Полный текст (1 904 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ألا يكون البيت كالمقبرة
هذه العبادة والتوجه لله ، وعمارة البيوت بذكر الله لها آثار ونتائج عدة منها: أن لا يكون البيت من المقابر، والنبي ﷺ قد شبّه البيت الذي لا يُصلى فيه بالمقبرة، فما وجه الشبه بين البيت الذي لا يصلى فيه والمقبرة؟
و
الجواب
أن المقابر لا تجوز الصلاة فيها سداً لذريعة الشرك كما تعلمون، لكن أيضاً في هذا الحديث معان أخرى أشار إليها شُرّاح الحديث، منها: أن أهل المقابر لا يصلون في قبورهم، وإنما ذلك خاص بالأنبياء كما رأى النبي ﷺ موسى يصلي في قبره.
فأهل المقابر لا يصلون في قبورهم، وحين لا يصلي المرء في بيته يصبح بيته كالمقبرة لا يُصلى فيها.
معنى آخر: أن البيت الذي لا يصلي فيه الإنسان يصبح للنوم والاستراحة، والنوم أخو الموت فهو الموتة الصغرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢].
فحين يكون بيت المرء لنومه فقط صار شبيهاً بالمقبرة التي هي للأموات، فصار هذا البيت له كحال القبور لأصحابها فهم لا يعيشون فيها إلا موتى، وهذا لا يعيش فيه إلا ميتاً، ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ في الحديث الذي ذكرناه قبل قليل: (مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه كمثل الحي والميت).
وعلى كل حال فهذه المعاني كلها محقرة لهذا البيت الذي لا يُصلى فيه واستدل بهذا الحديث على النهي عن الصلاة في المقبرة.
ثانياً أهل القبور لا يصلون، وحال هذا البيت الذي لا يُصلى فيه كحال أهل القبور، إلا أنهم يفارقوا أهل القبور أنه يكتسب السيئات وأولئك قد انقضى عنهم، أيضاً هذا البيت ليس إلا للنوم وهو الموتة الصغرى فحاله فيه كحال أهل القبور في قبورهم.
стр. 177
نفور الشياطين
الأثر الثاني لإحياء العبادة في البيت هو نفور الشياطين: فإن الشياطين إنما تأنس إلى الأماكن القذرة، أليس النبي ﷺ يأمرنا أن نستعيذ بالله حين ندخل الخلاء من الخبث والخبائث؟ أليس يخبر أن هذه الحشوش محتضرة؟ فالشياطين إنما هي نجسة تأوي للأماكن النجسة القذرة المستقذرة، وتأوي إلى الأماكن التي يعصى الله فيها، ولهذا فهي تأوي إلى هذه البيوت، وحين يُعمر البيت بطاعة الله وتلاوة كتابه وذكره فإن الشياطين تنفر منه، ويدل على ذلك مما سبق قوله ﷺ : (إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، وأيضاً في حديث جابر أنه ﷺ قال: (أغلق بابك واذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأطفئ سراجك واذكر اسم الله) فذكر الله ينفر منه الشيطان.
فتخيل أنت معي هذا البيت الذي إذا دخل رب المنزل ذكر اسم الله، وإذا دخل الابن ذكر اسم الله، وإذا دخلت المرأة ذكرت اسم الله، وإذا أطفأ المصباح ذكر اسم الله، وهم فيما بين ذلك يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه ويكبرونه، وإذا اضطجعوا ذكروا الله، وإذا أكلوا طعاماً ذكروا الله، ثم هم أيضاً يتلون كتاب الله في هذا البيت، وهم يحيون هذا البيت بالصلاة النافلة والراتبة، أو بإحياء الليل، فتخيل أي مكان سيجده الشيطان في هذا البيت العامر بالتقوى والإيمان وعبادة الله .
стр. 178
نزول البركة وحلولها
ثالثاً: هذا مدعاة لنزول البركة وحلولها، فإن البيوت التي يُذكر فيها اسم الله تحل فيها الملائكة وتنفر منها الشياطين فتحل فيها البركة، ولا شك أن اسم الله ما ذُكر على أمر إلا وحلت البركة فيه، وحين يكون أيضاً معموراً بالصلاة والذكر والتسبيح وغيرها من أمور طاعة الله وعبادته فإن هذا البيت يصبح بيتاً مباركاً على أهله، وعلى من يسكنه.
وكم نحتاج إلى أن نعيش في هذا الجو الآمن المطمئن، في جو تنفر منه الشياطين، في جو تحل فيه البركة والخير كما أخبر ﷺ ، فإذا كان السلام مدعاة لأن يكون بركة على المرء وعلى أهل بيته فكيف إذا أُضيف مع السلام ذكر الله في كل الأحوال؟ كيف إذا أضيف مع ذلك تلاوة كتاب الله والصلاة والتوجه لله ؟
стр. 179
تربية أهل البيت على العبادة
رابعاً: العبادة في البيت مدعاة لأن يتربى أهل البيت على عبادة الله وطاعته ، وللأسف كم تفتقر بيوت المسلمين لهذا الأمر، إنك لو أتيت إلى بيوت الصلحاء الخالية من المعاصي والفجور دعك من بيوت من جوارهم وهم عامة وأغلب المسلمين، إنك لو أتيت على بيوت هؤلاء لوجدت أن الأبناء والبنات الذين يعيشون في هذا البيت لا يرون فيه أثر الطاعة والعبادة، فوالدهم الصالح العابد إنما يصلي ما كتب الله له في المسجد وينصرف وهم لا يرون منه في بيته إلا الوجه الآخر، فلا يرون منه إلا الحديث معهم في أمور الدنيا والذهاب والإياب، ويبقون في بيتهم كأنهم في صالة طعام، أو مكان يأوون إليه ويبيتون فيه، وليس هذا شأن البيوت، وليس هذا شأن الأسرة فهي المحضن الذي يتربى فيه أهل البيت على الطاعة والتقوى والصلاح باع أحد السلف جارية وكان بيته معموراً بقيام الليل وعبادة الله ، فلما جاء ثلث الليل قامت توقظ سيدها الذي اشتراها فقال: لم يحن الفجر بعد! فقالت: أوما تستيقظون إلا عند الفجر، إنكم قوم سوء! فلما أصبحت خرجت تبكي إلى سيدها الذي باعها تسأله بالله أن يعيدها إليه، فقد باعها إلى قوم سوء لا يستيقظون إلا مع الفجر.
فماذا عسى هذه الجارية أن تقول لو رأت الكثير من بيوت المسلمين والذين لا يستيقظون حتى مع الفجر، ماذا عسى أن تقول؟ وانظر إلى أثر هذا البيت الذي عُمر بالتقوى والصلاح وعبادة الله، كيف كان أثره على هذه الأمة التي كانت تخدم فيه؟ حتى كرهت أن تفارق هذا البيت، فكيف بأثره على الأبناء والبنات والذرية؟ وهو أثر يتركه الأب على أسرته وبيته.
وحين يسلكه الشاب أو الفتاة يترك أيضاً أثراً على سائر أهل منزله وبيته، إن أهل المنزل يرون هذا الشاب قد سلك في قطار الصالحين، وسار في طريق الأخيار العابدين، لكنهم لا يرونه إلا أوقاتاً محدودة يرونه لماماً يتناول معهم الطعام، أو يرتاح في المنزل، أو منزوياً هنا وهناك، وقلما يرونه تالياً لكتاب الله ، قلما يرونه مصلياً ذاكراً لله ، ولهذا نرى أن البعض من الشباب يقل أثره على أهل بيته، والسبب هو إهماله لهذا الأمر، ولو كان شأنه العبادة وديدنه الطاعة فعمر أحواله وبيته بعبادة الله تلاوة وصلاة وذكراً لله لترك أثره على أهل بيته، وكم رأينا من بيوت صلحت واستقام أهلها كبيرهم وصغيرهم بصلاح واحد من الأبناء ربما كان لم يتجاوز الحلم إلا بقليل.
стр. 180
دفع أثر الشرور والآثام
الأثر الخامس: أن بيوت المسلمين وللأسف مليئة بالمعاصي وبما يسخط الله ، أليست الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟ فكيف إذا ملئ البيت بالصور الفاتنة والمثيرة؟ فكيف إذا ملئ بأجهزة الفساد واللهو التي تعرض الرذيلة والفساد والسوء فيعيش البيت في جو صاخب من المشاهد المخزية والمعازف ومعصية الله، إن هذا أحرى أن تفارقه الملائكة وأن تحل فيه الشياطين، فحين يبتلى شاب أن يكون في بيته شيء من هذه المعاصي، فهو حين يجعل لبيته نصيباً من صلاته وذكره وتلاوة كتاب الله يدفع شيئاً من هذه الشرور والآثام عن هذا المنزل وعن هذا البيت.
стр. 181
اتخاذ العبادة شأناً وديدناً لأهل البيت
سادساً: حين يعبد المسلم ربه في بيته، وحين يكون لبيته نصيب من صلاته وعبادته لله فإن هذا مدعاة لأن تكون العبادة شأناً له وديدناً له في كل أحواله، فهو يعبد الله في المسجد، وهو يعبد الله حين يلتقي برفقته وإخوانه الصالحين الأتقياء البررة، وحين يعود إلى البيت كذلك، فتصبح العبادة شأناً له وديدناً، فيلهج لسانه وجوارحه وأحواله كلها في العبادة لله ، فتصبح عبادة الله عادة له يشق عليه أن يتركها، وأمراً يألفه فيصعب عليه أن يفارقه، بعد أن كان يجاهد نفسه ويكابدها على هذه العبادة.
أرأيت مثلاً الذي لا يشهد صلاة الفجر مع الجماعة، كم يثقل عليه حينما يريد أن يستيقظ للصلاة؟ أما الذي اعتاد أن يستيقظ للصلاة فالأمر هين عليه سهل، بل يثقل عليه ويشق عليه ويصيبه السأم والأسى حين لا يستيقظ مرة من المرات، وهكذا شأن سائر العبادات، فحين يديم المرء عبادة ربه وذكره وتلاوته يصبح جزءاً من حياته لا يستطيع أن يفارقه، يصبح مدمناً على هذا الأمر ومداوماً عليه فيصعب عليه ويشق عليه تركه، فيصبح من المخبتين المتقين المقبلين على الله .
سابعاً: وهي قضية مهمة خاصة للشباب، هو أن كثيراً من الشباب يشتكي من البيت أو يشتكي من الفراغ والخلوة في البيت، وحين يبقى في منزله فهو يبقى كأنه في زنزانة على أحر من الجمر، ينتظر صاحبه الذي اعتاد أن يصحبه كل يوم أن يطرق عليه بابه أو جرس الهاتف مؤذناً له بأنه سيحل عليه، وحين يفارق أصحابه أو يفارقونه يشعر بوحشة وغربة، فيعيش في البيت كأنه يعيش في جحيم، ولهذا تراه يتمنى أن لا يعود مبكراً إلى المنزل، ويتمنى أن يفارق المنزل حين يحل فيه، وله شيء من العذر في ذلك، ذلك أنه يرى أنه حين يكون مع إخوانه ومع رفقته يكون أكثر إقبالاً على الله ، وأكثر طاعة له وأكثر بعداً عن معصيته، أما حين يخلو بنفسه ويغلق عليه بابه فإن ذلك مدعاة لأن يستولي عليه الشيطان، مدعاة لأن يوقعه في معصية الله ، والشيطان يهم بالواحد وهو من الاثنين أبعد، ويهم بالاثنين وهو من الثلاثة أبعد، ولهذا نجد البعض من الشباب قد ينحرف، وقد يضل حين ينقطع عن رفقته، ويبقى وقتاً في منزله، فلم يعتد أن يبقى وحيداً، ويتساءل: ما العلاج لهذه الظاهرة وهذه الحالة؟ لكنه لو اعتاد أن يعمر البيت بالعبادة، فيقرأ القرآن في بيته، ويذكر الله، ويصلي لله في أي وقت تكون فيه الصلاة مشروعة ليست خاصة بالرواتب، ولا بقيام الليل بل في أي وقت ما دام ليس وقتاً للنهي فالمرء مشروع له أن يصلي لله ما كتب له، فهو حين يعتاد هذا الأمر ما أن يخلو في منزله حتى يفزع إلى صلاته، أو إلى تلاوة كتاب الله ، أو إلى ذكر الله ، فلا يشعر بالغربة، ولا يشعر بالوحشة، ولا يشعر بأثر فقدانه لأصحابه وإخوانه، بل ربما صار يدعوه ذلك إلى أن يجتهد في أن يكون له نصيب من خلوته بالله ، له نصيب يخلو فيه ويبتعد فيه عن الناس ليركع ركعتين لله في ظلمة الليل، أو يتلو كتاب الله ، أو يذكر الله بقلبه ولسانه خالياً عله أن تفيض عينه بدمعة خوفاً من الله ، أو شوقاً إلى لقائه ورحمته فيكون ممن قال فيهم ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
أقول: حينما نعتاد العبادة بأبواها وطرقها في منازلنا فإننا لن نشكو هذه الشكوى بل ربما نسعى إلى أن نوفر جزءاً من وقتنا لنخلو فيه في بيوتنا لنتعبد إلى الله ، وحين يفضل وقت بعد ذلك فهو سيصرفه في قراءة كتب أهل العلم، أو سماع ما يتعلم به فيرى حينها أن وقته قد صار كله معموراً بطاعة الله وعبادته.
стр. 182
تحقيق الإخلاص
ثامناً: عبادة المرء في بيته لها أثر عظيم في تحقيق الإخلاص في نفسه، وتجنب الرياء، وقد يجد المرء نشاطاً حينما يصلي مع الناس، وهو ليس باباً من أبواب الرياء بل هو من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب حال أولئك الذين إذا رءوا ذُكر الله ، فيشعر بنشاط وإقبال، لكن أيضاً العبادة في السر تلاوة وصلاة وذكراً لله وتفكراً لها أثر آخر، وأمر آخر، وهما كالجناحين للطائر لا ينوب أحدهما عن الآخر، ولا يقوم أحدهما عن الآخر، إنك لا يمكن أن تستقيم حياتك ولا أن يصلح قلبك حين تعبد الله في المسجد وحده، حين تعبد الله مع إخوانك ومع إخوتك فقط، أما حين تخلو بنفسك فليس لك نصيب من ذلك فستطير بجناح واحد ولا يمكن أن يطير الطائر بجناح واحد، ولهذا فلعبادة السر والتي غالباً ما تكون في البيت أثر عظيم أثر عظيم في إصلاح القلب وإصلاح النفس، وفي فتح جوانب من العبودية والتوجه لله لا يمكن أن تنفتح للعبد وهو مع الناس وفي مشاهد الناس، ولها أثر في تحصيل الإخلاص في قلبه وتنقيته من شوائب الرياء وإرادة ما سوى الله .
стр. 183
ما الذي يبكي عليك
تاسعاً: وأخيراً ما الذي يبكي عليك؟ يقول حين أهلك قوم فرعون ونسأل الله للطغاة أمثالها: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩].
نعم.
لم تعرف الأرض من قوم فرعون إلا الطغيان والتجبر، فقد كانوا يستذلون الناس، ويستحيون نساءهم، ويقتلون أولادهم، كانوا يبدّلون دين الله ، وكانوا حرباً على موسى ومن معه لا لشيء إلا لأنهم دعوا إلى الله وآمنوا بالله ، وأرادوا إخراج الناس من عبودية ورق وذل الفراعنة وطغيانهم إلى عبودية الله ، لذلك انصرفوا غير مأسوف عليهم ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩].
وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: أن رجلاً قال له: يا أبا العباس! أرأيت قول الله تعالى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩] فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال ﵁: (إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق باب من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه في الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه)، فسيفقدك مبيتك وغرفتك التي كنت تأوي إليها سنين عدداً، ستفقدك عاجلاً أو آجلاً، فهل تراها ستبكي عليك أم أن لها شأناً آخر، فقد فقدت معصية الله ، فأنت أعلم بحالك! وحين تعمر مكانك وغرفتك وبيتك بصلاة وذكر وتلاوة لله فهي ستبكي عليك يوم تفارقها قريباً أو بعيداً، ورويت آثار عن جمع من التابعين، بل من أصحاب النبي ﷺ ، فقد قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد: (إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً).
وقال مجاهد: (ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، قال فقلت له: أتبكي الأرض؟ قال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان تكبيره وتسبيحه فيها كدوي النحل) هذه معشر الشباب بعض آثار إحياء العبادة في بيوتنا بأنواعها وأبوابها وطرقها، وهي كلها تدعونا إلى أن يكون لبيوتنا نصيب من عبادة الله.
فلعلنا أن نعيد هذه الآثار عاجلاً.
أولها: أن لا تكون البيوت مقابر.
الثاني: نفور الشياطين.
الثالث: أن تحل فيه البركة.
الرابع: تربية أهل البيت.
الخامس: أن بيوت المسلمين مليئة بالمعاصي فلا أقل من أن يكون لها نصيب ولو يسيراً من طاعة الله.
سادساً: أن تكون العبادة شأناً وعادة للمرء لا يفارقها.
سابعاً: تبكي عليه الأرض.
ثامناً: إعانة على الإخلاص وإصلاح القلوب.
تاسعاً: انعدام الوحشة، أن الإنسان يعيش في البيت غربة ونفور من البيت لأنه مدعاة للمعصية كما قلنا، فحين تكون العبادة شأناً له في منزله فإنه يعافى بإذن الله من ذلك.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن تبكي عليه السماء والأرض، وممن يعمر قلبه وبيته بعبادته وطاعته، ونترك بقية الوقت للإجابة على الأسئلة.
стр. 184
الأسئلة
стр. 185
صلاة التراويح في المسجد أفضل منها في البيت
السؤال
هل صلاة التراويح للإنسان في بيته أفضل من المسجد خاصة إذا كانت صلاته في بيته أكثر خشوعاً وخلوة بالله، ويكون فيها مراجعة للقرآن، وأبعد عن الناس، وأخلص إلى العمل، فهل باعتبار هذه الأمور تكون صلاة التراويح في البيت أفضل أم في المسجد؟
الجواب
لا شك أنها في المسجد أفضل وأولى، لأن ما تسن فيه الجماعة فهو أفضل أن يكون في المسجد، لكن لو كان الناس يصلون فرادى في المسجد كان أفضل لهم أن يصلوها في بيوتهم.
стр. 186
كيفية قراءة القرآن وفضلها
السؤال
هل قراءة القرآن الكريم تكون بالشفتين أو في النفس، وما هو الأفضل؟ وما هو الأفضل قراءة القرآن أو الاستماع؟
الجواب
أولاً: يجب على المسلم أن ينوع بين جميع العبادات، فالنبي ﷺ كان يستمع القرآن فكان يقول: (إني أحب أن أسمعه من غيري) فيكون له نصيب من الاستماع، وله نصيب أيضاً من التلاوة.
ثانياً: الجهر إن كان الإنسان نشيطاً فهو أولى وأفضل لقوله ﷺ : (ما أذن الله بشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يجهر بالقرآن).
стр. 187
صلاة المرأة في البيت ينافي كونه قبراً
السؤال
أليس صلاة المرأة في بيتها مما ينافي كون البيت قبراً؟
الجواب
قبراً لها لكن قد يكون قبراً لك أنت والنبي ﷺ قال لهم ذلك وهو يعرف أن في بيوتهم نساء.
стр. 188
المسجد بين المؤمن وكذلك بيته
السؤال
كيف نوفق بين قوله ﷺ : (المسجد بيت كل مؤمن) وبين حديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)؟
الجواب
لا يوجد تعارض، فللمسلم بيت هو الذي يأوي إليه وينام فيه ويصلي فيه حتى لا يكون قبراً، والمسجد بيت للمؤمنين يأوون إليه، فكما كان في وقت النبي ﷺ ، من لم يجد مكاناً من فقراء المسلمين كان يأوي إلى الصفة التي كانت في المسجد كما تعلمون.
стр. 189
مراجعة القرآن بعد حفظه
السؤال
إني أوشكت على حفظ كتاب الله وليس لدي أي وسيلة لمراجعته، علماً بأني بدأت أنسى ما قد حفظته في السنين الماضية، فوجّه لي نصيحة حفظك الله؟
الجواب
خذوا قاعدة: إذا أنهيت حفظ القرآن وأنت جاد تحتاج بعد حفظ القرآن إلى سنتين على الأقل حتى تتقن ما حفظته، فهذا وضع طبيعي وليست حالة شاذة، فمن الطبيعي أن الإنسان يتفلت من القرآن، وهو كما قال ﷺ : (أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
وهناك طريقة لمراجعته، وهي تكرار المراجعة وتلاوة القرآن، فلا تيأس، افترض أنك حفظت القرآن وانتهيت منه ونسيت تماماً، فلن تبدأ من الصفر الآن مهما كان، وصحيح أنك تشعر أنك لا تستطيع أن تقرأ مثلاً آية واحدة أو آيتين كاملتين، لكن حينما تريد حفظه سيكون أهون عليك وأيسر عليك، ومرة ثانية ومرة ثالثة سيصبح سهلاً عليك، وقراءته حفظاً وتكرار تلاوته حفظاً مما يعين الإنسان على أن يتقن كتاب الله .
стр. 190
التعود على الراتبة أول ما يدخل البيت
السؤال
كثيراً ما يحرص المرء على أن يؤدي بعض النوافل كالراتبة مثلاً في البيت حتى يظفر بالأجر مترتباً على ذلك، وحتى لا يراه الناس، وما إن يخرج من المسجد حتى يغفل أو ينسى ذلك، وربما يكرر ذلك فيقع في تفويت كثير من النوافل، فما توجيهكم في ذلك والله يحفظكم؟
الجواب
يعوّد نفسه أن يصلي الراتبة أول ما يأتي للمنزل مباشرة، ولا يبدأ بشيء قبل الصلاة، ولهذا كان ﷺ أول ما يبدأ ببيته إذا دخل بالسواك؛ لأنه كان يصلي إذا دخل منزله، فإذا دخلت بيتك فابدأ بالراتبة مباشرة حتى تتعود، يعني: قد ينسى الراتبة مرة مرتين لكن يعتاد بعد ذلك، ويصبح شأناً له وديدناً له أنه حينما يدخل منزله يصلي الراتبة.
стр. 191
من صلى العشاء في مسجد والتراويح في مسجد آخر
السؤال
هل إذا صلى الإنسان صلاة العشاء في المسجد وصلى التراويح في مسجد آخر يكتب له قيام ليلة؟
الجواب
ما المانع فحديث: (كتب له قيام ليلة) قاله النبي ﷺ فيمن صلى مع الإمام وذلك أن رجلاً لما صلوا قال: لو نفّلتنا بقية ليلتنا، فقال: (من صلى مع الإمام كتب له قيام ليلة) يعني يكفيك ما تصليه مع الإمام.
ونحن أحياناً نتكلف في معنى اللفظ ونلزم عليه لوازم غير مرادة.
فالمقصود أن الإنسان يصلي صلاة التراويح كاملة مع الإمام ولا يترك منها شيئاً، صلى العشاء مثلاً في مسجد وصلى التراويح في مسجد آخر لأمر أو لآخر فلا إشكال في ذلك، وفضل الله واسع، والنوافل أمرها واسع، لكن الأصل أن الإنسان يعتاد أنه يصلي التراويح حيث يصلي العشاء، حتى لا يفوته شيء من الصلاة، وحتى لا يشعر الناس أنه ينصرف ولا يصلي التراويح؛ لأن الناس قد يرون أنه لا يصلي التراويح، أو أنه لا يريد أن يصلي مع الإمام وهذا مما يؤثر على الناس أو على الإمام في جماعة المسجد، فالأولى للإنسان أن يصلي التراويح حيث يصلي العشاء.
стр. 192
مكان صلاة الإشراق
السؤال
هل يصح أن نصلي سنة الإشراق في البيت وأنا قرأت في المسجد؟
الجواب
إذا جلست في مصلاك بعد الفجر فالسنة أن تصلي في المسجد كما ورد في الحديث، فهذا مما يسن في المسجد، وفيها خلاف بين العلماء: هل هذه هي صلاة الضحى أم غيرها؟ لكنك إذا جلست بعد الفجر في المسجد إلى أن ترتفع الشمس فالأولى أن تصلي في المسجد؛ لأن هذه الصلاة سنتها في المسجد، أما غيرها من الرواتب والنوافل فالأولى والأفضل أن تكون في البيت.
نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يكفينا وإياكم الشرور والآثام، وأن يجعلنا وإياكم ممن يصوم هذا الشهر ويقومه إيماناً واحتساباً.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 193
القابضون على الجمر
في آخر الزمان تكثر الفتن وتزدحم المغريات ووسائل الشر، فيكون القابض على دينه كالقابض على الجمر، وقد تحقق ذلك في زماننا، حتى وقع الناس في كثير من المخالفات الشرعية وارتكبوا الفواحش، إلا أن الله هيأ جيل الصحوة الذي هب كالمارد يحيي السنن ويجتنب الفتن، وهو مع ذلك لا يسلم من التقصير والخطأ، ولذا تناولته الألسنة والأقلام بالنقد والتقويم حتى كادت فضائله تستهلك بهذه الانتقادات، فكان من الجدير التذكير بفضائله ودوره في إصلاح الحياة.
стр. 194
أهمية الحديث عن شباب الصحوة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد: فنحيي الإخوة الكرام في هذا اللقاء في هذا المكان المبارك، وأي مكان أطهر وأقدس من هذه البقعة التي اختارها الله ﵎ -وهو يخلق ما يشاء ويختار- واصطفاها ﵎ فخصها ببيته الذي يؤمه الناس من كل فجٍ عميق، في هذه الليلة ليلة الثلاثاء السادس والعشرين من شهر ربيع الأول عام ستة عشر وأربع مائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وأشكر الإخوة في المركز الصيفي في مركز الخدمة الاجتماعية بمكة على إتاحة هذه الفرصة وهذا اللقاء الطيب المبارك، الذي نسأل الله أن يجعلنا وإياكم فيه من المخلصين في العمل ابتغاء وجهه إنه سميع مجيب، وأن يجنبنا وإياكم الزلل في القول والعمل إنه ﵎ قريب مجيب.
عنوان حديثنا هذه الليلة: (القابضون على الجمر)، وهو كما تعلمون حديث عن النبي ﷺ ، فقد أخبر ﷺ : (أنه يأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر)، وهو ليس حديثاً عن القابضين على الجمر بأصنافهم وأحوالهم وأمورهم، إنما هو حديث عن طائفة نحسبهم والله حسيبهم ممن يصدق عليهم هذا الوصف النبوي.
لقد مرت الأمة بجهود للتغريب، وجهود لسلخها عن دينها، وإخراجها من عقيدتها، ولقد تضافرت جهود أعداء الأمة لصد الشباب وفتنتهم عن دين الله ﵎، ورأينا في عالمنا الإسلامي صوراً تدمي وتحزن وتحرك أشجان من كان له قلب، ومن يملك غيرةً وعاطفةً على هذه الأمة المباركة، من بعد الشباب المسلمين عن دين الله ﵎، ومن سير هؤلاء وراء قذارة هذه الحضارة المعاصرة، وسيرهم وراء أعداء الله، وفي وسط هذا الواقع المظلم البائس، وفي وسط هذا الانحراف والبعد.
رأينا نماذج فذة، ورأينا صوراً إيجابية، رأينا صوراً لامعة من ذلكم الشباب المتدين، الشباب الصالح المحافظ الذي أصبحنا نراه يتوافد على المساجد، يتوافد على ما يدله على دين الله ﵎، من مجالس العلم ومجالس الخير والصحبة الصالحة، ورأيناه يأخذ طريقاً غير طريق أقرانه وأترابه، وهاهم هؤلاء الشباب أمام مرأى المسلمين وجمعهم، هاهم يلتزمون بأمر الله ﵎، ويستقيمون على طاعة الله في هذا العصر المائج المضطرب.
стр. 195
دوافع الحديث عن القابضين على الجمر
стр. 196
تثبيت السائرين على طريق الهدى
فحديثنا هذه الليلة عن بعض الجوانب المشرقة من واقع هؤلاء القابضين على الجمر؛ ولعل سائلاً يتساءل: ولماذا الحديث عن الجوانب المشرقة؟ ولماذا الحديث عن الإيجابيات؟ فأقول: الحديث عن هذا الموضوع له دوافع عدة أولها: أنه تثبيت لهؤلاء السائرين على هذا الطريق، والذين قد يواجهون ما يواجهون، فهم حين يشار لهم بما ميزهم الله وخصهم به، وحين ترفع أمامهم هذه اللافتات فإن هذا يزيدهم ثباتا، ويزيدهم إصراراً في المضي على الطريق، ويزيدهم عزيمة لأن يحتملوا ما يصيبهم في هذا الطريق من اللأواء والنصب والنكد.
стр. 197
دعوة التائهين لسلوك الطريق القويم
ثانياً: هذا الحديث دعوة لأولئك الذين لما يزالوا على بنيات الطريق، دعوة لأولئك الذين لم يسلكوا هذا الطريق، أولئك الذين لا زالوا يسيرون في ركاب الغفلة والبعد عن الله ﵎، فنقول لهم: هاهو الطريق، وهاهم هؤلاء قد سبقوكم فبادروا، فالميدان رحب واسع فسيح لا زال يتسع لكم ولأمثالكم، وأنتم طالما سمعتم الدعوة من خلال الترهيب من هذا المسلك السيئ الذي تسلكونه، ومن خلال التحذير من مغبة هذا الطريق المعوج الذي تسيرون عليه، لكن ربما كان ذكر بعض الجوانب المشرقة من الطريق الآخر الذي ندعوكم إليه، الطريق الذي سلكه أقرانكم، الذي سلكه أترابكم، ووفقهم الله ﵎، بل أكرمهم بسلوكه؛ إنكم حين تعرفون مزايا هذا الطريق، وحين تعرفون الجوانب المشرقة، وحين تعرفون تلك المنزلة التي يصلها أولئك الذين جانبوا الشهوات واللذات، الذين هجروا اللهو واللعب، وساروا في طريق الصالحين، ربما كان هذا دافعاً لكم أن تسيروا وأن تلحقوا بالقافلة.
كما أن الخطر يتهددكم حين تمضون على هذا الطريق المظلم، حين تمضون على طريق الضلال، كما أن الخطر يتهددكم حين تسيرون على هذا الطريق، فإن الطريق الآخر أمامكم، مفروش بالأضواء، الطريق أمامكم يدعوكم ويقول: هلموا فإن الطريق لا يزال يتسع لكم ولغيركم.
стр. 198
كثرة النقد الموجه لجيل الصحوة وأخطائهم
ثالثاً: لا نزال نسمع الحديث الكثير عن النقد لبعض المظاهر السلبية في واقع الشباب المتدينين، والحديث عن بعض الأخطاء التي يقعون فيها، وهو حديث لا شك أن الكثير منه يصدر بلغة النصح، ومنطق الإشفاق على هؤلاء، والهدف والرائد له الإصلاح والتغيير، وأشعر أنني ممن يشارك أيضاً في الحديث في هذا الأمر، فقد تحدثت كثيرا عن بعض الجوانب، وعن بعض الأخطاء والسلبيات التي ربما وقع فيها هؤلاء الشباب الأخيار.
لا شك أن الكثير من هذا الحديث يصدر بمنطق النصح وتدفعه الغيرة والإشفاق على واقع هؤلاء الشباب؛ لكننا نخشى أنه حينما يكثر الحديث عن هذه الجوانب السلبية، وحينما يكثر الحديث عن الأخطاء، وهو وإن كان بمنطق النصح والإشفاق نخشى أن يحول الصورة لدينا إلى صورة سلبية، وإلى صورة بائسة، وأن نتصور أن الالتزام والاستقامة التي عليها هؤلاء الشباب لا تعدو أن تكون سراباً ووهما، وأنها قضية خادعة، وأن هؤلاء الشباب يقعون في أخطاء في عبادتهم لله ﵎ ويقصرون، ويقعون في المعاصي، ويرتكبون طائفة منها، ويقعون في أخطاء في دعوتهم إلى الله ﵎، ويقصرون وحقوق إخوانهم في حقوق أهلهم في هذا الجانب وذاك، حتى لا تكاد ترى جانباً من الجوانب إلا وترى الحديث عن الأخطاء حوله! ولا شك أن الحديث عن الأخطاء حين يكون رائده النصيحة، ودافعه الغيرة، والهدف من ورائه الإصلاح، لا شك أنه أمر مطلوب، ولا يسوغ أن نلغي الحديث عن هذا الجانب، لكننا نخشى حين تطول هذه اللغة وحين يرتفع هذا الصوت أن تتحول القضية إلى قضية سلبية، وأن نشكك في أصل استقامة هؤلاء الشباب، وفي حقيقة تدينهم والتزامهم؛ لذا كان لا بد من الحديث عن الجانب الآخر، حتى لا نغلو في هذا الجانب وهذا الميدان.
стр. 199
الدعوة لمناصرة شباب الصحوة ومعرفة مكانتهم
والدافع الرابع للحديث حول هذا الموضوع هو: الدعوة لسائر المسلمين أن يدركوا موقع هؤلاء، الشباب الذين أكرمهم الله ﵎ بهذه الهداية والسير على هذا الطريق، وأن يدركوا عظم منزلتهم ومكانتهم، وأن يدركوا قيمة هذا الإنجاز الذي حققوه، فيتعاطف معهم في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى التعاطف مع قضيتهم.
إن هؤلاء الشباب الأخيار مع ما من الله عليهم من الهداية والاستقامة على طاعة الله يواجهون أخطاراً تهددهم، إنهم يواجهون الخطر الأكبر الذي يؤرق ليلهم وهو أن يُختلجوا من هذا الطريق، وأن يسلكوا بنيات الطريق فينحرفوا، وهاهم يرون أنهم يعيشون في واقع يعج بالفتن والمغريات، واقع يدعوهم صباح مساء إلى أن يعرضوا عما هم عليه، واقع يدعوهم إلى أن يسيروا مع طريق الضلالة والغواية، ولا عجب فها نحن نرى فئاماً من الشباب ممن كتب له الاستقامة والصلاح في أول عمره ربما تنكب الطريق وزاغ وضل.
إنها قضية تؤرقهم، قضية تستدعي أن يتعاطف الجميع معهم، في هذه القضية التي يرونها قضية القضايا عندهم أن يتعاطف الآباء أن يتعاطف المصلحون أن يتعاطف الغيورون في مجتمعات المسلمين، وأن يدركوا أن هذا الجيل المبارك يستحق أن نحميه، ويستحق أن نثبته، ويستحق أن نعينه.
ولا شك أن من أعظم ما نعينه عليه ويكون بإذن الله طريقاً إلى تثبيته أن نسعى إلى إغلاق أبواب الفساد، وأن نسعى إلى سد طرق الفتنة.
إنه يواجه كيداً وتآمراً من أعداء الإسلام، والذين شعروا أن قضية الإسلام هي القضية التي تهددهم، وأن هذه الصحوة المباركة هي التي سوف تقضي على مكتسباتهم، سنة الله في التاريخ الصراع بين الحق والباطل، والصراع بين أهل الغواية والهداية، وما لبث أولئك وقد شعروا أن هؤلاء قد قطفوا الثمار دونهم، قد شعروا أن هؤلاء عادوا ليهدموا ما بناه أولئك من إفساد في صرح هذه الأمة، وهم يسرهم أن تعلن الأمة ردتها عن دين الله، وأن تتخلى عن دين الله.
لاشك أن هؤلاء الأعداء يغيظهم أن يروا هذا الواقع وأن يروا هؤلاء الشباب، ومن ثم فإنهم لا بد أن يتآمروا على فتنتهم وصدهم عن دين الله بكل الوسائل.
إن هؤلاء الشباب يعيشون -أيها الإخوة- في هذا العصر مأزقاً بحاجة إلى أن يتعاطف معهم الجميع، إن فتن الشبهات والشهوات قد بدأت تحاصر المسلمين الآن، ولا شك أن للشباب من ذلك نصيباً وافراً، بل لهم نصيب الأسد من ذلك.
ومن ثم فنحن نتحدث عن قضية هؤلاء، ونتحدث عن ما أنجزه وحققه هذا النشء المبارك، وهذا الجيل الطيب الذي نسأل الله أن يثبته، وأن يعصمه من مضلات الفتن، وأن يكتب له الامتداد وأن يكتب له ﵎ الخير والتمكين.
لا شك أن هذا الجيل يواجه سيلاً جارفاً وبحاجة إلى يتعاطف المسلمون جميعاً مع قضيتهم، وحين يدركوا انجازهم فإن هذا يدعوهم إلى يتعاطفوا مع قضيتهم، لهذا وغيره رأيت أن أتحدث عن بعض هذه الجوانب والتي ربما أهملت، وهي لا تعدو أن تكون استثارة لصور نراها من واقع هذا النشء؛ لكنها دعوة للتذكير بهذه الصور التي قد ننساها.
وأنت قد تتهمني بأنها أخذتني العاطفة وأني أنطلق من منطلق عاطفة، وأنا لا أبرئ نفسي ومعاذ الله أن أسعى إلى أن أتخلى عن هذه العاطفة؛ كيف لا وأنا أدين الله ﵎ وأعبده بحب هذا الجيل المبارك وهذا النشء المبارك، لقد أخبر ﷺ فيما رواه طائفة من أصحابه، في الصحيحين وغيرها (أن المرء يوم القيامة يحشر مع من أحب).
فإنني أملك عاطفة تجاه هذا الجيل لأنه أطاع الله ﵎، بل أنني أتعبد الله بحب هذا الجيل وبالولاء له والتعاطف معه، وأشعر أن قضية الإيمان وأن قضية حب الله ﵎ تستلزم منا أن نحب من يحب الله ويحبه الله ﵎.
أليس النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله).
أليس ﷺ أخبر: (أن ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
إنني حين أسعى إلي دفع تهمة العاطفة حول حديثي هذا فإنني أسعى إلى أن أتخلى عن واجب شرعي وحق شرعي في أن أحب من يطيع الله ﵎ ويحبه الله، بل إننا جميعاً نتعبد الله بحب الصالحين، ونشعر أن مما يكرم الله به من أحب الصالحين أن يبلغه منازلهم ولو لم يلحق بهم.
لقد سئل ﷺ عن المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال ﷺ : (المرء مع من أحب).
ولهذا قال الشافعي ﵀: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعه وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعه فإن كان الشافعي ﵀ يقول هذه المقولة تواضعاً منه وإلا فهو -نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً- من الصالحين المصلحين، فنحن نقول هذا حقاً وصدقاً، فنحن نتعبد الله بمحبة الصال
стр. 200
مميزات شباب الصحوة وإنجازاتهم
стр. 201
تحقيق الأوصاف الشرعية
أول هذه الجوانب وهذه الإيجابيات: أن هذا الجيل وهذا النشء المبارك من أسعد الناس بتحقق هذه الأوصاف الشرعية، قوله ﷺ : (يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر) والحديث رواه الإمام الترمذي وأحمد وأبو داود.
لا شك أن هؤلاء وقد استقاموا على طاعة الله ﵎ وقد ابتعدوا عن الشهوات في عصرٍ يعج بالفتن والشهوات، في عصر يدعوهم إلى ركوب الغواية، لا شك أنهم كالقابضين على الجمر، وهم من أسعد الناس بقوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء).
وفسر النبي ﷺ الغرباء بأنهم الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأنهم أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، فهنيئاً لكم يا شباب الإسلام وقد أخذتم على عاتقكم الدعوة إلى الله ﵎، فأنتم بين إحدى الحسنيين: إن استجاب لكم الناس وأطاعوكم فأنتم من أسعد الناس بقوله ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
وإن عصاكم الناس وأعرضوا عن دعوتكم فأنتم سعداء بقوله ﷺ : (أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم).
وهذا النشء المبارك من أسعد الناس بقوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة الله) إلى آخر الحديث.
إننا حين نقول هذا فإننا لا نشهد لشخص بعينه أن هذه الصفة أو تلك تحققت فيه، لكننا نرى أن هذا الجيل المبارك بالجملة من أسعد الناس بهذه الصفات، ومن أقرب الناس إلى تحققها.
стр. 202
الاستقامة في وسط يحتقر الدين والتدين
ثانياً: من إيجابيات ومنجزات هذا الجيل المبارك استقامتهم على الدين في وسط يحتقر الدين والتدين.
إن العالم الإسلامي اليوم قد فتن بصورة من صور الردة عافانا الله وإياكم، صورة احتقار الدين واحتقار المتدينين، حتى أصبح البعض من المسلمين يستحيي حين يصلي مع أقرانه، يستحيي حين يعمل طاعة من الطاعات، يستحيي حين يمتنع عن معصية من المعاصي.
ولئن تفاوتت الدرجات أو الدركات حول هذه الخطيئة التي عمت بلاد المسلمين فإن مجتمعات المسلمين تشترك في أن لها نصيباً وافراً من احتقار الدين وأهل الديانة والتدين، ووصفهم بأقبح الأوصاف وأحطها، واتهامهم بهذه التهم، ومع ذلك يسير هؤلاء الشباب ويستقيمون على طاعة الله ﵎، ويحتملون ما يواجهونه من احتقار الناس، ولعلهم من أسعد الناس بقول الله ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١].
وقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٥].
وقد دأب أهل العلم على أن يحتجوا -كما قال ابن عبد البر - بما نزل من الآيات في الكفار على من تشبه بأعمالهم ولو كان من المسلمين.
أيها الشباب المبارك! لا يهولنكم سخرية الناس بكم ما دمتم تعتزون بدين الله ﵎، لقد أخبر الله عن طائفة من المنافقين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، فقال الله ﵎ عنهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩].
وأخبر ﵎ عن حال أولئك الذين يقولون لشياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] فقال ﵎: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥].
أي منزلةٍ أعلى وأكمل من أن يسخر الله ﵎ بأولئك الذين يسخرون بعباده الصالحين، أن يستهزئ بأولئك الذين يستهزئون بهم، وأي خسارة وبوار لمن يتعرضون لسخرية الجبار وأن يستهزئ بهم ﵎.
إن استقامة هؤلاء الشباب وثباتهم في هذا الوسط الذي يحتقر الدين والمتدينين ويعتبر من صفات القصور والنقص في المرء أن يكون متديناً، إن هذا من أعظم الإيجابيات، ومن أعظم جوانب الإنجاز التي حققها هؤلاء.
стр. 203
الانتصار على الشهوات
ثالثاً: من منجزات هؤلاء انتصارهم على شهواتهم في وسط مجتمع يعج بالفتن والشهوات.
إنها قضية ليست بحاجة إلى بيان، وأنتم جميعاً لستم بحاجة إلى أن أثير أشجانكم، إلى أن أذكركم بما تعج به مجتمعات المسلمين من مظاهر الإغراء والرذيلة، من تلك المظاهر التي تدعو الشباب، وتدعو الفتيات إلى مواقعة الرذيلة والفساد، حتى صارت الرذيلة تلاحق الشاب، وتلاحق الفتاة في الشارع، وفي السوق، بل في منزله وهنا وهناك، وصارت الصورة الفاتنة ومشهد الرذيلة يلاحقه في كل مكان، ومع ذلك يثبت هؤلاء الشباب، وينتصرون على شهواتهم، ويسيرون في طريق العفة، وتنتصر الفتيات على هذه الدواعي والدوافع بإذن الله ﵎ وتوفيقه.
إن هذا وحده كافٍ في أن نتجاوز كل ما يقع فيه هؤلاء من تقصير، في مقابل ما استطاع هؤلاء أن يحققوه في وسط فتن تؤزهم إلى الفساد أزّاً، وتدعوهم إلى الفساد بكل صوره وألوانه.
стр. 204
إحياء سنة حفظ كتاب الله تعالى
رابعاً: أن هذا النشء المبارك قد أحيا سنة حفظ كتاب الله ﵎.
قضية لا ينكرها أحد، لقد كان قبل سنوات يندر أن نرى في مجتمعنا إماماً يصلي بالناس وهو حافظ لكتاب الله ﵎، فضلاً عن أن نجد شاباً حافظاً لكتاب الله، حتى صار يقال: إن في بني فلان شاباً أو رجلاً يحفظ كتاب الله ﵎، بل إنه كان من النادر أن تجد من يتقن تلاوة كتاب الله ، ولو كان المصحف بين يديه.
أما الآن فها نحن نرى هذا الجيل المبارك يقبل على كتاب الله ﵎، وها نحن نرى هؤلاء الشباب قد أقبلوا على حفظ كتاب الله ﵎، ونرى العديد من هؤلاء مع الانشغال بالدعوة إلى الله ﵎، والانشغال بدراسته وبمصالح نفسه ومصالح أهله، مع ذلك نجد المئات من الشباب والفتيات قد أتموا حفظ كتاب الله ﵎، بل أصبحت لا تكاد ترى شاباً من هؤلاء الشباب المتدينين إلا وقد بدأ في حفظ كتاب الله وشرع فيه، حتى أولئك الذين قعد بهم ضعف همتهم، وقعد بهم كسلهم وفتورهم لا نزال نراهم يتطلعون بلهف وشوق إلى أن يحفظوا كتاب الله ، وها نحن نراهم يتساءلون في كل مناسبة: كيف أحفظ كتاب الله؟ ما الطريق إلى حفظ كتاب الله ؟ وهي صورة أوضح وأظهر من أن نشيد بها وأن نتحدث عنها.
стр. 205
العناية بالعلم الشرعي
خامساً: العلم الشرعي والعناية به وإحياؤه.
لقد مرت على مراكز العلم وحلقه ودروسه حالة من الجفاف، حالة من الفقر، كادت الأمة فيها أن تنسى العلم الشرعي، فما لبث هؤلاء الشباب، وما لبث هذا الجيل المبارك أن يقبل ويتوافد على حلق العلم وأن يحييها، وإذا أردت مصداق ذلك فاذهب يمنة ويسرة، وتأمل في حلق العلم من هم روادها؟ من هم الذين يثنون ركبهم في حلق العلم؟ في وقت يتوافد فيه أترابهم وأقرانهم على أماكن اللهو والمتعة واللعب، في وقت يدعوهم الناس فيه إلى الشهوات، إلى أن يسعدوا باللهو واللعب، ومع ذلك يضحي هؤلاء ويتركون لذة الفراش والنوم، يتركون لذة اللهو واللعب ليثنوا ركبهم أمام المشايخ وأمام حلق العلم يتعلمون العلم بل يقطعون المسافات لذلك.
وها نحن نرى بحمد الله الدراسات الشرعية، والكليات الشرعية تشهد إقبالاً واسعاً منقطع النظير من هذا الجيل، بعد أن مرت بالأمة مرحلة يستحي الطالب فيها أن يقول: إنه يدرس في كلية شرعية بعد أن مرت مرحلة كان يرى المسلمون وللأسف أنه من العيب ومن النقص في الشاب أن يدع سائر التخصصات ويقبل على العلم الشرعي.
إن رواج حلق العلم وقيام سوق التخصصات الشرعية في الجامعات في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، ورواج الكتاب الإسلامي وانتشاره، بل كون الكتاب الإسلامي هو أكثر الكتب رواجاً وانتشاراً في العالم العربي كله، إن هذا دليل على إقبال الناشئة على هذا العلم الشرعي، وعلى أن هؤلاء وبحمد الله قد أحيوا هذه السنة وقد أقبلوا يتوافدون على هذا العلم، وهو لا شك أمارة وعلامة على أن الأمة سائرة نحو المنهج الحق، وعلى أن هذه الدعوة المباركة سائرة على المنهج الصحيح وفي الطريق إليه؛ لأن الناس حين يقبلون على علم الكتاب والسنة، فإن هذا بإذن الله عنوان عصمتهم من الأهواء والفتن والصوارف والضلال.
стр. 206
الدعوة إلى الله وحمل همّ الإصلاح
سادساً: الدعوة إلى الله ﵎ وحمل هم الإصلاح.
من هم الذين يقومون بأمور الدعوة اليوم ويحملون همها، ويتحملون اللأواء في سبيلها، أليسوا هم هؤلاء الشباب، إننا وبحمد الله نرى هذا الجيل وهذا النشء المبارك قد أخذ هذه الدعوة على عاتقه، ها نحن نراه يصعد المنبر يخطب الناس، أو يقف أمامهم واعظاً، أو داعياً بأي وسيلة من الوسائل، ها نحن نراه يحيي الدعوة في مدرسته، في جامعته، في حيه، بل ها نحن نرى هؤلاء هم أبرز الناس، وهم أكثر الناس حملاً للدعوة.
وقد أصبح هم الإصلاح وهم التغيير في مجتمعات المسلمين يسيطر عليهم، بل يشغلهم عن سائر الأمور التي يهتم بها أقرانهم، ولا عجب ولا غرابة، فقد كان فرط هذه الأمة ورعيلها الأول أصحاب النبي ﵌ كثير من الشباب، إن خمسة من العشرة المبشرين بالجنة كانوا من الشباب، كانوا من أمثال هذا الجيل، إن طائفة من السابقين الأولين إلى الإسلام، أمثال علي بن أبي طالب ﵁، وسعد بن أبي وقاص وخباب بن الأرت وغيرهم وغيرهم، كان هؤلاء لم يصلوا إلى العشرين من أعمارهم، ومع ذلك كانت لهم أدوار مثلى وكان لهم القدح المعلى في الدعوة لهذا الدين والجهاد في سبيله والقيام بنصرته، ولهذا لا غرو أن نجد هذا الجيل وهذا النشء المبارك يحيي سنة أسلافه: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) ومن سار على طريق أولئك فهذا بإذن الله حري وجدير به أن يحشره الله ﵎ معهم: (فالمرء يحشر يوم القيامة مع من أحب).
стр. 207
إصلاح من في البيوت
سابعاً: مساهمة الكثير من هؤلاء الشباب والفتيات في إصلاح بيوتهم، كم هي البيوت التي صلحت بإذن الله ﵎ بسبب دعوة شاب ربما لم يبلغ الحلم، بل ربما لم يجاوز العشرين من عمره، كم هي البيوت التي صلحت بسبب شاب أو فتاة من الفتيات؟ كم هم الآباء والأمهات الذين أصلحهم الله ﵎ وتغيرت هذه البيوت فزالت منها المنكرات، واستقامت على طاعة الله ﵎ بسبب جهد شاب صالح أو فتاة صالحة من هذا النشء وهذا الجيل المبارك!
стр. 208
نفع الناس في أمور الدنيا
ثامناً: النفع للناس بأمور دنياهم.
إن هذا الجيل المبارك من الشباب والفتيات الصالحين، قد أخذ على عاتقه حمل قضية الدعوة والإصلاح، وقد شعر أن قضية الناس الكبرى والأساس هي القضية التي خلقوا من أجلها، لعبادة الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وشعر أن أعظم خير ونفع يقدمه للناس هو إن يدعوهم إلى عبادة الله ﵎، وأن يدعوهم إلى طاعة الله ﵎، ولهذا أخذ على عاتقه هذا الهم، ومع ذلك لم يكن ذلك شاغلاً له عن أن يقوم بالواجب الآخر، أن ينفع الناس بأمور دنياهم، وهو أمر ظاهر بحمد الله، فمن هم الذين يتصدرون في الإحسان إلى المحتاجين والإحسان إلى الفقراء؟ من هم الذين يقومون ويسهرون على المضرات؟ يسهرون في نفع المسلمين في أمور دنياهم، في مسح دمعة يتيم، أو إطعام جائع ذي مسغبة، أو التخفيف عن مصاب في مصيبة، وقد أدرك أعداء الإسلام هذا الجانب، وشعروا أن هذه القضية قد تكسب هؤلاء بعداً عند الناس، ولهذا سعوا في حجب هذه الأدوار عن هؤلاء، لكن حالهم حال أولئك الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، وهانحن نرى هؤلاء والحمد لله هؤلاء الصالحين في كل مكان في مشرق العالم الإسلامي وغربه، حين تلم بالمسلمين كارثة، أو تصيبهم مصيبة، نراهم يبادرون لنجدة إخوانهم ونصرتهم ولمسح الدمعة عنهم، ولا غرو فقد ورثوا هذا الهدي من نبيهم ﷺ ، فقد كان ﷺ : (يحمل الكل ويعين على نوائب الحق) وكان ﷺ هو القدوة في الإحسان إلى الناس، في أمور دينهم وأمور دنياهم.
стр. 209
التفوق في مجالات الحياة المختلفة
تاسعاً: مما يميز هذا الجيل المبارك من الشباب الصالحين والفتيات الصالحات التفوق في سائر مجالات الحياة المختلفة.
مع ما شغل به هؤلاء من الدعوة إلى الله ﵎، ومن حفظ كتاب الله تعالى وتعلم العلم الشرعي، ومن نصرة قضايا المسلمين والاشتغال بها؛ مع ذلك كله هاهم يثبتون للناس أنهم هم المتفوقون في مجالات الحياة، ولا شك أن الاطلاع على نتائج الامتحانات في جامعة من الجامعات في بلاد المسلمين أو مدرسة من المدارس للشباب أو الفتيات تعطينا دليلاً على أن هؤلاء المتدينين الصالحين هم الذين يتصدرون القائمة، وأن أغلب هؤلاء الذين يحققون التفوق هم والحمد لله من هؤلاء.
لقد سعى أعداء هذه الدعوة إلى أن يصوروا للأمة أن التدين والاستقامة إفراز لمشكلات نفسيه أو لمشكلات اجتماعية واقتصادية، وأنه إفراز لتخلف يعاني منه هؤلاء، لكن يرى المسلمون بأعينهم أن هؤلاء كما أنهم قد فاقوا في العلم الشرعي، وفي حفظ كتاب الله، فقد فاقوا في سائر التخصصات، فهم الأوائل في الكليات التي تعنى بالدراسات التطبيقية.
وفي إحدى كليات الطب كان الخمسة الأوائل من الطلاب في سنة من السنوات كلهم من الشباب المتدينين الصالحين، وهي قضية تزعج أولئك وتقض مضاجعهم، مع أن هؤلاء قد عمروا معظم وقتهم في تعلم علم نافع، أو في الدعوة إلى الله ﵎، فلم يصدهم ذلك عن أن يتفوقوا، وعن أن يبزوا أقرانهم.
وفي إحدى البلاد الإسلامية، والتي كانت أول بلاد سعي فيها إلى تحرير المرأة ورفع الحجاب، كانت نتيجة الثانوية العامة على مستوى تلك البلاد أن ثمانياً من العشر الأوائل من الطالبات هن من المحجبات.
هذا في بلد هي أول بلد رفع فيه الحجاب، ومع ذلك تأتي هؤلاء الفتيات ليقلن للعالم أجمع: إن الحجاب والتدين ليسا -كما يطرحه أولئك- إفرازاً لعقد نفسية، أو مشكلات اجتماعية، وليثبت هؤلاء أن المتدينين هم أقدر الناس، فهم الذين يدركون أن قضية الحياة قضية جادة، فهم أينما ساروا وأينما ذهبوا هم المتفوقون، وهم الذين يثبتون للناس أنهم متفقون في مجالات الحياة، مع أن غيرهم أولى بالتفوق، لأن هؤلاء قد حملوا هموماً أكثر من غيرهم.
стр. 210
تجاوز الاهتمامات الفارغة
عاشراً: من إيجابيات هؤلاء أن اهتماماتهم تجاوزت اهتمامات الناس الفارغة.
ما هي القضايا التي تسيطر على هم المسلمين صغاراً وكباراً شيباً وشباناً؟ إنها قضية الدينار والدرهم، إنها قضية الشهوة، قضية اللهو، قضية العبث الفارغ.
أما هذا الجيل المبارك فهو يحمل هماً آخر ويحمل قضية أخرى، إن القضية التي تقلقه وتشغل باله، هي أنه كيف يستقيم على طاعة الله ﵎، كيف يحفظ كتاب الله؟ كيف يحصل العلم الشرعي؟ كيف ينفع المسلمين؟ كيف يدعو إلى الله ﵎؟ وهو من أعظم الإنجازات، حين يجتاز هؤلاء ما يهتم به سائر المسلمين والمسلمات ممن لم يسلكوا هذا السبيل ويسيروا في هذا الطريق، ولسان حال أحدهم يقول: يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، يا قوم لكم هم ولي هم آخر، لكم شأن ولي شأن آخر، وهذا جدير بهم أن يكونوا ممن يقول يوم القيامة لله ﵎ حين يسألون: قد مضى الناس ولم تمضوا، فيقولون: فارقنا الناس في الدنيا ونحن أحوج ما نكون إليهم، وهانحن نفارقهم يوم القيامة أحوج ما يكون الناس إلى ذلك، فنحن ننتظر ربنا ﵎، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل.
стр. 211
استثمار المواقف والأوقات في الدعوة إلى الله
حادي عشر: أن هؤلاء أصبحوا يتساءلون في كل موقف وكل مناسبة: كيف يخدمون الإسلام؟ كيف يدعون إلى الله ؟ ألسنا نرى الشباب يتساءلون في كل مناسبة، على مقتبل الإجازة، في الحج، في رمضان في كل مناسبة: كيف نستثمر هذا الموقف في الدعوة إلى الله ، كيف نستغل هذا الوقت وهذا الموسم وهذه الفرصة في الدعوة إلى الله ﵎، في حين كانت القضية التي تشغل غيرهم في الإجازة هي قضية السفر، وقضية اللهو واللعب، وفي حين كانت القضية التي تشغل بعض المسلمين وللأسف في شهر رمضان هي: كيف يمتعون أنفسهم بأطيب الطعام والشراب؟ كيف يرتبون أوقاتهم في اللهو واللعب، مع ذلك القضية التي تشغل هؤلاء في كل حين وفي كل مناسبة هي: كيف يخدمون هذا الدين؟ كيف ينصرون قضية هذا الدين؟ كيف يدعون إلى الله في كل مناسبة وكل حين؟ ولهم أسوة في نبيهم ﷺ الذي كان لا يدع قضية من القضايا وباباً من الأبواب وميداناً من الميادين إلا ونشر فيه علما، ودعا فيه إلى الله ﵎.
أليس ﷺ يأتي في موقف ربما لا يزيد أثره على الناس أن يستثير بعض عواطف الأمومة والأبوة نحوهم، فيرى ﷺ امرأة تأخذ طفلاً من السبي وتضمه إلى صدرها، فيستوقف أصحابه ﷺ ويقول: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فيقولون: لا، فيقول: لله أرحم بهذه من ولدها، أو يقول: والله لا يلقي حبيبه في النار).
نعم لقد كانت قضية الدعوة، وقضية التعليم قضية تشغل النبي ﷺ ، وكان يستثمر كل هذه الفرص، ولهذا أخذ هذا النشء المبارك هذا الهدي منه ﷺ ، فصارت قضيته وصار سؤاله في كل وقت وفي كل مناسبة: كيف يستثمر هذا الوقت أو هذا الموقف في الدعوة لدين الله ﵎.
стр. 212
إحياء الجهاد في سبيل الله
ثاني عشر: أن هذا الجيل من الشباب أحيا سنة كادت الأمة أن تنساها، إلا وهي سنة الجهاد في سبيل الله ﵎.
إن تجربة الجهاد الأفغاني تجربة قريبة وتجربة لن تنساها الأمة في وقت كادت الأمة أن تنسى الجهاد، كادت أن تنسى هذه الفريضة، بل للأسف لقد كان بعض من يتصدر للتعليم وتدريس الناس الفقه يقفز من باب الجهاد حين يصل إليه، لأنه قد نسيته الأمة، وحين قام هذا الجهاد في تلك البلاد وفتح الميدان رأينا الشباب ممن لم يتجاوز العشرين، أو تجاوزها بقليل، رأيناه يترك الدنيا ويترك الدينار والدرهم، ويترك كل ما يسير إليه الناس من متعهم، ويرحل إلى بلاد لا يعرف لغة أهلها، ولا يعرف طريقتهم، ولا يعرف حياتهم، ولسان حاله كحال عبد الله بن رواحة ﵁ حين ودع أصحابه وقالوا له: حفظكم الله وردكم إلينا، فقال: لا ردنا الله إليكم، وقال: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدتي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا وكان يسأل الله الشهادة ويقول وهو يخاطب راحلته: إذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وخلفوني بأرض الشام منجدل الثواء هنالك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها رواء ولسان حاله يقول كما قال الأول: إذا العرش إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن أحن يومي سعيداً بصحبة يمسون في فج من الأرض خائف لئن كان قالها صاحب بدعة وصاحب ضلاله فهو يقولها وهو على السنة، وهو يتمنى أن يرزقه الله الشهادة هناك.
لقد نسيت الأمة صور الشهادة، لقد نسيت صور الجهاد، وها نحن نرى بحمد الله نماذج من هؤلاء، ممن قتلوا ونحسبهم والله حسيبهم من الشهداء في سبيل الله، ممن أحيوا فريضة الجهاد، وضربوا للأمة أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء، في وقت كان يسافر فيه أترابهم وأقرانهم لقضاء الرذيلة ولقضاء الشهوات المحرمة، في وقت كان يسافر فيه الكبار والصغار للنزهة، يسافرون إلى البلاد التي يتيسر لهم فيها ما لا يتيسر لهم في بلادهم، أما هؤلاء فلهم شأن آخر وقضية أخرى وحياة أخرى، وأولئك الذين لم تكتحل أعينهم برؤية ميدان الجهاد، ولم تشنف أسماعهم بسماع صوت الجهاد، كما كان أحدهم يتغنى: لا شيء يشجيني ويطرب مسمعي كأزيز رشاش وصولة مدفع إنهم إذ لم تكتحل أعينهم برؤية تلك المشاهد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع ذاك الصوت، ولم يحصل لهم شرف المشاركة في تلك الميادين، فإنما عاقهم عائق، وحبسهم حابس عن هذه الميادين، وأحدهم يتمنى أن تتاح له الفرصة، وأن يفتح له الميدان، أليست صورة تستحق الإشادة، أليست صورة تستحق أن نحفل بها وأن نشعر أنها وبحمد الله من منجزات جيلنا المبارك.
وكما قال ﷺ : (من خير معاش الناس لهم في دينهم ودنياهم رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار يبتغي القتل والموت مظانه).
стр. 213
إحياء سنة الأخوة الإيمانية
ثالث عشر: أن هؤلاء قد أحيوا سنة الأخوة في الله ﵎، بعد أن كادت الأمة أن تنساها.
لقد كادت الأمة أن تنسى الحب في الله، والأخوة في الله، فجاء هذا النشء المبارك ليحيي معاني هذه الأخوة، وليتأسى بنبيه ﷺ ، والجيل المبارك الذين تآخوا علي غير أرحام بينهم، ولعل هؤلاء من أسعد الناس بقوله ﷺ : (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) مما حدا بأحد شعراء هذه الصحوة أن يستبشر أي استبشار حين رأى هذا الأمل: الله أكبر إن عيني قد رأت نورا بآفاق السما يتلألا فلعله فجر الأخوة قد بدا يحيي النفوس ويبعث الآمالا ويميط عن هذه القلوب هوانها فتروح ترسل روحها إرسالا
стр. 214
موقفهم من المعاصي
رابع عشر: موقف هؤلاء من المعاصي.
إن هؤلاء شأنهم شأن سائر المسلمين، قد يقعون في المعصية، وقد يواقعون الذنب، ومن هو الذي لا يقع في الذنب والمعصية: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم).
(وكل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون كما قال ﷺ .
إن هؤلاء وإن وقع أحدهم في المعصية، إلا أن حالهم مع المعصية ليست كحال سائر المسلمين، إن أحدهم ما يلبث أن يبادر للتوبة إلى الله ﵎ والإقلاع، ولعله بهذا من أسعد الناس بقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢].
وبقوله ﵎: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣].
ثم ذكر ﵎ في صفة هؤلاء أنهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
في حين يصر غيرهم على هذه المعاصي، وهم لو وقعوا في المعصية فإن أحدهم يستعظم المعصية، وتعظم عنده، كما قال ابن مسعود ﵁: (إن المؤمن يرى معصيته كالجبل يوشك أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كذباب طار على أنفه فقال به هكذا).
كم يستهين الكثير من المسلمين بالنظر الحرام، بل يستنكر حين ينكر عليه هذا الأمر، وكم يستهينون بالكبائر والفواحش! أما هذا الجيل فإنك تراه حين تقع منه نظرة أو حين يقع في معصية يستعظمها، ويقبل على الله مستغفراً تائباً، ويشعر أن هذه القضية توشك أن توبقه.
وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية فإنهم إنما يقعون في المعصية وقوعاً عارضاً، إنهم لا يسعون إلى المعصية، ولا يبحثون عنها، ولا يفرحون بها، لكن قد يواقع أحدهم المعصية وقد غلبته شهوة، وقد غلبه هواه، ولعله أسعد الناس بما قاله ابن القيم ﵀ وهو من أعلم الناس بأمراض القلوب، قال في مدارج السالكين: إن الله ﵎ إنما يغفر للعبد إذا كانت مواقعة الذنب منه على وجه غلبة الشهوة والهوى، فإذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خائف، مختلج في قلبه شهوة الذنب، وخوف الله ﵎.
أما ذاك الذي يواقع الذنب وهو يضحك ظهراً ببطن، وهو الذي لا يدع ذنباً إلا أتاه، فهو من أبعد الناس عن التوبة، ومن أقرب الناس إلى أن يحال بينه وبين التوبة، أو كما قال ﵀ ﵎.
وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية فهم لا يجاهرون بها، بل يستخفي أحدهم بها، ويخشى أن يراه غيره عليها، ولا شك أن هذا بإذن الله دليل خير، كما قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) ولعله ينطبق عليه قوله ﷺ بحديث النجوى: (إن الله يدني عبده المؤمن، ويضع عليه كنفه، ويقرره بذنوبه، فيقول: تذكر ذنب كذا وكذا؟ تذكر ذنب كذا وكذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك، قال: أنا ستترها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، وأما الفاجر أو الكافر فينادى بذنوبه على رءوس الخلائق).
أيها الإخوة! إن هذا الحديث ليس شهادة عصمة، ولا مناداة بالبراءة من الخطأ والزلل والذنب على هذا الجيل، وليس دعوة إلى أن ننسى الأخطاء والسلبيات، لكن كما سبق أن أشرت في أوله، حيث إننا أصبحنا لا نسمع عن هذا الجيل إلا حديث النقد وذكر الأخطاء، فربما كان هذا مدعاة أن ينسينا بعض هذه الجوانب المشرقة، فأحببنا أن نستثيرها في أذهانكم، وأحببنا أن نذكركم بها، وهو لا يعني كما قلت شهادة براءة، ولا يعني الدفاع عن الأخطاء والسلبيات.
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن نشأ في طاعة الله ﵎، ونسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأن يجعلنا وإياكم ممن يقبض على دينه ويكون كالقابض على الجمر.
هذا والله وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 215
وإنك لعلى خلق عظيم
من خير ما يرفع المرء عند الله الخلق الحسن، وقد كان سيدنا رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً مع جميع الخلق، وهو الذي بعث ليتمم صالح الأخلاق، وهو القدوة الحسنة التي يجب أن نتبعها وأن نتخلق بالأخلاق الحسنة لنفوز برضوان الله تعالى.
следующие страницы →