Полный текст (1 904 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
معنى السير في قوله تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا)
السؤال
قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل:٦٩] هل السير هنا هو السياحة المعروفة أم البحث عن جديد أم ماذا؟ ثم هل هذا السير واجب أو مستحب؟
الجواب
لا، ليس المقصود مجرد أن يسافر الإنسان، لكن المقصود: التأمل والتمعن، فإذا كان لا يتم ذلك إلا بالسير فإن الإنسان يسير في الأرض، فالمقصود: أن آيات هؤلاء باقية ظاهره في الأرض؛ فإذا مر الإنسان رأى تلك البلد التي كان فيها أولئك الذين عذبوا وأهلكوا.
стр. 282
الحل لانحطاط الأمة وتقهقرها
السؤال
ماذا نفعل والأمة تمشي إلى الانحطاط في إعلامها وفي تجارتها وفي جميع معاملتها؛ ما هو الدور الذي نقوم به في هذه الظروف التي تمر بها الأمة؟
الجواب
هذا هو الذي تحدثنا عنه سابقاً، وهو أن نحقق التغيير، وأن نسعى إلى إقناع الأمة أنها يجب أن تحقق التغيير في أنفسها حتى يتغير ما بها.
стр. 283
الاهتمام بالدعوة في المناطق النائية
السؤال
ما موقفنا من الدعوة إلى الله في القرى وبالأخص المناطق النائية والتي يقل فيها طلاب العلم؟ وما موقف أهل العلم من المشايخ والدعاة من ذلك؟ وبماذا تنصحون الجميع؟
الجواب
أولاً: لا يصح أن نقصر الدعوة على تلك المناطق النائية، فالدعوة تحتاج إلى كل مجتمعات المسلمين، ولا يجوز أن يهمل جانب لحساب جانب آخر.
هذا أمر.
الأمر الثاني: أن من أهم الأدوار: أن يذهب إليها أناس يستقرون فيهان وهذا أفضل من الزيارات العاجلة القاصرة، بحيث إنه يحتسب مثلاً أحد الشباب ويتعين في التدريس أو الوظيفة أو العمل هناك ويبقى، ويكون له نشاط ومشاركة، ولا شك أن التجارب تثبت أن هؤلاء يكون لهم خير وفضل كثير بإذن الله.
وهذا لا يعني: أن الزيارات المتكررة المتقطعة ليس لها قيمة ولا أهمية، لكن لا شك أن الاستقرار والبقاء يترك أثراً أكبر وأعظم بإذن الله؛ لأن هذا الأستاذ أو طالب العلم إذا ذهب هناك وصار له دروس وصار له نشاط سيكون له تلاميذ من أهل البلد، فيتعلمون العلم ويحرصون عليه ويتربون، وينشأ من أهل تلك القرى وأهل تلك البقاع جيل يساهم في التغيير والإصلاح من أهل البلد نفسها، ولا يصبح هؤلاء عالة ينتظرون غيرهم.
نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لطاعته إنه سميع قريب مجيب، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 284
إنهم فتية آمنوا بربهم
ذكر الله تعالى في القرآن كثيراً من القصص التي تحمل الدروس الكثيرة والعظات الجميلة، ومن ذلك قصة أهل الكهف الذين فارقوا قومهم وأووا إلى الكهف فناموا فيه مئات السنين، وهي مليئة بالعبر التي يجب أن يستفيد منها كل داعية.
стр. 285
فضيلة سورة الكهف واشتمالها على الدروس والعبر
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فعنوان هذه المحاضرة: إنهم فتية آمنوا بربهم.
وخير ما عمرت به خير البيوت -المساجد- ذكر الله ، وأن تعمر بتلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وتدارسه: (فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يذكرهم ﵎ فيمن عنده إنه سميع مجيب.
هذه السورة العظيمة سورة يرددها المسلم ويقرؤها كل أسبوع، وهذا يعني أن فيها كثيراً من المعاني التي يحتاج الناس إلى تكرارها وإلى إعادتها، إننا دون أن نخوض في جدل وتساؤل عن الحكمة وراء تكرار هذه السورة وقراءتها كل جمعة دون أن نصل إلى إجابة لهذا السؤال فإننا نوقن أنه لم يؤمر بتكرار هذه الآيات وقراءتها إلا أن فيها معاني يحتاج الناس إلى أن يتذكروها، وأن يذكروا بها، وأن يتدبروها، وألا تغيب عنهم، هذه السورة العظيمة سميت بهذا الاسم: سورة الكهف، لأن فيها قصة هؤلاء الفتية الذين شهد الله لهم بالإيمان، وأثنى عليهم ﵎.
وهذا الحديث الليلة ليس تفسيراً لهذه الآيات، فلست مختصاً بهذا العلم وهذا الميدان الذي له رجاله وفرسانه، إنما هو وقفات وإشارات لبعض الدروس والعبر التي ينبغي أن نستفيدها من هذه القصة، وبين يدي الحديث حول هذا الموضوع أرى أننا بحاجة إلى أن نؤكد على هذا المعنى التربوي الذي يرد كثيراً في كتاب الله ، ونرى أن اهتمامنا به وعنايتنا به لا يتناسب مع المكانة التي أولاها القرآن إياه، فالقرآن الكريم مليء بالقصص، والله ﵎ أخبر أنه يقص علينا أحسن القصص في هذا الكتاب، وأمر نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وأخبر ﵎ أن في قصص الأنبياء عبرة لأولي الألباب، وأنه حديث صدق وحق: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] نعم؛ لأن القصص يدخل فيها الأساطير والخرافات والأقاويل، أما كلام الله فيتنزه عن ذلك.
إن هذا القرآن الذي هو كلام الله ﵎ أنزله الله على عباده من فوق سبع سموات حين يكون مليئاً بالقصص والإشارة إليها والتعقيب عليها، فإن هذا يعطي المربين درساً مهماً في شأن القصة وأهميتها في التربية، وحين ندرك هذا المعنى نرى أننا نهمل شأن القصة أو أننا لا نعتني بها كما ينبغي، وأولى القصص التي ينبغي أن نعتني بها؛ هي ما جاء في كتاب الله وما قصه الله ﵎ في كتابه، وهو دليل على أهمية هذا الموضوع وعلو شأنه.
إن كل واحد منكم يستطيع أن يطرح تساؤلاً حول موضوع يختار للحديث عنه، وقد يرى أن هذا الموضوع ليس ذا بال وليس ذا أهمية، ومن حقه أن يرى هذا الرأي، وأن يرى أن غيره أولى منه، لكن أن يقول امرؤ: إن قصة جاءت في كتاب الله أو قصها النبي ﷺ ليست ذا بال فهذا أمر لا يمكن أن يجرؤ عليه مسلم ولا يقوله، وهي قضية لا مجال فيها للنقاش والجدل.
قصة جاءت في كتاب الله، تعني أننا بحاجة إلى أن نتدبرها، وأن نقف عند معانيها، وأن نقيس حالنا بحال أولئك الذين قص الله علينا شأنهم، قصة قصها علينا النبي ﷺ تعني أن لها شأناً ولها قيمة، فهي قضية تتجاوز مجرد الحديث التاريخي البحت الذي يعنى بتسطير الأخبار والروايات والأحداث، وحين نقرأ في كتاب الله ونحلل أساليب عرض القصة نرى أن القصة لا تأتي قصة مجردة تحكي أحداثاً إنما تأتي القصة وفي ثناياها الإشارة إلى العبر والعظات والدروس المهمة التي ينبغي على الناس أن يعوها.
ولهذا فحديثي سيكون عبارة عن جملة من الوقفات لا يجمعها جامع إلا أنها وقفات حول هذه القصة العظيمة التي جاءت في كتاب الله .
стр. 286
الشباب هم من يحمل الدعوة
أول قضية تستوقفنا حول هذه القصة: أنهم كما أخبر الله فتية، فقال الله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقال : ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]، ولا شك أن هذا الوصف وهذه الكلمة لم تأت اعتباطاً كقضية تاريخية، يعني: أنت حينما تكتب مثلاً قصة تقول: كان محمد أباً لأسرة فقيرة إلى آخره فاسم محمد هذا لا يعني شيئاً بالنسبة للكاتب ولا يعني دلالة، وحينما يقول: كان شاباً كان شيخاً طاعناً في السن فربما لا يعني دلالة حتى عند صاحب القصة؛ لكن كلام الله لا يمكن أن تأتي فيه كلمة عبثاً، فحينما يأتي وصف هؤلاء بأنهم فتية في موضعين والقصة أجملت أولاً في ثلاث آيات، ثم فصلت: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:٩ - ١٢] بعد هذا الإجمال قال الله ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
إذاً: هذه الكلمة لا تأتي عبثاً، ولا تأتي مجرد وصف لا قيمة له، فماذا يعني وصف هؤلاء بأنهم فتية؟ يعني: دلالات عدة، أول هذه الدلالات: هي سنة الله في هذه الدعوة، وهي دعوة التوحيد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]، فهذه أمة واحدة بدءاً بنوح وإلى أن تختم بالطائفة المنصورة إذ ينزل عيسى مجدداً وحاكماً بشريعة محمد ﷺ ، فهي أمة واحدة ودعوة واحدة.
وجاء هذا التعقيب وهذا الوصف بعد ذكر قصص الأنبياء في سورة الأنبياء، بعد أن ذكر الله نوحاً ولوطاً وزكريا وإلياس وسائر الأنبياء أخبر أنها أمة واحدة، وكما قال النبي ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات)، فهي سنة أن يكون أتباع هذه الدعوات هم من الشباب، وهذا النموذج أمامنا مجتمع يعج بالكفر والشرك بالله يستفيق فيه هؤلاء الفتية وهؤلاء الشباب، ولهذا قال قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] هم أولئك الفئات السذج بسطاء الرأي الذين يتبعون كل ناعق.
وقال الله عن أتباع موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣] فهم ذرية، فأقران موسى ليسوا من الذين آمنوا بموسى، بل الذين آمنوا به الذرية، واستنبط ابن كثير ﵀ من هذه الآية قال: يخبر الله أنه لم يؤمن لموسى إلا فئة قليلة من قومه وهم الشباب، وكذلك أتباع الأنبياء.
وفي قصة أصحاب الأخدود أخبر النبي ﷺ : أن هذا الحدث وتلك القضية كانت على يد هذا الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره، وحين جاء النبي ﷺ أصبحت سيرته خير شاهد على ذلك، فالعشرة المبشرون بالجنة وهم من أوائل الذين دخلوا في الإسلام كان خمسة منهم دون العشرين في أعمارهم، ويعجب القارئ بهذه السير: كيف يصل هؤلاء إلى هذه المنزلة وكانوا لا يزالون في ريعان شبابهم، وربما كان بعضهم ليس في وجهه شعرة واحدة، وكثير من أوائل السابقين الذين اتبعوا النبي ﷺ وثبتوا على الإسلام في مكة كانوا من هذه الطبقة من الشباب: سعد بن أبي وقاص والزبير بين العوام وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت والأرقم بن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود ﵃ وغيرهم كثير، بل أول من أسلم من أهل المدينة والأنصار وأول من يحفظ إسلامه كان غلاماً صغيراً وهو إياس بن معاذ، قدم مع قومه، فرآه النبي ﷺ وهم يطلبون الحلف فقال: (ألا أدلكم على خير مما جئتم إليه؟ فدعاهم إلى الإسلام، فتكلم هذا الغلام وقال: هذا والله خير مما جئنا إليه) فزجره أحدهم، ثم قال: فكانوا يسمعونه يسبح ويهلل فما كانوا يشكون أنه مات مسلماً.
وحين جاء أولئك الذين اتبعوا مصعب ﵁ إلى بيعة العقبة واجتمعوا مع النبي ﷺ ، وجاء العباس وهو على دين قومه يطمئن على صدق هؤلاء الذين سينتقل
стр. 287
درس في القدوة
وكونهم أيضاً شباباً وفتية يعطي درساً مهماً وتساؤلاً مهماً نطرحه اليوم ونحن نعيش أزمة في عالم الشباب الذين يتعلقون اليوم بالأمجاد والبطولات الزائفة والبطولات الزائفة التي يصنعها الأعداء، أو تكون نتاج إغراق الأمة في لهو وعبث فارغ، لا يعدو أن يفرغ قضية الأمة الكبرى والأساس من مضمونها ليخرج جيلاً إنما تتعلق البطولة والأمجاد لديه بتوافه الأمور، أليس الشباب اليوم في العالم الإسلامي وهم يعيشون هذه الأزمة أحوج أن يبرز أمامهم هذا النموذج وهذا البديل؟ ويتساءل المسلم اليوم بمرارة وأسى: أيعرف شباب المسلمين اليوم عن شأن أهل الكهف، وعن شأن أصحاب الأخدود، وعن شأن الشباب من أصحاب النبي ﷺ كما يعرفون عن أهل الفن واللهو والعبث الباطل الزائل؟ إن الإجابة على هذا التساؤل إجابة مُرَّة، وهي تطرح مطلباً ملحاً لكل من ولاه الله مسئولية في تربية وتوجيه الأمة أجمع أن الأمة اليوم والشباب بوجه أخص يعانون من أزمة قدوة، وها هو البديل إن كنا جادين وصادقين، فلماذا لا تبرز هذه النماذج للشباب على أنهم هم المثل الأعلى؟ إذا كان الشباب يبحثون عن البطولات والإنجاز والأمجاد فها هو إنجاز أولئك الشباب ومجدهم الذي يستعلون على شهواتهم وعلى رغبات الدنيا، ويستعلون على الفتن التي تأتيهم من هنا وهناك فيعلنون إيمانهم بالله : ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٤ - ١٥].
وأي مجد -أيها الشباب- وشأن أعلى من أن يتعلق الشباب بالمثل العليا؟ أن يتعلق الشباب بالقضية الكبرى التي خلقوا من أجلها؟ وألا تصرفهم الفتن والصوارف ويثبتوا أمامها في سبيل قضية كبرى، أيقارن هذا المجد بأمجاد الدنيا الزائفة التي يتطلع إليها الشباب اليوم؟ واسأل شباب الأمة اليوم عن قدوتهم، عن مثلهم الأعلى، عن الشخصية التي يتمنون أن يصلوا إليها، عن أمنيتهم في الحياة لتدرك المرارة والأسى وتدرك الحاجة الملحة إلى مثل هذا النموذج الذي لا يتطرق إليه الشك ولا الكذب، إنه نموذج يعرضه أمامنا كتاب الله .
ثالثاً: ارتباط هذه القضية بالشباب تعطي الشاب الذي يعيش اليوم غربة ثقة بنفسه وثقة بطريقه، ويشعر اليوم وهو يرى ربما أنه يسير على طريق يخالفه الناس من هنا وهناك يشعر أن له امتداداً بعيداً يتجاوز هذه الحقبة الزمنية التي يعيشها؛ ليدخل ضمن هذه الدائرة الشباب الصادقون من سلف الأمة، والشباب الصادقون من أتباع النبي ﷺ ، بل يتجاوز تاريخ الأمة المحمدية ليشمل تاريخ تلك الأمم الموحدة منذ أن أهبط الله آدم إلى أن تقوم الساعة، فيشعر الشاب حينئذ بالاعتزاز وهو ينتمي إلى هذا المنهج، ويرى أنه لا يعيش غربة، وأنه لا يعيش حالة شاذة، وإن بدا من خلال النظرة القريبة العاجلة التي يعيشها وينظر إليها اليوم غريباً شاذاً، إنه حين يقرأ كتاب الله ويرى هذا النموذج البعيد على تلك القرون المتطاولة على مدى التاريخ فيرى أن له إخوة ساروا على الطريق نفسه، لا شك أن هذا يدعوه إلى الثبات والثقة بالطريق الذي هو عليه، ولسان حاله وهو يقرأ هذه النماذج أن يقول: لست وحدك في الميدان ولست وحدك على الطريق، وإن أصابك ما أصابك ورأيت ما رأيت فاصبر فإنه طريق طويل، إنه طريق يتجاوز مدى الزمان، ويتساءل: أين الشباب العابثون اللاهون التائهون الذين متعوا أنفسهم بالشهوات؟ أو أين أولئك الشباب الذين لم يستطيعوا أن يتجاوزوا أسر عصرهم وزمانهم، أين هم على مدى التاريخ؟ وماذا حفظ التاريخ عنهم؟ أما أهل الكهف فهاهم على مدى التاريخ يتحدث الناس ويتساءلون عنهم وعن أسمائهم، وعن اسم ذاك الكلب الذي صحبهم، أين الكهف الذي عاشوا فيه؟ إلى آخر تلك التساؤلات، وإن كانت طائفة من هذه التساؤلات تساؤلات غير جادة، إلا أن هذا يعني أن أولئك حفظ شأنهم وبقي شأنهم وبقيت قيمتهم، وما عند الله لهؤلاء ولغيرهم من المؤمنين الصادقين أعلى وأتم من هذا الذكر الذي بقي في الدنيا.
وهو أيضاً يعني قضية أخرى مهمة: أن الإيمان والدين يرفع المرء مراتب، ويتجاوز الاعتبارات التي يضعها الناس لدنياهم، فهذه فئة من الشباب خالفوا قومهم وشذوا عن منطق قومهم وما هم عليه، فذهبوا وأووا إلى غار فباتوا فيه مدة طويلة ثم بعد ذلك ماتوا، فماذا يعني ذلك؟ لقد أعلى الله شأنهم، وأثنى عليهم، وشهد لهم بالإيمان وزيادة الهدى.
فهكذا الإيمان والصلة بالله ، إنها تتجاوز كل الاعتبارات التي يعليها الناس اليوم من الجاه والنسب والمال وسائر المطامع التي يسعى إليها الناس، تتجاوز ذلك كله لتبقى هي الرصيد الذي لا يزول ولا يفنى.
стр. 288
لمز المشركين الذين لم يؤمنوا
درس آخر ووقفة أخرى: الله ﵎ قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، بدأ بهذا المعنى، وهذا فيه إشارة وإيماء ولمز بالمشركين الذين لم يؤمنوا، وجاءوا يتساءلون عن شأن أهل الكهف: ما شأنهم؟ حدثنا عن فتية كانوا في غابر الزمان، فجاءت أول إشارة لهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣]، وأنتم ما شأنكم وقد كفرتم بربكم؟
стр. 289
الإيمان والعمل الصالح سبب للهداية والتوفيق
وقفة أخرى: الله قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وهي قضية مهمة كثيراً ما يشير إليها القرآن، وقد نغفل عنها، وهي أن الإيمان والعمل الصالح سبب للهداية والتوفيق، يقول ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٤]، وفي قراءة: (قاتلوا في سبيل الله)، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦].
إذاً: أيها الإخوة، فالهداية والتوفيق من الله لها أسباب، ومن أعظم أسباب الهداية والتوفيق: اجتهاد المرء في العمل الصالح والإيمان وتقوى الله ﵎؛ فقال الله : ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
стр. 290
قلوب العباد بيد الله
أيضاً: معنى آخر نحن أحوج ما نكون إليه اليوم في هذا العصر الذي أصبحنا نرى الناس يتهاوون صرعى على جنبات الطريق ذات اليمين وذات الشمال ويكيدون ويضلون عافانا الله وإياكم، والحديث اليوم الذي يسيطر على كثير من الشباب الصالحين الأخيار هو السؤال عن الثبات والهداية، وتأتي الإجابة هنا: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤].
فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، والأمر أولاً وآخراً بيد الله ﵎ مقلب القلوب، فالثبات بإذن الله والتوفيق والربط على القلوب إنما هو بيد الله ، وقد جعل الله ﵎ لذلك أسباباً، فحين يشعر الشاب اليوم أن الفتن قد بدأت تتناوشه ذات اليمين وذات الشمال، ويشعر بالخطر والخوف على إيمانه فعليه أن يدرك أن الله هو الذي يربط على قلوب المؤمنين الصادقين حين يفعلون السبب: آمنوا بالله وزادهم هدى، وربط على قلوبهم إذ قاموا فقالوا، قالوها صريحة: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٤ - ١٥].
فلا يخشى الشاب حين يؤمن بالله ويصدق مع الله ، بل يوقن بأن الله سيثبته ويعينه ويربط على قلبه.
стр. 291
دعوة التوحيد هي دعوة جميع الأنبياء
وقفة أخرى أيضاً: يقول الله عنهم: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤].
فذكر هؤلاء توحيد الربوبية والألوهية: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] إنها دعوة واحدة وهي دعوة جميع الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وما أرسل الله من رسول إلا أوحى إليه ﵎ بهذه الكلمة؛ أوحى إليه: إني لا إله إلا أنا فاعبدون، وكما قال ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات).
فقضية التوحيد هي قضية الأنبياء، هي قضية الأنبياء منذ آدم ونوح وهود وصالح، فكل هؤلاء ومن تلاهم ومن لم يقص الله علينا شأنهم كانت مقولتهم لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ [الأعراف:٥٩]، وهي أيضاً مقولة أهل الكهف الذين آمنوا بالله وزادهم هدى.
والتوحيد الذي يأخذ هذا القدر وهذه القيمة هو التوحيد بمفهومه الواسع، لا بالمفهوم الضيق الذي يحصره كثير من الناس في قضايا معرفية بحتة، إن كثيراً من المسلمين اليوم يشعرون أنه من الخلل بالتوحيد أن يقول أحدهم: ما شاء الله وشئت، أو أن يقول: لولا الله وفلان، ونعم، هذه أمور ينبغي أن يحذر منها الناس، وأبواب الشرك الأصغر والأكبر ينبغي أن يحذر منها الناس ويعوها، لكن أولئك الذين يحذرون من قول: ما شاء الله وشئت قد يقول أحدهم في الثناء على مخلوق بلسان الحال لا بلسان المقال: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار إن أهل التوحيد لا يليق أبداً أن يكون في قلوبهم تعظيم لغير الله ، إن أهل التوحيد لا ينبغي أن تمتلئ قلوبهم إلا بالتوجسه لله ﵎، وأولئك الذين تعلقوا بالدنيا وتعلقوا بالشهوات وصارت هي الحاكم الأول لكل ما يريدون، أولئك الذين صارت الدنيا هي كل شيء لديهم ينبغي أن يراجعوا توحيدهم، إنهم لو عظموا الله ووحدوا الله وامتلأت قلوبهم بتوحيد الله ﵎ وتعظيمه لما تجرءوا على ذلك.
وأولئك الذين يتجرءون على شرع الله فيحرم الله أمراً تحريماً صريحاً واضحاً فيتجرأ أولئك على إباحته على رءوس الأشهاد، أولئك ما قدروا الله حق قدره، وما وحدوا الله حق توحيده، وأولئك الذين يتجرءون على مقام الألوهية فيشرعون ما لم يأذن به الله، أولئك قد طعنوا في توحيدهم، وقد جعل الله هاتين القضيتين قرينتان: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فقضية العبادة لا يتقرب بها المسلم إلا إلى الله ، وكما أنه لا يصلى ولا يسجد إلا لله فلا يحكم إلا شرع الله ﵎، والفصل بينهما خلل في قضية التوحيد، إذاً فكانت قضية التوحيد هي قضية هؤلاء.
стр. 292
عظم شأن الدعاء في التوحيد
جانب آخر أيضاً له أهميته: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]، وهو عظم شأن الدعاء في التوحيد، وقد سماه الله عبادة، فإبراهيم ﵇ يقول: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، فسماه الله عبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
وقال ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، لماذا كان الدعاء هو العبادة؟ ولماذا صار الدعاء قرين التوحيد؟
و
الجواب
إن الدعاء يعني توجه القلب لهذا الذي يدعوه المرء، فحين يدعو المرء غير الله فهذا يعني: أنه يرجو غير الله، يعني: أنه يعظم غير الله ، يعني: أنه يشعر أن قضيته بيد فلان أو فلان، أما أولئك الذين يخلصون دعاءهم لله ﵎ فأولئك لا يرون لبشر عليهم فضلاً، ولا يرون لبشر عليهم منة، ولا يرجون من بشر نوالاً، ولا يخافون من بشر، وقد قال ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).
стр. 293
أهمية الدليل والبرهان
جانب آخر ووقفة أخرى: يقول هؤلاء: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥]، الدليل والحجة والبرهان منطق مهم ينبغي دائماً أن يحكم ما نقوله في كل قضية، والحق أبلج والباطل لجلج، إن أولئك الذين يستخدمون أسلوب الإثارة والتهويل وإصدار الأحكام الجاهزة أولئك يفرون من منطق الحجة والبرهان، ولا يخشى الدليل ولا الحجة ولا البرهان ولا الحوار إلا أولئك الذين لا يملكون ما يقدمون، ولا يستطيعون أن يقنعوا الناس بقضيتهم ودعوتهم، أما أهل الحق فلا يخشون من ذلك، بل إن الله دعا أولئك الذين تجرءوا على الشرك فقال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]، ودعا أولئك الذين نسبوا الولد إلى الله أن يأتوا ببرهان أو حجة، ونعى ﵎ على أولئك الذين يسيرون ويتبعون كل ناعق، وما جاء التقليد في القرآن إلا في موضع الذم والنهي، بل جاء التشبيه البليغ لأولئك الذين يسيرون خلف كل ناعق فقال الله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٧١]، كمثل الراعي حينما يسير بغنمه فهو ينعق بها ويصيح بها، فالغنم تسمع صوت الراعي لكن لا تفقه ما يقول، تسمع دعاء ونداء يدعوها فتسير وراءه وتمشي وراءه، ولا يسوغ أبداً أن نتربى على أن نكون قطيعاً نسير وراء كل ناعق، وأن تتربى الأمة على أن تكون قطيعاً ينعق لها هنا وهناك فتسير، فالأمة رباها القرآن على: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥]، والذي عنده برهان وسلطان يمكن أن يطرحه، ويقول: هذا ما عندي، وأنتم: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:٤]، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، هذا هو المنطق الذي ينبغي أن يسود في دعوتنا، ينبغي أن يسود في تربيتنا، ينبغي أن تتربى عليه الأمة حتى تكون أمة مستقلة واعية، هل من مصلحة الأمة أن تكون أمة يغيب عنها الوعي؟ أن تكون أمة مغفلة؟ أن تكون كالقطيع؟ إذا كنا كذلك فنحن نريد أن تكون الأمة (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء)، وما وصف الله الأمة بأنها قطيع يسير وراء من ينعق به ويدعوه.
стр. 294
الصلة بالله تعالى
من الجوانب المهمة التي تبدو في هذه القصة: الصلة بالله ، وهي قضية ينبغي ألا تفارق المسلم، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف:١٣ - ١٥] ثم قال: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف:١٦]، اعتزلوا أقوامهم ولجئوا إلى الله ﵎، ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]، فلجوؤهم إلى الله واعتصامهم بالله ﵎ أمر مهم ينبغي ألا نفتقده في أي موطن وفي أي حال، وهاهو هذا الدرس نتلقاه في قصة موسى في سورة القصص، فلما جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى قال له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٠ - ٢٢]، ثم لما أوى إلى الظل قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، وهكذا الله حين ذكر طائفة من أخبار الأنبياء في سورة الأنبياء قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
فينبغي أيها الإخوة ألا نفتقد هذه القضية في كل موطن وفي كل حين، والمؤمن الموصول بالله يجد الطمأنينة والسكينة في كل ما يواجهه، حينما أمر الله موسى أن يذهب إلى فرعون: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٥ - ٤٦].
стр. 295
الثبات وأسبابه
جانب آخر: وهي قضية مهمة ترتبط بالثبات يجب نعيها، فالله أخبر أنه ربط على قلوب هؤلاء وثبتهم وأعانهم ووفقهم، وذلك لأنهم بذلوا السبب فآمنوا بالله، ثم لما رأوا أن بقاءهم مع قومهم قد يكون سبباً لفتنتهم تركوا قومهم وأووا إلى الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]، ثم حين بعثوا أحدهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:١٩ - ٢٠].
إذاً: فالمسلم حتى يثبته الله يحتاج إلى أن يبذل الأسباب، وأن يجتهد فيبتعد عن مواقع الفتنة ويحذر منها ويتجنبها، ثم يكل أمره إلى الله فيثبته الله حينئذ، أما الذي يرمي نفسه في اليم ويسأل الله الثبات فهذا لم يفعل السبب الذي يستحق من أجله أن يوفق وأن يعان.
стр. 296
حفظ الله لأوليائه والسنن التي يجري ذلك وفقها
جانب آخر عجيب في هذه القصة: حين ذهب هؤلاء وغادروا قومهم فرأوا كهفاً فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]، قال ﵎: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٧ - ١٨].
لقد حفظهم الله وحماهم بأمور عدة: أولاً: أن جاءوا إلى هذا الكهف، فالشمس إذا طلعت تزاور عنه ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، فاختير لهم من هذا الموطن وهذا الكهف الذي لا تدخله الشمس حينما تطلع أو حينما تغرب، ولهذا ذهب بعض المفسرين إلى أنه إلى جهة الشمال، فاختار الله لهم هذا الكهف.
ثانياً: أصبحوا يقلبون ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تبلى أجسادهم: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨].
ثالثاً: ألقي عليهم الرعب والمهابة بحيث لو رآهم أحد فر منهم.
إنه حفظ الله لأوليائه، وفيه عبر: أولاً: أن الله حفظهم من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا يظنون، فأمر الله فوق ما يفكر فيه البشر ويدور فيه البشر، حينما جاء هؤلاء الفتية أرادوا أن يختفوا وأن يستريحوا وأن يناموا، ربما ناموا تحت شجرة، أو في كهف إلى جهة المشرق، أو في كهف إلى جهة المغرب، وما كان يدور في بال أحدهم أنهم سينامون هذه القرون وسينامون هذه السنين الطويلة، فاختار الله لهم أمراً لم يدر في بالهم، جاءوا فوجدوا هذا الكهف وأووا إليه، لكن الله اختار لهم هذا الكهف، إذاً فأمر الله وإرادة الله فوق ما يتصور الإنسان، والله يحفظ أولياءه وعباده من حيث لا يحتسبون من حيث لا يظنون والعاقبة أمرها إلى الله .
أمر آخر أيضاً حول حفظ الله لأوليائه: سنة الله ﵎ أن الله يجري أسباباً عادية، إن الله كان من الممكن أن يحفظهم، وقدرة الله عجيبة، بل هذا الحدث فيه قدرة عجيبة أن يبقى هؤلاء نائمين ثلاثمائة سنة، لكن الله كان يمكن أن يحفظهم وهم قد ناموا تحت شجرة، أو ناموا تحت كهف إلى جهة المشرق أو إلى جهة المغرب، ويمكن أن يحفظهم الله ويحميهم، لكن سنة الله أن يسيروا وفق أسباب طبيعية، ثم قد تأتي الخوارق بعد ذلك.
وهذا فيه تربية للأمة؛ لأن حينما يكون هناك جيل يتعلق بالخوارق يبقى جيلاً غير عملي فلا يحمل المسئولية، ويجب أن نحذر من هذا في تربيتنا اليوم للحيل الذي يراد منه حمل الرسالة حينما نقول له: إن الله سينصر دينه وسيتم كلمته، فإن هذا حق وأمر الله فوق كل شيء، لكن يجب أيضاً أن نقول لهؤلاء: إن النصر والتمكين لا يكون إلا على أعتاب التضحيات والبذل والجهد، فهذه سنة الله .
ففي قصة مريم حينما أجاءها المخاض إلى جذع النخلة أوحى الله إليها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] يقول بعض المفسرين: النخلة لو هززتها ما أسقطت تمرة، هل يستطيع أحد أن يهز جذع النخلة فتسقط عليه من الرطب فضلاً عن امرأة تعيش حالة نفسية صعبة وهي لا تزال في ساعة الولادة فتؤمر بهز النخلة، أعني أننا قد لا نتصور أن هزها لجذع النخلة هو الذي سيساقط عليها الرطب، لكن سيسقط عليها الرطب وتهز لتربي الناس على بذل الجهد والسبب.
خذ مثالاً أوضح في قصة أصحاب الأخدود حين جاء الغلام ورأى الناس قد وقفوا وراء دابة قد سدت الطريق، فدعا الله فقال: اللهم إن كان دين الراهب أحب إليك من دين الساحر فاقتل هذه الدابة على يدي وأخذ حجراً فرماها به فقتلها، والحجر لا يقتل الدابة وإلا فالناس ليسوا عاجزين حتى يأتي هذا الغلام ليرميها بحجر، إنما كانت آية، فهل تعيش الأمة اليوم هذا المعنى؟ وهل نشعر أن من مسئوليتنا أن نبذل الأسباب في كل شيء ونجتهد، وانظر إليهم كيف بذلوا السبب، وسنأتي إلى قضية أخرى في ختام الحديث أيضاً تشير إلى هذا المعنى وأن هذه الروح كانت موجودة عندهم.
إذاً: فسنة الله أن يحفظ أولياءه من حيث قد لا يحتسبون، وأن يجري ذلك وفق سنن طبيعية ثم قد تأتي خوارق.
وأمر آخر: الله قال في أول هذه الآيات: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]، ليست هذه أعجب آيات الله
стр. 297
الصحبة الصالحة والحاجة إليها
من الجوانب المهمة والدروس المهمة أيضاً في هذه القصة: أثر الصحبة الصالحة وارتباطها بقضية الثبات، والحاجة الملحة إليها خاصة في أوقات الفتن والمحن، أو في الأوقات التي يزيد فيها الفساد فأحوج ما يكون المرء إلى هذه الصحبة، فجاء هؤلاء فتية واجتمعوا وتعاونوا ولهذا صار يوصي بعضهم بعضاً ويعين بعضهم بعضاً على الحق، بل إن بعض المفسرين ذكر لطيفة وليست هي أكبر قضية في شأن الصحبة الصالحة، لكن قال: هذا الكلب صاحبهم فجاء ذكره في القرآن وصار المفسرون يتحدثون عن اسم هذا الكلب وعن شأنه وعن خبره فيقولون: إذا كانت الصحبة الصالحة قد انتفع بها الكلب فأن ينتفع بها المخلوق من باب أولى، لكن أكثر من ذلك دلالة قول النبي ﷺ لما ذكر الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر: (فيصعدون إلى ربهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك.
قال: فماذا يسألونني؟ ومم يستجيروني؟) إلى آخر الحديث وفيه: فلما قال الله : (أشهدكم إني قد غفرت لكم) قالوا: فيهم فلان عبد خطاء ليس منهم إنما جاء لحاجة يعني أنه ما جاء حتى مجاملة ولكن جاء يريد حاجة، يمكن أنه أتى يبحث عن أحد الموجودين فرآهم في المجلس فما أراد أن يقطع عليهم الحديث فجلس فقال الله : (هم قوم لا يشقى بهم جليس) إذا كان هذا يا أخي فما بالك بالذي لرغبة وإن كان خطاء أو مقصراً؛ لكن جاء لرغبة وجاء يقول: لعل الله أن يرزقني البركة في مصاحبة الصالحين، وأن يجعلني ممن أحب قوماً ولما يلحق بهم، فالله يحشر المرء مع من أحب.
أيضاً الحاجة إلى التعاون على الثبات والخير والتلاقي، وكلما أصبحنا نشعر اليوم أن الفتن أصبحت تهدد المسلمين ينبغي أن يدعونا هذا إلى أن نتكاتف جميعاً وأن نتواصى بالحق وأن نتناصح وأن نتعاون على الثبات، وألا يهمل بعضنا بعضاً، وألا يدع بعضنا بعضاً، بل يأخذ كل منا بيد أخيه ليعينه ويثبته ويسدده على هذا الطريق.
جانب آخر أيضاً: حينما استيقظ هؤلاء تساءلوا: قالوا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩].
لما استيقظوا بدر إلى الذهن سؤال طبيعي وكأنهم استطالوا النوم فقالوا: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، ثم قالوا بعد ذلك: ربكم أعلم بما لبثتم، يعني: النقاش في الموضوع ليس بعمل، والنقاش في الموضوع ليس هو المرام، فننا الآن أمام قضية يجب أن نعالجها ونعتني بها وهي أنهم يحتاجون إلى الطعام فليذهب أحدهم إلى المدينة وليختر الطعام ليأتي به، وهي قضية مهمة فيما نملأ به مجالسنا وفي أدب النقاش والحوار والجدل، فأحياناً القضايا التي ليست ذات بال قد تثار للنقاش وقد تطرح سؤالاً نجيب عليه هنا وهناك، لكن لا ينبغي أن تملأ مجالسنا، بل يأتي التعقيب على هذه القصة بهذا المعنى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢].
والعجب أن هذه الآيات تؤكد على هذا المعنى، والسورة كلها تؤكد على هذا المعنى، أي: على عدم الجدل فيما لا يفيد، إلا أنك تجد بعض المفسرين يستطرد في كلام كثير فيذكر أسماءهم واسم الكلب والغار وغير ذلك.
والله ما أنزل علينا هذه الآيات لهذا، ولكن لنعتبر ونتعظ ونأخذ ما فيها، والقضية لا تختلف سواء كان الكهف في أسبانيا أو في الهند أو هنا أو هناك، ولو كان في الأمر قضية نحتاج إليها لما أهملها القرآن ولذكرها القرآن.
أيضاً من اللطائف التي نشير إليها أنهم قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف:١٩] يعني: يختار طعاماً طيباً مناسباً، قال بعض المفسرين: إن اختيار الإنسان للطعام الطيب والحسن أمر لا يخالف المشروع، وذكر الله ذلك وهو يثني عليهم، فلا حرج أن الإنسان يختار طعاماً طيباً وإن كان يجد ما هو دونه في غير سرف ولا ما إلى ذلك.
جانب آخر أيضاً في هذه القصة: قال الله : ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩] وهذا يعني: أنه كان عندهم ورق وعندهم نقود، ثم قالوا: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٩]، وهذا استنبط منه بعض المفسرين أنهم كانوا أثرياء وأبناء طبقة ثرية وكان معهم ورق ولذا اختاروا طعاماً طيباً، والطعام الطيب لا تختاره إلا فئة اعتادت عليه وألفته، وليسوا من الطبقة الفقي
стр. 298
الحث على التحرز والبعد عن مواطن الفتن
من الجوانب والدروس: هؤلاء حينما استيقظوا وأرسلوا أحدهم، قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩] ينتبه ويحذر ويكون إنساناً فطناً: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠].
وأشار الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ إلى جزء من هذا المعنى قال: ومنها -يعني من فوائد هذه القصة- الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواطن الفتن في الدين واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
أقول: هنا جوانب مهمة، وهي أولاً: أن المسلم ينبغي أن يفر من الفتن ويبتعد عنها وينأى عنها، فإذا جاءت صبر وثبت، وهنا يقع الخلط، إما أن يغلب الإنسان الثبات والنظر إلى الأجر الذي يترتب على الثبات على الفتنة والابتلاء فيبحث عن الفتنة ويسعى إليها، وهذا غير مشروع، ودليل على ثقة الإنسان بنفسه، وقد يكون سبباً في أن يوكل الإنسان إلى نفسه وإذا وكل الإنسان إلى نفسه ضاع وتاه، ولهذا فمن المهم أن يبتعد عن الفتن ويحذر منها بالوسائل المشروعة، فإذا جاءت ثبت.
في قصة أصحاب الأخدود لما جاء الغلام قال: إني رأيت دابة سدت على الناس الطريق وقتلتها فذهب الناس، فقال الراهب: أي بني! قد غدوت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي! أخذ الموقف حين رأى أن الغلام أفضل منه فشعر أن من سنة الله أنه سيبتلى، ولهذا لما جاء النبي ﷺ إلى ورقة وقال له ما قال، قال: (ليتني حياً إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي)، فأي رجل يدعو إلى ما دعا إليه النبي ﷺ لابد أن يواجه وغيره، لكن ما هو الحل؟ الثبات والفرار من الفتن، فالراهب ماذا قال للغلام؟ قال: إن ابتليت فلا تدل علي، لكن لما عذب الغلام وما أطاق ودل على الراهب ثبت الراهب فما ترك دينه وما تخلى عن دينه.
أيضاً: الفرار من الفتن لا يدعو المرء إلى أن يرتكب ما حرم الله، أو أن يدع ما أوجب الله عليه بحجة الفرار من الفتن، فالميزان هو ميزان الشرع، ولهذا فالنظرة المتكاملة لهذه القضية تمنع الإنسان من الشطط هنا أو هناك، يعني: من الغلو في النظرة إلى الجانب الآخر وثقته وإفراطه بنفسه، أو من الغلو في مسألة الفرار من الفتن؛ فيرتكب الحرام ويدع ما لا يسوغ له أن يدعه بحجة الفرار من الفتن، والثبات بيد الله، تركت أم فعلت، فسلم أمرك لله يوفقك الله ويعينك ﵎.
أيضاً: في هذه القصة الحرص على الدين والشح بالدين، ولهذا جعل الحافظ البيهقي من شعب الإيمان: الشح في الإيمان بالدين، وهنا قال: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، حرصهم على دينهم وشحهم بدينهم جعلهم يفرون من قومهم، ثم يأوون إلى الكهف، ثم أرسلوا واحداً فقط ما أرسلوا اثنين أو ثلاثة، فذلك أسهل للتخفي، ثم حذروه: تلطف؛ لأننا إذا عدنا إلى قومنا صرفونا وصدونا عن ديننا.
فينبغي أن يشح المسلم بدينه، وأن يكون حريصاً عليه، وليست القضية أن نأخذ هذه الصورة القريبة ونجعلها هي القاعدة، بل نأخذها على مدى أوسع، يعني: إذا كان هؤلاء يأتيهم الخطر على دينهم من جهة أن يظفر بهم قومهم المشركون فيصدونهم عن دينهم، فغيرهم من الفتية والشباب الذين لهم أسوة في هؤلاء قد يكون الخطر عليهم من أن ينظر أحدهم إلى صور عارية أو إلى مجال أو ميدان فيه سفور وتبرج أو إلى أي فتنة أخرى.
فلا بد أن يكون المسلم شحيحاً بدينه، وفاراً من الفتن وحريصاً على دينه، وهذا من أسباب توفيق الله وتثبيته.
стр. 299
العواقب أمرها إلى الله
من العبر المهمة أيضاً: أنهم قالوا: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، وكانوا يشعرون هم أن فطنة قومهم إليهم وظهورهم عليهم أمر لا يخدمهم وليس في مصلحتهم، لكن ما الذي حصل؟ ظهر قومهم عليهم واطلعوا عليهم: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] فأعثر الله عليهم، وقد كانوا يتصورون أنه حين يعثر عليهم قومهم أن هذا لا يخدمهم، وأنهم إما أن يرجموهم أو يعيدوهم في ملتهم، وهذه فيها درس وعبرة عظيمة، وهي أن العواقب لا يعلمها إلا الله، فالمسلم مأمور أن يأخذ الأسباب ويتعامل مع الأشياء الظاهرة الواضحة أمامه، ثم يكل الأمر إلى الله، فالأمر الذي تحذر منه قد يكون فيه الخير، وإليكم مثالين من السيرة: في حادثة الهجرة لما جاء سراقة ولحق بالنبي ﷺ لما سمع رجلاً يقول: رأيت هاهنا أسودة فلعله محمد ومن معه؟ قال سراقة: إنهم بنو فلان خرجوا يتعقبون بعيراً لهم، واستقسم بالأزلام، فخرج أن لا يضرهم، واستقسم أخرى فخرج أن لا يضرهم، فهو يستقسم بالأزلام، لكن مع ذلك يخالفها فعنده ازدواجية إلى الآن، فلما رآه أبو بكر ﵁ قال: يا رسول الله هذا سراقة، النبي ﷺ كان ثابتاً مطمئن البال، فلما لحق بهم سراقة وصار من شأنه ما صار، قال الراوي في آخر القصة: فكان أول النهار جاهداً عليهما، وآخر النهار حارساً لهما.
إذاً: ربما ونحن نعيش القصة، يعني: الإنسان يقرأ القصة لأول مرة وتفاعل معها في عواطف، يتمنى أن سراقة يموت ما يلحق بهم، لكن الأمر وراءه أمر آخر، كان من مصلحتهم أن يلحق بهم سراقة، سراقة الذي كان يطلبهم ويبحث عنهم لما لحق بهم صار آخر النهار حارساً لهما، يا أخي القضاء والقدر أمر عند الله ما هو عندك ولا عند فلان ولا غيره ولا بيد هؤلاء وغيرهم.
نموذج آخر: في صلح الحديبية كان من الشروط: أن من جاء إلى النبي ﷺ من المستضعفين فعليه أن يرده، وهذا كان صعباً على المسلمين وزاد الصعوبة أنه موقف قدره الله، موقف يثير عواطف الناس، يأتي أبو جندل يرسف في قيوده فيلقي بنفسه بين يدي النبي ﷺ ، فيقول سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه، فأعاده إليهم، فصاح بالمسلمين: يا معشر المسلمين! تردونني للمشركين ليفتنوني في ديني، ولهذا ما أطاق عمر ﵁ الصبر على هذا، والمسلمون أصبحت عواطفهم مع هؤلاء المستضعفين، فيعاد أبو جندل ﵁ إلى قومه، ثم يأتي أبو بصير ويفر من المشركين ويأتي إلى النبي ﷺ فيأتون ليطلبوه من النبي ﷺ بناء على الشروط فيرسله، ثم يقول النبي ﷺ رسالة يفهمها أبو بصير: (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال)، ومضى أبو بصير وقتل صاحبه، ثم هرب إلى العيص، فلحق به أبو جندل ولحقه سائر المستضعفين.
فلهذا الشرط هو الذي جعل أبا بصير يفر إلى ذاك المكان، ويعلن الحرب؛ لأنه غير داخل تحت سلطان النبي ﷺ ، والنبي ﷺ قد أنهى ما عليه، وليس على النبي ﷺ أنه يطارد أبا بصير ويقبض عليه ويعطيه للمشركين.
فجاء أبو جندل وسائر المستضعفين وانضموا إلى أبي بصير، فصار هذا الشرط من مصلحة المستضعفين أنفسهم، بعد أن كان الصحابة والمشركون يظنون أنه ليس من مصلحة المستضعفين، حتى تأتي قريش وترجو من النبي ﷺ أن يتنازل عن هذا الشرط، ولذا فالعواقب لا يعلمها إلا الله.
مثال ثالث: في قصة عائشة ﵂ حينما قذفت ﵂ بالفرية العظيمة، ففي بادئ الأمر ما كان يمكن أن تظن عائشة أن هذا خير لها، هل كان أحد يظن أن عائشة كان خيراً لها أن تقذف بالزنا؟ فبقيت عائشة ﵂ شهراً كاملاً، وبقي النبي ﷺ كذلك حتى تجرأ النبي ﷺ فقال: (يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله).
ثم ينزل الوحي ببراءتها فتقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله في قرآن يتلى، وكنت أرجو أن يري الله نبيه رؤيا تنزل فيها براءتي، فتلك الفرية التي جاءت لـ عائشة كانت سبباً في أن ينزل فيها آيات من ك
стр. 300
تذكر قيام الساعة
أختم بهذه العبرة: ولأنهم حينما استيقظوا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] وهم لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً كما قال الله ، والله ربط هذا الموقف بالساعة، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، ولهذا قال بعض المفسرين: إن حال هؤلاء يشبه حال الناس حينما يقومون لرب العالمين: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٤٥]، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣]، إذاً: فالدنيا كلها بما فيها ستتحول يوم القيامة إلى ساعة من نهار، وستتحول إلى يوم أو بعض يوم كما حصل تماماً لأهل الكهف؛ حين استيقظوا صارت الثلاثة القرون كيوم أو بعض يوم.
هذه بعض الوقفات، وهي كما قلت ليس تفسيراً لهذه السورة ولا لهذه الآيات، إنما هي إشارات وعبر وكلما قرأنا هذه الآيات ووقفنا عندها سنرى أنا نستنبط منها دروساً وعبراً أعجب وأعظم مما يبدو لنا، وهذه من عجائب القرآن أنه لا تنقضي عجائبه، ولا يمل منه الإنسان، وكل يوم يتدبر فيه ويقف عنده يستنبط أموراً وفوائد جديدة لم يكن استنبطها من قبل، وهذا كلام الله لا يمكن أن يقاس بكلام خلقه.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم جميعاً، وأن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 301
الأسئلة
стр. 302
المفهوم الأوسع للتشبه
السؤال
طرقتم قضية التشبه والتقليد، ألا ترى أننا قد نهتم أحياناً بقضايا التقليد الظاهرة كاللباس والمظهر والكلام، ولكننا قد نغفل أحياناً عن قضايا التشبه بأمور أعظم دون أن نشعر، نرجو تعليقكم على ذلك مأجورين؟
الجواب
قضية التقليد والتشبه أعم من أن تكون مجرد المظهر، كون الأمة تكون اهتماماتها مثل اهتمامات الكفار وقضايا تشغلها مثل قضايا الكفار أنا أتصور أن هذا لون وباب من أبواب التشبه بهؤلاء.
стр. 303
مكان وجود الكهف
السؤال
يوجد كهف في الأردن يدعون أنه كهف أصحاب الرقيم، هل ثبت مكانه عند أهل العلم؟
الجواب
القاعدة في هذه القصص ألا يثبت منها إلا ما جاء في القرآن أو صح عن النبي ﷺ ، يقول الله : ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]، والمرويات عن بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ففيما أعرف أنه لم يثبت شيء صحيح في ذلك، ولو كان يترتب على مكانه وموقعه أمر ذو بال لأرشدنا الله إليه، فما ترك الله في كتابه خيراً لنا إلا ودلنا عليه.
стр. 304
هجرة أهل الكهف إلى الكهف
السؤال
هل ذهاب الفتية إلى الكهف هو نوع من أنواع الهجرة أم لا؟
الجواب
هي هجرة وفرار من قومهم؛ لأنهم شعروا أنهم إذا بقوا عند قومهم سيفتنونهم ويصدونهم عن دين الله فخرجوا وهاجروا في سبيل الله .
стр. 305
نصح الفتية أهل الكهف لقومهم بالتوحيد
السؤال
هل هؤلاء الفتية تركوا قومهم ولم ينصحوا لهم بالتوحيد؟
الجواب
لا، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]، ثم إذا كانوا ما نصحوا قومهم، فلماذا يرجمهم قومهم أو يعيدونهم في ملتهم؟ لماذا يواجههم قومهم؟ وهذه قضية مهمة أشير إليها عاجلاً، نقارن بين عداوة قريش اللدودة لدعوة التوحيد، وقد كان هناك مثلاً زيد بن عمرو بن نفيل وورقة وقس بن ساعدة وكانوا موحدين يجهرون بهذا الكلام عند قريش، وقريش ما كان عندهم مشكلة أبداً، لكن لما جاء النبي ﷺ تغيرت الصورة تماماً واختلفت القضية، يعني: هل ممكن أن نقول: أن الحنفاء استطاعوا أن يوحدوا الله وأن يدعوا إلى التوحيد من دون مشكلات؟ نعم هم فعلاً دعوا إلى ذلك بدون مشكلات، لكن المنهج الذي نتعبد به نحن منهج النبي ﷺ لا منهج الحنفاء.
стр. 306
أهمية الصحبة الصالحة
السؤال
وهذا كلام جميل أقرؤه وأكتفي به، والأخ طلب التعليق، يقول: لقد كان زيد ﵁ يفخر على باقي الصحابة بأنه الوحيد الذي ذكره الله من فوق سابع سماء في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، ونرى في سورة الكهف أن الله قد ذكر الكلب في قصة هؤلاء الفتية الصالحين، ذكر القرطبي في تفسيره: أن الكلب نال هذه المنزلة العالية بأن يذكر في القرآن بسبب صحبته لأهل الصلاح والخير، انتهى، يقول: فكيف بمن هو فوق هذا الكلب بالمنزلة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] حين صحبته للصالحين، ونحن نسمع من يحذر من صحبة الصالحين ويلقي في طريق التائب الشبهات لكي يحول بينه وبين الصحبة الصالحة لكي يبقى في ضلالة، فهل من كلمة لأهمية الصحبة الصالحة في الثبات على دين الله في ضوء هذه الآيات؟
الجواب
التعليق الذي ذكره الأخ جميل ويكفي، وأنا أشير إلى قضية: أن الله بعد أن ختم هذه الآيات، قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، إذا كان النبي ﷺ يؤمر بأن يصبر نفسه مع هؤلاء فغيره من باب أولى.
стр. 307
الحكمة من قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
السؤال
ما الحكمة من قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟
الجواب
الله أعلم، ونحن ذكرنا من دروس أهل الكهف أنه لا يشغل الإنسان نفسه بما لا يترتب عليه فائدة كبيرة، ممكن نتساءل إذا وجدنا نصاً معيناً يدل على هذا المعنى، وإلا فلا نشغل أنفسنا، لكن أخشى أننا ننشغل بالسؤال عن الحكمة منها أكثر مما نعتني بقراءتها.
стр. 308
كيفية معالجة السلوك الخاطئ
السؤال
بصفتكم أصحاب تخصص وباع في التربية، فكيف يكون معالجة السلوكيات الخاطئة في البيت أو المدرسة أو المجتمع؟ وما الكتب الهامة في التربية عموماً وهذا المجال خصوصاً؟
الجواب
هذا سؤال عريض لا نستطيع أن نجيب عليه في هذا المقام، لكن أحياناً نقع في خطأ عند معالجة الخطأ نفسه، ومعالجة الخطأ أحياناً يترتب عليها ما هو أكبر منه، ومن ذلك مثلاً قصة الرجل الذي بال في المسجد، فلما جاء الصحابة يعالجون الخطأ نهاهم النبي ﷺ حتى لا يعالج الخطأ بخطأ أكبر منه، أحياناً يسيطر علينا الخطأ نفسه وضخامته مثلاً فلا نفكر بعاقبة، بعاقبة العلاج ولا بأسلوب العلاج، وهل ستكون خطوة ناجحة أم لا؟
стр. 309
علاج الفتور عند الشباب
السؤال
ما علاج الفتور الذي يرى ويشاهد في أوساط الشباب في هذا الوقت؟ وما نصيحتكم لهم بصورة سريعة ومختصرة؟
الجواب
هو اللجوء إلى الله دائماً، وتلاوة كتابه، وذكر الله ، وإحياء القلب والقراءة في الرقائق وسير الصالحين والزهاد، هذه من أفضل الوسائل لعلاج هذا الأمر بإذن الله .
والاجتهاد في العبادة والإقبال على الله ، وكلما أدرك المرء قصوراً أو فتوراً أو تفريطاً في نفسه فليبادر إلى علاجه وحله قبل أن يستفحل؛ لأن القضية تبدو مجرد ضعف يسير ثم يتطور، فإذا تركه الإنسان دون علاج تطور واستفحل حتى يقضي عليه تماماً، مثل المرض أحياناً يبدأ بصورة يسيرة، ثم يتحول بعد ذلك إلى داء يستعصي على الأطباء علاجه.
стр. 310
اليائسون من انتصار الدين
السؤال
هناك من يعتقد أنه لم تعد هنالك مجالات مفتوحة للدعوة إلى الله ونصرة هذا الدين، ويوصي الإنسان أن يشتغل بنفسه فقط دون العناية بالدعوة؛ لأن الباطل قد ظهر وتمكن، فبماذا تنصح في هذا الموضوع؟
الجواب
هذا كما قال الإمام أحمد: إن كان هذا عقله فقد استراح، لأن من ذهب عقله فهو غير مكلف بالدعوة، فهذا منطق اليائسين، اقرءوا قصص الأنبياء وكيف كانوا مع أقوامهم، وكانت الأبواب مغلقة، ومع ذلك فإن أمر الله ودين الله فوق كل شيء.
والله تعالى ما أنزل الدين علينا إلا ليظهره على الدين كله، ولم ينزل الدين ليكون مجرد وسيلة يتآمر عليها الأعداء، وليكون أولياء الله ألعوبة في يد هؤلاء، لكن هي مراحل يبتلى فيها الناس، قال الله وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] وعد الله لا يمكن أن يتخلف أبداً.
стр. 311
الفرار من الفتن بالوسائل المشروعة
السؤال
بعد هذه المحاضرة القيمة والتي هي قريبة من الشباب قد يتحمس البعض فيسعى ليطبق هذه القصة، ويدور في باله إجراء مقارنة بين هذا المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه وتلك الظروف والبيئة، وبين ما نحن فيه فيأوي إلى كهف ويعتزل الناس، فنرجو منكم الإشارة إلى الفرق بين الاقتداء والتقليد الغير المنضبط ولو كان بالصالحين؟
الجواب
هذا سؤال مهم نبهني إلى قضية كنت أريد أن أشير إليها، وهي هل العبرة مثلاً في أهل الكهف أن الإنسان يبحث له عن كهف إلى ذات الشمال ويبقى فيه أم ما هي هذه العبرة؟
و
الجواب
العبرة هي أن يفر الإنسان من الفتن بالأساليب والوسائل المشروعة، ولاحظ الآن أن هذا الأصل متفق عليه بين المؤمنين من أتباع الأنبياء كلهم أنهم يفرون من الفتن، لكن كيف يفرون؟ إذا كان الله قد شرع لأولئك وسيلة فليس بالضرورة أن تكون هذه الوسيلة مشروعة؛ لكن الأصل واحد وهو أن يفر المسلم من الفتن، فحينما تقتدي بهم تقتدي بهم في الفرار من الفتن، في الثبات على الدين، بالوسيلة التي شرعها الله لك.
стр. 312
الاجتهاد والجد في حفظ القرآن
السؤال
إنني شاب أقرأ القرآن الكريم كل يوم ولله الحمد والمنة وأحفظ وأجتهد فيه، ولكنني لا أحفظ سورة منه إلا بعد وقت طويل، فما الطريقة المناسبة لحفظ القرآن ومراجعته، وأسأل الله أن يثبتني وإخوتي على هذا الدين القويم؟
الجواب
هو يحتاج إلى جهد، يعني: دائماً أي شيء ثمين نسعى إليه لابد أن نبذل ثمناً يتناسب معه، حتى في مقاييس الدنيا من كان يريد أهدافاً طموحة لابد أن يضحي ويبذل، والله أعلى منزلة حفظة القرآن وأهل القرآن فينبغي أن نسعى نحن إلى حفظ القرآن ونضحي ونبذل ونجتهد.
стр. 313
ماذا قدمت لإخوانك
السؤال
نرجو توجيه سؤال لكل من حضر، ماذا قدم لإخوانه الذين لم يحضروا ولم يتذوقوا طعم السعادة وطريق الاستقامة؛ كل حسب استطاعته بصبره وحسن خلقه وابتسامته وإفشاء السلام وكثرة الخصال الحميدة التي لها الأثر في التأثير على هؤلاء، وفقكم الله؟
الجواب
السؤال الذي طرحه الأخ يكفي فينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال.
стр. 314
الموازنة بين مدح الشباب الملتزم وتوجيهه لتدارك الخطأ
السؤال
ألا ترى أننا نبالغ كثيراً في ذكر الشباب ومدحهم وإعطائهم فوق قدرهم حتى أنهم رضوا بهذا المدح والذكر عن طلب الرفعة والمنازل العالية وحمل هم الأمة، وها نحن نرى الواقع المرير اليوم في واقع الشباب، وخاصة شباب الصحوة من انتكاسات وضلال عن هذا الطريق، وشكراً؟
الجواب
لكن يا أخي أنت لماذا لا تنظر إلا إلى هذه النظرة؟ شباب الصحوة نضعهم في قفص الاتهام دائماً، وصحيح أحياناً تدعونا الرغبة في العلاج أخطاء والغيرة، لكن يا أخي الكريم هؤلاء شباب على الأقل يعيشون في عصر أين أقرانهم؟ الشاب الذي يحبس نفسه في المسجد يحفظ القرآن من دون ما يجبره أحد، بل أحياناً بعض الناس يصده وتجده يجاهد ويسعى ويحفظ القرآن ويصحب الصالحين ويجتهد ويضحي وكل يوم يجلس في المسجد ويذهب هنا وهناك يطلب العلم وأقرانه في الشوارع وراء الشهوات، في معاكسة النساء، ويفرح أحدهم إذا حظي بالخطيئة، ويرى أنه عيب حينما يتحدث مع زملائه يكون ليس له مغامرات يشيد بها أمام زملائه، فهذا واقع هؤلاء، أما أولئك الشباب فإذا وقع من أحدهم هفوة أو زلة شعر بأنه منافق وشعر بالخطأ، فشتان بين هذا وذاك، الشاب الذي انتصر هذا الانتصار، والذي استقام أصلاً على الدين في هذا العصر وهذه في حد ذاتها منقبة لا يسوغ أن نهملها، يعني: لماذا لا ينظر إلى زاوية أخرى؟ ما أريد التفصيل حول هذه النقطة وقد سبق الحديث حولها في محاضرة سابقة بعنوان: القابضون على الجمر، نرجو يا إخوان ألا يشغلنا النقد ولا يسيطر علينا فنسحق هؤلاء الشباب ونحولهم إلى ناس لا يملكون شيئاً، وأنهم هازلون وغير جادين وليس صحيحاً أنكم ملتزمون ولا إلى آخره.
يا أخي شاب يستيقظ لصلاة الفجر وأهله لا يستيقظون للصلاة، هذا دليل على جانب الجدية، شاب حينما يقع في زملاؤه يفاخرون بالزنا والفساد واللواط، وقد يفتعل أحدهم مواقف غير صحيحة يفاخر زملاءه، وهو إذا وقعت منه هفوة أو زلة شعر بالمرارة والأسى والخوف من الله ، شتان بين الحالتين.
شباب يعيشون هموم الشهوات والأهواء والرياضة، وهو يعيش هموماً عالية كبيرة، فهذا غير هذا، مع أن الملتزمين يواجهون سخرية واستهزاء، والأعداء من اليهود والنصارى وغيرهم وظفوا كل الجهود لحربهم، الفساد اليوم الذي في العالم الإسلامي ما المستهدف به إلا الشباب، فمجرد الثبات والاستقامة خير كبير، ولماذا نتهم الشاب الملتزم إذا كان لا يقوم الليل أو كان يقصر في الرواتب أو كان لماذا نضع عليه علامة استفهام، وأن هذا ليس بجاد في التزامه؟ نعم الخاصة من طلبة العلم والدعاة ينبغي أن يجتهدوا في النوافل؛ نبالغ فنصور أن هذا دليل على أنهم غير جادين؛ وأنه التزام فيه نظر ويحتاج إلى إعادة نظر، وأرجو أن نتوازن في نقدنا وطرحنا، يعني: أتاني طلب من إحدى الأخوات قالت: أريد أن تتحدث عن أخطاء الملتزمات، قلت: مع احترامي للاقتراح أنا لا أشعر أنا بحاجة أن نتحدث عن أخطاء الملتزمات، وأخشى أن يتحول الحديث من عندنا إلى إحباط فعلاً، وأن الناس غير جادين، أنا أشعر أننا بحاجة إلى أن نبعث الأمل، وبحاجة إلى أن نبرز الوجه الآخر.
стр. 315
سنة السلام والمصافحة عند دخول المجلس
السؤال
إذا دخل الإنسان المجلس هل يسلم أو يصافح؟
الجواب
السلام سنة والمصافحة سنة، إذا تيسر أن يصافحهم، لكن أحياناً يكون في المجلس ناس كثر أو مشغولون بحديث ولا يريد أن يقطع عليهم حديثهم فيكتفي بالسلام والأمر فيه واسع.
стр. 316
من صفات المربي
التربية للأحداث حتى يصلوا إلى النضج والهداية والاستقامة مسئولية ملقاة على عواتق المكلفين بها من الآباء والأمهات والمعلمين ونحوهم، ولها أهمية بالغة يكشف عنها حجم الخلل الذي تعيشه الأمة اليوم، ولا تعني التربية المنشودة القيام بأدوار قصة هزيلة يظن فاعلوها أنهم أسقطوا بها ما وجب عليهم في هذا الميدان، بل هي عملية تتوقف على جملة من العوامل في نجاحها، ومن أهمها وآكدها معرفة صفات المربي وتحقق القدر الأكبر منها فيمن يتولى هذه القضية العظيمة.
стр. 317
أهمية التربية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فقد كنا برهة من الزمن نخاطب الآباء والأمهات، ومن ولاهم الله تربية الجيل، نخاطبهم بمسئولية التربية، ونحدثهم عن أهمية التربية والعناية بها، ونحذرهم من خطورة التساهل والتهاون بهذه المسئولية، وما نزال نحتاج إلى هذا التذكير، وما يزال المؤمن يحتاج إلى أن يذكر ويوصى، ولقد أدرك اليوم الجميع وهم يرون النتائج المرة لإهمال التربية وعدم العناية بها أن قضية التربية قضية ملحة، وأدرك الجميع أن الكثير من مظاهر الفساد والانحراف والخلل في الأمة في دينها وعبادتها لله ﵎، وفي تأخرها في أمور دنياها، وكونها في قافلة الركب، أدرك الجميع أن هذا التأخر والتخلف ليس إلا مظهراً من مظاهر إهمال التربية.
ومن ثم شعرنا بأننا نحتاج إلى حديث آخر، وأننا ينبغي لنا أن نتجاوز الحديث عن أهمية التربية وضرورة التربية، لا لأنه ليس حديثاً مهماً، بل لأن أولئك الذين لم يستفيقوا إلى الآن، ولم يدركوا أهمية التربية بعد ليسوا مؤهلين للتربية فعلاً، وهم يرون النتائج اليوم ماثلة أمام أعينهم.
أننا نسمع الشكوى كثيراً أيها الإخوة، نسمع الشكوى من الآباء، ونسمع الشكوى من المعلمين، ونسمع الشكوى من الصغير والكبير من مشكلات كثيرة نعاني منها من جيلنا، ويشعر الجميع أن هذه المشكلات إنما هي إفراز لسوء التربية وإهمال التربية، ويتداعى الجميع إلى ضرورة العناية بالتربية، ودورها في إصلاح الناشئة، وفي تعبيدهم لله ﵎، وتحقيق الغاية التي من أجلها خلقوا، وهي العبودية لله ﵎، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
لكن هل نتصور -أيها الإخوة- أن التربية التي تعنى بإعداد هذا الإنسان بنفسيته المعقدة، وطبيعته، والعوامل والمتغيرات التي تؤثر في شخصيته، هل نتصور أن هذه التربية يمكن أن يقوم بها الإنسان بخبراته الشخصية، وتجاربه الشخصية، أو بما ورثه وتلقاه عن آبائه وأجداده، فيتصور أن تلك التربية التي كان يتلقاها في محيط أسرته، أو من آبائه وأجداده هي التربية المثالية، وحين يناقش في هذا الأسلوب أو ذاك يفاجئك بعيداً عن المنطق، وبعيداً عن الحجة والبرهان بأنه: هكذا تربى؟!
стр. 318
ضرورة معرفة صفات المربي
أقول: إن التربية التي ننشدها ينبغي أن يكون لمن يقوم بها مواصفات وقدرات، فينبغي أن نفكر كثيراً، وأن نراجع أنفسنا، ونراجع أساليبنا في التربية، ونحن نرى وندرك الأخطاء يوماً بعد يوم، التي نرى أنها نتيجة للخلل في التربية وسوء التربية.
إن التعرف -أيها الإخوة- على صفات المربي ضروري؛ لنختار من يقوم بالتربية، فحين نريد اختيار فرد ليقوم ويتولى مسئولية التربية، وحين نريد أن نختار معلماً، أو نختار معلمة، أو نختار موجهاً يتصدى لتربية الناشئة وإعدادهم؛ ينبغي أن نتساءل كثيراً: ما الصفات التي تؤهله ليقوم بهذه المهمة، وليؤدي هذا الدور؟ إن الناس اعتادوا في وظائفهم في أمور دنياهم أن يطرحوا شروطاً ومواصفات لمن يتصدى لأي عمل وأي مهمة، فما بالنا بمن يتصدى لأكبر مهمة ووظيفة؟! إنها -لا شك- مهمة الرسل، فلقد أخبر الله ﵎ أنه أرسل نبيه محمداً ﷺ إلى أمته يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، إنها وظيفة الأنبياء والمصلحين.
ومن ثم فنحن حين نختار من يتولى التربية ينبغي أن تكون لدينا معايير واضحة، وصفات محددة؛ لنرى هل تنطبق على هذا الشخص أم لا؟ أما حين تكون التربية ويكون التعليم وظيفة من لا وظيفة له، ومهنة من لا مهنة له؛ فهذا احتقار لشأن التربية، وهذا إيذان بإخراج جيل يعاني من المتناقضات، ويعيش في فوضى لا أول لها ولا آخر.
ثم إننا نحتاج إلى أن نتعرف على صفات المربي؛ وينبغي أن نكون كلنا كذلك، سواء أكنا آباء أم معلمين، أم كنا موجهين للناس هنا وهناك، فإننا نقوم بالتربية.
إننا -ونحن نقوم بالتربية- نشعر -ويجب أن نشعر- بالمسئولية العظيمة، والأمانة الملقاة على عواتقنا، هذه المسئولية -أيها الإخوة- لا تنتهي عند حد شعور الإنسان بالتبعة، بل لابد أن يسعى إلى إتقان العمل؛ فالله ﵎ أمرنا أن نتقيه ما استطعنا.
إنك إذا كنت تستطيع أن تتعلم، وأن تقرأ، وأن تفكر كيف تربي وكيف توجه؛ كان فعلك لذلك من تقوى الله في هذا العمل، وهذه الأمانة، وهذا الدور الذي تقوم به، فلست معذوراً حينئذٍ حين تخل بهذه الأمانة.
إن المربي الذي يشعر بالأمانة والمسئولية يشعر أنه بحاجة إلى أن ينمي نفسه، وبحاجة إلى أن يوجد في نفسه الصفات التي تؤهله لأن يقوم بهذا الدور، ويؤدي هذه المهمة خير أداء، ومن ثم فإن المربي نفسه يحتاج إلى أن يتعلم صفات المربي؛ حتى يسعى إلى تفقدها في نفسه، ويسعى إلى أن يحقق في نفسه ما كان يفتقد من هذه الصفات.
إننا نحتاج إلى أن نتعرف على صفات المربي حينما نفكر بالقيام ببرامج لإعداد المربين، وينبغي أن تعتني الأمة بذلك، وأن تعتني الصحوة بهذه القضية، بأن يكون لها برامج لإعداد من يتولى التربية، فالعالم كله لا يقبل اليوم في وظيفة التعليم ومهنة التعليم إلا من تحقق في نفسه شروط، ومن اجتاز خطة دراسية معينة يرى القائمون على المؤسسة التعليمية أنها تؤهله للتربية، بغض النظر عن نظرة هؤلاء للتربية، وبغض النظر عن سلامة منهجهم أو انحرافه، لكنهم يرون أن هناك إعداداً لابد أن يتلقاه من يقوم بالتربية.
ولهذا فحين نفكر في إعداد المربي لابد من أن نعلم ما نعطيه، وبما نخاطبه، وما هي الجوانب التي نرى أنه ينبغي أن نغرسها فيه؟ وإن هذا السؤال لن نجيب عليه إلا إذا تعرفنا على صفات المربي.
وإنما نحتاج إلى التعرف على صفات المربي؛ لأن مثل هذه الصفات بمثابة المحددات لسلوكنا، فحين نقول: إن هذه الصفة أو تلك ينبغي أن توجد في المربي؛ فإن هذا يعني أن التربية السليمة ينبغي أن تسير على هذا النمط وعلى هذا الأسلوب، وسيأتي -بإذن الله- مزيد بسط لهذه القضية.
إن هذه الأمور وغيرها تطرح بإلحاح ضرورة التعرف على صفات المربي والحديث عنها.
стр. 319
الاقتراب من الكمال في صفات المربي هدف منشود
وقبل أن نتحدث عن هذه الصفات لابد من أن نعي قضية مهمة، هي أننا حين نسرد قائمة طويلة من هذه الصفات، ثم نأتي فنبحث عنها بين الناس لنرى من تحققت فيه هذه الصفات، ومن منا قد حقق هذه الصفات، حينئذٍ قد يصاب المرء بإحباط، ويرى أنه غير قادر على ذلك، ذلكم أن هناك صفات جبل عليها الإنسان، وأموراً قد لا يستطيع أن يخرج عنها.
إن هناك من الناس من يتصف بالحدة وسرعة الغضب مثلاً، ومهما حاول أن يطبع نفسه على الحلم فإنه سيشعر أنه يقف عند حد معين، وإن هناك من الناس من جبل على العجلة والتعجل في أمره، ويشعر أنه مهما عود نفسه على الرفق سيقف عند حد معين، وإن هناك من الناس من يشعر أنه يفقد العاطفة والرحمة والحنان، ومهما تكلف ذلك سيقف عند حد معين.
وهكذا الناس لهم طبائع وصفات جبلوا عليها، ومهما تخلق المرء فإنه سيشعر أنه لن يستطيع أن يصل إلى الكمال، والبشر بشر لابد أن يكون فيهم قصور.
إذاً: فنحن حينما نذكر هذه الصفات، فإننا لا نفترض أن تكون كلها موجودة في كل إنسان مرب؛ فإن هذا الأمر ربما يكون من المستحيل، وإلا فماذا نصنع بهذا الأب الذي سيكون مربياً شئنا أم أبينا، وقد جبله الله على هذا الخلق أو ذاك؟! وماذا نصنع بهذه الأم أو فلان أو فلان من الناس؟! إن معرفة هذه الصفات تدعونا إلى أن نجتهد قدر الإمكان في تحقيقها في أنفسنا، وفي تحقيقها لدى من يهيئون ويعدون للتربية، وأن نجتهد في الاقتراب منها، وأظن أننا لن نستطيع -بل أجزم أننا لن نستطيع- أن نبلغ الكمال ونصل إلى القمة، ولذا نسعى إلى الاقتراب منها.
فحين نشعر أن في أنفسنا أو في غيرنا قصوراً في صفة من الصفات؛ فإن هذا لا يعني أن نشعر بأنه غير قادر على التربية، أو بأننا في غنىً عنه، فالأمة بحاجة إلى المزيد من الطاقات، فكلما استجلينا هذه الصفات، وأصبحت واضحة أمامنا وماثلة للعيان؛ فإننا سنكون قد وضعنا منارات في طريقنا وفي طرق المربين الذين يسعون إلى الاهتداء بها، ويسعون إلى السير عليها، ولهذا آثرت أن يكون العنوان: (من صفات المربين).
وإنني حين أزعم أنني أريد أن أتحدث عن كل صفات المربي فإنني أدعي أمراً لا أستطيعه ولا أطيقه، لأن هناك جوانب أجزم بأن قصوري البشري وضعفي سيحول دون إدراكي لها، فضلاً عن أن الوقت المخصص للحديث حول هذا الموضوع قد يضيق، ولهذا آثرت أن أتحدث عن بعض الصفات التي أرى أنها ضرورية، وليس بالضرورة -أيها الإخوة- أن تكون هذه الصفات هي أهم الصفات، فإنني قد تجاوزت صفات أرى أنها مهمة وضرورية، ولكن يعلمها الجميع ويدركها الجميع، ورأيت أن أركز حديثي حول صفات وجوانب أرى أننا نقصر فيها، أو أننا قد لا نشعر بأهميتها وضرورتها، ولهذا فإن هذه الصفات التي أتحدث عنها ليس بالضرورة أن تكون كل ما أراه ينبغي أن يكون في المربي، بل ليس بالضرورة كونها أهم ما نراه، فقد بقيت هناك جوانب ضرورية ومهمة أشعر بأنه ينبغي أن أتجاوزها، لا لأنها ليست مهمة، بل ربما تكون أهم من غيرها، وإنما لأنها معروفة ومقررة لدى أمثالكم، فلا أريد أن يكون الحديث تكراراً.
стр. 320
أهم صفات المربي
следующие страницы →