Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
حصول النجاة بالإيمان يوم القيامة
الأمر الثاني: أن الإيمان هو مناط النجاة يوم القيامة، فنجاة المرء يوم القيامة إنما هي بإيمانه، فلن ينجو إلا المؤمنون، ومن أعرض عن الإيمان وتنكب الطريق واختار الكفر بالله ؛ فلن يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فالنبي ﷺ يقول: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، ويقول: (والذي نفسي بيده! لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة).
فأساس النجاة يوم القيامة ومناط النجاة إنما هو مرتبط بهذا الإيمان بالله ، فمن حقق الإيمان استحق النجاة يوم القيامة، ومن كفر بالله وأعرض عنه فإنه مستحق للهلاك والبوار، وعقوبة الدنيا التي يعاقب الله بها المعرضين إنما مردها الإعراض عن الإيمان بالله ﵎، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
стр. 1332
دوران التفاضل يوم القيامة على أساس الإيمان
الأمر الثالث: أن الناس يتفاوتون يوم القيامة على أساس الإيمان بالله ، على أساس إيمانهم وصلتهم بالله ﵎، فهم -أولاً- يتفاوتون في المرور على الصراط كما تعرفون في النصوص التي وردت عنه ﷺ ، حيث أخبر ﷺ أنهم يؤتون نوراً على قدر إيمانهم، بل في كتاب الله يقول ﵎: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢].
إذاً: هذه الآية أخبر الله فيها أنهم يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهذا النور إنما يؤتونه على أساس الإيمان، ويتفاوت هذا النور، فمنهم من نوره مد البصر، ومنهم من نوره دون ذلك، ومنهم من نوره بين قدميه، ومنهم من ينطفئ تارة ويضيء تارة.
إذاً: فالعبور على أساس الصراط إنما يتفاوت على حسب الإيمان، فهم -أولاً- يؤتون نوراً على هذا الصراط المظلم على أساس إيمانهم، فعلى قدر إيمان المرء يعطى النور على الصراط، وهي قضية متلازمة، فالله أمر عباده في الدنيا أن يسيروا على صراطه المستقيم فقال ﵎ آمراً إياهم بسؤاله الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فأمر الله الناس أن يسيروا على الصراط المستقيم في الدنيا، والمرء لا يستطيع أن يبصر الصراط إلا بالنور، فيبصر صراطاً مستقيماً في الدنيا بنور الإيمان، فكلما قوي إيمان المرء في الدنيا أعطاه الله بصيرة يبصر بها الصراط أمامه حتى لا يضل ولا يزيغ، فيصبح يرى الطريق أمامه واضحاً جلياً، وإنما يلبس على المرء ويضل بسبب إعراضه كما قال ﵎: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام:١١٠ - ١١١] إلى آخر الآيات.
فيخبر ﵎ أن هؤلاء -كما أنهم أعرضوا أول مرة- قلب الله أفئدتهم وأبصارهم، فصار الإيمان مستحيلاً لديهم، ولو أنزل الله الملائكة، ولو كلمهم الموتى، والمقصود هنا: أن السبب في إضلالهم هو أنهم لم يؤمنوا أول مرة.
وأيضاً في آية أخرى يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، وهذه الآية ذكرت في سورة الحديد، وفي السورة نفسها ذكر الحديث عن بعض ما يكون على الصراط، فأخبر الله أن المؤمنين إذا اتقوا وآمنوا أعطاهم نوراً يمشون به في الدنيا، فالإنسان يسير على صراط الدنيا يحتاج إلى أن يتضح له الطريق، فيحتاج إلى النور الذي يضيء له الطريق، وهو الإيمان الذي ينير له الطريق، فيجعل الله له في هذا الإيمان نوراً يبصر به، ويرى به الحق، ويوم القيامة يعطى نوراً على الصراط في الدار الآخرة كما أعطي هذا النور، فعلى قدر الإيمان على هذا الصراط، ووضوح الأمر لديه يؤتى نوراً يوم القيامة، وعلى قدر ثباته على صراط الدنيا يكون ثباته على الصراط يوم القيامة.
فهم -إذاً- يتفاوتون على الصراط على أساس النور الذي يعطون إياه، وهم يتفاوتون في سرعة مرورهم على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح وهكذا، وكل هذا مداره على أساس الإيمان.
قلنا: إنهم يتفاوتون في المرور على الصراط على أساس الإيمان، ويتفاضل -أيضاً- أهل الجنة فيما بينهم وإن دخلوا الجنة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة، كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم)، فهو ينظر إلى منازل من سبقه كما ينظر الإنسان إلى الكوكب من شدة التفاوت بينهم في هذه المنازل.
(قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم.
قال: بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).
هذا الحديث في الصحيحين يخبر فيه الرسول ﷺ أن الناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في الجنة في الدرجات، وأن أولئك الذين رزقهم الله هذه المنازل التي يتراءاها الناس كما يتراءون الغرف، أنهم هم أولئك الذين آمنوا بالآخرة وصدقوا المرسلين.
إذاً: فعلى قدر إيمان المؤمنين تتفاوت منازلهم في الجنة، حتى لو دخلوا الجنة، فهم يتفاوتون في الجنة على أساس الإيمان.
كما أن العصاة من الموحدين -كما تعلمون- يبقون في النار ثم يخرجون منها، فيقول الله : (
стр. 1333
زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله بذلك
رابعاً: من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه، والأدلة على ذلك مشهورة، يقول الإمام البخاري في صحيحه: [كتاب الإيمان.
باب: قول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس).
وهو قول وفعل يزيد وينقص؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقوله جل ذكره: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]].
ونقل القول بذلك أبو القاسم اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وعن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وأيضاً قال ﵀: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار كلهم على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وينبني على مسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة أخرى، وهي تفاضل أهل الإيمان فيه، فإذا كان يزيد وينقص فهذا يعني أن أهله يتفاضلون فيه، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب عليه قميص يجره.
قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين).
وبوب على هذا الحديث الحافظ ابن مندة في كتابه الإيمان (باب: ذكر ما دل على أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان وفضل عمر بن الخطاب ﵁.
وقال: هذا الحديث مجمع على صحته.
فالمقصود إذاً أن هذه الأمور مقرة عند أهل السنة، أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله يتفاضلون فيه، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يحرص على زيادة إيمانه قدر الإمكان، ويحرص -إذا علم أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه- على أن يسعى إلى أن يصعد إلى المراتب العالية بهذا الإيمان، وفي المقابل أيضاً يحمي إيمانه من أن يصيبه النقص أو الضعف.
стр. 1334
دعوة الشرع إلى تجديد الإيمان وتعاهده
خامساً: الدعوة في الشرع إلى تجديد الإيمان وتعاهده.
روى الحاكم والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب؛ فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم).
وروى ابن أبي شيبة في الإيمان، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (القلوب أربعه: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلق فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلبه)، هذا روي عن حذيفة ﵁ موقوفاً عليه، وقد رواه بعضهم مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والموقوف أصح.
وروى ابن أبي شيبة في الإيمان عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيماناً.
وروى -أيضاً- ابن أبي شيبة في الإيمان، والإمام أحمد وأبو عبيدة في الإيمان، والبخاري تعليقاً، وصحح ذلك الحافظ ابن حجر عن معاذ ﵁ أنه قال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة.
يعني: نذكر الله تعالى.
وروي عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه.
وعلى كل حال فالنصوص كثيرة في الدعوة إلى تجديد الإيمان وتعهده في النفوس، وقد صنف السلف في ذلك كتباً خاصة في الإيمان، والمقصود أن ما خاطب به النبي ﷺ أمته، وأمرهم به من أن يجددوا الإيمان في قلوبهم ويزدادوا إيماناً، وما ورد عن سلف الأمة، يدعونا إلى أن نسعى إلى تعاهد الإيمان في نفوسنا، وإلى تربية الإيمان في نفوسنا، وإلى السعي إلى زيادته في أنفسنا، وأيضاً يدفع ويدعو من يتولى التربية إلى أن يجعل هذه القضية من أهم القضايا، ومن الأولويات الذي يتربى عليها الجيل ويتربى عليها الناس، ولعلنا نتساءل، ونحن قد سمعنا هذه النصوص عن أصحاب النبي ﷺ ، حيث كان أحدهم يقول لصاحبه: اجلس بنا نؤمن ساعة، أو يقول: امشوا بنا نزدد إيماناً، فنتساءل: كم هي المجالس التي نجلسها مع إخواننا؟! أي: المجالس الخاصة، دع عنك الدروس والمواعظ وغيرها، إننا نجلس ساعات طوال في المجالس، أو ربما نسير في السيارة، أو نجلس هنا وهناك، فكم يستغرق حديثنا عن هذه القضايا من وقت؟! وهل حين نجلس مثل هذه المجالس يذكر بعضنا بعضاً بقضايا الإيمان والخوف من الله ، ونسعى إلى أن تكون هذه المجالس تزيدنا إيماناً؟! وبعبارة أخرى أن أحدنا كثيراً ما يلقى أخاه في الله، فهل هو يشعر أنه حين يلقاه ويتحدثان يزدادان إيماناً، ويشعر أن هذا اللقاء يزيده إيماناً وصلة بالله ؟! أو أنه يلقاه كما يلقى غيره، بل ربما كانت بعض المجالس مدعاة لقسوة القلب والبعد عن الله ﵎.
وليس بالضرورة -أيها الإخوة- أن يكون الحديث في قضايا الإيمان والخوف من الله ، والمجالس التي تزيد الإيمان، ليس بالضرورة أن يكون موعظة مثل التي يلقيها الإنسان بعد الصلاة، أو في مجلس علم يحضره، أو في حديث رسمي كما يقال، ليس بالضرورة هذا ولا ذاك.
يا أخي! أنت تتحدث مع أخيك في المجلس أو في السيارة أو حتى في الهاتف أو هنا وهناك، فما الذي يمنع من وصيته أو تذكيره بالله فيزداد بعضنا إيماناً بالله؟! إذا كان أصحاب النبي ﷺ إذا جلسوا تواصوا ليزدادوا إيماناً، وهم من هم في الإيمان والصلاح والتقوى؛ فغيرهم من باب أولى.
стр. 1335
إعانة الإيمان صاحبه على الثبات في مواجهة الشهوات
الأمر السادس: أن الإيمان هو الزاد الذي يعين المرء على الثبات في مواجهة الشهوات، فالرسول ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ويذكر منهم ﷺ رجلاً دعته امرأة إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله ، فمنعه من مواقعة ما حرم الله ﵎ خوفه من الله ، وإيمانه بالله ﵎، والله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤].
وأخبر ﵎ أن الشهوات قد زينت للناس، وهذا الكلام في عصر النبوة، فما بالكم بهذا العصر الذي نعيشه، وقد فتحت فيه الأبواب على مصاريعها، وصارت الشهوات تلاحق الشاب، وتلاحق الفتاة، وتلاحق الصغير والكبير في السوق، والشارع، بل حتى في المنزل، وصار الناس يشتكون من جحيم هذه الشهوات وآثارها، وكيف أنها تصرف الكثير عن طاعة الله ، وربما كانت سبباً في الانحراف وسبباً في الضلال والغواية عافانا الله وإياكم من ذلك؟! ولو تأملت حال الكثير ممن ضلوا وتنكبوا الطريق، لوجدت أن الكثير من هؤلاء إنما أتي من هذا الباب.
ويتساءل كثير من الناس ما العلاج وما الحل أمام هذا السيل الجارف من الشهوات الذي صار قضية لا يكاد الإنسان يستطيع أن يمنع أبناءه منها، ولا يستطيع الناس في المجتمع أن يمنعوا الناس من مقارفتها ولا من رؤيتها، وصارت مشاهدها تلاحق الناس في كل مكان، مما يشاهده الناس على الشاشة أو في المجلات أو في الصحف، حتى إذا عوفي الإنسان من هذا كله وعافاه الله ، فإنه قد لا يعدم أن يحدثه زميله مثلاً في الفصل عن شيء من ذلك أو يدله عليه.
المهم أن هذه الشهوات أصبحت مشكلة الجميع، وأصبحت مشكلة الشاب نفسه الذي يخاف على نفسه، والذي يحمل بقلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، فلا شك أنه يخشى على نفسه من هذه الشهوات وآثارها، وأصبحت مشكلة الأب الذي يخاف على أبنائه، ومشكلة الأم التي تخاف على أولادها، ومشكلة الأستاذ والمربي الذي يخاف على هذا النشء الذي تعاهده بالتربية والإصلاح، يخاف أن تجترفه هذه السيول، فتفسد في لحظات ما بناه هو في دهور وسنوات.
لقد صارت مشكله فعلاً يعاني منها المسلمون ويتساءلون: ما الحل؟ الحل -يا إخوة- هو في الإيمان، في تربية الإيمان في النفوس، الإيمان الذي يجعل الشاب ويجعل الفتاة ويجعل الإنسان يعرض أصلاً عن أبواب هذه الشهوات وطرقها، الذي يجعله بغض بصره ابتداءً، الذي يجعل في ذهنه قضية تشغله أكبر من قضية الشهوة، فبدلاً من أن يفكر في الشهوة وبدلاً من أن تسيطر عليه، صار يسيطر عليه هم أكبر من هذا كله، صار مشغولاً بالله والدار الآخرة، صار مشغولاً بزيادة الإيمان وتقوى الله ، صار مشغولاً بعيوب نفسه ومعاصيها وكيف يصلح نفسه، صار همه الشوق إلى لقاء الله ، والأنس بذكر الله ﵎، وتلاوته الكتاب وعبادته ربه ﵎، فصار لسان حاله يقول للناس، وهو يراهم صرعى الشهوات: يا قوم! أنتم في واد وأنا في واد، لكم هم ولي هم آخر.
فحين يقوى الإيمان في النفس يصبح هذا حال الشهوة، وهذا لسان حاله، فيكون هذا بإذن الله عاصماً له وحامياً له، حتى لو أتته الشهوات تسعى إليه فإنه يعرض عنها، ويصبح -كما قال ﷺ يقول: (إني أخاف الله ، وكما قال يوسف ﵇: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
ولاشك -يا إخوة- في أن الوقت والمرحلة التي نعيشها الآن التي فتن الناس فيها بالشهوات مدعاة إلى أن نراجع برامجنا التربوية، أن يراجع المربون ما يربون عليه الناس، وما تتربى عليه الأمة، فالآن الملايين من المسلمين يرون أبواب الشهوات مفتوحة أمامهم، ويرون أبواب الفتن والضلال بكل ألوانها مشرعة أمامهم، فماذا يتلقون؟! ماذا يتلقى الطلاب في مدارسهم؟! وماذا تتلقى الطالبات في مدارسهن؟! هل يتلقون ويتعلمون ما يربي الإيمان في النفوس، وما يقوي الإيمان ويصل الإيمان بالله ؟! ماذا يسمع هؤلاء في وسائل الإعلام؟! وماذا يقرءون في الصحف التي يقرءونها صباحاً ومساء؟! ووسائل التوجيه التي تخاطب الناس والتي تحدث الملايين، ما مدى عنايتها بتربية الإيمان في النفوس، وغرس الإيمان في النفوس؟! إذا كانت الأمة جادة في التربية، وإذا كانت الأمة جادة في الإصلاح، وإذا كانت قضية الدين والعقيدة الإسلامية قضية تعني الأمة بجد، فيجب أن توجه وسائل التربية والتوجيه في الأمة إلى غرس الإيمان في القلوب، فتتعاهد الأمة بتربية الإيمان، وتوجه وسائل التربية والتوجيه كلها في المجتمع لتحقيق هذه القضية، وماذا تريد الأمة من إنسان متعلم ومثقف لكن قلبه خال من الإيمان بالله وتقواه؟! وماذا تريد
стр. 1336
إعانة الإيمان صاحبه على تجاوز ما يقع فيه من المعاصي حال ضعفه
الأمر السابع: أنه حين يقع في المعصية فالإيمان هو الذي يعين على تجاوزها، فقد يوقع الإنسان نفسه في المعصية في حالة ضعف وجبن واستيلاء الشيطان عليه، فإذا كان الإنسان تربى على الإيمان وعلى التقوى لله ؛ فإنه سرعان ما يستقيم، يقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥].
إذاً: هذه حال المتقين: إذا وقعوا في معصية ذكروا الله ، فتجاوزوا هذه المعصية.
وفي آية أخرى يقول ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]، فالمتقون قد يصيبهم طائف من الشيطان، فقد يسول لهم الشيطان، فيوقعهم في أمر محرم أو تقصير في واجب شرعي، لكن هذا الإيمان والتقوى في نفوسهم سرعان ما يدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى الله ، والازدياد من الحسنات فيزدادون إيماناً بعد ذلك، ويفعلون من الطاعات أضعاف ما عملوا من السيئات؛ حتى يكون ذلك مدعاة لتطهير أنفسهم من السيئات ورجسها، وزيادة إيمانهم بعد ذلك.
إذاً: صاحب الإيمان -يا إخوة- لو واقع المعصية؛ فإنه هو أقرب الناس إلى المبادرة للتوبة والإقلاع والاستغفار منها.
стр. 1337
إعانة الإيمان صاحبه على الثبات عند البلاء والإغراء
ثامناً: الإيمان بالله هو المعين على الثبات عند الابتلاء والإغراء، فالمرء قد تصرفه الشهوات كما قلت، ويضل عن طريق الله ، لكنه أيضاً قد يبتلى، والله ﵎ أخبر أن من لوازم الإيمان أن يبتلى الإنسان، يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، ويقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، لاحظوا هنا التعبير: (مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) فلم يقل: من يؤمن بالله؛ لأنه لو آمن بالله حق الإيمان لما حصل له هذا الأمر، كما قال هرقل لـ أبي سفيان حين سأله عن أصحاب النبي ﷺ فقال: هل يرتد أحد من أصحابه ﷺ سخطة لدينه؟ قال أبو سفيان: لا.
قال: كذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لا يفارقها أبداً.
والذي يعين الإنسان على الثبات بإذن الله عند الابتلاء وعند الإغراء إنما هو الإيمان بالله ، وأولئك الذين يعبدون الله على حرف هم أسرع الناس استجابة لداعي الفتنة والإغراء، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
стр. 1338
إعانة الإيمان على الدعوة إلى الله تعالى
الأمر التاسع: أن الداعية إلى الله وطالب العلم هو أحوج الناس إلى التربية الإيمانية؛ لأن الإيمان بالله هو المعين على أمور الدعوة، فالنبي ﷺ قبل أن يأتيه الوحي كان يتحنث في غار حراء، ويتعبد ﷺ الليالي ذوات العدد؛ لأنه كان أمام تحمل أمانة الدعوة ونشرها، فكان يحتاج إلى الصلة بالله والإيمان به ﵎؛ حتى يكون ذلك خير معين له على القيام بأعباء هذه الدعوة، ويقول الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٥].
فهذا الأمر بقيام الليل، والأمر بالاجتهاد في الطاعة، كل هذا لأنه تعالى سيلقي عليه قولاً ثقيلاً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
فالله يأمر نبيه ﷺ بأن يأخذ زاداً له من ناشئة الليل، أن يأخذ زاداً له من قيام الليل، ومن التسبيح في النهار وذكر الله ؛ لأنه سيلقي عليه قولاً ثقيلاً وهو القرآن، وسيتحمل ﷺ عبء الدعوة إلى هذا القرآن.
الأمر الثاني: أن الداعية إلى الله وطالب العلم عرضة للآفات، عرضة للإعجاب بالنفس، عرضة للرياء، عرضة لأن يسير وراء بريق الشهرة، والذي يعينه ويحميه من ذلك هو الإيمان بالله ، الذي يجعله يشعر أن ما قدم كله إنما هو لله ﵎، والذي يجعله يشعر بذنوبه وتقصيره في جنب الله ، والذي يجعله يشعر أن ما قدم لن ينجيه إلا برحمة الله ﵎.
الأمر الثالث: أن الداعية يدعو الناس للإيمان بالله ، وفاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان المرء فاقداً للشيء فكيف يستطيع أن يعطيه؟! إذا كان يحتاج أن يربي الناس على الإيمان بالله وتقوى الله، وهو فاقد الإيمان والتقوى، وإذا كان يريد أن ينهى الناس عن معاصي الله ، وإذا كان يريد أن يأمر الناس بطاعة الله وهو يعاني من الجفاف في قلبه، يعاني من الضعف في إيمانه، يعاني من الخواء في هذا الجانب، فكيف يستطيع أن يحقق هذا الأمر؟! قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
الأمر الرابع: أن الذي يدعو إلى الله هو من أكثر الناس عرضة للابتلاء والامتحان، والذي يعينه على الثبات على الابتلاء هو الإيمان بالله ﵎، ولهذا كلما ذكر الله في كتابه ما يكيد الكفار به النبي ﷺ أوصاه بالصبر، وعقب على ذلك بالوصية بالتسبيح أو الصلاة أو التوجه إلى الله ، ولا تكاد تجد أمراً للنبي ﷺ بالصبر على ما يواجهه من أذى ومن ابتلاء إلا ويعقب بالأمر بالتسبيح والأمر بالصلاة وطاعة الله ؛ لأن هذا هو الزاد المعين على الصبر، يقول ﵎: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، ويقول: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٣٩ - ٤٠]، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]، ويقول: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:٢٥ - ٢٦].
والآيات في ذلك كثيرة، ومن استعرض الآيات في السور المكية في سورة هود، والإسراء، وطه، والإنسان، والمزمل وغيرها سيجد أنه يعقب الأمر بالصبر -إما الصبر على مشقة الدعوة، أو الصبر على محاولة الكافرين إيذاء النبي ﷺ يعقب بالأمر بالتسبيح، والأمر بالصلاة، والأمر بقيام الليل؛ لأن من يدعو إلى الله عرضة للابتلاء، وعرضة لأن يواجه، والذي يعينه بعد توفيق الله إنما هو إيمانه وصلته بالله ﵎.
стр. 1339
الإيمان هو الحل للمشاكل التربوية
الأمر العاشر: الإيمان والتربية الإيمانية هي الحل الأمثل للكثير من المشكلات التي نعاني منها في التربية، فكثيراً ما نشكو من قسوة القلب والفجور، والجرأة عن المعاصي، فما هو الحل لذلك؟ الحل لذلك -لا شك- هو التربية الإيمانية.
وكثيراً ما نشكو ونتساءل عن الانحراف بعد الهدى، وهي ظاهرة بدأت تكثر وخاصة في هذا العصر في السنوات الأخيرة، وكثيراً ما تشاهدون أولئك الذين كانوا على خير واستقامة وصلاح ثم ضلوا وتنكبوا الطريق، ونتساءل كثيراً: ما السبب؟ ونتساءل كثيراً: ما العلاج لهذه الظاهرة؟ لا شك أن أعظم علاج وأهم علاج لمثل هذه المشكلة إنما هو الإيمان بالله ﵎، والتربية الإيمانية، أن نربي أنفسنا على الإيمان بالله ، وأن يربى الجيل ويربى الشباب على الإيمان بالله ﵎، ويغرس الإيمان في النفوس، حينها سنجد أن هذه الظواهر تقل وتتلاشى، كما قال هرقل لـ أبي سفيان لما سأله: هل يرتد أحد من أصحابه سخطة لدينه؟ قال: لا.
قال له: كذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لا يفارقها أبداً.
ولما مات النبي ﷺ وارتد من ارتد، كان الذين ارتدوا عامتهم من أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أما السابقون الأولون أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان الذين جاهدوا مع النبي ﷺ ، الذين دخل الإيمان في قلوبهم؛ فلم يرتد أحد منهم، أما الذين ارتدوا على أدبارهم فهم أولئك الذين لم يتربوا التربية الإيمانية، هم أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
إذاً: هذه القضية والمشكلة التي نعاني منها إنما علاجها وحلها في التربية الإيمانية.
ومن المشكلات التي يعاني منها الكثير من الشباب أنه أذا ابتعد عن إخوانه ضعف، وربما تجرأ على المعاصي، وربما تغيرت حاله وتبدلت.
ومن المشكلات التي نشكو منها العلاقات العاطفية التي قد تكون بين الشباب أو بين الفتيات أو بين الشباب والفتيات، والتي بدأت تنتشر في المجتمع، حتى انتقلت العدوى إلى مجتمعات الصالحين والناس الأخيار.
فالمقصود -يا إخوة- أننا نعاني الآن من مشكلات تربوية كثيرة، ويتردد السؤال ويتكرر: ما الحل لهذه المشكلة، وما العلاج لتلك؟ لا شك أن الحل لكثير من هذه المشكلات هو في تعميق التربية الإيمانية، وفي تعميق الإيمان في النفوس والصلة بالله ، وهو حين نجعل الهم هماً واحداً، فنختصر الطريق على أنفسنا بدلاً من أن نذهب نعالج كل مشكلة على حدة، وهذه المشكلة حتى لو عالجناها بأي علاج بعيداً عن التربية الإيمانية سيكون علاجها مؤقتاً، علاجاً لا يتوجه إلى مصدر الداء وأساس الداء؛ لأن الإيمان هو -بإذن الله- الذي يزيل كل هذه الأدواء، وهو الذي يجعل الإنسان يختار طريق الخير والصلاح ولو صعب عليه، ويبتعد عن طريق السوء والفساد ولو هان عليه، ولو دعته إليه النفس الأمارة بالسوء.
أسأل الله أن يزيدنا وإياكم إيماناً، وأن يحبب إلينا الإيمان في نفوسنا وقلوبنا؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1340
الأسئلة
стр. 1341
أسباب ضعف الإيمان
السؤال
ما هي أسباب ضعف الإيمان؟
الجواب
الحديث عن الإيمان حديث طويل، والسلف كتبوا كثيراً عن الإيمان، عن فضله وزيادته ونقصه وتفاضل أهله فيه، وعن أسباب زيادة الإيمان ونقصه، وأسباب ضعف الإيمان.
ولا شك أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلما ازداد المرء طاعة لله زاد إيمانه بالله ﵎، وكلما قصر في طاعة الله ووقع في معصية ضعف إيمانه.
فأسباب زيادة الإيمان التفريط فيها مدعاة لنقص الإيمان، كالعلم بالله وأسمائه وصفاته ﵎، تلاوة القران وتدبر معانيه، والتفكر في مخلوقات الله ، وذكر الله ﵎، والأعمال الصالحة من الصلاة والصيام والصدقة وسائر الأعمال، كل هذه الأعمال تزيد المرء إيماناً، ومن ذلك -أيضاً- صحبة أهل الإيمان والتقوى والصلاح.
وفي المقابل نجد أن ضعف الإيمان -أيضاً- من أعظم أسبابه المعصية ومواقعتها، والبعد عن تلاوة كتاب الله ، والبعد عن ذكر الله ، ومصاحبة ضعفاء الإيمان، ومصاحبة المعرضين الغافلين، لا شك أن هذه من أعظم أسباب ضعف الإيمان، ويمكن أن نحيل الإخوة إلى كتاب للشيخ محمد المنجد حول ظاهرة ضعف الإيمان يتحدث فيه بالتفصيل عن أسباب هذه الظاهرة إلى آخره.
стр. 1342
معوقات الاستقامة
السؤال
البعض يسأل عن معوقات الاستقامة؟
الجواب
هذه المعوقات على كثرتها وتنوعها تعود إلى أصلين، إما إلى الشبهات وأما إلى الشهوات، فالشبهات ألا يتضح للإنسان الطريق، فمثلاً: قد يفهم الحق فهماً خاطئاً، وقد يلتبس عليه الحق بالباطل، ويتلبس عليه الأمر، وتأتيه هذه الشبهات والشكوك فتصرفه عن الحق، وأبواب اللبس في الشبهات كثيرة، فأهل البدع والضلال الذين يعبدون الله على جهل وضلال هم من أولئك الذين ضلوا باتباع الشبهات.
أو يعود الأمر إلى الشهوات، والشهوات كثيرة، وجماع الشهوات وقاعدتها هو أن الإنسان يعرف أن هذا الأمر محرم ويأتيه؛ لأن نفسه تشتهيه وترنو إليه أياً كانت هذه الشهوة، ويترك هذا الأمر لأنه لا يوافق هواه، فمنشأ الضلال ومعوقات الاستقامة إنما تعود في النهاية إلى هذين الأمرين، وسائر الأمور إنما هي مدعاة لتأصيل الشبهات أو مدعاة لتأصيل الشهوات، وخذ مثلاً في جليس السوء، فهو من أعظم الأسباب التي تعوق الإنسان عن الاستقامة، وهو إنما يعوق الإنسان عن الاستقامة من خلال الشبهات أو الشهوات، ولهذا يأمرنا الله أن نسأله الهداية دائماً بقولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فصراط الذين أنعم الله عليهم هو غير صراط الضالين وغير صراط المغضوب عليهم، والمغضوب عليهم -كما تعلمون- هم اليهود والضالون هم النصارى، وليس المقصود هاتين الطائفتين فقط، وإن كانت الأمة تشعر أنها على خط متواز مع هؤلاء، فلا يمكن أن تلتقي مع اليهود ولا النصارى؛ لأنهم أعداء، ففي كل يوم يقرأ المسلم مراراً ويستعيذ بالله من طريق الضالين وطريق المغضوب عليهم، لكن ليست القضية ضلال اليهود وحدهم أو النصارى، بل اليهود هم أئمة كل من ضل باتباع الشهوات، والنصارى هم أئمة كل من ضل باتباع الشبهات، فكل من ضل فله إمام، فإما أن يكون إمامه المغضوب عليهم، أو الضالون.
стр. 1343
ضرورة مراجعة أداء المؤسسات في التربية الإيمانية
السؤال
ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التربية الإيمانية المطلوبة؟ وهل المناهج الدراسية الدينية تؤدي إلى هذا؟
الجواب
سبق أن أشرت أن من مشكلة الأمة أن مؤسسات الأمة نفسها تحتاج إلى مراجعة، كل مؤسساتها، سواء المؤسسات الإعلامية أو التعليمية أو التربوية التي تربي الأمة على الإيمان والتقوى والصلاح، والقضية ليست مجرد معلومات جافة وأمور يعطاها الإنسان، لا, لهذا قالت أم سفيان الثوري لما أراد أن يطلب العلم: يا بني! إذا تعلمت عشر مسائل فانظر هل زاد ذلك في علمك وخشيتك وتقواك أم لا؟ أي: سيجعل هذا مقياساً لما يتعلمه.
فهل هذا السؤال يرد في أذهاننا؟ وهل هذا السؤال يرد في ذهن من يربي ويعلم؟ وفي أي ميدان -حتى في طلبك للعلم- يجب أن تطرح هذا السؤال على نفسك، فأساس العلم هو الخشية، فإذا كان هذا العلم لا يزيدك إيماناً ولا خشية ولا زهداً ولا ورعاً؛ فيجب أن تعيد النظر في منهجك في التعلم.
أما الأسباب التي تؤدي إلى التربية الإيمانية فهي العوامل التي أشرت إليها سابقاً، فهي من الأمور التي تعين الإنسان على أن يربي نفسه التربية الإيمانية.
стр. 1344
بيان سبب تمادي العاصي في معصيته
السؤال
لماذا بعض الشباب ينحرف لمجرد كونه وقع في معصية، ثم يدعي أنه لن يستطيع العودة بعد ذلك؟
الجواب
ليس صحيحاً أنه لا يستطيع العودة، لكن السبب أن هذا عقوبة من الله له على أن وقع في هذه المعصية، فعاقبه الله بالضلال، عافانا الله وإياكم، والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥]، فأوقعهم الشيطان في المخالفة بسبب بعض ما كسبوا.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف:١٠٠]، فهذه عقوبة.
ثانياً: أن المعصية تقول: أختي أختي، وتدعو الإنسان إلى أختها، ثم إن المعصية تجعل بينه وبين الصالحين وحشة، وتجعل له أنساً بأولئك الذين يشاركونه في هذه المعصية، فيصاحبهم ويحلو له أن يجالسهم، ثم قد تدعوه المعصية إلى أن ييأس، وأن يشعر بأنه إنسان فاشل، وأنه إنسان لا يملك الإيمان، وإنسان غير مؤهل لأن يكون مع الصالحين، وهذا كله من وسائل الشيطان في إغوائه عافانا الله وإياكم.
стр. 1345
علامات زيادة الإيمان
السؤال
هل هناك علامات تدل على زيادة الإيمان؟
الجواب
نعم، كلما كان الإنسان أكثر حباً لله وتقوى لله ، وأكثر استجابة لأوامر الله وأكثر بعداً عن معصية الله ، فهذا -لا شك- علامة من علامات الإيمان.
стр. 1346
الحج وبناء النفس
هذا الدين ليس مجرد شعائر يتعبد بها الإنسان لتلبي حاجة في نفسه، وليس أعمالاً يؤديها الإنسان وليس لها معنى، بل هي عبادات تصل الإنسان بربه ، وتربي المجتمع والأمة على السلوك المستقيم.
стр. 1347
الدين الإسلامي والنفس الإنسانية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذا الدين وهذه الشريعة الخاتمة جعلها الله خاتمة للشرائع، وختم ﵎ بنبوة محمد ﷺ النبوة والرسالات، فلا رسول ولا نبي بعده ﷺ .
ولما كانت هذه الشريعة شريعة خاتمة، ولما كان هذا الكتاب كما قال الله : ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] كانت هذه الشريعة العظيمة شريعة صالحة لكل زمان ومكان، هذا الدين حينما نتحدث عن عظمته، حينما نتحدث عن إعجاز هذا الدين في تشريعه وأحكامه فإن الوقت يضيق بنا، إنك لو حدثت جاهلاً بهذا الدين، لو حدثته عن طبيعة هذا الدين وعن إعجازه وعن أحكامه العظيمة لكان ذلك كافياً في إقناعه بعظمة هذا الدين.
أيها الإخوة الكرام! هذا الدين لم يكن مجرد شعائر يتعبد بها الإنسان لتلبي حاجة في نفسه، وليس مجرد أعمال يؤديها الإنسان لمجرد فقط أن يؤدي هذه الأعمال، إن هذا الدين عظيم، هذا الدين لم يشرع الله لعباده أمراً وحكماً صغيراً أو كبيراً إلا وفيه حكمة، وحكمة بالغة، هذا الدين يصل الإنسان بربه ويعبده لله ﵎، وهو أيضاً في الوقت نفسه يربي الفرد المسلم ويربي المجتمع ويربي الأمة، فهو وسيلة للعبودية لله ﵎ ولتربية النفس وبنائها وتزكيتها.
ومن هنا فإن هذه النفوس لن يصلحها إلا هذا الدين؛ لأن الله قال -وهو ﵎ الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم- قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالجن والإنس إنما وجدوا لعبادة الله ، ليست هناك أي غاية ولا مصلحة ولا حكمة ولا فائدة من خلق الجن والإنس سوى هذه الغاية الوحيدة، وهي عبادة الله ﵎، وما دام هذا الإنسان قد خلق لعبادة الله فإن هذا الإنسان قد ركب بطبيعته: بتكوينه الجسمي وبتكوينه النفسي والعقلي ركب بما يهيؤه لهذه الوظيفة وهذه المهمة، وهذا أمر نلحظه في حياتنا، نلحظه في حياتنا الخاصة في ما يصنعه الإنسان وينتجه في حياته، فإن ما يصنع ليؤدي وظيفة ما يصنع بالطريقة التي تجعله متلائماً مع هذه الوظيفة.
فالأجهزة -على سبيل المثال- المحمولة التي صممت ليحملها الناس ويتنقلوا بها، هذه الأجهزة يراعى فيها هذه الوظيفة، فهي في الأغلب تكون صغيرة الحجم، خفيفة الحمل، تحتمل الصدمات، طاقتها الكهربائية تتحمل أكثر من نظام كهربائي؛ لأنها مهيئة لأن تنتقل، بخلاف الأجهزة الثابتة المستقرة التي تهيأ لتكون في مكان واحد، كذلك وسيلة النقل التي تصنع لتسير في الصحراء والطرق الوعرة تهيئ لهذه المهمة، وحينما يسير بها الإنسان في الطرق المعبدة يفقد فيها قدراً من الراحة يجده في وسائل النقل الأخرى، وحينما يسير في تلك السيارة التي جهزت بأدوات الراحة والرفاهية لتسير في المدينة حينما يسير بها في الطرق الوعرة، في طرق لم تخصص لها فإن هذا سيضر بها كثيراً، بل ربما لا يستطيع أن يسير بها في هذه الطرق، ولو استطردنا في ذكر الأمثلة لوجدنا أن المقام يضيق، فإذا كان هذا فيما صنع الإنسان وفيما أعده الإنسان فما بالكم بخلق الله ، وخذوا على سبيل المثال عالم الحيوان، وكيف أن الله ﵎ لو تفكرنا بطبيعة الحيوان كيف أن الله هيأ في خلق الحيوان ما يلائمه لهذه الوظيفة، فالإبل على سبيل المثال التي من طبيعتها أن تعيش في الصحراء وتأكل أنواعاً من الأشجار الصحراوية هيأ الله لها ما يلائمها لأن تعيش في هذه الأجواء، فهي تملك عنقاً طويلاً تستطيع أن تصل من خلاله إلى الأشجار دون مشقة وعناء، وتستطيع أن تحتمل الظمأ أكثر من غيرها من الحيوانات التي اعتاد الناس أن يربوها في المزارع أو في المنازل وغيرها.
وما دامت قد هيئت للركوب فإنها تحتمل الركوب والسير عليها بخلاف غيرها؛ ولهذا ذكر النبي ﷺ أن رجلاً من بني إسرائيل ركب بقرة فالتفتت إليه فقالت: إنا لم نخلق لهذا، رغم أن تركيب البقرة وحجمها لا يبتعد كثيراً عن الإبل، لكن حينما لم تهيأ للركوب ولم تخلق لذلك فإنها لا تحتمل ذلك، بينما نجد الخيل والبغال والحمير وغيرها مما ذكر الله أنه خلقها لهذه المهمة نجدها تحتمل مثل هذا الدور وهذه المهمة.
وهكذا من تأمل في الحيوانات التي تعيش في الصحراء، من تأمل في واقع الحيوانات المفترسة، من تأمل في واقع الطيور، في واقع الحشرات، في واقع الحيوانات التي تعيش في البر والتي تعيش في البحر في خلق الله يرى عجباً، ويرى كيف أن هذا الكائن خلقه الله ﵎ بما يتلاءم مع طبيعته، وبما يتلاءم مع الحكمة التي خلق من أجلها، والظروف التي يعيش فيها.
فإذا كان هذا في الحيوان، وإذا كان هذا في خلق الله في الجمادات وفي أمور الحياة الطبيعية المادية فكيف بأعظم خلق الله عز و
стр. 1348
الحج وصلته ببناء الإنسان
أيها الإخوة الكرام! هذا مدخل بين يدي حديثنا عن الحج وصلته ببناء الإنسان، هذا الإنسان خلقه الله وهو أعلم به، وخلقه ﵎ للعبادة، وحينئذ لن يصلح هذا الإنسان إلا العبادة، وحين خلقه ﵎ للعبادة فإنه هيأ له من الأسباب ما يعينه على أن يرتقي ويهيئ هذه النفس بهذه العبادة.
إن الذي يعد لوظيفة ما أو مهمة ما لا بد أن يهيأ لهذه الوظيفة، ولا بد أن يعد لها، حينما نريد خطيباً يعتلي المنبر، حينما نريد من يمارس عملاً إعلامياً أو صحفياً، حينما نريد من يمارس عملاً إدارياً فإننا نسلك في ذلك خطوتين مهمتين: الخطوة الأولى: أن نختار من يكون مهيئاً في الأصل، ويملك الاستعدادات.
والخطوة الثانية: أن نعده وندربه ونهيئه لهذه المهمة، هذه المهام المحدود الصغيرة تحتاج إلى إعداد، وتحتاج إلى تهيئة حتى ذلك الذي يمارس هذه المهمة يحتاج بين وقت وآخر إلى تطوير أدائه، فالخطيب على سبيل المثال لا غنى له بين وقت وآخر أن يقرأ، أن يحضر البرامج والدورات، أن يسعى إلى تطوير نفسه وإذا لم يفعل ذلك فسوف يدرك الناس الذين يستمعون إليه ويتابعونه أن أداءه قد قل ولم يصل إلى المستوى الذي كانوا يعهدونه منه، وهكذا مثلاً من يعمل في أي مجال، في مجال إعلامي، في مجال فني، لا بد أن يعد لهذه المهمة، ولا بد أن يتتابع الإعداد لهذه المهمة، خذوا على سبيل المثال الذين يعيشون في الميادين الرياضية، لا بد أن يمارسوا التدريبات بين وقت وآخر، ومهما بلغ هذا الرياضي من تميز ومهما بلغ من إدراك لهذه المهارات فسيبقى محتاجاً إلى الإعداد ومحتاجاً إلى التدريب ومحتاجاً إلى التطوير، إذا كان هذا في مثل هذه المهام المحدودة فكيف بعبادة الله ، إذاً الإنسان بحاجة إلى ما يهيئه لهذه المهمة ابتداءً، وهذا تحقق في خلق الله ، وأن الله ﵎ خلق هذا الإنسان واصطفاه وركب فيه من الخصائص ما يهيئه لهذه العبادة، ثم الأمر الثاني: أنه يحتاج مع دوام الوقت إلى ما يربيه ليقوم بهذه المهمة، وهنا يأتي دور العبادة، فالعبادة تهيئ الإنسان وتربيه، ليكون أقرب إلى ربه ﵎، تربيه ليمارس حياته في حياته الدنيا بصورة ترضي الله ، وهذا ما سنشير إلى جزء منه، وفي القرآن الكريم نجد الإشارة إلى هذه القضية الواضحة، نجد الحديث عن مقاصد العبادات، فإن الله قال في شأن الطهارة لما ذكر الله الوضوء ثم التيمم وما يتصل به من الحدث الأصغر والحدث الأكبر قال الله : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فذكر الله في ختام هذه الآية أن الله ﵎ حينما شرع لنا الطهارة إنما يريد أن يحقق لنا الطهارة: الطهارة الحسية والمعنوية التي عبر عنها النبي ﷺ بقوله: (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه نزل من وجهه كل خطيئة نظرتها عيناه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه نزل من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء) إلى آخر الحديث.
فبين النبي ﷺ أن هذه الطهارة الحسية تحقق للإنسان الطهارة المعنوية، وأن العضو الذي يغسله الإنسان يكون ذلك سبباً في تكفير السيئات التي ارتكبها الإنسان بهذا العضو.
الصلاة التي هي آكد شعائر الإسلام الظاهرة والتي بين النبي ﷺ أنها العهد بين المؤمنين وبين أهل الكفر، يقول الله عنها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وشرعت الصلاة من أجل أن تحقق هذا المعنى وهو النهي عن الفحشاء والمنكر؛ ولهذا نجد أن الصلاة إذا أداها الإنسان كما ينبغي تركت أثرها عليه، وإذا قصر بها الإنسان ضيع ما سواها كما قال الخليفة الراشد ﵁: واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
والزكاة قال الله عنها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
والصيام قال الله عنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
وهكذا من تأمل في نصوص القرآن والسنة وجد أن هذه العبادات العظيمة إنما شرعت لمقاصد وآثار، هذه الآثار تربي النفوس وتربي المجتمعات.
стр. 1349
أثر الحج في إصلاح النفوس
الحج واحد من هذه العبادات التي لها أثرها في إصلاح النفس وتربيتها وتزكيتها، ومن حكمة الله أن تكرار العبادات يتفاوت، فمنها ما يفعله الإنسان كل يوم مرات عديدة، ومنها ما يتكرر في العام، ومنها ما يتكرر في الحول مرة واحدة، ومنها ما يكفي في العمر مرة واحدة، ولا شك أن الفرائض كافية لإصلاح النفس وبناء النفس إذا التزم بها الإنسان وأداها كما ينبغي، لكن يبقى بعد ذلك مجال واسع للاجتهاد بالنوافل والتقرب إلى الله بالنوافل.
الحج -أيها الإخوة الكرام- يصلح النفوس، ويبنيها، الحج لم يشرعه الله من أجل أن نعيش النصب والتعب، يقول الله ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]،فالله لن يناله تلك اللحوم أو الدماء التي نريقها في الحج إنما يناله ﵎ التقوى، شرع الله هذه العبادة لهذه الحكم العظيمة، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
فشرع الله ﵎ هذه العبادة وهو غني عنا، وهو ﵎ غني عن خلقه، شرع هذه العبادة لنا لأننا نحن نجني الثمرة، لكن لما سيطرت المظاهر على حياة المسلمين، وأصبحت المظاهر هي القاعدة في حياة الناس، ينظرون إلى المظاهر، ولا يعيشون الحقائق والجوهر، أصبحت العبادات في حس كثير من المسلمين مظهراً أكثر منها حقيقة، أصبح الناس يجتهدون - من يجتهد منهم في ذلك- في إصلاح مظهر العبادة، ويغفلون عن الأهم وهو مقاصد العبادة، يجتهدون في تعلم أحكام العبادة الظاهرة ويغفلون عن تعلم المقاصد، ولاحظوا -مثلاً- سلوك الحجاج، وهم يقومون بأعمال الحج، ويطوفون، ويرمون الجمرات، وهم يؤدون أي منسك، تأمل في الصورة العامة، أنت لا تستطيع أن تقرأ ما في القلوب فالقلوب لا يعلمها إلا علام القلوب، لكن حينما تنظر إلى الناس وتلقي نظرة عامة وترى سلوك الناس فإن سلوك الناس يعبر عن نظرتهم لهذه العبادة، وهم يرمون الجمار وهم يسعون وهم يطوفون وهم يقفون المواقف.
القضية الأساسية عندهم هي مظهر هذه العبادة دون حقيقتها، ودون حكمها وجوهرها، والله لم يخبرنا بمقاصد العبادات وأحكام العبادات في كتابه إلا لأجل أن نعيها ولأجل أن نراعيها ونحن نقوم بأداء هذه العبادات، ولأجل أن نتساءل -دائماً- ونحاسب أنفسنا: ماذا حققنا منها؟ ماذا تحقق منها لدى أنفسنا؟
стр. 1350
مقاصد الحج وآثاره
стр. 1351
تحقيق التقوى
يبدو التقوى من أهم مقاصد وآثار الحج، وجاءت الإشارة إلى التقوى كثيراً في آيات القرآن التي تحدثت عن الحج، يقول الله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]، وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن أحكام الحج، جاءت لتبين أن للحج صلة وثيقة بالتقوى، وصلة وثيقة بتحقيق التقوى، فالحج يعلم الإنسان أن يتقي ربه من خلال التزامه وانضباطه بالأحكام التي شرعها الله في الحج، ثم هو يربي النفس على التقوى، فيعود الإنسان حينما يعود من الحج وهو أكثر تقوى لله ﵎؛ ولهذا كان هذا الحج يستحق هذه النعمة العظيمة، (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، ويستحق تلك المنزلة العظيمة حين قال ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، الحج يربي التقوى في النفوس، والنفوس تحتاج إلى التقوى، تحتاج إلى أن تتربى على تقوى الله ، ومخافة الله ، تحتاج إلى أن تعيش التقوى في نفسها، هذه التقوى التي تلزم الإنسان بطاعة الله ، والتي تحجز الإنسان عن معصية الله ، هذه التقوى التي تجعل الإنسان يعيش حياته كلها في إطار مرضاة الله في سائر أموره، في صلته بربه ﵎، في تعامله مع الناس فيما بينه وبينهم، في حياته الاجتماعية، في حياته الاقتصادية، التقوى في حياة الفرد والتقوى في واقع الأمة، أن تعيش الأمة شعار التقوى، أن نرى التقوى ظاهرة في واقع الأمة، حينما نتأمل اقتصاد الأمة، وحينما نتأمل في الواقع الاجتماعي للأمة، حينما نتأمل في واقعها السياسي، حينما نتأمل في المجتمع وطبيعته وعلاقته نرى التقوى ظاهرة وسمة بهذه الأمة، هذه العبادات -ومنها الحج- تحقق هذا المعنى وتبنيه، سواء في نفوس الأفراد أو في نفوس المجتمع ككل، وبالأخص حينما نتعامل مع الحج، فالحج عبادة جماعية، فالحج لا يؤديه الإنسان لوحده، بل تجتمع فيه الأمة، ويجتمع فيه المسلمون جميعاً فتتحقق هذه المعاني، تتحقق التقوى في حياة الفرد وشخصية الفرد، وتتحقق التقوى على مستوى الأمة والمجتمع.
стр. 1352
تنوع العبادات في الحج
الحج يمارس فيه الإنسان العبادة بأنواعها العديدة، فهو يذكر الله ، ويدعو الله ﵎، يطوف ويسعى ويرمي الجمرات، عبادة بدنية، عبادة قلبية، كل أنواع العبادات موجودة في الحج، وتتكرر.
والعبادة كما قلنا: تصلح النفس وتصلح القلب، بتنوع هذه العبادات مجال لتنوع التأثير على شخصية الإنسان، فالناس يختلفون، والناس يتفاوتون؛ ولهذا راعت الشريعة هذا الأمر، فإن النبي ﷺ قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) هذا الأمر يعني أن مجالات التقرب إلى الله ومجالات التميز في طاعة الله مجالات واسعة تستوعب جميع الناس وفئات الناس، من الناس من يجد أنسه وراحته في الصلاة، فهو من أهل الصلاة والاجتهاد فيها، ومن الناس من يجد ذلك في الصيام، ومنهم من يجده في الصدقة، وهذا في إطار التميز في النوافل والتقرب إلى الله والاجتهاد فيها.
أما أصل الفرائض فلا يعذر أحد فيها، ولا يمكن أن نرى مسلماً يوصف بأنه من أهل الصيام وليس من أهل الصلاة بمعنى أنه لا يؤدي الفريضة.
وهكذا أيضاً حينما تحدث النبي ﷺ عن أصحابه، صنف لنا أصحابه فقال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم بأمر الله عمر وأقضاهم علي) وذكر النبي ﷺ تفاوت أصحابه، فأخبر أن منهم من هو أقرأ للقرآن، ومنهم من هو أعلم بالحلال والحرام، منهم من هو أمين هذه الأمة، ومنهم من هو أميزهم قضاءً، وأشدهم في أمر الله، ومنهم من هو أرحم هذه الأمة، وهكذا نجد أن جانب التميز الذي كان يعيشه أصحاب النبي ﷺ كان ينطلق من شخصياتهم، فعلى سبيل المثال لو تأملت في شخصية أبي بكر ﵁ وحياته تجد أن طبيعته وتكوينه فيه الرقة ولهذا كان تميزه من هذا المجال والميدان.
ولو رأيت طبيعة عمر ﵁ وتكوينه تجد فيه الحزم، والشدة ﵁، فصار تميزه منسجماً مع شخصيته، فصار أشدهم في أمر الله ، وهذا التنوع نلمسه في الحج، وهو يعني أن هذه العبادات تلائم فئات الناس كلها، وهذا من عظمة هذا الدين، وحينما نتأمل في الأديان التي اخترعها الناس أو التي حرفوها نجد أنها تركز على جانب معين وتعالج جانباً واحداً، منها ما يركز على إتعاب الجسد وإنهاك الجسد، ومنها ما يركز على التخلص من الرغبات والغرائز، أي أنها كلها جاءت وفق منحىً محدد، أما هذه الشريعة فقد جاءت واسعة، جاءت تستوعب حياة الناس كلها، فهي تلائم كل الناس، وكل إنسان يجد له مجالاً يلائمه، وهي أيضاً تصلح النفس؛ لأن النفس تحتاج إلى كل هذا، النفس تحتاج إلى جانب فيما يتصل بالمال فيما يتصل بالجهد فيما يتصل بكافة جوانب وأمور الحياة، وهي أيضاً تلائم الإنسان فيما يصلح دينه ودنياه، فإن الإنسان على سبيل المثال في أمور الدنيا يحتاج إلى تهذيب ويحتاج إلى ما يصلح حاله، فتأتي هذه العبادات المتنوعة -ومنها الحج الذي يحوي التنوع في هذه العبادات- تسهم في إصلاح دنيا الإنسان، وتهيئه لأداء هذه الوظيفة التي خلق من أجلها، وهي عبادة الله ، وعبادة الله متمثلة في صلته بربه ﵎ وفي قيامه بعمارة هذه الأرض وفق منهج الله .
стр. 1353
التخلي عن العوائد
أيضاً الحج فيه التخلي عن العوائد وهذا الأمر أمر مهم في سياسة النفس وإصلاح النفس، أن يتخلى الإنسان عن الأمور التي اعتادها وألفها، إن الناس يألفون أوضاعاً ويألفون سلوكاً معيناً فيسيطر عليهم.
خذوا على سبيل المثال من يألف الكسل حتى يصبح سمة له، هذا الكسل يقعد به عن كثير من مصالحه ويفوت عليه فرصاً كثيرة، ويشعر هؤلاء الذين يفوتون فرصاً كثيرة عليهم في أمور دينهم وأمور دنياهم، أنهم ربما كانوا قادرين على أن يحققوا أهدافاً عديدة، لكن هذه الأهداف تلاشت دون مشكلة الكسل، فالإنسان الذي اعتاد الكسل، واعتاد الاستسلام له، واعتاد التسويف الإنسان الذي اعتاد عادة معينة أياً كانت هذه العادة هذه العادة تؤثر عليه فتعطل حياته، تؤثر عليه في عبادته، وفي حياته المالية والمادية وتعامله وتواصله مع الناس، ومن هنا يأتي الحج يربي في الإنسان التخلص من كل ما يعتاده، فمثلاً: يتخلص من لباسه، هذا اللباس الذي له شكل معين ووضع معين نتخلص منه، فلا نغطي رءوسنا، ونلبس لباساً معيناً له طبيعته الخاصة وله خصائصه التي لم نألف أن نلبسها، ومع تنوع الناس والبشر واختلاف عاداتهم في اللبس لا يمكن أن تجد مجتمعنا اليوم يلبس لبساً يتحقق فيه شروط لباس الإحرام، حتى المرأة، ولما كانت المرأة مبناها على الستر لم يشرع أن تلبس ما يلبسه الرجل، والمرأة في طبيعتها تميل إلى الزينة، فشرع لها في الإحرام أن تجتنب الزينة وأن تلبس لباساً يبعدها عن الزينة.
منعت من النقاب -على سبيل المثال- رغم أنه مشروع في غير الحج، منعت من أن تلبس القفازين مع أنها مشروعة في غير الحج، كل هذا لكي يتخلص الإنسان من هذا الأمر الذي اعتاده، يخلع ملابسه تسليماً لله ، ومع الجهل الكبير الذي نراه عند الحاج والصور الغريبة والعجيبة مما يعمله الحجاج إلا أنك لا يمكن أن تجد حاجاً لا يلبس لباس الإحرام، فقد تجد -مثلاً- حاجاً يخطئ في ميقات الإحرام، أو يخطئ في بعض السنة المتعلقة بالإحرام، في وقت خلع الإحرام وتغييره قد تجد هذه الحالات، لكنك لا يمكن أن تجد حاجاً أو معتمراً لا يلبس لبس الإحرام.
أيضاً يتخلى الإنسان عن المحظورات، وعن الترفه، ويمتنع عن أخذ شيء من شعره وأظافره، ويمتنع عن الطيب، والزينة، تغيير في سلوك الإنسان يقوده في النهاية إلى التخلي عن العوائد، وهذا أمر مهم جداً يحتاجه الإنسان في أمور دينه؛ لأن الإنسان قد يعتاد أموراً تؤثر عليه في دينه وتعوقه، ويحتاج إليه الإنسان في حياته، ولاحظوا -كما قلنا- الناس الذين يفشلون في حياتهم، الذين يفشلون في تحصيلهم الدراسي، يفشلون في فرص العمل، يفشلون جزء كبير من هذا الفشل مصدره عدم قدرة هؤلاء على إدارة أنفسهم، وجزء من هذا الفشل مصدره أن هؤلاء ألفوا أوضاعاً لم يستطيعوا أن يكسروها ويتجاوزوها، فالحج يربي الإنسان على تجاوز هذه الأوضاع وعلى التخلي عنها.
стр. 1354
التربية على الصلة بين أمور الدنيا والآخرة
أيضاً الحج يربي على الصلة بين أمور الدنيا والآخرة، والدنيا والآخرة لا تنفصلان في حس المسلم؛ ولهذا رغم أن الحج عبادة عظيمة، ورغم أن الناس يأتون إليه من كل فج عميق، يسافر الإنسان، يتخلص من كل شيء، يأتي، يتقرب إلى الله ، يذكر الله ، ومع ذلك يأتي في القرآن قول الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]، وهذه الآية نزلت في التجارة في موسم الحج، يأتي النص في القرآن على أنه ليس على الإنسان من جناح وهو حاج أن يمارس التجارة، هو حاج أن يبيع ويشتري، وهذا نلحظه عند بعض الشعوب المسلمة، حيث تجد من موسم الحج فرصة لتسويق بعض منتجاتها، وليس في هذا حرج، ما دام هذا في إطار المشروع، وهذا يؤصل قضية أن الدنيا والآخرة لا تنفصلان في حياة المسلم، أن الإقبال على الآخرة لا يعني أن يطلق الدنيا تماماً ويتخلى عنها، وأن سعيه للدنيا لا ينبغي أن يكون على حساب الآخرة.
نعم الإسلام يحث على الزهد في الدنيا، يحث على أن لا يتعلق الإنسان بالدنيا، لكنه لا يحث أحداً على أن يترك الدنيا، ولهذا قدر الله لأنبيائه رغم أن الله اختارهم لمهمة عظيمة، قدر الله لأنبيائه أن يبذلوا جهدهم بأن يكسبوا رزقهم، فيقول النبي ﷺ : (ما من نبي إلى رعى الغنم)، والله كان قادراً على أن يجعل هؤلاء أغنياء، وأن يحقق لهم الغناء بما يكفيهم عن أن يبحثوا عن أسباب ووسائل جلب الرزق، لكن هذا فيه تربية لهم، وتربية للأمة أن الدنيا والآخرة لا تنفصلان، وأن الإسلام دين لا يعارض سعي الناس لكسب الرزق، لا يعارض سعي الناس لتطوير حياتهم في المجال الاقتصادي، في المجال السياسي في المجال الاجتماعي، وهذا سيلزم منه أيضاً أن أحكام الإسلام وأن أحكام الدين سوف نجدها في كافة مرافق الحياة وتطبيقات الحياة، وهذا مما يتأصل من خلال مثل هذه العبادة التي هي عبادة عظيمة، وفيها جهاد، وتكفير سيئات، ومع ذلك لا حرج ولا جناح على الإنسان أن يبتغي فيها فضلاً من ربه، وأن يجعل أيضاً موسم الحج وسيلة لكسب الرزق المباح.
стр. 1355
تربية النفوس على الانضباط
الحج أيضاً يربي النفوس على الانضباط، والانضباط أمر مهم يحتاج إليه الإنسان في عبادته وصلته بربه ﵎، ويحتاج إليه الإنسان في أمور دنياه، نجد مواقف عديدة في الحج، قد لا ندرك نحن حكمتها التفصيلية، فمثلاً حينما نأتي للمناسك نجد عرفة لها حدود واضحة لا يختلف الناس حولها، لو أن رجلين، الأول: وقف دخل داخل حدود عرفة، وبقي طوال وقته نائماً، ولم يذكر الله بذكر واحد لكنه بقي داخل حدود عرفة، والآخر بقي خارج حدود عرفة وبقي يقرأ القرآن ويدعو ويتضرع فإن حج الأول صحيح وحج الثاني غير صحيح، لماذا؟ ما الفرق؟ هي أمتار، أمتار يترتب عليها أن يكون حج الإنسان باطلاً ويترتب عليها أن يكون حج الإنسان صحيحاً.
الوقت على سبيل المثال، قبل أن تغرب الشمس لا يجوز للإنسان أن يدفع من عرفة، ولو دفع قبل غروب الشمس فإن عليه دماً عند جمع من الفقهاء، وإذا غربت الشمس لا يجوز له أن يتعمد البقاء، يعني: لا يتعمد البقاء تعبداً؛ لأن هذا من مخالفة سنة النبي ﷺ .
في رمي الجمرات مثلاً هناك وقت للبداية، ووقت للنهاية، هناك عدد محدود لا يزيد عنه ولا ينقص، في يوم النحر يرمي جمرة العقبة وحدها، وفي الأيام الأخرى يرمي الثلاث، يرميها وفق ترتيب معين وعدد معين وزمان معين وهكذا سائر أحكام الحج.
هذه تربي عند الإنسان أموراً عديدة: تربي عند الإنسان الانضباط، أولاً: الانضباط الشرعي، وتربيه على الانضباط في حياته، فإن حياة الناس الدنيوية لا تستقيم إلا بالانضباط، وهي تربي في النفس أمراً مهماً جداً وهو مسألة التسليم لله والخضوع لله ﵎، وأن الإنسان حتى لو لم يدرك الحكمة فإنه يجب أن يلتزم أمر الله ، والله لم يشرع شيئاً إلا لحكمة، لكن لا يمكن أن كل الناس يدركوا تفاصيل الأحكام، والحكمة في الجملة ندركها، فنحن -مثلاً- ندرك الحكمة من مشروعية الصلاة، والحكمة من تعدد الصلوات في اليوم الواحد، ومن تنوع الصلاة بين الليل والنهار.
لكن إذا أتينا إلى تفاصيل أحكام الصلاة لا ندرك الحكمة من ذلك، لماذا صلاة المغرب ثلاثاً -مثلاً- والعشاء أربعاً والفجر ركعتين؟ لماذا تلك يجهر فيها وهذه لا يجهر فيها؟ هذا الأمر لا ندرك حكمته، ولو أن إنساناً استنبط أمراً ما فإنه يبقى في النهاية استنباطاً لا يمكن أن يقطع أن هذا هو شرع الله ، فإذا دخلنا في تفاصيل الأحكام الشرعية سوف نجد أحكاماً عديدة لا ندرك حكمتها، وعدم إدراك الحكمة لا ينفي وجود الحكمة، لكن الله تعبدنا بذلك، تعبدنا الله أن شرع لنا عبادات ظاهرة واضحة ندرك حكمتها في الجملة، ثم تعبدنا الله أن نعمل أعمالاً وعبادات لا ندرك تفاصيل أحكامها، حتى يتربى الإنسان على الخضوع لله، والتسليم له ، وهذا المعنى يحتاجه الناس، يحتاج الناس إلى أن يعوا مقاصد الشريعة، ليدركوا عظمة هذا الدين، ويزيدهم إيماناً ويقيناً، ويحتاج الناس أيضاً إلى أن يتربوا على التسليم؛ يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، مادام الله قد قضى أمراً وحكم بأمر فليس لمؤمن ولا لمؤمنة الخيار، وليس هناك مجال للخيار، وليس هناك مجال للسؤال هل نمتثل أو لا نمتثل، حتى عندما نتساءل عن الحكمة وعن مقاصد التشريع فإنه لا يتوقف التزامنا بهذا الأمر على معرفة الحكمة، إنما معرفتنا للحكمة ومقاصد التشريع يزيدنا إيماناً ويزيدنا تقوى، يزيدنا يقيناً وإدراكاً لعظمة هذا التشريع، لكن لا يتوقف التزامنا بذلك على إدراك هذه الحكمة.
فالناس اليوم -مثلاً- يدركون واضحاً وجلياً الحكمة من تحريم الربا، لكن لو أن إنساناً لم يدرك الحكمة أو لم تظهر له الحكمة من تحريم الربا فإن هذا لا يبيح له أن يأكل الربا بحجة أن يقول: لماذا؛ لأن هذا الأمر قد جاء تحريمه نصاً في القرآن والسنة وأجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة، والخلاف إنما هو في بعض التفاصيل، لكن أصلاً التحريم أجمعت عليه الأمة، وحينئذٍ لا مجال لأن يتوقف امتثال الإنسان هذا الأمر على أن يتساءل: لماذا حرم الله ذلك؟
стр. 1356
تنمية القيم الجماعية
أيضاً مما يتحقق في الحج تنمية القيم الجماعية، الحج عبادة جماعية وليس عبادة فردية، وهذا من حكمة الشريعة، فإننا نجد التنوع في العبادات، نجد مثلاً الصيام عملاً فردياً بين الإنسان وبين ربه ، ولا يعني اجتماع الناس على الإفطار أن الصيام تحول إلى عبادة جماعية، ونجد عبادات فردية وجماعية مثل الصلاة، فالصلاة المكتوبة جماعة لكن الإنسان يصلي نافلة لوحده، فتحقق هذه المعاني، ونجد من العبادات ما لا يشرع إلا جماعة، ومثل ذلك الحج فإن الإنسان صحيح أنه يمارس عملاً فردياً لكنه في النهاية يعيش الحج مع الناس، فيجتمع الناس كلهم في يوم عرفة، ويجتمعون في مزدلفة في وقت محدد، فالطواف له وقت محدد ورمي الجمرات وهكذا سائر المناسك، وهذا الاجتماع مقصود ويحقق معاني عديدة، وأعتقد أنا لو تحدثنا عن القيم الجماعية في الحج لاستوعب هذا الحديث الوقت كله، لكن من أهم ما نحتاج إليه تنمية القيم الجماعية، كيف يعيش الإنسان مع الجماعة، كيف يعيش الإنسان مع الآخرين، كيف يتواصل مع الآخرين، يجتمع الناس في الحج، لا يجمعهم لغة، لا يجمعهم جنس، لا يجمعهم لون، لا يجمعهم إلا شيء واحد هو هذا الإسلام وهذا الدين، فيحقق معيار الانتماء للجماعة، يحقق هذه الوحدة الجماعية بين الأمة، وأن أهم ما يجمع الأمة هو هذا الدين الذي يجمعها على اختلاف لغاتها وألوانها وأجناسها وفئاتها، وهذا الأمر نلحظه واضحاً ونحن نعيش ونتفاعل مع موقف الحج.
أيضاً مواقف اجتماع الناس ينشأ عنه تفاعلات وتواصل بين هؤلاء تعلم الناس قيم الجماعة، فيتطلب -مثلاً- قدراً من التضحية، حيث يشعر الإنسان أنه بحاجة أن يؤخر قضاء حاجته من أجل الآخرين، فهو -مثلاً- يريد أن يقبل الحجر، لا يمكن أن يجتمع اثنان على تقبيل الحجر، وهي يعني كما يقال: العبادة الوحيدة التي لا يمكن أن يعملها اثنان في وقت واحد على ظهر الأرض، فما دمت سأقبل الحجر يجب أن أنتظر أن ينتهي من جاء قبلي ثم آتي بعده، وحينما أقبل الحجر فإنني سوف أكون على حساب الآخرين.
وهكذا حينما يصلي الإنسان وراء المقام، فقد لا يجد مكاناً فإنه بحاجة إلى أن ينتظر، كذلك حينما يريد رمي الجمرات، هذه المواقف تنمي عند الإنسان القيم الجماعية، تنمي عند الإنسان أن يعرف أن للآخرين حقوقاً، سواء في مجال وميدان التعبد أو في غيرها من المجالات والميادين، وهذه القيم لا يمكن أن تملى إملاء، ولا تعلم للناس تعليماً، ربما يسمع الناس كلاماً جميلاً حول الجماعة، حول الانضباط، حول الإرادة ويؤثر فيهم، لكن هذا لن يحقق هذا المعنى بصورة صحيحة في النفوس ما لم يعايشه الناس عملاً، يعايشه الناس من خلال البيئة والمواقف العملية.
стр. 1357
التربية على التضحية
أيضاً الحج يربي على التضحية، يضحي الإنسان بماله، براحته، بوقته، في كافة الأوقات يعني: في الليل، في النهار، في الموطن هنا، في الموطن هناك، نجد أن الحجاج يعيشون ويضحون بكل هذه الأمور، يضحي بماله براحته، بوقته، بجهده، بأمور عديدة جداً يضحي بها لله ، ويتقرب بها إلى الله ، وهو ليس مكرهاً، يتقرب إلى الله وهو فرح مستبشر، تجده يرتاح حينما يؤدي هذه العبادة، ويستبشر ويجد الأنس، وهو لا ينظر لهذه العبادة على أنها عبء، وعلى أنها أمر صعب بالنسبة له، إنما يجد الفرحة ويجد الأنس ويجد اللذة، حتى حينما يفرغ من العبادة وينتهي منها يجد الاطمئنان في نفسه.
هذا الأمر أيها الإخوة الكرام! يربي النفوس على التضحية، والنفوس بحاجة إلى التضحية، فالبخل داء سيئ في النفوس وداء مذموم؛ ولهذا كانت العرب تسمي البخيل فاحشاً، يقول طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد أي البخيل، ويقول الله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨]، والفحشاء هنا يقصد بها البخل، فالبخل صفة رذيلة، البخل ليس فقط في المال، البخل في أمور عديدة، أن يبخل الإنسان بجهد يبذله، أن يبخل الإنسان بوقته، أن يبخل الإنسان بطاقته، الحج يربي النفس على الجود، ويربي النفس على التضحية؛ ولهذا الحج جهاد لا قتال فيه كما أخبر النبي ﷺ ، فهو يربي النفوس على الجهاد؛ لأن الجهاد فيه تضحية، والجهاد فيه بذل، والذين يريدون أن يبرزوا في ساحات وميادين الجهاد هم بحاجة إلى أن يتهيئوا، أن تتهيأ نفوسهم بالبذل وتتهيأ نفوسهم بالتضحية، ومما يهيئ النفوس للتضحية والبذل هذه العبادات العظيمة ومنها الحج.
стр. 1358
بناء التوحيد في النفوس
أيضاً الحج يبني في النفوس أمراً عظيماً جداً، بل هو أعظم شيء ألا وهو توحيد الله ، فإن الحج يربي في النفوس التوحيد لله ﵎، وهذا نلحظه في كل مواقف الحج، نلحظه في الدعاء، فإن (أفضل الدعاء دعاء عرفة)، ويقول النبي ﷺ : (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، هو دعاء التوحيد، نلحظه مثلاً في التكبير، يكبر عند الحج، يكبر عندما يرمي الجمرات، يدعو بدعاء التوحيد حينما يصعد على الصفا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، نجد أيضاً هذا في التلبية، نجد مظاهر التوحيد في الجانب العملي، في عمل هو من أفضل أعمال الحج وهو نحر الهدي، وهو لا شك من أعظم شعائر التوحيد، قرنه الله بالصلاة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
وأخبر الله أن من مقاصد الحج أن يتقرب الناس إلى الله بنحر البدن، بهذا البيت العتيق: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، ثم قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
أيضاً نجد فيما يتصل بالتوحيد في الحج نجد أيضاً الجهر، يجهر الإنسان بالتلبية، هو نوع من إظهار شعائر الإسلام، ونوع من إظهار التوحيد، وقال جابر ﵁: (فلبى النبي ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك).
стр. 1359
تأكيد هوية الأمة
نجد أيضاً في الحج تأكيد هوية الأمة، وهو مما يؤصل التوحيد، بتأكيد مفارقة المشركين، وقد تمثلت في أمور عديدة، تمثلت أولاً في التلبية، فإنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فخالف النبي ﷺ هديهم.
وتمثلت مفارقة المشركين في أداء الحج، بل قصد النبي ﷺ ذلك، فإن المشركين كانوا يخرجون من عرفة قبل أن تغرب الشمس، فخالف النبي ﷺ وقال: (خالف هدينا هدي المشركين) فبقي النبي ﷺ حتى غربت الشمس.
كانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير وخالف النبي ﷺ هديهم في ذلك فدفع النبي ﷺ من مزدلفة قبل أن تشرق الشمس، وقال ﷺ في ذلك: (خالف هدينا هدي المشركين) مما يعني: أن هذا أمر مقصود.
أمر مقصود أن تتميز الأمة، أمر مقصود أن تعيش الأمة هذا التميز وأن تشعر أنها أمة متميزة، أمة لها هويتها، ونحن أحوج ما نكون في هذا الوقت إلى هذه القيم وهذه المعاني أن تتربى عليها الأمة وأن تعيشها الأمة، على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي أيضاً.
الأمة اليوم تعيش انهزام، الأمة نظراً لتأخرها في ميدان الحضارة، وميدان العلم المادي، والواقع السياسي والواقع الاجتماعي أصبحت تعيش عقلية الهزيمة، ولتفوق الآخرين عليها أصبحت تعيش التقليد، وما نلحظه اليوم في واقعنا وسلوكنا من الهزيمة النفسية عند الأمة تجاه الآخرين، والشعور بالهوان والضعف والتقليد، هذه المظاهر التي تدل على خلل في هوية الأمة، تدل على خلل في اعتزاز الأمة بهويتها، هذه المظاهر تقودنا إلى إثارة هذا
السؤال
أين أثر هذه العبادات على الأمة؟ ولو أن الأمة تعي حقيقة هذه العبادات لتركت أثرها، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي.
стр. 1360
تعظيم شعائر الله
الحج يربي في النفوس تعظيم شعائر الله ؛ قال الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، هذه الآية كما نعلم جاءت في سياق آيات الحج، فأخبر الله أن من مقاصد هذه العبادة العظيمة تعظيم شعائر الله ، وأن تعظيم شعائر الله له أثره في تحقيق التقوى في النفوس والقلوب، تعظيم شعائر الله يتمثل في أمور عديدة، مثلاً الحاج لا يتجرأ على ارتكاب المحظور، فهو لا يتجرأ على أن يأخذ شيئاً من شعره، لا يتجرأ على أن يتطيب، على أن يقتل صيداً، على أن يعبد شجرة، لا يتجرأ على الإلحاد في بيت الله الحرام، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، لا يتجرأ على إيذاء إخوانه، تعظيم شعائر الله مجال وميدان واسع في الحج، فهو يربي في النفس تعظيم شعائر الله فيعود الإنسان وهو يعظم شعائر الله، يعظمها في قلبه وفي نفسه، ثم هذا التعظيم يظهر أثره على جوارحه، ويظهر أثره في تعامله مع شعائر الدين سواء فيما يتصل بالجانب المعرفي والوجداني الداخلي أو ما يتصل بالجانب الظاهر في تعامله مع أحكام الشريعة.
ومن صور تعظيم شعائر الله : حفاظ الإنسان على الطاعة، وتعظيم أمرها وشأنها، وبعد الإنسان عن معصية الله ، وعدم تجرئه على معصية الله ﵎، كل هذه القيم وهذه الحقائق تتربى في النفوس من خلال الحج.
стр. 1361
تربية جانب الأخلاق والسلوك
والحج أيضاً يربي جانب الأخلاق والسلوك، يقول الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فجو الحج مع الزحام يقود إلى الجدال والخصومة، يقود الناس إلى تجاوز الحد الخلقي وحينئذٍ يوضع الناس أمام محك، والإنسان لا يتعلم حسن الخلق إذا عاش لوحده؛ لأن الخلق سلوك يمارسه الإنسان في تواصله مع الآخرين، فحينما يتواصل الإنسان مع الآخرين في مواقف تتطلب منه ذلك يتعلم حسن الخلق، وأنت لا تكتشف خلق الإنسان في الأجواء العادية، لكن هذا الإنسان حينما يغضب تقيس -مثلاً- تحكمه في انفعالاته، وحينما يعيش مواقف الحج والزحام مع الناس وهذا يخطئ على هذا وهذا يتعلم الإنسان كيف يصبر، ويتعلم كيف يحسن خلقه؛ ولهذا ربط النبي ﷺ هذه القضية بالحج فقال: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) وكان ﷺ يوصي بالرفق واللين فكان يقول: (أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع) والإيضاع هو الإسراع، ومن تأمل سلوك الناس في الحج وهم يرمون الجمرات، وهم في الطواف، يجد أن هناك خللاً في الجانب الخلقي والسلوكي، وهم يعيشون في جو العبادة التي تربيهم على ذلك، وتنمي عندهم هذا الأمر.
стр. 1362
التربية على الصبر
أيضاً نجد في الحج التربية على الصبر، وتحمل المشاق، فإن طبيعة الحج فيه جهد ونصب وتعب، فإذا كان في شدة الحر يعاني الناس من الحر والتعب، وإذا كان في الجو البارد أيضاً عانى الناس، ومع الزحام يعاني الناس، كذلك الأمراض التي تنشأ عند الحجاج كالتعب الإرهاق، فقد أصبح معتاداً أن الذي يأتي من الحج يبقى أياماً وهو يعيش أثر الإجهاد والتعب، هذا النصب وهذا التعب يربي الإنسان على الصبر والتحمل، كذلك طبيعة أعمال الحج وما فيها من زحام، وما تتطلبه من مشي، وإن ركب في سيارته عاش الزحام في السيارات كل هذه المواقف تربي عند الإنسان الصبر، والناس اليوم أحوج إلى هذه المعاني وهم يعيشون حياة ترف ورفاهية، هذه الرفاهية التي عاشها الناس في بيوتهم، في مراكبهم، في تنقلاتهم، في ذهابهم، في إيابهم، حينما يذهبون إلى الحج يتعلمون هذه القيم؛ ومن أثر الرفاهية في حياة الناس اليوم أن الناس يتسابقون على الحملات التي تقدم خدمات رفاهية وخدمات مريحة، وأيضاً الحملات في رعايتها دائماً تركز على هذا الجانب في حديثها مع الناس، لكن مع ذلك سيبقى الحج يحتاج صبراً وتحملاً، سيبقى الحج فيه معاناة، والله قد قال في كتابه: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [النحل:٧]، وحيئذ يأتي الحج يربي عند النفوس الصبر، والصبر معنى جميل؛ فإنه عندما تكلم الناس عن الصبر كل الناس يحبون الصبر، ويثنون على الصبر، ولا يوجد أحد أبداً يذم الصبر، لكن التحدي كيف أتعلم الصبر، كما قلت قبل قليل: لن نتعلم هذه الأمور من خلال مجرد الحديث عن أهميتها ولا الوصاة بها ولا التأكيد عليها، لن نتعلم هذا إلا من خلال المواقف العملية التي تربي فينا هذه القيم وتربي فينا هذه المعاني.
стр. 1363
التربية على تحمل المسئولية
أيضاً مما يحققه الحج التربية على تحمل المسئولية.
الإنسان بحاجة إلى أن يتربى على تحمل المسئولية، المسئولية بكافة جوانبها، أولاً المسئولية الدينية بينه وبين الله ، فالله أخبر أن كل إنسان مسئول عن نفسه، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
ويقول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) فهي مسئولية فردية بينه وبين ربه ، مسئولية تجاه المجتمع، فالنبي ﷺ يقول: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أسفلها وبعضهم أعلاها) فكل فرد مسئول عن هذا المجتمع، وكل فرد يتحمل هذه المسئولية.
أيضاً مسئولية الإنسان في حياته المادية، في حياته الخاصة، هو مسئول عن أهله، مسئول عمن يعول، مسئول عن الإنفاق على نفسه، مسئول عن حماية نفسه من الضرر، مسئول عن حماية مجتمعه من الضرر، هذه المسئولية يتربى عليها الإنسان من خلال الحج، فهو في الحج مسئول عن أعماله، لو ارتكب محذوراً فإن عليه الجزاء في ذلك، لو قتل صيداً لا يحل له عليه الجزاء، حتى لو عمل بعض الأعمال عن جهل ومثله لا يعذر به فإنه يتحمل المسئولية، فيربي عند الإنسان تحمل المسئولية، وتحمل المسئولية هي قيمة يعيشها الإنسان، وليست مجرد وصايا وتأكيد كما ذكرنا قبل قليل.
стр. 1364
ربط الإنسان بأمته
أخيراً: الحج يربط الإنسان بأمته من خلال أولاً القبلة، فنحن في الحج نتجه إلى هذه القبلة التي تجمع الأمة والتي نتجه إليها في صلاتنا، نتجه إليها في دعائنا، نتجه إليها في عبادات عظيمة، الأمة كلها تجتمع على قبلة واحدة، ويأتون إليها، وربما الذي اعتاد أن يرى بيت الله الحرام والكعبة قد لا يدرك عظم الشوق الذي يعيشه المسلم الذي قضى وقتاً طويلاً من عمره، وهو يستقبل هذه القبلة في صلاته، في دعائه، قد لا ندرك عظم الشوق الذي يختلج في نفوس هؤلاء أن يروا هذه القبلة ويعاينوها ويفدوا إليها.
هذا يوحد الأمة، يوحد انتماء الإنسان لهذه الأمة الذي يمثل هذا البيت رمزاً لوحدتها؛ ولهذا يهدم هذا البيت في آخر الزمان حين لا يحج أحد كما أخبر النبي ﷺ .
وحدة الأمة في وقوفها، في مناسكها، في عبادتها يربي في النفوس الانتماء لهذه الأمة ووحدة هذه الأمة.
أيها الإخوة الكرام! الحديث عن هذه العبادة العظيمة حديث يطول، ولو أردنا استقصاء ما في هذا الحج من منافع فإننا لن نستطيع، ويكفي أن الله قد ذكر ذلك منكراً فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]، والنكرة من صيغ العموم، منافع عديدة في كافة حياة الناس وأمورهم، وما ذكرناه هو جزء من أثر الحج على بناء النفس، وإلا لو أخذنا المنافع الأخرى فإن الوقت يضيق.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يعبده حق عبادته، ويتقيه حق تقواه إنه سميع مجيب، ونسأل الله ﵎ أن ييسر لإخواننا حجاج بيت الله سفرهم، وأن يجعل حجهم مبروراً وسعيهم مشكوراً، ويتقبل منا ومنهم إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1365
أبناؤنا والتربية في بلاد الغرب
إن الاهتمام بتربية أبنائنا في بلادنا أمر ضروري وبالغ الأهمية، فما بالك إذا كانوا يعيشون في بلاد الغرب فعندها يكون الأمر أكثر أهمية؛ لأن حياة الغرب لها مظاهرها المخالفة لدين الله تعالى، والتي تهيئ لأبنائنا الأسباب لينجرفوا وراء تلك الحياة المادية الشهوانية الحيوانية، فحري بكل ولي أمر أن يهتم بأولاده، وأن يضع لهم البرامج التي تغنيهم عن مظاهر الحياة الجذابة هناك.
стр. 1366
صعوبة التعامل مع الحياة في المجتمعات الغربية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيسعدني ويشرفني أيها الإخوة والأخوات! أن أتحدث أمامكم وبين أيديكم، وكم أتمنى أن يكون هذا اللقاء مباشراً والحديث كفاحاً، لكن إذ لم يتيسر اللقاء المباشر فلا أقل من أن يكون مثل هذا الحديث، وإن كان لا يفي برغبتي وتطلعي، وأحسب أنكم كذلك.
إخواني وأخواتي: إن التربية في كل المجتمعات لها مشاكلها، والتربية قضية شائكة؛ إنها تعامل مع الإنسان، ذلك الكائن المعقد، إنك حين تتعامل مع كائن مادي يمكن أن تدخله المختبر، ويمكن أن تجري عليه تجربة، ويمكن أن تتحكم في متغيراته، لإنك تتعامل مع متغيرات واضحة ومحددة، وإذا جهلت جانباً منها فبإمكانك أن تتعلمه، وبإمكانك أن تجرب، وأما الإنسان فهو كائن آخر يختلف عن سائر الكائنات، إنه كائن تؤثر فيه متغيرات عدة يصعب أن تستنبطها أو تحصرها.
إن هذه المتغيرات تتفاعل مع بعضها، فيولد هذا المتغير تأثيراً، والآخر من طرف آخر تأثيراً مناقضاً، والثالث كذلك، وتفاعل هذا المتغير مع الآخر يولد تأثيراً آخر؛ بل إن الموقف والتجربة يصعب استنساخها ويصعب تعميمها، فالذي يلائم زيداً لا يلائم عمراً، والذي يصلح مع ابنك الأكبر قد لا يصلح مع الآخر، والذي يؤثر إيجاباً في موقف قد يؤثر سلباً في موقف آخر، بل إن الشخص نفسه قد يكون هذا الأسلوب مؤثراً عليه في موقف، وفي الموقف الآخر قد يؤدي تأثيراً من نوع آخر، وهو أمر نشهده في حياتنا، ونشهده مع أولادنا وبناتنا.
إننا أمام كائن معقد تتداخل فيه العوامل والمؤثرات، أمام كائن تحكمه نفسية صعبة معقدة، الإنسان نفسه يصعب عليه أن يفهمها فضلاً عن أن يفهمها الآخرون.
إننا إخواني وأخواتي مهما أوتينا من خبرة وتجربة، فإننا لا يمكن أن نصل إلى حد اليقين بتأثير تربيتنا وجهدنا، لكن حسبنا أن نبذل الجهد وأن نبذل ما نستطيع، وحسبنا أن نجتهد، والاجتهاد -إخواني وأخواتي- ليس في مجرد الدافع وحده، ليس في مجرد أن ننصح فقط، وأن نأمر وأن ننهى، لا، بل الاجتهاد يتطلب منا أن نبحث عن الوسائل التربوية المؤثرة الناجحة، ويتطلب منا أن نرتقي بخبراتنا ومعارفنا ومهاراتنا التربوية، ويتطلب منا أن نبحث عن حلول لمشكلاتنا.
إن الله أمرنا أن نتقيه ما استطعنا، وهذا من تقوى الله ﵎ ما استطعنا، فلئن كانت التربية -إخواني وأخواتي- مسألة صعبة ومعقدة، فهي في ظل الظروف التي تعيشون فيها أكثر صعوبة، وأكثر تعقيداً، وأكثر معاناة.
فيجب أن نضع في ذهننا بادئ ذي بدء أننا نعيش في وضع غير طبيعي، فأنتم تربون أولادكم على قيم تخالف قيم المجتمع، وتسمعونهم غير ما يسمعهم المجتمع، وتأمرونهم بخلاف ما يأمرهم به المجتمع، إنكم تسيرون في اتجاه والمجتمع في اتجاه آخر؛ فأنتم تسيرون ضد التيار.
فيجب أن نعي -إخواني وأخواتي- أنه يصعب أن نقضي على المشكلة نهائياً، ولا أعتقد أن هناك حلولاً يمكن أن تنقلنا إلى بر الأمان، وأن تجعل قضية التربية قضية محسومة مضمونة النتائج، لئن كان هذا الأمر صعباً على أولئك الذين يعيشون في بلاد الإسلام، فالذين يعيشون مثلكم الأمر لديهم أصعب.
فلا بد أن نستوعب طبيعة المعاناة التي نعيشها، وهذا يدعونا إلى ألا نكون مثاليين، وهذا يدعونا إلى ألا نعلق على جهدنا البشري كل شيء، فما نقوله وما نعمله وما نسعى إليه في تربيتنا لأولادنا ونحن في هذه البلاد غاية ما فيه أننا نبذل جهداً، ونبذل سبباً، والتوفيق بيد الله ﵎.
стр. 1367
لابد من التضحيات حتى نجنب أولادنا فتن البلاد الغربية
أقول إخواني وأخواتي: لا نتطلع إلى أن تحل المشكلة نهائياً، أعتقد أنكم تعيشون هذا الوضع غير الطبيعي الذي لا يمكن أن تنحل معه المشكلة بصورة قاطعة.
أيضاً لا بد من التضحيات، إننا نطلب مطلباً صعباً، نطلب أن نحافظ على أولادنا وبناتنا، نطلب أن نحافظ عليهم في هذه المجتمعات التي نشعر فيها أن التيار يسير في اتجاه ونحن نسير في اتجاه آخر، حين نختار أن نربي أولادنا على قيم الإسلام، وأن نربي أولادنا تربية إسلامية حقيقية ونحن في هذه المجتمعات فيجب أن نعرف أننا اتخذنا قرارات يجب أن نضحي من أجلها، ويجب أن نبذل الثمن من أجلها، ومن هنا فأولئك الذين يجعلون قضية التربية آخر اهتماماتهم غير مصيبين، فهو على سبيل المثال حين يختار سكناً فإن العامل الأول الذي يدفعه لهذا السكن هو مدى قربه أو بعده من موقع عمله، أو من جامعته التي يدرس فيها.
وهو حين يختار مدينة يسكن فيها، وحين يختار حياً، وحين يختار منزلاً فإنه يتخذ قراراً، وحينما تكون التربية آخر ما يرد في ذهنه فإنه بحاجة إلى أن يعيد النظر في جديته، أقول حينما نطلب أمراً غالياً فلا بد أن ندفع الثمن، وهذا يعني أننا لا بد أن نضحي بمكتسبات كثيرة، فقد يحتاج الأمر أن نتحمل مزيداً من المال، ومزيداً من الوقت، ومزيداً من الجهد، وقد نتنازل عن أمور نرغبها في سبيل تهيئة بيئة تربوية مناسبة لأولادنا، وما لم نحمل الاستعداد على التضحية فأعتقد أننا سنخسر كثيراً.
стр. 1368
الاهتمام بتربية الأولاد في بلاد الغرب من أهم الأولويات
ولا بد أيضاً من ترتيب الأولويات، وأعتقد أن صلاح أولادنا واستقامتهم من أهم الأولويات لدينا، ومن أعظم الأمور، إن الأب حين يمرض ولده فإنه يبذل كثيراً من ماله لأجل أن يعالجه، وحين لا يتاح له العلاج في بلده فإنه يسافر، ويستدين ويقترض، ويتحمل، ولا يستكثر شيئاً من ذلك؛ لأجل أن ينقذ ولده من هذا المرض؛ فكيف إذا كان المرض أشد؟ وكيف إذا كان المرض يتعلق بمرض القلب؟ وكيف إذا كان الأمر يتعلق بالهلاك الذي لا نجاة بعده؟ وكيف إذا كان الأمر يتعلق بهذا المصير المحتوم؟ عافانا الله وإياكم.
فلئن كان الأب يضحي ويبذل الجهد من أجل أن ينقذ ولده من مرض البدن، فأعتقد أن غيره من الأمراض أولى بالتضحية، وأولى بأن يدفع الثمن من أجلها.
فلا بد إذاً إخواني وأخواتي أن نضع هذه القضايا في الاعتبار، فنحن نعيش في وضع غير طبيعي، ولا يمكن أن نحل المشكلة نهائياً، إنما غاية ما نقدمه أن نقدم وسائل تعين على التعايش بصورة أفضل مع هذه المشكلة، ومع هذه المعاناة، ولا بد من أن نضحي؛ لأننا نطلب أمراً باهظ الثمن، ولا بد من ترتيب الأولويات.
ما هو مكمن المشكلة؟ مكمن المشكلة باختصار أننا نعيش في بيئة مناقضة لما نريد، فنريد أن نربي أولادنا على خلاف ما تدعوهم إليه البيئة التي يعايشونها في الشارع، وفي المدرسة، وفي وسائل الإعلام، وفي السوق هنا وهناك.
وأعتقد أننا يمكن أن نعمل من خلال مسارين: المسار الأول: إضعاف المؤثرات التي تؤثر سلباً على أولادنا، وحين أقول الأولاد، فإنني أعني بذلك البنين والبنات.
المسار الثاني: أن نقوي المانع الذي يجعل أولادنا يكونون أكثر قدرة على مواجهة هذه المؤثرات التي تناقض ما نريد.
стр. 1369
إضعاف المؤثرات التي تؤثر سلباً على الأبناء لتجنيبهم شرور بلاد الغرب
المسار الأول: إضعاف المؤثرات.
لا بد أن نعي إخواني وأخواتي طبيعة النفس البشرية، فالنفس فيها ميل للشهوة، فيها ميل للهوى، فيها الكسل، والنفس قد تقتنع بأن هذا الطريق لا يقودها إلى طريق الخير والسعادة، وقد تقتنع بأن هذا الطريق يقودها إلى الهلاك والبوار، ومع ذلك فهي تلتزم هذا الطريق.
إن كثيراً من المسلمين الذين نراهم يتجرئون على الكبائر، ويتجرئون على المعاصي، يدركون ما هم عليه من خطأ، فلم يؤتوا من جهلهم، وإنما أتوا من ضعف إرادتهم، ومن ضعف سيطرتهم على أنفسهم.
فإذا أدركنا إخواني وأخواتي طبيعة النفس البشرية، وأن النفس تضعف، وأن الاقتناع وحده ليس هو الباعث الوحيد للإنسان على سلوك الطريق، وأن الإنسان قد يسلك طريقاً بخلاف ما يقتنع به، ندرك عندها أن العلم وحده لا يكفي، وأن التوجيه وحده لا يكفي، وأن الإقناع وحده لا يكفي، وإن كان كل ذلك لا بد منه إلا أنه لا يكفي، فلا بد من إرادة، ولا بد من تضحية، ولا بد من تخل.
وكم نرى في أنفسنا أننا تأتينا ظروف ومواقف تدعونا إلى أن نقع في المعصية، وإلى أن نتكاسل عن الطاعة، ليس جهلاً منا وإنما ضعف أمام هذه المؤثرات.
إذاً: فإضعاف المؤثرات والتقليل منها يجنب أولادنا الوقوع في كثير من هذه المزالق.
لقد جاء الشرع لسد الذرائع، فنهى عن الدخول إلى منازل الآخرين دون استئذان، وقال ﷺ : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، ونهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ونهى أن يخلو الرجل بالمرأة، وأمر المرأة بالحجاب، وحرم الغناء، وحرم السفور والتبرج.
وجاءت أحكام كثيرة القصد منها تقليل فرص التأثير على الناس بما يقودهم ويدفعهم إلى المعصية، هذه الأمور لم تحرم لذاتها؛ وإنما حرمت لكونها وسيلة للوقوع في الحرام، وماذا يعني حين يحرم الشرع هذه الأمور؟ يعني: أن النفس بحاجة إلى أن تنقذ وأن يحال بينها وبين هذه المؤثرات، هذا الأمر لا بد أن نعيه؛ لأن من الناس من يلغي هذا الاعتبار، ويرى أن الاقتناع هو كل شيء، وأن أهم شيء هو الإقناع، فالإقناع أمر مهم وضروري وسنأتي إليه، لكن لا بد أن نضعف هذه المؤثرات قدر الإمكان، نضعف المؤثرات من خلال حجب ما نستطيع حجبه منها، أو التخفيف من شرها.
وإضعاف هذه المؤثرات يتم بأمور عدة:
стр. 1370
تقليل فرص التعرض لهذه المؤثرات
الأمر الأول: تقليل فرص التعرض لها فنسعى قدر الإمكان إلى أن نقلل من فرص تعرض أولادنا للمظاهر والمواقف السيئة في هذا المجتمع، بحيث أن نقلل قدر الإمكان من الخروج إلى الأماكن العامة، وأن نقلل من اصطحابهم إلى الأسواق والأماكن العامة التي يظهر فيها هؤلاء على سجيتهم، ويمارسون سلوكيات وأخلاقاً وأموراً أنتم أعلم مني بها.
وأيضاً من وسائل تقليل فرص التعرض لهذه المؤثرات: وسائل الإعلام.
وهي من أكثر ما يؤثر على الناس، ومن وسائل ضبط ذلك أن نقلل قدر الإمكان من تعرض أولادنا لمتابعة ومشاهدة التلفزيون والإنترنت، وأن نسعى إذا ابتلينا بهذه الأدوات ولم نجد بديلاً للتخلص منها أن تكون في مكان عام في المنزل، ومكان متاح، وأن نحذر أن تكون في غرف الأولاد، نحرص أن تكون المشاهدة قدر الإمكان جماعية إذا اضطررنا لذلك، مصحوبة بالتعليق المناسب والمقنع على المواقف المخالفة، فلا نترك أولادنا يتابعون الشاشات لوحدهم، ويتابعون وسائل الإعلام لوحدهم.
إذاً: فالأمر الأول أيها الإخوة والأخوات الذي يضعف هذه المؤثرات: أن نقلل من فرص تعرض أولادنا لها من خلال وسائل عديدة، وما ذكرته هو لمجرد التمثيل لا الحصر.
следующие страницы →