← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الحضارة والمدنية سادساً: الحضارة والمدنية: يرتبط السفور بالمدنية والتحضر والحجاب بالتخلف والبداوة لدى بعض فتيات المسلمين، ومن ثم فهي تتخلى عن الحجاب لتكون أكثر تحضراً، ودعونا نثير هذا السؤال مرة أخرى: ماذا جنى العالم المتحضر من السفور؟ تقول كاتبة إنجليزية وهي نس إنيرود: أنا ليس بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة، تنعم المرأة بأرغد عيش، تعمل كما يعمل أولاد البيت ولا تمس الأعراض بسوء، نعم، إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل لكثرة مخالطة الرجال. انتشرت في تلك المجتمعات الخيانة الزوجية، ففي إحصاية في مطلع هذا القرن الهجري في أوروبا (٧٥%) من المتزوجين يخونون زوجاتهم قبل الزواج، و (٨٠ - ٨٥%) لهم خليلات، انتشار الاختطاف رغم أن أبواب التمتع بالحرام متاحة لهؤلاء. أعلن مركز الضحايا الوطني الذي يناصر حقوق ضحايا جرائم العنف أن معدل الاغتصاب في الولايات المتحدة أصبح (١. ٣٠٠. ٠٠٠) أي: (١/ ٣) امرأة، وأضاف المركز أن واحدة من كل ٨ بالغات في الولايات المتحدة تعرضت للاغتصاب ليكون إجمال من اغتصبن (١٢. ١٠٠. ٠٠٠) على الأقل، ويشير المسح إلى أن (٦١%) من حالات الاغتصاب تمت لفتيات تقل أعمارهن عن (١٨) عاماً، وأن (٢٩%) من كل حالات الاغتصاب تمت ضد أطفال تقل أعمارهم عن أحد عشر عاماً، وأظهرت الأرقام زيادة معدل الاغتصاب عن العام الذي سبقه بنسبة (٥٩%)، وفي بريطانيا (٩. ٠٠٠) فتاة صغيرة لم يتجاوزن الخامسة عشرة حملن عام (١٩٩٦ للميلاد). انتشار الشذوذ، ممارسة الشذوذ بين الرجال وبين النساء هو لون آخر من ألوان ما جنته تلك الحضارة، انتشار إتيان المحارم، اعتداء الآباء على بناتهم، بل اعتداء بعض الأجداد على حفيداتهم، اعتداء الإخوة على أخواتهم، أرقام هائلة يضج منها ذلك العالم، هذا هو واقع تلك الحضارة، وهذا هو واقع تلك المدنية، فكيف بفتاة الإسلام تعتقد أن التخلي عن الحجاب هو مظهر من مظاهر الحضارة، وكيف بها ترى أن الحجاب والستر مظهر من مظاهر التخلف، فماذا جنى ذلك العالم المتحضر؟ الذي يبدو منطقياً أنه حينما ينتشر السفور والإباحية في أي مجتمع أن حالات الاغتصاب تقل وتتضاءل، لأن من يريد الفجور أمامه أبواب متاحة، والمفترض منطقياً أن تزيد حالات الاغتصاب وحالات الشذوذ في المجتمعات التي لا يتاح فيها الباب للمارسة الجنسية خارج إطار الزواج، لكن الواقع يشهد بخلاف ذلك، فهل فتاة الإسلام تجعل ذلك المجتمع الذي ترى منه صورة من صور الرقي، هل يسوغ أن تجعل ذلك المجتمع مرآة لها وترى أنها حين تلتزم الحجاب والستر والعفاف تنتمي إلى عصر التخلف والرجعية؟

стр. 1227

الزميلات والصديقات المعوق السابع: الزميلات والصديقات: إن الصديق والصاحب له أثره على الإنسان؛ ولهذا أوصى النبي ﷺ قائلاً: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)، وأخبر ﷺ : (أن المرء على دين خليله -قال:- فلينظر أحدكم من يخالل)، ويوم القيامة يحشر المرء مع من أحب، فإن أحب الصالحين حشر معهم ولو كان عمله دون عملهم، وإن أحب غيرهم حشر معهم. الفتاة تختار صديقاتها ممن تلتقي بهن في الجامعة أو في حيها من أقاربها وتعيش معهن، وللصديقات تأثير بالغ على الفتاة، فحين تكون صديقات الفتاة من السافرات أو من المستهينات بالحجاب فإن هذا يمثل عائقاً لهذه الفتاة عن العودة إلى ما فرض الله عليها من الستر والعفاف، وقد أخبر الله ﵎ عن حال تلك الصلة والعلاقة التي تبنى على خلاف طاعة الله ﵎؛ يقول : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. إن هذا المرء سيتبرأ من خليله وصديقه يوم القيامة، فإذا كان يريد النجاة من هذا الموقف فليتخذ هذا القرار في دار الدنيا وإلا فسيبقى ديناً عليه يدفعه يوم القيامة في يوم لا تجدي فيه هذه البراءة، ولا يجديه فيه هذا التخلي، وإنما هو مظهر من مظاهر إبراز التحسر والتأسي.

стр. 1228

الشذوذ عن المجتمع المعوق الثامن: الشذوذ عن المجتمع: حين يصبح السفور هو السمة السائدة في المجتمع، أو التساهل في شأن الحجاب هو القاعدة العامة وهو الظاهرة العامة، تشعر الفتاة أنها حين تلتزم بالحجاب تعيش شاذة عن هذا المجتمع الذي تعايشه، والشذوذ ليس بالضرورة صفة سلبية، بل هو حين يكون على خير وعلى حق هو دلالة على قوة الشخصية، ودلالة على أن الإنسان لا يستجيب لضغط المجتمع، ولا يستجيب لضغط الآخرين. في كتاب الله ﵎ قص الله علينا نبأ فتية لا يبلغ تعدادهم العشرة، عاشوا في مجتمع كان كل الناس فيه من أهل الشرك والضلال ودعوة غير الله ، ومع ذلك كان هؤلاء الفتية مؤمنين أتقياء صادقين؛ ذكر الله قصتهم نبراساً للأمم من بعدهم إلى يوم القيامة، إن هؤلاء كانوا شاذين في عرف مجتمعاتهم. بل هاهي امرأة طاغية من الطغاة وجبار من المتجبرين إنها امرأة فرعون الذي لم يعرف التاريخ رجلاً أكثر جبروتاً وتسلطاً منه، وأي جبروت أشد من أن يقول للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ثم يقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ومع ذلك آمنت بالله ﵎، فضربها الله مثلاً للمؤمنين والمؤمنات ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]. كانت وحدها في بيت هذا الجبار الطاغية الظالم وذاقت ألوان العذاب والأسى، ومع ذلك بقيت مؤمنة صامدة متمسكة بما أمرها الله به، فقضت نحبها وأراها الله ﵎ بيتها في الجنة قبل أن تلفظ روحها، وبقيت مثلاً يتأسى به المؤمنون والمؤمنات إلى قيام الساعة.

стр. 1229

سلوك المحجبات وواقعهن المعوق التاسع: سولك بعض المحجبات وواقعهن: تحتج بعض الفتيات بأن سلوك وأخلاق بعض الفتيات المحجبات لا يقود إلى الحجاب، فإنها ترى منهن سوء الخلق، ترى منهن الغش، ترى منهن الكذب إلى غير ذلك من هذه المظاهر. دعونا نأخذ الصورة المقابلة، لو رأينا امراة متبرجة تدخن أو تتعاطى المخدرات أو تقع في الجريمة، فهل يلفت نظرنا ذلك ونقول: إن هذا الفساد والإجرام ارتبط بالتبرج والسفور؟ إن الذي يلفت نظرنا هو النموذج الشاذ، فتلك الفتاة التي تمارس سلوكاً سيئاً وهي محجبة إنما لفتت نظرنا لأنها محجبة ولو كانت سافرة لما لفتت نظرنا. والحجاب لا يعني العصمة، فحينما تتحجب الفتاة فهي تلتزم بأمر من أمور الله ﵎، تلتزم بفريضة من فرائض الله على المرأة، وهذا لا يعني أنها تحولت إلى امرأة معصومة سليمة من الأخطاء. وهكذا الرجل حين يظهر عليه أثر الصلاح والتدين فلا يعني أنه قد أصبح إنساناً معصوماً، وإذا وجدت هذه الحالات فهي حالات شاذة؛ لكن الغالب على الذين يظهرون بمظهر الصلاح من الرجال والنساء هو أنهم منطقيون مع ما يظهرون أن باطنهم يحكي ظاهرهم، هذا هو الأصل وهو الغالب، وما سوى ذلك في حالات شاذة.

стр. 1230

الأهم صلاح القلب الأمر العاشر: الأهم صلاح القلب: تقول بعض الفتيات المسلمات: نعم إنني متبرجة، إنني سافرة، ولكني طيبة القلب، والأهم ليس في المظهر، الأهم هو صلاح القلب. أيها الإخوة! ما في القلب يظهر أثره على سلوك الإنسان وعمله، إذا ادعى شخص أنه يحب إنساناً وهو مع ذلك يسيئ إليه وينفر منه، أو ادعى أنه يبغضه وهو يجالسه ويشتاق إليه ويسعى لمجالسته، فهل من حوله سيصدقون هذه الدعوى؟ إذا ادعى زوجك أنه يحبك ويقدرك ويجلك ومع ذلك يتلفظ عليك بأقبح الألفاظ، وهو يسب ذلك اليوم الذي عرفك فيه، وهو يبحث عن زلاتك وسقطاتك ويهمش محاسنك، فهل تقتنعين فعلاً بهذه الدعوى من أنه يحبك؟ الانتساب للجندية، لو أن إنساناً لبس ملابس الجند فهل يؤهله ذلك لأن يكون جندياً، وهل يقبل الناس منه ذلك؟ لو انتسب لمؤسسة أو جامعة وهو يقول: إنه جاد وحريص على الدراسة ومع ذلك لم يحضر الدراسة، لم يحضر الامتحانات، فهل يمكن أن يجتاز هذه الجامعة؟ هل يمكن أن يعطيه صاحب هذا العمل الذي التحق به راتباً لأنه يؤكد ويحلف الأيمان المغلظة أنه جاد في ذلك؟ إن مجرد الدعوى لا تكفي. إذاً: الفتاة حين تقول إنها طيبة القلب صالحة القلب فمرآة طيب القلب وصلاحه استجابتها لأمر الله ﵎.

стр. 1231

الأهم الصلاة والصيام الأمر الحادي عشر: تقول بعض الفتيات: إن الأهم الصلاة والصيام، إنني أصلي، أحافظ على الصلاة، أصوم شهر رمضان، أجتنب الفواحش، وهذا هو الأهم، وهذه الحجة كثيراً ما نسمعها من كثير من المسلمين حينما ينكر عليهم معصية أو منكر. حين يحترم الإنسان نظاماً من أنظمة البشر فهل يعفيه ذلك عن احترام سائر الأنظمة؟ هناك أنظمة وقوانين تلزم صاحب البناء أن يلتزم بها، فإذا التزم بواحد من هذه الأنظمة فهل يعفى من البقية؟ هناك أنظمة تلزم سائق السيارة كأن يحمل رخصة قيادة للسيارة، وأن يضع لوحات على السيارة، وأن يرتدي حزام الأمان، وأن يسير وفق سرعة محددة، فلو أن صاحب سيارة من السيارات ارتكب مخالفة من المخالفات ثم أوقفه رجل الأمن فقال: إنني محترم للنظام، إنني أحمل رخصة قيادة، إنني أحمل رخصة سيارتي، فلن يقبل منه ذلك. إذاً: التزام الإنسان بشيء من شرع الله لا يعفيه من بقية الفرائض، فالتزام الفتاة بالصلاة هو استجابة لأمر الله ، لكن هذا لن يعفي الفتاة من أن تلتزم ببقية ما شرع الله لها. وهكذا شأن المسلم في سائر أحكام هذا الدين، فحينما يلتزم بالصلاة، يلتزم بالصيام، يؤدي الحج إلى بيت الله، يشهد أن لا إله إلا الله، فإن هذا قيام بأركان عظيمة من أركان الإسلام، لكن هذا لن يعفيه من أن يقوم ببقية الواجبات والشرائع. هذه أيها الأخوات والإخوة الكرام بعض ما تحتج به فتيات المسلمين اللاتي يتنكبن طريق الحجاب، اللاتي يسعين نحو السفور والتبرج، ودعونا نختم ولو أطلنا قليلاً بصوة من صور الواقع الغربي.

стр. 1232

صورة من واقع الحياة الغربية دعونا نختم بصورة من صور واقع الحياة الغربية، ولماذا نورد هذه الشواهد هنا؟ لأن تلك البلاد هي التي أصبحت مرآة لفتياتنا ونسائنا، وهي التي سبقتنا في السفور والاختلاط ومشاركة المرأة للرجل في سائر ميادين الحياة، هاهو الغرب اليوم يتراجع عن السفور، يتراجع عن الاختلاط، وهذه بعض شهادات أولئك وهم لا يقولون هذه المقالة ديناً، فهم لا يؤمنون بالله، لكن هذه مقالات بعض حكمائهم وعقلائهم وقد أدركوا خطورة هذا الطريق الذي سارت عليه مجتمعاتهم. تقول باميلا سو أرومان التي أسلمت فيما بعد: إن اعتناقها للإسلام أعاد لها كرامتها وعفتها وحقوقها، فيما لا تزال المرأة الغربية تعاني من النظرة الدونية واتخاذها مجرد وسيلة للاستمتاع أو وليمة سهلة على موائد اللئام، وتأسف أسماء لأن معظم نساء الغرب لا يعرفن حقيقة الموقف المشرف للإسلام من قضياهن، فلو عرفن ذلك لسارعن إلى اعتناقه. تقول الأستاذة جانيت ليفن: بعد خمس وعشرين سنة من التعليم المختلط نلاحظ أنه لا يقدم الحل المأمون، فما زالت الفتيات يتحدثن عن المخاوف من التحرشات الجنسية في المدارس الثانوية المختلطة، وبسببها يفضلن المدارس الخاصة بالبنات، وقد لوحظ أن أعداد المتقدمات إلى كليات البنات قد زاد في السنوات الثلاث الأخيرة زيادة ملحوظة. وفي صحيفة عربية نشر تحت هذا العنوان: كاتبة أمريكية تقول: امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية المرأة. قدمت الصحيفة هذه الكاتبة بقولها: هلتيان سانسبري صحفية متجولة تراسل أكثر من ٢٥٠ صحيفة أمريكية، ولها مقال يومي يقرؤه الملايين ويتناول مشاكل الشباب تحت سن العشرين، وعملت في الإذاعة والتلفزيون وفي الصحافة أكثر من عشرين عاماً وزارت جميع دول العالم، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها. تقول الصحفية الأمريكية بعد أن أمضت شهراً في إحدى بلاد المسلمين: إن المجتمع العربي كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشباب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأمريكي والأوروبي، فعندكم تقاليد موروثة تحتم تقييد المرأة وتحتم أكثر من ذلك عدم الإباحية الغربية التي تهدد اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا؛ ولذلك فإن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة الصغيرة وأقصد من هي تحت العشرين هذه القيود صالحة ونافعة وأنا هنا أقرأ مقالها كما هو، وإلا فهي في الواقع ليست قيوداً بل هي أحكام تتشرف المسلمة بالالتزام بها. تقول: لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط، وقيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب فهذا خير لكم من إباحة وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا، امنعوا الاختلاط قبل سن العشرين، فقد عانينا في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات جيمس بين وعصابات المخدرات والرقيق. ويقول أحد الغربيين وهو هملتون: إن أحكام الإسلام في شأن المرأة صريحة في العناية بها عن كل ما يؤذيها ويمس كرامتها ويتناول سمعتها، ولم يضيق الإسلام في الحجاب كما يزعم بعض كتابنا الغربيين، بل إنه تمشى مع مقتضيات الغيرة والمروءة. ويقول البروفسور خون همر: الحجاب في نظر الإسلام وتحريم اختلاط النساء بالأجنبي ليس معناه انتزاع حرية المرأة. هذه الشهادات أيها الإخوة لم نوردها لأننا نعتبرها منطلقاً لتسويق الحجاب والفضيلة، إنما هي اعترافات من واقع أولئك الذين مع أنهم لا يدينون بالإسلام إلا أنهم رءوا أن هذا السفور قد قاد مجتمعهم إلى الدمار والهلاك، ومثل هؤلاء دعاة التحرير فكثير منهم عاد وتراجع عما كان يقول، ومن هؤلاء ما كتبه قاسم أمين يقول: لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في نحو تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم، ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي، رأيتهم ما مرت عليهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا عليها بألسنة البذاءة، ثم ما وجدت زحاماً في طريقي فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعاً، إنني أرى أن الوقت ليس مناسباً للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل. وربما كان لبعض التجارب التي مرت بها أثر في نفسه، فهاهو يروي أن صديقاً عزيزاً زاره مرة فلما فتح له الباب قال: جئت من أجل

стр. 1233

موعظة فتاة وأختم حديثي بهذه القصة: عادت الفتاة الصغيرة من المدرسة، بعد وصولها إلى البيت لاحظت الأم أن الابنة قد انتابها الحزن، فاستوضحت من ابنتها عن سبب هذا الحزن فقالت: أماه! إن مدرستي هددتني بالطرد من المدرسة بسبب هذه الملابس الطويلة التي ألبسها. الأم: ولكنها الملابس التي يريدها الله يا ابنتي. قالت الفتاة: نعم يا أماه! ولكن المدرسة لا تريده. قالت الأم: حسناً يا ابنتي، المدرسة لا تريده والله يريد، فمن تطيعين؟ أتطيعين الله الذي أوجدك وصورك وأنعم عليك أم تطيعين مخلوقة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً. فقالت الفتاة: بل أطيع الله. فقالت الأم: أحسنت يا ابنتي وأصبت. وفي اليوم التالي ذهبت تلك الفتاة بالملابس الطويلة وعندما رأتها معلمتها أخذت تؤنبها بقسوة، فلم تستطع تلك الصغيرة أن تتحمل ذلك التأنيب مصحوباً بنظرات صديقاتها إليها، فما كان منها إلا أن انفجرت بالبكاء ثم هتفت تلك الصغيرة بكلمات كبيرة في معناها قليلة في عددها: والله لم أدر من أطيع أنت أم هو؟ فتساءلت المدرسة: ومن هو؟ فقالت الفتاة: الله، أطيعك أنت فألبس ما تريدين وأعصيه هو. فطلبت المعلمة استدعاء أم تلك الطفلة، ماذا تريد منها؟ جاءت الأم فقالت المعلمة للأم: لقد وعظتني ابنتك هذه أعظم موعظة سمعتها في حياتي. إن المدينة يابنتي تبقى محصنة أمينة ما دامت الأسوار تمنعها بأعمدة متينة، فإذا هوت جدرانها نفذ العدو إلى المدينة. أسأل الله ﵎ أن يمن على نسائنا بالستر والعفاف، وأن يجعلهن مؤمنات صالحات قانتات، وأن يحمي بلادنا وبلاد المسلمين من الفجور والفساد والسوء إنه سميع مجيب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1234

الالتزام هوية أم تكاليف لقد ظهر التدين في أوساط الشباب المسلم بصورة طيبة، وانتشر الالتزام بالسنن عند الشباب والشابات، لكن البعض لا يزال يرى أن التدين عبء ثقيل، ولا يزال النقد والكلام على الأخطاء يبرز بصورة واضحة تكاد تطغى على خطاب التربية، وكان ينبغي إبراز الجوانب الحسنة والإيجابية عند الشباب.

стр. 1235

ظاهرة الالتزام بين الشباب والفتيات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ففي بداية هذا اللقاء أرحب بالإخوة الحاضرين والأخوات الحاضرات، وأسأل الله أن يثيب القائمين على هذا المخيم، وأن يجعل هذا العمل في موازين حسناتهم إنه سميع مجيب. الموضوع هو: الالتزام هوية أم تكاليف؟ في ظل هذا الواقع الذي تعيشه الأمة ومع تركيز الجهود على صرف الشباب من الجنسين عن دينهم خرج جيل من الشباب والفتيات بعيد عما يريده الله ﵎، جيل لا تتمثل فيه صفات أهل الإسلام، جيل ينتسب إلى الإسلام، لكنك حين تراه لا ترى فيه خلق المسلمين وسلوكهم، ولعل ما شاهدتموه قبل قليل يعطي صورة أو جزءاً من هذا الواقع. عاشت الأمة غربة كالحة حتى أصبح المتدين إنساناً غريباً شاذاً سواء أكان من الشباب أو الفتيات، أصبح الشاب الذي تظهر عليه مظاهر التدين يمثل نموذجاً شاذاً في المجتمع، خاصة حين يكون شاباً متعلماً، فالمفترض أن يكون شاباً راقياً، والتدين إنما يليق بالقرويين والفلاحين وغيرهم! الفتاة حين تكون محجبة فإنها تصبح نموذجاً شاذاً، ويزيد الأمر حينما تكون طالبة متعلمة مثقفة، حينما تكون طالبة في التخصصات التي يتسابق الناس عليها ويشعرون أنه لا مكان لأمثال هؤلاء في هذه الدائرة. بدأت الأمة تستيقظ، وبدأت ظاهرة عودة الشباب إلى الله ﵎ من الشباب والفتيات، وأصبحت اليوم في أي مكان وعلى أي مستوى لا يخطئك هذا النموذج؛ أن ترى هذا الشاب المتدين، تراه في مظهره فترى مظهره يحكي لك دون أن تعرف حاله وتعرف أخباره، هذا المظهر يعطيك انطباعاً وصورة بأنك أمام شاب متدين حريص على استقامته والتزامه. وأصبحت أيضاً ترى الفتيات في تلك البلاد التي انتشر فيها السفور وأصبحت الفتاة تستطيع أن تلبس ما تشاء، وتستطيع أن تفعل ما تشاء، وتخرج كما تشاء في تلك البلاد أصبحت ترى الفساد ليست تلك الفتاة القروية، ليست تلك الفتاة التي تعيش في البادية أو تعيش في قبيلة محافظة إنما تلك الفتاة التي تعيش في المدن، في العواصم، تدرس في الجامعات ومع ذلك تراها محجبة تعتز بحجابها. أصبحت هذه الظاهرة منتشرة في كل مكان، في الدول، في المدن، في الأقاليم، في القرى، في النواحي، في كافة الطبقات وكافة التخصصات، أصبحت ظاهرة تفرض نفسها، ومن هنا نشأ هذا الاصطلاح. ربما البعض يتحفظ عليه أو يطرح بديلاً آخر لسنا في صدد نقاش هذه القضية، إنما نحن نتعامل مع أمر واقع، والمعنى واضح، فهناك شباب أصبح الالتزام سمتاً لهم وسمة لهم، وهناك فتيات أصبح الالتزام سمتاً لهن وسمة لهن، وصار الالتزام حياة ونقلة جديدة؛ ولهذا من الطبيعي أن تسمع أن فلاناً التزم واستقام أنني التزمت منذ التزمت أصبحت صورة واضحة، وصار هذا الوصف يعطي دلالة، فأنت حينما تصف فلاناً من الناس بأنه ملتزم أو تصف فلانة من الناس بأنها ملتزمة فهذا الوصف يعطي دلالة واضحة يفهمها الجميع ويعيها الجميع. من هنا نشأ هذا الجيل وأصبحت له هذه الصفة، هذا المصطلح اصطلحنا عليه وإن كان البعض يتحفظ على هذا المصطلح، يتمنى أن نعبر بالمصطلحات التي دل عليها الشرع: المستقيم الصالح إلى آخره، لكن الاصطلاح إذا لم يترتب عليه محذور فلا إشكال فيه، وإن كان لو أتيح لنا الاصطلاح الشرعي الذي جاء في الكتاب والسنة فلا شك أنه أولى. لكن لو اصطلح الناس على وصف لا يعارض الشرع فلا حرج في ذلك، فقد اصطلحت الأمة على علوم ومصطلحات، واصطلح الفقهاء على عبارات لم تكن بالضرورة قد نص عليها في الكتاب والسنة. حينما نتأمل واقع هؤلاء الملتزمين من الشباب ومن الفتيات نرى مشكلة تؤرقنا كثيراً، تلكم المشكلة هي الشعور بالإحباط، نرى جيلاً محطماً، يأتي الشباب يلقون أسألتهم، يتحاورون، تسمع منهم، تجد أن الشباب الملتزمين المتدينين يعيشون إحباطاً، يعيشون نوعاً من عدم الثقة بالنفس، يعيش كثير منهم نوعاً من الشك في الالتزام، فتراه يطرح علامة استفهام على التزامه؛ ولهذا تجده كثيراً ما يقول: أنا شاب محسوب من الملتزمين، أنا شاب يعدني الناس من الملتزمين، وهكذا بالنسبة للفتيات؛ ولهذا ترى كثيراً منهم يضع علامة استفهام على التزامه واستقامته أصلاً.

стр. 1236

السمات المرتبطة بالشعور بالإحباط

стр. 1237

الشعور بالنقص السؤال هذه القضية هي التي سنحاول أن نتحدث حولها حديثاً لعله أن يكون حديثاً من عفو الخاطر. أعتقد أن عدم ضبط التوازن بين الهوية والتكاليف كان من نتائجه أن نرى هذه الصورة، يمكن أن نذكر أبرز السمات التي ارتبطت بهذا الشعور منها: الشعور بالنقص: ترى الشباب والفتيات الملتزمين يشعرون بنقصهم، لا نعني بذلك النقص البشري، فالبشر لابد أن يكون لديهم النقص البشري، لابد أن يكون لديهم القصور الذي هو ملازم للبشر، سواء في طبيعتهم وخصائصهم أو حتى في تدينهم، فإن النبي ﷺ قال: (لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم). وقال: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، فكل الناس لابد أن يقعوا في الخطأ، كل الناس لابد أن يقعوا في التقصير، فأن نشهد تقصيرنا البشري الذي هو جزء من كوننا بشراً هذا أمر طبيعي، لكن الشعور بالنقص الذي يتجاوز هذه القضية، ضعف الثقة بالنفس، سواء على مستوى الجيل والتيار أو على مستوى الأفراد. فالآن لو سألت هذا السؤال وسألت الشباب: ما رأيك في الشباب الملتزم اليوم؟ وسألت الفتيات: ما رأيكن في الفتيات الملتزمات اليوم؟ ماذا تتوقعون أن تكون معظم الإجابات، ونحن نتحدث عن تيار عام، عن ظاهرة عامة، سنجد أن النسبة الكبيرة تنظر نظرة قاصرة، تنظر نظرة دونية، إنه يقول لك: إن جزءاً كبيراً من الالتزام الشائع اليوم مظهر أكثر منه حقيقة، إن هؤلاء كثير منهم غثاء، هؤلاء لا يتوقع منهم إلى آخره. أنت ترى الحكم الآن في النهاية يدور حول الشعور بضعف هذا الجيل، بضعف هذا التيار، سواء أكان على مستوى الشباب أو كان على مستوى الفتيات، وعلى المستوى الفردي تجد معظم الشباب فاقدين للثقة بأنفسهم، يشعرون بأنهم غير مؤهلين للإنجاز، غير مؤهلين للتغيير، غير مؤهلين لأن يعيشوا حياة الالتزام الحقيقية.

стр. 1238

التفكير في المشكلات مظهر آخر: سيطرة التفكير في المشكلات: حينما ألتقي بعدد من الشباب وأستقبل أسألتهم أجد أسئلة كثيرة تدور حول مشكلات: إنني أعاني من كذا، كيف أتخلص من كذا؟ أنا لا أحس أنني صادق في التزامي، لا أحس أنني جاد في التزامي، أنا لست جاداً في طلب العلم، لست جاداً في الدعوة، أنا عندي مشكلة كذا، أنا عندي كذا، تجد دائماً اللغة التي تسيطر علينا هي شعورنا بالمشكلات وسيطرة هذا الشعور، والأمر نفسه أيضاً تجده عند الفتيات. لا شك -أيها الإخوة- أننا بحاجة إلى أن نشعر بالمشكلات، ومن الخطأ أن تغيب عنا مشكلاتنا، من الخطأ أن نتجاهل مشكلاتنا، والخطوة الأولى للتصحيح ولتجاوز المشكلات أن نعرفها وأن نعيها. لكن الجيل الذي لا يفكر إلا بالمشكلات، الجيل الذي تسيطر عليه المشكلات؛ أعتقد أنه جيل غير مؤهل للإنتاج والتغيير كما سيأتي.

стр. 1239

ضعف الفاعلية مشكلة أخرى ترتبط بهذه الظاهرة وهي ضعف الفاعلية: نحن نملك اليوم أعداد لا بأس بها من الشباب والفتيات الصالحين والذين نصطلح أن نصفهم بالملتزمين والملتزمات، والانتشار أفقي واسع، لا تكاد تدخل مدرسة من المدارس، بل فصلاً من الفصول في المدارس إلا وتجد فيه شاباً أو فتاة ملتزمة ومتدينة، أو تجد عدداً من المعلمين والمعلمات في هذه المدرسة أو تلك، لا تأتي حياً، لا تكاد ترى أسرة إلا وتجد هؤلاء. أعتقد أن هذه الطاقات لو فعلت بطريقة جيدة وصحيحة لكان النتاج هائلاً، أو افترضنا أننا أمام شركة تجارية تملك مندوبين مسوقين في مدن شتى في مناطق شتى، سنتوقع تسويقاً عالياً لمنتجات هذه الشركة، ونتوقع ترويجاً عالياً لها. إننا اليوم نملك طاقات كبيرة ومنتشرة في كافة المستويات، ولديها الرغبة في العمل والإنتاج، وأنا لست من المتشائمين، ولست من أولئك الذين يبالغون في النقد، فوافقوني أو خالفوني، وقولوا ما شئتم، لكنني أتفاءل وأقرأ في هذه الوجوه الخير، أقرأ فيها الإقبال على الخير، أقرأ فيها الإقبال على الصلاح، وأقرأ فيها ما لا يقرؤه الآخرون، لا أدري ألأني أسلط النظر على هذه الصفحة والآخرون يسلطون على تلك، أو لأني متفائل والآخرون متشائمون؟ لا أستطيع أن أفسر ذلك. لكنني أقول: إننا نملك اليوم طاقات هائلة، وأعداداً غفيرة من الشباب والفتيات، وهي تملك الرغبة والحماس، لو وظفت توظيفاً فاعلاً لأنتجت نتاجاً هائلاً أكثر مما نتصور. إذاً: هذا الجيل يعاني من ضعف في الفاعلية، وضعف في التأثير.

стр. 1240

حالات الانتكاس أيضاً: من آثار ذلك الإخفاقات، نجد حالات من التراجع والتقهقر والتي اصطلحنا في أدبياتنا أن نسميها بالانتكاس: وهي حالات موجودة وكثيرة، جزء من هذه الحالات مصدره الشعور بالإحباط، أنا أرفض أن أفسر هذه الظاهرة بهذا العامل، لكن أقول: إن هذا العامل أحد العوامل التي تفسر لنا هذه الظاهرة، فهناك عدد من حالات التراجع والإخفاق مصدرها أن الشاب تمر به مواقف فيفشل فيها في السيطرة على نفسه، يفشل في التخلص من معصية يعاني منها، فيحاول ويحاول مرة أخرى فيشعر أنه غير جاد، يشعر أنه منافق، يشعر أنه غير مؤهل للالتزام فيحسم الموضوع ويتخذ قرار التراجع والتقهقر! أيها الإخوة والأخوات، هذه صور ونماذج تعكس حال هذا الجيل الذي يعاني من إحباط، ينظر إلى الالتزام نظرة واحدة، ينظر إلى الالتزام على أنه أعباء وتكاليف، وقيود صارمة، وأنه مرتقى صعب ليس من حق أي إنسان أن يدعيه ولا أن يسلكه، بل نسمع من الكثير بلسان الحال أو لسان المقال أننا لسنا أهلاً أن نوصف هذا الوصف. والمشكلة -أيها الإخوة والأخوات كما أشرت قبل قليل- تتجاوز الحكم الفردي، قد يكون الإنسان متواضعاً، قد ينظر إلى سيئاته وتقصيره، لكنك تراها على الجيل. لو ألقينا سؤالاً على الحاضرين والحاضرات: ما رأيكم اليوم في الشباب الملتزمين؟ ما رأيكن في الفتيات الملتزمات؟ سنجد معظم الإجابات تنظر نظرة فيها إحباط، تنظر نظرة متشائمة، ترى أن هذا الجيل جيل غير مؤهل، جيل غير جاد في التزامه، غير صادق في التزامه. قد نفترض -كما قلت- مقت النفس واحتقار النفس والنظر إلى قصورها في الحكم الفردي حين يحكم الإنسان على نفسه، أما حين نحكم على الجيل فأعتقد أن مثل هذا الحكم يحتاج إلى إعادة نظر ويحتاج إلى مراجعة.

стр. 1241

الجيل الملتزم والتحديات

стр. 1242

التغيير والإصلاح التحدي الثاني: التغيير والإصلاح: هذا الجيل المبارك من الجنسين هو الجيل الذي ننتظر منه بإذن الله أن يصلح، هو الجيل الذي ننتظر منه أن يرفع لواء الإصلاح والتغيير، من خلال المحيط الذي يتعامل معه ويتحرك من خلاله أو ما ننتظره في المستقبل، فنحن ننتظر أن يخرج من هؤلاء القادة والموجهين، وننتظر من هؤلاء الذين يقودون مشروع الإصلاح والتغيير الشامل. مشروع الإصلاح الذي نتطلع إليه وننتظره -أيها الإخوة والأخوات- مشروع ضخم، ليس مجرد إلقاء كلمات هنا وهناك، ليس مجرد إلقاء مواعظ، ليس مجرد استثارة عواطف، إننا بحاجة إلى تغيير في المجتمع، والتغيير في المجتمع يحتاج إلى تحد، يحتاج إلى طول نفس، يحتاج إلى جيل مؤهل للتغيير، جيل يملك إمكانات وقدرات، يستطيع أن يفكر بطريقة صحيحة، يستطيع أن يعمل بطريقة صحيحة، يستطيع أن يفهم واقعه بطريقة صحيحة، يستطيع أن يقود عملية التغيير في كافة مجالات الحياة؛ في المجال الاجتماعي، في المجال الاقتصادي، في تدين الناس، في كافة مجالات الأمة، فنحن بحاجة إلى تغيير شامل، وصناع هذا التغيير هم هذا الجيل. إذاً: هذا الجيل -أيها الإخوة والأخوات- يواجه تحديين: تحدي الثبات والاستقامة في ظل هذا الواقع وهذا العصر لصعوباته، وتحدي التغيير والتأهل للتغيير. دعوني أسأل سؤالاً: هل تعتقدون أن الجيل المحبط الذي يفقد الثقة في النفس وينظر إلى نفسه نظرة دونية مؤهل لمواجهة هذه التحديات؟ حين نربي جيلاً نلهب ظهره بسياط الإحباط ونجيد صناعة الفشل، ووأد الطموح والثقة، فهل تعتقدون أنا سنخرج جيلاً يتهيأ للثبات في ظل هذا العصر ليقود عملية التغيير؟ نحن -أيها الشباب والفتيات- ننتظر منكم مشروعات طموحة، ننتظر منكم جهوداً هائلة، لا يمكن أن تكونوا عند مستوى طموحنا وتطلعنا حين تكونوا مطأطئي الرءوس، فاقدي الثقة، فإن الذي لا يستطيع أن يقود نفسه كيف يقود الآخرين؟ الذي لا يثق في نفسه كيف يمكن أن يوجه عملية التغيير وإرادة التغيير. أعتقد أن الصورة واضحة أمامنا، ويشعر المربون والغيورون أن تحدي الثبات تحد ضخم أمامنا يواجهنا، ونشعر جميعاً أن تحدي التغيير هو الآخر تحد ضخم، وأننا بحاجة إلى أن نعد جيلاً يكون عند مستوى تطلعاتنا وعند مستوى طموحاتنا، لكن نحتاج أن نتساءل: هل ربينا هذا الجيل بالصورة التي تؤهله لأن يصل إلى هذا المستوى، بالصورة التي تؤهله أن يواجه هذه التحديات؟ أعتقد أننا بحاجة إلى مراجعة. الجيل الذي نراه اليوم ونلمسه يقبل على الخير، يقبل على اللقاءات، جيل واعد نستبشر به، لكننا قد نخطئ بحسن نية وقد تدعونا المبالغة في الحرص فنقسو قسوة أو نسلك طريقاً ربما أدى إلى هذه النتيجة التي نعاني منها.

стр. 1243

عوامل سيطرة الإحباط على الشباب

стр. 1244

سيطرة لغة الانتقاد لماذا نرى اليوم الإحباط يسيطر على كثير من الشباب؟ لماذا نرى الشباب من الجنسين ينظر إلى الالتزام على أنه تكاليف وأعباء وقيود؟ لماذا يغفل النظرة إلى الجانب الآخر والصورة الأخرى؟ هناك عوامل ولدت هذه الظاهرة، لا يتسع الوقت لأن نستعرض كل هذه العوامل، لكني سأشير إشارات يسيرة إلى أبرزها؛ لأن موضوع الحديث ليس الحديث عن العوامل، إنما هو حديث حول هذا العنوان العريض، هي دعوة إلى أن نطرح هذا السؤال ونسعى للإجابة عليه، أن يطرحه الشباب والفتيات وأن يطرحه المربون والذين يتحدثون للشباب. من هذه العوامل: سيطرة لغة الانتقاد والحديث عن الأخطاء: الخطاب الموجه للشاب الملتزم والفتاة الملتزمة اليوم خطاب يسيطر عليه الانتقاد، يسيطر عليه التركيز على الأخطاء. حينما نتحدث مع الشباب نتحدث عن آفات الشباب الملتزم، أخطاء الشباب الملتزم، أخطاء يقع فيها الشباب الملتزم، آفات، صدق الالتزام، عناوين نسمعها كثيراً، ويأتي هؤلاء الشباب، تأتي هذه الزهور المتفتحة، هذه الوجوه المشرقة وتستمع لهذه السياط التي تلهب ظهورها، وتستمع وهي تحب هذا الحديث؛ لأنه حديث من مشفق ناصح. نعم، إن أولئك الذين يتحدثون هم يتحدثون من هذه المنابر، ويتحدثون مع هذا الجيل، ويتحدثون حديث المشفق الناصح، إنهم غيورون، إنهم حريصون على هذا الجيل، ولفرط حرصهم يحرصون أكثر على أن يبقى هذا الجيل نظيفاً، أن يبقى جيلاً طرياً فتزعجهم أي نقطة سوداء على هذا الثوب الناصع البياض. ومن هنا قد يتجاوزون لحرصهم، شأنهم شأن ذاك الإنسان الذي وجد جوهرة ثمينة فوضعها في جيبه، فصار يتحسس جيبه بين فترة وأخرى، يخشى أن تسقط هذه الجوهرة، وهذا السلوك أفضل رسالة لأولئك الذين يحترفون النشل، تشعرهم بأن ثمة صيداً ثميناً في جيب هذا الرجل الذي يدفعه ذلك الحرص، أو ذلك الذي اقتنى منزلاً فارهاً، أو سيارة جميلة، أنفق عليها مالاًَ كثيراً، فتراه يسعى للحفاظ عليها، يتجنب الطرق التي يخشى أن يسمع من خلالها ضجيجاً، الطرق التي تلوح هذا الجمال الناصع الذي تتمتع به هذه السيارة وهذا المركوب. نعم أيها الإخوة الكرام: إن هناك الغيورين الذين يتحدثون للشباب، أو الأخوات الداعيات اللاتي يتحدثن مع الفتيات، لكن أعتقد أن الانتقاد أخذ أكبر من حجمه الطبيعي وأخذ أكبر من حاجته، ونحن لسنا ضد الانتقاد، وأعتقد أن أياً منكم لو راجع شيئاً من مادتي المسموعة والمكتوبة سيجد نماذج من ذلك، ولابد أن ننتقد المظاهر الخاطئة، لكن أعتقد أن الانتقاد أخذ أكبر من حجمه، وأعتقد أننا تجاوزنا في الانتقاد، وصار حديثنا عن الأخطاء سمة بارزة؛ ولهذا فالشباب اعتادوا هذا الحديث، اعتادوا الحديث عن آفات الشاب الملتزم، عن أخطاء الشاب الملتزم، مشكلات الشاب الملتزم، هل نحن جادون في الالتزام، هل نحن ملتزمون حقاً؟ هل نحن صادقون؟ هذه عناوين نسمع بها كثيراً وعناوين براقة، وربما تعجبنا أكثر من العناوين الأخرى. اتصلت علي فتاة، وقالت: أريد أن تلقي محاضرة عن أخطاء الملتزمات وآفات الملتزمات، قلت: لماذا؟ قالت: إن هناك مادة قدمت للشباب عن آفات الملتزمين وأخطاؤهم. قلت: هل تعتقدين أن هناك أخطاء للملتزمات؟ قالت: نعم، وهي كثيرة. قلت: أنا سأعد للمحاضرة، وكان هذا قديماً، وكانت المحاضرة بعنوان: القابضون على الجمر، وتحدثت فيها عن الوجه المشرق لهؤلاء، ولو كنت أشعر أن هناك مادة أخرى يمكن أن تستقل بالحديث لقدمت حديثاً خاصاً بالفتيات أيضاً حول هذه الصورة، قلت: إننا بحاجة إلى أن نبرز الصورة المشرقة، بحاجة إلى أن نتوازن، لماذا يكون حديثنا دائماً حول النقد؟ لماذا حديثنا حول الأخطاء؟ أين نحن من منهج النبي ﷺ وسنشير إلى شيء من ذلك.

стр. 1245

النظرة السلبية للنفس عامل آخر: النظرة السلبية للنفس: حين ننظر إلى أنفسنا تسيطر علينا النظرة إلى العيوب والأخطاء وجوانب القصور. لست أدعو إلى أن نزكي أنفسنا، لست أدعو إلى أن نبالغ في الثناء على أنفسنا، لكن هناك فرق بين أمرين: بين امتناع الإنسان عن تزكية نفسه وبين مقت النفس الذي تحدث عنه السلف وبين الثقة بالنفس والتي نعني بها شعور الإنسان أنه يمكن أن ينتج شيئاً، يمكن أن يغير، يمكن أن يصنع الشيء الكثير. الثقة بالنفس تعني أن نشعر أننا نملك طاقات، نستطيع أن نصنع، نستطيع أن ندعو، نستطيع أن نغير في واقعنا، نملك الكثير، والإعجاب بالنفس هو رضا الإنسان عن نفسه، شعوره بأن له منزلة عند الله، شعوره هذا شيء وذاك شيء آخر، الخلط بينهما هو الذي يؤدي إلى أن نفهم هذه القضية فهماً خاطئاً فننظر نظرة سلبية إلى أنفسنا، إننا بحاجة -أيها الإخوة والأخوات- إلى نظرة متوازنة لأنفسنا، وإلى عيوبنا وأخطائنا، وأن ننظر إلى إمكاناتنا، وأن ننظر إلى ملكاتنا، أن ننظر إلى ما حبانا الله من قدرات ومهارات حتى نوظفها توظيفاً صحيحاً. قد أكون شخصاً لست سخياً بالمال والإنفاق، لكنني أجيد الحديث، فلماذا لا أنظر إلى هذا الجانب وأوظف هذه القدرة في الحديث مع الناس، قد لا أجيد الحديث والخطابة، لكني أجيد الكتابة، فلماذا لا أنظر إلى هذا الجانب في نفسي وأستثمره، قد أجيد العلاقات الاجتماعية. فما من إنسان إلا وعنده جوانب إيجابية هي جوانب نجاح، فلماذا نفرط في النظر إلى الجوانب السلبية في حياتنا؟ لماذا لا نبحث عن مجالات النجاح؟ الذي يريد أن يعمل وينتج لا ينظر إلى جوانب السلبية، بل يبحث عن جوانب النجاح، يبحث عن الجوانب التي يمكن أن ينجز من خلالها فيوظف هذه المجالات. واليوم اتسعت مجالات الدعوة وأصبحت تستوعب الجميع من الرجال والنساء، تستوعب الصغير والكبير، تستوعب المتميز والبليد، وما من إنسان إلا وعنده مجال يمكن أن ينجح فيه، وهذا المجال يمكن أن يوظف في مجال الخير والدعوة.

стр. 1246

تعميم الصور المثالية عامل آخر: تعميم الصور المثالية: إذا تحدثنا -أيها الإخوة- عن قيام الليل أوردنا صوراً مثالية من سير السلف لم يصل إليها إلا آحاد منهم، إذا تحدثنا في الورع أوردنا أقوالاً ونماذج من هؤلاء، إذا تحدثنا في الاجتهاد في طلب العلم أوردنا نماذج من هؤلاء، إذا تحدثنا في الدعوة في الجهاد في أي ميدان أوردنا نماذج من هؤلاء، ولست أعترض أبداً على الاستشهاد بهذه المواقف ولا على هذه الأقوال، لكن المشكلة أن كثيراً من هذه الأقوال شاذة إنما لم تكن طبيعية، لم تكن صفة لكل الناس في ذلك المجتمع. فحينما نعمم هذه النماذج ونحاكم الناس إليها؛ حينما أحدثكم عن عبادة الحسن البصري ﵀، أو أحدثكم عن جهاد ابن المبارك، أو أحدثكم عن دأب الإمام أحمد في طلبه للعلم، وأقول: حاكموا أنفسكم إلى هذا النموذج، أعتقد أنها صورة خاطئة وغير صحيحة، نعم نحن بحاجة إلى أن نبرز القدوات والنماذج، لكن هذا شيء وأن نحاكم الناس إلى هذا النموذج شيء آخر، فمراتب الخير تتفاوت، الرسول ﷺ يأتيه أعرابي فيقول: (ماذا فرض الله علي؟ قال: خمس صلوات، قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وصوم رمضان، هل علي غيره؟ لا، إلا أن تطوع. وحج البيت قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال النبي ﷺ : أفلح إن صدق). وفي موقف آخر يبايع النبي ﷺ طائفة من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً، فهذا نموذج وذاك نموذج، ينبغي أن نبرز الصور المشرقة من سير السلف ونماذجهم والقدوات، لكن أيضاً لا نحاكم الناس إليها، ولا نعمم هذه النماذج. ما الذي يحصل -أيها الإخوة والأخوات- حينما يأتي الشاب فيقرأ هذه النماذج ويقارن نفسه بها، فيقول: أين أنا من عبادة فلان مثلاً، أين أنا من اجتهاد فلان، أين أنا إذاً أنا لست شيئاً، النتيجة أنا غير مؤهل أن أغيره. حينئذ يتكرس هذا الإحباط عند الأفراد وعند هذا الجيل، فيخرج لنا جيل فاقد للثقة بنفسه، جيل يشعر أنه غير مؤهل للإنتاج. نحن لا نريد اليوم أن نخلق الغرور عند الجيل ونقول: إنكم ستدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لكننا أيضاً ينبغي أن نتوازن، وفرق بين أن نورد النماذج المتميزة ليقتدي بها الناس، وبين أن نحاكمهم إليها.

стр. 1247

تضخيم الأخطاء صورة أخرى: تضخيم الأخطاء: نحن نضخم الأخطاء كثيراً ونبالغ في تصويرها، وهذا لا شك سيؤدي إلى هذا الشعور. وأعتقد أنني مضطر إلى أن أتجاوز هذه النقطة.

стр. 1248

الالتزام تكاليف وهوية وانتماء نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى الالتزام على أنه تكاليف، نعم، فيه تكاليف تحتاج إلى جهد وصبر، لكن أيضاً نحتاج إلى أن نبرز الصورة الأخرى الالتزام هوية انتماء اعتزاز، نحن نريد الجيل الذي يعتز بأنه متدين، الجيل الذي يمشي وهو يرفع رأسه بإسلامه لا فخراً ولا بغياً؛ لكن ذلك السلوك الذي أمرنا القرآن أن نتأسى به: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٠]. اليوم يتحدث الغرب عن توظيف السلاح النووي، يتآمر العالم بمؤسساته، بحكوماته، بدوله على حرب هذا الجيل وحرب هذه الظاهرة، ويبقى هذا الجيل منتصراً، صامداً، فماذا يملك هذا الجيل؟ شباب لا يملكون وسائل إعلام، لا يملكون أنظمة تتحدث باسمهم، لا يملكون منظمات ومؤتمرات، ومع ذلك يشعر العالم أن هذا يشكل الخطر الداهم. الشباب الأعزل اليوم في فلسطين يواجه الدبابات، يواجه المدفعية، يواجه دولة تملك ترسانة نووية هائلة، تملك جهاز مخابرات متفوق، ومع ذلك يواجهون بالحجارة هذا السلاح. الفتاة التي يسخر منها في التمثيليات، في برامج الفن، في وسائل الإعلام؛ تحارب لأنها متحجبة، تحارب لأنها ملتزمة، ومع ذلك تصر على التزامها وعلى حجابها، وانظروا مثلاً إلى الصور التي تنقلها وسائل الإعلام من الشارع الفلسطيني، كم ترى نسبة المحجبات في ذلك المجتمع الذي يحكمه إخوان القردة والخنازير، الشباب الذين ضربوا أروع الأمثلة في الشيشان وفي أفغانستان، همتهم متوقدة للجهاد، للذب عن الدين، للبذل للتضحية، الشباب الذي صمد أمام كل هذه المواجهات، ونوقن بإذن الله أنه مهما ووجه فإنه سيصمد بإذن الله. إننا بحاجة إلى الشاب الذي يعرف قيمته، يعرف منزلته، لا فخراً ولا بغياً، إنما يقول للناس: إننا الأعلون حين نكون مؤمنين، وحين يعيش الشباب هذا الشعور يثبت بإذن الله، في هذه الشدائد، ويستطيع أن يغير، ويقول: طال الزمن أم قصر فالأمر لله ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. إذاً: -أيها الإخوة والأخوات- إننا بحاجة إلى هذا التوازن، وهو أن يشعر الشاب الملتزم والفتاة الملتزمة أن الالتزام كما أن فيه تكاليف وأعباء فهو هوية وانتماء، وأمر يعتزون ويفتخرون به، إننا بحاجة إلى أن نقول للشباب حين نراهم: مرحباً بهذه الوجوه المشرقة، الوجوه الواعدة، إنكم أمل الأمة، إننا نستبشر حين نراكم، إننا نؤمل بإذن الله فيكم خيراً، ونشعر أن هذه الأمة التي تملك هذه الطاقات أمة مقبلة على خير طال الزمن أو قصر، والتغيير لا يقاس بالسنوات، بل يقاس بأعمار الأمم والأجيال. فالتغيير قادم، رأيناه أو رآه الجيل الذي بعدنا أو الذي بعده، وهذه الصحوة بإذن الله لن تنتهي إلا إلى تمكين ونصر ما دامت تملك هذه الطاقات. أعتقد أننا بحاجة إلى أن نسمع هذه اللغة بدلاً من تلك اللغة التي تقول: إنكم غير جادين، إنكم مقصرون في عبادتكم، مقصرون في طلب العلم، أنتم لا تستحقون نصراً، أنتم لا تستحقون أن تصفوا أنفسكم بأنكم ملتزمون، أعتقد بأننا بحاجة إلى توازن.

стр. 1249

الاعتدال في النقد حين نتحدث عن الأخطاء نحن بحاجة إلى أن ننقد مجتمعاتنا وبحاجة إلى أن ننقد جيل الصحوة؛ لأن النقد خطوة نحو التصحيح، لكنا بحاجة إلى اعتدال في النقد، فحينما نتحدث عن الأخطاء في صفوف الشباب والفتيات فإننا بحاجة إلى أن نعتدل في حديثنا عن هذه الأخطاء. أولاً: في الموقف الشرعي منها: قد نتحدث عن معصية من المعاصي هي صغيرة من الصغائر فنحولها إلى كبيرة، وهذا ليس هو المنهج الشرعي، إن المعاصي فيها صغائر وفيها كبائر، نعم، نحن لا ندعو الناس إلى أن يستخفوا بمعصية الله، ولا ندعو الناس أن يستهينوا بالمعصية، لكن لا يسوغ أن نجعل الصغيرة كبيرة، قد يقع الشاب في معصية من المعاصي وهي صغيرة من الصغائر فيتوب، فنبالغ نحن في حديثنا عن هذه المعصية، ونجعل وقوع الشاب في هذه المعصية دليلاً على نفاقه، وعدم جديته، فيضطر الشاب إلى أن يتخذ قراراً في النهاية أن يودع الالتزام والاستقامة؛ لأنه يشعر أنه فشل في هذه التجربة، لكن هذا بحاجة إلى أن نسمعه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]، بحاجة أيضاً إلى أن نعتدل في إعطاء الظاهرة حجمها الطبيعي. اعتدنا أن نسمع كثيراً: هذه الظاهرة عمت وانتشرت، عمت وطمت، ويقع فيها الجميع إلا من رحم ربك، هذه الكلمات اعتدنا أن نسمعها كثيراً، وأعتقد أنه حديث مبالغ فيه، فمتى نتعلم الاعتدال؟ متى نستطيع أن نقول: إن هذه الظاهرة خطيرة لكن انتشارها اليوم في صفوف الصالحين محدود، انتشارها قليل، نعم لسنا بالضرورة ندعو إلى أن يقتصر حديثنا على الظواهر التي انتشرت بدرجة كبيرة، لكن حين نتحدث عن ظاهرة فلماذا نبالغ؟ لماذا نعطيها أكبر من حجمها؟ لماذا نعطيها أكبر من وزنها في ميزان الشرع؟ ولماذا أيضاً نضخم انتشارها وهي ليست كذلك؟ إذاً أيها الإخوة والأخوات، أيها المربون، أيها الغيورون، ليس من الغيرة أن نبالغ في تضخيم الأخطاء، فلنتحدث عن الأخطاء في إطارها الطبيعي وحجمها الطبيعي، وكل شيء مهما كان مطلوباً وجميلاً إذا جاوز الاعتدال أدى إلى صورة سلبية، الماء لا يمكن أن نشربه إلا بارداً، لكن لو زادت درجة برودة هذا الماء وتجاوز في الاعتدال لأصبح ضاراً. التكييف نحتاج إليه ولا نستغني عنه، لكن لو زاد لأصبح ضاراً، مكبر الصوت الذي أتحدث من خلاله لا غنى لكم عنه، ولو زاد لأصبح مزعجاً مقلقاً. فأقول: الحديث عن الأخطاء مطلوب، والتصحيح مطلوب، لكن ينبغي أن نتحدث بقدر، ويجب أن نعلم أننا إذا بالغنا في ذلك سيكون هذا الحديث مزعجاً، وسيؤدي إلى نتائج عكسية وجزء منها ما أشرنا إليه.

стр. 1250

إبراز الصورة الإيجابية أيضاً نحن بحاجة إلى التوازن بين إبراز جانب التكليف وإبراز الصورة الإيجابية: حينما نتحدث عن الالتزام نحن أمام كفتين، نتحدث عن الالتزام باعتبار أنه تكليف وباعتبار أن الإنسان بحاجة إلى أن يأخذ الشرع بقوة، وهذا أمر لا شك فيه، لكن أيضاً نحتاج إلى أن نبرز عند الشباب وعند الفتيات أن الالتزام هوية، لماذا لا نجعل الشاب يعتز بالتزامه، يعتز بانتمائه للملتزمين، يفتخر بأنه ينتمي إلى هذا التيار، كما هو حال كثير من الشباب الذي يفتخر مثلاً بتشجيع فريق كروي يفتخر بانتمائه إلى شلة إلى عصابة في الحارة تلبي حاجة عند الشاب في هذه المرحلة، لماذا لا نجعل هذا الشعور عند الشاب الملتزم؟ ألسنا نرى اليوم بعض الشباب إذا قابل زملاءه أو أقرانه حاول أن يظهر بصورة أنه غير متدين، حاول يعدل في مظهره أحياناً، يحاول أن يترك بعض الأشياء التي يفعلها مع الصالحين حتى لا يوصم بأنه متدين؟ لماذا لا نجد الشاب الذي يرفع رأسه ويقول: نعم أنا متدين وأفتخر وأعتز بذلك، ويسعدني أن أرى مثل هذا النموذج. أذكر موقفاً قديماً لكني لم أنس تلك الصورة وإن كنت لم أفهمها كما أفهمها الآن، حين كنت في سن الشباب في المرحلة المتوسطة، كان أحد الشباب المتدينين يتحدث مع شاب آخر غير متدين، بغض النظر عن اللغة التي كان يتحدث بها والأسلوب، لكن كان يقول: أنت يرضيك الواقع الذي أنت عليه؟ يقول: أسألك ما هو هدفك في الحياة، ما هي رسالتك؟ هذا لا يعرف الهدف إلا في مصطلح الرياضة، فرفع رأسه قال: طيب وأنت لك هدف؟ قال: نعم أنا لي هدف، أنا أحمل رسالة، هل تعتقد أن مظهرك هذا مظهر لائق بإنسان فضلاً عن شخص ينتسب للعلم إلى آخره، وبدأ يلهب ظهره بهذا الحديث. وحين سأله الآخر عن هدفه ورسالته رفع رأسه معتزاً: أنا أحمل هدفاً، أنا صاحب رسالة وبغض النظر عن الموقف، لكن الشعور الذي يملكه ويحمله هذا الشاب نحن بحاجة إليه، أعتقد أن الشاب الذي في المرحلة المتوسطة أو الثانوية إذا كان يعتز بالتزامه يعتز بتدينه سيكون أكثر ثباتاً، سيكون أكثر تأثيراً، فيمشي مرفوع الرأس، ويبلغ رسالته للناس. الصورة الأخرى رأيتها حين كنت معلماً قد بدأت أفهم الموقف بشكل أفضل من ذي قبل، كان هناك شاب متدين، ومجموعة من الشباب في ممر المدرسة، فمر هذا الشاب فلمزوه ببعض الأوصاف التي يوصف بها المتدينون، فوقف وعاد وسأل الشاب: ماذا تقول؟ صدم بهذا الموقف، هو اعتاد أنه إذا وصف هؤلاء يطأطئون رءوسهم وينصرفون، تلعثم وقال: يعني: أقول إنك مطوع باللهجة التي يرددها، قال: نعم أنا أفتخر بهذا وأعتز، وأنت فاسق؟ قال: لا، ما أنا فاسق، ما عليش يا أخي، المعذرة! قال: لا، أنا إنسان متدين وأعتز وأفتخر أن أوصف بهذه الصفة، يعني: أنت أولى أن تستحي! فكأنه قال له بلسان الحال: انصرف كما كنت جهولاً. المقصود: أن هذا الشعور الذي يملكه هذا الشاب نحن بحاجة إليه بغض النظر عن وسيلة التعبير عنه، بغض النظر عن الموقف، أتمنى أن نربي أبناءنا على هذا الاعتزاز، حينئذ سنكون أمام جيل واثق من نفسه، جيل يمكن أن يغير بإذن الله ﵎.

стр. 1251

تأصيل معنى الالتزام أيضاً: من الأمور المهمة تأصيل معنى الالتزام وبيان أنه هو الأصل: الصورة المترسخة عند الناس أن الالتزام طارئ، لا أنه هو الأصل، فإن الله ﵎ خلق هذا الكون كله خاضعاً له: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]، فالكون كله يخضع ويسبح ويسجد لله ﵎. فالشاب الملتزم المتدين يعيش في تناسق مع الكون كله، مع كل هذه المظاهر التي تراها خاضعة وم سلمة لله ، فمن هو الشاذ ولو كثر عدده؟ ماذا يساوي البشر اليوم على ظهر الأرض، والمعمورة كم فيها من البحار والأشجار لكن ماذا تساوي في ظل هذا العالم الفسيح الضخم، كل هذا العالم خاضع ساجد قانت لله ﵎ إلا أولئك الغافلين المعرضين! إذاًَ: فالتدين هو الأصل، الشاب حين يكون ملتزماً متديناً فهو يعيش في تناسق مع هذا الكون، يعيش حياة طبيعية، أما الآخر فهو الذي يسبح ضد التيار، فإن الله خلق الخلق ليعبدوه، فنحن حين نلتزم ونستقيم نحقق الغاية التي خلقنا من أجلها، ونسير عليها، أما أولئك فهم يتنكبون الطريق، شأنهم شأن إناء صنع لمهمة، ولو وضعته على النار لانكسر؛ لأنه لم يخلق لذلك ولم يصنع لذلك، كذلك هذا الإنسان الذي ينحرف عن طاعة الله . إذاً: فالالتزام هو الأصل وليس أمراً طارئاً، هذا المعنى نحتاج أن نؤصله وأن نبسطه، وتأصيل هذه المعاني ليس بمجرد كلام نقوله، وإنما تبسط هذه المعاني من خلال وسائل عديدة يعيشها الشباب في مشاعرهم، فحينئذ سيعيشون صورة الاعتزاز والتسامي والارتقاء. الاعتناء بإبراز النماذج والصور الإيجابية، نبرز النماذج الصالحة أمام الشباب من السلف والخلف، فيتطلعون إليها ولا تكون القضية مجرد تركيز على نقد وأخطاء، وحينما نتناول النماذج والقدوات ينبغي أن نتناولها بطريقة لا تؤدي إلى الإحباط، إنما تؤدي إلى التطلع والاقتداء والرغبة في الارتقاء.

стр. 1252

الاعتناء بالصور الإيجابية الاعتناء بإبراز الصور الإيجابية، هناك صور إيجابية مشرقة، عند هذا الجيل المبارك نراها اليوم، نحن بحاجة إلى أن نبرزها، دعوني أشير إلى طائفة منها مرة أخرى، فهم جيل الغرباء؛ لأن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء)، فهم الذين أثنى عليهم النبي ﷺ . وقال النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر) هذه صورة إيجابية، صورة مشرقة. صورة أخرى: الثبات اليوم رغم الفتن التي تواجه الشباب، الواقع كله والتيار يدعو الشباب والفتيات إلى طريق آخر، ومع ذلك يثبتون ويثنون ركبهم عند أولئك الذين يضربون ويجلدون ظهورهم بسياط اللوم والحديث عن الأخطاء ويستأنسون بهذا الحديث؛ لأنهم يرون أنه وسيلة للإصلاح، وهؤلاء الشباب الذين يتسابقون إلى حلقات القرآن، إلى المحاضرات، يرمون زملاءهم في الشوارع والملاعب، ويأتون إلينا في المحاضرات ثم نلومهم ونقول لهم: أنتم غير جادين، أنتم غير ملتزمين. إذاً: ما الذي جاء بهؤلاء؟! إنهم يستطيعون أن يمتعوا أنفسهم بالشهوات المحرمة، يستطيعون أن يلهوا، أن يلعبوا، أن يعبثوا، ولكن ثبتهم الله . إن الثبات اليوم والالتزام في ظل هذا الواقع بحد ذاته إنجاز ونجاح وليس بجهد البشر، ليس بذكاء هؤلاء، لكن هذا الطريق من سار عليه ثبته الله وأعانه، ولولا تأييد الله وتوفيق الله ودافع الفطرة لما استقام هؤلاء ولجرفهم هذا التيار الجارف. هؤلاء الشباب تحقق فيهم معنى يسير أهونهم حالاً من يحب الصالحين ويجالس الصالحين، والذين يحبون الصالحين ويجالسون الصالحين لهم شأن عظيم، فإن الرسول ﷺ ذكر الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر ثم يصعدون إلى ربهم ﵎ فيقول: (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك، ثم يقول الله : ماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: مم يستجيرون؟ قالوا: من النار، قال: أشهدكم أني أعطيتهم ما سألوا وأجره مما استجاروا، قالوا: يا رب فيهم فلان عبد خطاء ليس منهم إنما جاء لحاجة فجلس، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). والثلاثة الذين أتوا إلى النبي ﷺ أحدهم أعرض والآخر أقبل، والثالث استحيا، فالأول أعرض الله عنه، والثالث استحيا الله منه. هؤلاء الشباب أسوأهم حالاً من يحب الصالحين ولسان حاله كما يقول الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سوياً في البضاعة وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه: (سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم. قال: أنت مع من أحببت)، وقال: (يحشر المرء يوم القيامة مع من أحب). إذاً: هذه نماذج من هذا الجيل المبارك نحتاج أن نبرزها، النجاح في أمور الحياة المادية، الهمة العالية، العمل الدعوي، المنجزات التي نراها كل هذا نتاج هذا التدين، وظاهرة التدين التي ظهرت أمامنا هي نتاج هذا الجهد، نتاج هؤلاء الشباب والفتيات، هؤلاء الصالحين مهما كان فيهم من عيوب وتقصير فهذا نتاجهم وهذا جهدهم، سواء أكان بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

стр. 1253

غياب الاعتدال التوازن والاعتدال والوسطية سمة الشريعة الإسلامية، ومطلب ينشد في حياة المكلفين بها في عدة مجالات وميادين يصحبها في الغالب الغلو يمنة أو يسرة، كمجال العبادة والسلوك الشخصي وتقويم الأشخاص والهيئات، ومجال الظواهر الاجتماعية، والأحداث السياسية، والحياد عن هذا المطلب مصير إلى الغلو الذي ينشأ عن جملة من الأسباب والعوامل المؤدية إليه.

стр. 1254

الاعتدال سنة الله في خلقه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأسأل الله ﵎ في هذه الليلة المباركة أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ويجعلنا وإياكم ممن وفق لصيام هذا الشهر وقيامه إيماناً واحتساباً؛ إنه سميع مجيب. أيها الإخوة الكرام! الاعتدال هو سنة الله تعالى في خلقه، إن هذا الخلق كله قائم على هذه السنة، على سنة الاعتدال، ولو تأملت هذه الظاهرة في مظاهر هذا الخلق وسعيت إلى أن تحصي أفرادها وأمثلتها لضاق بك المقام. إن هذه الشمس التي تضيء للناس لو اقتربت من الأرض أكثر مما هي عليه لأحرقت الناس، وأحرقت هذه الأرض، ولو ابتعدت لتحولت الأرض إلى جليد، والقمر الذي يضيء في الليالي المقمرة ويتغزل الشعراء به ويهتفون، ويشبهون به من يصفونه بالجمال، لو زاد ضوؤه وصار كضوء الشمس لتحول الليل إلى نهار، ولغابت هذه الحكمة، فالله ﵎ جعل الليل سكناً، وجعل النهار معاشاً، وهكذا لو تأملت في كل مظاهر خلق الله لرأيت أن ذلك كله قائم على الاعتدال، حتى ما يحبه الناس ويسعون إليه ويفرحون به له قدر إذا جاوزه صار منفراً، إن الناس يحبون الجمال ويسعون إليه وربما أنفقوا عليه مبالغ باهضة، لكن هذا الجمال له قدر إذا جاوزه صار مذموماً، فاللوحة الجميلة التي يعتني بها الرسام لو زاد فيها في نسبة الألوان أو في بعض العناصر التي يعتبر الناس أنها منطلق الجمال لتحولت إلى منظر قبيح. وبياض البشرة يعده الناس جمالاً لمن أوتوا هذه الصفة، لكنه إذا زاد تحول إلى برص ولون منفر، ولا يصلح الناس طعامهم إلا بالملح أو بالسكر فيما اعتادوا أن يتناولوه حلواً، وبدونه لا يصلح الطعام، لكن هذا أيضاً حين يزيد عن قدره يصبح ممجوجاً. والناس في شدة الحر يلجئون إلى التبريد ويسعون إليه، وإذا زاد عن قدره أصبح مؤذياً، ويشربون الماء البارد، وإذا زاد عن قدره صار مؤذياً، وفي شدة البرد يلجئون إلى أجهزة التدفئة يغتسلون ويستحمون بالماء الدافئ، وحين يزيد عن قدره يصبح مؤذياً. وهكذا -أيها الإخوة- لو بقينا نتحدث عن مظاهر الاعتدال في هذا الخلق لضاق بنا المقام، فكل ما يحبه الناس ويسعون إليه ويريدونه، بل ربما يدفعون فيه المبالغ الباهضة ينبغي أن يبقى بقدر، فإذا جاوز هذا القدر تحول إلى أمر ينفر الناس منه، بل يسعون إلى الاستشفاء منه.

стр. 1255

الوسطية والاعتدال سمة التشريع الإسلامي وجاء شرع الله ﵎ على وفق سنة هذه الحياة؛ لأن هذا الشرع جاء ليصلح حياة الناس، والناس لا تصلح حياتهم إلا بالاعتدال، ولهذا كان من سمات هذا الشرع الوسطية والاعتدال، ولو تأملت ذلك في كافة أحكام الشريعة لرأيت هذه السمة ظاهرة واضحة بارزة، وامتن الله على هذه الأمة بأنها أمة الوسط، وجمعت معاني الوسطية: الخيرية والاعتدال، فقد حماها الله من الغلو الذي وقع فيه من سلف من الأمم السابقة، وحماها ﵎ من الغلو في الطرف الآخر، إن هذه الأمة تعظم نبيها ﷺ وتجله وتحبه وتطيعه، بل لا يتم إيمان عبد حتى يكون ﷺ أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، كما أخبر ﷺ ، لكنها لا تغلوا فتفعل كما يفعل النصارى الذين ألهوا نبيهم وجعلوه رباً من دون الله، ولا تجفو كما يجفو إخوان القردة والخنازير الذين كانوا يؤذون الأنبياء، بل يقتلونهم بغير حق، وهكذا شأن هذه الأمة في الشرع والأخلاق والدين. فالاعتدال -أيها الإخوة- هو سنة الله في الحياة، وهو سمة هذا الشرع، وهو صفة هذه الأمة، ومن هنا كنا بحاجة إلى أن نتصف بهذه الصفة، كنا بحاجة إلى أن نتجنب طرفي الأمور، فكلا الطرفين مجانبة للاعتدال.

стр. 1256

مجالات يغيب فيها الاعتدال في حياة بعض الناس

стр. 1257

الاعتقاد والتوحيد إن هناك مجالات يغيب فيها الاعتدال في حياة الناس، وحين يغيب قد يؤدي إلى غلو مذموم ممقوت يعتقد صاحبه أنه يحسن صنعاً، وقد يؤدي إلى جفاء وإفراط. فالاعتقاد والتوحيد مبناه على الاعتدال، ولهذا أنكر الله على أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧]، ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]. وأضرب لكم مثلاً في محبة الرسول ﷺ ، وهي من أمور الإيمان، بل مما لا يتم الإيمان إلا به، فمحبته وتعظيمه ﷺ من الإيمان، لكن هذا التعظيم له قدره، فإذا جاوزه قد يؤدي بصاحبه إلى الشرك بالله ﵎، كما نرى ممن يغلون في النبي ﷺ وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، وقد قال ﷺ : (إنما أنا بشر). كذلك في إثبات ما أثبت الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه ﵎، فمن الناس من غالى في إثبات الصفات والأسماء التي وصف الله بها نفسه وسمى بها نفسه، فغالى في ذلك، فأدى به ذلك إلى التشبيه والتجسيم وغير ذلك مما يقع فيه هؤلاء الغلاة، ومنهم من غالى في الطرف الآخر ففر من أن يشبه الله بخلقه فغالى في نفيها وإنكارها.

стр. 1258

العبادة وكذلك العبادة، فإنما خلق الإنسان لعبادة الله ﵎، ولا يلام الإنسان على العبادة أبداً، تلاوة القرآن، الصلاة، الصيام، قيام الليل، الإنفاق، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، من الذي يقول: إن العبادة شر أو: إن فيها شراً؟ لكن هذه العبادة أيضاً لها قدر محدود إذا جاوزه الإنسان فشق على نفسه فقد خالف سنة النبي ﷺ ، وهاهو النبي ﷺ يبين ذلك حين جاء طائفة من أصحابه، فسألوا عن عبادته فتقالوها، فشعروا أنها قليلة، وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، فأنكر النبي ﷺ هذا المسلك وقال: (أنا أتقاكم لله وأخشاكم له)، وحين تزوج عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ امرأة من قريش وكان قد عمر ليله بالقيام ونهاره بالصيام أتى والده عمرو ﵁ إلى النبي ﷺ يشتكي حاله، فدعاه ﷺ فسأله: (كيف تختم القرآن؟ قال: كل ليلة، فقال النبي ﷺ : بحسبك أن تختم كل أربعين، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: كل ثلاثين يوماً، كل جمعة، إلى أن قال: في كل ثلاث، ثم سأله عن صيامه، فكان يصوم كل يوم، فقال: بحسبك أن تصوم ثلاثة أيام من كل شهر) إلى أن أوصله إلى أن يصوم يوماً ويفطر آخر، ثم قال له ﷺ : (إن لنفسك عليك حقاً، ولزورك -أي: ضيفك- عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)، وحين رأى ﷺ حبلاً ممدوداً بين ساريتين، قال: (لمن هذا؟ قالوا: لـ زينب، تصلي فإذا فترت تعلقت به، فقال: مه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد)، وحين حدثته عائشة ﵂ عن امرأة رآها عندها، فكانت تذكر من صلاتها، قال ﷺ : (عليكم من الأعمال ما تطيقون)، والشواهد على ذلك كثيرة. إن العبادة والصلاة وتلاوة القرآن -أيها الإخوة الكرام- من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه، لكن تحتاج إلى اعتدال، فلا يشق الإنسان على نفسه ولا يشق المرء على نفسه، وإذا شق على نفسه جاوز القدر المشروع وخالف سنة أعبد الناس وأتقاهم لربه ﷺ . ومن المجالات التي قد يشدد بعض الناس ويبالغ فيها في العبادة: مبالغة بعض الناس في الحديث عن شروط العبادة، وشروط أعمال القلوب والتشديد فيها، إنك حين تسمع بعض من يتحدث عن الصلاة وعن الخشوع فيها، فيتحدث ويشدد هذا الأمر حتى كأن المصلي نادر، فيقول: إن هؤلاء الذين يصلون يندر فيهم من يخشع في صلاته، يندر فيهم من تقبل صلاته، يندر فيهم من يصلي كما أمر الله إلى آخره، كأن الناس هؤلاء كلهم لا يؤدون هذه الصلاة وهذه الفريضة، والبعض حين يتحدث عن بعض أعمال القلوب قد يكلف الناس ما لا يطيقون، قد يتحدث البعض عن الإخلاص، وهو أمر عزيز، لكن يتحدث عنه بأنه نادر جداً، ومن النادر أن تجد الإنسان المخلص. إذاً: وما شأن بقية الناس؟! وهل هذا هو الدين الذي قال عنه ﷺ : (إن هذا الدين يسر)؟! أين هذا من نصوص القرآن المحكمة الواضحة ونصوص النبي ﷺ ؟ إذاً -أيها الإخوة-: التشديد والمبالغة ومجاوزة القدر حتى ولو كان في عبادة الله ؛ إذا جاوز الإنسان القدر الشرعي القدر الذي ورد عن النبي ﷺ وجاء في كتاب الله، فإنه يصبح أمراً مذموماً.

стр. 1259

السلوك الشخصي وهذان المجالان من أكثر ما يقع فيه الغلو في الدين، وليس حديثي عن هذا، ليس حديثي عن الغلو في العبادة وما يتعلق بها، فإن غالب حالنا اليوم هو التفريط والله المستعان، وإن وجدت حالات من الغلو والشطط -سواء في الاعتقاد أو في العمل والسلوك- فإنها حالات قليلة، لكن الظاهرة التي أعتقد أننا نشتكي منها كثيراً، هي أن الاعتدال يغيب كثيراً في تفكيرنا، يغيب كثيراً في حديثنا، في آرائنا، في مواقفنا، في وزننا للأمور، وهذا ما أريد أن أركز الحديث حوله. ولهذا أنتقل إلى المجال الثالث من مجالات الاعتدال: السلوك الشخصي. ثمة صفات محمودة يحبها الناس، لكنها بقدر، فالشجاعة إنما تطلب بقدر، وقد تنقلب تهوراً، ويعتقد الإنسان أنه كلما ازداد فيها أصبح الأمر محموداً، والحلم مطلوب، لكنه قد ينقلب عند بعض الناس إلى ضعف وخور، فلا يغضب لما ينبغي أن يغضب المسلم من أجله، وهكذا سائر الصفات. والغيرة على حرمات الله قد تتحول عند البعض إلى جفاء في التعامل مع أهل المعصية، جفاء في التعامل مع الناس. وحسن الخلق واللطافة قد تتحول أحياناً بالإنسان إلى أن يترك الحزم في المواطن التي ينبغي أن يحزم فيها. السلوك الشخصي سلوك الإنسان في حياته، في تعامله مع وقته، في تعامله مع نفسه، في تعامله مع الآخرين، ينبغي أن يقوم على الاعتدال، والصفة المطلوبة أياً كانت، إنما تطلب بقدر كالملح في الطعام، كالبرودة في الماء الذي لا يستسيغه الناس إلا بارداً، إنما تطلب بقدر، فإذا جاوزت هذا القدر أصبحت قد جاوزت الاعتدال، سواء أكانت في هذا الطرف أو في الطرف الآخر.

стр. 1260

تقويم الأشخاص والمشروعات والهيئات والجماعات المجال الرابع: التقويم، في تقويم الأشخاص كثيراً ما نفتقد الاعتدال، فنحن في الغالب ندور بين مديح مبالغ فيه وثناء مفرط فيه، أو ذم مبالغ فيه، وقلما نعتدل في تقويمنا للأشخاص، فحين يعجبنا شخص نسعى إلى أن نبرر أخطاءه، ونسعى إلى أن نبرر مواقفه، قد يعجبنا إنسان في علمه وتقواه وورعه، قد تجد إنساناً عالماً تقياً ورعاً صالحاً، لكن هذا الإنسان لا يجيد التعامل مع الآخرين ويجفو مع الآخرين؛ بطبيعته وببشريته، فالناس بشر ولا يمكن أن تجد في كل إنسان كل ما تريده، والذي يعتدل في تقويمه لا يحول هذه السمة والسلوك الشخصي إلى حسنة، فيرى أن هذا الجفاء وهذه الغلظة أمر مطلوب حتى يأخذ الناس بالحزم والعزم والجد إلى آخره. وقد يوجد نموذج آخر، قد يوجد إنسان فيه نوع من الضعف البشري، وإن كان أعطاه الله علماً ورأياً وحكمة، فيستسلم للناس ويغير الناس مواقفه وتتغير آراءه ويستجيب لكل من طلب منه موقفاً أو رأياً فيعده الناس وحسن الخلق، نعم هو حسن الخلق، لكنه قد جاوز الاعتدال. المقصود -أيها الإخوة- أن البشر مهما كانوا ستبقى فيهم سمات البشر، سيبقى في كل إنسان جانب من جوانب القصور، وإذا أخذنا الناس بهذا الأمر وافترضنا البشرية في الناس؛ فإننا لن ننتظر منهم الكمال ولن نحاسبهم على الكمال، وفي المقابل سنضع أخطاءهم في إطارها الطبيعي، وسنضع شخصياتهم في إطارها الطبيعي. إننا اليوم على مستوى الشخصيات الدعوية أصحبنا نعرف مصطلحاً واحداً هو مصطلح ما نسميه (الشيخ)، فمن يستطيع أن يتحدث أمام الناس، يستطيع أن يكتب للناس، هذا الإنسان نطلق عليه لقب (الشيخ)، وحين يستحق هذا اللقب وهذا الوصف؛ يصبح مؤهلاً لكل شيء، أن يتحدث في كل موضوع، أن يفتي، أن يستشار، أن يتحدث في كل قضية، أن يستشار في كل أمر يعرفه ولا يعرفه، يحسنه أو لا يحسنه، فهذا الأمر ليس صحيحاً، فقد ينبغ إنسان في جانب من الجوانب، قد ينبغ إنسان في ميدان الفقه والفتوى، قد ينبغ إنسان في ميدان الوعظ والتأثير على الناس، قد ينبغ إنسان في ميدان الإصلاح، قد ينبغ إنسان في ميدان الرأي والحكمة، فينبغي أن نضعه في إطاره، ولن يعيبه أن يفقد أمراً آخر مما يملكه الآخرون، وقل مثل ذلك في النقد، فإنك ستجد عند الناس عيوباً، لابد أن تجد عند الناس عيوباً، إما تلك العيوب التي هي من طبيعة البشر، فمن الناس من يكون متعجلاً، ومن الناس من يكون شديد الغضب، فالناس لهم صفات ولهم سمات، وهذه الصفات تترك أثراً على شخصياتهم، وإما تلك العيوب التي هي نتيجة خطأ أنسيه، نتيجة اجتهاد، نتيجة أمر لا يسلم منه البشر، فحين نجد خطأً أو أخطاء عند فلان من الناس فإن هذا لا يعني أن يصبح مثل الشيطان الرجيم لا نذكره إلا بالسوء ولا نتحدث عنه إلا بالسوء. المقصود -أيها الإخوة- أننا بحاجة إلى الاعتدال في تقويمنا للأشخاص. أيضاً: في تقويمنا للمشروعات والأعمال كثيراً ما يغيب الاعتدال عنا، فنحن إما أن نقف مع هذا المشروع وهذا العمل مائة في المائة وندافع عن كل جزئية فيه، وإما أن نقف ضده تماماً ونعتبره سوءاً وشراً وأمراً مخالفاً، سمعنا من يتحدث عن تفطير الصائمين في هذا الشهر الذي هو ظاهرة نراها من خير الظواهر في مثل هذا المجتمع، يتحدث عن هذا بأنه إضاعة للمال وأن هذا الأمر لا يجوز إلى غير ذلك، إنه صورة من صور المبالغة، نعم قد يكون للإنسان وجهة نظر في بعض أساليب هذه الأعمال، قد يكون له تحفظ على بعض ما يصاحبها، والناس سيختلفون في الرأي في مثل هذه الأعمال، لكن بهذه الصورة المتطرفة التي تجعلها إضاعة للمال مع أنها تفطير للصائم، والكبد الرطبة فيها أجر؟! والإسلام قد شرع أن يعطى الكفار من الزكاة تأليفاً لهم على الإسلام، فكيف بغيرهم من الناس؟! إنها صور من مجانبة الاعتدال. وكذلك تقويم الهيئات والجماعات والجهات الدعوية: فاليوم انتشر في الساحة الإسلامية هيئات إسلامية، جمعيات، جماعات، أحزاب، منظمات، ومعظمها يريد الخير، يريد الدعوة، معظمها يغلب عليه الخير، لكنها تتأثر بواقع مجتمعاتها، تتأثر بواقع أولئك الذين يقودونها، فيكون فيها من الضعف والقصور ما يكون فيها، تقويمنا لواقع هذه الهيئات والجماعات لا يكاد يخلو من الغلو، لا يكاد يخلو من المبالغة مدحاً أو قدحاً، وقلما تجد التقويم المعتدل الوسط، فإما أن تجد من يتصيد الأخطاء فيبحث عنها ويصور لك هؤلاء الدعاة إلى الله على أنهم جيش من المفسدين الضالين التائهين، وإما أن تجد في الطرف الآخر من يبرر الخطأ ويفسره تفسيراً آخر، فلا هذا ولا ذاك. إن الاعتدال -أيها الإخوة- كثيراً ما يغيب في تقويمنا، تقويمنا للناس، تقويمنا للأعمال، للمشروعات، للهيئات، للجمعيات وغيرها، والتقويم يحتاج إلى أن يكون معتدلاً فينظر إلى الأمور من كافة جوانبها.

стр. 1261

الأفكار والمشروعات المجال الخامس: الأفكار والمشروعات: نقدم أفكاراً ونطرح مشروعات قد نتبناها وقد نعمل بها وقد نقدمها للناس، وقد تكون أفكاراً فيها فرص للنجاح، فيها فرص لأن يتحقق منها فائدة، لكننا كثيراً ما نبالغ ونجاوز الاعتدال في حديثنا عن أفكارناً، في حديثنا عن مشروعاتنا، فحين يقدم الإنسان فكرة يعتقد أنها ستؤدي إلى حل مشكلة أو علاج ظاهرة، فإنه يبالغ في وصفها، يبالغ في فرص النجاح التي يتوقعها منها، بل ربما أدى به ذلك إلى أن يسفه أولئك الذين لا يشاركونه الغلو نفسه في الحماس لهذه الفكرة. أقول: قد يقدم أفكاراً جميلة ومشروعات، وليس من العيب أن نتحمس لمشروعاتنا، وأن نتحمس لأفكارنا، لكن ينبغي أن نضعها في إطارها الطبيعي، انظر إلى أولئك الذين يتحدثون عن أفكارهم، عن مشروعاتهم، عما يقترحون، تجد أن نسبة كبيرة من هؤلاء، يبالغون في تصورهم للأثر الذي ستتركه هذه الأفكار والمشروعات، يندفعون بحماس لها، وأيضاً يزيدون على ذلك أن يتضايقوا من أولئك الذين لا يشاركونهم الغلو نفسه في الحماس لأفكارهم، إنك تجد من الناس من يريد الجميع في هذا القالب، يريد الجميع أن يتحمسوا لهذه الفكرة كما يتحمس لها وكما يعمل لها، لا نعيب على إنسان أن يتفرغ لمشروع، أن يهتم بأمر وأن يفرغ وقته وجهده له، لكن هذا شيء والغلو والمبالغة في وصفه والثناء عليه وافتراض النجاح فيه شيء آخر.

стр. 1262

الآراء الشخصية الجانب السادس: الآراء الشخصية: قد تكون لنا آراء شخصية، وستكون لنا آراء في أمور كثيرة، خاصة أن هناك مساحة واسعة جداً تتسع للآراء من المشروعات الدعوية، والوسائل الإصلاحية، والأفكار التي يمكن أن يكون لها دور في إصلاح المجتمع وغير ذلك، جانب كبير منها هو رأي شخصي، حينما أقدم رأياً حول أسلوب دعوة النساء في الأسواق؛ إذ النساء اليوم ينتشر بينهن التبرج في الأسواق، حينما أقدم فكرة حول دعوة الطالبات في الجامعات والمدارس مثلاً، تبقى رأياً شخصياً يحتمل النجاح والفشل، يحتمل الخطأ والصواب، وكثير من الخلافات والمخترعات التي تدور هي في هذه الدائرة، فحديثنا عن هذه الآراء الشخصية يتجاوز القدر الطبيعي، فنبالغ في حديثنا عن الآراء الشخصية مدحاً وذماً وقدحاً وحماساً إلى غير ذلك.

стр. 1263

الاختيارات الفقهية الجانب السابع: الاختيارات الفقهية: هناك مسائل جاءت فيها نصوص واضحة، ولهذا فإنك ترى الأمة لم تختلف فيه، أو ترى جمهور الأمة قد اتفقوا عليها، لكن هناك مسائل هي محل خلاف بين أهل الفقه، ولا يزال أهل العلم يختلفون فيها، وسيبقون مختلفين إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان هذا الاختلاف وسع أصحاب النبي ﷺ وحصل في زمن النبي ﷺ فكيف بمن بعده؟! قد يترجح عند الإنسان رأي في مسألة فقهية فيغلو في ترجيح هذا الرأي له، ويأخذ الأدلة الكثيرة جداً على تحريم هذا الأمر أو على وجوبه أو على استحبابه أياً كان، ويخيل للناس أن هذا البحث الذي قام به أو هذا التقرير الذي قرره سيضع النقاط على الحروف وسيغلق الباب في مثل هذه المسألة إلى غير ذلك، ويتحدث في المسألة على أن هذا الحديث حق لا يقبل النقاش، وعلى أن أولئك الذين يرفضونه يرفضون الحق، يرفضون الدليل، نعم كثيراً ما يترجح رأي لطالب في مسألة اجتهادية، ويرى أنه قد لا يسوغه أن يقول بغيرها، لكن هذا شيء والقطع والمبالغة في الرأي فيها شيء آخر. دعوني أضرب على ذلك مثلاً: تعلمون أن حلي المرأة اختلف أهل العلم في وجوب الزكاة فيه، فالجمهور على أنه لا تجب فيه الزكاة، ومعظم أصحاب النبي ﷺ نقل عنهم الفتوى بعدم وجوبه، وهناك رأي آخر -وله أدلته- أن الزكاة واجبة في الحلي، لا نريد أن نقرر هذه المسألة الفقهية، لكن هذا خطيب يخطب أمام الناس ويتحدث عن أولئك الذين لا يؤدون زكاة الحلي، ويقول: إن هؤلاء من حطب جهنم إلى غير ذلك، وهناك فرق بين من يمتنع عن الزكاة، ولا يؤدي الزكاة، وبين من يرى أنه لا يجب عليه أن يخرج الزكاة في هذا المال، وقد وسع هذا أصحاب النبي ﷺ فكيف لا يسع غيرهم؟! نعم كثيراً ما يشعر طالب العلم أنه لا يسعه إلا هذا، قد يشعر أنه لا يسعه إلا أن يخرج الزكاة في هذا، لا يسعه إلا أن يعمل بهذا القول وذاك، لكن هذا شيء وأن يلزم الناس به شيء آخر، وأن يرتب عليه الأحكام شيء آخر. وهاهنا نقطة مهمة ينبغي أن نشير إليها: ففي المسائل الاجتهادية كثيراً ما تجد رأياً يميل إلى الحزم والتشديد ورأياً يميل إلى التيسير، لا يعني ذلك أن الذي يختار رأياً فيه تشديد -كالذي يختار إيجاب الزكاة في هذا المال أو ذاك، وكالذي يختار بطلان الصلاة والوضوء بهذا العمل- لا يعني أنه غال، إذا تحقق فيه شرطان: إذا كان هذا الرأي عن اجتهاد وهو من أهل الاجتهاد أو قلد من هو أهل أن يقلد في ذلك، ولم يشدد على الناس في هذا الأمر، ولم يتجاوز هذا القدر، فإن اختياره لهذا الرأي الأحوط والأشد لا يعني الغلو، ولا ينبغي للطرف الآخر أن يتهم هذا الإنسان بالغلو؛ لأنه اختار هذا الرأي الأحوط والأشد، بل إن الناس يختلفون ويتفاوتون كما سيأتي في الحديث، فقد تجد من الناس من يغلب عليه أنه يأخذ بالعزيمة في آرائه وفتاواه حتى في حلفه للناس، وبعض الناس يغلب عليه الأخذ بالتيسير، وهذا الأمر منذ سلف الأمة وإلى قيام الساعة. المقصود: أن من يختار هذا الاجتهاد لا يعني ذلك أنه قد غلا، إنما الغلو هو أن يجاوز القدر، حين يقرر هذه المسألة يجعل من خالفها مبتدعاً، ويجعل من خالفها فاعلاً للمعصية، ويجعل من خالفها فيه كذا وكذا، إلى غير ذلك.

стр. 1264

الظواهر الاجتماعية الجانب الثامن: الظواهر الاجتماعية: حديثنا عن الظواهر الاجتماعية تكثر فيه المبالغة، في حديثنا عن حجم الظاهرة، حين نتحدث عن أي ظاهرة في المجتمع أياً كانت هذه الظاهرة، وكان المتحدث عنده حماس لهذا الموضوع أقلقه أزعجه، فإنه لا يفرق بين خطورة الشيء وبين حجمه في المجتمع، وبينهما فرق كبير. فنحن نعلم -مثلاً- أن المخدرات خطيرة، وانتشارها خطير، لكن هذا شيء، وحجم انتشارها في المجتمع شيء آخر، الفساد الخلقي خطير والفواحش، ويكفي أن الله عاقب أقواماً وأمماً أعلنوا بهذه الفواحش وأظهروها، لكن هذا شيء وانتشارها في المجتمع شيء آخر، فقد يغلب علينا النظر إلى خطورة الظاهرة فنعممها في المجتمع، ونبالغ في الحديث عن حجمها ونكسيها أكبر من حجمها، وفرق بين أن تكون الظاهرة خطيرة وبين أن تكون الظاهرة منتشرة، نعم هناك من الظواهر ما لو لم توجد إلا بنسبة قليلة ينبغي أن نتحدث عنها ونحذر منها، لكن فرق بين أن نحذر منها ونتحدث عنها وبين أن نقول: إنها انتشرت وعمت وطمت، ولهذا تسمع هذه الكلمة كثيراً، فكثير من الذين يتحدثون عن المشكلات يقولون: عمت وطمت، إلا من رحم ربك، ودائماً تسمع هذه الكلمة في الحديث عن أي ظاهرة، فعلى أي أساس نقول هذا الكلام؟! وكذلك الحديث عن تفسير الظاهرة، تفسير الظاهرة قد يكون فيه نوع من الغلو، فنفسرها من خلال سبب واحد، نفسر هذه الظاهرة بهذا السبب، كالطلاق، فقد زادت نسبة الطلاق، وأعتقد أنكم توافقونني على أنه نسبة زائدة، نسبة أعلى من قبل، قد لا نملك أرقاماً دقيقة، لكن الظاهرة منتشرة وموجودة ومزعجة، بعض الناس يقول: إن السبب في هذه الظاهرة هو النظر الحرام، فإن الرجل إذا نظر إلى النساء زهد في زوجته وتطلع إلى الحرام، ثم نشأت المشاكل إلى غير ذلك، نعم النظر الحرام لا شك أنه قد يؤدي إلى مثل هذا الأمر، لكن هل يعني هذا أن هذه الظاهرة كلها تعود إلى هذا السبب؟ هل يعني أن معظم حالات الطلاق تعود إلى هذا السبب؟ فرق بين أن يكون الأمر محرماً ومخالفة، وبين أن نفسر الظاهرة من خلاله، فعندنا رغبة جامحة في محاولة تفسير كل ظاهرة من خلال عامل واحد، من خلال سبب واحد. كذلك اقتراح العلاج والحل، فالعلاج يتمثل في حل واحد دائماً عندنا، حينما نتحدث عن الطلاق، نقول: إن المشكلة تأتي من فساد دين الناس، إذا صلح الزوجان واتقيا الله انحلت المشكلات، أعتقد أن هذا الكلام فيه اختزال، ألسنا نجد عدداً من الصالحين يطلقون ويحصل عندهم الطلاق؟! نعم، الله أمر عباده بالتقوى وأكد على التقوى عند الحديث عن آيات الطلاق، ولها صلة بذلك، لكن الصلاح والتقوى كثير من الناس يفهمه فهماً خاطئاً، فمن الصالحين من يسيء العشرة، وأحياناً يكون هناك نوع من عدم التوافق بين الزوجين، وهناك عوامل كثيرة ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار. المقصود -أيها الإخوة- أن حديثنا عن الظواهر الاجتماعية كثيراً ما يغيب فيه الاعتدال، إما في حجم ظاهرة أو في تفسيرها، أو في علاجها.

стр. 1265

الظواهر والأحداث السياسية المجال التاسع: الظواهر والأحداث السياسية: الأحداث السياسية نجنح إلى المبالغة في تفسيرها، وخذ على سبيل المثال الحديث عن المؤامرات، أي حدث يحصل نجنح إلى تفسيره بأنه مؤامرة، فنرى أن الحدث كله تمثيلية من أوله إلى آخره، نعم هناك مؤامرات، هناك أشياء لا تكتشف إلا بعد وقت، لكن لا يعني أن كل حدث يحصل هو -بالضرورة- مؤامرة، وهذا التبسيط المذهل للأحداث، التبسيط المذهل للقضايا لا يعني فطنة ووعياً، الوعي أن نعي الأسباب الحقيقة للظواهر، والأحداث والظواهر السياسية في الغالب ظواهر معقدة، تنشأ من خلال عوامل عديدة لا يمكن أن نفسرها من خلال موقف واحد وعامل واحد. قد أقول لكم مثالاً وإن كان متطرفاً، لكن يبين لنا الصورة في ذلك: إمام أحد المساجد انزعج من رنين الجوال أثناء صلاة التراويح، وهذا يحصل كثيراً؛ أن الإنسان ينسى أن يطفئ جواله، فقال: إن هذه الجوالات أتى بها الأعداء ليشغلونا، وبدأ يتحدث عن مكر الأعداء وكيدهم في هذا الجهات. قد تكون هذه الصورة شاذة، لكنها تمثل نمطاً من التفكير موجوداً، إنما الخلاف في قدر الشذوذ وفي مستوى التطرف، وإلا فالتطرف موجود، وقد كان يمكنه أن يقول: إن الجوال له فائدة يحسن بالإنسان أن يطفئه، قد ينسى الإنسان إطفاءه إذا أتى إلى المسجد، فليطفئه، والأمر لا يحتاج إلى مثل هذا الضجيج والإزعاج، والذي يحدثني يقول: كنت نسيت جهازي فلم أطفئه، فخشيت أن أطفئه أمام الناس، فوجدت حرجاً، خشيت أن يسيء الناس الظن بي، والناس بشر. فشخص يتحدث يقول: كنا نتحدث عن المشروبات الغازية، فقال أحدنا: إن هذه المشروبات الغازية يحرص أعداؤنا على تصديرها لنا؛ لأنها ضارة صحياً؛ لأنها غير نافعة، قلت: يا أخي! المشروبات الغازية تتناول في أمريكا وأوربا أكثر بكثير مما عندنا، قال: الكميات التي عندهم، تصنع بطريقة خاصة، والتي عندنا النسب فيها زائدة. المقصود: أن عندنا جنوحاً لأن نفسر كل شيء بأنه مؤامرة، والأحداث السياسية الضخمة نحاول أن نختزلها، هناك من يقول: إن سقوط الاتحاد السوفيتي سببه الجهاد الأفغاني، أعتقد أن هذا اختزال للقضية، هناك عوامل كثيرة، نعم قد يكون الجهاد الأفغاني له دور، لكن ليس هو وحده، ومن يقرأ ويعرف طبيعة النظام الشيوعي وآلياته، ويعرف العوامل التي أدت إليه يعتبر أنه لا يمكن أن نختزل مثل هذا الحدث بأن نفسره بأن السبب هو الجهاد، وإذا قلنا: إن الجهاد الأفغاني ليس هو السبب في سقوط الاتحاد السوفيتي لا يعني أننا نهمش دور الجهاد الأفغاني، لكن -أيضاً- لا نغلو ونبالغ، فالجهاد الأفغاني كان عمل بشر، هو جهاد دعمته الأمة وكان يستحق أن يدعم، لكنه عمل بشر لا يخلو من الضعف والقصور، وقد رأينا ما حصل بعده من الصراع والنزاع والشقاق، فعندنا جنوح إلى المبالغة في الحديث عن القضايا السياسية والأحداث السياسية، ونبالغ في الأرقام، نبالغ في المعلومات، نبالغ في التآمر، في تبسيط الأحداث.
следующие страницы →