← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

خصائص الأسرة التي تكسبها الأهمية التربوية الأولى

стр. 1297

الأسرة هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية أولاً: الأسرة هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهي المؤسسة الأولى من المؤسسات التربوية، فالطفل الرضيع حين يخرج من بطن أمه أول مجتمع يلتقي به هو مجتمع الأسرة، بل إن التأثير التربوي لا يبدأ من مرحلة الولادة، بل هو من مرحلة الحمل، فالطفل وهو في بطن أمه يتأثر بانفعالات الأم، يتأثر بالحالة النفسية التي تعيشها الأم، يتأثر باتجاه الأم نحو حملها ونظرتها له، ولهذا يبدأ منذ أن يكون حملاً في بطن أمه، لا يشارك الأم في تأثيرها أحد في هذه المرحلة، ثم يخرج وهو رضيع فتوصل له الأسرة رسائل تربوية يفقهها هو وربما لا تفقهها الأسرة، فهو في رضاعه من والدته، وفي مداعبة أهله له، وفي حمل أمه له ووضعها له يتلقى مشاعر عطف ومشاعر حنان تعتبر مطلباً ضرورياً في نموه الاجتماعي والنفسي والعاطفي، وهذا الأمر تجهله كثير من الأمهات، ويجهله كثير من الآباء، ثم يتدرج به العمر إلى أن يصل إلى سن المدرسة وهو لا يتعامل مع أي مؤسسة أخرى. إذاً هذا الأمر حين تكون الأسرة هي المؤسسة الأولى، حين تكون الأسرة هي أول ما يفتح الطفل عينيه عليه، فهذا يؤكد لنا أهمية الرسالة التربوية للأسرة، وهو في المقابل أيضاً يعيننا في الإجابة على كيف؟ فبقدر ما نواجه من تحديات نملك فرصاً في تربيتنا ربما لا نثمنها.

стр. 1298

الأسرة هي الجماعة الأولى التي يرتبط بها الطفل وينتمي إليها ثانياً: الأسرة هي أول جماعة يعيش فيها الطفل ويشعر بالانتماء إليها، وهو بهذا يكتسب عضوية في جماعة، ويظهر نمط هذه الجماعة وعلاقاتها على علاقاته فيما بعد، إنه ينتمي بعد ذلك إلى جماعة للعب، أطفال يلعب معهم يشاركهم، وعندما يتقدم به العمر ويصل إلى سن المراهقة فإنه يرتبط بثلة الرفاق أو مجموعة الرفاق، وعندما يتقدم به العمر أكثر يرتبط بجماعات أخرى من خلال الزمالة المدرسية ومن خلال العمل، كل هذه الجماعات تتأثر بالجماعة الأولى التي انتمى إليها وارتبط بها الطفل، ويتشرب قيم ومفاهيم ومعايير يزن من خلالها الناس كما سيأتي بعد قليل.

стр. 1299

الأسرة هي الجماعة التي يرتبط بها الفرد ارتباطاً لا ينفصم ثالثاً: الأسرة ولنقل جماعة الأسرة هي الجماعة الوحيدة الذي يظل الإنسان مرتبطاً بها لا يتخلى عنها، ولو عدنا إلى تاريخنا نحن فسنرى أنه كانت لنا علاقات حين كنا أطفالاً وكنا ننتمي إلى مجموعة وفئة من أهل الحي أو الجيران أو الأقارب ونمارس معهم اللعب ونعيش معهم، وحين كنا في الدراسة كان لنا رفقة وزملاء في الدراسة، وفي العمل، وجماعات كثيرة تنشأ في حياتنا ثم تنقرض، أما الأسرة فهي الجماعة الوحيدة التي يبدأ بها المرء مع بدايته في الحياة وهي التي تودعه قبره وتودعه إلى باب البرزخ. نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

стр. 1300

الأسرة هي الكيان الذي يتميز بالتماسك رغم اختلاف شخصيات أفراده رابعاً: طبيعة العلاقة المتبادلة أيضاً بين أعضاء الأسرة تختلف بغض النظر عن نوعهم وعددهم، الأسرة هي الجماعة الوحيدة التي يلتقي فيها جيل الآباء بالأبناء، بل الآباء بالأحفاد، يتعامل فيها الرجل مع زوجته ومع بناته الكبار اللاتي تزوجن وأنجبن، ويتعامل مع بناته المراهقات، ويتعامل مع أبنائه المراهقين، ويتعامل مع الأطفال والرضع، ولهذا فإن لها طبيعة خاصة وسمة خاصة تختلف عن سائر الجماعات والسمات، بغض النظر عن نوع هذه العلاقة وحجم الأسرة وطبيعة أعضاء الأسرة من حيث الجنس والسن إلى آخره، بالرغم من كل ما سبق فإن هذه الجماعة وهذه المؤسسة تبقى مترابطة متماسكة، وهذا يؤكد كما قلت على أهمية الرسالة التربوية للأسرة، وهو أيضاً يعطينا فرصة يمكن أن نستثمرها لنجيب على السائلين: كيف نرتقي في تربيتنا الأسرية؟

стр. 1301

الأسرة هي النظام الاجتماعي الأكثر ثباتاً على مدى التاريخ خامساً: مؤسسة الأسرة هي أكثر الأنظمة الاجتماعية ثباتاً على مدى التاريخ، فمن يدرس التاريخ يعرف أن هناك أنظمة اجتماعية تحكم علاقات الناس وصلاتهم، كالقبيلة والعشيرة، وهذه العلاقات تطورت على مدى التاريخ، ومن يقرأ التاريخ يكتشف أن هذه العلاقات لم تثبت على وتيرة واحدة ولم تثبت على نظام واحد، وها نحن مثلاً اليوم نجد جماعات ومجموعات العمل والدراسة ناشئة مع ظروف الحياة الجديدة، وسينشأ في المستقبل نوع من المجموعات والعلاقات، وها نحن نرى مثلاً من خلال شبكة الإنترنت علاقات وصلات بين رجلين لو قابل أحدهما الآخر فلربما لا يعرفه، لكن تبقى هذه المؤسسة أكثر الأنظمة ثباتاً ورسوخاً على مدى التاريخ، وستبقى إلى ما شاء الله.

стр. 1302

الأسرة هي أكثر الأنظمة الاجتماعية استغراقاً لوقت الطفل سادساً: الوقت الذي يقضيه الطفل مع أسرته من أطول الأوقات، سواء من خلال المرحلة الأولى من العمر وسيأتي الإشارة إليها، أو ما سوى ذلك، فالمرء يقضي مع أسرته أطول الأوقات، وهي حين تحسن التعامل مع هذا الوقت المتاح لها ستكسب فرصاً لا تكسبها المؤسسات التربوية الأخرى، وتقصر عنها عوامل التأثير الأخرى التي يمكن أن تزاحمها في تشكيل شخصية الطفل.

стр. 1303

الأسرة تنفرد بالتأثير على الطفل في سنوات عمره الأولى سابعاً: أن الأسرة تنفرد بالطفل في المراحل الأولية من العمر، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك، وهذه المراحل لها تأثير كبير في تشكيل شخصية الطفل، وتشكيل قيمه وتصوراته وموازينه، والرجل كبير السن اليوم يرى أن هناك قيماً ومعايير ترسخت عنده منذ أن كان في طفولته ولا تزال مترسخة ثابتة. في هذه المرحلة المهمة والخطيرة الأسرة تنفرد بالطفل فلا يزاحمها عليه أحد، نعم وسائل الإعلام بدأت تزاحمنا على أطفالنا في هذا السن وهذه المرحلة، لكن لا زلنا في هذا السن وهذه المرحلة نستطيع أن نتحكم في الطفل إلى حد كبير، ونستطيع أن نقلل من فرص تعرضه لتلك المؤثرات التي يمكن أن تسير به في طريق يخالف الطريق الذي ترتئي الأسرة أن تسير عليه وتسلكه. ومن هنا فاستثمار هذه المرحلة المهمة يمكن أن يختصر علينا خطوات كبيرة، وحينما نتحدث اليوم ونطالب بأن تستثمر هذه المرحلة المهمة -مرحلة الطفولة- فلا ينبغي أن يقف الأمر عند التصور الساذج للتربية المطلوبة التي تقتصر على مجرد إعطاء توجيهات وإعطاء أوامر والتأكيد على أن هذا يسوغ وهذا لا يسوغ إلى آخره، بل ينبغي أن نتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال البناء الصحيح لطريقة تفكير الطفل، والبناء الصحيح للقيم التي ينطلق من خلالها، وتنمية القدرات والمهارات التي يمكن من خلالها أن يتعامل مع ما يصل إليه بعد ذلك وما يواجهه من مؤثرات لا يمكن أن يتخلى عنها أو يتخلص منها فيما يستقبل من حياته.

стр. 1304

الأسرة تستقبل التأثيرات التي يتعرض لها الطفل من محيطه الخارجي وتعيد تقويمها ثامناً: الأسرة تختار من البيئة ما تراه مهماً ثم بعد ذلك تقوم بتفسيره وتقويمه وإصدار الأحكام عليه، فكل ما يتعرض له الطفل، سواء ما يهبط إليه في المنزل من خلال وسائل الإعلام ووسائل التأثير، أو ما يواجهه من خلال الدائرة الأوسع من أسرته القريبة من خلال الأقارب أو ما يواجهه من خلال المدرسة والمجتمع، كل هذا تتعامل معه الأسرة وتقوم باختيار ما تراه مناسباً، ثم تقوم بتفسيره وإصدار الأحكام عليه، ومن هنا تكون القيم التي يتشربها الطفل متأثرة بنظرة الأسرة إليها وبتعبيرها عنه، فتشكل هذه القيم معايير يتعامل من خلالها مع ما يواجهه في المستقبل من مؤثرات في المجتمع. فمثلاً: الطفل الذي يعيش في أسرة تحتقر المتدينين والتدين، سيتشرب هذه القيم من خلال ما يراه ويسمعه من والده ووالدته، وعندما تستقر عنده هذه القيم ويأتي إلى المدرسة ويجد معلماً متديناً فإن نظرته إلى هذا المعلم ستكون نظرة احتقار وانتقاص؛ لأنها نظرة تلقاها من خلال ما غرسته الأسرة عنده. خذوا نموذجاً آخر: الطفل الذي يعيش في أسرة متدينة، وليس فقط متدينة بل وتتقن التربية؛ لأنه ليست كل أسرة متدينة تحسن التربية وتربي بطريقة صحيحة، حين ينشأ الطفل في أسرة متدينة تحسن التربية يأتي إلى المدرسة التي تعتبر أول تجربة له مع عالم مفتوح، بغض النظر عن تجربته مع المجتمع قبل المدرسة فهي تبقى تجربة محدودة من خلال علاقاته العائلية، وتبقى غالباً لها صلة وثيقة بثقافة الأسرة وبتربية الأسرة؛ لأن هناك في الغالب قدراً من الانتماء الفكري والقيمي والثقافي بين الأسرة والمحيط المجاور، من خلال الأقارب ومن خلال أخواله وأعمامه، فيبقى التغيير محدوداً، حتى حينما يحتك بالشارع يبقى التغيير محدوداً من خلال نوعية الجيران الذين يحتك بهم، ولكن حين يأتي إلى المدرسة فيجد في فصله ٣٥ طالباً ينتمون إلى أسر متفاوته، وتربية مختلفة، وأنماط اجتماعية مختلفة، وشرائح اقتصادية مختلفة، وثقافات مختلفة، فينتقل نقلة أخرى تصدمه، فهو سيبدأ باختيار أصدقاء، كيف سيختار الأصدقاء؟ هو تلقائياً من خلال تلك القيم التي غرستها عنده الأسرة سيجد أنه يتناغم مع هذا النوع دون ذاك، فيجد أن الأصدقاء المحافظين الذين لا يسمع منهم كلمة بذيئة، ولا يرى منهم سلوكاً بذيئاً يجدهم أقرب إليه، وأكثر تناغماً معه فيميل إليهم. أما الطفل الآخر الذي اعتاد على سلوك عدواني وسلوك متمرد فإنه يميل إلى تلك الفئة التي تناسبه، والطفل الآخر الذي لم يهذب سلوكه فاعتاد على اللغة غير المهذبة، وعلى الألفاظ السوقية، وعلى الأخلاق والسلوكيات الشاذة، يتجه تلقائياً إلى اختيار أصدقائه ممن يتناسب مع طريقته وتفكيره ونظرته للأمور. إذاً: فالأسرة هنا أسهمت في غرس هذه القيم في الطفل وصار يتصرف من خلالها من حيث لا يشعر، فيحكم على الناس من خلال ما تلقاه، نظرته إلى معلمه لا تنفك عن نظرة الأسرة إلى الآخرين وتقويم الأسرة للآخرين، القيم التي تغرسها الأسرة عنده للرجل الفاضل وكذلك بالنسبة للفتاة للمرأة الفاضلة المحافظة، والإنسان بطبيعته لا ينظر إلى الأمور نظرة محايدة، يعني: كل المواقف التي تراها وتنظر إليها تمر إليك من خلال قناة، هذه القناة تقوم بعملية فلترة لهذه المواقف، فلا تنظر أنت للمواقف نظرة محايدة، ولا تنظر للأشخاص نظرة موضوعية وتحكم عليهم بحكم موضوعي، وإنما هذه النظرة تمر من خلال تلك القناة التي تمثل إطارك المرجعي الذي تشكل من خلال التربية الأسرية، ثم بعد ذلك التربية المدرسية تعدل وتطور في هذا الإطار، هذا الإطار المرجعي الذي تشكل عندك يتحكم في محتوى ما تتلقاه، في أحكام ستصدرها على الناس، وفي نظرتك للأمور، ولهذا أنت لا تنظر إلى الأمور كما هي، بل تنظر إليها من خلال إطارك المرجعي، ومن خلال القيم والمفاهيم والموازين التي اكتسبتها، فحكمك على الناس وتقييمك لهم ونظرتك لهم، فضلاً عن حكمك على السلوكيات المقبولة أو الشاذة، كل هذا ليس حكماً موضوعياً وليس حكماً محايداً كما يقال، إنما هو حكم يمر من خلال هذه القناة التي تقوم بإعادة فلترة هذه المواقف بإصدار أحكام عليها ما بين شخص مقبول وغير مقبول، أو سلوك مقبول وغير مقبول. والسلوك بحد ذاته مجرداً من هذه القيم يبقى سلوكاً محايداً تتفاوت أحكام الناس بالنسبة له، فالذي يعده بعض الناس سلوكاً مقبولاً آخرون يعدونه سلوكاً شاذاً، وقس على ذلك الأشخاص الذين يعجب بهم فئة من الناس لا يعجب بهم آخرون، من أين نتلقى نحن هذه الأحكام؟ من خلال هذا الفلتر، ومن خلال هذا الإطار المرجعي الذي شكلته الأسرة، ثم لما جاء إلى المدرسة بدأت المدرسة تتحكم فيه بحيث تزيد وتنقص، وتعدل فيه وتقوم، المهم أن الأسرة شكلت هذه القيم التي ينظر من خلالها الطفل، وتنظر من خلالها الفتاة، وينظر من خلالها المراهق والمراهقة، بل والأب بعد ذلك إلى الأمور كلها، ومن ثم فهو لا ينظر إلى المجتمع ولا ينظر إلى الحوادث نظرة محايدة وإنما ينظر إليها من خلال إطاره المرجعي، بغض النظر عن كون هذا الإطار المرجعي يتفق مع ا

стр. 1305

الأسرة هي الميدان الحقيقي لإشباع الطفل بحاجاته النفسية تاسعاً: الأسرة ميدان لإشباع الحاجات النفسية والاجتماعية، هناك حاجات نفسية واجتماعية مهمة للطفل وحتى للمراهق، فهو يحتاج إلى الحب، يحتاج إلى التقدير، يحتاج إلى الانتماء، يحتاج إلى الهوية، يحتاج إلى المسئولية، هناك حاجات كثيرة، أين الميدان الحقيقي لإشباع هذه الحاجات؟ الميدان الأول هو ميدان الأسرة، وسنشير إن شاء الله حينما ننتقل إلى الإجابة على الشق الثاني كيف أن الأسر غير المستقرة تترك أثرها في تربية أولادها حين ذلك.

стр. 1306

الأسرة أكثر حرصاً على أفرادها عاشراً: الأسرة أكثر حرصاً وانضباطاً في الغالب، مهما كانت الأسرة فإنها تحرص على أطفالها، حتى الآباء الذين عندهم نوع من الانحراف والتقصير كثير منهم لا يتمنى أن يكون أولاده مثله، والأمهات كذلك، فالأب دائماً يتمنى أن يكون ابنه خيراً منه، بل قد تراه يقول له بلسان المقال: إنني قد وقعت في هذه المشكلة، وقد وقعت في هذا السلوك السيئ، ولا أتمنى أن تكون مثلي، بل أتمنى أن تكون أفضل مني، بخلاف المؤسسات التربوية الأخرى. لهذا كله كنا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للأسرة ولرسالتها التربوية، والاهتمام بالأسرة ورسالتها التربوية ليس شأن المسلمين وحدهم اليوم، بل حتى المجتمعات الكافرة تدرك الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها حين هدمت هذه المؤسسة، وأكتفي بهذه العبارة التي يقولها مفكر غربي مشهور: لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسيمة باستبدال تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالاً تاماً، ولهذا تترك الأمهات أطفالهن بدور الحضانة، نعم كانت غلطة عظيمة وشنيعة ينبغي أن يعيها المسلمون حتى لا نبدأ من حيث انتهى الآخرون.

стр. 1307

العوامل الأسرية التي تؤثر على الطفل ننتقل بعد ذلك إلى الإجابة على السؤال الثاني: كيف يمكن أن تفعِّل الأسرة وتؤدي رسالتها التربوية؟ وقبل أن أجيب على هذا التساؤل سأشير باختصار إلى بعض العوامل الأسرية التي تؤثر على الطفل وهي عوامل نستطيع أن نتحكم بقدر كبير منها، أول هذه العوامل: حجم الأسرة: فحجم الأسرة له أثر على تربية الطفل، مثلاً: الطفل الوحيد لأبويه غالباً ما يحاط برعاية تزيد عن الحاجة، ولهذا تصبح علاقات هذا الطفل بغيره على أساس أهمية مصالحه، وتظهر عنده الأنانية وحب السيطرة إلى آخره، بخلاف الطفل مثلاً الذي ينشأ في أسرة كثيرة الأطفال، فهذا غالباً يميل إلى النموذج السوي باعتبار أنه تعامل مع خليط وفئة عديدة من الأطفال، وباعتبار أن الحيز المتاح له من الاهتمام والديه به يبقى محدوداً باعتبار أنه توزع بين هذا العدد من الأطفال. تركيب الأسرة: من حيث وجود الأبوين، أو وجود الأب وحده، أو الأم وحدها، أو كونه يعيش مثلاً عند زوجة والده، أو يعيش عند زوج والدته، هذا له أثره، كذلك من حيث نسبة الذكور إلى الإناث، وترتيب الطفل بينهم، ولهذا نجد دائماً أن المرشد الاجتماعي يسأل عن معلومات عن الطفل أول ما يدخل المدرسة، وهذه المعلومات ليست من باب العبث، فهو يسأل عن حجم الأسرة، وترتيب الطفل بين أفراد أسرته، وترتيبه بين الذكور أو بين الإناث إلى آخره، هذا له أثر على الطفل وتنشئته وتربيته، كما أن انسجام أفراد الأسرة له أثر كبير على تنشئة الأطفال، فإذا وجد الأطفال في أسرة تعيش في جو تعاوني بعيد عن الخلافات والمشاحنات، فهذا يجعلهم أكثر استقراراً وأبعد من الانحراف والتأثر، ولهذا دلت بعض الدراسات على أن ٧٥% من حالات الجنوح تحصل في أسر ضعيفة أو منعدمة التماسك.

стр. 1308

كيف تؤدي الأسرة رسالتها ؟ أنتقل بعد ذلك إلى الإجابة على السؤال كيف، كيف تؤدي الأسرة رسالتها؟ ربما أشرنا إلى جزء من الإجابة على هذا السؤال حين أجبنا على السؤال الأول (لماذا؟)، فلم أحرص على أن يكون حديثنا عن أهمية الرسالة التربوية في الأسرة حديثاً مقتصراً على الإقناع بأهمية الرسالة فنحن ندركها جميعاً، وإنما حرصت على أن أختار من بين ما أشرت إليه ما يمكن أن نستثمره في تطوير أداء الرسالة التربوية للأسرة.

стр. 1309

أهمية التعامل مع الأسرة على أنها مؤسسة اجتماعية أولاً: ينبغي أن نتعامل مع الأسرة على أنها مؤسسة اجتماعية، وينبغي أن يسهم المجتمع في تعزيز دور الأسرة، وأن ننظر على مستوى المجتمع على أن قضية الأسرة ليست قضية تعني الأب والأم وحدهما، لا، ليست تعني هذا الرجل وتلك المرأة، إنما هي قضية تعني المجتمع، إن المجتمع حين يهمل الاعتناء بالأسرة، فإنه لن يجلب المخاطر على ذرية رجل وامرأة، وإنما سيجلب المخاطر إلى المجتمع بأسره، فالمجتمع حين يعتني بالأسرة وحين يعزز دور الأسرة فإنه سيختصر كثيراً من الخطوات، وسيحل كثيراً من المشكلات الاجتماعية، ولهذا فالحديث عن الأسرة ينبغي أن لا يكون مقتصراً على قطبي الأسرة وهما الأب والأم، فالأمر يعنيهما بدرجة مهمة ويعني بدرجة أهم المجتمع، المجتمع هو المسئول عن إتاحة الفرصة لبناء الأسر السليمة المستقيمة، المجتمع هو المسئول عن التحكم في العوامل والمؤثرات التي يمكن أن تقلص من دور الأسرة، ومن ثم فلترتقي أسرنا لتؤدي رسالتها التربوية لا بد أن نوسع نظرتنا إلى الأسرة، فننظر إليها على أنها مؤسسة تعني المجتمع، ومن ثم فأهل الرأي في المجتمع وأهل الفكر في المجتمع والمؤسسات التربوية والمؤسسات الاجتماعية اليوم ووسائل الإعلام ينبغي أن تضع هذا الأمر في الاعتبار: ماذا قدمت الأسرة على المستويين؛ على مستوى المطلب المحدود الذي يعني الأب والأم، وعلى مستوى مطلب المجتمع ككل؟ وحين تختار أسرة ما أن تسير على خلاف ثقافة المجتمع فإنها لا تجلب الضرر لها وحدها بل تجلب الضرر للمجتمع ككل، المجتمع الذي أخبر النبي ﷺ أنه مثل السفينة حين يخرق فيها خرق يغرق المجتمع كله. الأسرة التي تخرج شاباً منحرفاً طائشاً هل يقتصر العناء على هذه الأسرة وحدها، أم يتجاوز ذلك إلى المجتمع؟ الأسرة التي تخرج فتاة منحلة هل يقتصر أثر ذلك على الأسرة نفسها، أم أن ذلك يتجاوز إلى المجتمع؟ ومن ثم فالمجتمع ينبغي أن يطور نظرته، وأن يتعامل مع الأسرة ومع مؤسسات الأسرة على أنها قضية تعني أباً وأماً وتعني أيضاً المجتمع بأسره، ومن ثم فهو مسئول على أن يقدم للأسرة الإمكانات والخبرات التي تعينها على الارتقاء برسالتها، وهو مسئول عن تطوير أداء الأسرة، وهو مسئول عن حماية الأسرة من المؤثرات، ثم هو أيضاً بمؤسساته لا يسوغ له أن يتبنى أي اتجاه يهدم تأثير الأسرة، ولعله أن يأتي مزيد حديث بهذه القضية.

стр. 1310

ضرورة أن تكون النظرة التربوية نظرة شمولية ثانياً: لا بد من الشمول في النظرة التربوية، فالتربية حتى بمفهومنا الشرعي ليست مجرد أمر بالصلاة ونهي عن المنكر والفحشاء، وهذا أمر لا شك هو الأساس والأصل، لكنها أبعد من ذلك، إنها تبدأ أولاً بغرس الإيمان والتقوى في النفوس حتى تميل النفوس إلى حب الصلاة، وإلى حب الخير والطاعة، وإلى كره الفساد وأهله، ثم هي بعد ذلك تعلم ما يجب وما يحرم، وما يسوغ وما لا يسوغ، ثم هي بعد ذلك تربي على محاسن الأخلاق ومعالي الأمور، ثم هي تعتني بالجانب النفسي والاجتماعي والصحي، وترى أنها كلها منظومة واحدة يؤثر بعضها على بعض، ويتأثر بعضها ببعض، إن الحالة الدينية للشاب لا تنفك عن حالته النفسية، فالشاب الذي يعيش في أسرة لا تعطيه الإشباع النفسي والاجتماعي ولا تلبي حاجاته ربما يكون شاباً منحرفاً حتى إن نظرته للدين والمتدينين ستتأثر بهذا الحرمان النفسي والاجتماعي الذي عايشه، ولهذا نرى المربي الأول ﷺ يرعى هذا الاعتبار، وأجتزئ هنا أمثلة يسيرة: ما هي قرة عين النبي ﷺ ؟ الصلاة، قرة عين النبي ﷺ الصلاة، الوقت الذي يجد فيه النبي ﷺ السعادة والطمأنينة هو في الصلاة؛ ولهذا كان إذا حزبه أمر ﷺ فزع إلى الصلاة، كان يصلي ﷺ -وليس يصلي وحده وإنما كان يؤم أصحابه- فأتى أحد أولاده الحسن أو الحسين فارتقى على ظهره ﷺ فأطال السجود فاستبطأه أصحابه، ثم لما انصرف سألوه، فقال ﷺ : (إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم حتى يقضي حاجته)، النبي ﷺ المعلم الواعظ البليغ المربي كان وهو يخطب في أصحابه وهم خيار الناس وخيار القوم يأتي الحسن ويتعثر، فيترك خطبته ﷺ ثم ينزل من المنبر فيحمله ثم يعود إلى خطبته فيقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). إذاً: أولئك الذين عاشوا تربية تراعي هذا الجانب، وتلبي هذه الحاجات، وتنمي لديهم الثقة في النفس، وتنمي لديهم هذه القدرات والمهارات التي يحتاجون إليها، وتحقق عندهم الإشباع النفسي والعاطفي، خرجوا جيلاً قاد البشرية وأثر في البشرية. إذاً: فلا بد أن تتسع الدائرة التي ننظر من خلالها إلى مسئوليتنا التربوية، وألا تقتصر على مجرد الأمر والنهي، أو مجرد أن نعلمه الأحكام الشرعية وننهاه عما لا يسوغ له أن يفعله وإن كان هذا واجباً ومتحتماً ومتعيناً. يقول أحد التربويين الغربيين والحكمة ضالة المؤمن: لا تظنوا أنكم تربون الطفل عندما تتحدثون إليه فحسب أو ترشدونه أو توجهونه، بل إنكم تربونه في كل لحظة من حياتكم حتى وأنتم غير موجودين في البيت، ومما له أهمية: كيف تلبسون ثيابكم، وكيف تتحدثون مع الآخرين وعن الآخرين، وكيف تعاملون الأصدقاء والأعداء، وكيف تسرون وتضحكون.

стр. 1311

ضرورة السعي في زيادة الخبرة التربوية لدى الآباء والأمهات ثالثاً: لا بد من السعي لزيادة الخبرة التربوية من قبل الآباء والأمهات، وهذا يمكن أن يتم من خلال القراءة، وللأسف فإننا نكاد لا نقرأ كآباء وأمهات ما يتعلق بشئون التربية، إن المرأة ربما تقرأ في كتب الطبخ، والرجل يقرأ في قراءات كثيرة تهمه لكنه قلما يقرأ ما يعنيه في تربية أولاده ويعينه على ذلك. أيضاً: استشارة المختصين، والاستفادة منهم، ومجالستهم ومعاشرتهم، فإنهم يمكن أن يختصروا علينا خطوات كثيرة: كذلك استثمار اللقاءات العائلية التي كثيراً ما نلتقي فيها ونجتمع فيها، فعادة يلتقي الآباء بالآباء، والأمهات بالأمهات، لكن هذه اللقاءات كثيراً ما يدار فيها الحديث فارغ المضمون والحديث غير المفيد، ولو اجتزأنا جزءاً من وقت هذه اللقاءات لنتحدث فيه عن هموم أسرنا وعن تربيتنا لاستفدنا كثيراً، وكم ممن هو دونك في العلم يملك خبرات وعلوماً لا تملكها أنت، وما زال الأكابر يستفيدون من الأصاغر.

стр. 1312

الاستفادة من تجارب الآخرين في مجال التربية رابعاً: الاستفادة من تجارب الآخرين، هناك تجارب كثيرة في التربية يمكن أن ترقى بخبراتنا ومهاراتنا، لكن مع الحذر من التعليم الخاطئ، قد تكون هناك تجربة نجح فيها فلان من الناس لا تنجح فيها أنت، وقد تكون تجربة نجحت فيها أنت لا أنجح فيها أنا؛ لأن التجربة لا يمكن أن تفصلها عن شخصية المربي، ولا عن البيئة التي يعيشها، ولا عن الشريحة التي يتعامل معها، وهذا لا يعني أن لا نستفيد منها، لكن يمكن أن نستفيد من كل هذه التجارب مع الحذر من التعميم، فحين نريد أن نعمم ينبغي أن نتأكد من مدى انطباق هذه التجارب على واقعنا. إذاً: القراءة، واستشارة المختصين، واستثمار اللقاءات العائلية، والاستفادة من تجارب الآخرين، كلها مما يمكن أن يزيد من خبرة الأسرة.

стр. 1313

الاعتناء بالاستقرار الأسري خامساً: لا بد من الاعتناء بالاستقرار الأسري، وقد أشرنا قبل قليل إلى أثر الاستقرار الأسري على الانحراف وعلى الاستقامة، وأثره على سلوك الأطفال، وحينما نطالب بالاعتناء بالاستقرار الأسري فنحن نطالب بذلك على مستويين: المستوى الأول: على مستوى المجتمع، فالمجتمع ينبغي أن يسعى إلى تحقيق الاستقرار الأسري من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية، ومن خلال مراعاة ذلك في الأنظمة، فأنظمة العمل التي تحكم علاقات الناس لا ينبغي أن ينظر إليها نظرة مادية بحتة، بل ينبغي أن نتساءل ونحن نضع أنظمتنا، سواء النظام المقنن الذي يصبح قانوناً ونظاماً يلجأ الناس إليه، أو النظام العرفي الذي نتعارف عليه، ينبغي أن نضع في الاعتبار أثر هذه الأنظمة على الاستقرار الأسري، هناك بعض أنظمة العمل تعزل الأب عن أسرته، حيث تتعامل مع الأب على أنه آلة، إذا كان يصح في العالم الغربي أن يعمل الأب لساعات طويلة بعيداً عن أسرته فأظن أننا ينبغي أن نعيد النظر في هذا الأمر، وأرى أنه ينبغي أن نضع حداً أدنى لا نسمح لأحد بتجاوزه لما يقدمه من عمل ولو كان هذا يؤدي إلى مزيد من الإنتاج والثراء بالنسبة له أو بالنسبة للمجتمع، فإن العبرة ليست بالمادة ولا بالمقياس المادي، إن الخلل التربوي يكلف المجتمع مبالغ مالية باهظة حين ينحرف فرد من أفراد المجتمع، فالفرد حين يكون مدمناً يكلف المجتمع في علاجه الصحي، وفي علاجه النفسي والاجتماعي، بل المدمن حين يقع في جريمة يكلف المجتمع تكاليف مادية في سجنه وبعد سجنه، فلو حسبنا التكاليف المادية لرأينا أن التربية حتى بالمنظور المادي تختصر علينا خطوات كثيرة، وأننا لا ينبغي أن نتعامل مع الإنسان على أنه آلة. إذاً: فالمجتمع ينبغي أن يسعى إلى تعميق الاستقرار الأسري من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية، ومن خلال الأنظمة التي يضعها المجتمع، سواء أكانت أنظمة مقننة أو أنظمة عرفية يتعارف عليها المجتمع، ثم من خلال المؤثرات الإعلامية السيئة. ودعوني أضرب على ذلك مثالاً واحداً: المسرحيات التي تراها الأسر اليوم صباح مساء، ما هو أثرها على هدم استقرار الأسرة؟ المسرحية عبارة عن مجموعة ممثلين يقفون على خشبة المسرح، فيعيشون في صورة مثالية، المرأة تبدو أمام زوجها أولاً بمظهر لا تبدو عليه حتى وهي في بيتها في الواقع، والرجل كذلك، طريقة التعامل، الحوار، العلاقات إلى آخرها، ما أثر هذه المشاهد المتكررة على الأسرة؟ ثم المشاهد التي تتحدث عن الخلافات الزوجية والطلاق والمشكلات وكأنها وسيلة لتطبيع التفتت الأسري باعتباره ظاهرة طبيعية غير شاذة، ناهيك عن وسائل الإثارة التي تحدث أثراً غير مباشر، فالرجل الذي يرى صورة فاتنة في وسائل الإعلام ربما يقوده ذلك إلى مواقعة الفساد والبحث عن ما وراء ذلك، وكذلك المرأة، وهذا من أعظم ما يهدم ويؤثر على الأسرة. كذلك المسرحيات والتمثيليات التي تصور أم الزوجة على أنها أكبر عدو للزوج، وعلى أنها أكبر مشكلة تواجهه، وكيف يستطيع الزوج أن يتخلص ويتهرب من حماته، بل ربما ارتكب الجريمة للتخلص منها، وقل مثل ذلك فيما يتعلق بالمرأة، كل هذه تعطي رسالة وترسخ قيماً تؤثر على استقرار الأسرة، فمن مسئولية المجتمع أن يحد من هذه المؤثرات السيئة، وأن يقيم ما يراه من مؤثرات كمجلات المرأة والأسرة اليوم، والفقرات التي تقدمها وسائل الإعلام عبر القنوات الفضائية، وعبر شبكة الإنترنت من هنا وهناك، فكل هذه تهدم بنيان الأسرة وتزلزل استقرارها، والمجتمع مسئول عن الحد من هذه المؤثرات حتى يحمي الأسرة. إذاً: هذا المستوى مستوى محافظة المجتمع على استقرار الأسرة. المستوى الثاني متعلق بالأسرة نفسها، حيث ينبغي أن يشعر الآباء والأمهات أن الاستقرار الأسري لن تعود ثمرته عليهم هم وحدهم وإنما ستعود الثمرة بعد ذلك على الأبناء والبنات، بل وعلى المجتمع كله الذي سيجني ثمرة هؤلاء، ومن ثم لا بد من أن يسعى الزوجان إلى تقوية الاستقرار الأسري، والتضحية والتحمل في سبيل تحقيق مثل هذا الهدف.

стр. 1314

ضرورة توفير الوقت الكافي للأسرة من قبل أفرادها سادساً: لا بد من زيادة الوقت المتاح للأسرة، قلنا: إن الأسرة تملك وقتاً واسعاً وكبيراً تتعامل فيه مع أولادها، لكن اليوم ثمة عوامل كثيرة استغرقت جزءاً كبيراً من وقت الأسرة، ودعوني أضرب على ذلك ثلاثة أمثلة سريعة: التلفزيون: الأسرة تجتمع على طعام العشاء أو في جلسة الشاي أمام شاشة التلفزيون، وهذا يعني أنهم سيجتمعون صامتين ينظرون جميعاً إلى هذه الشاشة، هذا الوقت كان من الممكن أن يشغل بالحديث بين أفراد الأسرة، وهذا الحديث له أثره، فهذا الوقت الذي تعتقد فيه الأسرة أنها قضته مجتمعة في الحقيقة هي لم تقضه مجتمعة إنما قضته أمام ما يسميه بعض التربويين المجمع المفرق، جمعهم أبداناً وفرقهم عقولاً وأرواحاً. السائق: كم يأخذ من وقت الأسرة، اعتاد الأب أن يوصل أطفاله إلى المدرسة، وأن يوصلهم إلى هنا وهناك، ثم جاء السائق فصار يكفيه مئونة ذلك، وهذا ربما يوفر علينا وقتاً ويحل لنا مشكلة، لكن كم هو الوقت الذي يقضيه الولد مع السائق، هذا الوقت كان من الممكن أن يقضيه مع والده، ومثل هذا لا يخفى أثره النفسي والاجتماعي في تقوية الصلة بين الأب وأولاده، وأثره التربوي كذلك ففي الطريق يشاهد الأولاد مواقف وتمر بهم أمور تستحق التعليق، وتستحق التقويم، فماذا نتوقع من هذا السائق أن يغرسه في نفوس الأولاد؟! الخادمة التي تبقى مع الصغار وتأخذ منهم وقتاً طويلاً، بل ربما تقوم بإعداد الطعام لهم، وتقوم بتنظيفهم ومساعدتهم في ارتداء اللباس، وترعاهم في هذه المرحلة الخطيرة المهمة التي يحتاجون فيها إلى العطف، وإلى الحنان، وإلى الإشباع العاطفي الذي حرموه بسبب هذا الوافد الغريب، ولا أريد أن أستطرد في هذا، لكن أقول: هذه الثلاثة نماذج من الوقت الذي سرق من الأسرة وهي مع بعضها، يعني: الوقت الذي يأخذه السائق وتأخذه الخادمة ويأخذه التلفزيون، كان من الممكن أن يكون مع الأسرة جميعاً أو مع الأب أو مع الأم، فما بالك بما سوى ذلك. فهذا يدعونا إلى أن نزيد من الوقت المتاح للأسرة، فعلى الأب أن يعيد النظر في الفترة التي يغيبها عن منزله، سواء من حيث طول الوقت الذي يقضيه خارج المنزل، أو من حيث موقع هذا الوقت الذي يقضيه في المنزل من البرنامج اليومي، فالوقت الذي تقضيه في المنزل وأطفالك نائمين لا قيمة له، بعض الآباء يقضي وقتاً طويلاً في العمل، ثم يأخذ عملاً إضافياً أو ينشغل بارتباطات اجتماعية هنا وهناك فلا يرى أطفاله ولا يرى أسرته إلا نادراً، وقل مثل ذلك أيضاً في الأم، فالأم قد تعمل، وقد تنشغل، وقد ترى أن الخادمة تكفيها المئونة، فتتنازل عن جزء من وقتها للخادمة. أيضاً ينبغي ألا نسمح لأولادنا أن يقضوا معظم وقتهم خارج المنزل، لا بد من أن يكون هناك وقت يلتزم الأولاد بقضائه داخل المنزل مع الأسرة، لا بد إذاً من أن نزيد الوقت المتاح للأسرة، سواء الوقت الذي تكون الأسرة موجودة فيه فعلياً أو الوقت الذي نحسبه نحن على الأسرة وهو ليس محسوباً على الأسرة وقد أخذته العوامل الأخرى كما أشرنا قبل قليل.

стр. 1315

إعطاء الأولوية للأسرة سابعاً: لا بد أن نعتبر الأسرة أولوية في أمور كثيرة، ولابد من أن نعيد تقويم عمل المرأة اليوم في ضوء مهمة الأم، ولا بد من أن نبتعد عن العقدة التي تجعل عمل المرأة مطلباً لذاتها. أظن أن قضية الموقف من عمل المرأة قضية واضحة وقضية لسنا بحاجة إلى تقريرها، لكن حديثنا اليوم عن عمل المرأة هل هو حديث موضوعي يمليه واقع المجتمع فعلاً أم هو حديث وافد من العالم الآخر؟ ألسنا نسمع كثيراً ونقرأ أن المرأة تقول: حصلت على شهادة ثم علقتها على الرف. إذاً: هل العمل غاية في حد ذاته للمرأة، أم أنه حين تكون هناك حاجة لعمل المرأة يصبح عملاً منتجاً؟ ثم لماذا نأتي إلى الخادمة التي تذهب إلى بيت وتعمل بأجر ونعتبرها امرأة عاملة، وتصنف في معيار العمل الذي تتبناه الأمم المتحدة على أنها امرأة عاملة، وأن المرأة التي ترعى أسرتها وتربيها وتقوم بأضعاف هذا الدور لا تعتبر عاملة؛ لأنها لا تتلقى على ذلك أجراً؟ أقول: ينبغي أن نتجاوز الحساسية التي نتعامل فيها مع هذه الأمور، وأن ننظر إلى عمل المرأة نظرة موضوعية، وأن تتساءل المرأة حين تعمل: ما أثر العمل على أسرتها وعلى أطفالها؟ لا اعتراض على عمل المرأة بشرطين: أن يكون له حاجة، وأن يكون في ظل الضوابط الشرعية، ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، فهما ذكرتا أنهما محتاجتان إلى العمل لأن أباهما شيخ كبير، وأنهما التزمتا بالحشمة فلا تسقيان حتى يصدر الرعاء، فإذا تحقق هذان الشرطان لا اعتراض على العمل، لكن أيضاً ينبغي حينما تقوِّم المرأة رغبتها في العمل أن تنظر إلى هذا الأمر وهذا الاعتبار: ما أثر العمل على تربيتي لأطفالي وأسرتي؟ وينبغي أن تكون الأسرة أولوية، أن تكون أولوية في عندنا في اختيار السكن، وأن تكون أولوية في اختيار طبيعة العمل الذي يتجه إليه الأب، وهناك ارتباطات وقضايا أخرى كثيرة، المهم أن تكون الأسرة أولوية وليس كما هو الواقع اليوم أنها تأتي في آخر اهتماماتنا.

стр. 1316

الاعتناء بالمشكلات الاجتماعية التي تواجه الأسرة ثامناً: لا بد من الاعتناء بالمشكلات الاجتماعية من خلال: أولاً: أن نحتوي المشكلات الاجتماعية قبل أن تقع ونقلل من أثرها. ثانياً: تهيئة البديل، فحين يوجد شباب أو فتيات يعانون من مشكلات اجتماعية يجب أن توجد لهم المدرسة بديلاً، وأن يوجد لهم الدعاة والمربون بديلاً يخفف على الأقل من أثر المشكلات الاجتماعية، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك قبل قليل.

стр. 1317

أخذ الجانب التربوي بعين الاعتبار عند تعدد الزوجات تاسعاً: لا بد من اعتبار الجانب التربوي عند التعدد، وتعدد الزوجات أمر مشروع لا نقاش فيه، لكن ينبغي للرجل حين يفكر في أن يعدد أن ينظر إلى أثر ذلك على التربية، وأن تتحقق فيه الشروط التالية: أولاً: لا بد من أن يعتبر ضمن القدرة على التعدد، فالذي لا يستطيع أن يربي أولاده يعتبر غير قادر على التعدد، وهذا أمر شرعي لا بد أن يضعه في الاعتبار، حين لا يستطيع أن يرعى أولاده ويربيهم ينبغي له أن يتوقف عن مثل هذا المشروع. ثانياً: لا بد أن يحسن التعامل مع التعدد، نحن أحياناً نمارس التعدد بطريقة خاطئة، فنحسن التعامل معه بما يتناسب مع التربية، من خلال مراعاة أول شرط وهو شرط العدل؛ لأنه حين يخل الزوج المعدد بالعدل فسيترك أثره ذلك على أولاده. ثالثاً: الوقت الذي يصرفه لأولاده، سواء الأولاد جميعاً أو هنا أو هناك. رابعاً: الزوج المعدد يختار السكن الذي يتناسب مع زوجته الأخرى فهذا مطلب ربما يكون منطقياً بالنسبة للزوجة، لكن بالنسبة لإشرافه هو على أولاده ورعايتهم ربما يكون مناسباً. خامساً: دور الزوجة وحكمتها، فالزوجة حين تبتلى بزوج معدد ينبغي لها أن تكون حكيمة في التعامل مع هذا الواقع، ألا تكوِّن عند أولادها نظرة سلبية تجاه والدهم، ألا تؤثر هذه النظرة، أن تجعل مشكلتها مع زوجها ومشكلتها مع هذه الضرة الوافدة قضية تخصها، فلا تظلم أولادها ولا تؤثر عليهم من خلال نقلهم إلى مثل هذا الواقع. أعرف أن هذه النقاط الثمان التي ذكرت غير كافية في الإجابة على هذا السؤال (كيف نرتقي بالأسرة لتؤدي هذه الرسالة؟) لكن هذا قدر ما يسمح به هذا الوقت، ولعلنا أن نكون من خلال هذا الحديث قد أجبنا على هذين السؤالين: لماذا الأسرة اليوم مدعوة إلى أن تسعى لتعزيز الرسالة التربوية؟ ثم كيف تحقق ذلك؟ وما ذكرناه لا يعدو أن يكون أمثلة ونماذج. أسأل الله أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً، وأن يصلح ذرياتنا وأزواجنا إنه سميع مجيب، وأترك ما تبقى من وقت للإجابة على بعض الأسئلة.

стр. 1318

الأسئلة

стр. 1319

بعض الكتب المختصة بتربية الأبناء السؤال حبذا لو ذكرتم لنا بعض الكتب التربوية المتخصصة في الجانب الأسري، وكذلك المحتوية على بعض الحلول العملية لمشاكل الأطفال؟ الجواب كتب التربية الأسرية كثيرة ومتنوعة في كافة المجالات، فهناك كتب تعتني بالأطفال، وهناك كتب تعتني بالمراهقين، وهناك كتب تعتني بتربية الفتاة، وهناك كتب تعتني بتربية الشاب والابن، فربما لا نستطيع في هذه العجالة أن نذكر نماذج لمثل هذه الكتب، وأظن أنك حينما تزور أي مكتبة فإنك ستجد العديد من هذه الكتب المناسبة. بعض الكتب التي تصف الحلول العملية لمشاكل الأطفال هناك كتب كثيرة ركزت على مشاكل الأطفال، أولاً: الكتب التي اهتمت بتربية الأطفال جزء منها يتناول هذا الجانب، وهناك بعض الكتب منها سلسلة حول المشكلات السلوكية للأطفال، عن الكذب والسرقة والجنوح. والتلفزيون، وغير غيرها من المشكلات التي يمكن أن يواجهها الأطفال فهي سلسلة جيدة وموجهة يمكن أن تفيدنا في مثل هذا الأمر.

стр. 1320

كيفية التعامل مع الولد الناشئ بين بنات والعكس السؤال ما هي الوسائل التربوية المناسبة للتعامل مع الولد الذي ينشأ بين أخواته البنات؟ الجواب هذه القضية لا نستطيع أن نتحكم فيها، ولا شك أنه إذا كان عدد الأطفال أقل سيتيح فرصة تربوية أكثر، لكن هذا لا نتحكم فيه بل النبي ﷺ أمر بكثرة النسل، وقال: (إني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، كذلك تربية الابن بين جماعة من البنات والعكس، فالابن حينما ينشأ وحيداً؛ ليس له إخوة يتأثر بجو البنات أو العكس، والحل لذلك أنه يمكن أن نوجد له علاقات مع بعض أقاربه من أبناء عمه أو أبناء خاله فيقضي معهم وقتاً أكثر حتى ينمو بطريقة اجتماعية صحيحة كونه يعيش بين البنات وحده فيتأثر والعكس كذلك بالنسبة للبنت.

стр. 1321

أثر الزواج المتأخر في تربية الأولاد السؤال هل لكبر سن الأب أو الأم أو الزواج المتأخر أثر في تربية النشء؟ الجواب نعم له أثر من حيث الحمل نفسه، وله أثر من حيث نضج الشخص، ولا شك يعني حين يأتيه الأطفال على كبر سن يختلف حين يأتيه الأطفال وهو في سن الشباب، ولهذا نجد مثلاً أحياناً بعض كبار السن الذي يأتيه آخر الأطفال وهو كبير السن لا يتعامل معه تعاملاً متزناً، فيعطيه قدراً من الاهتمام أكثر من غيره وهذا يترك أثراً سيئاً بالنسبة له.

стр. 1322

كيفية التعامل مع الطفل الذي يصدر عنه سلوكيات خاطئة السؤال يقوم الطفل أحياناً بسلوكيات خاطئة فكيف يغير هذا السلوك، مع العلم أني أمنعه من أشياء لمدة يوم أو يومين ثم ما ألبث أن أتراجع عن ذلك؟ الجواب أولاً: هناك قدر من سلوك الأطفال يجب أن نعده في إطار الطبيعي، فلا ننتظر منهم أن يكونوا نموذجاً مثالياً، هذه طبيعتهم، فينبغي أن نتقبل قدراً مما نرفضه، ثم أيضاً إتاحة البديل، ووضع الفرص، والاستفادة من اللعب وتوجيهه تربوياً يمكن أن يقلل كثيراً من مثل هذه المواقف التي تستدعينا إلى أن نغضب على أطفالنا.

стр. 1323

الفرق بين الانترنت والبث المباشر من حيث الأثر في تربية الأولاد السؤال ما هو الفرق بين الإنترنت والبث المباشر وأثرهما في تربية النشء؟ الجواب هناك جوانب لصالح الإنترنت والعكس، البث المباشر غالباً التحكم فيه محدود، يعني: الشخص أمام الشاشة لا يمكنه إلا أن يغير القنوات فقط، وغالباً يركز على الإثارة والإغراء أكثر من المادة الثقافية وهو اتصال من طرف واحد، أما الإنترنت فمجال الاختيار فيها واسع، ما بين سيئ وما بين صالح، فسيئها أسوأ مما في القنوات، وصالحها ربما لا يوجد في غيرها، كما أن فيها تفاعل، فهي من جهة فيها فرص أفضل وفيها مخاطر أكثر.

стр. 1324

دعوة المجتمع إلى رعاية الأسرة لا يعني أنها ليست جزءاً من مكوناته السؤال أنت حملت المجتمع مسئولية الأسرة، أليست الأسرة هي أساس المجتمع، فلماذا لا تكون الأسرة مسئولة عن المجتمع بالقدر نفسه؟ الجواب ليس هذا خروجاً عن هذا التوجيه، وأظن أن كل حديثنا هو جزء من محاولة أن نقوم بجزء من مسئولية الرعاية للأسرة، لكن لا ننظر إلى المجتمع على أنه مجموعة أسر فقط، إنما هو مجموعة أسر، ثم هناك قيم اجتماعية، وروابط اجتماعية، وهناك عوامل أخرى ليس فقط هو مجرد مجموعة أفراد، فالمجتمع عدة أفراد، لكن الأفراد كلهم أيضاً لا يشكلون المجتمع بل أضف إلى ذلك طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأثرها، فهي تولد علاقات أخرى، وتولد طريقة تفكير، وتولد عوامل أخرى لها أثر، ثم إن المجتمع في علاقاته وصفاته يختلف عن الأسرة بهمومها التي غالباً تتمحور حول ذاتها.

стр. 1325

اجلس بنا نؤمن ساعة تعد التربية الإيمانية اليوم ضرورة ملحة؛ لجريان سيل بلاء هذا العصر المتحضر بجملة من المشكلات العظيمة التي لن يجد لها الناس حلاً في غير التربية الإيمانية، كما أن هناك جملة من الأسباب الأخرى تدعو إلى التربية الإيمانية لتحقيق الكمال البشري المنشود.

стр. 1326

أهمية التربية الإيمانية للنفوس الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فعنوان حديثنا: (اجلس بنا نؤمن ساعة). وهي مقولة لـ معاذ ﵁، كان يقولها لأصحابه، أو هي حديث عن التربية الإيمانية وحاجتنا إليها، وقد يشعر بعض الناس بادئ ذي بدء حينما يسمعون الحديث عن التربية بأن هذا الحديث يخص فئة من الناس هم أولئك المربون، سوء كانوا آباءً أو أساتذة أم كانوا مربين للجيل والناس الذين يستمعون لكلمتهم ويقتدون بأعمالهم. فالبعض حين يسمع الحديث حول هذا الموضوع يسقطه من ذهنه، ولسان حاله يقول: هذا ليس خطاباً لك. وهذا التصرف يعتمد على فهم قاصر للتربية؛ وهو أن التربية ما يتلقاه الإنسان ممن يربيه أياً كان هذا المربي، وهذا أمر -لاشك- له أهميته ودوره، والشرع قد اعتنى به، لكن هناك جانب مهم لا يقل أهمية عن هذا، ألا وهو أن الإنسان مسئول عن تربية نفسه، فعليه أن يسعى لتربية نفسه وتزكيتها وتهذيبها، والله ﵎ قرر في كتابه في غير ما آية المسئولية الفردية للإنسان، فقال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨ - ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. فهذه النصوص وغيرها تقرر المسئولية الفردية، وهي أن كل إنسان مسئول عن خاصة نفسه، في عمله وسلوكه وحياته، ثم هو -نتيجة هذه المسئولية- سيحاسب وحده وسيلقى الله وحده. فهذا مدخل بين يدي هذا الموضوع حتى لا نتصور أن الموضوع لا يعنينا بدرجة مهمة، أو أن الموضوع إنما يخص المربين. نعم، وإن كان المربون لهم نصيب من هذا الحديث ومن هذا الخطاب، إلا أننا كلنا -أيضاً- نحتاج لمثل هذا الخطاب وهذا الحديث؛ لأننا يجب علينا أن نقوم بتربية أنفسنا، وندرك مسئوليتنا تجاه أنفسنا، وينبغي أن يراجع كل منا نفسه، ويشعر بأنه إن رزقه الله بمن يحسن تربيته وتوجيهه، فصار قدوة له، لا يعفيه ذلك من المسئولية عن نفسه، بأن يجتهد في تربية نفسه وإصلاحها، وأن يتعرف على الأسباب والوسائل التي تعينه على التربية السليمة لنفسه.

стр. 1327

تعدد جوانب التربية والتربية لها جوانب عدة، والتربية إنما تسعى لاكتمال شخصية الإنسان، وأن تكون الشخصية هي الشخصية المسلمة التي تمتثل بأمر الله ، وتنتهي عما نهى الله ﵎ عنه. ولا شك أن النفس لها جوانب متعددة، ومن هنا كانت التربية -أيضاً- لها جوانب متعددة؛ باعتبار أنها تسعى إلى تكميل النفس، وتسعى إلى الرقي بها؛ لذلك صارت لها جوانب عدة، فالإنسان -مثلاً- يحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان التعلم وطلب العلم وتحصيل العلم، ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان الخلق والسلوك والتعامل مع الناس، ويحتاج إلى أن يربي نفسه في ميدان العمل والبذل والعطاء، وفي ميادين كثيرة، ومن أهم هذه الجوانب وآكدها التربية الإيمانية، تربية الإيمان في النفس.

стр. 1328

سبب استعمال مصطلح (التربية الإيمانية) وآثرنا استخدام هذا المصطلح؛ لأنه هو المصطلح الذي يربط الناس بالألفاظ الشرعية، بالإيمان الذي دلت عليه النصوص المتظافرة المتواترة، فحين تقرأ في كتاب الله أو سنة النبي ﷺ كم تصادفك كلمة الإيمان! حيث تجد وصف الناس بالإيمان أو وصفهم بارتفاع الإيمان عنهم، أو الدعوة للإيمان، أو بيان أثر الإيمان ونتيجته وقيمته، لا يكاد يخطئك ذلك في أي آية من كتاب الله تقرؤها، أو سنة النبي ﷺ ، بل كل ذلك إنما مداره على الإيمان؛ لأن الأمر الذي يؤمر به المرء أو الذي ينهى عنه من حكم، أو خلق، أو سلوك، والوعد والوعيد، والإخبار عن الهالكين والناجين، كل ذلك مرتبط بدائرة الإيمان، فحين يؤمر المرء بأمر فإنه يؤمر بمقتضى الإيمان ونتيجته، وحين ينهى عن أمر فانه ينهى عن ذلك بمقتضى إيمانه، وحين يأتي إخبار الله عما أعد للصالحين الصادقين، فإن هذا إخبار عن جزاء أهل الإيمان ونتيجة الإيمان، وحين يخبر ﵎ عن عذاب المعرضين الغافلين، فهو إخبار عن عذاب أولئك الذين تنكبوا طريق الإيمان وضلوا عنه، وقصص الأولين والآخرين هي -أيضاً- قصص أولئك الذين أعرضوا عن الإيمان أو استجابوا للإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨]، فما قصه الله إنما هو خير قرية آمنت فجازاها الله بجزاء الدنيا والآخرة، أو قرية أعرضت عن الإيمان فعاقبها الله وأخذها نكال الدنيا ونكال الآخرة. أقول: آثرنا أن نستعمل هذا المصطلح، وأن نتحدث حول هذا اللفظ؛ لأنه المصطلح الذي جاء الشرع به، ودل الشرع عليه في نصوص القرآن والسنة وتواترت نصوص السلف في الحديث حول هذا الأمر كما سيأتي. وقد يستعمل بعض الناس مصطلحات أخرى كالتربية الروحية أو غيرها، وهي مصطلحات بعضها إما موروث من أهل التصوف، وإما موروث من النصارى، وإما لفظ مستحدث، وكلما اقتربنا والتزمنا بالألفاظ الشرعية كان ذلك أولى.

стр. 1329

أسباب الحاجة إلى التربية الإيمانية

стр. 1330

كون الإيمان أفضل الأعمال لماذا -معشر الإخوة- نحن نحتاج إلى التربية الإيمانية؟ ويكاد يكون حديثنا إجابة على هذا السؤال، فما سيأتي من حديثنا كله إجابة على هذا السؤال. أولاً: نحتاج نحن إلى التربية الإيمانية؛ لأن الإيمان هو أفضل الأعمال، وهو القضية الأساسية للمسلم في هذه الحياة، فالمسلم إنما يدعى للإيمان، ويسعى إلى تحقيق الإيمان، والإيمان هو أفضل الأعمال كما أخبر ﷺ في غير ما حديث، فحين سئل ﷺ : (أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فجعل ﷺ الإيمان بالله هو أفضل الأعمال، وفي حديث أبي ذر في الصحيحين أنه حين سئل قال: (إيمان بالله . ولو استعرضت ما أجاب به ﷺ أولئك الذين سألوه عن أفضل الأعمال لوجدت أن هذه الإجابات مع اختلافها، وتنوعها بحسب تنوع حال السائل، كلها مدارها على الإيمان، فيجعل ﷺ أفضل هذه الأعمال الإيمان بالله ، وحين جاء وفد عبد القيس إلى النبي ﷺ قالوا: (يا رسول الله! لقد حال بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نأمر به من وراءنا. قال ﷺ : آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان؟) ثم ذكر ﷺ شيئاً من شرائع الإيمان. والمقصود أن النبي ﷺ حين سأله هذا الوفد أن يأمرهم بأمر فصل، وحين سأله هؤلاء أن يبين لهم أمراً يستغنون به، ويعلمون به من وراءهم؛ إذ هم لا يستطيعون أن يصلوا إليه إلا في الشهر الحرام؛ أمرهم ﷺ بالإيمان بالله وحده.

стр. 1331

حصول النجاة بالإيمان يوم القيامة الأمر الثاني: أن الإيمان هو مناط النجاة يوم القيامة، فنجاة المرء يوم القيامة إنما هي بإيمانه، فلن ينجو إلا المؤمنون، ومن أعرض عن الإيمان وتنكب الطريق واختار الكفر بالله ؛ فلن يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فالنبي ﷺ يقول: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، ويقول: (والذي نفسي بيده! لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة). فأساس النجاة يوم القيامة ومناط النجاة إنما هو مرتبط بهذا الإيمان بالله ، فمن حقق الإيمان استحق النجاة يوم القيامة، ومن كفر بالله وأعرض عنه فإنه مستحق للهلاك والبوار، وعقوبة الدنيا التي يعاقب الله بها المعرضين إنما مردها الإعراض عن الإيمان بالله ﵎، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].

стр. 1332

دوران التفاضل يوم القيامة على أساس الإيمان الأمر الثالث: أن الناس يتفاوتون يوم القيامة على أساس الإيمان بالله ، على أساس إيمانهم وصلتهم بالله ﵎، فهم -أولاً- يتفاوتون في المرور على الصراط كما تعرفون في النصوص التي وردت عنه ﷺ ، حيث أخبر ﷺ أنهم يؤتون نوراً على قدر إيمانهم، بل في كتاب الله يقول ﵎: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]. إذاً: هذه الآية أخبر الله فيها أنهم يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهذا النور إنما يؤتونه على أساس الإيمان، ويتفاوت هذا النور، فمنهم من نوره مد البصر، ومنهم من نوره دون ذلك، ومنهم من نوره بين قدميه، ومنهم من ينطفئ تارة ويضيء تارة. إذاً: فالعبور على أساس الصراط إنما يتفاوت على حسب الإيمان، فهم -أولاً- يؤتون نوراً على هذا الصراط المظلم على أساس إيمانهم، فعلى قدر إيمان المرء يعطى النور على الصراط، وهي قضية متلازمة، فالله أمر عباده في الدنيا أن يسيروا على صراطه المستقيم فقال ﵎ آمراً إياهم بسؤاله الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فأمر الله الناس أن يسيروا على الصراط المستقيم في الدنيا، والمرء لا يستطيع أن يبصر الصراط إلا بالنور، فيبصر صراطاً مستقيماً في الدنيا بنور الإيمان، فكلما قوي إيمان المرء في الدنيا أعطاه الله بصيرة يبصر بها الصراط أمامه حتى لا يضل ولا يزيغ، فيصبح يرى الطريق أمامه واضحاً جلياً، وإنما يلبس على المرء ويضل بسبب إعراضه كما قال ﵎: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام:١١٠ - ١١١] إلى آخر الآيات. فيخبر ﵎ أن هؤلاء -كما أنهم أعرضوا أول مرة- قلب الله أفئدتهم وأبصارهم، فصار الإيمان مستحيلاً لديهم، ولو أنزل الله الملائكة، ولو كلمهم الموتى، والمقصود هنا: أن السبب في إضلالهم هو أنهم لم يؤمنوا أول مرة. وأيضاً في آية أخرى يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، وهذه الآية ذكرت في سورة الحديد، وفي السورة نفسها ذكر الحديث عن بعض ما يكون على الصراط، فأخبر الله أن المؤمنين إذا اتقوا وآمنوا أعطاهم نوراً يمشون به في الدنيا، فالإنسان يسير على صراط الدنيا يحتاج إلى أن يتضح له الطريق، فيحتاج إلى النور الذي يضيء له الطريق، وهو الإيمان الذي ينير له الطريق، فيجعل الله له في هذا الإيمان نوراً يبصر به، ويرى به الحق، ويوم القيامة يعطى نوراً على الصراط في الدار الآخرة كما أعطي هذا النور، فعلى قدر الإيمان على هذا الصراط، ووضوح الأمر لديه يؤتى نوراً يوم القيامة، وعلى قدر ثباته على صراط الدنيا يكون ثباته على الصراط يوم القيامة. فهم -إذاً- يتفاوتون على الصراط على أساس النور الذي يعطون إياه، وهم يتفاوتون في سرعة مرورهم على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح وهكذا، وكل هذا مداره على أساس الإيمان. قلنا: إنهم يتفاوتون في المرور على الصراط على أساس الإيمان، ويتفاضل -أيضاً- أهل الجنة فيما بينهم وإن دخلوا الجنة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة، كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم)، فهو ينظر إلى منازل من سبقه كما ينظر الإنسان إلى الكوكب من شدة التفاوت بينهم في هذه المنازل. (قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين). هذا الحديث في الصحيحين يخبر فيه الرسول ﷺ أن الناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في الجنة في الدرجات، وأن أولئك الذين رزقهم الله هذه المنازل التي يتراءاها الناس كما يتراءون الغرف، أنهم هم أولئك الذين آمنوا بالآخرة وصدقوا المرسلين. إذاً: فعلى قدر إيمان المؤمنين تتفاوت منازلهم في الجنة، حتى لو دخلوا الجنة، فهم يتفاوتون في الجنة على أساس الإيمان. كما أن العصاة من الموحدين -كما تعلمون- يبقون في النار ثم يخرجون منها، فيقول الله : (

стр. 1333

زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله بذلك رابعاً: من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه، والأدلة على ذلك مشهورة، يقول الإمام البخاري في صحيحه: [كتاب الإيمان. باب: قول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس). وهو قول وفعل يزيد وينقص؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقوله جل ذكره: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]]. ونقل القول بذلك أبو القاسم اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وعن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وأيضاً قال ﵀: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار كلهم على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وينبني على مسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة أخرى، وهي تفاضل أهل الإيمان فيه، فإذا كان يزيد وينقص فهذا يعني أن أهله يتفاضلون فيه، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب عليه قميص يجره. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين). وبوب على هذا الحديث الحافظ ابن مندة في كتابه الإيمان (باب: ذكر ما دل على أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان وفضل عمر بن الخطاب ﵁. وقال: هذا الحديث مجمع على صحته. فالمقصود إذاً أن هذه الأمور مقرة عند أهل السنة، أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله يتفاضلون فيه، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يحرص على زيادة إيمانه قدر الإمكان، ويحرص -إذا علم أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه- على أن يسعى إلى أن يصعد إلى المراتب العالية بهذا الإيمان، وفي المقابل أيضاً يحمي إيمانه من أن يصيبه النقص أو الضعف.

стр. 1334

دعوة الشرع إلى تجديد الإيمان وتعاهده خامساً: الدعوة في الشرع إلى تجديد الإيمان وتعاهده. روى الحاكم والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب؛ فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم). وروى ابن أبي شيبة في الإيمان، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (القلوب أربعه: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلق فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلبه)، هذا روي عن حذيفة ﵁ موقوفاً عليه، وقد رواه بعضهم مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والموقوف أصح. وروى ابن أبي شيبة في الإيمان عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيماناً. وروى -أيضاً- ابن أبي شيبة في الإيمان، والإمام أحمد وأبو عبيدة في الإيمان، والبخاري تعليقاً، وصحح ذلك الحافظ ابن حجر عن معاذ ﵁ أنه قال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة. يعني: نذكر الله تعالى. وروي عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه. وعلى كل حال فالنصوص كثيرة في الدعوة إلى تجديد الإيمان وتعهده في النفوس، وقد صنف السلف في ذلك كتباً خاصة في الإيمان، والمقصود أن ما خاطب به النبي ﷺ أمته، وأمرهم به من أن يجددوا الإيمان في قلوبهم ويزدادوا إيماناً، وما ورد عن سلف الأمة، يدعونا إلى أن نسعى إلى تعاهد الإيمان في نفوسنا، وإلى تربية الإيمان في نفوسنا، وإلى السعي إلى زيادته في أنفسنا، وأيضاً يدفع ويدعو من يتولى التربية إلى أن يجعل هذه القضية من أهم القضايا، ومن الأولويات الذي يتربى عليها الجيل ويتربى عليها الناس، ولعلنا نتساءل، ونحن قد سمعنا هذه النصوص عن أصحاب النبي ﷺ ، حيث كان أحدهم يقول لصاحبه: اجلس بنا نؤمن ساعة، أو يقول: امشوا بنا نزدد إيماناً، فنتساءل: كم هي المجالس التي نجلسها مع إخواننا؟! أي: المجالس الخاصة، دع عنك الدروس والمواعظ وغيرها، إننا نجلس ساعات طوال في المجالس، أو ربما نسير في السيارة، أو نجلس هنا وهناك، فكم يستغرق حديثنا عن هذه القضايا من وقت؟! وهل حين نجلس مثل هذه المجالس يذكر بعضنا بعضاً بقضايا الإيمان والخوف من الله ، ونسعى إلى أن تكون هذه المجالس تزيدنا إيماناً؟! وبعبارة أخرى أن أحدنا كثيراً ما يلقى أخاه في الله، فهل هو يشعر أنه حين يلقاه ويتحدثان يزدادان إيماناً، ويشعر أن هذا اللقاء يزيده إيماناً وصلة بالله ؟! أو أنه يلقاه كما يلقى غيره، بل ربما كانت بعض المجالس مدعاة لقسوة القلب والبعد عن الله ﵎. وليس بالضرورة -أيها الإخوة- أن يكون الحديث في قضايا الإيمان والخوف من الله ، والمجالس التي تزيد الإيمان، ليس بالضرورة أن يكون موعظة مثل التي يلقيها الإنسان بعد الصلاة، أو في مجلس علم يحضره، أو في حديث رسمي كما يقال، ليس بالضرورة هذا ولا ذاك. يا أخي! أنت تتحدث مع أخيك في المجلس أو في السيارة أو حتى في الهاتف أو هنا وهناك، فما الذي يمنع من وصيته أو تذكيره بالله فيزداد بعضنا إيماناً بالله؟! إذا كان أصحاب النبي ﷺ إذا جلسوا تواصوا ليزدادوا إيماناً، وهم من هم في الإيمان والصلاح والتقوى؛ فغيرهم من باب أولى.

стр. 1335

إعانة الإيمان صاحبه على الثبات في مواجهة الشهوات الأمر السادس: أن الإيمان هو الزاد الذي يعين المرء على الثبات في مواجهة الشهوات، فالرسول ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ويذكر منهم ﷺ رجلاً دعته امرأة إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله ، فمنعه من مواقعة ما حرم الله ﵎ خوفه من الله ، وإيمانه بالله ﵎، والله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]. وأخبر ﵎ أن الشهوات قد زينت للناس، وهذا الكلام في عصر النبوة، فما بالكم بهذا العصر الذي نعيشه، وقد فتحت فيه الأبواب على مصاريعها، وصارت الشهوات تلاحق الشاب، وتلاحق الفتاة، وتلاحق الصغير والكبير في السوق، والشارع، بل حتى في المنزل، وصار الناس يشتكون من جحيم هذه الشهوات وآثارها، وكيف أنها تصرف الكثير عن طاعة الله ، وربما كانت سبباً في الانحراف وسبباً في الضلال والغواية عافانا الله وإياكم من ذلك؟! ولو تأملت حال الكثير ممن ضلوا وتنكبوا الطريق، لوجدت أن الكثير من هؤلاء إنما أتي من هذا الباب. ويتساءل كثير من الناس ما العلاج وما الحل أمام هذا السيل الجارف من الشهوات الذي صار قضية لا يكاد الإنسان يستطيع أن يمنع أبناءه منها، ولا يستطيع الناس في المجتمع أن يمنعوا الناس من مقارفتها ولا من رؤيتها، وصارت مشاهدها تلاحق الناس في كل مكان، مما يشاهده الناس على الشاشة أو في المجلات أو في الصحف، حتى إذا عوفي الإنسان من هذا كله وعافاه الله ، فإنه قد لا يعدم أن يحدثه زميله مثلاً في الفصل عن شيء من ذلك أو يدله عليه. المهم أن هذه الشهوات أصبحت مشكلة الجميع، وأصبحت مشكلة الشاب نفسه الذي يخاف على نفسه، والذي يحمل بقلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، فلا شك أنه يخشى على نفسه من هذه الشهوات وآثارها، وأصبحت مشكلة الأب الذي يخاف على أبنائه، ومشكلة الأم التي تخاف على أولادها، ومشكلة الأستاذ والمربي الذي يخاف على هذا النشء الذي تعاهده بالتربية والإصلاح، يخاف أن تجترفه هذه السيول، فتفسد في لحظات ما بناه هو في دهور وسنوات. لقد صارت مشكله فعلاً يعاني منها المسلمون ويتساءلون: ما الحل؟ الحل -يا إخوة- هو في الإيمان، في تربية الإيمان في النفوس، الإيمان الذي يجعل الشاب ويجعل الفتاة ويجعل الإنسان يعرض أصلاً عن أبواب هذه الشهوات وطرقها، الذي يجعله بغض بصره ابتداءً، الذي يجعل في ذهنه قضية تشغله أكبر من قضية الشهوة، فبدلاً من أن يفكر في الشهوة وبدلاً من أن تسيطر عليه، صار يسيطر عليه هم أكبر من هذا كله، صار مشغولاً بالله والدار الآخرة، صار مشغولاً بزيادة الإيمان وتقوى الله ، صار مشغولاً بعيوب نفسه ومعاصيها وكيف يصلح نفسه، صار همه الشوق إلى لقاء الله ، والأنس بذكر الله ﵎، وتلاوته الكتاب وعبادته ربه ﵎، فصار لسان حاله يقول للناس، وهو يراهم صرعى الشهوات: يا قوم! أنتم في واد وأنا في واد، لكم هم ولي هم آخر. فحين يقوى الإيمان في النفس يصبح هذا حال الشهوة، وهذا لسان حاله، فيكون هذا بإذن الله عاصماً له وحامياً له، حتى لو أتته الشهوات تسعى إليه فإنه يعرض عنها، ويصبح -كما قال ﷺ يقول: (إني أخاف الله ، وكما قال يوسف ﵇: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]. ولاشك -يا إخوة- في أن الوقت والمرحلة التي نعيشها الآن التي فتن الناس فيها بالشهوات مدعاة إلى أن نراجع برامجنا التربوية، أن يراجع المربون ما يربون عليه الناس، وما تتربى عليه الأمة، فالآن الملايين من المسلمين يرون أبواب الشهوات مفتوحة أمامهم، ويرون أبواب الفتن والضلال بكل ألوانها مشرعة أمامهم، فماذا يتلقون؟! ماذا يتلقى الطلاب في مدارسهم؟! وماذا تتلقى الطالبات في مدارسهن؟! هل يتلقون ويتعلمون ما يربي الإيمان في النفوس، وما يقوي الإيمان ويصل الإيمان بالله ؟! ماذا يسمع هؤلاء في وسائل الإعلام؟! وماذا يقرءون في الصحف التي يقرءونها صباحاً ومساء؟! ووسائل التوجيه التي تخاطب الناس والتي تحدث الملايين، ما مدى عنايتها بتربية الإيمان في النفوس، وغرس الإيمان في النفوس؟! إذا كانت الأمة جادة في التربية، وإذا كانت الأمة جادة في الإصلاح، وإذا كانت قضية الدين والعقيدة الإسلامية قضية تعني الأمة بجد، فيجب أن توجه وسائل التربية والتوجيه في الأمة إلى غرس الإيمان في القلوب، فتتعاهد الأمة بتربية الإيمان، وتوجه وسائل التربية والتوجيه كلها في المجتمع لتحقيق هذه القضية، وماذا تريد الأمة من إنسان متعلم ومثقف لكن قلبه خال من الإيمان بالله وتقواه؟! وماذا تريد
следующие страницы →