← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

استثمار المواقف والأوقات في الدعوة إلى الله حادي عشر: أن هؤلاء أصبحوا يتساءلون في كل موقف وكل مناسبة: كيف يخدمون الإسلام؟ كيف يدعون إلى الله ؟ ألسنا نرى الشباب يتساءلون في كل مناسبة، على مقتبل الإجازة، في الحج، في رمضان في كل مناسبة: كيف نستثمر هذا الموقف في الدعوة إلى الله ، كيف نستغل هذا الوقت وهذا الموسم وهذه الفرصة في الدعوة إلى الله ﵎، في حين كانت القضية التي تشغل غيرهم في الإجازة هي قضية السفر، وقضية اللهو واللعب، وفي حين كانت القضية التي تشغل بعض المسلمين وللأسف في شهر رمضان هي: كيف يمتعون أنفسهم بأطيب الطعام والشراب؟ كيف يرتبون أوقاتهم في اللهو واللعب، مع ذلك القضية التي تشغل هؤلاء في كل حين وفي كل مناسبة هي: كيف يخدمون هذا الدين؟ كيف ينصرون قضية هذا الدين؟ كيف يدعون إلى الله في كل مناسبة وكل حين؟ ولهم أسوة في نبيهم ﷺ الذي كان لا يدع قضية من القضايا وباباً من الأبواب وميداناً من الميادين إلا ونشر فيه علما، ودعا فيه إلى الله ﵎. أليس ﷺ يأتي في موقف ربما لا يزيد أثره على الناس أن يستثير بعض عواطف الأمومة والأبوة نحوهم، فيرى ﷺ امرأة تأخذ طفلاً من السبي وتضمه إلى صدرها، فيستوقف أصحابه ﷺ ويقول: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فيقولون: لا، فيقول: لله أرحم بهذه من ولدها، أو يقول: والله لا يلقي حبيبه في النار). نعم لقد كانت قضية الدعوة، وقضية التعليم قضية تشغل النبي ﷺ ، وكان يستثمر كل هذه الفرص، ولهذا أخذ هذا النشء المبارك هذا الهدي منه ﷺ ، فصارت قضيته وصار سؤاله في كل وقت وفي كل مناسبة: كيف يستثمر هذا الوقت أو هذا الموقف في الدعوة لدين الله ﵎.

стр. 212

إحياء الجهاد في سبيل الله ثاني عشر: أن هذا الجيل من الشباب أحيا سنة كادت الأمة أن تنساها، إلا وهي سنة الجهاد في سبيل الله ﵎. إن تجربة الجهاد الأفغاني تجربة قريبة وتجربة لن تنساها الأمة في وقت كادت الأمة أن تنسى الجهاد، كادت أن تنسى هذه الفريضة، بل للأسف لقد كان بعض من يتصدر للتعليم وتدريس الناس الفقه يقفز من باب الجهاد حين يصل إليه، لأنه قد نسيته الأمة، وحين قام هذا الجهاد في تلك البلاد وفتح الميدان رأينا الشباب ممن لم يتجاوز العشرين، أو تجاوزها بقليل، رأيناه يترك الدنيا ويترك الدينار والدرهم، ويترك كل ما يسير إليه الناس من متعهم، ويرحل إلى بلاد لا يعرف لغة أهلها، ولا يعرف طريقتهم، ولا يعرف حياتهم، ولسان حاله كحال عبد الله بن رواحة ﵁ حين ودع أصحابه وقالوا له: حفظكم الله وردكم إلينا، فقال: لا ردنا الله إليكم، وقال: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدتي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا وكان يسأل الله الشهادة ويقول وهو يخاطب راحلته: إذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وخلفوني بأرض الشام منجدل الثواء هنالك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها رواء ولسان حاله يقول كما قال الأول: إذا العرش إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن أحن يومي سعيداً بصحبة يمسون في فج من الأرض خائف لئن كان قالها صاحب بدعة وصاحب ضلاله فهو يقولها وهو على السنة، وهو يتمنى أن يرزقه الله الشهادة هناك. لقد نسيت الأمة صور الشهادة، لقد نسيت صور الجهاد، وها نحن نرى بحمد الله نماذج من هؤلاء، ممن قتلوا ونحسبهم والله حسيبهم من الشهداء في سبيل الله، ممن أحيوا فريضة الجهاد، وضربوا للأمة أروع الأمثلة في التضحية والبطولة والفداء، في وقت كان يسافر فيه أترابهم وأقرانهم لقضاء الرذيلة ولقضاء الشهوات المحرمة، في وقت كان يسافر فيه الكبار والصغار للنزهة، يسافرون إلى البلاد التي يتيسر لهم فيها ما لا يتيسر لهم في بلادهم، أما هؤلاء فلهم شأن آخر وقضية أخرى وحياة أخرى، وأولئك الذين لم تكتحل أعينهم برؤية ميدان الجهاد، ولم تشنف أسماعهم بسماع صوت الجهاد، كما كان أحدهم يتغنى: لا شيء يشجيني ويطرب مسمعي كأزيز رشاش وصولة مدفع إنهم إذ لم تكتحل أعينهم برؤية تلك المشاهد، ولم تتشنف أسماعهم بسماع ذاك الصوت، ولم يحصل لهم شرف المشاركة في تلك الميادين، فإنما عاقهم عائق، وحبسهم حابس عن هذه الميادين، وأحدهم يتمنى أن تتاح له الفرصة، وأن يفتح له الميدان، أليست صورة تستحق الإشادة، أليست صورة تستحق أن نحفل بها وأن نشعر أنها وبحمد الله من منجزات جيلنا المبارك. وكما قال ﷺ : (من خير معاش الناس لهم في دينهم ودنياهم رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار يبتغي القتل والموت مظانه).

стр. 213

إحياء سنة الأخوة الإيمانية ثالث عشر: أن هؤلاء قد أحيوا سنة الأخوة في الله ﵎، بعد أن كادت الأمة أن تنساها. لقد كادت الأمة أن تنسى الحب في الله، والأخوة في الله، فجاء هذا النشء المبارك ليحيي معاني هذه الأخوة، وليتأسى بنبيه ﷺ ، والجيل المبارك الذين تآخوا علي غير أرحام بينهم، ولعل هؤلاء من أسعد الناس بقوله ﷺ : (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) مما حدا بأحد شعراء هذه الصحوة أن يستبشر أي استبشار حين رأى هذا الأمل: الله أكبر إن عيني قد رأت نورا بآفاق السما يتلألا فلعله فجر الأخوة قد بدا يحيي النفوس ويبعث الآمالا ويميط عن هذه القلوب هوانها فتروح ترسل روحها إرسالا

стр. 214

موقفهم من المعاصي رابع عشر: موقف هؤلاء من المعاصي. إن هؤلاء شأنهم شأن سائر المسلمين، قد يقعون في المعصية، وقد يواقعون الذنب، ومن هو الذي لا يقع في الذنب والمعصية: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم). (وكل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون كما قال ﷺ . إن هؤلاء وإن وقع أحدهم في المعصية، إلا أن حالهم مع المعصية ليست كحال سائر المسلمين، إن أحدهم ما يلبث أن يبادر للتوبة إلى الله ﵎ والإقلاع، ولعله بهذا من أسعد الناس بقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]. وبقوله ﵎: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]. ثم ذكر ﵎ في صفة هؤلاء أنهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. في حين يصر غيرهم على هذه المعاصي، وهم لو وقعوا في المعصية فإن أحدهم يستعظم المعصية، وتعظم عنده، كما قال ابن مسعود ﵁: (إن المؤمن يرى معصيته كالجبل يوشك أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كذباب طار على أنفه فقال به هكذا). كم يستهين الكثير من المسلمين بالنظر الحرام، بل يستنكر حين ينكر عليه هذا الأمر، وكم يستهينون بالكبائر والفواحش! أما هذا الجيل فإنك تراه حين تقع منه نظرة أو حين يقع في معصية يستعظمها، ويقبل على الله مستغفراً تائباً، ويشعر أن هذه القضية توشك أن توبقه. وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية فإنهم إنما يقعون في المعصية وقوعاً عارضاً، إنهم لا يسعون إلى المعصية، ولا يبحثون عنها، ولا يفرحون بها، لكن قد يواقع أحدهم المعصية وقد غلبته شهوة، وقد غلبه هواه، ولعله أسعد الناس بما قاله ابن القيم ﵀ وهو من أعلم الناس بأمراض القلوب، قال في مدارج السالكين: إن الله ﵎ إنما يغفر للعبد إذا كانت مواقعة الذنب منه على وجه غلبة الشهوة والهوى، فإذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خائف، مختلج في قلبه شهوة الذنب، وخوف الله ﵎. أما ذاك الذي يواقع الذنب وهو يضحك ظهراً ببطن، وهو الذي لا يدع ذنباً إلا أتاه، فهو من أبعد الناس عن التوبة، ومن أقرب الناس إلى أن يحال بينه وبين التوبة، أو كما قال ﵀ ﵎. وهم أيضاً لو وقعوا في المعصية فهم لا يجاهرون بها، بل يستخفي أحدهم بها، ويخشى أن يراه غيره عليها، ولا شك أن هذا بإذن الله دليل خير، كما قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) ولعله ينطبق عليه قوله ﷺ بحديث النجوى: (إن الله يدني عبده المؤمن، ويضع عليه كنفه، ويقرره بذنوبه، فيقول: تذكر ذنب كذا وكذا؟ تذكر ذنب كذا وكذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك، قال: أنا ستترها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، وأما الفاجر أو الكافر فينادى بذنوبه على رءوس الخلائق). أيها الإخوة! إن هذا الحديث ليس شهادة عصمة، ولا مناداة بالبراءة من الخطأ والزلل والذنب على هذا الجيل، وليس دعوة إلى أن ننسى الأخطاء والسلبيات، لكن كما سبق أن أشرت في أوله، حيث إننا أصبحنا لا نسمع عن هذا الجيل إلا حديث النقد وذكر الأخطاء، فربما كان هذا مدعاة أن ينسينا بعض هذه الجوانب المشرقة، فأحببنا أن نستثيرها في أذهانكم، وأحببنا أن نذكركم بها، وهو لا يعني كما قلت شهادة براءة، ولا يعني الدفاع عن الأخطاء والسلبيات. فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن نشأ في طاعة الله ﵎، ونسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأن يجعلنا وإياكم ممن يقبض على دينه ويكون كالقابض على الجمر. هذا والله وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 215

وإنك لعلى خلق عظيم من خير ما يرفع المرء عند الله الخلق الحسن، وقد كان سيدنا رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً مع جميع الخلق، وهو الذي بعث ليتمم صالح الأخلاق، وهو القدوة الحسنة التي يجب أن نتبعها وأن نتخلق بالأخلاق الحسنة لنفوز برضوان الله تعالى.

стр. 216

الحاجة إلى الكلام عن شمائله ﷺ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، اصطفاه ﵎ ليحمل الرسالة للناس إلى قيام الساعة، وليكون ﷺ هو داعي التوحيد وداعي الله ، فمن لم يجبه وقد سمع به من هذه الأمة لم يدخل الجنة، فصلى الله عليه وعلى آله وإخوانه إلى يوم الدين، وحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه، إنه ﵎ سميع مجيب. أيها الإخوة يشعر المتحدث حين يريد الحديث عن سيرة هذا النبي العظيم، وعن خلقه وعن شمائله ﷺ ، يشعر بالرهبة، ويشعر أنه مهما تحدث فلن يوفي الحديث حقه، وأنى لبشر مقصر أن يوفي حق المصطفى ﷺ الذي اختاره الله وهو ﵎ يخلق ما يشاء ويختار. نشعر اليوم أيها الإخوة أن الأمة وأن العالم أجمع بحاجة إلى أن يُبرز أمامه هذا النموذج، وأن تُفتح له هذه الصفحات من سيرة النبي القدوة ﷺ ، ونحن نعيش في وسط تسيطر فيه الأنانية والفردية، في وسط تتشعب فيه الأهواء بالناس، وحتى الصالحون يصيبهم ما يصيبهم من حظوظ النفس، ومن الأهواء، ويسيء المرء الخُلق وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً، وما أعظم المقولة التي قالها ﷺ حين استأذنه رجل فقال ﷺ : (ائذنوا له بئس أخو العشيرة) فلما دخل هش له ﷺ وبش، فقيل له في ذلك؟ فقال ﷺ : (شر الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه) عافانا الله وإياكم. إنها صورة ونموذج قد يتمدّح به البعض وأنه يستطيع بلسانه أن يُخرس الناس، يستطيع أن يسفههم، يستطيع أن لا يدع أحداً يفوه بكلمة بعد ذلك، وحينئذ يخاف الناس فُحشه في مقالته وفي كتابته وفي حديثه، هؤلاء عافانا الله وإياكم هم من شر الناس، وأبعد الناس عن منهج النبي ﷺ صاحب الخلق العظيم. أيها الإخوة أشعر ونشعر جميعاً أننا بحاجة إلى الحديث عن خُلق النبي ﷺ ، وطالما أردت الحديث عن هذا الموضوع، لكني أشعر أني أُقدِّم رجلاً وأؤخر أُخرى؛ لأني أشعر أنني حين أتحدث عن أي جانب من جوانب خلق النبي ﷺ فإني أنادي على نفسي بفقدان هذا الخلق وهذا النموذج، إن الناس يرون منا خلقاً ويرون منا سلوكاً، وحين نحدثهم عن هذه الأخلاق يرون صورة أخرى غير تلك التي يرونها عنا، لهذا كنت أرى وأعتقد أن حديثي عن خُلق النبي ﷺ وعن الخلق الحسن إنما هو شهادة إدانة، فكنت أُحجم عن الحديث في هذا الموضوع، مع أن الحديث عن هذا الموضوع وهذا الجانب لا يعوز طالب علم مهما كان ومهما قل شأنه ومهما قل اطّلاعه. إنك حين تقرأ في كتاب من كتب السنة، أو كتب سيرة النبي ﷺ ، أو كتب الشمائل فستجدها مليئة بالشواهد الناطقة على خلق هذا النبي ﷺ ، ولن تحتاج أن تتصفح أبواب الآداب والأخلاق والشمائل، بل وأنت حين تقرأ في أبواب الأحكام، حين تقرأ في أبواب العبادات، حين تقرأ في أي باب من الأبواب ما روي عن هذا النبي ﷺ ، فإنك سترى هذه المرويات كلها تنطق بخلقه ﷺ ، كلها تشهد لهذا المعنى العظيم الذي وصفه به ربه ﵎: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وما وصفته به عائشة ﵂ بقولها: (كان خلقه القرآن). ولكن الإخوة اختاروا هذا الموضوع فرأيت أن أتحدث عنه، ولو لم يختاروه ويلزموني به لما كنت أتحدث عنه، لا لأني أرى أنه ليس ذا بال وأهمية، بل لأني أشعر أننا نعاني كثيراً من التقصير في أخلاقنا، من التقصير في اتباع منهج النبي ﷺ في خُلقه وسلوكه، وأننا حين نتحدث عن هذه الجوانب فإننا ندين أنفسنا، ويرى الناس واقعاً غير ذاك الذي نقول لهم، فنسأل الله أن لا يجعلنا من أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون. لكن عزاءنا أن نعلم أن النبي ﷺ رجل اختاره الله من بين الناس، واصطفاه ﵎، حتى إن الجيل الأول والرعيل الأول ما كان يمكن أن يبلغ منزلته ﷺ في الخُلق والقدوة، كيف لا وهو القدوة للبشرية جمعاء! حين نتحدث عن هذا الموضوع فإننا لن نستطيع أن نوفيه حقه، بل ولن نستطيع أن نأتي بجميع جوانبه، ويشعر المتحدث بالحيرة حين يريد الحديث عن خُلق النبي ﷺ ، عن ماذا يتحدث؟ إنك لو أخذت جانباً من الجوانب، مثل جانب الرحمة، أو جانب الحياء، أو التواضع، أو الكرم والجود والسخاء، أو الصبر أو كظم الغيظ، لو أخذت جانباً من جوانب الخلق وتصفحت كتب السنة، لوجدت أن المقام يضيق عن أن تتحدث عن هذا الجانب وحده، أو أردت أن تدون شيئاً من ذلك لوجدت أن المقام يضيق، ولهذا فإن الذين ألفوا في شمائل النبي صلى الله

стр. 217

الشواهد على كمال خلقه ﷺ

стр. 218

اختيار الله ﵎ له إننا حين نتحدث عن سمو خلقه ﷺ ، فستطول معنا الشواهد، لكننا هنا نوجز شواهد مهمة على كمال خُلقه ﷺ ، وأول هذه الشواهد وأتمها هو اختيار الله ﵎ له. إن الله يخلق ما يشاء ويختار ﵎، وهو الذي خلق البشر ﵎ وهو أعلم بهم، فاختاره ﵎ ليحمل الرسالة، واختاره ليكون قدوة وأسوة حسنة، ولهذا فإن هذا الاختيار يقتضي أن يكون ﷺ في القمة في كل الصفات البشرية، إن هذا الاختيار يقتضي أن يكون النبي ﷺ رجلاً لا كالرجال، أن يكون النبي ﷺ ليس كسائر الناس. نعم، إنه ﷺ بشر مثلهم ينسى كما ينسى الناس ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ولا يعلم الغيب ﷺ شأنه شأن سائر الناس، لكنه ﷺ في القمة في كل صفة كمال يمكن أن توجد في بشر، كيف لا وقد اختاره ربه ﵎. وها هو عبد الله بن مسعود رضوان الله عليه يشهد للنبي ﷺ بذلك، ويشير إلى هذا المعنى فيقول: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ).

стр. 219

ثناء الله عليه في القرآن بحسن الخلق الشاهد الآخر: ثناء الله ﵎ عليه في كتابه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ومن أحسن من الله حديثاً، فالله ﵎ يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ﴾ [القلم:٤]. إنها شهادة للنبي ﷺ ممن خلقه ﵎ وممن خلق الناس، وممن يعلم ﵎ ما تكنه الصدور والضمائر، شهادة من الله ﵎ لهذا النبي ﷺ أنه على خلق، وليس على خلق فحسب، بل على خلق عظيم، ويخبر الله ﵎ أن الله امتن على نبيه ﷺ بهذا الخلق، فقال ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ويمتن ﵎ على المؤمنين أن بعث إليهم هذا النبي الذي يتصف بهذه الصفات العظيمة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وماذا نريد أيها الإخوة بعد أن عدّله ربه ﵎، وبعد أن أثنى عليه الله ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ومن أحسن منه حديثاً ﵎.

стр. 220

شهادة الصحابة له بحسن الخلق وهاهم أصحابه رضوان الله عليهم الذين صحبوه في السراء والضراء، وعاشوا معه أحواله، في المنشط والمكره، هاهم يشهدون له رضوان الله عليهم بأنه أحسن الناس خلقاً يقول البراء ﵁: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير). ويروي أنس بن مالك ﵁ يصف النبي ﷺ فيقول: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنس، ثم يُنضح، ثم يؤم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه يصلي بنا، وكان بساطه من جريد النخل) وهذا الحديث رواه الإمام مسلم. ويروي مسلم أيضاً في صحيحه عن عائشة ﵂ حين سئلت عن خلق النبي ﷺ قالت لمن سألها: (ألست تقرأ القرآن؟ كان خلقه ﷺ القرآن). وهاهو حسان ﵁ يقول: وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء ويقول حين دفن أصحاب النبي ﷺ رسول الله ﷺ : لقد غيّبوا علماً وحلماً ورحمة عشية واروه الثرى لا يوسد ولسنا بحاجة أيها الإخوة إلى أن نستطرد في إيراد الشواهد من مقولات أصحاب النبي ﷺ وثنائهم عليه بحسن الخلق.

стр. 221

إخباره عن نفسه أنه بعث ليتمم صالح الأخلاق الشاهد الرابع: إخباره ﷺ عن نفسه أنه بُعث ليتمم صالح الأخلاق، ففي المسند عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق) وهذا يعني أن الخلق له منزلة عظيمة في دين الله، إن الخلق والسلوك قد يأتي أحياناً لدى الكثير من المسلمين، بل لدى بعض طلبة العلم في مرتبة متأخرة، ويشعر بعض هؤلاء أن مجرد حفظ المسائل العلمية وإتقانها هو وحده ما يحتاج إليه طالب العلم! وحين يأتي الحديث عن الخلق وعن الهدي والسمت والسلوك يشعر هؤلاء أن هذا حديث الوعّاظ، وأن هذا حديث ينبغي أن يوجه لعامة الناس، وأما طلبة العلم فينبغي ألا يحدثوا إلا بقال فلان ورأى فلان، وفي المسألة وجهان، أو ثلاثة أقوال، وهكذا. قد يتصور البعض من طلبة العلم أيها الإخوة أن الحديث في مثل هذه المسائل هو وحده الحديث الذي يعنيه، وهو الحديث الذي يهمهم، وهو مجال لا يمكن أن يقلل أحد من شأنه أو يغض منه، لكن أن نتصور أن أبواب الخلق والأدب والسلوك ليس من شأننا أو أنه قضية ثانوية، أو أنه قضية يزج بها الحديث فإن هذا خلاف المنهج الذي كان عليه سلف الأمة، وقد كان أحدهم يرحل في الأدب الواحد السنة والسنتين، وكانوا يتعلمون الأدب كما يتعلمون الحديث، وكان أحدهم يقول: كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه وسمته ودلّه، ويقول ابن وهب ﵀: ما تعلمت من أدب مالك أكثر مما تعلمت من علمه، وكانوا يأتون طالب العلم بوصية مشهورة يقولون فيها: أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاكتسب علماً وحلماً ثم قيده بقيد ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد بل إن في تصانيفهم المتقدمة ما يدل على عظم هذه القضية، أليسوا قد صنفوا في أدب العالم والمتعلم وأدب طالب العلم وما ينبغي له كتباً مستقلة، وأدرجوا ذلك ضمن كتب الحديث وكتب الآداب، وهي كثيرة تلك الكتب التي صنفها أولئك المتقدمون من سلف الأمة، وما كان أولئك يعانون من أوقات لا يدرون بم يشغلونها، ولا يعانون من الإسهال الفكري فيريدون أن يكتبوا ما عنّ لهم، إنما كانت عنايتهم بذلك دليلاً على أهمية هذا الأمر وعلو شأنه في دين الله ، كيف ولا وقد أخبر ﷺ أنه بُعث ليتمم صالح الأخلاق، فما دام ﷺ قد بُعث ليتمم صالح الأخلاق فلا بد أن تكون سيرته وهديه وسمته ﷺ ناطقة بذلك، وهاهي سيرته وسنته تشهد بذلك لكل من قرأها وتصفحها.

стр. 222

دعاؤه ربه أن يرزقه حسن الخلق وأيضاً: النبي ﷺ يدعو ربه أن يرزقه حسن الخلق، ويدعو ربه ﵎ أن يحسن خلقه، يروي الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ كان يقول: (اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلقي). وأيضاً: يروي الإمام أحمد هذا المعنى عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يقول: (اللهم أحسنت خلْقي فأحسن خُلقي). وكان ﷺ يدعو في دعائه المشهور في قيام الليل: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت) ورسول الله ﷺ مجاب الدعوة، فقد دعا ربه ﵎ هذا الدعاء فسيجيب الله دعاءه، ولا عجب فقد كان ﷺ في المنزلة العالية من الخلق، وإذا كان ﷺ يسأل ربه ﵎ ويستعين به على أن يرزقه حسن الخلق، وعلى أن يحسّن خلقه، وهو ﷺ قد بلغ هذه المنزلة، فقد جُبل ﷺ على حسن الخلق وقد زكّاه ربه ﵎ وعلّمه الكتاب والحكمة، فعلّمه ﵎ حسن الخلق، ومع ذلك فإنه ﷺ يستعين بربه ويسأله أن يرزقه حسن الخلق، وأن يهديه لأحسن الأخلاق، إذا كان النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء، ويسأل ربه ﵎ هذا السؤال فنحن أحوج ما نكون إلى ذلك، ونحن نرى حين نتأمل في واقعنا صباح مساء تلك الأخطاء التي نقع فيها، ونرى ذلك التقصير، ونرى إخلالنا بهذا الجانب، ونرى أن الكثير من مواقفنا تشهد وتنطق بأننا أحوج ما نكون إلى أن نترقى في مكارم الأخلاق، وأن نتعلم الكثير الكثير من حسن الخلق.

стр. 223

أمره ﷺ بمكارم الأخلاق أيضاً: كان ﷺ يأمر بمكارم الأخلاق، ولا شك أنه ﷺ أول من يمتثل ما يأمر به ﷺ ، كيف لا وهو ﷺ قد حذّرنا وحذّر أمته من أن يقول أحدهم ما لا يفعل، وأخبر أن الرجل يُلقي في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: ألم تكن تأمرنا وتنهانا؟ فيقول: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه، عافانا الله وإياكم، والنبي ﷺ قد جمع الله له كمال الامتثال والتأسي فلا شك أن كل ما يأمر به ﷺ ويدعو به أمته؛ لا شك أن ذلك سيكون متمثلاً في حياته ﷺ وسيرته. ها هو أبو ذر ﵁ يحكي في قصته التي يرويها الإمام مسلم عن ابن عباس يقول: (لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فأعلمني علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاماً ما هو بالشعر). ونقف أيها الإخوة عند هذا المعنى ونتأمل، متى قدم أبو ذر ﵁ إلى النبي ﷺ ؟ قدم إلى النبي ﷺ وهو لا يزال في مكة، ولما ينزل بعد الكثير من آيات القرآن، ولما تنزل الشرائع والأحكام، وأصبح هذا المعنى معلماً بارزاً في دعوته، فحين أراد صاحب أبي ذر ﵁ أن يلخّص له دعوة النبي ﷺ لم يجد أبلغ من أن يصفها بهذه الكلمة: (رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاماً ما هو بالشعر) إنه لو كان النبي ﷺ قد أمر بمكارم الأخلاق في مكة ودعا إليها لما كان ذلك كافياً، أما أن تكون مكارم الأخلاق هي العنوان لدعوة النبي ﷺ ، وهي القضية التي يشعر هذا الرجل الذي رأى النبي ﷺ ، وتفحّص حاله؛ فهذا يعني أنه معلم بارز واضح يدركه كل من عاشر النبي ﷺ ورآه، ولو كان في تلك المرحلة التي كان ﷺ لا يزال فيها في أول رسالته وأول دعوته، ولما تنزل الكثير من الأحكام والشرائع بعد. وفي الصحيح عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقلت: (أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض التي في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويرحم، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً).

стр. 224

الخصائص التي امتاز بها النبي ﷺ من مكارم الأخلاق

стр. 225

أنه اجتمع له من المكارم ما لم يجتمع لغيره لئن كان ﷺ امتاز بهذا الخلق العظيم، ومن الله عليه بمكارم الأخلاق، فما هي تلك الخصائص والمزايا التي للنبي ﷺ وليست لأحد غيره من البشر؟ إنك قد تجد من الناس الذين تراهم صباح مساء من يعجبك خلقه، وقد تجد من هؤلاء من تشعر أنك لا تمل في الحديث عن حسن خلقه وأدبه وتتمنى أن تُرزق شيئاً مما رزقه الله ، ولا شك أن الله ﵎ خص طائفة من خلقه بشيء من ذلك كما جبل صاحب رسول الله ﷺ على خصلتين يحبهما ﵎ الحلم والأناة، فقد جبل الله طائفة من خلقه على حسن الخلق، لكن النبي ﷺ وإن كان في القمة في كل مجال وميدان من ميادين الخلق إلا أن له ﷺ من المزايا والخصائص ما لا تراه لسائر البشر، إنه ﷺ إن ذُكر أهل الحلم فهو أحلم الناس، وإن ذُكر أهل الغيرة فهو أغير الناس، وإن ذُكر أهل الشجاعة فهو أشجع الناس، وإن ذُكر أهل الجود فهو أجود الناس؛ فهو ﷺ في كل باب من أبواب الخلق الحسن قد بلغ أعلى غاية وأعلى منزلة يمكن أن يبلغها بشر وأن يصل إليها مخلوق، لكن مع ذلك فإنه ﷺ له من المزايا ما ليس لغيره: أولها: أن النبي ﷺ قد اجتمع له من الأخلاق ما لا يجتمع لأحد من البشر، إنك قد تجد فلاناً من الناس اشتهر بالجود وسارت الركبان بالحديث عن جوده وكرمه، بل صار مضرب المثل، وصارت تحكى الغرائب والروايات عنه، وقد تجد فلاناً من الناس اشتهر بالحلم وكظم الغيظ، وصرت تسمع من الحديث ما لا يكاد يصدقه عقلك، وصار مضرب المثل في ذلك، وقد ترى من اشتهر بالصبر، وقد ترى من اشتهر بالحياء، ترى من اشتهر بأي جانب من جوانب الخلق، وقلما تجد بشراً من البشر أو مخلوقاً من المخلوقين امتاز بحسن الخلق إلا وترى أن هناك خلقاً معيناً هو عنوان خلقه، تراه امتاز بالسخاء، أو تراه امتاز بالصبر أو بالحلم، أو أي باب من أبواب الخلق، أما النبي ﷺ فقد جمع الله له ذلك كله، وما لم يُجمع لأحد غيره ﷺ فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الكرماء وإذا عفوت فقادراً ومقدراً لا يستهين بعفوك الجهلاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة للحق لا ضغن ولا بغضاء وإذا رضيت فذاك في مرضاته ورضا الكثير تحلم ورياء وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء فقد جمع الله ﵎ له كمال الخلق في كل مجال وكل باب، تحدث ما شئت عن أي مجال وأي ميدان وائت بالشواهد من هنا وهناك فلن ترى أصدق شاهداً مما روي عن هذا النبي العظيم ﷺ ، تحدث عن الجود والكرم، تحدث عن الحلم، تحدث عن الرحمة، عن الصبر، عن الشجاعة، عن سائر الأخلاق، عن كل ما يمتدح به الناس من الخلق فسترى أن أصدق الشواهد هي ما يروى عن هذا الرجل العظيم ﷺ .

стр. 226

أنه لا يطغى عليه خلق فيخرجه عن الحق فيه الجانب الثاني: إن الكثير من البشر حين يُرزق خلقاً فإنه أحياناً قد يطغى عليه في مواقف كثيرة ويخرجه عن الحق، خذ مثلاً من رزق الرحمة، وصار صاحب قلب رحيم يتحدث الناس عن رحمته، لا شك أنه يفعل خيراً كثيراً ويحسن للناس ويرق قلبه لما يراه من أحوال الناس، لكن ألا ترى أن هذا الرجل قد يأتي موطن يتطلب منه سوى ذلك فلا يستطيع فتغلبه تلك الشفقة والرحمة فتخرجه عن الحق. وقل مثل ذلك فيمن رزق السخاء والجود فصار لا يطيق أن يمسك مالاً يرى الناس يحتاجون إليه، ألا ترى أنه قد يتحول ذلك أحياناً إلى ترف وتبذير للمال في غير محله؟ أو ذاك الذي رُزق الشجاعة فصار الناس يغدون ويروحون بالحديث عن أخبار شجاعته وبطولاته، ألا ترى أن هذه الشجاعة تتحول إلى باب من أبواب التهور؟ أو قل على الأقل قد تخرجه عن الحق في موقف من المواقف وموطن من المواطن. أما النبي ﷺ فلا، إنه ﷺ الذي لا يرد سائلاً والذي لا يرد شافعاً، إنه الرحيم ﷺ بأمته، بل لا يبلغ أحد رحمته ﷺ ، وهو ﷺ الذي يقبل شفاعة الأمة وشفاعة العبد، وشفاعة الصغير والكبير، وهو الذي يرحم الصغير والكبير، ها هو ﷺ في موقف يتطلب منه الحق خلاف ما قد يسلكه بعض الرحماء، فنرى منه ﷺ أن هذه الرحمة وأن هذا التقدير للناس وقبول شفاعتهم لم يخرجه ﷺ عن الحق، إنه ﷺ الذي يقبل شفاعة الأمة ويأتي يكلم زوجها، يأتي ﷺ يشفع لرقيق من الأرقاء لدى أسياده. بل يأمر ﷺ أصحابه أن يشفعوا فيقول: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)، حين سرقت امرأة في مكة ذات جاه، وثقل على الناس أن تُقطع يدها أرادوا أن يشفعوا لدى النبي ﷺ فقالوا: من يتجرأ عليه ﷺ إلا أسامة حبه ﷺ وابن حبه، فجاء أسامة إلى النبي ﷺ فغضب النبي ﷺ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله) ثم قام ﷺ فصعد المنبر فقال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). إنها فاطمة ﵂ التي يؤلم النبي ﷺ ما يؤلمها، والتي كان من شأن النبي ﷺ حين حدث أنه ستكون لها ضرة ما كان من شأنه ﷺ ، ومع ذلك لو أنها سرقت لقطع ﷺ يدها، ويرد النبي ﷺ شفاعة أسامة وهو حبه وابن حبه ويغضب ﷺ لهذا الموقف. وهكذا فإنه ما من خلق يُمدح به النبي ﷺ إلا وتراه تحت دائرة الحق لا يخرجه عن الحق، وهذا أمر ينبغي لأولئك الذين طُبعوا وجُبلوا على خلق كريم أن يضبطوا أنفسهم بهذا الضابط، وألا يخرجهم هذا الخلق عن حدود الشرع، إن من جبله الله على الحياء، أو على الكرم، أو على الشجاعة، أو على الجود، أو على الصبر، أو على هذا الخلق وذاك ينبغي أن ينظر لنفسه مراراً، أن يكون هذا الخلق داخل دائرة ما يرضي الله ﵎، فإذا شعر أنه سيخرجه عن الحق فإنه حينئذ يصبح خلقاً مذموماً.

стр. 227

أن حسن الخلق لا يحوله إلى رجل ضعيف أيضاً مزية ثالثة أن الخلق الذي اتصف به ﷺ لم يكن ليحوله إلى رجل ضعيف. إن البعض ممن يحسن خلقه يضعف فلا يطيق أحياناً ولا يستطيع أن يقف مواقف صارمة جادة، فتقعد به طبائعه وسجاياه، أما النبي ﷺ فيجمع الله ﵎ بين تمام الخلق وبين القوة والجرأة في الحق، فهو ﷺ صاحب الرحمة، وهو ﷺ الذي أرسله الله ﵎ رحمة للعالمين، وهو الذي برحمة الله ﵎ لان للناس ولو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله، ومع ذلك يقول ﷺ عن نفسه: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمح).

стр. 228

جوانب من خلق النبي ﷺ

стр. 229

التواضع وبعد ذلك ننتقل فيما تبقى من الوقت إلى جولة سريعة مع بعض الجوانب من خلقه ﷺ ، وهي لمجرد التمثيل لا الحصر، بل كما قلت في أول الحديث: لو أنا أخذنا جانباً واحداً من هذه الجوانب وكان موضوع حديثنا، وسعينا إلى أن نتقصاه في كتب السنة لشعرنا أن الوقت يضيق بنا، وشعرنا أننا حين نريد أن نجمع من سيرة النبي ﷺ ما يؤيد هذا الجانب قد لا نطيق ذلك ولا نستطيعه، لكنها إشارات عاجلة إلى بعض الجوانب مما تميز به ﷺ من تمام الخلق لتكون مجال قدوة وتأس لنا بهذا النبي ﷺ . من أهم مجالات الخلق الحسن التي ينبغي أن نتحلى بها التواضع، وما أصعب هذا الخلق على من يكون له مكانة عند الناس بعلم أو جاه أو منزلة، فقد يشعر المرء أن منزلته ومكانته عند الناس تتطلب منه أن يترفع، وقد يكون في قلبه شيء من الكبر من حيث لا يشعر ويرى أن هذا من تمام الوقار ومن تمام المحافظة على هذه المنزلة التي اكتسبها بين الناس حتى لا تضيع. وانظروا مثلاً ما الذي يسيطر على تفكير الأستاذ وهو بين يدي طلابه وتلامذته، وما الذي يسيطر على تفكير الرجل الوجيه عند الناس وهو بين عامة الناس، فأي رجل له منزلة ومكانة كالنبي ﷺ ؟ وأي رجل أحق بالتقدير والتوقير والاحترام منه ﷺ ؟ ومع ذلك كان ﷺ متواضعاً، كما حكى عنه عبد الله بن أوفى ﵁ فيما رواه النسائي والدارمي يقول: (كان النبي ﷺ يُكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصّر الخطبة، ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما). وكان ﷺ كما روى عنه أنس يخالط أنساً وأهل بيته حتى كان يمازح أنساً ﵁ فيقول له: (يا ذا الأذنين) وكان ﷺ يقول لأخ لـ أنس أصغر منه: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) وكان له طائر يلعب به، فجاء النبي ﷺ فرآه حزيناً كاسف البال، فسأل ﷺ أهله عن شأنه فقالوا: مات نغره أو طيره الذي كان يلعب به، فقال ﷺ : (يا أبا عمير ما فعل النغير؟). هاهو ﷺ الذي يناجي ربه ﵎، والذي يتنزل عليه الوحي، والذي يحمل الرسالة، ويعلم الأمة كلها أجمع، لا يستنكف ولا يتكبر أن يمشي مع الأرملة، وأن يمشي مع المسكين، وأن يقضي للناس حوائجهم، وأن يمازح الصبيان ويداعبهم ويسلم عليهم ﷺ ، فعجباً لهذا الرجل ﷺ ! يقول عنه أحد أصحابه وهو يتحدث عنه ويصفه: لقد أقوم مقاماً لو يقوم به يرى ويسمع ما قد أسمع الفيل لظل ترعد من وجد بوادره إن لم يكن من رسول الله تنويل كان أصحابه لا يحد أحدهم النظر إليه إجلالاً له ﷺ ، إذا تحدث النبي ﷺ خفضوا أصواتهم، وكان ﷺ كما شهد بذلك أبو سفيان: (ما رأيت رجلاً يحبه أصحابه كما يحب أصحاب محمد محمداً) ومع هذه المنزلة العالية كان هذا شأنه ﷺ وتواضعه مع سائر الناس، وصدق ﷺ وهو القائل: (ما زاد الله عبداً بتواضع إلا عزاً).

стр. 230

الرحمة ومن خلقه ﷺ الرحمة، بل إن الله ﵎ أرسله رحمة للعالمين، يقول أبو هريرة ﵁: (قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال: إني لم أُبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) رواه الإمام مسلم. ورحمة النبي ﷺ لا تقف عند حد البشر، بل تتجاوز ذلك إلى البهائم. يحكي عبد الله بن جعفر ﵁: (أنه كان مع النبي ﷺ فدخل حائطاً فرأى جملاً، فحن الجمل لما رأى النبي ﷺ ، فجاء النبي ﷺ إليه فأقبل إليه ومسح ذفراه، ثم سأل النبي ﷺ : أين صاحب الجمل؟ فجاء شاب من الأنصار فقال: أنا، فقال النبي ﷺ : اتق الله فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه). يجد النبي ﷺ وهو صاحب القلب المليء بهموم الناس وهموم الأمة كلها يجد في قلبه ﷺ مكاناً لأن يعتني بشأن دابة من الدواب، وبهيمة من البهائم، وكأن هذا الجمل قد أدرك حين رأى النبي ﷺ أنه لن يعدم مكاناً لدى هذا الرجل العظيم، ثم يأتي ﷺ فيسأل عن صاحبه؟ ويوصيه به خيراً. وحين يأتي أصحاب النبي ﷺ إلى طائر من الطيور فيأخذون فراخه، فيأتي ﷺ فيقول: (من فجع هذه بولدها؟) إن النبي ﷺ يرحم هذه البهائم والدواب فكيف ستكون رحمته ﷺ بالناس؟ بل كيف ستكون رحمته ﷺ بالمؤمنين بالله ﵎؟ ولهذا وصفه بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم. وفي هذا أيها الإخوة أسوة لكل من ولاه الله أمانة ومسئولية على المسلمين صغرت أم كبرت، أباً كان أو معلماً أو موجهاً، ولهذا أخبر ﷺ أن أولئك الذين لا يرحمون الناس لا يرحمهم الله ﵎. استنكف رجل أن يرى النبي ﷺ يقبّل صبياً من الصبيان، فقال: (تقبّلون صبيانكم؟ فقال ﷺ : أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)، وفي موقف آخر يقول ﷺ : (من لا يرحم لا يُرحم). ومن رحمته ﷺ بأمته أن يدعو: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه).

стр. 231

الحياء ومن خلقه ﷺ الحياء. ويكفي في ذلك شهادة الله ﵎ له: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. ويقول أبو سعيد الخدري ﵁ فيما رواه الشيخان: (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه). إنه ﷺ كان يستحي أن يصرّح للناس بما يؤذيه ﷺ من سلوكهم، وهم لم يكونوا يتعمدون إيذاء النبي ﷺ ، لكنه ﷺ حين يريد هؤلاء أن ينصرفوا كان يستحي أن يشعرهم بذلك، فيخرج ﷺ ويدخل حتى جاءهم وحي الله ﵎ أنهم إذا دُعوا إلى طعام، فإذا طعموا فلينتشروا ولينصرفوا؛ لأن بقاءهم يؤذي النبي ﷺ ، وهو ﷺ يستحي أن يشعرهم بأنه يريد منهم أن ينصرفوا. ولهذا أعلى النبي ﷺ منزلة الحياء، وأخبر أن الحياء خير كله، وأخبر ﷺ أن الحياء قرين الإيمان، وأنه منزلة من منازل الإيمان، بل أنكر ﷺ على من وعظ أخاه في الحياء، وأخبر أن الحياء لا يأتي إلا بخير.

стр. 232

العفو ومن خلقه ﷺ العفو والتنازل عن حقه. فتقول عائشة ﵂ فيما رواه الإمام مسلم: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله .

стр. 233

حسن المنطق ومن خلقه ﷺ حسن منطقه. كما روى الإمام البخاري عن عائشة ﵂: (أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلّق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله؛ حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه! فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة، متى عهدتني فحّاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) عافانا الله وإياكم.

стр. 234

إعطاء السائلين وأيضاً من حسن خلقه ﷺ أنه ﷺ كان لا يرد سائلاً. ففي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (ما سئُل النبي ﷺ عن شيء قط فقال لا). وفي مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: (كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله ثلاث أعطنيهن. قال: نعم -وذكر الحديث وفيه:- ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئاً إلا قال: نعم).

стр. 235

مراعاة مشاعر الناس ومن حسن خلقه ﷺ مراعاته ﷺ لمشاعر الناس. وهو جانب دقيق وعجيب في سيرته ﷺ ، وشواهده في ذلك كثيرة، منها ما يرويه أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة، وكان النبي ﷺ قلما يواجه رجلاً في وجهه بشيء يكرهه، فلما خرج قال: لو أمرتم هذا أن يغسل هذا عنه). وفي الصحيحين أيضاً: (أنه ﷺ حين كان محرماً أهدى إليه رجل صيداً فرده ﷺ ، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم). وحين جاء مالك بن الحويرث وأصحابه إلى النبي ﷺ فبقوا عنده أياماً قال مالك ﵁: (فرأى النبي ﷺ أنا قد اشتقنا إلى أهلنا فرق لحالنا، فقال ﷺ : انطلقوا إلى أهلكم وعلّموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي). وحين تقرأ في سيرته ﷺ ترى كثيراً أنه ﷺ كان يدرك هذه المشاعر، وكان يرعاها ﷺ ، بل كان ﷺ يفعل ذلك حتى وهو في صلاته, فالنبي ﷺ يُخبر عن نفسه أنه يدخل الصلاة وهو يريد أن يطيلها فيسمع بكاء الصبي فيخفف الصلاة خشية أن تُفتن أمه. وعجباً لهذا الخلق العظيم! إن السنة في حق المرأة أن تصلي في بيتها، والأفضل في حقها ذلك، ولو قيل لأحد ممن يؤم الناس شيئاً في ذلك لقال: اقعدي في بيتكِ، لكن النبي ﷺ يدخل الصلاة وهو يريد أن يطيل فحين يسمع النبي بكاء الصبي يخشى ﷺ أن تُفتن أمه، فيقصر الصلاة مراعاة لهذه المرأة، والتي كان الأفضل في حقها أن تشهد الصلاة في بيتها كما أخبر النبي ﷺ ، فكيف بأولئك الذين أوجب الله عليهم صلاة الجماعة؟ أحياناً قد يجفو بعض الأئمة الخلق مع الناس فيتسبب في فتنة الناس وصدهم عن أداء الصلاة مع الجماعة والتي هي في حقهم واجبة يأثمون لو تركوها.

стр. 236

الاهتمام بالناس ومن خلقه ﷺ اهتمامه بالناس. وهو أيضاً خلق عجيب! وقد دونت بعضاً مما رأيته في سنة النبي ﷺ فرأيت أن الأمر يطول حينما أردت أن أجمع شيئاً مما يدل على اهتمامه ﷺ بالناس ورعايته لهم، ومن ذلك مثلاً ما يرويه عثمان ﵁ يقول: (إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناساً يعلموني به عسى ألا يكون أحدهم رآه قط) رواه الإمام أحمد. وهاهو النبي ﷺ حين ماتت امرأة تقم المسجد، فحقّر الناس شأنها وصلوا عليها ودفنوها بليل، فقال ﷺ : (هلا آذنتموني) فيذهب ﷺ فيصلي على قبرها. وحين يمرض أعرابي يأتي النبي ﷺ إليه فيعوده، فيقول النبي ﷺ له: (لا بأس، طهور إن شاء الله، فقال له الأعرابي: ماذا قلت؟ فأعاد النبي ﷺ عليه، قال هذا الأعرابي: بل حُمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، فقال ﷺ : نعم، فمات ذاك الرجل). وحين مرض شاب غلام من أصحاب النبي ﷺ وبه رمك أتاه النبي ﷺ يعوده وهو زيد بن أرقم ﵁ الذي جاء إلى النبي ﷺ راوياً له ما قاله عبد الله بن أبي فقال له ﷺ : (قد وفت أذنك يا غلام). إنه ﷺ لا يستنكف ولا يستكبر أن يعود هذا الغلام. إنه ﷺ يهتم بشأن خاصة أصحابه ويعتني بهم، ويهتم بشأن الأعراب، ويهتم بشأن الصبيان، ويهتم بشأن القريب والبعيد، بل يبلغ هذا الأمر عند النبي ﷺ شأناً عجيباً، (كان النبي ﷺ جالساً فدخل أبو بكر فلم يعدّل جلسته، ثم دخل عمر ﵁ فكان كذلك، فلما دخل عثمان تهيأ ﷺ ، وعدّل جلسته، فقيل له في ذلك؟ فقال ﷺ : إن عثمان رجل حيي فإني أخشى أن يراني على هذا فلا يبلغ حاجته). انظروا إلى هذا القدر من رعايته واهتمامه ﷺ بأمر الناس: تأتي امرأة في عقلها شيء فتأخذ بيده ﷺ ، فينطلق معها ﷺ وتحدثه بحاجتها، وتأتي بريرة وقصتها مشهورة، وهي أمة فحين عتُقت كانت ذات زوج، فحين حدثها ﷺ فقال لها: (ارجعي إلى زوجكِ قالت له: أنت شافع أم آمر؟ فيقول ﷺ : بل شافع، فتقول: لا حاجة لي فيه). يهتم النبي ﷺ بأمر العبد وهو الذي يقود الأمة، ويواجه اليهود ويواجه غطفان، ويواجه قريشاً، ويواجه المنافقين، والأعراب من هنا وهناك، ويقضي بين الناس ويفتيهم ويعالج شئونهم وتعليمهم. وفي الواقع أنك لو أردت أن تستكثر من هذه الشواهد لشعرت أن المقام يضيق بك، اقرأ سيرته ﷺ وسنته، وانظر كيف كان ﷺ يهتم بالناس ويعتني بهم، ولا شك أيها الإخوة أن هذا مما يؤثر على الناس، ويجعل الرجل يملك قلوبهم، فما أحوج طلبة العلم، وما أحوج الذين يتصدون للدعوة إلى الله ﵎ وإلى تعليم الناس أن يعتنوا بشأن الناس، والعناية بشأن الناس ولو بكلمة طيبة، أو اعتذار لطيف، أو حسن استقبال قد يكفي ويخلق من المودة في قلوب الناس الكثير الكثير، بل والمرء يفعل ذلك تديناً وحسن خلق قبل أن يفعله لأجل أن يكسب مودة الناس. أشعر أيها الإخوة أن الحديث يطول، ولهذا أكتفي بهذا القدر، وأقتصر على هذه النقاط، وإن كانت هناك بعض النقاط التي دوّنتها وأردت الحديث حولها، لنترك بعض الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة. أسأل الله ﵎ أن يهدينا لأحسن الأخلاق فلا يهدي لأحسنها إلا هو ﵎، وأن يصرف عنا سيئها إنه ﵎ سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 237

الأسئلة

стр. 238

توضيح اللبس في الاقتداء بالخلق النبوي السؤال ذكرت في معرض كلامك أو أنا فهمت ذلك أننا لن نستطيع أن نبلغ ما بلغ الرسول ﷺ بأخلاقه ولا صحابته بقولك: عزاؤنا أن الصحابة لم يبلغوا ما بلغ الرسول ﷺ ، أليس كلامك هذا فيه تثبيط للهمم؟ الرجاء توضيح ما التبس، كي يرتد إلينا النفس، ونكون كما كان أنس. الجواب لا شك أن النبي ﷺ له منزلة ليست كسائر الناس، ولأصحابه منزلة ليست أيضاً لمن دونهم، لكن هذا لا يعني أن لا نتأسى بهم! ولو طبّقنا هذا لأبطلنا مبدأ التأسي أصلاً في العبادة وفي الهدي وفي كل الأبواب والمجالات لأننا لا نبلغ منزلة النبي ﷺ ، ولا يتصور أحد أبداً أن يبلغ منزلته ﷺ ، لكن كوننا لا نستطيع أن نبلغ منزلته لا يعني أن نلغي جانب التأسي. وهنا شاهد سريع يشير إلى هذا المبدأ: أبو هريرة ﵁ لما كان يذكر شدة جوعه وما يعانيه يقول: (كنت أخر عند المنبر من شدة الجوع فيأتي الرجل فيقرأ عليّ آية من القرآن يظن أن بي مساً وما بي إلا الجوع) يقول: (بلغ بي الجوع فلقيت أبا بكر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله، ما أسأله إلا ليطعمني فأجابني ثم انصرف، ثم لقيت عمر ﵁ فسألته فأجابني ثم انصرف، ثم لقيت النبي ﷺ فتبسم ﷺ وقال: انطلق) من مِن الناس مثل أبي بكر وعمر ﵄؟ ومع ذلك خفي عليهما أن يدركوا هذا المعنى، ولو أن أبا بكر ﵁ أو عمر أدرك القصد الذي كان يقصده أبو هريرة ﵁ لأطعمه ولا شك. لكن هكذا الناس مراتب ومنازل ودرجات، والإنسان يسعى قدر الإمكان أن يجتهد ويتطلع لمثل هذا المثل الأعلى، لكن إذا قصرت هممنا وتطلعنا إلى المثل القريب لا نستطيع أن نبلغه، يعني لو وضع الإنسان أمامه قدوة من الناس القريبين منه وأراد أن يسعى إليه فهو قطعاً لن يصل إليه وسيكون دونه، لكن لو كانت قدوته النبي ﷺ وأصحابه فإنه يستطيع أن يصل إلى ما وصل إليه هذا الرجل الذي يراه أمامه ولا تقصر همته.

стр. 239

الاعتذار عن مكارم الأخلاق بأن النبي لا يمكن أن يكون مثله أحد السؤال قد يعتذر كثير من الناس حينما يُدعى إلى مكارم الأخلاق والاقتداء برسول الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد اختاره واصطفاه ولا يمكن أن أكون مثله، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب حينما نقول له: كن مثل النبي ﷺ تماماً يقول ذلك، لكن حينما ندعوه إلى مكارم الأخلاق نقول: ليست مكارم الأخلاق درجة واحدة يقفز إليها الإنسان قفزة وإلا كان سيئ الخلق، بل هي درجات ومراتب، والله أمرنا ورتّب على حسن الخلق الدرجة العالية، وأخبر ﷺ أن المؤمن يبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم، وأنه ﷺ كفيل ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. النبي ﷺ ما ذكر هذا الحث عبثاً، لو كانت الأمة غير قادرة على أن تتخلق بهذا الخلق الحسن لما خوطبت بذلك، ولما كلفت ذلك، والناس لم يكلفوا إلا بما يطيقون، ولم يخاطبوا إلا بما يستطيعون، فما دام النبي ﷺ قد دعانا لذلك وأمرنا به فهذا يعني أننا نطيق ذلك. من الشواهد على ذلك أننا اليوم نرى في كل مجال وميدان، ليس من التاريخ البعيد بل من الناس الذين نعيش أمامهم؛ نرى من نتمنى أن نكون على حسن خلقهم في أي باب وأي مجال من المجالات، وهؤلاء بشر مثلك.

стр. 240

دور السلام في ترابط المسلمين السؤال مما لا يخفى عليكم دور السلام في ترابط المسلمين، ولكن ألا ترى أن السلام قد اندثر بين المسلمين، فإذا سلمت على أحدهم تعجب وقال: هل هو يعرفني؟ نرجو من فضيلتكم أن تلقي ضوءاً على ذلك؛ لأن له علاقة بهذا الموضوع؟ الجواب النبي ﷺ ربط السلام بالمحبة: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). ثم أيضاً: هناك السلام الذي يقع بمجرد الالتقاء، مثل لقاء إنسان لا تعرفه، وهذا أمر طبيعي، لكن أحياناً السلام فيه مزيد من الترحيب والابتسامة والتلقي ليجعل من تقابله يشعر بأنك قابلته بوجه طلق. مثلاً: أحياناً تقابل شخصاً تعرفه فيسلم عليك، حينما ينصرف تقول بنفس الشيء، وما قال لك كلمة لكن طريقة سلامه وترحابه بك ورده للسلام والابتسامة لها أثر، فلا شك أن الاهتمام بهذه الجوانب مما يشيع المحبة والود والوئام بين المسلمين.

стр. 241

آداب المزاح السؤال من المعروف أن المزاح من خلق النبي ﷺ ، ولكن ما ضوابطه؟ وماذا تنصحون ممن يُكثر منه جزاكم الله خيراً؟ الجواب كان النبي ﷺ يمازح أصحابه، لكن من أهم ضوابطه أنه لا يقول إلا حقاً ﷺ ، فلا يكذب حينما يمزح ﷺ ، هذا أمر. الأمر الثاني: أن لا يكون غالباً على الإنسان، والنبي ﷺ الذي كان يمازح أصحابه كان يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ويخبر ﷺ أن كثرة الضحك تميت القلب. وكذلك أن لا يطغى على الإنسان فيصبح شعاراً له، وأن لا يكون في مواطن الجد، فحين يكون المرء في موطن من مواطن الجد ينبغي له ألا يخلط ذلك بمزاح، ثم أيضاً ينبغي أن يحذر من أن يكون المزاح فيما يتعلق بالنصوص والأحكام الشرعية فهذا أمر خطير، بل قد يوقع الإنسان في الكفر عافانا الله وإياكم.

стр. 242

التوفيق بين حسن الخلق وتهاون الناس بمن يحسن خلقه معهم السؤال هل ترى أن من حسن الخلق أن تكون هيناً ليناً، ولكن بعض الناس يذهب شخصيتك بالتهاون واللين، ويصفك بالجبن والضعف؟ الجواب هناك فرق بين الضعف والهوان على الناس وبين التواضع، وحينما ندرس سيرة النبي ﷺ نجد أنه ﷺ كان يلقى الصبيان ويداعبهم ويمازحهم، ويقضي حاجات الناس، ومع ذلك ما كان أحد يتجرأ عليه ﷺ ، بل كان أصحاب النبي ﷺ يحسنون معاملته ﷺ هذا جانب. الجانب الثاني: إذا كنا نريد أن نبحث دائماً عن هالة وقيمة لنا عند الناس نفتعل لأنفسنا صورة فستسيطر علينا كثيراً، والقضية تبدأ من مراعاة هذه النظرة، حيث يقول إنسان: أريد أن أحتفظ بوقاري، فتتحول إلى هالة يفترضها الإنسان لنفسه، ويريد قدراً من الاحترام والتوقير، وقد تدخل به باباً من أبواب الكبر عافانا الله وإياكم، والاحترام والتقدير عند الناس ليس شيئاً يصطنعه الإنسان لنفسه، إنما هو شيء يفرضه الإنسان من خلال خلقه وما يقدمه للناس، ولئن كنت قد تخسر جوانب في تواضعك للناس فإنك ستكسب الكثير الكثير بحسن خلقك من تقدير الناس واحترامهم لك.

стр. 243

تطبيق حسن الخلق السؤال نرجو الانتقال إلى توجيه الحضور إلى حثهم على تطبيق صفة حسن الخلق وتربية وتوجيه الأهل لذلك وفقكم الله. الجواب هذا جانب كنت أريد أن أتحدث عنه في آخر المحاضرة، وإن كان موضوعنا الإشارة إلى خلق النبي ﷺ ، لكن هذه القضية فعلاً يجب أن نعتني بها في تربيتنا من الصغر؛ لأن حسن الخلق ليس مجرد توجيهات تعطيها للناس! سيتمثلها الناس تلقائياً إنما تحتاج إلى مجاهدة، نعم، منها جانب جُبل عليه الإنسان أصلاً، لكن منها جانب يحتاج إلى تربية وإلى تعود وإلى تلق، فنشيع في المنزل والبيت الخلق والاحترام، يعني إذا كان الأب مثلاً لا يقدر ابنه، وتلفظ عليه بألفاظ نابية ولا يحترمه ولا يقدره، فكيف نريد أن نوجد عند هذا الابن الخلق الحسن؟ قد يكون عنده خضوع لوالده، وتقدير واحترام لكنه مشوب بالرهبة والخوف، فحينما يتعامل مع الآخرين لا يحسن خلقه. حينما يتلفظ الأب على ولده بألفاظ ساقطة، لا بد أن يتلقى الابن من الأب مثل هذه الألفاظ، وإن لم يقلها لولده فسيقولها لغيره من الناس. إذا كنا نريد أن نعود الابن الحلم والصبر والأناة يجب أن يشعر أننا نحلم في التعامل مع الآخرين، هنا ينشأ الابن من الصغر على مثل هذا الخلق في كل مجال، أعني على خلق الصبر والرحمة، والمنطق الحسن، والجود والسخاء والكرم وغيرها من الأخلاق التي نريدها. ننتقل إلى المدرسة، فحينما يعامل الطالب بفظاظة وغلظة وقسوة من الأستاذ أو من المسئول عن توجيهه، أو حينما يعامل بصورة أو أخرى بخلق سيئ فلا ننتظر منه إلا ذلك. حينما يأتي إلى المسجد مثلاً ليحفظ القرآن في حلقة من حلقات القرآن فيجد سوء الخلق ممن يعلمه حفظ القرآن، أو حينما يأتي إلى مجلس من مجالس العلم فلا يجد ممن يعلمه مثلاً النموذج في حسن الخلق، بل يجد منه الإعراض، يجد منه الجفاء فإنه سيتعلم جانباً من ذلك فيجب أن نشيع ذلك في المنزل، في المدرسة، في كل أوساطنا، لا نتصور أبداً يا أخوة أننا يمكن من خلال الحديث والخطاب للناس نستطيع أن نبني ذلك، نعم نحن من خلال الحديث ننبه الناس على أهمية هذا الأمر، ننبه إلى أخطاء معينة، لكن أن نتصور أننا بمجرد التوجيه فقط سنصحح الأخطاء لدى الناس، وسنغرس عند الناس الخلق الحسن! فأظن أننا مخطئون في ذلك.

стр. 244

كيفية اكتساب حسن الخلق السؤال ما رأيك فيمن يتصدر مقام التربية كالمدرس والأب وغيرهم، كيف يرسم منهجاً لنفسه يُعرف عنه بحسن الخلق، ويكون بذلك قدوة لغيره؟ الجواب حسن سالخلق ليس درجة واحدة، فالإنسان بحاجة إلى أن يربي نفسه ويتعاهدها، فنحن بحاجة إلى أن نربي أنفسنا دائماً وأن نتعاهدها، ثم أن نستفيد ولو حتى ممن كان دوننا، وأن نستفيد من أخطائنا وهي نقطة مهمة وينبغي أن نستفيد منها، وأنا أذكر موقفاً حصل لي لا أشعر أنني استفدت مثل هذا الموقف امرأة أرسلت لي رسالة تستشيرني في مشكلة وأنا مشغول في دراسة منهجية، وقد لا يستطيع الإنسان أحياناً أن يجد وقتاً مناسباً للرد على الرسالة، فكتبت للرد على الرسالة وأرسلتها لكن وصلت رسالة منها قبل أن تصل إليها الرسالة، وكانت رسالة عتاب قاسية فعلاً، أنا صراحة عندما تلقيتها شعرت بالخطأ، لكن بعدها فكّرت فعلاً وشعرت أنني كنت وقعت في هذا الخطأ، تستشيرني في مشكلة تخصها، أنا لربما كانت المشكلة عندي ليست ذات بال، لكنها قالت لي في مقدمة الرسالة: أنك لو كنت حاخاماً يهودياً أو قساً نصرانياً واستشرتك في لون ملابسي والطعام المفضل لأشرت عليّ بمباركة الرب كما يقول هؤلاء! لكنني حينما أستشير طالب علم تعلمنا في الإسلام أن النبي ﷺ تأخذ بيده الأمة حيث شاءت وأستشيرك بقضية تهم مستقبل حياتي تنصرف عني، أظن أن هذا ليس من خلق الإسلام! ثم تقول: أتمنى أن تجد وقتاً لمواصلة أبحاثك واهتماماتك وأن لا أكون قد شغلتك برسالتي هذه يعني بشر أول ما يجد مثل هذا الموقف قد يأخذه حظ النفس ويشعر، لكن بعد فترة فكّرت وشعرت أن مشكلتنا أحياناً أننا ننظر إلى مشكلات الناس وقضاياهم كما ننظر إليها نحن، لا كما ينظر إليها هؤلاء! الرسول ﷺ حينما كانت تأتيه امرأة في عقلها شيء وتحدثه فيستمع إليها، أقول: فعلاً يجب أن نستفيد من أخطائنا، وسنبقى دائماً نجد أخطاء، ونواجه أنفسنا بصراحة، قد لا نحتاج أحياناً أن نعترف ونواجه الناس بأخطائنا، لكني أتصور أن الاستفادة من الأخطاء التي نقع فيها من أهم الجوانب التي تعيننا على تجاوز السلبيات التي سنقع فيها، فإذا كنت أنت إنساناً سريع الغضب، وغضبت في موقف من المواقف وشعرت أنها ذهبت إلى ما لا تحمد عقباه ستبدأ بعد فترة تحسب حسابك، وكذلك مرة أخرى حتى تشعر أنك قد أصبحت تمسك بلجام نفسك، وقل مثل ذلك في أي خُلق سيئ ترى أنك قد اتصفت به.

стр. 245

تأثر الأبناء بمخالطة أقاربهم السؤال من الأسباب التي تفسد أخلاق الأبناء والشباب والفتيات عدم اهتمام الآباء في مخالطة أبنائهم وبناتهم من الأقارب حتى وإن كان خلقهم سيئاً، فما داموا أقارب فلا يهتم بأخلاقهم وسلوكهم، أرجو التنبيه على هذه النقطة؟ الجواب المشكلة أحياناً أن بعض الآباء ينظر إلى الابن من خلال والده، فعندما يصاحب ولده ولداً آخر يسأل الوالد عن هذا الولد فيقال: ابن فلان، فيرتاح لذلك نظراً إلى أن أب الولد رجل صالح، وهذا لا يكفي، أليس نوح ﵇ كان له ابن كافر أغرقه الله ؟ إذا نظر أحد إلى ابن نوح على أنه ابن نوح وابن رسول الله، وابن واحد من أولي العزم سينظر له لا شك نظرة خاطئة، وكم يرتكب هذا الخطأ في موضوع الزواج، وذلك عندما يتقدم شخص إلى الخطبة، فيقال هو ابن فلان أو العائلة الفلانية وهي عائلة معروفة بالخير والاستقامة والصلاح، فسلا يسأل عنه هو، وكأن هذا الأب سيزوج عائلته أو سيزوج والده، وهذه من الأخطاء التي نقع فيها. الذين نختارهم لصحبة أبنائنا أو صحبة بناتنا يجب أن نسأل عنهم هم، ونعرف أحوالهم هم لا أن نعرف أحوال آبائهم، وقد يكون الأب صالحاً وخيّراً لكن ما استطاع إصلاحه، وإنك لا تهدي من أحببت، أو قد يكون صالحاً وخيّراً لكن لم يحسن التربية، فليس بالضرورة أنه حينما يكون الأب صالحاً سيكون الابن صالحاً، وإن كان في حالات كثيرة لا شك أنه يترك أثره على أولاده.

стр. 246

الكتب التي تتحدث عن الأخلاق السؤال حبذا لو أحلتنا إلى بعض الكتب المناسبة التي تتحدث عن الأخلاق؟ الجواب اقرأ أي كتاب في السنة، اقرأ في أبواب الطهارة وفي أبواب الصلاة، مثلاً عندما تأتي إلى أبواب الصلاة تجد باب الحركة في الصلاة، تجد النبي ﷺ : (كان يصلي ويحمل أمامة فإذا سجد وضعها) هذا جانب من خُلق النبي ﷺ ؛ (كان النبي ﷺ يخطب فجاء أحد أطفاله يتعثر فنزل ثم أخذه معه ثم عاد إلى خطبته وقال: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين). (لما كان ﷺ يخطب جاء رجل فقال: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، فأتي النبي ﷺ بكرسي من حديد فجلس النبي ﷺ ، ثم علّمه ثم صعد إلى المنبر). اقرأ في الحج مثلاً: (كان النبي ﷺ يخطب فجاءه رجل فقال: اكتبوا لي، فقال ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاه). هناك مواقف في الحج، في الصيام في أي باب من أبواب السنة اقرأ وتمعن، فستجد خلق النبي ﷺ في كل موطن ليس قاصراً على أبواب الأخلاق والآداب، أما أبواب الأخلاق والآداب فهي مليئة، وقد صنّف العلماء في ذلك كتباً كثيرة من أهمها كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي. نسأل الله ﵎ كما جمعنا في هذا المقام الكريم المبارك أن يجمعنا في دار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر إنه سميع مجيب. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 247

حتى يغيروا ما بأنفسهم إن الله تعالى وضع لهذه الحياة قوانين ونواميس وسنناً تسير وفقها، ومن أراد أن يفهم أمور الحياة وكيف تسير وكيف تصلح فلابد له من معرفة ودراسة هذه النواميس والتعرف عليها؛ ليسهل عليه فهم خفايا هذه الحياة، والتعرف على سبب الخلل، ومعرفة كيفية الإصلاح.

стр. 248

حاجة المسلمين إلى التعرف على سنن الله في الكون والمجتمعات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: ففي هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة الثالث من شهر جمادى الثانية عام ١٤١٦ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، يتم هذا اللقاء المبارك في هذا الجامع -جامع التنعيم- وعنوان حديثنا لهذه الليلة كما سمعتم: حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهو حديث حول سنة من سنن الله ﵎ في الكون والمجتمعات، سنة أحوج ما يكون المسلمون إليها في هذا العصر وهم يتطلعون للتغيير والإصلاح، إنك لو طرحت هذا السؤال على أي فرد من المسلمين أياً كانت ثقافته، وأياً كان مستوى تدينه، وأياً كانت قيمة الدين لديه: هل ترى أن واقع المسلمين اليوم واقع شرعي يرضي الله ﵎؟ لو طرحت هذا السؤال لأجابك الجميع بالنفي، والجميع أياً كانوا ينتظرون ويتطلعون إلى التغيير، لكن هل يدرك المسلمون وهل يعي المسلمون وهم يعيشون في هذه المرحلة التي لم يعد هناك خلاف بين من يملك قدراً من الجدية من المسلمين حول أن التغيير أصبح ضرورة، وأن هذا الواقع الذي تعيشه الأمة ليس هو الواقع الشرعي، هل يدركون وهم كذلك سنن الله ﵎ في التغيير؟ وهل يدركون كيف يتم التغيير؟ إن هذه السنة من سنن الله ﵎ واحدة في الكون والمجتمعات، وهذا يدعونا إلى أن نتحدث بمقدمة ربما تطول حول هذه السنن الكونية التي جاء الحديث عنها في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، بل والقرآن مليء بالحديث عن هذه السنن كما سيتضح بعد قليل؛ حتى تتضح لنا قيمة هذه السنن، وحاجة المسلمين إلى مدارستها والعناية بها والأخذ بها وهم يتطلعون للتغيير، وهم يتطلعون لإصلاح هذا الواقع الفاسد. إن لله ﵎ سنناً تحكم هذا الكون، وتحكم حركة التاريخ، هذه السنن تجعل المسلمين المستضيئين بنور الله ﵎ يفهمون الأحداث فهماً سليماً دقيقاً؛ لأنهم يطبقون هذه السنن التي جاءت في كتاب الله ﵎، والتي جاءت عن الله ﵎ الذي أمور الكون والخلق بيده ، إن هذه السنن تجعل الناس يفهمون الأحداث فهماً سليماً، وتجعلهم أيضاً يتنبئون ويتوقعون حصول الأحداث من خلال المقدمات التي يعلمونها ويدركونها، وهي أيضاً تمثل أداة لهم في سيرهم في هذه الحياة. إذاً فهذه السنن تؤدي هذه الأدوار الهامة في حياة المسلمين، فتعين على فهم الأحداث، وتعين على التنبؤ وتوقع ما لم يحصل منها بعد من خلال مقدماتها كما سيتضح بعد قليل، وهي أيضاً تمثل منارة وقاعدة يسير عليها المسلمون في حياتهم.

стр. 249

الأدلة على اعتبار هذه السنن من الكتاب والسنة إن الحديث عن سنن الله ﵎ في الأنفس والمجتمعات والآفاق حديث يطول كثيراً في كتاب الله ﵎، ولو أردنا أن نستقصي في هذا الوقت الآيات التي جاء فيها الحديث عن هذه السنن لضاق بنا المقام، لكني أشير إشارات ربما تطول قليلاً حتى تدركوا أهمية هذه السنن، وحاجة الناس إليها، ولهذا كررت كثيراً في كتاب الله ﵎.

стр. 250

ورود قصص القرآن بذكر هذه السنن دليل على أن هناك سنناً تحكم الكون إن أول أمر يدل على ذلك: إيراد القصص في القرآن، فإيراد قصص السابقين دليل على أن هناك سنناً تحكم حياة الناس وتحكم سيرهم في حياتهم، سواء أكانوا أفراداً أو مجتمعات، إن القرآن الكريم مليء بقصص السابقين والأولين، والله ﵎ يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣]، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]. ولعلنا نتساءل: لماذا تورد هذه القصص؟ ولماذا يكثر الحديث في القرآن حول قصص السابقين والغابرين أليس للاعتبار والاتعاظ؟ بلى، وإذا لم تكن هناك سنن ولم تكن هناك قواعد تحكم حياة المجتمعات فكيف يتعظ الناس؟ وكيف يتعظ الناس بقصة حصلت في سالف الأزمان وماضي الدهور إلا إذا كان ذلك يسير وفق سنن، فيقيسون حياتهم على حياة أولئك، ويعلمون أنهم إن سلكوا طريقهم فسيصيبهم ما أصابهم، وأنهم إن بذلوا جهدهم فسيحصلون ما حصل أولئك. إن إيراد القصص للاعتبار والاتعاظ دليل كما قلنا على أن هناك سنناً ثابتة لا تتغير تحكم حياة الناس في هذه الدار. ما قيمة أن يعلم الإنسان أن قوماً من الأقوام كذبوا فأهلكوا؟ أو أن قوماً من الأقوام آمنوا فأنجوا؟ ما قيمة أن يعلم ذلك إلا إذا كانت قاعدة مطردة فيقيس حاله على حالهم، ويكفي إيراد هذه القصص الكثيرة في كتاب الله ﵎ على بيان سنن الله في الآفاق والأنفس، وأيضاً يأتي التعليق على هذه القصص بالأمر بالاتعاظ والاعتبار، فبعد سياق كثير من هذه القصص يأتي الأمر بالاتعاظ والاعتبار بما أصاب أولئك، يقول ﵎ عن أولئك الذين أتوا جريمة من الجرائم وفاحشة من الفواحش، فكانوا يأتون الذكران من العالمين ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، يقول ﵎ واصفاً تلك العقوبة التي حلت بهم، والتي تليق بتلك الجريمة البشعة: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. إذاً فلئن سلك قوم سبيل قوم لوط فهم معرضون لأن يصيبهم ما أصاب قوم لوط، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، ويقول ﵎ في شأن طائفة من أهل الكتاب حين تكبروا وأعرضوا عن الإيمان بالله، وخانوا عهدهم مع رسول الله ﷺ ، ولهم في ذلك القدح المعلى في نقض عهودهم مع الله ومع أنبيائهم قبل، يقول ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]. إذاً فلو فعلتم ما فعل أولئك فيصيبكم ما أصابهم، فهذه سنة من سنن الله ﵎: أن من فعل كما فعل أولئك فسيصيبه ما أصابهم، لذا فعليه أن يعتبر ويتعظ، وفي سورة الشعراء يقول ﵎ تعقيباً على كل موقف من مواقف الأنبياء مع أقوامهم، وتكذيبهم ثم حلول العذاب بهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، ويقول ﵎ أيضاً في آية تتكرر في أكثر من موضع تعقيباً على هذه المواطن في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٥ - ١٦] إلى غيرها من الآيات التي يعقب الله ﵎ فيها على شأن أولئك، ويأمر عباده بأن يتعظوا بمواقفهم، والتعقيب والأمر بالاتعاظ والاعتبار ليس خاصاً بمواقف العذاب والجزاء بالعقوبة وحدها، بل نراه أيضاً في مواقف الخير والإنعام من الله ﵎ على عباده، كما قال ﵎: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]. فمن كان كمثل ذي النون ﵇ في صدق لجوئه وتسبيحه لله ﵎، فكما نجاه الله فكذلك ينجي ﵎ عباده المؤمنين، وأيضاً يقول ﵎: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ
следующие страницы →