Полный текст (1 904 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الكتب التي تتحدث عن الأخلاق
السؤال
حبذا لو أحلتنا إلى بعض الكتب المناسبة التي تتحدث عن الأخلاق؟
الجواب
اقرأ أي كتاب في السنة، اقرأ في أبواب الطهارة وفي أبواب الصلاة، مثلاً عندما تأتي إلى أبواب الصلاة تجد باب الحركة في الصلاة، تجد النبي ﷺ : (كان يصلي ويحمل أمامة فإذا سجد وضعها) هذا جانب من خُلق النبي ﷺ ؛ (كان النبي ﷺ يخطب فجاء أحد أطفاله يتعثر فنزل ثم أخذه معه ثم عاد إلى خطبته وقال: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين).
(لما كان ﷺ يخطب جاء رجل فقال: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، فأتي النبي ﷺ بكرسي من حديد فجلس النبي ﷺ ، ثم علّمه ثم صعد إلى المنبر).
اقرأ في الحج مثلاً: (كان النبي ﷺ يخطب فجاءه رجل فقال: اكتبوا لي، فقال ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاه).
هناك مواقف في الحج، في الصيام في أي باب من أبواب السنة اقرأ وتمعن، فستجد خلق النبي ﷺ في كل موطن ليس قاصراً على أبواب الأخلاق والآداب، أما أبواب الأخلاق والآداب فهي مليئة، وقد صنّف العلماء في ذلك كتباً كثيرة من أهمها كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي.
نسأل الله ﵎ كما جمعنا في هذا المقام الكريم المبارك أن يجمعنا في دار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر إنه سميع مجيب.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 247
حتى يغيروا ما بأنفسهم
إن الله تعالى وضع لهذه الحياة قوانين ونواميس وسنناً تسير وفقها، ومن أراد أن يفهم أمور الحياة وكيف تسير وكيف تصلح فلابد له من معرفة ودراسة هذه النواميس والتعرف عليها؛ ليسهل عليه فهم خفايا هذه الحياة، والتعرف على سبب الخلل، ومعرفة كيفية الإصلاح.
стр. 248
حاجة المسلمين إلى التعرف على سنن الله في الكون والمجتمعات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: ففي هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة الثالث من شهر جمادى الثانية عام ١٤١٦ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، يتم هذا اللقاء المبارك في هذا الجامع -جامع التنعيم- وعنوان حديثنا لهذه الليلة كما سمعتم: حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهو حديث حول سنة من سنن الله ﵎ في الكون والمجتمعات، سنة أحوج ما يكون المسلمون إليها في هذا العصر وهم يتطلعون للتغيير والإصلاح، إنك لو طرحت هذا السؤال على أي فرد من المسلمين أياً كانت ثقافته، وأياً كان مستوى تدينه، وأياً كانت قيمة الدين لديه: هل ترى أن واقع المسلمين اليوم واقع شرعي يرضي الله ﵎؟ لو طرحت هذا السؤال لأجابك الجميع بالنفي، والجميع أياً كانوا ينتظرون ويتطلعون إلى التغيير، لكن هل يدرك المسلمون وهل يعي المسلمون وهم يعيشون في هذه المرحلة التي لم يعد هناك خلاف بين من يملك قدراً من الجدية من المسلمين حول أن التغيير أصبح ضرورة، وأن هذا الواقع الذي تعيشه الأمة ليس هو الواقع الشرعي، هل يدركون وهم كذلك سنن الله ﵎ في التغيير؟ وهل يدركون كيف يتم التغيير؟ إن هذه السنة من سنن الله ﵎ واحدة في الكون والمجتمعات، وهذا يدعونا إلى أن نتحدث بمقدمة ربما تطول حول هذه السنن الكونية التي جاء الحديث عنها في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، بل والقرآن مليء بالحديث عن هذه السنن كما سيتضح بعد قليل؛ حتى تتضح لنا قيمة هذه السنن، وحاجة المسلمين إلى مدارستها والعناية بها والأخذ بها وهم يتطلعون للتغيير، وهم يتطلعون لإصلاح هذا الواقع الفاسد.
إن لله ﵎ سنناً تحكم هذا الكون، وتحكم حركة التاريخ، هذه السنن تجعل المسلمين المستضيئين بنور الله ﵎ يفهمون الأحداث فهماً سليماً دقيقاً؛ لأنهم يطبقون هذه السنن التي جاءت في كتاب الله ﵎، والتي جاءت عن الله ﵎ الذي أمور الكون والخلق بيده ، إن هذه السنن تجعل الناس يفهمون الأحداث فهماً سليماً، وتجعلهم أيضاً يتنبئون ويتوقعون حصول الأحداث من خلال المقدمات التي يعلمونها ويدركونها، وهي أيضاً تمثل أداة لهم في سيرهم في هذه الحياة.
إذاً فهذه السنن تؤدي هذه الأدوار الهامة في حياة المسلمين، فتعين على فهم الأحداث، وتعين على التنبؤ وتوقع ما لم يحصل منها بعد من خلال مقدماتها كما سيتضح بعد قليل، وهي أيضاً تمثل منارة وقاعدة يسير عليها المسلمون في حياتهم.
стр. 249
الأدلة على اعتبار هذه السنن من الكتاب والسنة
إن الحديث عن سنن الله ﵎ في الأنفس والمجتمعات والآفاق حديث يطول كثيراً في كتاب الله ﵎، ولو أردنا أن نستقصي في هذا الوقت الآيات التي جاء فيها الحديث عن هذه السنن لضاق بنا المقام، لكني أشير إشارات ربما تطول قليلاً حتى تدركوا أهمية هذه السنن، وحاجة الناس إليها، ولهذا كررت كثيراً في كتاب الله ﵎.
стр. 250
ورود قصص القرآن بذكر هذه السنن دليل على أن هناك سنناً تحكم الكون
إن أول أمر يدل على ذلك: إيراد القصص في القرآن، فإيراد قصص السابقين دليل على أن هناك سنناً تحكم حياة الناس وتحكم سيرهم في حياتهم، سواء أكانوا أفراداً أو مجتمعات، إن القرآن الكريم مليء بقصص السابقين والأولين، والله ﵎ يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣]، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١].
ولعلنا نتساءل: لماذا تورد هذه القصص؟ ولماذا يكثر الحديث في القرآن حول قصص السابقين والغابرين أليس للاعتبار والاتعاظ؟ بلى، وإذا لم تكن هناك سنن ولم تكن هناك قواعد تحكم حياة المجتمعات فكيف يتعظ الناس؟ وكيف يتعظ الناس بقصة حصلت في سالف الأزمان وماضي الدهور إلا إذا كان ذلك يسير وفق سنن، فيقيسون حياتهم على حياة أولئك، ويعلمون أنهم إن سلكوا طريقهم فسيصيبهم ما أصابهم، وأنهم إن بذلوا جهدهم فسيحصلون ما حصل أولئك.
إن إيراد القصص للاعتبار والاتعاظ دليل كما قلنا على أن هناك سنناً ثابتة لا تتغير تحكم حياة الناس في هذه الدار.
ما قيمة أن يعلم الإنسان أن قوماً من الأقوام كذبوا فأهلكوا؟ أو أن قوماً من الأقوام آمنوا فأنجوا؟ ما قيمة أن يعلم ذلك إلا إذا كانت قاعدة مطردة فيقيس حاله على حالهم، ويكفي إيراد هذه القصص الكثيرة في كتاب الله ﵎ على بيان سنن الله في الآفاق والأنفس، وأيضاً يأتي التعليق على هذه القصص بالأمر بالاتعاظ والاعتبار، فبعد سياق كثير من هذه القصص يأتي الأمر بالاتعاظ والاعتبار بما أصاب أولئك، يقول ﵎ عن أولئك الذين أتوا جريمة من الجرائم وفاحشة من الفواحش، فكانوا يأتون الذكران من العالمين ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، يقول ﵎ واصفاً تلك العقوبة التي حلت بهم، والتي تليق بتلك الجريمة البشعة: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
إذاً فلئن سلك قوم سبيل قوم لوط فهم معرضون لأن يصيبهم ما أصاب قوم لوط، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، ويقول ﵎ في شأن طائفة من أهل الكتاب حين تكبروا وأعرضوا عن الإيمان بالله، وخانوا عهدهم مع رسول الله ﷺ ، ولهم في ذلك القدح المعلى في نقض عهودهم مع الله ومع أنبيائهم قبل، يقول ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
إذاً فلو فعلتم ما فعل أولئك فيصيبكم ما أصابهم، فهذه سنة من سنن الله ﵎: أن من فعل كما فعل أولئك فسيصيبه ما أصابهم، لذا فعليه أن يعتبر ويتعظ، وفي سورة الشعراء يقول ﵎ تعقيباً على كل موقف من مواقف الأنبياء مع أقوامهم، وتكذيبهم ثم حلول العذاب بهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، ويقول ﵎ أيضاً في آية تتكرر في أكثر من موضع تعقيباً على هذه المواطن في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٥ - ١٦] إلى غيرها من الآيات التي يعقب الله ﵎ فيها على شأن أولئك، ويأمر عباده بأن يتعظوا بمواقفهم، والتعقيب والأمر بالاتعاظ والاعتبار ليس خاصاً بمواقف العذاب والجزاء بالعقوبة وحدها، بل نراه أيضاً في مواقف الخير والإنعام من الله ﵎ على عباده، كما قال ﵎: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
فمن كان كمثل ذي النون ﵇ في صدق لجوئه وتسبيحه لله ﵎، فكما نجاه الله فكذلك ينجي ﵎ عباده المؤمنين، وأيضاً يقول ﵎: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ
стр. 251
الإشارة في كتاب الله إلى طائفة من السنن التي تحكم حياة الناس
الأمر الخامس: يأتي في كتاب الله ﵎ الإشارة إلى طائفة من هذه السنن التي تحكم حياة الناس في تاريخهم ومجتمعاتهم، فيخبر الله ﵎ أنه حين يطغى المسرفون، ويعلنون فسقهم وفجورهم فإن هذا إيذان بحلول الهلاك والتدمير للقرية أياً كانت هذه القرية، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦].
وتبقى هذه الآية نذيراً يلوح في الأفق أمام المؤمنين الذين ينظرون بنور الله، فيتنبئون ويتوقعون أن يحصل الهلاك والبوار لأولئك أو لهؤلاء؛ لأنهم قد فسقوا وأعلنوا فسقهم وفجورهم، وحين قالوا ذلك ليس لأنهم يعلمون الغيب، وليسوا يقرءون ما وراء الأحداث، ولكنهم يعلمون ذلك من خلال معرفتهم بسنن الله ﵎.
وأيضاً يخبر ﵎ أن هناك سنة للمكذبين المتجبرين لا تتخلف، سنة لأولئك المعرضين عن نور الله ﵎، المعرضين عن دعوة الله ، المستكبرين عن الإيمان بالله ﵎، وهي: أن هؤلاء يجابهون ويواجهون من يدعوهم إلى الإيمان والصلاح والتقوى لله ﵎ يجابهونه بالتكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء، يقول ﵎: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣] على أحد القولين في تفسير هذه الآية، ويقول ﵎: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٢ - ٥٣].
وكأن هؤلاء لاتفاقهم على هذه المقولة كأنهم قد تواصوا على هذه المقولة واتفقوا عليها، لكنها سنة الله ﵎ في المصلحين مع أقوامهم: أن يواجههم أقوامهم المكذبون بالتكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء، واتهامهم بما ليس فيهم.
ويخبر ﵎ متوعداً متهدداً أولئك الذين نجم نفاقهم؛ أهل الإرجاف والنفاق: أنهم إن لم يئوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله ﵎ فإنه ستحل عليهم سنة الله في السابقين، يقول ﵎: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦٢].
إنها سنة الله التي لا تتخلف، سنة الله التي لا تتغير: أن يحل بهؤلاء المنافقين وبهؤلاء المرجفين عذاب الله ﵎ إن لم يئوبوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى الله ﵎.
وأيضاً يخبر ﵎ عن سنة من سننه فيقول: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٢ - ٤٣]، ويقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر:١٠ - ١١]، ثم يقول ﵎: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الحجر:١٣]، ويقول مخبراً أنه لو تمالأ أهل الكفر على قتال المؤمنين فإن الله ﵎ سيحل بهم الهزيمة ويولي هؤلاء الأدبار ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٢ - ٢٣]، سنة الله أنه حين يتمالأ ويجتمع أعداء الله على عباده المؤمنين أن تحل بهم الهزيمة، وأن يولي هؤلاء الأدبار، ثم يؤكد ﵎ أن هذه السنة لن تتبدل ولن تتغير.
ويقول ﵎ أيضاً مخبراً عن حال هؤلاء وأنهم يؤمنون حين يرون العذاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غاف
стр. 252
الأدلة على ذلك من السنة
ويشير النبي ﷺ في طائفة من أحاديثه إلى شيء من هذه السنن، يقول ﷺ في قصة قدوم أبي عبيدة بمال من البحرين: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم! ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).
فهي سنة لا تتخلف: أنه حين يتنافس الناس في الدنيا، ويتنافسون في الدينار والدرهم كما تنافس الذين من قبلهم أن تهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم.
ونظر ﷺ إلى السماء فقال: (هذا أوان يختلس العلم، فقال زياد بن لبيد ﵁: كيف يفقد العلم ويرفع العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أبناءنا؟ فقال ﷺ : إن كنت لأظنك من أفقه أهل المدينة! هذه الكتب عند أهل الكتاب أو اليهود والنصارى فلم تغن عنهم شيئاً)، فالسنة التي حقت على أولئك قد تحق على هؤلاء.
وحين أراد النبي ﷺ أن يقيم حد الله على امرأة شريفة ذات مكانة: امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع فتجحده، فأراد النبي ﷺ أن يقطع يدها، فشعر بنو مخزوم وشعرت قريش أن هذا فيه إهانة لشرف هذه القبيلة ذات المنزلة العالية، فأردوا أن يستشفعوا إلى النبي ﷺ أن يخفف عنها الحد، ويسقط عنها هذه العقوبة، فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة ﵁ حب رسول الله ﷺ وابن حبه، فكلموا أسامة، فكلم أسامة رسول الله ﷺ ، فغضب ﷺ على أسامة وقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟!)، فالنبي ﷺ عالج هذه القضية الخطيرة، والتي إن بدت في الأمة فهي نذير هلاك، أي: إن بدت فيهم المحاباة في أحكام الله ﵎ فهي نذير عقوبة وهلاك.
فلم يكتف ﷺ بهذا الرد على أسامة، ولم يكتف بإقامة الحد على هذه المرأة، بل صعد المنبر ﷺ وقال: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، إذاً فقد كان السابقون يحابون في الحدود، وكانوا يقيمون أحكام الله على الضعفاء، وعلى أهل الوضاعة وأهل المنزلة التي ليس لها قيمة ومكانة عند الناس، وأما الشرفاء وأما أهل الشأن وعلية القوم فلهم شأن آخر، ولهم موقف آخر.
ولهذا توعد ﷺ أنكم إن فعلتم كما فعل من كان قبلكم فسوف تهلكون كما هلك من كان قبلكم، إذاً هذه المادة أيضاً من الحديث هي عن السنن الكونية في سنة النبي ﷺ .
стр. 253
استفادة الناس من السنن المادية حينما اكتشفوها ووظفوها
إن لله ﵎ سنناً تحكم هذا الكون، وتحكم حركة التاريخ، وتحكم دنيا الناس، وهي سنن لا تتغير ولا تتبدل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، كما أن لله سنناً تحكم عالم المادة ودنيا الناس، وحين اكتشف الناس السنن المادية أو ما يسميه العلم المعاصر بقوانين الطبيعة؛ حين اكتشفوا هذه السنن وهذه القوانين استطاعوا أن يستفيدوا منها، وأن يوظفوا هذه القوانين وهذه السنن توظيفاً في خدمة الناس في أمور دنياهم، فمن ذلك مثلاً: قانون الجاذبية، وهي قضية يراها كل الناس ولا يجهدون أنفسهم في التفكير فيها، ولا يجهدون أنفسهم في تفسير هذا الموقف الذي يرونه والذي لا يتغير ولا يتبدل.
وحين اكتشف العلم المعاصر هذا القانون استطاع أن يوظف هذا القانون وأن يستثمره، فيعبر القارات، ويعبر الفضاء من خلال السيطرة على هذا القانون، وحين يكتشف العلم المعاصر المواد التي تقبل الاحتراق والتي لا تقبل الاحتراق فإنه يوظف هذه السنة في تحقيق مقصد الناس ومصالحهم في أمور دنياهم، ولهذا نرى النبي ﷺ يربط بين القضيتين: يربط بين السنن الكونية وبين السنن المادية، بين السنن التي تحكم حياة المجتمعات ودنيا الناس وبين السنن التي تحكم عالم المادة، ومن ذلك مثلاً: قوله ﷺ : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أسفلها وكان بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً فلم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أردوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).
إن النبي ﷺ يحدثنا عن سنة من سنن الله ﵎ في المجتمعات، وعن سنة من سنن الله في التاريخ وهي: أنه حين يقع الناس في المعاصي، ويتجرءون على حدود الله فإنه سيهلك المجتمع بمن فيه، ثم يربط النبي ﷺ هذه السنة وهذا القانون بقانون يراه الناس في عالم المادة: فحين تخرق السفينة التي تسير على البحر فإن هذا إيذان بأن يلج إليها الماء فتمتلئ فتغرق بمن فيها ولو كان فيها طائفة لم يكن لهم دور في خرق هذه السفينة.
وأيضاً يذكر لنا ﷺ سنة أخرى من السنن المادية التي يراها الناس، فيربطها بسنة من سنن الله في المجتمعات، يقول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
إذاً ما موقف الناس وما دور الناس وما دور العلم المعاصر في التعامل مع سنن الله في عالم المادة أو ما يسمونه بقوانين الطبيعة، ما دورهم في التعامل معها؟ أترى الناس مثلاً: يستسلمون لهذه السنن وهذه القوانين أم أنهم يحرصون قدر الإمكان على اكتشافها وتفسيرها، ثم محاولة توظيفها واستثمارها والتعامل معها؟ إن هذا هو دأب الناس، وكم استفاد العلم المعاصر من ذلك، وثورة العلم المعاصر إنما قامت على استثمار هذه السنن الثابتة التي تحكم الناس في أمور معاشهم وفي دنياهم، ولكن هل نحن نصنع ذلك في تطلعنا للتغيير الاجتماعي؟ وهل نحن نصنع ذلك في قراءتنا للتاريخ الماضي وفهمنا للتاريخ الحاضر؟ وهل نحن نتعامل مع ذلك كما نتعامل مع السنن في عالم المادة؟ وكتابنا الذي لا ينطق عن الهوى مليء بالإشارة إلى هذه السنن، والحديث عن هذه السنن، ولم نكلف عبئاً في محاولة اكتشافها ودراستها.
стр. 254
موقفنا من السنن المادية
стр. 255
السعي لاكتشافها
إذاً فما موقفنا من هذه السنن؟ الموقف الأول: هو السعي لاكتشافها، السعي من خلال قراءة ما حكاه الله ﵎ لنا من قصص السابقين والأولين قراءة يحكمنا فيها قوله ﵎: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، ونسعى من خلال ذلك إلى أن نكتشف السنن التي تحكم حياة المجتمعات وحياة التاريخ، وأن نقرأ تاريخ أمتنا وتاريخ الأمم الغابرة والماضية، بل أن نقرأ تاريخ الأمم المعاصرة ثم نتأمل ما فيه ونستنبط منه هذه السنن التي تحكم حركة الناس وحياة الناس، وهذا ما سعى إليه العلامة ابن خلدون ﵀ في كتابه الرائع (مقدمة ابن خلدون) في محاولة اكتشاف سنن الله في الدول والمجتمعات، ومن قرأ فيه رأى فيه شيئاً كثيراً من ذلك.
стр. 256
تفسير الأحداث من خلال هذه السنن
الأمر الثاني: تفسير الأحداث من خلال هذه السنن، فتحصل أحداث كثيرة تمر بالناس سواء ما يحصل للمسلمين في مجتمعاتهم، أو ما يحصل لمجتمعات أخرى معاصرة، فيرون ألواناً من الأحداث: من التمكين لأمة من الأمم، أو إهلاك أمة من الأمم، أو أمة يجعل الله ﵎ بأسها بينها، فهي أحداث تمر بالمؤمنين ومع ذلك يعجز الناس عن تفسيرها، ولو وعى الناس سنن الله ﵎ في التاريخ والمجتمعات وربطوها بهذا الواقع المعاصر الذي يعيشونه لاتضحت لهم الرؤية، ولأصبحوا يملكون رؤية واضحة تعينهم على تفسير هذه الأحداث، واكتشاف مغازيها.
стр. 257
الرؤية المستقبلية للأحداث
الأمر الثالث: الرؤية المستقبلية للأحداث، أو التنبؤ بها من خلال أن يتوقع المسلمون ما سيحل بمجتمعاتهم، أو ما سيحل بالمجتمعات القريبة لهم، ألسنا قرأنا لكثير من المفكرين الإسلاميين وعلماء الإسلام في هذا العصر أنهم كانوا يتنبئون بسقوط الشيوعية ويتنبئون بانهيارها، فكيف استطاع هؤلاء أن يتنبئوا بذلك؟ أهم يعلمون الوحي؟ أهم يعلمون الغيب ويدركون ما وراء السطور؟ أبداً، إنهم علموا ذلك من خلال هذه السنن.
ولهذا حين ولى الفرس عليهم امرأة قال ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فأدرك ﷺ من هذه السنة التي علمها ﷺ -وهو لا ينطق عن الوحي- أن هذه أمارة ودليل على زوال الفلاح عن هؤلاء؛ لأنهم ولوا أمرهم امرأة، ومن ولى أمره امرأة فإن هذا إيذان بزوال الفلاح عنهم.
стр. 258
استثمار هذه السنن والاستفادة منها
الأمر الرابع: أن نستثمر هذه السنن، وأن نستفيد منها ونحن نتطلع للتغيير في مجتمعاتنا، ونحن نسعى إلى عالم أفضل، فننطلق من خلال إدراكنا لهذه السنن.
إننا نقرأ في كتاب الله ﵎ ونقرأ في التاريخ عوامل نهضة الأمم وعوامل رقيها، فنحن إذاً حين نتطلع للنهضة والرقي علينا أن نسلك هذه العوامل، ونأخذ بهذه الأسباب، ونقرأ عوامل الانحطاط والانهيار وحلول العذاب والبوار.
ونحن إذ نحرص على حماية أنفسنا من عذاب الله ﵎ فيجدر بنا أن نجتنب هذه الأسباب، وأن نحذر بني قومنا منها.
أليس جديراً بنا إذاً ونحن نتطلع للتغيير، ونحن نطلع للإصلاح، ونحن نسعى إلى التغيير في مجتمعات المسلمين أليس جدير بنا أن نتأمل هذه السنن، وأن نعيها، وأن ننزلها على واقعنا، وأن نسعى من خلال التعامل معها إلى التغيير في واقعنا ومجتمعاتنا؟ وهذا يضيف علينا عبئاً كبيراً، وهذا يجعلنا ندرك أن المسئولية وأن واجب الإصلاح والتغيير لا يقف عند مجرد الجهود المرتجلة، وعند مجرد أعمال مبعثرة هنا وهناك، بل حركة الإصلاح والتغيير في مجتمعات المسلمين تحتاج إلى دراسة متأنية، وتحتاج إلى بحث عن سنن التغيير والسعي إليها.
ولهذا نقف في نهاية هذا الحديث حول سنة من هذه السنن بعد أن عرفنا من خلال هذا الاستعراض أهمية السنن الكونية: أهميتها في تفسير مجرى الأحداث، وأهميتها في التنبؤ بها، وأهميتها في توظيفها واستثمارها للرقي بالأمم، ولتجنب عوامل الانحطاط، يقول ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ويقول ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].
وقد أشار ﷺ في السنة النبوية إلى هذا المعنى، فيقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لن يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)، ويقول ﷺ أيضاً: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت).
وقد سأل النبي ﷺ ربه ألا يهلك أمته بسنة بعامة، وسأل ربه ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعه الله ﵎ ذلك، قال: حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً، ويسبي بعضاً.
ويقول ﷺ : (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن أدركتموهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) , فهذه سنة تفسر لنا ما نراه الآن في العالم المعاصر، وتبقى نذير خطر لأولئك الذين يسعون إلى إغراق مجتمعات المسلمين بالفساد والإباحية، (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم، وما نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالمؤنة وجور السلطان، وما منعوا زكاة أموالهم إلا حبسوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).
إنها سنن كونية نراها الآن حاضرة في المجتمعات المعاصرة التي ابتلاها الله ﵎ بهذه العقوبات بما كسبت أنفسهم، إن هذا أيضاً مصداق لقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، وهو أيضاً مصداق لقوله ﵎: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، وهو حديث يكثر في القرآن الكريم، بل إن قراءة قصص الأولين والغابرين في كتاب الله ﵎ تؤيد هذا المعنى وتشهد له، فالله ﵎ لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم إلا وقد غيروا ما بأنفسهم، ولم يكن ﵎ مغيراً سوءاً حل بقوم إلا وقد غيروا ما بأنفسهم.
стр. 259
نتائج الاهتمام بالسنن المادية
стр. 260
نحن مسئولون عن هذا الواقع الذي وصلنا إليه
إن هذه السنن معشر الإخوة الكرام! تعطينا نتائج مهمة جدير بنا أن نتأملها وأن نعيها ونحن نتطلع للإصلاح والتغيير: النتيجة الأولى: أننا نحن المسئولون عن هذا الواقع، وأن الأمة إنما أوتيت من داخلها، فليس الكيد الخارجي والتآمر، وليس فلان أو فلان هم المسئولون عما حل بالأمة، بل نحن المسئولون عما حل بنا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، فالحال التي وصلنا إليها والواقع المر الذي نعانيه ونعيشه الآن إنما هو نتيجة للتغيير الذي غيرناه بأنفسنا حتى حل بنا ما حل.
فلنكن صرحاء مع أنفسنا ولا نحيل مشاكلنا على غيرنا، ولا نتهم بمشاكلنا ونحمل المسئولية من لا يحتملها، فنحن وحدنا نتحمل كل المسئولية، فكل ما حل في مجتمعات المسلمين من بعد عن دين الله، ومن تخلف، ومن جهل، ومن أمية، ومن فقر، ومن معاناة، ومن حروب، ومن بأس, كل هذه الظواهر التي تعاني منها الأمة إنما هي نتيجة منطقية لما كسبت أيدينا، ونتيجة لما بأنفسنا، فلا نحمل مسئولياتنا غيرنا، ولا نبحث عن شماعة نعلق عليه أخطاءنا، إن هذه سنة الله ﵎ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
стр. 261
لا يتم التغيير إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا
النتيجة الثانية: أن التغيير لن يتم إلا إذا غيرنا ما بداخلنا، إننا ونحن نتطلع إلى عالم أفضل، إننا ونحن نسعى إلى تغيير ما في الناس من بعد عن دين الله ﵎، ونحن نسعى إلى إعادة الناس إلى دين الله ، وإلى التزامهم بما أمر الله ﵎ به، وانتهاؤهم وانزجارهم عما نهى ﵎ عنه، إننا ونحن نتطلع إلى ذلك لا يمكن أن نحققه إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا، وإذا غيرنا ما بداخلنا فهي الخطوة الأولى والتي ليس هناك خطوة غيرها للتغيير وللإصلاح.
وحين نتطلع لتغيير ما تعانيه الأمة من جهل، ومن أمية، ومن تخلف، ومن فقر، ومن حروب، ومن تمزق، ومن قلاقل فإننا لن نستطيع أن نصل إلى هذا التغيير إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا، إذاً فجدير بالأمة أن تفقه ما هو سبب معاناتها، وما هو سبب أزمتها، وأن تفقه ثانياً ما هو عامل التغيير وما هي وسيلة التغيير؟
стр. 262
تغيير الواقع أمر ممكن
النتيجة الثالثة: أن التغيير ممكن وليس الواقع المعاصر أمراً حتماً ولازماً، وليس هو قدر الله لهذه الأمة ولا لمجتمعات المسلمين.
إن التغيير يمكن أن يحصل، وإن الأمة يمكن أن تنتقل إلى عالم أفضل، وإننا حين ننظر في حال المسلمين وفي حال هذه الأمة وتعاملها مع هذه القضية ومع هذه الحقيقة نرى أن هناك أزمة تعانيها الأمة، وأنها بحاجة إلى من يقنعها بالتغيير، فالكثير من الناس يعتقد أن هذا الواقع يفرض نفسه، ولهذا حين تحدثه عما في نفسه، أو تحدثه عن قضية يعاني منها المجتمع وتطالبه أن يأخذ بيد القائمين والساعين للتغيير يقول لك: إن المفروض شيء والواقع شيء آخر، وهذا يعني: الاستسلام للواقع، والشعور بأن هذا الواقع قد فرض نفسه، وأنه ضربة لازب لا سبيل ولا مناص إلى تغييره.
ونحن نرى أيضاً إلقاء تبعة التغيير السابق أو التغيير اللاحق على الآخرين، فنحن نحمل ما أصابنا من مصائب ومن نكبات، ومن بعد عن دين الله، ومن تخلف حضاري وتأخر نحمل المسئولية غيرنا، وأيضاً نحمل مسئولية النهوض بمجتمعاتنا غيرنا، وهي صورة تنم عن جهل في فقه هذه السنن، وعن جهل في وعيها، وهي تدعو المؤمنين إلى إعادة قراءة كتاب الله ﵎ قراءة تدبر وتمعن، وتنزيل ما في كتاب الله ﵎ على واقعهم وحياتهم وعالمهم المعاصر.
ونحن نعاني أيضاً مرضاً ثالثاً: في تعامل المؤمنين مع واقعهم، ذلكم هو: تسويغ الواقع، وهو داء عضال وجريمة عظمى يرتكبها أولئك الذين يقفون حجر عثرة في سبيل أي جهد يبذل للإصلاح والتغيير، فعجباً لحال هؤلاء! إن هناك وفي هذه المرحلة وهذا الواقع من يسعى لتبرير الواقع وتسويغه، وتسويغ الانحراف الذي تعاني منه الأمة والذي لم يعد خافياً على ذي عينين، إن هناك من يدافع عن تلك الجرائم التي ترتكب بحق الأمة، إن هناك من يدافع ويبرر كثيراً من مظاهر الشرك والوثنية التي تعاني منها الأمة الآن، ويلبسها تارة لباس المصلحة، وتارة لباس الجهل، وتارة يلبسها لباس أن أولئك يفقهون ما لا تفقهون، ويعلمون ما لا تعلمون، ويريدون ما لا تريدون، وأنكم حين تنزل الحكم الشرعي على هذه الوقائع فتقرر أن هذا الأمر جريمة، أو أن ذاك العمل صد عن سبيل الله، أو أن هذا مظهر من مظاهر الكفر بالله ﵎، أنكم حين تسعون لذلك فإنكم تسعون إلى إثارة البلبلة، وإلى تمزيق صف الأمة ووحدتها، وكأن هذه الأمة مدعوة لأن تتحد على الخنى والفجور، وأن تحافظ على هذا الاتحاد ولو كان ذلك على حساب قضية الإيمان وقضية التوحيد وقضية العفة والنزاهة.
إن هناك للأسف وفي هذا الواقع المرير الذي يدعو الأمة أجمع إلى أن تهب وأن تقوم يداً واحدة للإصلاح والتغيير، إن هناك من يسعى إلى تسويغ الواقع وتبريره، ومحاولة البحث عن المسوغات وهي جريمة أشنع وأشد من جريمة القاعدين والناكسين.
وهناك سلوك رابع خاطئ في تعامل المسلمين مع هذه القضية، وهو إفراز لشعور المسلمين أن هذا الواقع لا يمكن أن يتغير، ذلكم هو الوهم الذي سيطر على المسلمين: وهو أن حل قضيتهم في انتظار البطل القادم الذي يأتي ويحل مشاكل المسلمين.
ولهذا فالمسلمون دائماً يتساءلون ويقولون: أين ابن تيمية؟ أين صلاح الدين؟ أين خالد بن الوليد؟ وأين فلان وفلان من الناس؟ وكأن هؤلاء قد شعروا بأنهم غير قادرين على أن يصنعوا شيئاً ولا أن يتقدموا خطوة، وأن هذا الواقع الذي تعاني منه هذه الأمة لا يمكن أن يتغير إلا إذا جاء هذا الفارس الموهوب، والبطل القادم الذي ليس له وجود إلا في خيال أولئك القاعدين الناكسين، مما حدا بشاعر أن ينعى على هؤلاء ويسخر بهم قائلاً: وغاية الخشونة أن تندبوا قمْ يا صلاح الدين قمْ دعوا صلاح الدين في مرقده واحترموا سكونه.
فإنه لو قام بيننا حقاً ستقتلونه إن المسلمين وهم يعيشون مرارة الهزيمة، وهم يعيشون مرارة التخلف، وهم يعيشون البعد عن دين الله ﵎ تتطلع نفوسهم للتغيير والإصلاح، لكنهم لا يجرءون على أن يحملوا أنفسهم مسئولية ما آل إليه واقعهم، ومسئولية الإصلاح والتغيير بعد ذلك، فيستسلمون لهذه الأوهام، ويتطلعون إلى أن يأتي رجل من عالم الغيب يقود الأمة لتقوم، ولو جاء هذا الرجل فإنه ما لم يقم معه الناس، وما لم يكن الناس له أعواناً، ويكن له من الناس ظهير فإنه سيقول كما قال موسى: ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]، فحين تخلى قوم موسى عن موسى لم يكن ينفعهم، ولن يكن لينجيهم أنهم مع رسول من رسل الله من أولي العزم من الرسل، فلئن لم يتحقق ذلك لبني إسرائيل وهم مع نبي من أنبياء الله فإنه لن يتحقق لغيرهم وهم مع من هو دونه بكثير.
стр. 263
عدم اليأس من تغيير الواقع
وهناك سلوك رابع خاطئ في تعامل المسلمين مع هذه القضية، وهو إفراز لشعور المسلمين أن هذا الواقع لا يمكن أن يتغير، ذلكم هو الوهم الذي سيطر على المسلمين: وهو أن حل قضيتهم في انتظار البطل القادم الذي يأتي ويحل مشاكل المسلمين.
ولهذا فالمسلمون دائماً يتساءلون ويقولون: أين ابن تيمية؟ أين صلاح الدين؟ أين خالد بن الوليد؟ وأين فلان وفلان من الناس؟ وكأن هؤلاء قد شعروا بأنهم غير قادرين على أن يصنعوا شيئاً ولا أن يتقدموا خطوة، وأن هذا الواقع الذي تعاني منه هذه الأمة لا يمكن أن يتغير إلا إذا جاء هذا الفارس الموهوب، والبطل القادم الذي ليس له وجود إلا في خيال أولئك القاعدين الناكسين، مما حدا بشاعر أن ينعى على هؤلاء ويسخر بهم قائلاً: وغاية الخشونة أن تندبوا قمْ يا صلاح الدين قمْ دعوا صلاح الدين في مرقده واحترموا سكونه.
فإنه لو قام بيننا حقاً ستقتلونه إن المسلمين وهم يعيشون مرارة الهزيمة، وهم يعيشون مرارة التخلف، وهم يعيشون البعد عن دين الله ﵎ تتطلع نفوسهم للتغيير والإصلاح، لكنهم لا يجرءون على أن يحملوا أنفسهم مسئولية ما آل إليه واقعهم، ومسئولية الإصلاح والتغيير بعد ذلك، فيستسلمون لهذه الأوهام، ويتطلعون إلى أن يأتي رجل من عالم الغيب يقود الأمة لتقوم، ولو جاء هذا الرجل فإنه ما لم يقم معه الناس، وما لم يكن الناس له أعواناً، ويكن له من الناس ظهير فإنه سيقول كما قال موسى: ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]، فحين تخلى قوم موسى عن موسى لم يكن ينفعهم، ولن يكن لينجيهم أنهم مع رسول من رسل الله من أولي العزم من الرسل، فلئن لم يتحقق ذلك لبني إسرائيل وهم مع نبي من أنبياء الله فإنه لن يتحقق لغيرهم وهم مع من هو دونه بكثير.
وأخيراً: قد يلجأ الناس إلى الهروب من التفكير في القضية أصلاً، فيهربون من التفكير في الواقع ومرارته، أو يهربون من المناقشة الصريحة في وسائل التغيير والإصلاح، ويصرفون القضية يمنة ويسرة، وهذا فرار من المسئولية، وتخلي عن التبعة لن يفيدهم شيئاً، ولن يغني عنهم شيئاً أمام الله ﵎.
إذاً: هذه صور تعكس شعور المسلمين أن هذا الواقع الذي يعيشونه ضربة لازب، وأنه أمر حتمي لا يمكن أن يتغير.
إن فقهنا لهذه السنن يعني أن ندرك تمام الإدراك، ونوقن تمام اليقين أن هذا الواقع يمكن أن يتغير حين يريد الناس وحين يغير الناس ما بأنفسهم.
стр. 264
ضرورة القراءة المتأنية لمداخل النفوس
النتيجة الرابعة: فقهنا لهذه السنة يعني ضرورة القراءة المتأنية لمداخل ما في النفوس لاكتشاف العلة، والسعي لإحداث التغيير، إننا وقد تقرر لدينا أن هذا التغيير الذي أصاب الأمة وقد كانت أمة العز والنصر والتمكين، وقد كانت أمة تسير على شرع الله: أن هذا التغيير إنما أتاها من أنفسها، إنما أصابها من الداخل، إن شعورنا وإيقاننا بذلك يدعونا إلى دراسة وإلى قراءة متأنية لما في النفوس؛ حتى نسعى إلى اكتشاف العلة، والبحث عن مكمن الداء، ثم نسعى بعد ذلك إلى العلاج والإصلاح.
إذاً هذا يعني: معشر الإخوة الكرام! أن قضية الإصلاح وقضية التغيير تحتاج جهداً ضخماً من القراءة في سنن الله ﵎، ومن خلال قراءة ما في النفوس ووعيها ثم إقناع الناس بواجب التغيير وضرورة التغيير وإمكان التغيير.
стр. 265
شمولية التغيير لجميع جوانب الحياة
النتيجة الخامسة: إدراكنا لهذه السنة يعني: شمولية الأمر لجميع جوانب الحياة المختلفة، إن الله ﵎ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ولا شك أن أول ما يدخل في ذلك: ما في أمور دين الناس.
فالله ﵎ لم يكن ليغير حال الناس من تدين وصلاح وتقوى إلى فجور إلا وقد غيروا ما في أنفسهم والعكس، إن هذا يدخل في هذا الأمر، وأيضاً يدخل فيه ما يعاني منه المسلمون في أمور عالمهم المادي، إن الأمة الإسلامية الآن مدرجة ضمن العالم المتخلف والذي يسمى تفاؤلاً بالعالم النامي، فهي قد بلغت القمة والغاية في الأمية، والجهل، والفقر، والتخلف، والتأخر الاقتصادي، والمديونية، والتفرق، والتمزق، إنها تحمل رصيداً هائلاً من الأمراض البشرية التي تحملها المجتمعات المعاصرة، فهي حين تريد تغيير ما بها ينبغي أن تعلم أن التغيير إنما يتم من الداخل، فإن كانت الأمة صريحة مع نفسها، وإن كانت الأمة تحمل روحاً واقعية وتأملت في نفسها فإنها يمكن أن تغير، وإن أخلدت إلى الأرض فإن هذا الواقع لن يتغير حتى يتغير ما بأنفس الناس.
стр. 266
ينبغي الربط بين معرفة هذه السنن والإيمان بالقضاء والقدر
النتيجة السادسة وبها نختم الحديث: ينبغي أن نربط هذه القضية بركن من أركان الإيمان؛ ذلكم هو الإيمان بالقضاء والقدر، إن المؤمنين يؤمنون جميعاً بل لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، ولا يتم إيمان العبد حتى يعلم أن الأمور كلها تجري بقدر الله ﵎، وأنه كما قال ﵎: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠]، وكما قال ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
إن المؤمنين يدركون جميعاً إدراكاً نظرياً هذه الحقيقة، وهذه القضية هي: أن الأمور كلها في عالمهم المادي، وغير المادي، والأمور كلها التي تحكم حياة الأفراد والمجتمعات إنما هي بقضاء الله ﵎ وقدره، ويؤمنون ويدركون أيضاً أن الله ﵎ قد جعل لهذه الأمور أسباباً، وأن من تمام الإيمان بالقضاء والقدر أن يسلك الناس فعل الأسباب، إن الناس كل الناس يدركون أن الجوع والمرض أمر بقدر الله ﵎، لكنهم يسعون إلى منع المرض عنهم، وإلى منع الجوع عنهم، وإلى دفعه عنهم بالطعام والشراب والعلاج، إنهم يدركون جميعاً أن الرزق بيد الله ﵎، وأنه لا يزيده ولا يرده حرص حريص، وأنه لن تموت نفس منفوسة حتى تستكمل رزقها، إن الناس يدركون ذلك ومع ذلك يدركون أنه لن يحصلوا رزقهم إلا إذا فعلوا الأسباب، فيجتهدون ويكدحون ويبذلون وهم يعلمون أن الرزق بيد الله ﵎.
ولكن هل نحن في أمور مجتمعاتنا وفي نظرتنا إلى واقعنا هل نحن ندرك هذه القضية وهذه الحقيقة وهي: ارتباط السبب بالنتيجة؟ وهل ندرك أن الأمور بيد الله ﵎؟ ونحن كثيراً ما نقول: الأمور بيد الله ﵎، ونحن كثيراً ما نقول: القضية قضاء وقدر، ونلجأ إلى الله بالدعاء، لكن هل نحن مع ذلك نفعل الأسباب؟ هل نحن نسعى إلى فعل الأسباب؟ إنه تماماً كما أنه لن نحصل رزقنا إلا بفعل الأسباب فلن ندرك التغيير أيضاً في مجتمعاتنا والإصلاح إلا بفعل الأسباب والاجتهاد في ذلك، وينبغي أن تكون الأسباب على قدر الهدف الذي نتطلع إليه ونسعى إليه.
إننا ونحن نرى في واقعنا أن الناس يجتهدون في دفع المرض عنهم وفي العلاج، فينفقون الأموال الطائلة، ويسافرون، ويفتشون يمنة ويسرة في محاولة علاج هذا المرض؛ يدركون أن ذلك من تمام الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الأمور بيد الله لكنهم يبذلون هذا الجهد، فهل نحن معشر الإخوة الكرام! نبذل هذا الجهد في تصحيح واقعنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في علاج أمراضنا؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في دفع الفساد الذي حل بأمة الإسلام؟ هل نحن نبذل هذا الجهد في إزالة هذه المنكرات التي فشت في مجتمعات المسلمين؟ إنه من الجهل بقضاء الله وقدره أو قل: من مخادعة النفس أن نضع يداً على يد ونقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن نبكي ونتحسر على أمة الإسلام، إن البكاء لن يجدي ولن ينفع شيئاً، وإن الحوقلة والاسترجاع وحدها لن تنفع والدعاء وحده لن ينفع إلا إذا كان معه جهد وبذل وتضحية وتحمل.
إننا ما لم نشعر أننا يجب أن ندفع ثمناً باهظاً لإزالة المنكرات لتصحيح الواقع للنهوض بهذه الأمة، وما لم نقم بذلك فإننا غير مؤهلين للتغيير؛ لأننا لم نغير ما بأنفسنا، إننا قد أتينا من قلة فقهنا في قضية الإيمان بالقضاء والقدر، إننا قد أتينا من قلة فقهنا بالعلاقة بين السبب والنتيجة، وإن من رحمة الله ﵎ بعباده أن جعل هناك علاقة مضطردة في حياة الناس بين السبب والمسبب؛ بين السبب والنتيجة، فكل نتيجة يوصل لها سبب معروف يعرفه الناس في أبسط قضايا الناس إلى الأمور المعقدة، سواء في عالمهم المادي أو حياة مجتمعاتهم وحركة التاريخ، وهذا يعني: أن يسعى الناس إلى اكتشاف الأسباب، وأن يسعى الناس إلى بذل الأسباب إذا كانوا يتطلعون إلى نتيجة وحصولها، فالله ﵎ قد جعل لكل شيء سبباً، والله ﵎ قد جعل لكل شيء قدراً.
إن إدراك هذه الحقائق معشر الإخوة الكرام! ضرورة لأولئك الذين يتطلعون للإصلاح والتغيير، فهل ندرك هذه الحقائق؟ وهل نسعى إلى غرسها في مجتمعات المسلمين؟ أسأل الله ﵎ أن يغير ذل المسلمين إلى عز، وأن يغير معصيتهم إلى طاعة، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بشرعك، وينتصر فيه للمظلوم والضعيف، إنك سميع قريب مجيب، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 267
الأسئلة
стр. 268
كل شيء بقضاء الله وقدره
السؤال
قلتم: إن الواقع الذي نعيشه ليس قدراً من الله بل هو من عند أنفسنا، أليس كل ما يجري في الكون من أمور الدنيا والدين يتم بقضاء الله وقدره؟
الجواب
ما أدري إذا أنا كنت قلت هذا، وما أحد يقول هذا، لكن ربما أحياناً والإنسان يتحدث قد يقول كلمة تكون سبق لسان منه، ولو كنت قلت هذا فإنني أقصد: أن هذا الأمر ليس ظلماً من الله ﵎ للناس، وإنما هو من عند أنفسنا، ولعل ما قلت في آخر الحديث يؤكد هذا المعنى من الحديث عن قضاء الله ﵎ وقدره، وليس هناك أحد يمكن أن يناقش أبداً في أن كل ما يحصل -سواء الأفراد أو المجتمعات- من أمور الدين أو الدنيا أنه كله بيد الله ﵎، بل من شك في ذلك فعليه أن يعيد النظر في إيمانه.
стр. 269
ضرورة الاستمرار في التغيير، وعدم التعلق بالأشخاص
السؤال
كثير من الناس يتعلقون بأشخاص وشخصيات بارزة كان لها دور في التغيير، فعندما مات أولئك توقفوا معهم، فهل من تعليق حول ذلك؟
الجواب
هذا جزء من أمراض الأمة، وهذه القضية أشار إليها مالك بن نبي ﵀؛ أشار إلى جزء من هذا فيقول: إن الأمة مصابة بالتعلق بالأشخاص، ودائماً تبحث عن حلها عند هؤلاء الأشخاص، فدائماً تتساءل عن صلاح الدين وعن فلان وفلان؛ لأنهم شعروا أن قضيتهم متعلقة بالأشخاص فقط.
стр. 270
كيفية التعامل مع من يسوغون الواقع ويبررونه
السؤال
كيف نتعامل مع من يسوغون الواقع ويبررونه، أو من يحاول أن يزرع في النفوس اليأس من أن يمكن تتغير الأمور إلى الأحسن؟
الجواب
هؤلاء المثبطون إما أن يكون عندهم شبهة وعندهم إحباط، فهؤلاء ينبغي أن نسعى إلى إقناعهم، وأما أولئك المثبطون المتخاذلون، والإنسان الكسول الذي يسعى إلى ذلك لتبرير كسله فأظن أنه من إضاعة الوقت النقاش مع أمثال هؤلاء.
стр. 271
سبب حصول المصائب على المؤمنين
السؤال
أحياناً تحصل بعض المصائب، فهل السبب هو التغيير في أنفسنا أم هو الابتلاء، نرجو منكم توضيح ذلك؟
الجواب
قد يكون هذا وقد يكون ذاك، فقد يصيب المؤمنين أمر هو ابتلاء، وقد يصيبهم أيضاً مصائب، لكن حتى المصائب يكفر الله ﵎ بها عن عباده.
стр. 272
السبيل إلى نجاة الأمة
السؤال
ذكرتم أن السبيل إلى نجاة الأمة هو العودة إلى الله تعالى، وتغيير واقع الأمة المخزي، فكيف يكون ذلك والاتكالية موجودة بيننا؟
الجواب
هذا العرض الذي كنا نقول هو دعوة إلى إلغاء الاتكالية، فعلينا أن نعرف أن قضيتكم بيدكم فأنتم الذين تملكون حق تقرير المصير عن أنفسكم كما يقال، فإذا أردتم تغيير الواقع فالتغيير بيدكم فلا تخرجوه إلى غيركم ولا تلوموا غيركم، فهذه الأمة يجب أن تعي هذه القضية، والحقيقة تتحول هنا إلى بداهية: أن هذا الواقع نحن المسئولون عنه، ونحن القادرون على تغييره بإذن الله ﵎، والله إنما جعل التغيير بيد الناس، ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤].
стр. 273
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في نجاة الأمة
السؤال
هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في هلاك الأمة؟ لأني أرى كثيراً ممن يرى عليه علامات الخير والصلاح وهو يرى المنكر سواء كان ترك صلاة أو تبرج نساء أو سماع غناء، ولا ينكر ذلك المنكر، أرجو توجيه هؤلاء الناس الذين يعملون الخير الكثير من أمور الدين ولا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
الجواب
لا شك أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب حلول العذاب، ويكفي الحديث الذي أشرنا إليه والذي رواه البخاري، الذي شبه فيه النبي ﷺ حياة الناس والمجتمع بالسفينة في قوله: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أسفلها وكان بعضهم أعلاها).
стр. 274
أهم الأمور المعينة على التغيير
السؤال
ما هي أهم الأمور في نظركم التي تعين على تغيير ما يكون في النفس؟
الجواب
من أهم الأمور أولاً: الاقتناع بضرورة التغيير، ثم أن نقتنع بأن التغيير ممكن، فأحياناً قد نكون مقتنعين أن عندنا مشكلة، ومقتنعين أيضاً أننا ينبغي أن نغير واقعنا، لكننا غير مقتنعين أنه يمكن أن يتغير هذا الواقع، وهذه مشكلة، فيجب أن نغرس هذا الاقتناع سواء على مستوى الأفراد أو مستوى المجتمعات، نغرس فيهم أن التغيير ممكن، وأنه ليس هناك شيء أبداً يمكن أن يحول بيننا وبين التغيير، ثم بعد ذلك محاولة الدراسة المتأنية العميقة لما في النفوس؛ لاكتشاف ما هي الأسباب والعوامل للتغيير، ثم الإرادة الجازمة الجادة في ذلك؛ لأن التغيير صعب؛ لأن العوائد تأسر الإنسان فيخلد إليها، فيصبح تغييرها صعب جداً إلا إذا كان عند الإنسان إرادة قوية وجادة، فكثير من الناس مثلاً: يقع في أمور مقتنع هو أنها تضره سواء في أمور دينه أو أمور دنياه، لكنه لا يتركها والسبب هو أنه اعتاد عليها، وأسرته العادة فصار يشعر أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها، ولو كان عنده إرادة قوية لأمكن أن يتخلى عنها.
стр. 275
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم من خير أو شر
السؤال
المفهوم من منطوق عنوان المحاضرة؛ الآية الكريمة هو: أن الله لا يغير النعم حتى يتغير أصحابها، والسؤال هل الآية أو العنوان خاص بذلك أم يدخل في ذلك أن الله لا يغير النقم ويزيلها حتى يغير أصحابها ما بهم من سوء؟
الجواب
هذا صحيح في الآية الأولى في آية الأنفال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ [الأنفال:٥٣]، وكذلك الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، فهذه خاصة في النعم، وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فهي عامة تشمل النعم والنقم، واستدللنا على ذلك أيضاً بقوله ﵎: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
стр. 276
كيفية الجمع بين سنن الابتلاء وسنن الانتقام
السؤال
كيف نجمع بين سنن الابتلاء وسنن الانتقام، لاسيما وقد اغتر البعض بما فتح على الغرب من تقدم تكنولوجي ومن جمال في الطبيعة؟
الجواب
أول شيء: قضية الجمال في الطبيعة هذا أمر الله، يعني: ليس هو القضية قدر الله، فالله ﵎ قسم الأرزاق بين الناس، فأناس عندهم جمال في الطبيعة، وأناس عندهم معادن، وأناس عندهم نفط، فمن فقد شيئاً عوضه الله خيراً منه.
الجانب الثاني: كونه فتح على الغرب في التقدم التكنولوجي؛ فالله ﵎ من سنته أن الناس إذا بذلوا واجتهدوا في أمور الدنيا أنه يعطيهم، وأنه ﵎ يسخر لهم.
ولهذا أولئك أدركوا السنن التي تحكم عالم المادة، واستطاعوا أن يتعاملوا مع هذه السنن ويطوعوها، ولا يستطيع الإنسان أن يعدل فيها، وكذلك لا يستطيع أن يعدل في سنن التاريخ، لكنه يتعامل معها كما ذكر ذلك مالك بن نبي ﵀، فيقول: إننا لن نستطيع أن نغير سنن التاريخ، لكننا نستطيع أن نتعامل معها، يقول: كما أننا لا نستطيع أن نغير سنن وقوانين المادة، لكننا نستطيع أن نتعامل معها، وضرب على ذلك مثالاً بما أشرت إليه من قانون الجاذبية.
فالمهم أن هذا جزء من سنن الله، فلم يغير الله ما بأولئك من جهل وبعد عن العلم حتى غيروا ما بأنفسهم، فالتغيير في جانب واحد: في جانب المادة إنما كان نتيجة للتغيير الذي كان في أنفسهم، فحين بذلوا الجهد واستفرغوا وسعهم مكن لهم في الدنيا، والمؤمنون شأنهم شأن غيرهم بل هم أولى وأحق بالتمكين، ومع ذلك يبقون كما قال ﵎ عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فهذا لا يدعوا إلى أن نغتر بما عندهم، لكن لاشك أن ما حصلوه ليس بخرق للسنن الكونية، فهذا جزء من هذه السنن.
стр. 277
لا يكون التغيير حتى تغير الأمة من حالها
السؤال
هل يشترط للتغيير أن يكون من جميع أفراد الأمة تقريباً أو يكتفي بأن يكون من أفراد معدودين عاملين في الدعوة؟ وهل حينما نوجد أفراداً يقودون الأمة وتنقاد الأمة لهم يحصل التغيير، أما أنه حينما لا تنقاد الأمة فلا يمكن ذلك؟
الجواب
كما ذكرنا في قصة موسى لما كان مع قومه ولم يستجيبوا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥].
стр. 278
الكتب التي ينصح بالرجوع إليها في هذا الموضوع
السؤال
ما هي الكتب التي تنصحنا بالرجوع إليها عن هذه المحاضرة؟
الجواب
هناك كتاب قرأته في الإعداد لهذه المحاضرة وهو مفيد لكن عليه ملاحظات، هذا الكتاب أنصح أي أخ أن يقرأ فيه، وهذا الكتاب هو (حتى يغيروا ما بأنفسهم) حول هذا العنوان لـ جودة سعيد وقدم له مالك بن نبي، لكن فيه بعض الشطحات وبعض التجاوزات، وهو ينتمي إلى مدرسة مالك بن نبي وهي مدرسة معروفة بالمدرسة الحضارية، فهم عندهم إبداع في بعض الجوانب لكن هناك بعض الملاحظات على مثل هذه المدرسة، فالذي يملك عقلية ناقدة جيدة يمكنه أن يقرأه، لكن البعض من الناس قد لا يستطيع أن يقرأ مثل هذه الكتب التي قد يكون فيها ملاحظات، لكن أتصور أن أفضل منه كتاب للدكتور عبد الكريم بكار وهو: نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي.
стр. 279
نصيحة في كيفية تغيير ما في النفس
السؤال
أحاول تغيير نفسي من حال إلى حال أحسن وأحسن، ولكن كثيراً ما أحاول ذلك وللأسف لا أوفق، فما الحل الصحيح؟
الجواب
الحل أشرت إليه قبل قليل وهو: أن تقتنع أنك ممكن أن تغير، وأن تقتنع بضرورة التغيير، فكونك تملك الإرادة هذا عنصر مهم في موضوع التغيير.
стр. 280
تغيير الحال يؤثر في الأمور الدينية والدنيوية
السؤال
تحدثت عن السنن وأنها لا تتخلف، لكن الناظر في الواقع اليوم يجد أن الدول الكافرة وما هي عليه من دين محرف ممكنة في الأرض، فما هو التفسير الشرعي لذلك حتى تتضح الصورة؟
الجواب
هذا دليل يا إخوان على أننا ما نفقه معنى السنن، فهذا يا أخي جزء من سنن الله، لماذا؟ لأنه حين تأخر المسلمون، وحين بذل أولئك مُكِّن لهم، فهذه سنة من سنن الله: أنه حين يتأخر المسلمون ويتقهقرون فإنه يمكن لغيرهم، وأحياناً يبذل أولئك وسعهم، فسنن الله تحتاج إلى قراءة متأنية في القرآن وإلى مراجعة وإلى تأمل، وحينها يستطيع الإنسان فعلاً -كما قلت لكم- أن يفسر الواقع تفسيراً سليماً، ويعطيه ذلك رؤية في المستقبل أفضل وأتم.
стр. 281
معنى السير في قوله تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا)
السؤال
قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل:٦٩] هل السير هنا هو السياحة المعروفة أم البحث عن جديد أم ماذا؟ ثم هل هذا السير واجب أو مستحب؟
الجواب
لا، ليس المقصود مجرد أن يسافر الإنسان، لكن المقصود: التأمل والتمعن، فإذا كان لا يتم ذلك إلا بالسير فإن الإنسان يسير في الأرض، فالمقصود: أن آيات هؤلاء باقية ظاهره في الأرض؛ فإذا مر الإنسان رأى تلك البلد التي كان فيها أولئك الذين عذبوا وأهلكوا.
стр. 282
الحل لانحطاط الأمة وتقهقرها
السؤال
ماذا نفعل والأمة تمشي إلى الانحطاط في إعلامها وفي تجارتها وفي جميع معاملتها؛ ما هو الدور الذي نقوم به في هذه الظروف التي تمر بها الأمة؟
الجواب
هذا هو الذي تحدثنا عنه سابقاً، وهو أن نحقق التغيير، وأن نسعى إلى إقناع الأمة أنها يجب أن تحقق التغيير في أنفسها حتى يتغير ما بها.
стр. 283
الاهتمام بالدعوة في المناطق النائية
السؤال
ما موقفنا من الدعوة إلى الله في القرى وبالأخص المناطق النائية والتي يقل فيها طلاب العلم؟ وما موقف أهل العلم من المشايخ والدعاة من ذلك؟ وبماذا تنصحون الجميع؟
الجواب
أولاً: لا يصح أن نقصر الدعوة على تلك المناطق النائية، فالدعوة تحتاج إلى كل مجتمعات المسلمين، ولا يجوز أن يهمل جانب لحساب جانب آخر.
هذا أمر.
الأمر الثاني: أن من أهم الأدوار: أن يذهب إليها أناس يستقرون فيهان وهذا أفضل من الزيارات العاجلة القاصرة، بحيث إنه يحتسب مثلاً أحد الشباب ويتعين في التدريس أو الوظيفة أو العمل هناك ويبقى، ويكون له نشاط ومشاركة، ولا شك أن التجارب تثبت أن هؤلاء يكون لهم خير وفضل كثير بإذن الله.
وهذا لا يعني: أن الزيارات المتكررة المتقطعة ليس لها قيمة ولا أهمية، لكن لا شك أن الاستقرار والبقاء يترك أثراً أكبر وأعظم بإذن الله؛ لأن هذا الأستاذ أو طالب العلم إذا ذهب هناك وصار له دروس وصار له نشاط سيكون له تلاميذ من أهل البلد، فيتعلمون العلم ويحرصون عليه ويتربون، وينشأ من أهل تلك القرى وأهل تلك البقاع جيل يساهم في التغيير والإصلاح من أهل البلد نفسها، ولا يصبح هؤلاء عالة ينتظرون غيرهم.
نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لطاعته إنه سميع قريب مجيب، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 284
إنهم فتية آمنوا بربهم
ذكر الله تعالى في القرآن كثيراً من القصص التي تحمل الدروس الكثيرة والعظات الجميلة، ومن ذلك قصة أهل الكهف الذين فارقوا قومهم وأووا إلى الكهف فناموا فيه مئات السنين، وهي مليئة بالعبر التي يجب أن يستفيد منها كل داعية.
стр. 285
فضيلة سورة الكهف واشتمالها على الدروس والعبر
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فعنوان هذه المحاضرة: إنهم فتية آمنوا بربهم.
وخير ما عمرت به خير البيوت -المساجد- ذكر الله ، وأن تعمر بتلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وتدارسه: (فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يذكرهم ﵎ فيمن عنده إنه سميع مجيب.
هذه السورة العظيمة سورة يرددها المسلم ويقرؤها كل أسبوع، وهذا يعني أن فيها كثيراً من المعاني التي يحتاج الناس إلى تكرارها وإلى إعادتها، إننا دون أن نخوض في جدل وتساؤل عن الحكمة وراء تكرار هذه السورة وقراءتها كل جمعة دون أن نصل إلى إجابة لهذا السؤال فإننا نوقن أنه لم يؤمر بتكرار هذه الآيات وقراءتها إلا أن فيها معاني يحتاج الناس إلى أن يتذكروها، وأن يذكروا بها، وأن يتدبروها، وألا تغيب عنهم، هذه السورة العظيمة سميت بهذا الاسم: سورة الكهف، لأن فيها قصة هؤلاء الفتية الذين شهد الله لهم بالإيمان، وأثنى عليهم ﵎.
وهذا الحديث الليلة ليس تفسيراً لهذه الآيات، فلست مختصاً بهذا العلم وهذا الميدان الذي له رجاله وفرسانه، إنما هو وقفات وإشارات لبعض الدروس والعبر التي ينبغي أن نستفيدها من هذه القصة، وبين يدي الحديث حول هذا الموضوع أرى أننا بحاجة إلى أن نؤكد على هذا المعنى التربوي الذي يرد كثيراً في كتاب الله ، ونرى أن اهتمامنا به وعنايتنا به لا يتناسب مع المكانة التي أولاها القرآن إياه، فالقرآن الكريم مليء بالقصص، والله ﵎ أخبر أنه يقص علينا أحسن القصص في هذا الكتاب، وأمر نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وأخبر ﵎ أن في قصص الأنبياء عبرة لأولي الألباب، وأنه حديث صدق وحق: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] نعم؛ لأن القصص يدخل فيها الأساطير والخرافات والأقاويل، أما كلام الله فيتنزه عن ذلك.
إن هذا القرآن الذي هو كلام الله ﵎ أنزله الله على عباده من فوق سبع سموات حين يكون مليئاً بالقصص والإشارة إليها والتعقيب عليها، فإن هذا يعطي المربين درساً مهماً في شأن القصة وأهميتها في التربية، وحين ندرك هذا المعنى نرى أننا نهمل شأن القصة أو أننا لا نعتني بها كما ينبغي، وأولى القصص التي ينبغي أن نعتني بها؛ هي ما جاء في كتاب الله وما قصه الله ﵎ في كتابه، وهو دليل على أهمية هذا الموضوع وعلو شأنه.
إن كل واحد منكم يستطيع أن يطرح تساؤلاً حول موضوع يختار للحديث عنه، وقد يرى أن هذا الموضوع ليس ذا بال وليس ذا أهمية، ومن حقه أن يرى هذا الرأي، وأن يرى أن غيره أولى منه، لكن أن يقول امرؤ: إن قصة جاءت في كتاب الله أو قصها النبي ﷺ ليست ذا بال فهذا أمر لا يمكن أن يجرؤ عليه مسلم ولا يقوله، وهي قضية لا مجال فيها للنقاش والجدل.
قصة جاءت في كتاب الله، تعني أننا بحاجة إلى أن نتدبرها، وأن نقف عند معانيها، وأن نقيس حالنا بحال أولئك الذين قص الله علينا شأنهم، قصة قصها علينا النبي ﷺ تعني أن لها شأناً ولها قيمة، فهي قضية تتجاوز مجرد الحديث التاريخي البحت الذي يعنى بتسطير الأخبار والروايات والأحداث، وحين نقرأ في كتاب الله ونحلل أساليب عرض القصة نرى أن القصة لا تأتي قصة مجردة تحكي أحداثاً إنما تأتي القصة وفي ثناياها الإشارة إلى العبر والعظات والدروس المهمة التي ينبغي على الناس أن يعوها.
ولهذا فحديثي سيكون عبارة عن جملة من الوقفات لا يجمعها جامع إلا أنها وقفات حول هذه القصة العظيمة التي جاءت في كتاب الله .
следующие страницы →