← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1891–1904 · переход к 1896.

стр. 1891

الخوف من تبعة الأخطاء أمر ثالث: الخوف من تبعة الأخطاء: الشخص الأول يخاف أن يفشل والشخص الثاني يخاف من تبعة الأخطاء، يقول: إني أخاف أن أقع في خطأ فأتحمل تبعة هذا الخطأ، فهو مثلاً يخاف أن يتحدث مع الناس ويقول كلمة يزل بها فيأثم، أو يخاف أن ينكر على شخص بطريقة معينة فيتسبب في كرهه للمعروف، وصده عن الخير. تعالوا مثلاً إلى الناس الذين كانوا في قمة النجاح بعد الأنبياء، وهم أصحاب الرسول ﷺ ، فقد مرت عليهم مواقف وقعوا فيها في أخطاء، ومع ذلك لم تكن عائقاً، مثلاً أسامة ﵁ عندما أراد أن يقتل رجلاً فلاذ منه ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قتله، وأتى أسامة فقال له النبي ﷺ : (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال: أشققت عن قلبه؟) حتى ضاق الأمر على أسامة وقال: (وددت أني أسلمت يومئذ) من ثقل الأمر عليه. الآن أسامة وقع في خطأ بسبب الجهاد، فهل توقف أسامة عن الجهاد بعد ذلك؟ كلنا نعرف أنه لما مات الرسول ﷺ كان قد جهّز جيشاً يقوده أسامة مع أنه وقع في الخطأ، لو كان يفكّر بنفس العقلية التي نفكّر فيها كان على الأقل يقول: يا أخي أنا أعيش مع الناس لكن عندما أقود الجيش أي مسئولية كبيرة سأتحملها؟ لكن كان يشعر أن هذا خطأ وقع فيه، وانتهى والله يغفره، وفعلاً ما كان أصحاب رسول الله ﷺ ليصعدوا المنازل العالية وليرتقوا وهم يفكرون هذه الأفكار، أو يعيشون هذه الأوهام التي نعيشها. خذ على سبيل المثال أيضاً: سرية أرسلها النبي ﷺ فقتلوا في الشهر الحرام، وأنزل الله فيهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧] ومع ذلك ما صدهم هذا ولا عرف أن واحداً من هؤلاء الذين قاتلوا في هذه السرية تخلف عن الجهاد حتى لا يقع في الخطأ نفسه، وهي مواقف كثيرة نراها في سيرة النبي ﷺ ، نرى بعض أصحاب النبي ﷺ يقعون في الخطأ بحكم الطبيعة البشرية؛ ومع ذلك لم يكن هذا الخطأ صاداً لهم عن أمرهم.

стр. 1892

تهويل الأمر أو تهوينه أمر آخر: تهويل الأمر أو تهوينه. هما نقيضان، أحياناً يهول إنسان أمراً فيصور أنه قضية صعبة جداً، وهذه قضية لا يطيقها إلا الناس الكبار، فمثلاً: عندما تذكر الدعوة يقول: الله المستعان! الدعوة تحتاج إلى إنسان يحمل العلم الشرعي، يجب أن يكون إنساناً حليماً، يجب أن يكون إنساناً شجاعاً، يجب أن يكون إنساناً وقوراً، يجب أن يكون له قيمته وكلمته عند الناس، يجب يجب يجب، ويذكر قائمة طويلة جداً من الأمور التي أجزم لك أنها لا يمكن أن توجد في أحد، لأن الناس بشر، فيمكن أن تجد إنساناً عنده علم لكنه إنسان سريع الغضب، أو تجد رجلاً حليماً لكن عنده قصور في العلم، أو عنده قصور في قدرته على الإقناع. وأنت لو قرأت في تراجم السابقين لوجدت أن منهم من كان يغضب، ومنهم من كان فيه صفة أخرى وما كانت تنقص من قدره، وبقي إماماً ورجلاً مشهوراً، لا تزال الأمة تتغنى به وبما فعل. أقول: أحياناً يصور للناس أن الدعوة قضية صعبة جداً لا يقوم بها إلا أناس يحملون مواصفات معينة، أو أنه يهوّن لك القضية ويعتبرها قضية تافهة، وكلاهما مما يعوق عن العمل.

стр. 1893

أوهام المستقبل من العوائق أوهام المستقبل: بعض الناس يجيد تصور الأوهام، ويجيد وضع احتمالات السوء، فيقول: محتمل أن يقع كذا، وكذا، والإنسان الذي يعيش هذه الاحتمالات لا يمكن أن يصنع شيئاً، وربما كان هذا جزءاً من القضية التي أشرنا إليها قبل قليل وهي قضية الفشل، لكن هذا قد يطرح لك قضايا أخرى، ويبدأ الإنسان يتخوف من أي عامل، ومن أي مؤثر، ويبدأ يخلق أمام نفسه حواجز وأوهاماً عجيبة جداً، وأنت تجد هذا عندما تطرح أي مشروع على شخص، يقول لك: يا أخي يمكن أن يحدث كذا، ويمكن أن يقال لك كذا، ويمكن أن يفهمك الناس خطأ، ويمكن كذا إلى آخره. نحن نقرأ كل يوم سير الأنبياء والمصلحين، فهل تتصور أنهم يعيشون على الأوهام التي نعيشها؟ فأنتم تقرءون في القرآن مثلاً مواقف إبراهيم وكيف بذل؟ وكيف دعا؟ وكيف تحمل؟ وكان يعرف هو أن الموقف الذي كان يقفه سيجد من ورائه تبعات. وكذلك تقرأ قصة موسى في القرآن، وتقرأ قصة هود، وصالح، وغيرهم من الأنبياء دعنا من الأنبياء وانظر في قصة مؤمن آل فرعون، فلا شك أنه كان يتوقع أشياء كثيرة لكن مع ذلك قام بهذا الدور حتى قص الله علينا قصته في القرآن فصارت عبرة لمن جاء بعده. تقرأ في القرآن مثلاً قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، وحين سمع رجل بهذه القضية جاء وقام بدوره وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢٢] وحصل له مشكلة حتى قتل، وأظن أن هذا لو كان يفكّر بالعقلية التي نفكّر فيها ما كان يمكن أن يقوم بأي دور ولا أي عمل.

стр. 1894

الورع الزائد من العوائق الورع الزائد: أحياناً تقول: يا أخي قل كلمة، افعل هذا الأمر، فيقول لك: يا أخي الله المستعان، ما أنا بأهله، وهذا منطق عجيب! فهو جاد يرى أن من الورع أن لا يقول هذه الكلمة. ذات مرة كان هناك طالب علم ورجل خيّر فقلت له: يا أخي أريدك أن تلقي كلمة أو محاضرة، فقال: لسنا أهلاً لهذا الأمر والله المستعان، قلت له: أنت الآن تدرس وتعلم طلاب العلم، وتقول كلاماً وتأخذ عليه أجراً فهل تورعت في يوم من الأيام وأنت تعلم العلم وتوقع عن رب العالمين وتدرس الناس العقيدة، أو تدرس الناس تفسير كلام الله ! إنك لم تفكر أبداً أنك تكون ممن قال في القرآن بما لا يعلم، ولا فكّرت يوماً من الأيام أنك تخشى أن تقول على الله بغير علم في العقيدة أو الفقه لأنك تأخذ أجراً على هذا العمل، لكن حين تلقي موعظة على الناس تحسب ألف حساب وتتخيل أن هذا من الورع، إنها المفارقات عجيبة! ومنطق عجيب جداً! دعنا من هذا، فيمكن أن أعطيك سؤالاً آخر: أنت الآن تورعت عن أن تتكلم لكن أليس هناك باباً آخر في الورع؟ ألا تتورع عن السكوت؟ قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فبدأ بقول الخير، إذاً فأنت قل خيراً أو اصمت، لكن حينما تشعر أنك قادر أن تقول الخير فإنك يجب أن تقوله. أنت تتصور الآن أن من الورع أن تسكت، وأن لا تتكلم لكن يا أخي أليس من الورع أن تتكلم؟ وما فكّرت يوماً من الأيام أنك حين تهم بالسكوت، أو تهم بالقعود عن العمل أن الورع يدفعك إلى العمل، وأنك ترى أن من ورعك أن تعمل، لأنك عندما تفكر تجد أن هذا كلام لا بد منه، لأني عندما أعرف ما عند الناس من فساد، وأعرف حاجة الناس إلى ما عندي، وترددت بين أمرين: إما أن أسكت ولا أعمل شيئاً ورعاً، وإما أن أجتهد وأبذل السبب وأعمل ولو وقعت في خطأ ووقفت بين يدي الله أقول له: يا ربي ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقد أتيت بما في وسعي واجتهدت، والله يغفر للإنسان: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران). وهذي ليست قضية خاصة بالحاكم، فكل إنسان اجتهد في ميدان بذل وسعه وخطا خطوة وكانت خطوة غير صائبة فهو مثاب على ذلك، وإن أصاب فله أجران! الأنبياء هم أئمة الورع وهم الذين قص الله قصصهم في القرآن، هل تورع واحد منهم في يوم من الأيام عن النصح، وأخبرنا الله ﵎ في كتابه أنه أخذ الميثاق على الذين آتاهم الكتاب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٨٧] وأنتم كلكم أوتيتم الكتاب، فأنتم تقرءون القرآن، وعدد منكم يحفظ القرآن أو يحفظ أجزاء من القرآن، أو على الأقل القضية الذي نريد القيام قد أوتيها من الكتاب، فهو يعلمها ويعلم حكمها، إذاً فقد أُخذ عليك الميثاق أن تبين للناس، وأن لا تكتم ما عندك، فلا مجال للورع في هذا الأمر. أفلا تشعر أنه قد أُخذ عليك ميثاق غليظ؟ ألا تشعر أن من الورع أن تتورع عن كتم هذا الأمر، وقد قال النبي ﷺ : (من كتم علماً أوتيه أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار)؟ أم تتصور أن هذا الخطاب خاص بالعلماء؟ لماذا أنت تتورع أن تقول ما لا تعلم، أو تخشى أن تكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : (كنت آمركم بالخير ولا آتيه) لكن لم تفكر في يوم من الأيام أنه يمكن أن ينطبق عليك: (أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار)، والله يقول في كتابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. وهذه الآية ليست خطاباً لفئة خاصة من الناس، بل كل إنسان يعلم شيئاً أنزله الله للناس ثم كتمه مستحق لهذا الوعيد، فلماذا لا تتورع عن أن تنزل عليك لعنة الله، وأن يلعنك اللاعنون؟ فالذي يتصور أن من تمام الورع أن لا يقول كلمة، من تمام الورع أن لا يأمر بمعروف، من تمام الورع أن لا ينهى عن المنكر، من تمام الورع أن يغلق عليه بابه، وأن يعيش لوحده ويقول: أشغل نفسي بالعبادة والدعوة سيقوم بها غيري نقول له: لا يا أخي! الورع الحقيقي أن تتورع عن السكوت، أن تتورع عن عدم العمل ولا شك أننا لا ندعو الناس إلى أن يتهوروا، ولا ندعو الإنسان أن يقول ما لا يعلم، وأن يتصدى لما لم يتأهل له، لكن على الأقل الورع له ضوابط معينة، وكما يكون في الفعل فهو أيضاً في الترك، فكما أنك تتورع عن فعل شيء يجب أن تتورع عن ترك أمر هو واجب عليك.

стр. 1895

الانشغال بالأمور المفضولة من المعوقات الانشغال بالأمور المفضولة: أحياناً يشغل الإنسان نفسه بأمور خيّرة وهي أمور مشروعة، لكنها أمور مفضولة، وقضية التفاضل قضية نسبية بين الناس، وأضرب لكم مثالاً تقيسون عليه: كلكم سمعتم وتسمعون لعدد من العلماء والدعاة والمتحدثين وقرأتم وتقرءون لكثير من المتحدثين وتدينون بالفضل لكثير من هؤلاء، وتعرفون أنكم استفدتم فائدة كبيرة من هؤلاء، أفلا تتصورون أن هذا العالم الذي سمعتم منه أو الكاتب الذي قرأتم له كان يود لو تفرغ للقراءة حتى يستفيد أكثر وهو من أكثر الناس شعوراً بالحاجة للعلم لأن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد علماً بحاجته للعلم، وازداد علماً بجهله، فلو كان العالم يفكر هذا التفكير لقال: أنا سأجلس وأتفرغ للتعلم فهذا خير لي. فنقول: نعم التعلم أمر فاضل، لكن حينما تنشغل بتحصيلك الذاتي عن تعليمك للناس، عن الإفتاء، عن القضاء بين الناس، عن التدريس، عن التأليف فقد انشغلت بمفضول عن فاضل، وهكذا قس على ذلك أموراً كثيرة، فبعض الناس مشتغل بأعمال من أعمال الخير عن هذه القضايا، وعندما تخاطبه يقول لك: أنا منشغل بكذا وكذا! وهذا صحيح لكن -يا أخي- هناك ميادين هي أولى من ذلك! دعني أضرب لك مثالاً افترض شخصاً من الناس تقتدي به الأمة ولو ذهبت إلى أي ميدان من الميادين ستجد اسم هذا الشخص معروفاً وخيره قد عم الجميع، فلو تصورت أنه تفرغ لأن يتتبع أحوال اليتامى وينفق عليهم، وقد قال الرسول ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) فأيهما أولى وأيهما أفضل بالنسبة لهذا الشخص: أن ينفق على الأيتام أم أن يخرج حتى يعلم الناس فيهتدي الكثير بسبب دعوته؟ إنه لو تفرغ للإنفاق على الأيتام عن الدعوة والتعليم لكان قد انشغل بعمل مفضول عن عمل فاضل. والقضية قضية نسبية، فقد يكون الأفضل لك أن تنفق على الأيتام، والأفضل لفلان أن يفعل كذا، والأفضل لفلان أن يفعل كذا المقصود أننا يجب أن نفقه مراتب الأعمال، والشيطان من وسائله في إضلال الناس أن يُشغل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، فلابد أن نفقه مراتب الأعمال، وألا يتصور كل واحد منا أنه مجرد أن يعمل عملاً مفيداً أن هذا كاف بل يجب أن يفكر: هل هذا هو أفضل عمل يمكن أن يعمله أو لا؟

стр. 1896

عدم الاقتناع بإمكانية التغيير من المعوقات عدم الاقتناع بإمكانية التغيير: بعض الناس غير مقتنعين بضرورة التغيير، فدع هؤلاء جانباً، لأن الانشغال بهم من إضاعة الوقت، ومن الانشغال بمفضول عن عمل فاضل، لكن قد تكون مشكلتنا مع إنسان مقتنع أن المجتمعات الإسلامية فيها فساد، بل ربما يكون متشبعاً بهذه القناعة حتى صار عنده يأس من التغيير، وصار يشعر أنه لا يمكن التغيير مطلقاً. نحن طريقنا طيب يا أخي طريقنا طريق الأنبياء، والرسول ﷺ ذكر أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي أرسل الله إليهم نبياً، لكن هذه الأمة ليس فيها إلا النبي ﷺ ، ومعناه أن الأمة مؤهلة أن تقوم بدور الدعوة وحمل الرسالة، ولو لم تكن مؤهلة لأرسل الله فيها أنبياء. فلنأخذ سير الأنبياء، كان يرسل الله نبياً والناس مطبقون على الشرك، وكان يغير الله حالهم به، فهذا النبي ﷺ بعث وليس في مكة من يقول لا إله إلا الله، وإنما فيها ستة أو أربعة من الحنفاء كانوا يعتزلون الناس، وبقية الناس في شرك مطلق، فكانت البلاد كما قال ﷺ : (إن الله نظر إلى الناس عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب) فلما جاء ﷺ غيّر الله به الأمة. قد تقول لي: إن هذا نبي ورسول مؤيد من الله، فأقول: لما مات النبي ﷺ كان الإسلام لم يتجاوز الجزيرة، ولما جاء أصحاب النبي ﷺ استلموا الأمر وهم على مصيبة كبيرة حصلت بعد النبي ﷺ وهي الردة، حيث لم يبق إلا المدينة ومكة والطائف ومن حولها، ولو فكّروا هذا التفكير لقالوا: إن الناس أسلموا واهتدوا فكيف يرجعون مرة ثانية؟ لكن جاهدوا حتى أعادوها إلى الإسلام ولم تنقض خلافة أبي بكر حتى كانت الفتوحات قد بدأت تطرق أبواب فارس والروم. وبلاد العراق وخراسان ومصر والشام كانت مطبقة على الشرك، ومع ذلك وصل عبد الله بن عمر ﵁ إلى أذربيجان فاتحاً، ودفن أبو أيوب عند أسوار القسطنطينية، وهكذا ولو كان هؤلاء يفكرون هذا التفكير لقالوا: هؤلاء الناس لا يعرفون لغة العرب، وليس فيهم مسلم، ومع ذلك كانوا يشعرون أنهم يمكن أن يغيروا، واستطاعوا أن يغيروا. يا أخي الأمة مر بها حالات كثيرة، كيف كانت هذه البلاد قبل أن يأتي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؟ والله لو كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يفكر بهذه العقلية الذي نفكر بها لما عمل شيئاً. ويمكن أن أعكس عليك الصورة، فقد كانت مجتمعات المسلمين مجتمعات محافظة وتغيرت نحو الفساد، فما الذي غيرها؟ وأياً كان السبب فكما أنها كانت صالحة وتغيرت نحو الفساد فيمكن أن تكون فاسدة وتتغير نحو الصلاح، والمجتمعات كلها تتغير عندما يكون عندها إرادة فهذه أوروبا اليوم بلاد العلم والتقدم وقد كانت يوماً من الأيام بلاد الظلمات وكان أهلها لا يفقهون شيئاً، بل كانوا في قمة التخلف في كل مجالات الحياة، ثم بدءوا يتعلمون وتغيرت حياتهم. نحن نعرف أن هذا تغير فيه انحراف، لكن المقصود أن المجتمعات إذا أرادت تستطيع أن تغير ويمكن أن تغير، والله أرسل هذه الرسالة الخاتمة، وأرسل هذا الدين وتعبد الناس به لأنهم قادرون أن يغيروا.

стр. 1897

الانشغال بالنقد ومن المعوقات الانشغال بالنقد: ولا شك أن النقد ضروري ومطلوب، ونحن لا يجوز أن نسكت الناقدين، ولا نعترض على أي إنسان ناقد، ولا يسوغ أبداً أن نتصور أن حسن النية ونبل القصد وسلامة الأهداف تجعلنا نستعصي على النقد فإنه يمكن أن نخطئ وتوجد أخطاء، لكن أحياناً يتحول النقد إلى صورة أخرى مثبطة عن العمل، وتوجد نماذج كثيرة من الناس تجيد النقد والتفكير بالنقد على حساب العمل، فهو مثلاً يقول لك: رجال الهيئات عندهم كذا وكذا وكذا! الدعاة يقعون في أخطاء، ويفعلون كذا وكذا! والشباب فيهم كذا وكذا، وهناك أناس يفعلون كذا وكذا ويبدأ يعطيك قائمة طويلة من هذه الأخطاء، وعندما تقول له: لماذا لا تعمل في أي ميدان من الميادين؟ يعدد هذه الأخطاء، فنقول له: هذا الكلام صحيح لكن لماذا لا تعمل أنت؟ ولماذا لا ترينا العمل السليم من هذه الأخطاء، ونحن نتمنى أن نجد عملاً سليماً من الأخطاء. هذا النوع من النقد أحياناً تشعر أن صاحبه جاد، وفيه خير، وربما يعطيك أشياء صحيحة وواقعة، لكن أحياناً يكون هذا النقد حيلة نفسية، حيث يكون الإنسان مثلاً متخوفاً من العمل لأي سبب، أو لا يريد أن يعمل، أو لا يستطيع أن يعمل، فيشعر بالفشل، ويتصور أن الذين يعملون في حلقات تحفيظ القرآن مثلاً أناس ناجحون فيلجأ إلى النقد هروباً من الواقع. وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الدعاة لدينه، والعاملين للدعوة، وأن يوفقنا وإياكم لطاعته إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1898

الأسئلة

стр. 1899

التوفيق بين الانشغال بالنفس والدعوة إلى الله السؤال أحب العمل لله ﵎، ولكن يغلب علي الانشغال بالاهتمام بنفسي، فكيف أوفّق بين العمل للناس ودعوتهم والاهتمام بنفسي ورفع مستواي من طلب العلم وغيره؟ الجواب هذا السؤال يرد كثيراً، ولكن لماذا نفترض أن هناك مشكلة؟ ونفترض أن الاهتمام بالنفس وتعلم العلم يعني أن لا أدعو، وأن الدعوة تعني ألا أتعلم ولا أهتم بنفسي، مع أني أستطيع أن أعمل الأمرين كليهما. يعني دعني مثلاً أضرب لك مثالاً: كل واحد منا لا بد أن يعيش في مجتمع شاء أم أبى، سواء في ذلك الطالب، والمدرس، والموظف، والتاجر وغيرهم، ولابد أن يتعامل مع المجتمع، وهذه قضية لا ينفك عنها أحد، فهل فكرت أن تترك الدراسة حتى تتفرغ للعلم، أو فكرت أن تترك الوظيفة حتى تتفرغ للعلم، أو فكّرت أن تترك التجارة، أو تترك أي عمل. نحن نريد منك أن تسيطر عليك الدعوة وأنت في ميدانك في دراستك، في تدريسك، في عملك، في اختلاطك مع الناس أن تقوم بالدعوة فتقول كلمة هنا وكلمة هناك وتنصح فلاناً، والإنسان الداعية يشعر أن الدعوة قضية لا تفارقه في كل ميدان من الميادين، هذه أول قضية. قضية ثانية: هناك قدر مطلوب من الاهتمام بتربية النفس وتعلم العلم، لكن إلى متى؟ أعني هل تتصور أنه سيأتيك وقت تشعر أنك انتهيت؟ لا يمكن، فكلما تعلمت تشعر أنك بحاجة إلى مزيد من العلم والتعلم، أنا مثلاً عندما أتيت وقلت لك هذه الكلمة ووجهت أنت السؤال، أنا أجزم أني لو جلست في البيت أقرأ أو أتعلم سأستفيد، وأجزم أن مجيئي كان على حساب نوع الاهتمام بنفسي في أي جانب من الجوانب، لكن لما قارنت اقتنعت أنه ينبغي أن آتي، ولو فكّر الناس هذا التفكير لما عمل أحد ولا دعا، وكل إنسان سيقف. وليس هذا دعوة إلى إهمال النفس، لكن عندنا أوقات كثيرة، فأنت الآن في إجازة وعندك أوقات كثيرة تستطيع أن تقرأ فيها وتتعلم وتحضر دروس أهل العلم، وتستطيع أن تنشغل ببرامج دعوية، وتجمع بين كل هذه الأمور، والوقت في سعة إذا نظم الإنسان وقته وصار جاداً. ونحن الآن نجد ونرى من الناس من يحفظ القرآن وهو يدعو إلى الله ، ومن يتعلم العلم ويصل إلى مراتب عالية وهو قد قطع خطوات وله أدوار كبيرة.

стр. 1900

الخوف من إنكار المنكر السؤال عندما أذهب إلى المسجد أرى بعض الشباب يقفون على الرصيف ولا يصلون وأنا لا أستطيع الإنكار عليهم باللسان ولكن أدعو لهم بالهداية، فما هو الحل في نظرك؟ الجواب لماذا لا تستطيع؟ إن أكثر شيء يردون به هو أن يسخروا منك، وهذا لا ضرر فيه، ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]. فأكثر شيء يمكن أن يحصل لك هو السخرية، أما الدعاء لهم بالهداية، فهل تتصور أنك مجاب الدعوة، إذا كنت غير قادر على الإنكار عليهم باللسان، فكيف تتصور أنك بلغت القمة في الإيمان والصلاح والتقوى حتى صرت مجاب الدعوة وشعرت أن ذلك يكفي الأمة إذاً فادع للأمة حتى تحل مشكلاتها، ولا أظن أن هذا يسقط عنك الواجب أبداً.

стр. 1901

الخطوات العملية لعلاج غض البصر السؤال الأخ يشكو من غض البصر ويقول: أنه كثيراً ما يُطلق النظر إلى الحرام ويُبتلى بذلك، فما هي الخطوات العملية لغض البصر؟ الجواب لماذا تعقد المشكلة، وهل تتصور أن هناك وصفة طبية تنجيك؟ يا أخي أمر حرّمه الله وحذّرنا منه ومن آثاره ونتائجه فتخلص أنت منه، وجاهد نفسك، فالقضية تحتاج إلى جهاد كل هذه القضايا تحتاج إلى مجاهدة للنفس، وهذه هي الخطوات العملية: مجاهدة النفس وصبر وتحمل، ولجوء إلى الله بالدعاء. نحن أحياناً نعقد القضية أو نوهم أنفسنا أنه توجد خطوات معينة تساعدنا على حل المشكلة، بعض القضايا أشار إليها النبي ﷺ ، مثل أن يبتعد الإنسان عن المواطن التي تكون مدعاة لإطلاق البصر، فلا يذهب للأسواق مثلاً، لا يذهب إلى مكان فيه مجال للتبرج والإثارة، يسعى قدر الإمكان إلى أن يبتعد عن المواطن التي يمكن أن يُطلق فيها البصر، وحينها يستعين بالله ويتوكل على الله ويسأل الله ويدعوه ويتوجه إليه. فإذا ابتعدت عن مواطن السوء التي هي مجال للنظر المحرم فإنك تكون قد أغلقت الأبواب ولم يبق إلا أبواب يسيرة يسهل أن تجاهد نفسك وأن تتخلص منها. أيضاً: أنا أتصور أن جزءاً من منشأ المشكلة هو نسبة التفكير، وأن قضية الشهوات مسيطرة علينا، لكن لو أن الإنسان شُغل بهموم، أو شغل بعبادة الله، وبطاعة الله وإصلاح نفسه، وتعلم العلم الشرعي والدعوة إلى الله لما وجد وقتاً للانشغال بكل هذه القضايا، وشعر أنه مشغول بهم أكبر من كل هذا الهم، ولم يجد في ذهنه مجالاً للتفكير بهذه الأمور.

стр. 1902

كيفية التمييز بين الفاضل والمفضول من الأعمال السؤال كيف نميّز بين الفاضل والمفضول من الأعمال في مجال الدعوة؟ الجواب هناك أعمال معروفة في الشرع أن بعضها أفضل من بعض، ثم إن هناك اعتبارات أخرى للتفاضل، فقد يكون هذا العمل أفضل باعتبار المكان، أو باعتبار الزمان، فالأفضل تعليم العلم في زمن الجهل مثلاً، وفي وقت تسلط الأعداء فالأفضل الجهاد، وقد يكون الفضل باعتبار الشخص نفسه، فيكون هذا الشخص أفضل لهذا العمل، والآخر أفضل لهذا العمل ومن علم القواعد الشرعية، والأدلة الشرعية ورزقه الله البصيرة في هذا استطاع أن يميز بين المفضول والفاضل، مع ملاحظة قضية الاختلاف بالنسبة للأشخاص، والاختلاف بالنسبة للزمان، والاختلاف بالنسبة للمكان.

стр. 1903

تجديد الوسائل الدعوية السؤال مجالات الدعوة المقدمة غير الفرص المتاحة الآن حلقات القرآن، والمراكز الصيفية والمكتبات، أم هي محصورة في هذه المجالات فقط؟ الجواب لا هو أحياناً من المشكلات التي تسيطر علينا أنا نحصر أنفسنا بأنماط معينة من التفكير، ونتصور أنه لا يمكن أداء هذه الأعمال إلا من خلال هذا الأسلوب فقط، وأن غيره لا يمكن أبداً، مع أننا لو فكّرنا لوجدنا مجالات وميادين كثيرة، ووجود ميدان من الميادين نجح وظهر أكثره لا يعني أنه ليس إلا هذا الميدان. مثلاً تجد الآن ميادين دعوية اكتشفت واتجه إليها الناس، ولو كنا نفكّر بهذه العقلية ما وصلتنا هذه الميادين، فدعنا نستمر ونفكر بهذا التفكير حتى نجد ميادين ووسائل أخرى تخدم الدعوة، هذا جانب. الجانب الثاني: نحن الآن نملك طاقات كثيرة من الشباب، وطاقات من طلاب العلم، والبعض مثلاً لا يصلح له هذا الميدان، ويصلح لغيره، أعني أن بعض الناس لا يستطيع أن يتفرغ كل يوم لأجل أن يدرس في حلقة قرآن، والبعض لا يستطيع أن يتفرغ للعمل هنا، والبعض ليس عنده علم شرعي فلا يستطيع أن يلقي دروساً فعندنا طاقات كثيرة ومتفاوتة، ولهذا نحن أحوج ما نكون إلى أن نفتح ميادين وفرصاً حتى نشغل هذه الطاقات. جانب آخر أيضاً: أن الناس المدعوين طبقات وفئات مختلفة، فهم أيضاً بحاجة إلى أن ننوع؛ لأنه كلما نوعنا المجالات والميادين استطعنا أن نخاطب ونتعامل مع فئات أوسع. أيضاً: أحياناً نحن نخسر بعض الميادين لسبب أو لآخر، فعندما نحصر أنفسنا في الميادين الأخرى قد نصل إلى مرحلة الإفلاس، لكن أطلقوا أفكاركم لا تضعوا أية حواجز أبداً، فقد تأتون بأفكار جديدة تخدم الدعوة، يمكن أن يأتي واحد بفكرة والثاني كذلك والثالث والرابع، وقد آتي بفكرة فتطورها أنت، وهكذا حتى نحقق نجاحاً أكبر.

стр. 1904

عد التثبيط من العوائق عن العمل السؤال هل يجوز عد طبقة المثبطين في أوساط الشباب من العوائق في العمل؟ الجواب أنا أتصور أن هذه لا تعوق، أعني أن الذي عنده استعداد وهو جاد ليس عنده مشكلة، وأنا أضرب لكم مثالاً لما أراد النبي ﷺ أن يذهب والمسلمون إلى غزوة تبوك كان بعض المنافقين يقول: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، وبعضهم يقول: ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] وهكذا، ولكن هذا التثبيط ما صدهم. وهكذا في غزوة الأحزاب. وعلى العموم فإن التثبيط موجود، وهو يصد الناس الضعاف، كمن عنده بذرة من الفشل وليس عنده إرادة.