ننكر هذه الشهادة لكن على الأقل أنت متهم؛ لأنك تشهد لبني قومك، ونحن لا ننفي عن بني قومك هذه الصفة، ونعرف منهم إن شاء الله الأفاضل والنجباء، ونؤمل فيهم الخير الكثير، لكن الإنسان يتعود أنه ما يشهد لبني قومه؛ لأنه قد يكون متهماً.
على كل حال النماذج المعاصرة نحن نراها ولا نحتاج إلى أن نمثل، فالقادة من الناس الذين يقول أحدهم الكلمة فيسير الناس وراءه، والذين يغيرون كثيراً في المجتمعات هم كثر ولا نريد أن نمثل بهم.
لكن سنتكلم عن الشق الثاني وهم النجباء المنحرفون وهو فعلاً سؤال وجيه، وسبق أن أشرت إليه، فانظروا مثلاً إلى فرويد صاحب النظرية الإباحية في علم النفس، وكم سار وراءه من البشر، فهو رجل نابغ قطعاً، وأيضاً ماركس وغيره من الناس النوابغ، صاحب الفكر الوجودي، وكل أصحاب المبادئ المنحرفة المعاصرة هم ناس نوابغ ولا شك، كذلك قادة الأمم الكافرة نوابغ، ولكن كم يتحملون من أوزار الذين يضلونهم بغير علم، وبعض قطاع الطريق وبعض المجرمين هم من النوابغ، فتجده يحترف في الإجرام لكن ماذا جنى من قدراته؟ إذاً: كما قلنا: إن قدرتك إذا لم تسخرها في الخير فقد تقودك إلى الشر، عافانا الله وإياك.
ولعلنا نكتفي بهذا القدر من الأسئلة حتى لا نثقل على الإخوة، وفي الختام نشكر الإخوة القائمين على الدعوة على حسن ظنهم ودعوتهم، والإخوة الحضور على استجابتهم وعلى حضورهم، ونسأل الله أن يجعل لقاءنا لقاء خير وبركة، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، ونعوذ بالله من فتنة القول كما نعوذ به من فتنة العمل، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العمل بما علمنا، وأن يوفق هذه الأمة وشبابها الصاعد، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 990
الحور بعد الكور
الإقبال على السنن والالتزام بالدين في ازدياد وتوسع كل يوم، وفي الجانب الآخر نجد الفتور في الالتزام، والانتكاس الذي يصيب بعض الشباب، وهي ظاهرة خطيرة تحتاج منا مبادرة إلى دراسة أسبابها والعمل على علاجها.
стр. 991
استعاذة النبي ﷺ من الحور بعد الكور
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: ففي بداية هذا اللقاء أشكر الإخوة القائمين على هذا المركز على حسن ظنهم ودعوتهم لأتشرف باللقاء بإخواني وأحبابي الشباب، وقد سرني كثيراً أن أرى مثل هذا العدد في مثل هذه المدينة يجتمع في مثل هذه المراكز الصيفية.
أسأل الله أن يثيب القائمين عليها، وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم يوم يلقونه.
موضوع محاضرتنا -أيها الإخوة- هو: الحور بعد الكور.
ولعل الكثير يتساءل عن العنوان ومدلوله، وقد وقع اختياري على هذا العنوان؛ نظراً لأنه كان دعاءً يدعو به النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال)، والحديث رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.
وفي رواية أخرى: (الحور بعد الكون).
إذاً: فالحور بعد الكور أمر كان يستعيذ منه النبي ﷺ ، ما معنى الحور بعد الكور؟ الحور: يقول صاحب لسان العرب: يقال: حار إلى الشيء وحار عنه، أي: رجع إليه ورجع عنه، فالحور إذاً هو الرجوع إلى الشيء أو الرجوع عن الشيء.
أما المقصود بهذا الدعاء في الحديث فيفسره الإمام الترمذي ﵀ وهو أحد الذين خرجوا هذا الحديث: بأنه الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية.
стр. 992
ظاهرة الصحوة والإقبال على الدين
وأستأذن الإخوة الأكارم الأساتذة والآباء أن أبسط قليلاً في الحديث؛ نظراً لأن الموضوع يعني بدرجة كبيرة الشباب حتى يكون الموضوع مدركاً للجميع، سواءً الإخوة الحاضرون معنا أو من كان يسمعه من خلال التسجيل.
أيها الشباب! ظاهرة ولا شك تدركونها جميعاً وتسركم، وهي ظاهرة الإقبال الطيب من الشباب على طريق الاستقامة وطريق الخير، فنرى الكثير من الشباب يتوافدون الآن -ولله الحمد- على المساجد، يتوافدون على مثل هذه المراكز، على مثل هذه اللقاءات، قد تغيرت الصورة، أولئك الشباب الذين كانوا في السابق يتزاحمون إلى ملاعب الكرة، أولئك الشباب الذين كان هم أحدهم شهوته ودنياه العاجلة، أصبح يحمل في طياته همة عالية، فلم تعد مشكلة هذا الشاب أنه لا يستيقظ لصلاة الفجر، إنما هو الآن يسعى ويسأل عن الوسائل التي تعينه على قيام الليل، ونراه يحرص ويجتهد على أن يكون له حظ من صيام النوافل.
هذا الشاب قد أصبحت همته عالية، أصبح يتطلع إلى أن يخدم أمته، أصبح يتطلع إلى أن يفتح له باب الجهاد في سبيل الله ، ولعلنا قد رأينا النماذج الكثيرة من هؤلاء، ورأينا النماذج من إخواننا وأحبابنا الذين قضوا نحبهم في أرض الجهاد هناك، هذه الظاهرة ولله الحمد ظاهرة طيبة وتبشر بالخير.
ولكنا نرى أيضاً في أثناء هذه الظاهرة، أن هناك عدداً يحور ويتنكب الطريق بعد أن هداه الله ، فهذا الأمر يتطلب منا وقفة لدراسة مثل هذه الظاهرة والبحث عن أسبابها حتى نقي أنفسنا أولاً، فإن الله جعل للهداية أسباباً، وجعل للضلالة أسباباً.
فالله يقول مثلاً: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فالله يخبرنا أن الجهاد في سبيل الله من الأمور التي تجلب الهداية للعبد، وأن الإنسان إذا جاهد في الله استحق أن يكافئه الله بالهداية إلى طريقه؛ هذا المجاهد يستحق أن يهديه الله لأنه يريق دمه في سبيل الله حتى ينقذ الناس من الضلال، فيجزيه الله من جنس عمله.
ويقول الله أيضاً في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
стр. 993
الهداية والضلال بيد الله تعالى
وفي الجانب الآخر أيضاً -جانب الضلال- يقول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأعراف:١٤٦]، ويقول في آية أخرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥].
إذاً: -معشر الشباب- الضلالة والهداية بيد الله ولا شك، ولكن هناك أسباب من سلكها سهّل الله له طريق الهداية، ومن سلك أسباب الضلالة قاده ذلك -عافانا الله وإياكم- إلى الضلالة وإلى خاتمة السوء.
أنتم تعلمون جميعاً وتدركون أن الله من صفاته العدل، فلا يمكن أن يظلم أحداً ، ولا يمكن أبداً أن يظلم الله عبداً مثقال ذرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]، فهل تتصورون معي أن شاباً يقبل على الله ويتوجه إلى الله بقلبه وقالبه، ثم بعد ذلك يضله الله ويصرفه الله دون سبب أو تقصير منه؟ لقد أخبر الله أخبر أنه لا يظلم مثقال ذرة، وعندما يسلك العبد طريق الضلالة، لا شك أن إرادة الله فوق كل شيء، لكن الله قد جعل للهداية أسباباً وجعل للضلالة أسباباً.
стр. 994
أهمية الحديث عن الحور بعد الكور
معشر الشباب! النبي ﷺ يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، إذاً: فهي قضية جدير بنا أن نحرص على معرفتها أشد الحرص، وما حالنا وحال الصالحين فضلاً عن حال أنبياء الله فضلاً عن حال نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين.
معشر الشباب: الفتن والصوارف عن طريق الخير في هذا العصر أكثر، فأنت هنا تسمع الكلمة الناصحة، تسمع ما يرقق قلبك، أو تسمع ذلك في خطبة الجمعة، أو في اللقاءات الطيبة مع إخوانك الأخيار، ولكنك عندما تذهب إلى المنزل سترى في أجهزة اللهو ما يهدم كل ما بنيته، عندما تذهب إلى محل تجاري تقابلك المجلات التي تحمل تلك الصور الفاتنة، عندما تجلس مع فلان وفلان من زملائك في الدراسة أو الفصل أو الحي ماذا يتحدث هؤلاء؟ وعم يتحدثون؟ الكثير من الشباب حديثهم وهمهم هو الشهوات المحرمة وتحصيلها، ففي خضم هذا الواقع الذي هو مليء بما يفتن الشاب ويصده عن دينه، يكون جديراً بالشاب وواجباً عليه أن يحرص على أن يتعرف على أسباب الهداية، وأن يتعرف أيضاً على أسباب الحور، عله أن يجتنبها حتى يوفقه الله إلى سلوك الطريق المستقيم، وقبل ذلك كله وبعده هو توفيق الله وهدايته.
وهنا سؤال مهم: عندما نتحدث مثلاً عن هذه المشكلة فهل يعني أنها أصبحت مشكلة سائدة؟ أصبحت مشكلة عامة؟ ما مدى حجم هذه المشكلة وانتشارها؟ فلابد أن نضع الأمور في نصابها، ولابد أن نتعرف على حجم هذه المشكلة ولا نعطيها أكثر من حجمها، بحيث يتخيل كل من يسمعنا أن الفئة الكثيرة من الشباب الذين سلكوا طريق الاستقامة ينحرف عن الطريق المستقيم، وأيضاً لا نبالغ في الطرف الآخر وندس رءوسنا في التراب، ونقول: إن هذه حالات أصلاً غير موجودة أو حالات نادرة جداً، نحن يبدو لنا بادئ ذي بدء أن المشكلة كبيرة.
نعم يا إخوة! المشكلة ضخمة عندما نخسر واحداً، لا شك أن ذاك الشاب الذي رأيناه قد سلك طريق الاستقامة نتمنى أن نبذل كل ما نملك ويستمر على هذا الطريق، ولا شك والله إنه ليسوؤنا أن يتنكب واحد من هؤلاء الشباب الطريق، والأمة أحوج ما تكون إلى مثل هذه الطاقات، ومن هنا تبدو ضخامة المشكلة، لكن
السؤال
ما نسبة هذه المشكلة؟ ما حجم هؤلاء الذين ينحرفون بالنسبة إلى أولئك الذين يستمرون على طريق الاستقامة؟ نحن يخيل لنا في البداية -كما قلت- أنها مشكلة منتشرة، ومشكلة عامة وقضية خطيرة كما يثير الكثير من الشباب.
فأولاً: سأضرب لكم مثالاً: أنت الآن -مثلاً- عندما تذهب من هنا إلى مدينة عنيزة وترى ثلاثة حوادث في الطريق، تتخيل أن الحوادث كثيرة جداً، تتخيل أنه ليس هناك من أحد يسير من هذا الطريق إلا وهو معرض لأن يقع عليه الحادث، تتجاوز -مثلاً- مدينة عنيزة إلى مدينة بريدة وترى أيضاً أربعة حوادث، فتشعر بأن هذه المشكلة مشكلة عامة، تشعر بأن كل من سار في هذا الطريق معرض للحادث، لأن السيارات التي تسير في الطريق السليم ولا تتعرض للحادث لا تلفت انتباهك، لا يلفت انتباهك إلا الحالة الشاذة، حتى تصل إلى النسبة الحقيقية لحجم هذه الحوادث، خذ عدد السيارات التي أصابها حوادث وانسبها إلى عدد السيارات التي سارت ولم يصبها الحادث.
فكذلك نأتي إلى هذه الظاهرة، أنت مثلاً عندما تعرف أحد الشباب كان مستقيماً ثم قابلته بعد فترة ورأيته قد انحرف، ثم يمر عليك نموذج آخر، وثالث ورابع وخامس، تتخيل أن المشكلة عامة، لكن الآخر الذي كنت تعرفه مستقيماً، ثم قابلته بعد سنوات وهو لا زال على طريق الاستقامة لا يلفت انتباهك؛ لأن هذا سائر على الأصل.
على كل حال أنا لا أريد أن أطيل في هذه النقطة، لكن أقول: إنه مع عنايتنا بهذا الأمر يجب ألا نضخمه، وأن نخيل للناس ونتخيل أن أكثر وعامة من يسلك هذا الطريق يتنكب الطريق، ولكن المشكلة تبقى مشكلة خطيرة، لأن القضية ليست مجرد خسارة مادية بل كون الإنسان يتنكب هذا الطريق معناه أن يخسر دنياه وآخرته، فهي قضية لا تقبل التنازل، هذا أمر.
الأمر الثاني: أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى هذه الطاقات، فلا شك أن سقوط واحد يعني أننا تأخرنا قليلاً، ونحن نحتاج إلى أن نبحث عما يدفعنا إلى الأمام.
стр. 995
أسباب ظاهرة الانتكاس
стр. 996
ضعف الإيمان
الأسباب لهذه الظاهرة أسباب كثيرة ومتنوعة، وقد يكون بعضها داخلاً في بعض، فأول سبب وأهم هذه الأسباب هو ضعف الإيمان.
قد يكون الشاب مستقيماً يسلك طريق الاستقامة ويجالس الأخيار، لكن إيمانه ضعيف، لذلك مثل هذا الإنسان الذي لا يملك قدراً من الإيمان يعينه على الثبات على هذا الطريق عندما تعرض له شهوة أو شبهة أو له فتنة يمكن أن ينصرف عن الطريق.
عندما نأتي بعود مثلاً ونحفر له في الأرض بحيث تكون قاعدته غير صلبة قد يثبت، لكن عندما يأتي أدنى هواء يسقطه، السبب ليس في مجيء الهواء والرياح، إنما السبب أن القاعدة غير ثابتة، لكن عندما أحفر له في الأرض وأثبته بقوة لا يمكن أن يسقط اللهم إلا إذا أتت العواصف التي تهوي بكل شيء، فهذا أمر آخر، فالسبب هنا والعامل الرئيسي والأساس هو الإيمان.
ولذلك لما ذهب أبو سفيان إلى هرقل وسأله، قال: هل يرتد أحد من أصحابه؟ قال: لا، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا تفارقه أبداً.
وانظروا في أحداث الردة، لما مات الرسول ﷺ ارتدت فئام من العرب وقبائل بأكملها، بل لم يبق على الإسلام إلا عدد محدود بالنسبة إلى المناطق التي دخلها الإسلام في ذاك الوقت، لكن من الذي ثبت على الإسلام، هل ارتد أحد من أهل بدر، هل ارتد أحد من الذين بايعوا تحت الشجرة، هل ارتد أحد من المهاجرين والأنصار، من الذين عاشوا الجهاد مع الرسول ﷺ ؟ عامة الذين ارتدوا هم من الذين قال الله فيهم: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فعامة الذين ارتدوا هم من حديثي عهد بالإسلام، لم يدخل الإيمان بعد في قلوبهم، لم يعمر الإيمان قلوبهم، أما أهل مكة والمدينة ومن حولهم من الأعراب الذين قال الله عنهم: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، أولئك ثبتوا وصمدوا، بل حتى ترى هذا النموذج في أحدهم لما كان في غزوة أحد لما قيل له إن النبي ﷺ قتل في المعركة قال: وماذا تصنعون بالحياة بعده؟ اذهبوا فموتوا على ما مات عليه.
إذاً: هذا يعطينا درساً أنه كلما كان المرء أقوى إيماناً وأقوى صلة بالله كان أكثر ثباتاً، فقد دخلت جزيرة العرب في الإسلام، لكن حصلت الهزة بموت الرسول ﷺ ، لأن موته أمر ليس يسيراً على المسلمين، فأهل المدينة أصابتهم هزة، وبعضهم لم يصدق الخبر، لكن قرأ عليهم أبو بكر الآية، وانتهت الصدمة فاطمئنوا ووثقوا، وصلوا على النبي ﷺ ودفنوه، لكن قبائل أخرى ارتدوا من أول صدمة وأول فتنة واجهتهم وخرجوا عن دين الإسلام.
إذاً: يا شباب! الإيمان هو الأساس، ولذا يجب أن نعنى بإيماننا وأنتم تدرسون في العقيدة أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فعليك أن تحرص على أن تسلك أسباب زيادة الإيمان، وتنمي هذا الإيمان في قلبك، وأن تتجنب وتحذر كل الحذر من الأمور التي تنقص من إيمانك، فإنك قد لا تواجه بعد ذلك أي فتنة وأي شهوة تواجهك، أو أي شبهة تصدك عن دين الله .
стр. 997
السير وراء الشهوات
السبب الثاني: وهو أيضاً لا يقل خطورة عن هذا السبب وخاصة في مرحلة الشباب فإنه يعتبر عاملاً أساسياً، بل الكثير من الحالات التي مرت علي، ومنذ فترة وأنا أنزعج وأظن كل واحد منكم ينزعج حين يرى مثل هذه الظاهرة، وعندما أكتشف مثل هذه المشكلة أحاول أن أعرف السبب؛ لأنها قضية تعنينا جميعاً، أولاً حتى نتجنبها وحتى نتناصح فيما بيننا وننصح إخواننا.
فالسبب الثاني هو: السير وراء الشهوة.
وخاصة في مرحلة الشباب، وخاصة في هذا العصر، حيث تفتحت الأبواب أمام الشباب بالشهوات، وتفنن الأعداء في صد الشباب عن دينهم وفي إثارة الغرائز، واستعملوا كل ما تفتقت عنه المدنية الحديثة وكل ما تفتق عنه العلم الحديث لإثارة هذه الغرائز.
الآن يا شباب هؤلاء الذين يصنعون الأفلام، والذين يجلبون لكم هذه الأفلام الساقطة التي يراها الكثير من الشباب، هل تتخيلون أنهم أناس يريدون المادة فقط، أم أن هناك أيادي ًتريد أن تفتك بهؤلاء الشباب؟ المجلات التي ترونها وللأسف حتى في محلات التموينات، هذه المجلة التي تراها مزينة بصورة المرأة الفاتنة؛ أتدري لم يصنع هؤلاء ذلك؟ الإعلانات التي تشاهد أحياناً في المجلات وفي التلفاز، عندما يراد الإعلان يؤتى بامرأة جميلة فاتنة لتقوم بالإعلان عن هذه السلعة.
فمن وراء ذلك؟ قد يكون فئة من المغفلين النفعيين الماديين الذين يريدون المال على حساب الأخلاق والقيم، ولكن أجزم أن هناك فئة كبيرة جداً يهمها دمار الشباب، يهمها إثارة الفتن وإثارة الغرائز.
فأقول: الشاب حين يكون حديث عهد بهذه المرحلة، والشهوة تتوقد لديه، ولم يتيسر أمامه الطريق الشرعي لصرف الشهوة فيما أحل الله من الزواج، فالذي يحصل أن الشاب يقتنع بطريق الاستقامة ويسلك طريق الاستقامة ويذهب مع الناس الأخيار ويأتي معهم، ولكنه قد يأتي إلى البيت في يوم من الأيام فيجلس أمام التلفاز فيرى تلك الصورة الفاتنة، تلك المرأة فتفتنه تلك الصورة ويتعلق بها، ثم يتدرج به الأمر حتى يهوي عافانا الله وإياكم، وحتى يوقعه الشيطان في معصية وكبيرة من الكبائر، حينئذٍ يقول له الشيطان: لا أمل لك بعد ذلك في التوبة والرجوع أبداً، ويقوده بمجرد نظرة واحدة، أو بمجرد تعلق بشهوة محرمة واحدة، يقوده بعد ذلك إلى طريق الانحراف وطريق الضلال، وهي قضية خطيرة عندما يسترسل فيها أحد.
أي معصية قد يفعلها الإنسان وينتهي أثرها، لكن النظرة الحرام لا ينتهي أثرها، ليست القضية أنك عندما تنظر إلى تلك الفتاة أو إلى ذاك الغلام تكتب عليك سيئة وتنتهي، نعم هي سيئة تكتب عليك وستحاسب عليها، فإن شاء الله عفا عنك أو عاقبك، لكن لا تقف القضية عند هذا الحد، فإن هذه النظرة يعقبها ما بعدها، أنت تنظر النظرة ويزول أمامك هذا الذي نظرت إليه، ثم بعد فترة عندما تذهب للمنزل يبدأ الشيطان يحرك هذه الصورة في ذهنك، وتبدأ تتدرج القضية إلى تفكير، ثم يطول التفكير حتى يستولي على الشاب حتى يفكر في هذه الشهوة في صلاته وهو بين يدي الله ! ماذا بقي لله ؟ تستولي عليه هذه الشهوة حتى يبدأ يفكر في تفريغ هذه الشهوة فيما حرم الله، فقد يقع أحياناً في العادة السرية، ثم وقوعه في هذه المعصية يسهل له ما بعدها، حتى تقوده إلى التهاون بالنظرة الأخرى، ثم بعد ذلك يتدرج به الأمر حتى يهوي عافانا الله وإياكم.
ولذلك كان النبي ﷺ يحذر من النظر، ويوصي صاحبه وصهره علياً ﵁ يقول: (لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الثانية)، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
وإذا تبدت أمامك تلك الصورة التي قد تنال من قلبك شيئاً، فتذكر تلك الصورة التي لا يمكن أن تقارن أبداً بهذه الصورة، تذكر تلك التي لو اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، يقول النبي ﷺ : (لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لملأت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وفي الحديث الآخر أيضاً: يقول ﷺ : (أول زمرة يدخلون الجنة على هيئة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم إلى أن قال ﷺ : لكل امرئ منهم زوجان من الحور العين يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)، اختر أحد البديلين، واعلم أنك عندما تفتح أمامك أبواب الشهوات وأبواب النظرة الحرام، وتصرف نظرك لله ، أن ذلك مهر تقدمه بعد ذلك للحور العين، ذاك النعيم الذي لا يمكن أن يزول ولا يمكن أن يحول أبداً.
стр. 998
التهاون بالمعاصي
السبب الثالث: التهاون بالمعاصي.
الله حكى عن طائفة من أصحاب النبي ﷺ ، يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥]، هؤلاء فروا من الزحف، والفرار من الزحف ليس من الكبائر فحسب بل هو من السبع الموبقات، هؤلاء بعض أصحاب النبي ﷺ الذين فروا من الزحف في غزوة أحد، فما السبب؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥]، فبسبب بعض ذنوبهم وبعض سيئاتهم استزلهم الشيطان حتى أوقعهم في تلك الكبيرة، وماذا عسى أن تكون سيئات أصحاب النبي ﷺ ؟ في غزوة أحد قبل أن يعز الإسلام ما كان يدخل في الإسلام إلا الصادقون، ولا شك أن السابقين في الدخول للإسلام ليسوا مثل غيرهم، ومع ذلك لما فعلوا بعض السيئات تسلط عليهم الشيطان وأوقعهم في الفرار من الزحف، ولكن الله عفا عنهم كما في آخر الآية، فأنت عندما تتهاون بالمعصية الصغيرة تفعلها مرة أخرى، فيزول استقباح المعصية من نفسك، فتصبح تتجرأ على المعصية التي هي أكبر منها حتى تتجرأ على الكبائر، وتتجرأ على الفواحش، ثم تعرض بعد ذلك وتسير في طريق الغافلين.
ولذلك يحذر النبي ﷺ ويقول: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ما تحقرون من أعمالكم كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وذا بعود حتى أشعلوا نارهم وأنضجوا عشاءهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها المرء تهلكه)، يضرب لنا النبي ﷺ مثلاً بليغاً، مثل قوم جاءوا في واد وأرادوا أن ينضجوا عشاءهم، فما وجدوا حطباً، فجاء كل واحد بعود، ووضعوا هذه الأعواد فأشعلوا تلك النار، فتخيل تلك النار التي ستنتج نتيجة هذه الأعواد، ومن هذا المعنى يعظك أحد السلف قائلاً: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى فالجبل عبارة عن حصيات صغيرة، لو جئنا الآن إلى جبل عظيم وفجرناه لتفتت إلى حجارة صغيرة جداً، فإذا جمعت هذه الحجارة فستكون كوماً هائلاً لا يمكن أن تتصوره.
ويخاطب النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة فيقول: (يا عائشة! إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً)، فالحذر الحذر معشر الشباب من المعاصي! وقلنا لكم في السبب الأول: إن من أهم الأسباب ضعف الإيمان، وقلنا لكم: إن هناك أموراً يزيد بها الإيمان وأموراً ينقص بها الإيمان، ومما ينقص الإيمان المعصية، وعندما يفعل الإنسان معصية يتجرأ على التي تليها، ثم يتجرأ على التي تليها حتى يتجرأ بعد ذلك على الكبائر والفواحش كما أسلفنا، ثم بعد ذلك يقول: إنني لا أستحق أصلاً أن أسير في طريق الصالحين، وأنا إنسان ملوث سيئ، وأنا إنسان منافق أظهر ما لا أبطن، ثم بعد ذلك ينحرف ويسير في طريق الضلال، عافانا الله وإياكم.
стр. 999
عدم العناية بتربية النفس والصلة بالله
السبب الرابع: عدم عناية الشاب بتربية نفسه وصلته بالله .
يكون الشاب مثلاً قد وفقه الله لصحبة صالحة يذهب هو وإياهم ويأتي هو وإياهم، يذهبون مثلاً إلى مثل هذه المراكز الصيفية، أو إلى حلقة من حلق القرآن، أو إلى أي مكان يجتمع فيه الشباب الأخيار، قد يسافرون، يقرءون القرآن، يصلون، يسمع المواعظ معهم، وهو يذهب بدافع من نفسه، ويشعر فعلاً بالارتياح، لكنه عندما يرجع إلى المنزل لا يهتم بنفسه، ولا يعتني بنفسه، ويعتبر أن القضية تنتهي عندما يسير مع الأخيار.
ولا شك يا إخوة أن مجرد مسايرة الأخيار لا تكفي، لكن يجب أن ننتقل إلى الخطوة الثانية، فكل إنسان سيقدم إلى الله وحده: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
(ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان).
الذي يحصل أن الشاب يذهب مع الأخيار ويأتي، وهو صاحب نية صادقة، ويشارك معهم في أعمال الخير والطاعة، لكنه لا يعتني بنفسه عندما يكون في المنزل، فلا يحرص على العبادة، وليس له نصيب من قراءة القرآن، ولا من قيام الليل ولا من غيرها من العبادات التي تقربه إلى الله ، وخاصة أعمال السر، لابد أن يكون لنا منها نصيب؛ لأن لها أثراً في إصلاح النفس، وأثراً في صلة النفس بالله ، فليس بالضرورة أن تقوم ثلث الليل كله، ولكن ربع ساعة أو نصف ساعة، بل لو لم تستطع أن تقوم الليل فصل قبل أن تنام ركعتين واطمئن فيهما، أمسك المصحف واقرأ كتاب الله بتدبر وتمعن، قف مع نفسك وتفكر في الدار الآخرة، تفكر في حياة البرزخ، ليكن لنفسك حظ من العبادة، اعتن بنفسك، لا يمكن ولا يليق أبداً أن يعطي أحد الآخرين وكالة عن نفسه، فهذه أمور أنت فيها مسئول عن نفسك: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ولن ينفعك مجرد كونك تسير مع فلان أو فلان أو فلان من الناس.
لا شك أن هذه الخطوة مطلوبة وندعو كل شاب أن يحرص عليها، وهي خطوة مجالسة الأخيار، لكن يجب أن ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي أن نعتني بأنفسنا بعد ذلك، وأن نحرص على أن يكون لنا نصيب من تلاوة كتاب الله ، ونصيب من الصلاة، ونصيب من الصيام، ومن أعمال السر بيننا وبين الله ، فإن لذلك أثراً عظيماً في إصلاح النفس.
стр. 1000
الغثائية وعدم القناعة
السبب الخامس: الغثائية وعدم القناعة.
الأمة الإسلامية تشكو من الغثائية، كم من الناس من يشهد أن لا إله إلا الله، لكنهم كما قال النبي ﷺ : (غثاء كغثاء السيل)، بعد انتشار الصحوة أصبح يوجد نوع من الغثائية، يكون الشاب مثلاً له أخ مستقيم أو ابن عم أو قريب، أو نشأ في بيت محافظ، ويؤتى به إلى مثل هذا المركز ويرى العدد الكبير من الشباب الطيبين، وعندما يذهب ليصلي في الجامع يرى ذلك، وعندما يذهب إلى الحرم المكي أو إلى المحاضرات يرى عدداً كبيراً من الشباب الطيبين، فأصبح جواً عاماً، وسار مع الناس وليس عنده قناعة تامة، يعني ليس عنده تلك الرغبة القوية بحيث يشعر أن هذا الطريق لابد أن يسلكه، يشعر أن هذا هو ما أمره الله ، ويشعر أن الطريق الآخر طريق ضلال وانحراف، وأن هذا لا خيار له فيه أصلاً، وهو لا يسلك هذا الطريق لأنه جالس مع فلان وفلان من الناس.
فعندما يكون مستوى القناعة عنده ضعيفاً وإنما يأتي عن عاطفة واستجابة لدعوة فلان أن يكون مع الأخيار، يكون عنده استعداد لأن يتخلى عن الطريق لأي مشكلة تعرض له.
وهنا لابد أن يكون عندنا قناعة، وأن نعرف أن القضية مستقبل، أنتم الآن اعتدتم أن تسمعوا من آبائكم ومن أساتذتكم وممن حولكم: يا بني أنت لابد أن تعتني بمستقبلك، فهو يدرس ويجتهد في الدراسة حتى يعتني بمستقبله، يريد أن يحصل على تقدير عال حتى يؤمن مستقبله، وهكذا يصبح هذا المستقبل هاجساً، بل يصبح أحياناً وللأسف وثناً، فهو يسترخص كل شيء لأجل هذا المستقبل، وما هو المستقبل الذي يتجه إليه الجميع؟ فعندما يقال: أمِّن مستقبلك ماذا تفهم من هذه الكلمة؟ تفهم من هذه الكلمة أنه يلزمك أن تحصل على مركز وظيفي أو مركز اجتماعي مرموق، وفي النهاية ستموت وترحل، الرجل الذي حصل على مركز اجتماعي عال مثل الرجل الفقير الصعلوك الذي لا مال له، سيرحلون جميعاً ولا فرق، فما هو المستقبل الحقيقي إذاً؟ المستقبل الحقيقي: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، هذا هو المستقبل الذي يجب أن نتطلع إليه، والذي يجب أن نرتب أمورنا وحياتنا على أساسه، يؤتى بالموت على هيئة كبش، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت.
ويقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت، فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.
نعم لا شك أن الشاب سيحرص على أن يؤمن له وظيفة، وأن يكون له مركز اجتماعي مناسب، ولكن المستقبل الحقيقي الذي يجب أن نسعى إليه، ونربط أمورنا كلها به هو هذا المستقبل.
إذاً: فأنت يجب أن تعرف أن طريق الاستقامة وطريق الالتزام ومعاشرة الأخيار ليست مجرد عواطف، ولكن القضية مستقبل، فتسلك هذا الطريق وأنت تعرف نهايته، وتسلك الطريق الآخر وتعرف نهايته.
стр. 1001
عدم الجدية
السبب السادس: عدم الجدية: بعض الناس عنده استعداد أن يخرج مع الأخيار في رحلة قد يكون فيها فوائد طيبة، وفيها مجال للانبساط وحظ النفس، ممكن أن يأتي ويشارك في المركز الصيفي وما فيه من البرامج الجادة، لكنه سيجد فيه برامج رياضية، وسيجد فيه ما يزيل السأم عن النفس، ولا شك أن النفس تميل إلى مثل هذا الأمر، لكن عندما تأتينا أشياء جادة، كأن يقال: هناك درس علمي فمن يريد أن يبقى فليبق، والذي يريد أن ينصرف فلينصرف، ستجد أن هذا الدرس لا يقبل عليه إلا عدد أقل، عندما يكون هناك برامج جادة كأن يقال للشاب: نريدك أن تقرأ هذا الكتاب، وحجمه ٣٠٠ صفحة أو ٤٠٠ صفحة، أو عندما يقال له في أمر من باب الجهاد في سبيل الله .
نحن نمني أنفسنا بالجهاد، ويحدث الواحد نفسه فيقول: الآن أتمنى إن شاء الله أن يتاح لي المجال للجهاد والشهادة، لكن هذه أماني، وعندما تأتي الحقيقة تتغير الصورة، وأظن أنه قد مرت بكم تجربة وكانت الأحداث بعيدة عنكم، ومع ذلك أصبحت القلوب ترجف، وأصبح الإنسان يريد أن يبذل كل شيء ليسلم فقط من هذا الخطر الداهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء:٧٧].
نحن لا نريد مظهراً خارجياً في شاب يلتزم بالأمور المظهرية فيقصر ثيابه ويعفي لحيته ويحافظ على السنن الرواتب وغيرها من الأمور، وهذه أمور مطلوبة، لكن أقول: العبرة بالصبر على التكاليف الجادة مثل أن يصبر الإنسان على الفتن، أن يصبر على المصائب، أن يعد نفسه للجهاد في سبيل الله.
هل تتخيلون أن يزيد عدد الشباب الأخيار ثم يصبحوا آباء ومسئولين، وبعد فترة تقوم عندنا دولة إسلامية وخلافة إسلامية؟ لا، فلابد أن تحصل فتن ولابد أن تراق دماء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، فأقول: الطريق الذي تسلكونه طريق سجن، طريق مصائب، طريق يحتاج إلى أن يضحي الإنسان بماله وبراحته، بل أحياناً يضحي بنفسه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
إذاً: نعود إلى ما أشرنا إليه، فنقول: إن بعض الشباب قد يكون شخصية غير جادة، يسلك طريق الاستقامة وقت الراحة، لكن عندما تأتي قضايا جادة تتطلب الصبر والتضحية يحس أنه مهدد أن يصيبه ما يصيبه، وسرعان ما يهلك، ولذلك تصبح الفتن هي المحك؛ لأن أكثر ما يكون التساقط عند الفتن، وسميت فتناً لأنها تصفي الناس وتميز سالصادقين: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣].
فأقول: يجب أن نربي أنفسنا على الجدية، ولا حرج أن يكون لنا حظ من اللهو المباح في لقاءاتنا مع زملائنا وإخواننا، يكون لنا حظ مثلاً من الرياضة المباحة، لكن بشرط أن نتطلع إلى أمور أعلى، ونكون جادين، ولا نكون شخصيات هازلة.
стр. 1002
ضعف الشخصية
ننتقل بعد ذلك إلى السبب السابع: ضعف الشخصية: بعض الناس عندما يكون مع الأخيار سرعان ما يتحول زاهداً ورعاً تقياً صالحاً، لكنه ليس عنده ثبات، فبعد يوم أو يومين يعاشر فلاناً من الناس فسرعان ما ينصرف وينحرف.
وهناك قضية تحصل كثيراً وهي أن الشاب يكون له زملاء أخيار يذهب معهم ويأتي معهم، فيسافر مثلاً إلى بلدة أخرى أو هم يسافرون مثلاً ولا يذهب معهم، فينقطع عنهم مدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، فأحياناً تجده قد رجع بغير الوجه الذي ذهب به كما يقال، تغير وجهه جملة وتفصيلاً، لماذا؟ لأن الرجل -كما قلنا سابقاً- ما كان يعتني بنفسه، فلم لكن له حظ من عبادة الله وطاعة الله ، وأيضاً هو رجل ضعيف الشخصية سرعان ما يتأثر، وأي إنسان يستطيع أن يقوده، وأن يؤثر عليه.
стр. 1003
الإعجاب بالنفس والغرور
السبب الثامن: الإعجاب بالنفس والغرور: والذي أوقع الشيطان فيما أوقعه فيه هو إعجابه بنفسه وغروره، ومهما كان عليه الإنسان من الإيمان والتقوى والصلاح فبدون تثبيت الله وتوفيق الله لن يستطيع الثبات أبداً.
الرسول ﷺ كان كثيراً ما يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وكان يقول في قيام الليل: (اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وكان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، ولم يكن النبي ﷺ ليدعو بهذا الدعاء عبثاً، بل إن الله يقول له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، فالنبي ﷺ يحتاج إلى تثبيت الله، فغيره من باب أولى.
المشكلة أن بعض الشباب يحس بأنه قد وصل إلى مرحلة استقرار، وأصبح عارفاً لكل شيء، وأنه إنسان ليس عنده أي قصور، وقد أصبح الآن بحاجة إلى أن يعطي، وليس بحاجة إلى ما يزيد إيمانه وطاعته، وعندما يشعر الإنسان بأنه اكتمل فقد بدأ النقص، وهذا ما يريده الشيطان.
فالحذر الحذر -يا شباب- من الإعجاب بالنفس، وعندما تتخيل أنك صاحب عبادة، فتذكر سيرة العباد واقرأ سير العباد لترى المسافة الشاسعة بينك وبينهم.
وعندما ترى نفسك وصلت منزلة من الورع والزهد فاقرأ سير الزهاد وأهل الورع.
وعندما تتخيل أنك بذلت جهداً في الدعوة فاقرأ سير الأنبياء، واقرأ سير السابقين من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم لترى المسافة الشاسعة بينك وبين أولئك، ومع ذلك كان أولئك يبكون ويتضرعون إلى الله أن يثبتهم على هذا الطريق وأن يهديهم إلى الطريق المستقيم؛ فهل أنت خير منهم؟!
стр. 1004
الغلو
السبب التاسع: الغلو.
وهذا أحياناً ما يسلكه الشيطان، فعندما يجد الإنسان عنده حماس أكثر يصعب أن يأتيه من طريق التقصير؛ فيأتيه من طريق الغلو، كيف يكون،
و
السؤال
كيف يكون الغلو سبباً للانحراف؟ يكون سبباً للانحراف إما أن يبتدع أصلاً، ويصبح مثل المبتدعة الخوارج وغيرهم، فيبتدع في دين الله ما لم يأذن به الله، أو العكس الذي يحصل كثيراً مثلاً عندما يأتي الشاب وقد يكون صاحب معاص وتقصير على نفسه فيتوب ويلتزم، فيقول: أنا الآن صاحب تقصير وإهمال، ولا يغسل عني هذه الذنوب إلا أن أقبل إقبالاً صادقاً على الله ، فيكلف نفسه من الأعمال ما لا يطيق ويتعب نفسه ويرهقها، ثم النتيجة أنه يتحمل شهراً، أو شهرين، لكن بعد ذلك لا يستطيع أن يتحمل، فإذا لم يتحمل لا يعود إلى الاعتدال، ولو كان سيعود إلى الاعتدال فلا إشكال، لكن يعود إلى الطريق السابق، وإلى الاتجاه الآخر.
فحذار حذار من الغلو، وعندما نحذر من الغلو، لا يعني ذلك أنا ندعو إلى التساهل، فمعنى الغلو إنما نفهمه من سنة النبي ﷺ ، وهو ألا تكلف نفسك من الأعمال ما لا تطيق، ولكن أيضاً لا تستلم للكسل حذراً من أن تقع في الغلو، فالاعتدال والتوسط هدي النبي ﷺ ، ولذلك يحذر النبي ﷺ من الغلو فيقول: (إياكم والغلو في الدين).
стр. 1005
عدم القدرة على استغلال الوقت
السبب العاشر: عدم قدرة الشاب على استغلال وقته: كيف يكون هذا السبب؟ نعم سبق أن أشرت إليه، مثلاً عندما يكون الشاب له زملاء أخيار يجلس معهم، ويحفظون عليه وقته، لكن انقطع عنهم لسبب أو لآخر، يبقى في المنزل يوم يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام وما اعتاد أن يستغل وقته استغلالاً جيداً، فينصرف إلى اللهو والشهوات، ويكون معرضاً لأن يذهب مع فلان أو فلان من الناس، والشيطان يتمنى هذه اللحظة، ولو كان قد تعود على أن يستغل وقته لكان سيستغل جزءاً من وقته في حفظ القرآن، وجزءاً منه في القراءة، وجزءاً في سماع أشرطة إسلامية، وجزءاً في صلة رحمه، المهم أنه سيستغل وقته فيما ينفعه، وجزءاً يصرفه في اللهو المباح الذي لا يأخذ عليه عامة وقته، ومهما كان عليه الإنسان من العبادة والطاعة إذا لم يتعود على أن يستغل وقته فإنه إذا بقي لوحده فارغاً في البيت فلن يستطيع وسيفشل ويتعب، ولذا يجب أن نعود أنفسنا على استغلال أوقاتنا في طاعة الله ، ولا يكون ذلك مؤدياً إلى الانحراف عافانا الله وإياكم.
стр. 1006
الفتن والمحن
السبب الحادي عشر: الفتن والمحن: ولذلك بعدما أسري بالنبي ﷺ ارتد ناس، كما روى ذلك الحاكم والبيهقي؛ لأنها قضية مفاجأة لا يتحملها كل إنسان، النبي ﷺ في ليلة واحدة يسرى به من مكة إلى المسجد الأقصى ثم يعرج به إلى السماء، ويعود في نفس الليلة! قضية لا يصدقها إلا إنسان يؤمن بالغيب فعلاً، ولذلك ارتد بعض من كانوا أسلموا عندما سمعوا بهذا الأمر، والردة العظمى حصلت كما أشرنا في بداية المحاضرة لما مات النبي ﷺ ، لكن أذكركم بما قلته في أول المحاضرة أن هذه الفتن إنما تفتن وتصد من كان ضعيف الإيمان، أما من كان قوي الإيمان، فإن الله يثبته ويعينه.
стр. 1007
ضغط الدنيا
السبب الثاني عشر: ضغط الدنيا: أحياناً يكون الشاب في بيت غير محافظ، بيت سيئ فيه فتن، فيقاوم ويقاوم وبعد ذلك لا يستطيع الثبات، وأحياناً يكون له أبناء عم أو أبناء خالة أو غيرهم من الأقارب، فيصبح يقضي وقته معهم، فعندما تأتي مناسبة زواج مثلاً يجلس معهم، وقد لا يكونون بلغوا الغاية من الانحراف، لكن على الأقل عندهم ما عند غيرهم من الشهوات، فعندما يجلس معهم يسخرون منه، ولا يستطيع أن يظهر بالمظاهر التي اعتاد عليها، فيبدأ يترك السنة الراتبة مجاملة، يأخذ معهم في الحديث في أمور لا ترضي الله ورسوله، وهكذا يتنازل تدريجياً، حتى سرعان ما يهوي ولا يستطيع أن يتحمل مثل هذا الضغط الذي يواجه مرة بالسخرية ومرة باللمز ومرة بصورة أو بأخرى.
الإنسان الذي عنده قوة إيمان وثبات وصلة بالله يستطيع أن يواجه ويقاوم كل هذه الفتن وهذه الصوارف.
стр. 1008
وجود بعض الرواسب
السبب الثالث عشر: وجود بعض الرواسب: قد يتوب الشاب مثلاً ويلتزم، لكن يبقى عنده قضايا لم يتخلص منها كمعصية أو شهوة معينة، أو قضية تبقى معه ويأتي ما ينميها ويثيرها فتقضي عليه وتعيده إلى ما كان عليه.
стр. 1009
الجليس والصحبة
السبب الرابع عشر والأخير: وتعمدت أن أؤخره لأهميته؛ فالشيء إنما يقدم لأهميته ويؤخر أيضاً لأهميته؛ لأن ما يؤخر يكون غالباً آخر ما يبقى في الذهن.
والسبب الرابع عشر هو الجليس والصحبة: فالصحبة قد تكون صحبة عامة وقد تكون خاصة، فمثلاً أي شاب عنده مجموعة من الأقران والزملاء، هم جلساؤه، هذه القضية نتفق عليها، وما أظنكم بحاجة إلى أن أتحدث معكم عن أثر الجليس، لكن النقطة التي أشير إليها الآن لأهميتها هو الجليس الخاص، فيأتي الشاب مع مجموعة طيبة ومع أناس أخيار يعتبرهم صحبة له، ثم يصطفي داخل هذه المجموعة اثنين أو ثلاثة تجده يذهب معهم ويأتي معهم دائماً، وعندما تقابلهم تستطيع أن تكتشف هذه العلاقات الخاصة، فتجده لا يذهب إلا مع فلان ولا يأتي إلا مع فلان، فهنا يحصل الخلل، فقد يكون المجموعة خيرة ومع ناس أخيار ومستقيمين، ولكن قد يكون مع أحدهم ممن التحق بهم حديثاً أو ليس على مستوى أولئك، فيكون عنده ضعف وعنده بعض الشهوات، فعندما ضعيف مع ضعيف يكونان ضعيفين، وقد يجتمع الثالث فيكونون ثلاثة ضعفاء، فيجر بعضهم بعضاً ويهوي بعضهم ببعض.
فيجب -يا شباب- أن نختار لأنفسنا الجليس وخاصة الجليس الخالص، ولا يكفي مجرد الانتماء إلى مجموعة خيرة، لكن حتى داخل هذه المجموعة الخيرة يجب أن تصطفي من ترى أنه أقوى منك إيماناً وأكثر منك طاعة لله ، ولا تختر أضعف المجموعة وأقلها، فيهوي بك وتهوي به، ويأخذ بعضكم بيد بعض حتى تخرجون خارج هذه الدائرة.
стр. 1010
العلاج الفردي لظاهرة الانتكاس
стр. 1011
معرفة الأسباب والحذر منها
ننتقل بعد الحديث عن الأسباب إلى العلاج.
العلاج لا شك أنه مهم لكن أظن أن معرفة الأسباب وما سبق يغنينا عن الإسهاب في العلاج، وإذا عرفنا الأسباب عرفنا (٧٥%) من خطوات العلاج، فلعلي أذكر بعض الخطوات باختصار شديد.
هذه الأمور أولاً: العلاج يمكن أن نقسمه إلى شقين: الشق الأول: أمور فردية يفعلها الإنسان من نفسه.
والشق الثاني: أمور تتعلق بالمربي الذي يتولى تربية الشباب وتوجيههم، فيجب أيضاً أن يمارس أنواعاً من العلاج مع أمثال هؤلاء الشباب، فأول قضية بالنسبة للقضايا الفردية، أول قضية كما قلنا هي معرفة تلك الأسباب والحذر من الوقوع فيها.
стр. 1012
الخوف من الانتكاس
الأمر الثاني: الخوف، أن يخاف الإنسان على نفسه من الوقوع في هذا الأمر، وعندما تقرأ قول الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء:١١٣].
يوسف ﵇ ويثبت ويواجه الفتنة ثم يقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، إبراهيم ﵇ يحطم الأصنام بيده ويواجه قومه ثم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، أنت تخاف من سلوك هذا الطريق، وأن تعرف أنك لن تضمن نفسك إلا عندما ترى الملائكة يقبضون روحك، إذا أمنت فهذه بداية للوقوع في الطريق، ولذلك كان السلف يقولون عن النفاق: ما أمنه إلا منافق ولا خافه إلا مؤمن، أن تخاف ولا يكون الخوف مجرد هاجس، بل يكون خوفاً يدعوك إلى العمل بعد ذلك.
стр. 1013
تقوية الإيمان والصلة بالله
الأمر الثالث: تقوية الإيمان والصلة بالله ، وسبق أن أشرنا إلى هذه القضية.
стр. 1014
المبادرة بتصحيح أي تقصير أو خلل
الأمر الرابع: المبادرة بتصحيح أي تقصير أو خلل: حين تكتشف أنك بدأت تتراجع فبادر إلى علاج نفسك ولا تنتظر الآخر.
يحصل عند الإنسان مد وجزر، فعندما تجد نفسك نزلت قليلاً بادر إلى علاج نفسك والرقي بإيمانك، لكن عندما تهمل تبدأ تنزل تدريجياً حتى تصل إلى مرحلة لا تستطيع بعد ذلك أن تعالج نفسك، فعندما تكتشف من نفسك ضعف إيمان أو تقصير أو خلل فبادر ولا تتأخر في التوبة والإقبال على الله وعلاج هذا الخلل.
стр. 1015
الدعاء
الأمر الخامس وهو أمر مهم جداً معشر الشباب: الدعاء: قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢].
تخيل معي شاباً يسلك طريق الاستقامة ويتخلى عن الشهوات والفتن ويقبل على الله ويحرص على العبادة، ثم يظل يبكي بين يدي الله ويسأل الله ويتضرع إليه، ويسلم نفسه لله ويسأله أن يثبته على هذا الطريق، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، فهل تتصور بعد ذلك أن يتخلى الله عنه، فالله أرحم بعباده من الأم بولدها، ويقول النبي ﷺ : (ما على وجه الأرض من مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، وصرف عنه من السوء مثلها).
ولذلك كان النبي ﷺ يدعو في قيام الليل الدعاء الذي أشرت إليه: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
فاحرص يا أخي على أن تسأل الله الثبات، على أن تسأل الله الهداية دائماً، حتى ولو كنت ترى أنك قد سلكت طريق الهداية، فالنبي ﷺ أهدى الناس وكان يسأل الله أن يهديه وأن يثبته، ولا تمل من الدعاء والإلحاح على الله ، واعلم أنك مهما ازددت إلحاحاً على الله بالدعاء فإن ذلك أحظى لك وأقرب لك منزلة عند الله .
стр. 1016
العلاج الجماعي لظاهرة الانتكاس
النقطة الثانية: وهي الأمور الجماعية التي يجب على المربي أن يعتني بها، وتتلخص في أمور:
стр. 1017
الارتقاء بالمستوى التربوي
الأمر الأول: الارتقاء بالمستوى التربوي، من ناحية العناية بالإيمان والعناية بالجدية، نريد أن نربي شباباً أصحاب ورع وعبادة وطاعة لله ، ولا نريد مظاهر، نريد شباباً جادين، عندهم استعداد أن يستجيبوا لله ويقدمون مرضاته على حظوظ النفس.
وأخاطب الإخوة الأساتذة والمربين فأقول: إن الشباب مهما كانوا فهم قادرون على أن يصلوا إلى مستويات عالية من التربية، أصحاب النبي ﷺ ألم يكونوا بشراً؟ الشباب الذين رأينا نماذج كثيرة منهم في أرض الجهاد في أفغانستان، يترك أحدهم أهله وماله ويذهب هناك ويسلم نحره للعدو، هم شبابنا ومن مجتمعاتنا، بل قد يكون بعضهم عاش في فتن أكثر مما عاشه أولئك الشباب، فالشباب مهما كانوا فهم قادرون على أن يصلوا إلى مستويات عالية من التربية، لكننا نظراً لأننا نمارس تربية دون المستوى المطلوب نتخيل أن هذا هو القدر الذي يمكن أن يصل الشباب إليه.
فلابد من الارتقاء بتربية الشباب من ناحية الإيمان، والجدية والعلم النافع، فالعلم هو الذي يعين الإنسان على الثبات، ويجعل الإنسان يعرف الحق من الباطل، عندما يغرم الإنسان بالعلم يعرف أنه سلك طريقاً لن ينتهي به، أما عندما تكون القضية مجرد عواطف، ومجرد ذهاب فلان مع فلان وفلان من الناس فسرعان ما يمل هذا الطريق.
стр. 1018
المتابعة الدقيقة
الأمر الثاني: المتابعة الدقيقة، فهؤلاء الشباب أمانة في أعناقكم، وتسألون عنهم يوم القيامة، وكل راع مسئول عن رعيته.
стр. 1019
الحرص على الاستدراك في المراحل الأولى
الأمر الثالث: الحرص على الاستدراك في المراحل الأولى: عندما ترى تقصيراً على أحد هؤلاء الشباب وخللاً يجب أن تبادر في البداية؛ لأنه عندما يهوي يصعب بعد ذلك استدراكه.
стр. 1020
المناصحة
وأخيراً: المناصحة: فعندما ترى أحداً قد أعرض يجب أن تناصحه، وتبذل كل ما تستطيع، وليس عليك إلا المناصحة والبلاغ، والتوفيق والهداية بيد الله .
أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
следующие страницы →