Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
أمر الله عباده باستخدام هذه الجوارح
ثانياً: أمر الله خلقه باستخدام هذه الجوارح فيقول في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] أرأيت الذي يتلقف ما يسمع من فلان أو فلان دون أن يفكر ودون أن يتأمل ودون أن يسمع أو يبصر، أرأيت هذا قد أتى بأمر الله فعلاً، وأتى بما أمره الله به؟ أرأيت الذي تُرفع له راية ويُعلى بصوت ويرى أمراً فيسير وراءه دون أن يسأل ويستخدم جوارحه، أترى هذا وذاك قد التزموا أمر الله أم تراهم ممن عابهم الله ؟
стр. 1857
العقوبة بالطبع على الجوارح
ثالثاً: أخبر الله أن الطبع على هذه الجوارح عقوبة يعاقبهم الله بها، يقول الله في سورة البقرة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧].
ويقول أيضاً: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] عجباً! يخبر الله أن الطمس على هذه الجوارح عقوبة يعاقب الله بها عباده، فكيف يطمس العبد جوارحه كيف يطمس قلبه ويطمس سمعه ويطمس بصره ليُصبح بعد ذلك إمّعة يقوده الناس فينقاد!
стр. 1858
الحساب على الجوارح
رابعاً: أخبر الله أنه سيحاسب الناس على هذه الجوارح: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
الذي أمره الله أن يسمع، وأمره أن يبصر، وأمره أن يتفكر ويفكر، ولم يلتزم أمر الله ، أليس سيسأل عن هذا؟ سيسأله الله عن سمعه وبصره وفؤاده حين سمع ما حرّم الله، ونظر إلى ما حرّم الله، لكنه أيضاً سيسأل إذ عطّل هذا السمع والبصر والفؤاد وقد أمره الله بأن يسمع، وأمره الله بأن يُبصر، وأمره الله بأن يعقل بفؤاده.
стр. 1859
عيب الذين لم ينتفعوا بجوارحهم
خامساً: لقد عاب الله في القرآن على أولئك الذين لم ينتفعوا بهذه الجوارح ولم يستفيدوا منها، يقول في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]، ويقول: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٧١] وهذه الآية فيها جانبان: الأمر الأول: بأن الله عابهم بأنهم صم بكم.
الأمر الثاني: أن الله شبههم بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهي الماشية والبهيمة، فهم مثل رجل يدعو بهيمته فينعق بها، فالبهيمة لا تسمع إلا دعاء ونداء، لكنها لا تفقه ما يقوله الراعي، تفهم أن هذه الكلمة كلمة زجر، تفهم أن هذه الكلمة دعوة للطعام، أن هذه الكلمة دعوة للشراب، أن هذه الكلمة دعوة للمراح والمبيت وحين يكون الناس كذلك فهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فلقد عاب الله على الذين أصبحوا صماً بكماً وشبههم بالراعي الذي يقود القطيع، فينعق بما لا يسمع، حينها يأتي هذا القطيع يوم القيامة فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، ويقول : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦].
إن هؤلاء الذين اتبعوا هم أولئك الذين كان يُنعق بهم، وكانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
وفي سورة الأنعام أيضاً يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] إذاً فالذي يُعطّل جوارحه عن سماع الحق وعن سماع الحجة والبرهان لا يسوغ أن يُمتدح بأنه يسير على الجادة، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩].
والإفاضة في الحديث عن آيات القرآن الكريم يطول، وأظن أن فيما تحدثنا عنه كفاية في دعوة الناس إلى أن يتعبدوا لله بما في كتابه ، وبما أتاهم به نبيهم ﷺ ، بعيداً عمّا ورثوه من آبائهم وأجدادهم، بعيداً عن تلك التقاليد والرسوم التي عهدوها وألفوها، بعيداً عمّا يسمعونه من رأي فلان وفلان من الناس، سواء كان عالماً متبوعاً أو كان سيداً مطاعاً.
إن هذا كله أيضاً دليل على أن أولئك الذين يسيرون ويعطلون عقولهم ليسوا أهلاً للمدح والثناء بل هم أشبه بأولئك الذين ذمهم الله وعابهم وأخبر أنهم ضالون.
стр. 1860
معاناة السلف من المقلدة وذمهم للتقليد
والسلف لهم مقالات طويلة في العيب على المقلّدة، وذمهم ونقدهم، ليس هذا وقت حصرها، لكني أورد أبياتاً لإمام المغرب ابن عبد البر ﵀ يقول: يا سائلي عن موضع التقليد خذ عني الجواب بفهم لب حاضر وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ عليّ بوادري ونوادري لا فرق بين مقلد وبهيمة تنقاد بين جنادل ودعاثر تباً لقاض أو لمفت لا يرى عللاً ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة ال مبعوث بالدين الحنيف الطاهر ثم الصحابة عند عدمك سنة فأولاك أهل نهى وأهل بصائر ولا يزال المصلحون يعانون من هذا الصنف من الناس الذي يحتج دائماً بما ورثه عن آبائه وأجداده، أو بما قلده عن فلان وفلان، وهي معاناة لا تعدو أن تكون كمعاناة الأنبياء حين يأتيهم قومهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤].
المنذر بن سعيد ﵀ كان مصلحاً، وكان يدعو للإصلاح، ولهذا يحكي معاناته مع قومه فيما رواه عنه ابن عبد البر يقول: عذيري من قومي يقولون كلما طلبت دليلاً هكذا قال مالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن زدت قالوا قال سحنون قبلهم ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك نعم كان يعاني من أولئك الذين يحتجون عليه بقول الرجال، فإن قلت قال الله ضجوا وصيحوا، وإن قلت قال النبي ﷺ قالوا إن فلاناً أعلم بحديث النبي ﷺ ، ولم يترك ذاك إلا وقد أتته الحجة والبرهان في هذا.
стр. 1861
لا اعتقاد ولا عبادة إلا بحجة وبرهان
وبعد هذا السرد الطويل لهذه الآيات في كتاب الله ولبعض ما روي عن سلف الأمة من عيبهم لأولئك لا بد من الحجة والبرهان في اعتقادنا وعبادتنا، فلا يسوغ أن نعتقد أمراً في ذات الله إلا وعندنا فيه حجة وبيّنة وبرهان، وإلا كنا مثل أولئك الذين حينما يأتيهم نبي يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص:٧] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤] ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].
وفي عبادتنا أيضاً لا يسوغ حين يدعونا فلان من الناس ومعه حجة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أن يدعونا إلى أن نترك أمراً مبتدعاً في دين الله، فنحتج عليه بأنه أمر ورثناه واعتدنا عليه، ولم نشهد له نكيراً، فهذا هو منطق أولئك الذين يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤].
ولا يسوغ حين يُنكر علينا منكر، أو حين نؤمر بمعروف أو أمر لم نعهده، لا يسوغ حين نُدعى لذلك بدليل وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أن نقابل الحجة والبرهان بما تلقيناه وورثناه من آبائنا وأجدادنا، أو ما سمعناه من فلان وفلان من الناس.
وفي دعوتنا حين ندعو الناس ينبغي أن ندعو بالحجة والبرهان والدليل، وهكذا كان أنبياء الله.
وفي المحاجة والمخاصمة حين نجادل وحين نخاصم الناس لا بد أن نُحاج بالدليل والبرهان والحجة، أليس الله قد حاج الذين اتخذوا من دونه آلهة وطالبهم بالبرهان؟ أليس قد طلب السلطان من الذين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً؟ أليس الله قد طلب من الذين ادعوا أنهم وحدهم هم الذين يدخلون الجنة يهوداً كانوا أو نصارى، قد طلب منهم البرهان؟ فأن يُطلب البرهان من غيرهم من باب أولى.
ومن هنا فلا مقام في ميدان الحجة والجدل إلا بالدليل والبرهان مهما كنا نفترض بطلان حجة من نجادله ونُحاجه.
صاحب البرهان هو الذي ينجح ويقنع الناس؛ لأن البرهان والحجة والدليل لا يقف أمامها أحد، ويخضع لها الناس الصادقون الذين ليس لديهم هوى وميل إلى حظوظ النفس.
صاحب البرهان والحجة هو وحده الذي لا يتناقض، أما الذي تحكمه العواطف فهو يقول قولاً اليوم ثم تأتيه عاطفة أخرى فيقول بخلافه، ويوماً يقول القول وينقضه غداً، أما الذي دافعه ورائده الحجة والبرهان فإنه لا يتناقض، ولو رأى الدليل في غير ما قاله بالأمس فإنه يستطيع أن يقول وبكل ثقة وطمأنينة: قد كنت قلت هذا القول فبدا لي خلافه، والحق ضالة المؤمن، والرجل الشجاع الصادق هو الذي يرجع إلى الحق حين يستبين له.
صاحب البرهان هو الذي يستطيع أن يطرح رأيه بوضوح بعيداً عن الضجيج والصخب والاتهام، والإرهاب الفكري، إن الذين يجنحون إلى الألقاب الواسعة والفضفاضة، الذين يعمدون إلى لغة الصخب والضجيج ورفع الأصوات، الذين يعمدون إلى مصادرة أصوات الخصوم هم أولئك الذين لا يملكون حجة ولا برهاناً، أما الذين يملكون الحجة والبرهان فهم يطرحون رأيهم بوضوح وهدوء، ويحملون أتم الاستعداد على أن يدافعوا عن قولهم، وينافحوا عنه بعيداً عن الاتهام والصخب والضجيج، والحديث عن النوايا والألفاظ المنمقة.
وأخيراً: صاحب الحجة والبرهان والدليل هو الذي ينجو يوم القيامة ولو أخطأ نعم ولو أخطأ؛ لأن الله سيسأل يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].
فالناس جميعاً سيسألون: ماذا أجبتم المرسلين فيما أتوكم به من كتاب الله ؟ وفيما أتوكم به مما قالوه لكم وهم لا ينطقون عن الهوى؟ فلئن اجتهد المرء في أمر واتبع نصاً من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ فلم يوفق لاتباع الحق فهو مأجور على اجتهاده، أما الذين يتبعون البشر فيا ويلهم حين يسألون هذا
السؤال
ماذا أجبتم المرسلين؟ فماذا عساهم أن يقولوا؟ ولهذا يقول ابن القيم ﵀ في خصامه مع أهل البدع: لا بد أن نلقاه نحن وأنتم في موقف العرض العظيم الشان وهناك يسألنا جميعاً ربنا ولديه حقاً نحن مختصمان فنقول: قلت كذا وقال نبينا أيضاً كذا فإمامنا الوحيان فافعل بنا ما أنت أهل له نحن العبيد وأنت ذو الغفران أسأل الله أن يرزقنا وإياكم اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يجنبنا وإياكم الأهواء ومضلات الفتن إنه سميع قريب مجيب.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1862
يا فتاة
الفتاة أمل الأمة، فهي مربية الأجيال، وسند الأبطال، ولذا اعتنى الإسلام بها فشرع لها ما يحفظ كرامتها ويصون حشمتها ويحوط عفتها وحياءها بالرعاية؛ لكن كثرت في هذا العصر الفتن وانتشرت وسائل الإثارة والانحراف، مما جعل كثيراً من الفتيات يهوين في منزلقات الرذيلة ويغفلن عما أنيط بهن من المسئولية وكأنهن لا يعرفن أنهن من بنات الإسلام.
стр. 1863
لماذا الحديث إلى الفتاة
стр. 1864
لأنها الأم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فعنوان هذا الدرس: (يا فتاة)، وهو حديث خاص من نوع خاص، وله لغة خاصة، إنه حديث نخاطب فيه الفتاة، نخاطب فيه الأم المسلمة أياً كان موقعها ومكانها، وهي وإن كانت فتاة يافعة الآن فهي في المستقبل الأم، وهي البانية لهذا المجتمع، وهي أساس المجتمع، فما أن ترى رجلاً إلا ووراءه أم أو زوجة، وراءه أم رعته وربته وقادته إلى ما صار إليه، أو وراءه زوجة إما أن تكون معينة له ومناصرة له ومؤيدة، أو أن تكون خلاف ذلك وتكون عقبة في طريقه.
وهناك سؤال يفرض نفسه: لماذا الحديث إلى الفتاة؟ ولماذا نخصها بالخطاب؟ إنني أعرف أن الإجابة موجودة لدى أختنا، ولكني أقول: إننا نخاطب الفتاة لأنها أمنا، وهل خرج أحدنا للدنيا دون أم، وهل تنفس الصعداء قبل أن يعيش في بطن أمه أشهراً وبين أحضانها ثنيات من عمره وهي ترعاه وتعاهده، وحين يشب طوقه ويصلب عوده يعود به الحنين فطرة فُطر عليها، يعود به الحنين ليلتصق بشريكة حياته فالمرأة والرجل لصيقان، يبدأ حياته وتاريخه من خلالها، ويودع الدنيا كذلك.
стр. 1865
لأن الكثير قد تحدثوا عنها فأساءوا
ثانياً: نتحدث إلى الفتاة لأن الكثير يتحدثون عنها، ويرفعون شعار نصرة قضيتها، فالأديب قد سطر شعره ونثره، والكاتب قد وظّف قلمه، والصحفي قد استنفر قواه فالجميع أجلبوا بخيلهم ورجلهم ما بين مفكر وعامل، ما بين متحدث وكاتب، الجميع نزلوا بثقلهم ليتحدثوا عنكِ يا فتاة، ليتحدثوا عن قضية المرأة وحقوق المرأة، ويعلو ضجيج وصخب الأصوات المأجورة ليذيب الصوت الصادق والناصح الذي لم تعد تسمعه الفتاة إلا خافتاً، لقد سمعت يا فتاة ذاك الصوت النشاز الذي كان يفخر بقضيتكِ وبكرامتكِ وبشرع الله حين يقول: حينما كنا صغاراً في الكتاتيب علمونا أن وجه المرأة عورة علمونا أن صوت المرأة عورة حقنونا بسخيف القول.
علمونا أن صوت المرأة من خلف ثقب الباب عورة.
وسمعت أيضاً هذا الشاعر وهو يتهكم بأعلى ما تملكين وما تعتزين به بالحجاب: مزقيه ذات البرقع لا تخافي مزقيه مزقيه لا تبالي بأمر الدين فيه مزقيه واسأليه واسألي الآيات مزقيه أي عار أنتِ فيه وسمعت الآخر وهو ابن بلدك يقول ساخراً: محجبة تريك سفور جهل ومسفرة تريك حجاب علم ومغضية تنوء من الخطايا وشاخصة إليك بغير جرم أرى كلتيهما فيذوب قلبي لآفات الهوى ويفور عزمي لقد يحيا العفاف بلا حجاب ولا يحيا بلا خلق وعزم إنها أصوات لا أشك أنكِ تسمعينها، وتقرأينها هنا وهناك، ويعلو ضجيجها، ويرتفع صخبها، وكلها تدعو إلى دعوة واحدة، وكلها تتحدث عن قضية واحدة هي قضيتكِ.
لقد زعموا أنكِ مظلومة، لقد زعموا أنكِ مهانة، زعموا أنهم يتحدثون باسمكِ، ونقلوا وكالة من دون موافقة صاحبة الشأن، ودون موافقة الوكيل، فصار الجميع يتحدث ويبدئ ويعيد في قضية المرأة.
يا فتاة يعلو ضجيج هذه الأصوات المأجورة ليذيب الصوت الصادق والناصح، الذي لم تعد تسمعه الفتاة إلا خافتاً، ألا يحق بعد ذلك للناصحين أن يرفعوا عقيرتهم، وينادوا بصوت مسموع رافعين الراية ليقولوا: ها هنا الطريق يا فتاة، وإياكِ وبنيات الطريق وأزقة الغفلة.
стр. 1866
لأن الإسلام أولاها العناية والاهتمام
ثالثاً: نتحدث عن الفتاة لأن النبي ﷺ كان يوليها العناية والاهتمام اللائق بمقامها، ففي كل عيد يخطب فيه كان يتحدث مع الرجال ثم ينصرف إلى النساء فيحدثهن ويعظهن، وتستغل النسوة هذا الأمر، وتتطلع إلى المزيد، فتبعث إحداهن لتقول له ﷺ : ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا منك يوماً، فيواعدهن ﷺ ويلقاهن يوماً يخصهن بحديث خاص لا شأن للرجال به.
وحين نتصفح دواوين السنة، ونقرأ ما سُطّر فيها نرى الكثير من النصوص التي توصي بحقكِ ورعايتكِ والعناية بك، ولقد كان ﷺ في مجمع عظيم في حجة الوداع يجعل قضية المرأة من أهم القضايا، فيقول ﷺ : (الله الله في النساء، اتقوا الله في النساء).
ويجعل ﷺ المرأة معياراً تقاس من خلاله خيرية الرجل، فيقول ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) بل إن الأمر يتجاوز مجرد هذا التوجيه لنرى هديه ﷺ العملي، ونرى تلك المكانة التي يوليها المرأة فيحبس ﷺ جيشه ويؤخرهم لأن عقداً لزوجه عائشة قد انقطع، فيأتي أبو بكر الصديق ﵁ إلى عائشة فينتهرها ويقول: حبستِ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء.
ثم حين أقاموا الجمل وجدوا العقد تحته وقد فقدوا الماء، ونزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير ﵁: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
إن آية التيمم يا فتاة والتي بعد ذلك أصبحت باباً من أبواب الفقه يتعلمه الصغير والكبير، المرأة والرجل، يتعلمه الجميع؛ كان بركة من بركة تلك المرأة الصالحة، أليس في هذا علو لشأن المرأة ورفعة لمكانتها؟ ويرتفع شأن المرأة عند النبي ﷺ منزلة أعظم من ذلك كله، فتأتي أم هانئ ﵂ إلى النبي ﷺ فتقول له: (زعم ابن أمي أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فيقول ﷺ : قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ).
نعم يا فتاة هكذا كان ﷺ يرفع شأن المرأة، إن كلمة هذه المرأة أصبحت نافذة على المسلمين كلهم جميعاً، فلا يجوز لهم أن يخفروا جوار هذه المرأة أو ذمتها، ويصدِّق النبي ﷺ على هذا الحكم وعلى هذا الأمان الذي تمنحه هذه المرأة أفبعد ذلك كله يحق لامرئ أن يهمل شأن المرأة ومكانتها؟ رابعاً: نتحدث عن الفتاة لأنها أم المصلحين والدعاة، أسمعتِ يا فتاة عن المصلحين والمجددين؟ أقرأتِ سير المجاهدين الصادقين؟ وهل خفيت عليكِ صفحات العلماء العاملين؟ تأملي في التاريخ وارفعي الرأس وانظري إلى سماء أمتكِ لتري هناك نجوماً تلوح في الأفق ساهمت في صياغة تاريخ الأمة وصناعة مجدها، وخطّت صفحاته البيضاء، فليس يغيب عن ناظريكِ أبداً اسم عمر بن عبد العزيز والشافعي والإمام أحمد وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم، ممن حاز قصب التجديد وأخذ منه بنصيب وافر، ولن تنسي سير نور الدين الشهيد أو صلاح الدين أو الغزنوي أو غيرهم ممن حمل روحه على كفه وسار في ميدان الوغى وشعاره: أذا العرش إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن أحن يومي سعيداً بفتية يُمسون في فج من الأرض خائف يتغنى بها صادقاً من قلبه، وقد صفا قلبه لإخوانه أهل الإسلام، وغلا مرجله على أهل الأوثان، وها هي صفحات سيرة أبي حنيفة ومالك وأحمد والعز بن عبد السلام، وغيرهم كثير ممن أراد الله بهم خيراً، ففقههم في الدين فساروا ينشرون ميراث محمد ﷺ ، وقبل أولئك كلهم صحابة رسول الله ﷺ .
يا فتاة كم تهزكِ هذه الأسماء هزاً، وكم تطرب أذنكِ ويتشنف سمعكِ حين تسمعين بها، لكن لا تنسي أن أولئك وغيرهم كان لكل منهم أم برة صادقة طالما دعت الله أن يجعل ابنها قرة عين لها، وكان له شريكة حياته يسكن إليها ويطمئن إليها، وهي تقول له كل صباح: والله لا يخزيك الله أبداً، وتحتمل اللأواء معه فتصبر وتصابر وتكون خير زاد له ومعين، فإذا كنتِ أنتِ أم الدعاة وأم المصلحين، وأنتِ بعد ذلك الزوجة الوفية لهم، فيحق لنا يا فتاة أن نخاطبكِ ونخصكِ بالحديث.
стр. 1867
من أخاطب ؟
يا فتاة من أخاطب في هذه الرسالة؟ ولمن أتحدث؟ إني أخاطب الفتاة الحصان الرزان، الطاهرة العفيفة، فتاة ولدت من أبوين فاضلين، وعاشت في بيت محافظ تستيقظ وتنام وتغدو وتروح وهي تسمع الدعاء لها بالستر والعافية، ولكنها مع فتن العصر وصوارفه، ومع الغربة الحالكة بدأت تنظر ذات اليمين وذات الشمال، وتلتفت إلى الوراء فترفع سماعة الهاتف لتخاطب شاباً لم تعرفه إلا من كلامه، وتسهر أحياناً على فيلم ينسخ من ذاكرتها كل صور البراءة والعفة لتتراءى أمام ناظريها مظاهر السفور والعلاقة المحرمة، فتعيش في دوامة الصراع، فتسمع تارة هذا الصوت النشاز الذي يدعوها إلى الارتكاس في الحمئة والتخلي عن كل معاني الفضيلة والعفة، وتسمع أحياناً أخرى الصوت الصادق يهزها من داخلها هزاً عنيفاً يقول لها: رويدكِ فهو طريق الغواية وبوابة الهلاك.
وتتصارع هذه الأصوات أمام سمعها، وتتموج هذه الأفكار في خاطرها، ولكن لمن الغلبة والنهاية؟ قد تكون الغلبة للصوت الناصح، والصوت الصادق، وقد تكون الأخرى فتزل بها القدم، وتهوي تحت ثقل داعي الشهوة والهوى، إنها تؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان، وتعرف الجنة والنار، وتؤمن بالحلال والحرام، لكن الصراع مع الشهوة قد رجح لغير كفتها، ومع ذلك كله فقد رُزقت أباً غافلاً قد شُغل بتجارته وعلاقاته مع أصدقائه وزملائه، وأماً بعيدة كل البعد عنها، لا يعنيها شأنها، ولا تشغلها قضيتها، ولم تعتد أن تتلقى منهم الابتسامة الصادقة، والكلمة الوادة، ولم تر منهم القلب الحنون، ولم تر منهم من يفتح ذراعيه لها، وحينئذ وجدت بغيتها وضالتها في صاحبتها صاحبة السوء التي تلقاها في المدرسة، وربما كانت الضالة في شاب تائه غاو ضال يغويها بمعسول الكلام.
يا فتاة إن كنتِ كذلك فما أجدركِ أن نخاطبكِ، وما أجدركِ أن تقدري موقفي، فأصغي لصوتي وحكّمي عقلكِ، فإن سمعتِ خيراً فحي هلا، وإن كان غير ذلك فأنتِ وما تريدين، أما إن كنتِ من أهل الصلاح والاستقامة فاسمعي ما أقول، وكوني رسول خير وترجمان صدق لمن وراءكِ إنني يا فتاة حين أتحدث عن هذه الظواهر فإني لستُ أخاطب كل فتاة تستمع لحديثي، سواء كانت حاضرة معي هذا المجلس، أو كانت تستمع من خلال جهاز التسجيل إني لا أخاطب كل فتاة على أنها على هذه الحال وهذه الصورة، فإن كانت كذلك فعلاً فإن الخطاب يعنيها بالدرجة الأولى، وإن كانت غير ذلك فلعلها أن تكون رسولة خير، ولعلها أن تساهم معنا في إبلاغ هذا الصوت والذي أصبح وللأسف صوتاً نشازاً، وقد اختفى تحت ركام الأصوات الهائلة التي تدعو الفتاة إلى الغواية، التي تدعو الفتاة إلى الضلال والانحراف، والتي صارت تتاجر بقضية المرأة وحياتها وعفتها، عفواً بل صارت تتاجر بحياء الأمة كلها وعفتها وشباب الأمة، أقول: لقد اختفت تلك الأصوات الناصحة الصادقة، لقد خفت صوتها وصارت حبيسة هذا الركام من المجلات الوافدة والمسلسلات الساقطة والأصوات التي تعلو هنا وهناك، تدعو الفتاة والشباب جميعاً إلى هذا الطريق، وتقول لهم بلسان الحال أو بلسان المقال: هيت لكم.
يا فتاة اعتدت أن تسمعي الكثير من خلال الخطبة والمحاضرة والفصل الدراسي اعتدت أن تسمعي الوعظ والترغيب والترهيب، وهو مسلك مطلوب ومنهج سليم، كيف لا وهو منهج النبي ﷺ ومنهج القرآن الكريم، لكني هنا سأخاطبكِ بلغة أخرى، بلغة العقل ومنطق الحوار الهادئ لا رغبة عن الوعظ والترغيب والترهيب، ولا تفضيلاً لهذه اللغة، ولكن كان من هدي النبي ﷺ أن ينوع أسلوبه وخطابه، بل قبل ذلك كله كان هذا من هدي ومنهج القرآن الكريم في خطابه للأمة.
يا فتاة إنني حين أتحدث عن قضية الفتاة فلست أتحدث من فراغ، ولا أبني قصوراً في الرمال، أتحدث عن واقع رأيته ولمسته، وحدثني عنه الثقات، فقد قرأت بعيني تلك الرسالة التي سطّرتها فتاة لصديق لم يستقبلها بالأحضان واعتذر عن مبادلة القبلات، فعاشت جحيماً لا يُطاق لتكدر خاطر من كان لا يزول عنها الهم إلا بسماع صوته.
نعم قرأت تلك الرسالة التي سطّرتها أناملها لصديق السوء.
والرسالة الأخرى، والتي كانت من شاب تائه لم يدرك الأمانة ولا مسئولية العمل فيأخذ ورقة رسمية ويطبع عليها رسالة غرام بالآلة الكاتبة ليرسلها إلى صديقته.
وسمعت الرواية بسند متصل رجاله ثقات عن تلك المكالمة والتي كانت تفيض عاطفة وقد علا نشيج الفتاة، وارتفع بكاؤها وهي تسمع التهديد بالقطيعة واختيار البديل، فصاحبها يعرف عشرين فتاة غيرها، وسيختار أوفاهن له وما أبعده عن الوفاء! إنها صور كثيرة يا فتاة، لا أظن أني مهما بلغت من الإحاطة وحفظت من النماذج لا أظن أني سأدرك ما تدركين، وأحيط بما تحيطين، فأنتِ تعيشين هذا العالم، ولن أثير بعد ذلك في كشف الأسرار والحديث عمّا وراء ذلك، لكني أردت أن أقول لكِ: إني لا أتحدث من فراغ.
стр. 1868
معذرة على المصارحة
يا فتاة ها أنا أتحدث عن قضايا ربما كانت فترة من الزمن في طي الخفاء، وتحت ستار الكتمان، لكنهما خياران لا ثالث لهما، أن نسدل الستار على النار وهي تدب وتشتعل، أو أن نقول الحقيقة وهي مُرة إلا أنها الخطوة الأولى للإصلاح.
يا فتاة إن مبدأ المبالغة واتهام الناس أن عهودهم قد مرجت، وأن خيريتهم قد ولّت، مبدأ مرفوض، ولكن أيضاً في المقابل مع هذا الواقع لا يزال هناك في الزوايا خبايا، لا يزال في الناس بقايا من خير، وإن الحديث عن الأخطاء ينبغي أن لا ينسينا هذا الواقع، وإن الحديث حين يكون حديثاً ناصحاً ينبغي أن لا يكون حديثاً عن خطأ فلان أو فلانة، فإن هذا خرق لسياج العفة في المجتمع، وإشاعة للفاحشة، ولكن مع ذلك كله أيضاً فالتغافل والتعامي وإسدال الستار على هذه الحقائق لا أظن أنه يخدم إلا الأعداء، ولا أظن أنه يهيئ إلا لذاك الجو الذي بعد ذلك يتسع فيه الخرق على الراقع، ويهول الأمر فيه على الناصح.
يا فتاة فلنكن صرحاء صراحة منضبطة بضوابط الشرع، وواضحين وضوحاً محاطاً بسياج الحياء والعفّة لتكون خطوة للتصحيح ونقلة للإصلاح، وهاهنا لن أتحدث عن الأسباب وتحليل الظاهرة، لكنها دعوة عاجلة للمراجعة وإعادة الحساب.
إن غاية ما أريد أن أقوله في هذا المجلس هي الدعوة هي دعوة أرفع بها صوتي، وأشجو بها لكل فتاة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تعود إلى طريق الاستقامة والصلاح، وأن تسلك الطريق التي خلقها الله من أجله، واختارها سبحانه لتكون سائرة عليه، ولتكون أماً للأجيال.
стр. 1869
ماذا يريدون منكِ ؟
يا فتاة لقد رأيته في السوق، وعند بوابة المدرسة، وسمعت صوته عبر جهاز الهاتف، وربما التقيت معه وسمعتِ الألفاظ المعسولة، والكلمات التي تسيل رقة وعاطفة مصحوبة بالأيمان المغلظة على صدق المحبة وعمق المودة، وربما كانت يده قد خطت رسالة لكِ تفيض بمعاني العشق والغرام، وربما دار في خاطركِ أن هذا زوج المستقبل.
يا فتاة بعيداً عن العاطفة وعن سرابها الغادر، كوني منطقية مع نفسكِ واطرحي هذا السؤال ماذا يريد؟ ما الذي يدفعه لهذه العلاقة؟ إن الصراحة خير من دفع الثمن الباهظ في المستقبل، ماذا يقول لزملائه حين يلتقي بهم؟ وبأي لغة يتحدث عنكِ؟ إنني أجزم يا فتاة أنكِ حين تزيحين وهم العاطفة عن تفكيركِ فستقولين وبملء صوتكِ: إن مراده هو الشهوة، والشهوة الحرام ليس إلا.
يا فتاة ألا تخشين الخيانة؟ أترين هذا أهلاً للثقة؟ شاب خاطر لأجل بناء علاقة محرمة، شاب لا يحميه دين أو خُلق أو وفاء، شاب لا يدفعه إلا الشهوة أولاً وآخراً، أتأمنينه على نفسكِ بعد ذلك؟ لقد خان ربه ودينه وأمه، وأنتِ يا فتاة لن تكوني أعز الناس لديه، أنتِ لن تكوني إلا طعماً سرعان ما يحقق مقصوده لتبقي بعد ذلك لا سمح الله صريعة الأسى والحزن والندم.
يا فتاة هبي أنكِ قد بنيت علاقة مع فلان من الناس، وزادت المودة، وقويت العلاقة حتى صار خليلاً تبثينه الأشجان وتخشين لفراقه وتحزنين لوداعه، ولكن ألم تحدثي نفسكِ يوماً من الأيام بالمستقبل؟ ألم تسمعي أن هناك من ندم أشد الندم، وتمنى أنه لم يعرف فلاناً أو لم يعرف فلانة؟ ألم تسمعي أن هناك من تمنت أن فلاناً لم يمر طيفه بخاطرها وخيالها؟ من تمنت أنها لم تسمع صوته، أنها لم تخرج إلى تلك الدنيا كلها، والتي كانت سبباً في معرفته؟ وحين لا ينفع الندم في هذه الدار فقد يأتي يوماً تقولين فيه: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩].
стр. 1870
لماذا إهدار العاطفة ؟
يا فتاة إن الله حكيم عليم، ما خلق شيئاً إلا لحكمة، ولا قضى قضاء إلا وفيه الخير علم ابن آدم أو جهل.
لقد شاء الله بحكمته أن تكون المرأة ذات عاطفة جياشة تتجاوب مع ما يثيرها لتنفجر رصيداً هائلاً من المشاعر والتي تصنع سلوكها أو توجهه، وحين تصاب الفتاة بالتعلق بفلان من الناس قرب أو بعد، فأيُّ هيام سيبلغ بها؟ فتاة تعشق رجلاً فتقبِّل شاشة التلفاز حين ترى صورته، أو أخرى تعشق صوته فتنتظره على أحر من الجمر لتشنف سمعها بحديثه، وحين تغيب عن ناظرها صورته، أو تفقد أذنها صوته يرتفع مؤشر القلق لديها، ويتعالى انزعاجها فقد غدا هو البلسم الشافي.
يا فتاة بعيداً عن تحريم ذلك وعمّا فيه من مخالفة شرعية، ماذا بقي في قلب الفتاة من حب لله ورسوله، ومن حب للصالحين بحب الله؟ ماذا بقي لتلاوة كلام الله والتلذذ به؟ أين تلك التي تنتظر موعد المكالمة على أحر من الجمر، ومتى؟ في ثلث الليل الآخر وقت النزول الإلهي، فأين هي من التلذذ بمناجاة الله والانطراح بين يديه؟ بل أين هي من مصالح دنياها، فهي على أتم الاستعداد أن تتخلف عن الدراسة من أجل أمر واحد، هو اللقاء به، إنها على أتم الاستعداد أن تُهمل شئون منزلها من أجل مطلب تافه، هو مطلب الإفاضة في سماع صوته والحديث معه، بل وما بالها تعيش هذا الجحيم والأسى فيبقى قلبها نهباً للعواطف المتناقضة والمشاعر المتضاربة.
فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل حال مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق إن هذا الركام الهائل من العواطف المهدرة ليتدفق فيغرق كل مشاعر الخير والحب والوفاء للوالدين، إن هذه المشاعر والتي تهدر لفلان من الناس لا بد أن تكون حتماً على حساب ما يحتاجه أبناؤها، فحين تُرزق الأبناء فلن تجد بعد ذلك رصيداً من العواطف تصرفه لهم فينشئون نشأة شاذة ويتربون تربية نشازاً.
يا فتاة العاقل حين يملك المال فإنه يكون رشيداً في التصرف فيه حتى لا يفقده حين يحتاجه، فما بالكِ تهدرين هذه العواطف والمشاعر فتصرفيها في غير مصرفها وهي لا تقارن بالمال، ولا تقاس بالدنيا؟ يا فتاة لقد خصك الله سبحانه بهذه العاطفة وهذا الحنان وهذه الرقة وهذا التجاوب مع هذه المشاعر لحكمة يريدها ، ليبقى هذا رصيداً يمد الحياة الزوجية بعد ذلك بماء الحياة والاستقرار والأنس، ليبقى رصيداً يدر على الأبناء الصالحين حتى ينشئوا نشأة صالحة، فما بالكِ تهدرين هذه العواطف لتجنين أنتِ وحدكِ الشقاء في الدنيا؟ فتارة تشتاقين إلى اللقاء، وأخرى تبكين خوف الفراق والأسى، وأخيراً تضعين يدكِ على قلبكِ خوف النهاية والفضيحة، خوف هذه النهاية المؤلمة التي أهدرتِ عواطفكِ، وأهدرتِ أعز ما تملكين من أجل أن تصلي إليها، أعرفتِ الثمن الباهض، الذي تدفعينه حين تصرفين هذه العاطفة في غير مصرفها الشرعي؟
стр. 1871
إلى هذا الحد ترخص المرأة !
يا فتاة مظهر لا أشك أنكِ ترفضينه غاية الرفض، وتمقتينه غاية المقت، إنه يمثل إهداراً لشخصيتكِ وإهانة لكرامتكِ ومقومات أنوثتك، إنه تحويل للمرأة التي كرمها الله ، وجعل لها حقاً ومنزلة وأوصى ببرها وحسن صحابتها، وربط ذلك برضاه ، وقرن عقوقها بالشرك به وعده من أكبر الكبائر.
أي إهدار رخيص لقيمة المرأة حين تُجعل وسيلة للدعاية والإعلان لترويج السلع والمنتجات.
فهل تصل قيمة المرأة والفتاة عند هؤلاء أن توضع صورتها على علبة الصابون أو المناديل؟ أو تزين بها أغلفة المجلات؟ أليس هذا وسيلة للإثارة والإغراء وترويج المطبوعة؟! ألا ترين يا فتاة أن في هذا إهانة وتحويلاً لكِ إلى مصدر للثراء ولجمع المال أيًّا كان مصدره.
لقد بدأت يا فتاة حتى أفجر الممثلات في الغرب يشعرن بسقوط المرأة أمام قدمي الرجل ونفسيته الجشعة، فقد نشرت إحدى الصحف أن ممثلة فرنسية بينما كانت تمثل مشهداً عارياً أمام الكاميرا ثارت ثورة عارمة، وصاحت في وجه الممثل والمخرج قائلة: أيها الكلاب، أنتم الرجال لا تريدون منا نحن النساء إلا أجسادنا؛ حتى تصبحوا من أصحاب الملايين على حسابنا، ثم انفجرت باكية لقد استيقظت فطرة هذه المرأة في لحظة واحدة على الرغم من الحياة الفاسدة التي تغرق فيها، استيقظت لتقدم الدليل القاطع على عمق المأساة التي تعيشها تلك المرأة التي قالوا عنها إنها متقدمة.
стр. 1872
قارني بين الصورتين
الصورة الأولى: شاب مستقيم محافظ على طاعة مولاه، قد سخَّر وقته وجهده لعبادة ربه، وأفنى شبابه في طاعته.
والثاني: شاب تائه زائغ تقيمه شهوته وتقعده.
فالأول: تعرض له الفتنة، وتبدو أمام ناظريه فيغض بصره ويعرض عنها، بل وينأى عن مواقعها، إنه كالآخرين يدعوه داعي الشهوة وتحركه العاطفة، لكنه يشعر أن عاطفته وشهوته مأسورة بإطار الشرع ومحاطة بسياجه.
تحادثه الفتاة وتنبري أمامه وتسعى لإيقاعه، لكن لسان حاله يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
والثاني: ينهار أمام شهوته وينهزم أمامها؛ فيقضي سحابة نهاره وليله في التسكع في الأسواق، أو أمام بوابات المدارس، أو واقفاً تحت سماعة الهاتف، وربما كان يتحدث من خلال هاتف العملة فيبقى طويلاً طويلاً يحادث هذه الفتاة وتلك، يبحث هنا وهناك، يبحث عن الصورة الفاتنة والمجلة الساقطة.
يا فتاة كوني واقعية، ومنطقية واحكمي بعيداً عن العاطفة، أيهما أكثر رجولة، ومن أحق بالثناء والإعجاب، الشاب الذي ينتصر على شهوته ويستعلي على رغبته استجابة لمرضاة الله ؟ أم الآخر الذي ينهار أمام داعي الشهوة ويسعى لتحقيقها على أشلاء كل خُلق وفضيلة؟
стр. 1873
من أولى بالقدوة ؟
يا فتاة لكل أمة تاريخ تفخر به، ولكل امرئ مجد ينافح عنه ويتطلع إليه، وتتحكم ثقافة المرء وخلفيته في اختيار المحتوى التاريخي الذي يفتخر به وينتمي إليه.
فهناك من غاية التاريخ عنده موروثات قديمة، ومقتنيات الآباء والأجداد من الأدوات والأواني والأثاث، وهناك من يشعر أن المنهج، والفكر، والمبدأ أثمن من هذا كله، فيعتبر أن هذا هو تراثه الحقيقي.
يا فتاة حين نطبق هذه القاعدة على الفتيات فسنجد الصورة نفسها، فمنهن من لا تذكر من التاريخ إلا حكايات جدتها قبل النوم، وهناك من ترى التراث في إناء أو موروث قديم، وهناك من تمتد في التاريخ امتداداً أفقيًّا مع الجيل الحاضر والأمم المعاصرة؛ فترى قدوتها في عارضة أزياء ساقطة، أو ممثلة كافرة، أو مغنية فاجرة، ومنهن من تمتد امتداداً رأسيًّا لترى قدوتها في أم عمارة نسيبة بنت كعب، أو ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، أو في اللواتي أثنى عليهن الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] واللاتي قال الله عنهن: ﴿قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم:٥] ويتجاوز نظرها هذا المدى ليدرج ضمن هذه القائمة امرأة فرعون: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
يا فتاة أدعوكِ مرة أخرى لتحكمي وبمنطق العقل والموضوعية، من أولى بالقدوة؟ ومن الأحق بالأسوة؟ يا فتاة لو وضع لك الخيار أن تكوني كإحدى الطائفتين، فأين أراكِ تختارين؟ حزب عائشة وزينب وأسماء وآسية؟ أم حزب عارضات الأزياء والممثلات؟ يا فتاة حين يهديكِ عقلكِ الراشد إلى اختيار أحد الحزبين، وخير الطائفتين، فسوف تسعين حتماً للاقتداء بمن تختارين، والسير في ركابه، وإن لم تصلي النهاية التي وصلن إليها، إلا أنك في الطريق.
وإليك النهاية التي تصل إليها الساقطات: إحدى الممثلات الساقطات، وأعتذر عن ذكر هذه الأسماء في مثل هذا المكان المبارك، فقد ذكر الله في كتابه اسم فرعون وقارون وهامان.
الممثلة الراحلة كما يقال مارلين مونرو نالت المال الذي تستطيع أن تحصل به على كل شيء، والشهرة التي جعلت اسمها وصورتها تملأ صحف العالم، والجمال الذي يشد أنظار الرجال إليها ويجذبهم نحوها، نالت كما يقال ثالوث السعادة: المال والشهرة والجمال، لقد وجد المحقق الذي درس قضية انتحار هذه الممثلة الشهيرة رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في بنك مانهاتن في نيويورك، حين فتح المحقق الرسالة وجدها مكتوبة بخطها نفسها وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحتها عن الطريق إلى التمثيل فتقول في رسالتها: احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء، إنني أتعس امرأة على هذه الأرض لم أستطع أن أكون أمًّا.
إني امرأة أفضِّل البيت، أفضِّل الحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة بل إن هذه الحياة لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية.
انتهى كلامها.
إنه شاهد على تلك المأساة التي تعيشها أمثال هذه النسوة، والتي تراها بعض الفتيات قدوة لها وأسوة لها.
وصرح بعض النقاد بأن الجاني هو كل فرد في المجتمع الغربي.
قال أحدهم في إيطاليا: إنها لم تنتحر، نحن الذين قتلناها، نحن الذين نشاهد الأفلام ونقرأ المجلات.
بل اعتبرها أديب آخر إنسانة لم تطق استمرار العيش في قاذورات تلك الحضارة، ولم تجد مفراً من موتها اليومي إلا بالموت النهائي.
نعم لقد وجدت هذه الممثلة في الانتحار خلاصاً من شقائها، وتحرراً من واقعها، ونجاة من مستغليها والمثرين على حساب أنوثتها.
قارني يا فتاة بين هذه الصورة وبين صورة تلك المرأة التي تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].
стр. 1874
ألم تدخلي المصلى ؟
يا فتاة ألم تنقلك قدماك إلى المصلى؟ تفضلي علينا بدقائق من وقتكِ، وادلفي خطوات إلى مصلى الكلية، إلى هنا حيث يجتمع ثلة من الصالحات القانتات العابدات، فإحداهن تقرأ القرآن، والأخرى تركع ركعتي الضحى، والأخرى في مجلس علم وذكر.
في حين يتحلق غيرهن على موائد من اللحوم البشرية، واحتفظي بهذه الصورة في الذاكرة.
وحين تعودين إلى المنزل وتستلقين على الفراش تفضلي على نفسك بدقائق فاسترجعي تلك الصورة، وقارني بينها وبين فتاة تقف عند بوابة المدرسة، أو أمام محل تجاري وهي تسارع خطاها وأنظارها في كل اتجاه، هل جاء صاحبها أم لا؟ ثم هل يراكم من أحد؟ أو بين تلك التي تتصفح مجلة ساقطة، أو تحملق أمام الشاشة، أو تمسك بسماعة الهاتف؟ بالله عليكِ أيهما أهنأ عيشاً، وأكثر استقراراً؟ أيهما أولى بصفات المدح والثناء تلك التي تنتصر على نفسها ورغبتها، وتستعلي على شهوتها، وهي تعاني من الفراغ كما تعانين، وتشكو من تأجج الشهوة كما تشكين، أم الأخرى التي تنهار أمام شهوتها؟ يا فتاة تساؤل يطرح نفسه ويفرضه الواقع: لماذا هذه الفتاة تنجح ولا أنجح أنا؟ لماذا تجتاز هذه العقبة وأنهزم أمامها؟ إنها صورة تشخص أمام ناظريكِ يا فتاة، فأنتِ ترينها كل صباح في المدرسة، ترينها كل مساء في مناسبة عائلية، أو لقاء الأفراح، ترين هذه الصورة وأجزم وأنكِ وأنت تواجهينها بالسخرية اللاذعة والكلمة الجارحة؛ أنكِ تقولين من الداخل كلاماً آخر غير هذا كله.
فلماذا لا تكونين صريحة؟ لماذا لا تعلني هذا الكلام الذي بداخلك؟ لماذا لا تفكرين مرة أخرى بمنطق العقل: كيف تنجح هذه وأفشل أنا؟
стр. 1875
قبل أن تذبل الزهرة
يا فتاة ها أنتِ تتطلعين إلى المرآة فترين صورة وجه وضيء يتدفق حيوية وشباباً، ها أنتِ تغدين وتروحين وأنتِ تتمتعين بوافر الصحة وقوة الشباب.
ولكن ألم تزوري جدتك يوماً؟ أو تري عجوزاً قد رق عظمها وخارت قواها؟ لقد كانت يوماً من الدهر شابة مثلك، وزهرة كزهرتك، ولكن سرعان ما مضت السنون وانقضت الأيام فاندفنت زهرة الشباب تحت ركام الشيخوخة، ومضت أيام الصبوة لتبقى صورة منقوشة في الذاكرة؟ وها أنت يا فتاة على الطريق، وما ترينه من صورة شاحبة وشيخوخة إنما هي مرآة لما ستكونين إليه في المستقبل بعد سنوات.
إذاً فكيف تهدرين وقت الشباب وزهرته، وتضيعين الحيوية فيما لا يعود عليكِ إلا بالندم وسوء العاقبة؟ يا فتاة لقد وعد ﷺ بأن من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله شاباً نشأ في طاعة الله ، والخطاب للرجال تدخل فيه النساء، في يوم تدنو الشمس فيه من الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعون ذراعاً فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً فهلا فكرت أن تكوني من اللواتي في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله؟
стр. 1876
ما للفتاة والرياضة ؟
يا فتاة هل صحيح ما سمعنا عنكِ، أنكِ تهتمين بمتابعة أخبار الرياضة، وأنكِ ربما لا تذكرين الدراسة، حين يكون هناك مباراة هامة، وأحياناً تستأذنين من المحاضرة لتتصلي بالهاتف فتسألي عن أخبار المباراة، ومن الفريق المنتصر؟ أصحيح أنكِ تُعجبين برياضي ماهر، وتتطلعين إلى صورته، وتتمنين أن تري منجزاته؟ يا فتاة اللهو المباح المنضبط أمر يقره الشرع، لكن هذا شأن وما تعيشه الفتاة مع الرياضة شأن آخر، أيليق بمربية الأجيال وأم الدعاة ومنجبة القادة أن تكون هذه نهاية اهتماماتها؟ وغاية طموحاتها؟ فاز الفريق وانتصر، وحصل على كذا وكذا من النقاط، فماذا حصل؟ وأي أمر كان؟ أليس للفتاة مهمة ووظيفة أعلى من هذا كله تستوجب عليها أن تحتفظ بوقتها وبعواطفها وبمشاعرها وبحماسها لما هو أسمى من هذا كله؟ معذرة يا فتاة أشعر أن الوقت يلاحقني، وأراني مضطراً للاختصار.
стр. 1877
بم يُعاب الرجل ؟
إن أكبر عيب يوجّه للرجل أن يقال له: إنه امرأة، وحين يعيّر الرجل بالأنوثة فهذا غاية السب والشتم، إذاً ما بالكِ بالمرأة المسترجلة، ما بالكِ بالمرأة التي تتشبه بالرجال، أليست مدعاة بأن تقيم شاهداً على نفسها من واقعها، -والفعل أبلغ من القول- أنها امرأة مسترجلة أنها تدعو الآخرين إلى عيبها.
стр. 1878
العذراء في خدرها
يا فتاة يُمتدح الرجال بالشجاعة والكرم والنخوة، ولكن أتدرين بم تُمتدح الفتاة؟ إنها تُمتدح بالحياء، وحين يوصف الرجل بالحياء يشبّه بالعذراء ولهذا كان ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، أتظنين يا فتاة أنكِ حين تطيلين اللسان وترفعين اللهجة، وحين تزيلين عنك غشاوة الحياء، أتظنين أنك تبلغين مبلغاً عالياً سامياً؟ أم أنكِ تضحين بشيء من أغلى ما تمدحين وتوصفين به؟
стр. 1879
لا مجال للمخاطرة
قد يقود الفراغ -وربما الفضول- الفتاة لمكالمة هاتفية خاطفة قد تكون بداية المأساة لهذه الفتاة، فإما أن يعرف ذلك أحد الوالدين، فتقع الفتاة في دوامة من الحيرة والقلق لا نهاية لها، أو أن يتم اللقاء والفضيحة فتدمر مستقبلها وحياتها، أو أن يكون ذلك مدعاة لقتل عفافها، واسمعي لهذه الرواية في مجلة الأمة الصادرة بتاريخ ٢٢/ ٧/١٩٨٧م نقرأ هذه المأساة أنا فتاة أبلغ من العمر التاسعة عشرة، في السنة الأولى في الجامعة اعتدت أن أراه في ذهابي وعند عودتي من الجامعة، في كل مرة يبادلني التحية، وتصادف أن التقينا في مكان عام، وشعرت معه بمعنى الحياة، تعاهدنا على الزواج، ثم تقدم لخطبتي، وعشت أياماً سعيدة، وفي ذات يوم حدث بيني وبينه لقاء فقدت فيه عذريتي، ووعدني أن يسرع بالزواج، وبعد عدة شهور من لقائنا اختفى من حياتي وأرسل والدته لتنهي الخطوبة، ولتنهي معها حياتي كلها، فالحزن لا يفارق عيني، أعيش في سجن مظلم مليء بالحسرة واللوعة والأسى، ولا تقولي لي: إن الأيام كفيلة بأن تداويني بنعمة النسيان.
فكيف أنسى ما أصابني من الذي أعطيته كل شيء، وجعلني لا أساوي شيئاً؟ إنها نهاية يا فتاة قد تكون هي النهاية التي تصل إليها كل فتاة تسلك هذا المسلك، وقد تكون أول خطوة في هذا الطريق وهذه النهاية، هي مكالمة خاطفة، فهل يستحق الأمر هذه المخاطرة؟
стр. 1880
صور من حياة المرأة الغربية
يا فتاة لقد قص الله علينا في القرآن قصص الأمم الكافرة والأمم الغابرة لنتعظ بها ونعتبر، فإليك هذه الصفحات العاجلة مما تعيشه المرأة في عالم الغرب، ذاك العالم الذي يراد لكِ أن تكوني مثلهم،
стр. 1881
أولاً هكذا تهان المرأة
في دراسة أمريكية أُجريت عام ١٤٠٧هـ، أشارت إلى أن ٧٩% من الرجال يقومون بضرب النساء، وبخاصة إذا كانوا متزوجين منهن.
وفي دراسةٍ فُحص فيها ١٣٦٠ سجلاًّ للنساء في المستشفيات، تقول: إن ضرب النساء في أمريكا ربما كان أكثر الأسباب شيوعاً للجروح التي تُصاب بها النساء، وأنها تفوق ما يلحق بهن من أذى نتيجة حوادث السيارات والسرقة والاغتصاب مجتمعة.
وفي فرنسا تتعرض حوالي مليون امرأة للضرب، وأمام هذه الظاهرة التي تقول الشرطة إنها تمثل حوالي ١٠% من العائلات الفرنسية، أعلنت الحكومة أنها ستبدأ حملة لمنع أن تبدو أعمال العنف هذه كأنها ظاهرة طبيعية.
وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة: إن الحيوانات تُعامل أحياناً أحسن منهن، فلو أن رجلاً ضرب كلباً في الشارع فسيتقدم شخص ما بالشكوى إلى جمعية الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته في الشارع فلن يتحرك أحد، وتقول صحيفة فرانسر عن الشرطة إن ٦٠% من الدعوات الهاتفية التي تتلقاها شرطة الخدمة في باريس أثناء الليل هي نداءات استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن.
стр. 1882
العلاقات غير الشرعية
دلت الدراسات على أن في الولايات المتحدة نفسها أكثر من ٣٥ مليون متزوج يقيم علاقات غير شرعية خارج عش الزوجية، أي نسبة تصل إلى ٧٠% من الرجال المتزوجين.
وبعبارة أخرى فإن ٧٠% من الزوجات الأمريكيات مأسورات بقيد الخيانة، خيانة أزواجهن لهن.
ويقول المحللون إن ٩٠% من حوادث الاغتصاب لا تصل إلى سجلات البوليس، وفي المقابل تقول إحدى الإحصائيات: إن حادثة اختطاف تسجل كل ٦ دقائق، هذه الحادثة لا تشكل إلا ١٠ % من صور حوادث الاغتصاب.
وفي لوس إنجلوس التي أصبحت تشتهر بأنها عاصمة حوادث الاغتصاب في العالم واحدة من ثلاث فتيات فوق سن ١٤ عامًا معرضة للاغتصاب.
وأما في فرنسا، فقد أذاع الراديو الفرنسي في يوم الأحد ٢٥/ ٩/١٩٧٧م إحصائية ذكر فيها: أن في فرنسا ٥ ملايين امرأة متزوجة على علاقة جنسية بغير أزواجهن.
وأذاع التلفزيون الفرنسي في القناة الأولى أن المحكمة الفرنسية ردت الدعوى التي قدمها الزوج بحق زوجته التي تخونه، وبعد تقديم الدليل قالت المحكمة: ليس من حق الزوج أن يتدخل في الشؤون الخاصة بزوجته.
стр. 1883
الدمار في الحياة العائلية
وصورة أخرى من صور الدمار في الغرب: الدمار في الحياة العائلية.
أنقذوا العائلة من الموت أنقذوا العائلة من الموت، هذا نداء أطلقه العالم الاجتماعي الفرنسي جيرند أوريل وهو النداء الثالث الذي يُطلقه خلال ٣٠ سنة الماضية.
وقد قام الباحث الغربي على امتداد سنتين ماضيتين بمسح ميداني للعائلة الغربية، تنقل فيه بين مختلف البلاد الأوروبية وعبر الأطلسي إلى الولايات المتحدة وكندا ليعود بجعبة مليئة بالأصوات التي تحذر من اتجاه العائلة الغربية نحو الهلاك.
هذه الأصوات مع تحليل واف لها جمعها في كتاب أطلق عليه عنوان: أنقذونا، والأصوات تلك هي عبارة عن الحوارات القصيرة التي أجراها المؤلف مع نساء وأطفال وآباء وأجداد حول طبيعة علاقة كل واحد منهم بأفراد العائلة الآخرين، والأصوات البعيدة كانت نادرة جداً بل هي استثنائية.
وها هي المرأة الغربية تنادي: أريد العودة إلى منزلي.
وهذا عنوان كتاب ألفته إحدى المفكرات الفرنسيات.
وفي إحصائية في السويد تقول: إن المرأة السويدية فجأة اكتشفت أنها اشترت وهماً هائلاً -تقصد الحرية التي أعطيت لها- بثمن مفزع؛ وهو سعادتها الحقيقية.
هذه هي حال المرأة في الغرب، هذا هو الحال الذي جنته تلك المرأة التي سارت على هذا الطريق، وهي الخطوة التي يراد لكِ يا فتاة أن تسيري إليها، وهي النهاية التي يُراد لكِ يا فتاة أن تصلي إليها، فهلا اختصرتِ الطريق من الآن؟ وهلا قطعتِ الطريق قبل أن تصلي إلى هذه النهاية.
стр. 1884
أنت صاحبة القرار
إن الاقتناع بخطأ طريق الغفلة، والممارسة الشاذة، والسلوك المنحرف أمر يشترك فيه الكثير من الشباب والفتيات ممن هم كذلك.
بل أكثرهم يقتنع بحاجته إلى الالتزام والاستقامة، ولكن هذا القرار الشجاع، الحاسم يقف المرء معه متردداً متهيباً.
لست أدري ما مصدر هذا التردد ما دام الاقتناع قد تكون لدى الفتاة بخطأ طريقها، وسلامة الطريق الآخر فماذا تنتظر؟ إنه التخوف من المستقبل الذي لا مبرر له.
القضية باختصار يا فتاة: قرار جريء وشجاع تتخذينه، وبعد ذلك يتغير مجرى حياتكِ تلقائياً، ويهون ما بعده، فهل تعجزين عن اتخاذ هذا القرار؟ لا أخالكِ كذلك وقد عهدناكِ الجريئة، وقد عهدناكِ التي لا يقف دون رغبتكِ شيء، فأنتِ التي استطعتِ أن تسلكي خطاً ومساراً غير ما كانت عليه أمُكِ وأجدادكِ، أنتِ التي استطعتِ أن تتمردي على تلك التوجيهات التي سمعتها من أبيكِ وأمكِ، أنتِ التي استطعتِ أن تخرقي هذا السياج كله، فأين هذه الجرأة والشجاعة؟ إننا نريد أن تتضافر هذه الجرأة وهذه الشجاعة لتكوّن عندكِ دفعة لاتخاذ هذا القرار، واسألي من كُن شركاء لكِ في الماضي فاتخذن هذا القرار وسلكن طريق الهداية.
стр. 1885
رسالة من فتاة
أخيراً وردت إليّ رسائل كثيرة من بعض الفتيات، حول هذا الموضوع، وهي رسائل من حقهن أن نذكر بعضها، لكني أعتذر لكم وأعتذر لهن سلفاً أن أختصر بعضاً من رسالة طويلة وردت إليّ من إحدى الفتيات، إنها تصور هذا الواقع التي تعيشه هذه الفتاة.
تقول: كيف يسهل لقلم مسلم أو مسلمة أن يكتب واقعاً مريراً مؤلماً لفتاة مسلمة؟ كيف يسهل لأقلامنا أن تكتب واقعاً هي متسببة فيه؟ اللهم ارزقنا الأقلام السيالة المجاهدة الداعية إليك بالحكمة والموعظة الحسنة.
أولاً: واقعها في المدرسة.
هي حائرة شاردة الذهن دائماً، من الطبيعي أن المسلمة كذلك وخاصة في هذا العصر الذي لا تجد فيه ما يبهج النفس، فهي لا تلام على حيرتها، ولكن الأمر الذي نلومها عليه والأدهى من ذلك هو في ماذا تفكّر؟ ولماذا الحيرة؟ من أجل أمتها؟ أم لها مكانة اجتماعية شغلت ذهنها؟ أم أنها تتأمل في ملكوت الله، أم ماذا؟ يا فتاة الإسلام للأسف لا هذا ولا ذاك، أخشى أن تُصعق يا أخي حينما تعلم الأمر الذي شغل فكر ابنة الإسلام، قبل أن تقرأه احمد الله تعالى على كل حال، وكأني بك وأنت تتخيلها وهي حائرة تفكر في عشيقها الذي كلمته البارحة، قد أتعبها وآلمها وحيّر عقلها غضبه منها.
وإليك هذه الواقعة التي حدثت معي شخصياً، والتي ربما لو سمعتها من غيري لما صدقت أن تصل فتاة الإسلام وأمل الأمة إلى هذه المرحلة من الانحطاط بينما نحن في حصة فراغ وإذا بي أرغب زميلاتي وكل واحدة منهن في واد لا تعلمه الأخرى، فهذه تسرّح شعرها، والأخرى تكتب واجبها، والثالثة قد تحلّق حولها معظم البنات وكأنهن قد جمعن على مائدة! نعم مائدة من اللحوم البشرية، وأختنا المفقودة لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، هي في واد آخر اقتربت منها فسلمت عليها فردت السلام باختصار شديد، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى وصلت إلى السؤال المقصود: ما سبب حيرتها؟ أجابت بالحرف الواحد: حرف
الجواب
! قلت: لماذا إنه سهل الكتابة؟ فضحكت ضحكة اتضح لي منها معنى السخرية وكأنها تقول: إنكِ جاهلة ولا تعرفين شيئاً ولستِ كالبنات، فقلت: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] وهنا تناديني زميلة أخرى من المقربات إلى صحابتنا لتسألني عن أمر ما، فقلت لها: ما بال فلانة؟ وأخبرتها الخبر فقالت: إنها تحب شاباً يسمى عبد الرحمن وقد حدث بينهما سوء تفاهم هذه الأيام، وهي على هذه الحالة من أسبوع.
لا أدري ما أسطّر وماذا أدع؟ واقع تعيشه فتاة الإسلام يكاد ينطق الصخور، ربما تتهمني بالمبالغة، لا تلام يا أخي، فكيف لك يا ابن الإسلام أن تصدّق واقعاً كهذا لمسلمة؟ لا ألومك فأنت لم ترهن وهن يتحدثن بكل بجاحة وسوء أدب وكأن أمراً لم يحدث، صدقني يا ابن الإسلام أن كلماتي تكاد تنطق من حرارتها حزناً لواقعنا الأليم، وكثيراً ما أرى وأسمع وأُعاصر حوادث ووقائع تؤيد ما أقول.
وأعتذر لكم لقراءة رسالتي كما وردت، أو لقراءة بعض العبارات كما وردت باللهجة العامية.
تنتقل أختنا لتصور صوراً من حوارها مع بعض الفتيات، وتحدثها إحداهن عن برنامجها تقول: أصل إلى البيت الساعة الواحدة ظهراً ثم أصلي الظهر.
كم تستغرقين؟ خمس دقائق.
ثم ماذا تفعلين؟ بصراحة أكلم خالد.
كم تستغرقين؟ نصف ساعة.
سؤال آخر: متى تنامين؟ والله أنوم الساعة الواحدة أو الثانية عشرة.
وتقومين الفجر؟ لا، سامحكِ الله أقوم متى كلمت محمداً.
من محمد؟ محمد عمرها حياتها يكفي.
الساعة كم؟ متى كلم الساعة الثانية أو الساعة الثالثة أستيقظ.
وتستيقظين ولا تتعبين؟ نعم أقوم، وإذا ما قمت له فلمن أقوم؟ وكم تستمرون في المكالمة؟ والله متى ما رغب أغلقت السماعة، وأغلب الأحيان على رغبتي ساعة بعد الفجر.
أين أهلكِ من هذا كله؟ ماذا تقولين؟ بعد أن أطلقت ضحكت عالية لفتت أنظار الجميع أهلي! أمي بعد العصر في زيارة، والوالد في العمل، وإخواني مع المعذرة لهذه العبارة وإخواني ألعن مني، وفي الليل نائمين.
وبعد ذلك انتهى بنا المطاف، وهنا قفزت أسئلة كثيرة إلى ذهني، ووددت لو سألتها ولكن أين هي؟ لقد ذهبت مع صاحبتها.
لا حول ولا قوة إلا بالله، أيعقل يا فتاة الإسلام أن يكون هذا يومكِ؟ وهكذا دوماً تسير حياتكِ؟ أين كتاب الله في قاموس حياتكِ؟ أين الأذكار النبوية؟ أين الدعاء والإلحاح على الله؟ أين المحافظة على الصلاة في وقتها والخشوع فيها؟ أين معاني الوحدة التي تربطنا بإخواننا؟ أين أين وأين يا فتاة الإسلام؟ آسفة يا أخي لقد أزعجتك وسمعك بهذا الواقع، ولكن هي الحقيقة، ولا بد أنك الآن شاخص العينين، مشدود الفكر في واقع أختنا والذي يعد واحداً من المئات، لا أدري ما شعورك الآن بعد قراءة هذه الكلمات من أفواه المسلمات؟ أما أنا فلم يعد في مقدوري المواصلة، وهنا يقف قلمي ليعلن استسلامه، وما بقي أكثر مما ذُكر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهنا انتهت هذه الرسالة.
هذه
стр. 1886
لماذا لا نعمل ؟
كثير من الناس يؤمن بضرورة العمل للدين والدعوة إلى الله، ويعتقد أن ذلك من الواجبات، لكن حين يجيء التطبيق تفاجأ بالتقاعس والتقصير، وذلك له أسبابه ومشكلاته، ولها حلول يمكن العمل بها لتفادي هذا القصور.
стр. 1887
مشكلة عدم العمل
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد.
فلماذا لا نعمل؟ يُقال: إن عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء، ونحن أحوج ما نكون في تفكيرنا إلى أن ننظر إلى الأمام دائماً، وهناك قضايا قد استقرت في أذهاننا وأذهان الناس، إعادة مناقشتها وتقريرها والتأكيد عليها أظن أنه رجوع إلى الوراء، اللهم إلا إذا كانت وصايا للتذكير وإعادة الحافز فهذا أمر نراه في كتاب الله كثيراً.
مشكلة تُطرح كثيراً ونُعاني منها في أوساط جيل الصحوة وشباب الصحوة، ذلكم أن قضية الدعوة إلى الله أظن أنها أصبحت قضية مُدركة عند الجميع، فالجميع يدرك وجوب الدعوة إلى الله في حقهم، ولا شك أن الدعوة إلى الله في حق شباب الصحوة وجيل الصحوة قد غدت فرض عين، وأننا يجب أن نبحث عن الأساليب والوسائل ويجب أن ندعو ونعمل، وهي قضية لا يجادل فيها شخص ولا يناقش، لكن حينما نقارن بين هذه القناعة الموجودة عند الشباب وبين أثرها الواقعي -أي: بين القناعة وبين العمل- سنجد المفارقة، سنجد أن المسافة شاسعة جداً بين أولئك الذين يقتنعون بضرورة الدعوة والعمل والمشاركة، وبين أولئك الذين يعملون، وحتى تدرك صدق هذه الدعوى فانظر إلى أي تجمع في أي مكان، كمدرسة فيها ثمانمائة طالب أو يزيدون ستجد فيها مثلاً عدداً من الشباب المتدينين الذين يشاركونك هذا الشعور، وكل واحد منهم يشعر بأن الدعوة إلى الله واجبة عليه، وأنه ينبغي أن يساهم فيها، لكن كم هم الذين يعملون من هؤلاء؟ ولو كان هؤلاء يعملون لرأيت أثرهم واضحاً ظاهراً في هذا التجمع الذي يعيشون فيه.
تجمع مثلاً في حي سكني، لو فتشت فيه عن أولئك الذين يقتنعون تمام الاقتناع ولا يخالجهم أي شك أو تردد في وجوب الدعوة إلى الله وضرورة المشاركة والعمل ثم قارنت بين حجم هؤلاء وبين عملهم ونتاجهم لوجدت أن المسافة شاسعة جداً.
من الطبيعي مثلاً أن تجد أناساً لا يعملون وهم يقتنعون، وقد لا تحصل مشكلة كبيرة عندما نجد اثنين أو ثلاثة بهذه الصفة، لكن حينما نجد أن المسافة واسعة إلى هذا الحد نشعر بهذه المشكلة، وأظن أننا جميعاً نشعر بهذه المشكلة، بدليل أننا نتساءل عن ذلك، وأنا أتوقع أنني سأجد اليوم من الأسئلة التي ترد إلي: أني شاب مقتنع بأني في الدعوة لكني لا أعمل، ما هو الحل في نظرك؟ فنحن نتساءل كثيراً، إذاً: نحن مقتنعون تماماً بهذه المشكلة، ويدفعنا شعور بضرورة حل هذه القضية، وبضرورة تحطيم هذه الحواجز التي تحول بيننا وبين العمل، فنتصور أن هذا الحل إنما يتم بإقناع الناس فيه بالدعوة، بإقناع الشباب بأهمية الدعوة، بإقناعهم بوجوب الدعوة إلى الله ، أنا أظن أن هذا رجوع إلى الوراء في التفكير.
يا أخي هؤلاء مقتنعون تماماً بأن الدعوة إلى الله في حقهم قد غدت واجبة، بأن المشاركة في حقهم قضية ينبغي أن لا يناقشوا فيها، لكن لا يعملون؟ إذاً: هناك مشكلة أخرى غير هذه القضية، فيجب أن نفكر لماذا نحن لا نعمل؟ لماذا الناس لا يعملون؟ تذكير الناس بأهمية الدعوة، تذكير الناس بوجوبها، تذكير الناس بالقضايا البدهية المستقرة عندهم أمر لا شك فيه والنفس تحتاج إليه، ولهذا يأتي التكرار كثيراً في القرآن والسنة، لكن حينما نتصور نحن أن مكمن الداء هنا ومكمن المشكلة هنا! فهذا يعني أننا كما قلت نرجع بالتفكير إلى الوراء يا أخي هذه قضية تجاوزناها، ويجب أن نقول للناس إننا تجاوزناها، وأنا أقول بصراحة لمن يحتاج إلى أنه تقنعه بضرورة الدعوة والمشاركة: أنا أقترح أن ندعه جانباً ونتجاوزه، والوقت لا يحتمل، ويجب أن يشعر أنا نقول له: إننا قد اتجهنا إلى الأمام والقضية التي تريد أن نخاطبك فيها قضية قد تجاوزناها نحن، ونحن الآن همنا ومشكلتنا في البحث عن الوسائل، في البحث عن المشكلات، في البحث عن قضية: لماذا هؤلاء لا يعملون؟ أما أن نقنعك بأن هذه قضية مطلوبة! فهذه قد صارت قضية الناس كلهم، ربما من مرحلة سابقة كانت قضية الدعوة والدعاة مصطلحاً للنخبة كما يُقال، يعني: كانت قضية تهم جيل الصحوة، أما الآن فحينما تقول: فلان داعية فهذه كلمة لا تحتاج إلى توضيح، ولا تحتاج إلى شرح عند عامة الناس، عند الجميع، ولم تعد قضية خاصة بجيل الصحوة.
إذاً أقول: إننا ونحن نريد من جيل الصحوة أن يعمل يجب أن نبحث عن مكمن الداء، وما هو أساس هذه المشكلة، وأنا أتصور أنه ليس أساس المشكلة هو أن هؤلاء يحتاجون إلى أن نقنعهم بالدعوة وضرورتها وفضائلها هذه قضية يمكن أن نذكرها من باب التذكير، من باب الحث مثلاً، عندما نشعر أن الهمم قد ضعفت وفترت، وهذا لا بد منه بين آونة وأخرى، أما أن نتصور أن هذه مكمن الداء وهذه المشكلة أنا أظن أنه رجوع بتفكير الناس إلى الوراء.
يجب أن نشعر أن هناك قضايا كثيرة نحن بحاجة أن نتطلع إليها، وأن نتحدث
стр. 1888
العوائق عن العمل
стр. 1889
العجز والكسل
من أول العوائق: العجز والكسل.
ولهذا النبي ﷺ كان يستعيذ بالله منهما يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال).
ومرجع بلاء الإنسان أصلاً كله إلى العجز والكسل فإن الإنسان الذي يمتنع عن إتيان عمل إما أن يكون غير قادر على أداء هذا العمل، وهذا هو العجز، أو أن يكون قادراً لكنه لا يريد أن يعمل وهذا هو الكسل.
والعجز والكسل هما مصدرا الهم والحزن أيضاً، فإن الهم والحزن قرينان، فالإنسان إن كان مصدر قلقه وألمه عن أمر مضى فهذا حزن، وإن كان مصدر قلقه عن أمر سيأتي فهذا هم، ومصدر الهم والحزن أصلاً يعود إلى العجز والكسل؛ لأن الإنسان مثلاً عندما يشعر بأن هناك شيئاً أمامه يمكن أن يواجهه ويعيش هماً وألماً وقلقاً فهذا في الواقع نتيجة عجز وكسل.
يا أخي هذا الذي سيأتي وتتوقعه إن كنت قادراً عليه فتخلص من همه واعمل، وإن كنت غير قادر فعلاً فسلم أمرك لله وفكر كيف تتعامل مع هذا الأمر الواقع؛ لأن هذا أمر واقع فرض نفسه فكيف تتعامل معه؟ والحزن كذلك، هذا أمر مضى فهل تستطيع أن تعالج آثاره، وتتخفف منه فاعمل وبادر، وإذا كنت لا تستطيع فسلم الأمر لله وفكّر فيما ينفعك، فالانشغال بالهم والحزن إنما هو صورة من صور العجز والكسل، ونتيجة للعجز والكسل.
والمقصود أن العجز والكسل هو الذي يعوق الإنسان عن مصالح دينه ومصالح دنياه، وكم يرى الإنسان أن هناك فرصاً كثيرة يمكن أن تتاح في أي ميدان من الميادين.
على كل حال لا أريد أن أطيل في هذه النقطة؛ لأن هذا الأمر ندركه في أنفسنا، وستأتي قضايا لها ارتباط بهذا الأمر.
стр. 1890
خوف الفشل
عائق ثان: خوف الفشل.
وهذه مشكلة خاصة في بداية الطريق عند أولئك الذين لا يعملون، هناك فئة من الناس يجيد أن يتصور الفشل، يا أخي أنت إذا أردت أن تعمل فلماذا تنظر نظرة سلبية؟ إذا كنت تريد أن تعمل فإن أمامك احتمالين: احتمال أن تنجح، واحتمال أن تفشل فلماذا تغلب احتمال أن تفشل؟ لماذا لا تفترض أنك ستنجح في العمل؟ والإنسان الذي يتصور الفشل في أي مشروع وأي عمل لا يمكن أن يعمل، وأعطيك نماذج من حياتك التي مرت عليك، فمثلاً: جميع الشباب الذي أمامي يدرسون وكثير منهم قد تجاوز المرحلة الثانوية، وعدد من الإخوان تجاوز المرحلة الجامعية، وربما يدرس دراسات ما بعد المرحلة الجامعية، كل واحد منكم وهو يسجّل في المرحلة الثانوية، أو وهو يدرس عنده احتمال واحتمال قوي أن يفشل، فلماذا لم يسيطر عليك هذا الاحتمال؟ ولم تتردد إطلاقاً في الدخول في هذا الميدان مثلاً حتى لا تفشل؟ وعندما تدخل الامتحان في أي مادة من المواد الصعبة يكون عندك احتمال كبير أن تفشل، فهل تغيب شخص يوماً من الأيام عن الامتحان، والسبب أنه خائف أن يفشل، وربما بعض الطلاب عنده احتمال النجاح بنسبة (١%)، يقول: يا أخي أنت ويش خسران، ادخل الامتحان ويمكن تفشل لكن افرض أنك فشلت فلا يضرك شيئاً، كثير من الطلاب قبل الامتحان يتخوفون كثيراً، ونسبة منهم عندما يرى الأسئلة يبدأ مؤشر النجاح يزيد عنده ومؤشر الفشل ينخفض، والبعض بالعكس، لكن ستجد نسبة كبيرة من هؤلاء عنده احتمال أن يفشل فعلاً، وبعد أن يطّلع على الأسئلة عنده احتمال فشل، وقبل النتيجة وهم في انتظار النتائج لا يزال عنده احتمال الفشل، والطلاب المتفوقون هم أكثر الناس خوفاً من الفشل؛ لأنه إذا كان الفشل بمقياسك هو الرسوب! فهو إذا حصل في هذه المادة على أقل من تقدير ممتاز فإنه يعتبر هذا فشلاً بالنسبة له، وهو من أكثر الناس هواجس، أنت ربما تعودت أن تأخذ بعض المواد في الدور الثاني أو تحملها معك إذا كنت في مرحلة جامعية وصارت القضية عندك سهلة، لكن هذا الطالب المتفوق من أكثر الناس خوفاً من الفشل المقصود أن هذه الآن تجربة مرت علينا جميعاً ولم تكن عائقاً لنا عن هذا العمل، مع أنه ربما يصل عندنا نسبة احتمال الفشل إلى نسبة كبيرة، ومر معنا مواقف في حياتنا الدراسية كنا نخاف فيها من الفشل ونجحنا واستطعنا أن نتجاوز هذه العقبة، وخذ كل الناس الذي يعملون في الحياة، أحياناً يأتي إعلان عن وظيفة، يقول لك: ليس عندنا إلا فرصة واحدة من خمسين واحد، أو مائة واحد، أو ثلاثمائة واحد! وما عنده مشكلة، فيتقدم ويدخل مقابلة شخصية ويقدم مؤهلاته ولو كان يشعر أن في هؤلاء كثيراً ممن يتفوقون عليه بالمؤهلات، لكن قدم واعمل ولن تخسر شيئاً.
وفي سنة من السنوات في مرحلة من المراحل كانت الفرص قليلة عندنا، وكنت أقول لكل طالب يأتي في المقابلة: إن نسبة قبولك واحد إلى عشرة، يعني: من كل عشرة متقدمين سوف نقبل واحداً، فيجب أن تضع هذا في ذهنك، ويدخل المقابلة وهو بهذا الشعور مع أنه يعرف كل شيء، أنت الآن معدلاتك أقل من معدلات غيرك، مؤهلاتك قدراتك؟ يقول لك: أنا أدخل مقابلة ولن أخسر شيئاً، يا أخي أنا مستغرب صراحة من الروح التي عند هؤلاء، فكل واحد من هؤلاء يدخل وهو يعرف أنه لن يُقبل إلا بنسبة عشرة بالمائة! ولهذا النبي ﷺ ذكر أنه سينحسر الفرات على جبل من ذهب سيقتتل الناس عليه وما يبقى إلا واحد، وكل واحد يقول: يمكن أن أكون أنا الواحد.
على كل حال أنا لو ضربت لكم أمثلة من حياتكم اليومية لطال بنا الوقت، لكن أظن أن الأمثلة التي ضربتها كافية، وكل واحد منا مرت عليه مواقف ولم يكن يوم من الأيام هاجس خوف الفشل عائقاً عن هذا العمل، خذ الناجحين في أي ميدان من الميادين في الحياة، مثلاً رجل تاجر، هل تتصور أن التجارة عامل مربح مائة بالمائة؟ لا يا أخي، هو عرضة لأن يفشل، ويمكن أن يفلس، وعرضة أن يدخل السجن لأجل مشكلة مالية، وقد يدخل صفقة كبيرة ممكن أن ينجح فيها ويحصل على أرباح طائلة وممكن أن يخسر فيها كل ما أنفق، ومع ذلك لا يعيقه هذا الاحتمال عن الدخول في الصفقة.
خذ أي إنسان ناجح في الحياة، فالكاتب قد يكتب كتاباً ويفشل، متحدث، خطيب، شاعر، أي شخصية تعجبك ضعها في ذهنك، واعلم أنها كانت عرضة للفشل، ولو كان يفكر بالعقلية التي تفكر بها لما أقدم على هذا العمل أبداً إذاً يا أخي هذه طبيعة الحياة كلها، والفشل احتمال لكل من يعمل، فلماذا يسيطر علينا وحدنا هاجس الفشل، بينما أصحاب المطامع الدنيوية ليس عندهم مشكلة، ولا يخافون الفشل، حتى المجرمين واللصوص عنده احتمال فشل بنسبة عالية، ومع ذلك لا يعوقهم هذا الأمر عن مواصلة مسيرتهم.
هذا مع أن قضية الفشل غير واردة عندنا أعني في الأمور الدعوية، افترض أنك قمت بأي عمل دعوي كأن تلقي موعظة، فأكبر مصيبة يمكن أن تحل عليك هي أن تقوم أمام الناس ثم يُغمى عليك، فافترض أن هذا قد حصل، فهل تعتبر هذا فشلاً؟ لا، ليس هو بفشل.
ويمكن أن تتكلم وتتلعثم وتخطئ لكنك ستقول شيئاً
стр. 1891
الخوف من تبعة الأخطاء
أمر ثالث: الخوف من تبعة الأخطاء: الشخص الأول يخاف أن يفشل والشخص الثاني يخاف من تبعة الأخطاء، يقول: إني أخاف أن أقع في خطأ فأتحمل تبعة هذا الخطأ، فهو مثلاً يخاف أن يتحدث مع الناس ويقول كلمة يزل بها فيأثم، أو يخاف أن ينكر على شخص بطريقة معينة فيتسبب في كرهه للمعروف، وصده عن الخير.
تعالوا مثلاً إلى الناس الذين كانوا في قمة النجاح بعد الأنبياء، وهم أصحاب الرسول ﷺ ، فقد مرت عليهم مواقف وقعوا فيها في أخطاء، ومع ذلك لم تكن عائقاً، مثلاً أسامة ﵁ عندما أراد أن يقتل رجلاً فلاذ منه ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قتله، وأتى أسامة فقال له النبي ﷺ : (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال: أشققت عن قلبه؟) حتى ضاق الأمر على أسامة وقال: (وددت أني أسلمت يومئذ) من ثقل الأمر عليه.
الآن أسامة وقع في خطأ بسبب الجهاد، فهل توقف أسامة عن الجهاد بعد ذلك؟ كلنا نعرف أنه لما مات الرسول ﷺ كان قد جهّز جيشاً يقوده أسامة مع أنه وقع في الخطأ، لو كان يفكّر بنفس العقلية التي نفكّر فيها كان على الأقل يقول: يا أخي أنا أعيش مع الناس لكن عندما أقود الجيش أي مسئولية كبيرة سأتحملها؟ لكن كان يشعر أن هذا خطأ وقع فيه، وانتهى والله يغفره، وفعلاً ما كان أصحاب رسول الله ﷺ ليصعدوا المنازل العالية وليرتقوا وهم يفكرون هذه الأفكار، أو يعيشون هذه الأوهام التي نعيشها.
خذ على سبيل المثال أيضاً: سرية أرسلها النبي ﷺ فقتلوا في الشهر الحرام، وأنزل الله فيهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧] ومع ذلك ما صدهم هذا ولا عرف أن واحداً من هؤلاء الذين قاتلوا في هذه السرية تخلف عن الجهاد حتى لا يقع في الخطأ نفسه، وهي مواقف كثيرة نراها في سيرة النبي ﷺ ، نرى بعض أصحاب النبي ﷺ يقعون في الخطأ بحكم الطبيعة البشرية؛ ومع ذلك لم يكن هذا الخطأ صاداً لهم عن أمرهم.
стр. 1892
تهويل الأمر أو تهوينه
أمر آخر: تهويل الأمر أو تهوينه.
هما نقيضان، أحياناً يهول إنسان أمراً فيصور أنه قضية صعبة جداً، وهذه قضية لا يطيقها إلا الناس الكبار، فمثلاً: عندما تذكر الدعوة يقول: الله المستعان! الدعوة تحتاج إلى إنسان يحمل العلم الشرعي، يجب أن يكون إنساناً حليماً، يجب أن يكون إنساناً شجاعاً، يجب أن يكون إنساناً وقوراً، يجب أن يكون له قيمته وكلمته عند الناس، يجب يجب يجب، ويذكر قائمة طويلة جداً من الأمور التي أجزم لك أنها لا يمكن أن توجد في أحد، لأن الناس بشر، فيمكن أن تجد إنساناً عنده علم لكنه إنسان سريع الغضب، أو تجد رجلاً حليماً لكن عنده قصور في العلم، أو عنده قصور في قدرته على الإقناع.
وأنت لو قرأت في تراجم السابقين لوجدت أن منهم من كان يغضب، ومنهم من كان فيه صفة أخرى وما كانت تنقص من قدره، وبقي إماماً ورجلاً مشهوراً، لا تزال الأمة تتغنى به وبما فعل.
أقول: أحياناً يصور للناس أن الدعوة قضية صعبة جداً لا يقوم بها إلا أناس يحملون مواصفات معينة، أو أنه يهوّن لك القضية ويعتبرها قضية تافهة، وكلاهما مما يعوق عن العمل.
стр. 1893
أوهام المستقبل
من العوائق أوهام المستقبل: بعض الناس يجيد تصور الأوهام، ويجيد وضع احتمالات السوء، فيقول: محتمل أن يقع كذا، وكذا، والإنسان الذي يعيش هذه الاحتمالات لا يمكن أن يصنع شيئاً، وربما كان هذا جزءاً من القضية التي أشرنا إليها قبل قليل وهي قضية الفشل، لكن هذا قد يطرح لك قضايا أخرى، ويبدأ الإنسان يتخوف من أي عامل، ومن أي مؤثر، ويبدأ يخلق أمام نفسه حواجز وأوهاماً عجيبة جداً، وأنت تجد هذا عندما تطرح أي مشروع على شخص، يقول لك: يا أخي يمكن أن يحدث كذا، ويمكن أن يقال لك كذا، ويمكن أن يفهمك الناس خطأ، ويمكن كذا إلى آخره.
نحن نقرأ كل يوم سير الأنبياء والمصلحين، فهل تتصور أنهم يعيشون على الأوهام التي نعيشها؟ فأنتم تقرءون في القرآن مثلاً مواقف إبراهيم وكيف بذل؟ وكيف دعا؟ وكيف تحمل؟ وكان يعرف هو أن الموقف الذي كان يقفه سيجد من ورائه تبعات.
وكذلك تقرأ قصة موسى في القرآن، وتقرأ قصة هود، وصالح، وغيرهم من الأنبياء دعنا من الأنبياء وانظر في قصة مؤمن آل فرعون، فلا شك أنه كان يتوقع أشياء كثيرة لكن مع ذلك قام بهذا الدور حتى قص الله علينا قصته في القرآن فصارت عبرة لمن جاء بعده.
تقرأ في القرآن مثلاً قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، وحين سمع رجل بهذه القضية جاء وقام بدوره وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢٢] وحصل له مشكلة حتى قتل، وأظن أن هذا لو كان يفكّر بالعقلية التي نفكّر فيها ما كان يمكن أن يقوم بأي دور ولا أي عمل.
стр. 1894
الورع الزائد
من العوائق الورع الزائد: أحياناً تقول: يا أخي قل كلمة، افعل هذا الأمر، فيقول لك: يا أخي الله المستعان، ما أنا بأهله، وهذا منطق عجيب! فهو جاد يرى أن من الورع أن لا يقول هذه الكلمة.
ذات مرة كان هناك طالب علم ورجل خيّر فقلت له: يا أخي أريدك أن تلقي كلمة أو محاضرة، فقال: لسنا أهلاً لهذا الأمر والله المستعان، قلت له: أنت الآن تدرس وتعلم طلاب العلم، وتقول كلاماً وتأخذ عليه أجراً فهل تورعت في يوم من الأيام وأنت تعلم العلم وتوقع عن رب العالمين وتدرس الناس العقيدة، أو تدرس الناس تفسير كلام الله ! إنك لم تفكر أبداً أنك تكون ممن قال في القرآن بما لا يعلم، ولا فكّرت يوماً من الأيام أنك تخشى أن تقول على الله بغير علم في العقيدة أو الفقه لأنك تأخذ أجراً على هذا العمل، لكن حين تلقي موعظة على الناس تحسب ألف حساب وتتخيل أن هذا من الورع، إنها المفارقات عجيبة! ومنطق عجيب جداً! دعنا من هذا، فيمكن أن أعطيك سؤالاً آخر: أنت الآن تورعت عن أن تتكلم لكن أليس هناك باباً آخر في الورع؟ ألا تتورع عن السكوت؟ قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فبدأ بقول الخير، إذاً فأنت قل خيراً أو اصمت، لكن حينما تشعر أنك قادر أن تقول الخير فإنك يجب أن تقوله.
أنت تتصور الآن أن من الورع أن تسكت، وأن لا تتكلم لكن يا أخي أليس من الورع أن تتكلم؟ وما فكّرت يوماً من الأيام أنك حين تهم بالسكوت، أو تهم بالقعود عن العمل أن الورع يدفعك إلى العمل، وأنك ترى أن من ورعك أن تعمل، لأنك عندما تفكر تجد أن هذا كلام لا بد منه، لأني عندما أعرف ما عند الناس من فساد، وأعرف حاجة الناس إلى ما عندي، وترددت بين أمرين: إما أن أسكت ولا أعمل شيئاً ورعاً، وإما أن أجتهد وأبذل السبب وأعمل ولو وقعت في خطأ ووقفت بين يدي الله أقول له: يا ربي ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقد أتيت بما في وسعي واجتهدت، والله يغفر للإنسان: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران).
وهذي ليست قضية خاصة بالحاكم، فكل إنسان اجتهد في ميدان بذل وسعه وخطا خطوة وكانت خطوة غير صائبة فهو مثاب على ذلك، وإن أصاب فله أجران! الأنبياء هم أئمة الورع وهم الذين قص الله قصصهم في القرآن، هل تورع واحد منهم في يوم من الأيام عن النصح، وأخبرنا الله ﵎ في كتابه أنه أخذ الميثاق على الذين آتاهم الكتاب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٨٧] وأنتم كلكم أوتيتم الكتاب، فأنتم تقرءون القرآن، وعدد منكم يحفظ القرآن أو يحفظ أجزاء من القرآن، أو على الأقل القضية الذي نريد القيام قد أوتيها من الكتاب، فهو يعلمها ويعلم حكمها، إذاً فقد أُخذ عليك الميثاق أن تبين للناس، وأن لا تكتم ما عندك، فلا مجال للورع في هذا الأمر.
أفلا تشعر أنه قد أُخذ عليك ميثاق غليظ؟ ألا تشعر أن من الورع أن تتورع عن كتم هذا الأمر، وقد قال النبي ﷺ : (من كتم علماً أوتيه أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار)؟ أم تتصور أن هذا الخطاب خاص بالعلماء؟ لماذا أنت تتورع أن تقول ما لا تعلم، أو تخشى أن تكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : (كنت آمركم بالخير ولا آتيه) لكن لم تفكر في يوم من الأيام أنه يمكن أن ينطبق عليك: (أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار)، والله يقول في كتابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].
وهذه الآية ليست خطاباً لفئة خاصة من الناس، بل كل إنسان يعلم شيئاً أنزله الله للناس ثم كتمه مستحق لهذا الوعيد، فلماذا لا تتورع عن أن تنزل عليك لعنة الله، وأن يلعنك اللاعنون؟ فالذي يتصور أن من تمام الورع أن لا يقول كلمة، من تمام الورع أن لا يأمر بمعروف، من تمام الورع أن لا ينهى عن المنكر، من تمام الورع أن يغلق عليه بابه، وأن يعيش لوحده ويقول: أشغل نفسي بالعبادة والدعوة سيقوم بها غيري نقول له: لا يا أخي! الورع الحقيقي أن تتورع عن السكوت، أن تتورع عن عدم العمل ولا شك أننا لا ندعو الناس إلى أن يتهوروا، ولا ندعو الإنسان أن يقول ما لا يعلم، وأن يتصدى لما لم يتأهل له، لكن على الأقل الورع له ضوابط معينة، وكما يكون في الفعل فهو أيضاً في الترك، فكما أنك تتورع عن فعل شيء يجب أن تتورع عن ترك أمر هو واجب عليك.
стр. 1895
الانشغال بالأمور المفضولة
من المعوقات الانشغال بالأمور المفضولة: أحياناً يشغل الإنسان نفسه بأمور خيّرة وهي أمور مشروعة، لكنها أمور مفضولة، وقضية التفاضل قضية نسبية بين الناس، وأضرب لكم مثالاً تقيسون عليه: كلكم سمعتم وتسمعون لعدد من العلماء والدعاة والمتحدثين وقرأتم وتقرءون لكثير من المتحدثين وتدينون بالفضل لكثير من هؤلاء، وتعرفون أنكم استفدتم فائدة كبيرة من هؤلاء، أفلا تتصورون أن هذا العالم الذي سمعتم منه أو الكاتب الذي قرأتم له كان يود لو تفرغ للقراءة حتى يستفيد أكثر وهو من أكثر الناس شعوراً بالحاجة للعلم لأن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد علماً بحاجته للعلم، وازداد علماً بجهله، فلو كان العالم يفكر هذا التفكير لقال: أنا سأجلس وأتفرغ للتعلم فهذا خير لي.
فنقول: نعم التعلم أمر فاضل، لكن حينما تنشغل بتحصيلك الذاتي عن تعليمك للناس، عن الإفتاء، عن القضاء بين الناس، عن التدريس، عن التأليف فقد انشغلت بمفضول عن فاضل، وهكذا قس على ذلك أموراً كثيرة، فبعض الناس مشتغل بأعمال من أعمال الخير عن هذه القضايا، وعندما تخاطبه يقول لك: أنا منشغل بكذا وكذا! وهذا صحيح لكن -يا أخي- هناك ميادين هي أولى من ذلك! دعني أضرب لك مثالاً افترض شخصاً من الناس تقتدي به الأمة ولو ذهبت إلى أي ميدان من الميادين ستجد اسم هذا الشخص معروفاً وخيره قد عم الجميع، فلو تصورت أنه تفرغ لأن يتتبع أحوال اليتامى وينفق عليهم، وقد قال الرسول ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) فأيهما أولى وأيهما أفضل بالنسبة لهذا الشخص: أن ينفق على الأيتام أم أن يخرج حتى يعلم الناس فيهتدي الكثير بسبب دعوته؟ إنه لو تفرغ للإنفاق على الأيتام عن الدعوة والتعليم لكان قد انشغل بعمل مفضول عن عمل فاضل.
والقضية قضية نسبية، فقد يكون الأفضل لك أن تنفق على الأيتام، والأفضل لفلان أن يفعل كذا، والأفضل لفلان أن يفعل كذا المقصود أننا يجب أن نفقه مراتب الأعمال، والشيطان من وسائله في إضلال الناس أن يُشغل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، فلابد أن نفقه مراتب الأعمال، وألا يتصور كل واحد منا أنه مجرد أن يعمل عملاً مفيداً أن هذا كاف بل يجب أن يفكر: هل هذا هو أفضل عمل يمكن أن يعمله أو لا؟
следующие страницы →