← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الآفات المصاحبة لطلب العلم

стр. 352

الإعجاب بالنفس من هذه العوائق: الإعجاب بالنفس، وهذا -عافانا الله وإياكم- عنوان الضلال، وبداية الشطط، وليس أدل على ذلك من أن الشيطان قد طرد من رحمة الله ﵎، حين أعجب بنفسه واستكبر. إن تعلم المرء للعلم وإدراكه لمسائل يشعر أن الناس من حوله لا يدركونها، ويشعر أن الناس يسألونه، وينصتون إذا تحدث، ويقدرونه؛ إن هذا مدعاة لأن يصاب بالعجب، وأن يدخل في نفسه ما يدخل، وحين لا يأخذ نفسه بزمام التقوى، وخشية الله ﵎، والإقبال عليه ، فإن هذا العلم سيكون من أعظم الأبواب للعجب والغرور عافانا الله وإياكم. ولهذا يقول الغزالي حول العجب: والقلب بيت هو منزل الملائكة، ومهبط أثرهم، ومحل استقرارهم، والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب. وكما أخبر النبي ﷺ عن جبريل: (أن الملائكة لا يدخلون بيتاً فيه كلب). وكلاً منا -أيها الإخوة- حين يتأمل في نفسه يرى أنه قد تدخل عليه هذه المداخل، وقد يعجب بنفسه، وقد يشعر أن الناس محتاجون إليه، وأن الناس ينصتون لقوله، وأن الناس يسألونه ويستفتونه ويستشيرونه ويأخذون برأيه، وهذا لا شك قد يكوك باباً من أبواب العجب والكبر، وحين لا يأخذ نفسه بزمام التقوى، ولا يربيها على خشية الله ومخافته والإقبال عليه، فإن هذا قد يوقعه في الضلال عافانا الله وإياكم. وقد يكون بداية للانحراف والضلال، بل البعض من الناس قد أدى به إعجابه بنفسه إلى الضلال، بل إلى الردة عافانا الله وإياكم.

стр. 353

الحسد والداء الثاني: الحسد وهو خصلة ذميمة، وصفة قبيحة يسعى الشيطان إلى إيقاعها بين الصالحين، وحين يشعر طالب العالم أن هناك غيره ممن قد يستمع الناس له، أكثر مما يستمعون لحديثه هو، وقد يتجه الناس إليه أكثر مما يتجهون له هو، وقد يشعر أن له قدراً أعظم من قدره، فإن النفس قد يدخل فيها ما يدخل فيها من الحسد، وحينئذ يبدأ رحلة مع الشيطان تقوده إلى إثارة الشحناء والبغضاء، وتقوده إلى تلمس المعايب والنقائص عند فلان، والطعن فيه والحديث عنه، بحجة الغيرة والحماية للدين، وليس الأمر إلا أنه رأى أن له منزلة أكثر مما له من المنزلة. ولهذا صارت هذه المنزلة التي يسلم فيها المرء من الحسد منزلة عالية، قل من يطيقها، يحدثنا عن ذلك أحد أصحاب النبي ﷺ ، حين بشر النبي ﷺ رجلاً بالجنة، فتلمس عمله وفتش فلم ير فيه كثير صيام وصلاة إلا أنه يبيت وليس في قلبه شيء على أحد من المسلمين، قال: تلك التي لا نطيق.

стр. 354

الهوى المدخل الثالث: الهوى، والهوى حين يستحكم بصاحبه يريه الحق باطلا، والباطل حقاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً. ولهذا أخبر ﵎ أن الجنة لا يستحقها إلا أولئك الذين سلموا من الهوى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. وأخبر ﵎ أن من الناس من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، أرأيت أو قرأت في التاريخ يوماً من الأيام أن رجلاً نصب تمثالاً يعبر عن الهوى فصار يركع ويسجد له؟ أم أن القضية أن الهوى صار قائداً للمرء، فما يدعوه الهوى إلى فعله يفعله، وما يدع وإلى تركه يتركه. وما أخطر الهوى معشر طلاب العلم على الصالحين! إنه يري المرء الحق باطلاً، ويريه الباطل حقاً، حتى ترى هذا المرء يسارع في الصد عن سبيل الله، ويسارع في الفتنة بين المسلمين وهو يعتقد أنه يحمل الغيرة على دين الله ﵎. وليس يصدق على هؤلاء أعظم من قوله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. إنهم أولئك الذين خاب سعيهم، وضل سعيهم وهم يظنون أنهم بذلك يحسنون الصنع، وأنهم يعبدون الله بهذا الضلال. ولهذا صار أصحاب الأهواء من أبعد الناس عن التوبة والإنابة، وأهل الشهوات وإن عملوا ما عملوا، أقرب من هؤلاء للتوبة، لأن صاحب الشهوة يعلم أنه يواقع معصية، وقد تلومه نفسه، وتحدثه بالتقصير. أما صاحب الهوى فهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وأن عمله يرضي ربه ﵎، وأي هلاك وبوار أعظم من أن يشعر المرء أنه يتقرب بهذا العمل إلى الله، وهو مما يؤزه إليه الشيطان ويدفعه إليه.

стр. 355

لبس الحق بالباطل آفة رابعة: وهي من أخطر آفات طلاب العلم: لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق، وقد حذر القرآن الكريم كثيراً من هذه القضية، وأخبر ﵎ أنه أخذ المواثيق على أهل العلم، أن يبينوه للناس ولا يكتموه، يقول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]. وتوعد ﵎ الذين يكتمون العلم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]. نعم، حتى أولئك الذين شعروا بشناعة جرمهم وتابوا لا تقبل توبتهم إلا أن يصلحوا ما أفسدوه، وأن يبينوا للناس ما كتموه. والله ﵎ يخبر وينعى على بني إسرائيل أنهم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وقد أخبر ﷺ أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وأنها ستسير خلفهم حذو القذة بالقذة حتى لو دخل أولئك جحر ضب فستدخله هذه الأمة. إنها قضية صعبة أيها الإخوة، نعم، إن تحصيل العلم يفرض على من يحصله واجباً، ويفرض عليه وأن يقول هذا العلم، وأن يبينه للناس، وأن لا يكتمه، وقد أخذ النبي ﷺ الميثاق على أصحابه وبايعهم على ذلك، والبيعة لا تكون إلا على أمر ذي بال، كما يحكي أولئك الذين شهدوا هذه البيعة: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق حيث كنا لا تأخذنا في الله لومة لائم). وأولئك الذين يكتمون العلم قد توعدهم ﵎ بالوعيد الشديد، في أنهم لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب إليم. وأخبر ﷺ أن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فما الذي يعصم طالب العلم من هذا المسلك، وما الذي يعين طالب العلم على القيام بهذا الواجب إلا حين يتربى على تقوى الله ﵎، وخشيته فتهون الدنيا لديه، ويهون شأن الناس لديه، فلا يقدم ولا يرى إلا مرضاة ربه ﵎.

стр. 356

التوصل بالعلم إلى المكاسب الدنيوية الآفة الخامسة: من الآفات التي قد تدخل على طالب العلم: التوصل بالعلم إلى الأغراض والمكاسب الشخصية. إن العلم قد يتيح للمرء علواً وبروزاً أمام الناس، وقد يتيح له فرصاً لا تتاح لغيره، فحين لا يتقي ربه تعالى قد يجعل هذا العلم سلماً لتحصيل هذه المكاسب، وقد توعد الله ﵎ أولئك الذين يجعلون العلم وسيلة لتحصيل الثمن العاجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٤ - ١٧٥]. ولله در الجرجاني ﵀ حين قال: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمعاً صيرته لي سلما أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانه ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما ولهذا كان السلف يوصون طالب العلم في مقتبل طلبه للعلم، أن يحفظ هذه الأبيات، لما فيها من المعاني، وتربية النفس على البعد عن السعي لهذه الأغراض الدنيئة. أيها الإخوة: ليس المقصود هنا تعداد الآفات التي يمكن أن يقع فيها طالب العلم، إنما هذه أمثلة تدل على ما سواها، ونماذج تذكر بأخواتها. فما السبيل لتجاوز هذه الآفات؟ وما الطريق لاجتنابها؟ وهل نحن نعلم طالب العلم ما يكون له وسيلة لتجاوزها، وهل نحن نعنى بإعطاء طالب العلم الأداة التي تعين على ذلك، أم أننا نعطيه العلم، ونهمل هذا العلم الذي لا يؤدي العلم الآخر ثمرته بدونه. إن هذه الآفات أيها الإخوة، إنما تنشأ وتترعرع في تلك القلوب التي فقدت الخشوع، وفقدت التقوى، وفقدت الصلاح.

стр. 357

صفات أهل العلم في القرآن الأمر الثالث: صفات أهل العلم في القرآن. لقد جاء الحديث في كتاب الله ﵎ كثيراً عن الخشوع والتقوى ومخافة الله ﵎، وهي صفات أولى من يتصف بها حملة العلم، وحملة كتاب الله ﵎. وهي آيات كثيرة، ولن نتحدث عن هذه الآيات، إنما أريد أن أشير إلى الآيات التي يربط فيها القرآن بين العلم وخشية الله ﵎. فما هي صفات أهل العلم في كتاب الله ؟ إنهم أولئك الذين يسجدون لله، ويخشعون ويبكون حين يسمعون آياته، كما قال ﵎: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩]. إن هذا أيها الإخوة، ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة، وليس هدياً خاصاً بها، بل هو شأن الذين أوتوا العلم في الأمم السابقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء:١٠٧]. هذه حالهم حين يسمعون آيات الله بتارك وتعالى، إن هذه الآيات ليست صفة للمتقين، وليست صفة للخاشعين، إنما هي صفات لأهل العلم. ولهذا ينبغي أن يعنى طلاب العلم، وأهل العلم بتحقيق هذه الصفات في نفوسهم، لهذا قال عبد الأعلى التيمي ﵀: من أوتي من العلم مالا يبكيه، لخليق ألا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله نعت العلماء ثم قرأ القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ [الإسراء:١٠٧] ﴿يَبْكُونَ﴾ [الإسراء:١٠٩]، وهذا الأثر رواه الإمام الدارمي. والعلماء هم أهل الخشية لله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. والعلماء هم الذين يقنتون لله سجداً وقياما، ويحذرون عذابه ويرجون رحمته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. فلنقف أيها الإخوة عند هذه الآيات، ونتمعن فيها، إنها صفات لأهل العلم، إنها صفات للذين يعملون. إذاً فشرط أساس من شروط طالب العلم أن يتصف بهذه الصفات، وكما أن على طالب العلم أن يتعلم النحو والأصول والمعتقد والفقه، فعليه أن يتعلم الخشوع، وخشية ربه ﵎، وإلا فإنه لا يتصف بصفات أهل العلم، وصفات طلاب العلم. وأما ما جاء في القرآن من وصف المتقين والمؤمنين، والخاشعين وعباد الله الصالحين فأكثر من أن نحيط به في هذا المقام. ولا شك أن أهل العلم أولى أن يتصفوا بتلك الصفات، لأنهم حملة كتاب الله ، والدعاة إلى كتاب الله، والله ﵎ أخبر أن هذا الكتاب آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. لكني آثرت هنا أن أقتصر على هذه الآيات التي يربط فيها القرآن بين الخشوع والخشية، وبين العلم بهذا المصطلح، حتى لا نرى أن هذا الأمر باب آخر غير باب العلم، وحتى نعلم وندرك أنه يجب علينا أن نتعلم هذا الباب، وأن نتعلم هذا العلم، وأن نعلمه في مدارسنا، وفي مساجدنا وفي حلقاتنا، وأن نرى أنه من واجبنا كما أن من واجبنا أن نعلم هذا الطالب مسائل الطهارة والصلاة والمعاملات وما يحل وما يحرم وأن نعلمه ما يجب أن يعتقده في ذات الله ﵎، وأن نعلمه علوم الأدوات والوسائل وغيرها. فيجب أن نعلمه الخشوع وتقوى الله ﵎، كما نعلمه هذه المسائل.

стр. 358

العناية بعصر النبوة الأمر الرابع: العناية بهذا في عصر النبوة: ويصور لنا هذا المعنى أحد أصحاب النبي ﷺ ، بل هو أحد الشباب، وهو جندب بن عبد الله ﵁، فيقول: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا) رواه ابن ماجة. فما أحوج الشباب اليوم إلى أن يتأسوا بهدي سلفهم رضوان الله عليهم، وكانوا وهم فتيان يتعلمون الإيمان ومسائل الإيمان كما يتعلمون القرآن، وتعلمهم لمسائل الإيمان ليس تعلمهم للمسائل الجدلية الكلامية، ولا للخلاف بين أولئك الذين يدخلون العمل في مسمى الإيمان أو يخرجونه، وإن كانت مسائل لا بد أن يتعلمها طالب العلم. إنما كان تعلمهم للإيمان هو ذلك الإيمان الذي يحرك القلوب، والذي يصل القلوب بربها ﵎، حتى تستجيب لأمر الله ، فحين تتعلم القرآن بعد ذلك تزداد إيمانا، ويترك القرآن أثره في النفوس. وأيضاً يؤيد ذلك المعنى الأثر الذي ذكرناه في أول المحاضرة، وهو ما يرويه أبو الدرداء ﵁، قال: (كنا مع النبي ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدر منه على شيء، قال فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قال: قلت ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء فأخبرته بالذي قال، فقال: صدق أبو الدرداء، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس؛ الخشوع). فسماه ﵁ علم الخشوع قال: (يوشك أن تدخل المسجد مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعا). ويحكي لنا حنظلة ﵁ صورة من مجالسهم مع النبي ﷺ فيقول: (لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. ثلاث مرات) رواه مسلم. فانظر كيف كانت مجالس النبي ﷺ ، وكيف كانت مجالس أصحاب النبي ﷺ معه، فكانوا يتعلمون هذه المسائل، ويتعلمون هذه الأبواب، كما كانوا يتعلمون القرآن أول ما ينزل، وكما كانوا يتعلمون سائر مسائل العلم، وأبوابه. فقد كان العلم هكذا في عصر النبوة، ولم يعرف عصر النبوة هذا الفصل المقيت بين العلم والخشوع، فيصبح هذا باباً، وذاك باب آخر، هذا له فئة وذاك له فئة أخرى.

стр. 359

عناية السلف بالخشوع وأقوالهم في ذلك الأمر الخامس: عناية السلف بهذا الأمر، والحديث عن أحوال السلف، في الخشوع والصلاح والورع والتقوى حديث يطول، بل إنك لو أخذت سيرة علم واحد من أعلام السلف رضوان الله عليهم، لشعرت أن المقام لا يسعك في الحديث عن أحواله، في الخشوع والعبادة والتقوى والصلاح. واقرأ في تراجم الفقهاء والعلماء من سلف الأمة، بدءاً بأصحاب النبي ﷺ كـ عبد الله بن مسعود وابن عمر، وأبي موسى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاذ وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ . وانتقل إلى الحسن وإلى سفيان وإلى أيوب، وإلى مكحول، وإلى غيرهم، ثم انتقل إلى الليث وابن سيرين ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. ثم انتقل إلى من تلاهم فاقرأ في سيرة ابن قدامة وابن الجوزي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم. وانظر كيف كانت حالهم في العبادة، والتقوى والصلاح، وأنت حين تتأمل في سيرة البعض، فقد ترى أن المأثور عنهم في أبواب الزهد والرقائق أضعاف المأثور عنهم في مسائل الفقه والحلال والحرام. وهذا يعني أن السلف رضوان الله عليهم لم يكونوا يعرفون هذا الفصل، ولم يكونوا يعرفون هذه الهوة المفتعلة بين هذا العلم وبين مسائل الحلال والحرام، وسائر أبواب العلم والفقه. وهاهي طائفة من أقوال سلف الأمة، وهي كثيرة من أرادها فليرجع إلى مظانها، مما صنفه أهل العلم في أبواب أدب العالم والمتعلم، أو صنفه أهل الحديث في أبواب العلم، لكني أشير إلى طائفة يسرة من النقول عنهم، ولن أشير أيها الإخوة إلى أخبارهم في الخشوع والصلاح والتقوى، ولا إلى ما قالوه في ذلك، إنما سأقتصر على ما نقل عنهم، من الربط بين العلم والخشوع، لأن هذا هو موضوع حديثنا، وإن كانت جميع أقوالهم وأحوالهم تعتبر دليلاً على ذلك، لأن أولئك هم حملة العلم، وهم أهل العلم، فإذا كانت حالهم كذلك، فإن هذا يعني أن هكذا ينبغي أن يكون أهل العلم، وينبغي أن يكون طلاب العلم. يقول ابن مسعود ﵁: (ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله. وروى أيضاً عن مالك ﵀ يقول: (العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل). وقد أخبر الله ﵎ أن هذا الكتاب قد أنزل على النبي ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١]. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. نعم إن العلم وسيلة لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الهوى والتعصب والحقد والحسد إلى نور سلامة الصدر والقلب وصفائه. ويقول مالك أيضاً فيما رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (إن حقاً على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله). ويروي الإمام الآجري في أخلاق العلماء، عن يحيى بن أبي كثير: (العالم من خشي الله، وخشية الله الورع). وروى الإمام الدارمي عن سعد بن إبراهيم أنه قيل له: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه. وينقل لنا الحسن ﵀ فيما رواه ابن عبد البر والآجري عنه وصفاً دقيقاً لأحوال السلف يقول: (إن كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده. وإن كان الرجل ليطلب الباب من أبواب العلم، فيعمل به فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها، لو كانت له، فجعلها في الآخرة). إذاً: فالقضية ليست مجرد أحوال، ارتقى إليها بعض سلف الأمة. وليست مجرد أقوال ذكرت عن بعضهم، إنما هو سلوك كان سائداً عند السلف رضوان الله عليهم، فكان أن يبدأ الرجل في طلب العلم، حتى ترى هذه الأحوال لديه، ونتساءل معشر طلاب العلم اليوم، ونحن نتعلم العلم، فنقرأ ونحضر مجالس العلم، ونعلم العلم، أين هذا في أحوالنا؟ وهل يرى ذلك علينا؟ أترون أن هذا عيب في العلم؟ أترون أن العلم لا يرقق القلوب، أم أن لنا شأناً مع العلم ومع طلب العلم غير شأن السلف رضوان الله عليهم، وأنا فقدنا هذا الجانب؛ لذلك أصبحنا نتعلم أبواب العلم، ونحصل المراتب والشهادات العالية، ونحن من أقسى الناس قلوباً، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم رقة القلب وخشيته تبا

стр. 360

الأسئلة

стр. 361

دعوى أن التخصص في العلم سبب للفصل بين العلم والخشوع السؤال ألا ترى أن من أسباب وجود تلك التفرقة أو الانفصام في شخصية الطالب بين الخوض في مسائل الفقه والحديث، وبين الخشوع والرقائق كما ذكرتم، من أسبابها التخصص، فحين يتخصص طالب السنة والحديث في هذا التخصص لا بد أن يسخر أوقاته في الحفظ والمراجعة ومعرفة أسماء الرجاء ومذاهب الأئمة، والتفتيش في الكتب والمطالعة الدائمة فيطغى ذلك على شخصيته، أو طالب الفقه في معرفة مذاهب الأئمة وملازمة كتب الفقه، فمن هنا يغرق كل واحد في تخصص ما، ويطغى وقته على هذه الأمور؟ الجواب لا أوافق على ذلك، فقد يحتج البعض في ذلك بهذه الحجة، ولعل الأخ يقصد سياق الحجة ولا يقصد التأييد على ذلك؛ لكن ماذا نريد من إنسان يحفظ مسائل العلم ويتقنها ثم بعد ذلك لا يملك ما يضبط هذا العلم وما يجعله يؤدي الدور الحقيقي. والعلم إما أن يكون خيراً على المرء وللناس، وإما أن يكون وبالاً عافانا الله وإياكم. لأنه حين يتسلل الهوى والشهوات والأغراض إلى طالب العلم، فإنه يصبح وسيلة لإضلال الناس، ويصبح وبالاً على نفسه وعلى المسلمين، ولهذا فحين نفتقد هذه المعاني، ونفتقد هذه الأمور، فإنه مدعاة إلى تسلل هذه الأهواء. ثم بيني وبينك يا أخي كتاب الله بعيداً عن هذا كله، فهذه صفات أهل العلم في كتاب الله ، فمن لم يتصف بها فقد نقص وفقد صفة مهمة من صفات أهل العلم، فالقرآن والسنة وأقوال سلف الأمة الذين برعوا في العلم، وبرعوا في هذه المسائل كلها ناطقة بأن العلم لا ينفصل عن هذه القضية، ولا ينفصل عن هذه الحقيقة. ومما يؤسف أنك تجد في العالم الإسلامي كثيراً من حملة الشهادات العليا في التخصصات الشرعية تجده في مظهره غير ملتزم. يعني طبيعي جداً تدخل جامعة في العالم الإسلامي، فتجد أستاذ شريعة وأستاذاً في السنة واسع الإطلاع على المسائل لكن مظهره الشرعي بعيد عن الالتزام الشرعي، فتجد أنه حالق لحيته، مسبل ثوبه، لا يؤدي الصلاة مع الجماعة أو لا يحافظ عليها، فلماذا نشأ هذا الأمر؟ نشأ من الفصل بين هاتين القضيتين. فلا يليق أبداً بأي حجة أن نلغي هذا الأمر، بل نعتبر أن هذه القضية ليست قضية تخصص، وأن الخشوع مطلب أساسي لكل طالب علم، لا يجوز أن يخل به أبداً، كما أن هناك علوماً مما هي بالنسبة لطالب العلم فرض عين لا يسقطها التخصص، كذلك هذا الأمر من أهم الأمور. نعم قد يكون التخصص في جانب إبداع هذا الإنسان وقدرته على التأثير على الناس بشكل أكبر، وهذا موجود حتى عند السلف، فقد وجد عند السلف من كان في الوعظ أكثر تأثيراً من غيره، هنا يأتي جانب التخصص، أما أن نلغي هذا وأن نفتقده فلا، لأنا نكون قد فقدنا القدر الواجب الذي لا يستقيم علم الإنسان بدونه.

стр. 362

معالجة مرض عدم الخضوع لا يكون الخشوع لا يكون بترك طلب العلم السؤال العلم الخشية، وقد يتبادر إلى أذهان البعض أنه من لم يجد الخشية في علمه الذي يطلبه، فإنه يترك العلم، أرجو التأكيد على هذه النقطة. الجواب الخشية والخشوع هي أول علم يفقد، وحينما يشعر المرء بأن هذا العلم الذي يتعلمه أو يطلبه لا يحقق لديه هذا الجانب، فالحل ليس في تركه، ولا التخلي عنه، إنما الحل في إصلاح النفس، والحل في المراجعة والبحث عن الأسباب التي جعلته لا يجد هذا الأمر في نفسه، والخطأ لا يعالج بالخطأ. وهذا الذي لم يتحقق له الخشية والخشوع من طلب العلم، فلا شك أنه حين يترك طلب العلم فإنه أولى أن يكون أكثر بعداً عنه.

стр. 363

مناقشة أهل البدع أو ترك ذلك السؤال لا يخفى عليكم وجود شرائح متنوعة من الشباب الملتزم، ومن هذه الشرائح شريحة يجتمع فيها اتباع الهوى والحسد وتلبيس الحق بالباطل على الناس، والمؤسف أن كثيراً من هؤلاء الشباب من المغرر بهم، ويظن كما ذكرتم أنه يعمل لدين الله، ويشغل نفسه بأمور وأحداث لا فائدة من ورائها، فما السبيل في إقناع هؤلاء، بأن ما يظنون أنه حق هو باطل، أم أن من الأفضل عدم نقاشهم والخوض معهم في مثل هذه الأمور؟ الجواب النقاش ينبغي أن يكون أولاً مع من يحترم النقاش، فمن تجد أن لديه استعداداً للنقاش والأخذ والعطاء وسماع رأي الآخرين فممكن أن تفتح معهم النقاش. أما الإنسان الذي يناقشك ليقنعك بما عنده، وليس عنده استعداد أنه يستمع لوجهات نظر الآخرين، فإن النقاش معه لا يقسي القلب ويضيع الوقت، فينبغي ألا نضيع أوقاتنا في مثل هذا الجدل العقيم. ولا شك أن تربية الناس على التقوى والتجرد وخشية الله ﵎، ومراقبة الله وإرادة وجه الله والدار الآخرة، ومحاسبة النفس والمراجعة، مدعاة أن يستفيق الإنسان من هذه الأمراض. وهذه الأمراض من الهوى والحسد وغيرها خطورتها أنها خفية لا يتفطن إليها الإنسان، فيخيل للإنسان أن هذا العمل صالح لا معصية فيه، وأنه تقوى لله وخشية لله ﵎، وأنه بهذا الأمر يقوم على حراسة الدين، وعلى حماية الأمة، وهو يثير الفتنة ويصد الناس عن سبيل الله ، عافانا الله وإياكم. أقول: حينما يكون هذا الأمر خفياً فإنه يصبح صعباً أن يتعرف الإنسان عليه، لكن حين يتقي الله ويقبل على الله فإن الله ﵎ يعين الإنسان، ولهذا كان النبي ﷺ يدعو ربه ﵎ أن يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه، وأن يريه الباطل باطلاً ويرزقه اجتانبه. ويقول ﷺ : (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). هذا الدعاء الذي يتكرر كثيراً، بل يدعو المسلم به ربه ﵎ كل يوم مرات ومرات، لأن الإنسان قد يلتبس عليه الحق بالباطل، وقد يرى الحق باطلاً والباطل حقاً. فالعناية بإصلاح القلوب والتجرد لله وسؤال الله ﵎ الهداية، ومحاسبة النفس والمراجعة مما يعين الإنسان بإذن الله على تجاوز هذه الأبواب الخطيرة، والموفق والمعصوم من عصمه الله ﵎.

стр. 364

المطلوب هو الخشوع بالقلب والعمل السؤال هذه قصة أحب أن تذكر بها الناس: يروى عن بعض المشايخ أنه كان يبكي في درس النحو ثلاث مرات، أثناء ذكر الأمثلة من كتاب الله، وكلما ذكر آية بكى. الشيخ: نحن لا نفتش عن حال بعض من يبكي في درس النحو، لكن من يعظ الناس أن يتحرك قلبه، فليست القضية فقط على البكاء، ثم أن البكاء والخشوع هو خطوة لخشوع القلب وتقوى الله. وأيضاً ينبغي أن لا يكون هذا هو النهاية، وألا يكون الإنسان مثل الذين جاءوا أباهم عشاء يبكون، أعني أنه قد يبكي الإنسان ويتأثر تأثراً صادقاً غير مصطنع، لكنه أحياناً ينتهي أثره، فالخشوع والتقوى ينبغي أن يرى أثره على المرء في هذه الأحوال، ثم أثرها أيضاً بعد ذلك ينبغي أن ينتقل الإنسان في عمله وإصلاح قلبه، وخشوعه لله .

стр. 365

أسباب كمال العلم السؤال ما الأسباب التي تؤدي إلى كمال العلم عند الطالب جزاك الله خيراً؟ الشيخ: الأسباب هي التي أشرنا إليها في ختام المحاضرة، وهذا ليس مقصود الحديث، فالهدف من طرق هذا الموضوع وطرق هذه المحاضرة هو الإشارة إلى هذا العلم المفقود، والإشارة إلى الربط بين القضيتين، إلى أن قضية الخشوع والخشية قضية لا تنفصل عن العلم وعن طلب العلم. أما وسائل العلاج وتحقيق ذلك فهذا يحتاج إلى حديث مستقل، وكان في الذهن أن أتحدث حول هذه القضية، لكن أشعر أنه سيضطرنا إلى الاختصار وأنه يمكن أن نكتفي بأن يكون هدفنا من الحديث حول التنبيه وإثارة الاهتمام بهذه القضية، لكن أشرت باختصار في نهاية الحديث إلى أن العناية بالقرآن والسنة وأحوال السلف وأخبارهم، والقراءة في كتب الرقائق والآداب مما يعين الإنسان على ذلك، والحرص على العبادة الاستفادة منها، وتقوى الله .

стр. 366

الربط بين العلوم الطبيعية والخشية السؤال كيف نربط بين الخشية والعلم الطبيعي كالطب والهندسة أو تدريس هذه العلوم؟ الشيخ: الحديث الذي سلف عن قضية الربط بين العلم والخشية والخشوع، هم يعنون بذلك العلم الشرعي، ولا شك أنه ينبغي أن لا نتدخل ونشعر أن دراسة الهندسة والطب والطيران أو دراسة الأدب الأوروبي أو الأدب في العصور المتتابعة أو النقد أو غيره أو دراسة النحو وما يتعلق به أنه مدعاة الخشية والخشوع. وهذا لا يعني أيضاً تسفيه أهل هذه التخصصات والدراسات، والأمة تحتاج إلى هذه التخصصات، فالقضية الأولى: أن الربط بين العلم والخشية والخشوع، وأن العلم مدعاة للخشية والخشوع إنما هو في العلم الشرعي. الأمر الثاني: أن هذا لا يعني أيضاً أن أصحاب هذه التخصصات والدراسات ينبغي أن تكون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، فينبغي أن يعتني هو بتخصصه وعمله ويهتم به ويبدع فيه، وينفع الناس. وأنا لا أدعو أصحاب هذه التخصصات إلى أن يهملوها، وأن ينشغل الإنسان بقراءات أخرى على حساب تخصصه، فيصبح غير نافع في المجال الذي هو فيه، فإن الأمة تحتاج إلى أن تستغني عن أعدائها، وتجتهد أن تكون النموذج أمام الأمم لأنها أمة أخرجها الله لتكون خير أمة تحمل هداية الناس، وما لم تكن الأمة مستغنية عن أعدائها فإننا لن نستطيع أن ننشر ديننا للناس، ولن نستطيع أن نقوم بهذا الدور والواجب الشرعي الذي أوجبه الله علينا، لكن على الإنسان الذي في مثل هذا العمل وهذا الموقع أن يسعى إلى ما يرقي القلب في مجالات أخرى، من خلال قراءة القرآن، والقراءة في كتب الرقائق والآداب، وقد يوجد هذا النموذج بجانب آخر. خذ مثلاً رجل الهيئة، قد يتطلب عمله نزوله إلى الأسواق، والدوام فيه، وهذا لا شك مدعاة لأن يرى من المناظر والمشاهد ما يصيبه ببلادة الإحساس أحياناً، لأنه كلما اعتاده الإنسان رؤية المنكرات أصيب ببلادة إحساس، وقد يزداد قسوة، لكن هل نترك العمل الذي هو من أعظم الأعمال لأجل هذا الاعتبار؟ لا، لكن يجب أن يعمل، ثم يسعى إلى علاج هذا المريض، خلال وسائل وأبواب العلاج الأخرى. نكتفي بهذا القدر من هذه الأسئلة، وأسأل الله أن يمن علينا وعليكم بصلاح قلوبنا وأعمالنا، إنه سميع مجيب، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ويحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا إنه سميع مجيب. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد إلا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 367

الشباب والشهوة لقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل له شهوة كامنة فيه، فإن صرفها بصورة صحيحة كان أمره قائماً ومحموداً، وإن أساء في استخدامها وتصريفها جرفته إلى المهالك والمهاوي، وكان عاقبتها خسراناً في الدنيا والآخرة.

стр. 368

خطورة الانزلاق وراء الشهوات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة حتى أتاه اليقين من ربه، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه. أما بعد: أيها الإخوة! قبل أن أبدأ في هذا الموضوع أود أن أنبه إلى عدة أمور: أولها: موضوع حديثنا: الشباب والشهوة، ولا يعني هذا أن الأمر لا يعني إلا الشباب، فكما أنه يعني الشباب فهو يعني بدرجة كبيرة من الأهمية الآباء وأولياء الأمور، ويعني أيضاً بدرجة أخرى الأساتذة الذين يتولون تربية الشباب وإعدادهم، فجدير بهم أن يعرفوا ما يدور في خواطر هؤلاء الشباب، وأن يعرفوا الأخطار المحدقة بهم والتي تهددهم. أمر آخر: أنا أتحدث في مسجد مع رواد المساجد، ومع أناس -أحسبهم والله حسيبهم- من الناس الأخيار، وأعرف مع من أتحدث. إذاً: فقد يقول القائل: لم تتحدث عن مثل هذا الأمر مع هؤلاء؟ إن هذا الكلام ينبغي أن يوجه إلى أهل الأرصفة والشوارع. فأقول: إن هذا الأمر يعني الشباب حتى الأخيار منهم؛ لأنهم يعانون من هذا الأمر، ويعانون من هذه الشهوة الخطيرة، كما سأشير إلى شيء من ذلك في ثنايا الحديث. فجدير بهم أن يعتنوا بحماية أنفسهم، وأن يتقوا الله في إيمانهم وطاعتهم لله . والأمر الثاني: أن الشباب الذين منَّ الله عليهم بالهداية ينبغي أن يحملوا مشعل الدعوة والإصلاح لغيرهم من الشباب، فجدير بهم أن يكونوا على علم بمثل هذه الأمور. أيها الإخوة! إن الشهوات أمر عام يشمل كل ما ركبه الله في نفس ابن آدم من الأمور التي يحبها ويميل إليها، فشهوة المال شهوة، وشهوة السلطان شهوة، وشهوة الاستعلاء والجاه شهوة، وشهوة الفرج -أو ما تسمى في لغة العصر شهوة الجنس- شهوة أيضاً. وحينما نقول: الشهوة، فإن (أل) هنا عهدية، فنعني بذلك هذه الشهوة، ونعني بذلك هذا الأمر الذي أمر الله بحفظه، ورتب على ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة، وإرث الفردوس، نعني بذلك هذا الفرج الذي وعد النبي ﷺ وتكفل لمن حفظه ورعاه بالجنة، في قوله ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة). أيها الإخوة! إن هذا الأمر خطير جداً -أعني: أمر الشهوة-، خطير لأنه يترتب على الانسياق وراء الشهوة ذلك الوعيد الشديد في الدار الآخرة، الذي توعد الله به من أتبع نفسه هواها، وانقاد وراء شهوته. والكثير من الشباب الذين تزل بهم القدم ويهوي عندما نفتش عن أسباب ذلك؛ نجد أن الكثير منهم كان السبب وراء ذلك الانزلاق هو هذه الشهوة. فهذا الموضوع خطير وخاصة في هذا العصر؛ حيث كثرت فيه المغريات، وكثرت فيه وسائل الفتنة ودواعي الفتنة، وتفنن أعداء الله بما يملكون من وسائل وقدرات في فتنة الشباب وتزيين الباطل لهم، والشيطان يؤزهم في ذلك أزاً. أيها الإخوة! في دراسة أجراها بعض طلبة جامعة الإمام على إحدى الدور الاجتماعية بمدينة الرياض كانت نتيجة الدراسة أن (٨٠%) من أفراد العينة قد وقعوا في عمل قوم لوط، عافنا الله وإياكم من ذلك، وإن (٨٠%) منهم كان يمارس العادة السرية. إن مثل هذا وغيره يدل دلالة واضحة على مدى تفشي هذه الأمور وهذه الظواهر السيئة في مجتمعنا الذي هو من أكثر مجتمعات المسلمين محافظة، فكيف بغيره من المجتمعات!

стр. 369

الحكمة من ابتلاء الله تعالى للعباد بهذه الشهوة وجعلهم يميلون إليها وقد يسأل سائل أيها الإخوة! فيقول: لماذا يبتلي الله عباده بهذه الشهوة، وهو الرحيم بهم ؟ ولماذا أودع الله في عباده الميل لهذا الأمر، ثم نهاهم عن هذه المقارفة، ورتب على ذلك العقوبات الشديدة في الدنيا والآخرة؟ فنقول: إن الله حكيم عليم، وهو لا يسأل عما يفعل، إننا حينما نتأمل في هذا الأمر نستطيع أن ندرك بعض أطراف حكمة الله من هذا الأمر، أعني: كونه ركب الشهوة في نفوس الناس، ثم نهاهم عن مقارفة الحرام، ورتب على ذلك خزي الدنيا ونكال الآخرة. فندرك بعض الحكم ولا نستطيع أن ندرك جميع حكمة الله . ومن الحكم في ذلك أيها الإخوة: بقاء الإنسان، فإن الله ركب في نفس الإنسان هذه الشهوة؛ حتى يميل إلى النكاح، وحتى يميل الرجل والمرأة إلى النكاح، مما يساعد على التناسل وعلى بقاء الإنسان، وبدون ذلك لا يبقى نوع الإنسان. أيها الإخوة! ومن أعظم الحكم في ذلك الابتلاء والامتحان، حين يكون طريق المعصية محبباً إلى النفس، ويكون طريق الطاعة شاقاً محفوفاً بالمكاره، وحينما يكون الأمر كذلك لا يسلك هذا الطريق -طريق الطاعة- ولا يجتنب ذاك الطريق -طريق المعصية- إلا من وفقه الله ، ومن يملك الإيمان الحق والقناعة بهذا الدين، والإيمان الذي لا يتزعزع بما أعد الله لمن أطاعه، وبما توعد به من عصاه يوم القيامة. فلا تظهر حكمة الابتلاء، ولا يظهر الصادق في إيمانه والجاد إلا حينما يكون طريق الخير محفوفاً بالمكاره، وطريق النار محفوفاً بالشهوات، كما صح عنه ﷺ في قوله: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات). أيها الإخوة! ومن الحكم في ذلك: ظهور فضل أولياء الله الذين يطيعون الله ، والذين ينهون النفس عن الهوى، والذين يحفظون حدود الله وحرمات الله ، فيدعوهم إيمانهم بالله ، ومحبتهم له، وخوفهم منه، ورجاؤهم لما عنده، يدعوهم ذلك إلى أن يجاهدوا أنفسهم، ويدعوهم ذلك إلى أن ينتصروا على شهواتهم ويستعلوا عليها. وحين يغفلون عن أعين الناس يعلمون أن الله يطلع عليهم، وأنه محيط بهم، وحين لا يراهم أحد يعلمون أن الله يراهم . إذاً: أيها الإخوة! إن في هذا الأمر ظهوراً لفضل أولياء الله ، وفضل عباده المتقين، الذين يحفظون حرمات الله .

стр. 370

مخاطر الانسياق وراء الشهوة ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي: ما مخاطر الانسياق وراء الشهوة؟ الانسياق وراء الشهوة نعني به أن يرتكب المرء ما حرم الله مما يتعلق بهذه الشهوة؛ بدءاً بصغائر الأمور، وانتهاءً بالفواحش والكبائر، عافانا الله وإياكم من ذلك.

стр. 371

الوعيد الشديد في الدنيا أول أمر يترتب على هذا: الوعيد الشديد الذي يرجف فؤاد المسلم حينما يسمعه، وذلك قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). فهذه معاصٍ نفى النبي ﷺ الإيمان عن مرتكبها، وأخبر كما في إحدى روايات الحديث: (أنه يرتفع الإيمان فوقه حتى يكون كالظلة)، حينما يعلم هذا الوعيد الشديد فإنه يخاف على إيمانه، ويخشى على إيمانه، يخشى أن يقارف هذه المعصية العظيمة الشنيعة، فيكون مستحقاً لهذا الوعيد الشديد؛ بل ويتورع عن الصغائر في ذلك؛ لأنه يعلم أنها هي الخطوة الأولى في طريق الفواحش والكبائر.

стр. 372

الوعيد الشديد يوم القيامة الأمر الثاني من مخاطر الانسياق وراء هذه الشهوة: الوعيد الشديد يوم القيامة لمن فعل ذلك، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]. ويقول النبي ﷺ في حديث سمرة بن جندب ﵁ الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، يقول: (أتاني رجلان فانطلاقا بي إلى أرض مقدسة -وذكر الحديث بطوله-، قال: فأتيا بي على تنور فإذا به رجال ونساء عراة، وإذا يخرج من تحتهم لهب، فإذا ارتفع اللهب ضوضوا وصيحوا، فسألت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء الزناة والزواني). هذا أيها الإخوة! بعض ما يتعرض له من ارتكب هذه الشهوة الخطيرة، وبعض ما يتعرض له من تساهل في نهي الله المؤكد عن الانسياق وراء هذه الشهوة.

стр. 373

الولوع بالفواحش والتعلق بها من أعظم أسباب سوء الخاتمة الأمر الثالث أيها الإخوة: أن الولوع بالفواحش والتعلق بها من أعظم أسباب سوء الخاتمة، عافانا الله وإياكم من ذلك، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -وذكر الحديث وفيه-: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). وكان ﷺ كثيراً ما يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك). ولذلك كان بعض السلف يقول: والله إني لا أخشى الذنوب، وإنما أخشى سوء الخاتمة. أيها الإخوة! في حال الاحتضار يكون المرء في أضعف أحواله، فتجتمع عليه شياطين الجن تحتوشه تخشى أن يموت على الإيمان، وفي هذه الحال الشديدة وهو يعيش هذا الهم والغم، ويعيش الكرب، ويعاني من سكرات الموت التي عانى منها أطهر الخليقة وأبرها ﷺ ، في هذه الحالة الشديدة الكئيبة التي يعيشها المرء تجتمع عليه شياطين الجن تحاول أن تصده عن دينه؛ لأنهم يعلمون أن هذه آخر فرصة لهم، فيحاولون أن يصرفوه من هنا وهناك. وحينئذٍ لا نجاة ولا أمل للعبد إلا بتوفيق الله ، وحفظ الله له، وإلا فلو وكل الله العبد إلى نفسه طرفة عين في هذه الحياة الدنيا لضاع وضل، كيف به وهو يعاني من أهوال الموت! وفي هذا الموقف أيضاً أيها الإخوة! يحضر المرء ما كان يدور في خلده، وما كان يشغل باله في الحياة الدنيا، وحينئذٍ يبدأ يتفوه ويهذي بما كان يشغله في الحياة الدنيا، فإن كان مطيعاً لله مات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإن كان من المتعلقين بالدنيا أصبح يردد ما يتعلق بالدرهم والدينار، وإن كان من المتعلقين بالفواحش أصبح يردد ما يتعلق بذلك. أيها الإخوة! ذكر الأخبار حول هذا الأمر يطول، وليس هذا وقته، وقد ذكر طرفاً من ذلك عبد الحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة)، ونقل بعضاً منه الإمام ابن القيم في كتابه القيم (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، فمن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى هذه الكتب. ولعلي أورد قصة مختصرة حول هذا الأمر، ذكر عبد الحق في هذا الكتاب عن رجل، وكان من الناس الصالحين، والعلماء الأخيار، رأى غلاماً أمرد فتعلق قلبه به، وكلف به حتى فقده، فلما فقده مرض واشتد به المرض، فذهب الناس يسعون إلى هذا الغلام؛ لعله أن يأتي إليه لأجل أن يراه فقط، فما زالوا به حتى أقنعوه أن يجيء إليه، فلما بلغ هذا الرجل موافقة الغلام سر وعادت إليه بعض حاله، فلما أخبر الغلام بذلك خاف من الله ، فعدل عن مجيئه، وهنا اشتدت الحال بهذا الرجل، وأصبح يردد بيتين -عافانا الله وإياكم منها- كفر بهما بالله ، قال فيهما: أسلم يا راحة البال العليل ويا شفاء المدنف النحيل رضاك أشهى إلي من رحمة الخالق الجليل عافانا الله وإياكم، ومات وهو يردد هذين البيتين. أيها الإخوة! إنه أمر خطير جداً أن يتعلق المرء ويتعلق قلبه بمثل هذه الأمور، فتحضره عند وفاته يوم لا ينفعه -بعد توفيق الله إلا عمله الصالح.

стр. 374

استيلاء الشهوة على القلب ينسي الإنسان مصالح دينه ودنياه الأمر الرابع أيها الإخوة! من مخاطر الشهوة: أن استيلاء الشهوة على القلب ينسي الإنسان مصالح دينه ودنياه، فتصبح الشهوة همه، فتقيمه وتقعده، يفكر بها في كل شئون حياته، حتى قد تجده -والعياذ بالله- يفكر بذلك في صلاته، ويفكر بذلك في نومه، وفي سائر أحواله، ويصبح همه وتفكيره منساقاً وراء هذه الشهوة، فيتعلق قلبه بها، فينسى بذلك مصالح دينه، وينسى بذلك ما فيه الخير له في الدين والدنيا، وينسى بذلك مصالح دنياه.

стр. 375

تعلق القلب بالشهوة يكون على حساب محبة الله ورسوله الأمر الخامس من مخاطر هذه الشهوة: أن تعلق قلب الإنسان بها ومحبته لها يكون على حساب محبة الله ومحبة رسول الله ﷺ ، فإن القلب لا يمكن أن يجتمع فيه النقيضان، لا يمكن أن يجتمع فيه محبة الله ومحبة رسوله ﷺ التي بها يجد العبد حلاوة الإيمان، (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، ومحبة غيرهما مما يجلب للقلب القسوة. إن الرجل الذي تستولي الشهوة على قلبه وعلى فؤاده جدير بألا يبقى في قلبه مكان لمحبة الله ومحبة رسوله ﷺ . واعلم أخي المسلم! أنه بقدر ما يتعلق قلبك بأمر من أمور الدنيا، وشهوة من شهوات الدنيا بقدر ما تفقد من ذلك من محبة الله ومحبة رسوله ﷺ .

стр. 376

التعلق بالشهوة من أكثر أسباب الضلال والانحراف بعد الهدى الأمر السادس: أن التعلق بالشهوة أيها الإخوة! من أكثر أسباب الضلال والانحراف بعد الهدى. فكثير هم الشباب الذين كانوا على طريق الاستقامة والخير والصلاح، وكانوا يضرب بهم المثل في الورع والتقوى، وطاعة الله ؛ لكن البعض منهم قد يتعلق بهذه الشهوة، فتتدرج معه حتى تأسر فؤاده حتى يقع بعد ذلك في الحرام، ثم يأتيه الشيطان فيقول له: هاأنت قد وقعت في الوحل فخض فيه، هاأنت قد هلكت فلا مجال للنجاة، فمتع نفسك بشهوات الدنيا ولذاتها.

стр. 377

التعلق بالشهوة وانتشارها من أكبر أسباب الأمراض النفسية والجسدية الأمر السابع أيها الإخوة!: ما أخبر عنه النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: (كنا عند النبي ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن أدركتموهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وذكر بقية الخصال). أيها الإخوة! إن الفواحش سبب كثير من الأمراض النفسية والجسدية، وهانحن نسمع الآن العالم بأسره يعاني من ويلات ما يسمونه بالأمراض الجنسية، وكلما اكتشفوا علاجاً لمرض ابتلاهم الله بمرض وطاعون لم يكن في أسلافهم. أيها الإخوة! إن المتعة الحرام؛ بدءاً بالعادة السرية التي يمارسها الكثير من الشباب، يجني صاحبها الكثير من الآثار والأمراض النفسية والجسدية، فمن ذلك: الهم والحزن، وبلادة الذهن، وفتور الهمة، وضياع المروءة، والخجل، والإضرار بالذاكرة، والبصر، وتقوس الكتفين، وضعف الهضم، فهذه بعض أضرار ونتائج ممارسة العادة السرية، فما بالكم بما هو فوقها من الزنا، وعمل قوم لوط، عافانا الله وإياكم. ولعلي أشير إلى بعض الإحصائيات عن بعض الأمراض الجنسية التي يعاني منها العالم، وكلما اكتشفوا علاجاً لمرض ابتلاهم الله بمرض آخر: ففي إحصائية نشرت عام ١٩٧٧م أن عدد المصابين بمرض السيلان -وهو مرض يصيب المنحرفين جنسياً- ٢٥٠ مليوناً سنوياً، ومرض الزهري يصاب به ٥٠ مليوناً سنوياً، وعدد الأمريكيين المصابين بمرض الهربز التناسلي بلغ ٢٠ مليوناً في عام ١٩٨٣م. ثم خرج بعد ذلك مرض العصر، وعقوبة الله : مرض الإيدز، ولعلكم سمعتم كثيراً عن هذا المرض الخطير، وقد أجريت دراسة على المصابين به في الولايات المتحدة التي تمثل الرقم القياسي في الإصابة بهذا المرض؛ لانتشار الشذوذ فيها، فيبلغ عدد الشاذين قريباً من ٢٠ مليوناً، هؤلاء الذين يجاهرون بالشذوذ ويعلنون به أمام الناس، والشذوذ في مصطلح هؤلاء يعني عمل قوم لوط. هذه الإحصائية دلت على أن ٧٣% من المصابين بمرض الإيدز هم من الذين يعملون عمل قوم لوط، و١٧% من الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن. يقول أحد نجوم السينما الأمريكيين الذين أصيبوا بهذا المرض وهو على فراش الموت: أنا بانتظار القدر أن يدق بابي، استمعوا إلى صوته من أعماقي، لم أكن أود أن أتعذب هكذا، ومن خلال هذا المرض الإيدز سرطان العصر، ورغم ابتسامات الكثيرين، وتهنئتي بالتماثل للشفاء، إلا أنني على موعد مع القدر، إنه يدق بابي اللحظات الأخيرة. يقول هذا وهو على فراش الموت، وهو يعاني من آلام وويلات المرض. ويقول رئيس قسم أبحاث الإيدز الدولية: إن تكلفة المرض في أمريكا ستصل في عام ١٩٨٦م إلى ١٠ بلايين دولارات، يعني: ١٠ آلاف مليون دولار، هذه تكاليف العناية والرعاية، وإلا فمن أصيب به فلا أمل بعد ذلك بالشفاء، لكن هذه التكاليف لأجل رعاية المرضى، وهذا المرض ينتشر على شكل متوالية هندسية، والمتوالية الهندسية كما يعرفها المتخصصون بالرياضيات تعني تضاعف العدد، ولعل هذه الإحصائية تصور لنا ذلك التضاعف الرهيب للمصابين بالإيدز. في الولايات المتحدة في عام ١٩٨١م كان عدد المصابين ٢٥٢، وفي عام ١٩٨٣م بلغ عدد المصابين ٢٦٤٣، وفي نهاية الشهر السادس من عام ١٩٨٥م بلغ عدد المصابين به ١٢٠٦٧، وبعده بثمانية أشهر بلغ عدد المصابين به ١٧٠٠١. هذه الإحصائية عام ١٩٨٦م، فلنتصور من خلال هذه الإحصائية الانتشار السريع والهائل لهذا المرض، وبعد ذلك انتشر المرض في سائر الدول، وعلى رأس القائمة -كما قلنا- الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، ثم انتشر المرض في كوريا الجنوبية لسببين: السبب الأول: أن عمل قوم لوط، أو ما يسمونه بالشذوذ منتشر في كوريا الجنوبية، وقلنا: إنه من أكبر أسباب انتشار الإيدز. السبب الثاني: أنه انتقل إلى هذه البلاد عن طريق القوات الأمريكية التي كانت موجودة في ذاك الوقت، فقد كان يوجد في كوريا الجنوبية ٤٠ ألفاً من القوات الأمريكية، وكانت هناك إحدى النساء تشتغل في صالون تجميل قريب من معسكر هؤلاء الفجرة، فعبث بها أحد هؤلاء المصابين بالإيدز، ثم انتقلت العدوى بعد ذلك وانتقل المرض وانتشر في تلك البلاد. أيها الإخوة! هذه بعض النتائج والدلائل التي تدل على مصداق ما أخبر به النبي ﷺ من أنه: (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم). وهانحن نرى العالم وقد ابتلي بأمراض الزهري والسيلان، فلما اكتشفوا العقاقير ابتلوا بمرض الهربز، ثم بعد ذلك ابتلوا بمرض الإيدز، ولا ندري لعل المستقبل كفيل بأمراض وعقوبات أشد من ذلك وأقسى؛ وقد ظهرت بعض الحالات في بعض بلدان العالم الإسلامي، إلا أن الكثير من الدول لا ترغب في إعلان مثل هذه الإحصائيات.

стр. 378

الانسياق وراء الشهوات سبب للقلق والأمراض النفسية نتيجة أخرى أيها الإخوة! للانسياق وراء الشهوة. إنها سبب للقلق والأمراض النفسية، فنحن نشاهد أن البلاد الغربية التي ينتشر فيها التحلل والفساد هي أكثر بلدان العالم أمراض نفسية وعيادات نفسية. ولا شك أيها الإخوة! أن هذا الأمر مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فحينما يتمرد الإنسان على فطرة الله ، حينما يعرض عن محبة الله ، وينساق وراء الشهوات، فإنه يدفع هذه الضريبة الغالية ألا وهي القلق والأمراض النفسية التي تصيب الكثير من هؤلاء.

стр. 379

الانسياق وراء الشهوات سبب لتفكك الأسر وانهيار النظام الاجتماعي الأمر التاسع: أن التفسخ الجنسي، والانسياق وراء الشهوات سبب لتفكك الأسر، وانهيار النظام الاجتماعي. والعالم الغربي أيها الإخوة! الذي انتشرت فيه الفاحشة يدلنا على ذلك دلالة واضحة وصادقة، ولعلنا نشير إلى بعض الإحصائيات حول ذلك الأمر: ففي السويد وهي من أكثر بلاد أوروبا ثراء، وترفاً، وانتشاراً للفاحشة، يوجد من كل أربعة أطفال طفل غير شرعي، أي: ولد زنا. وفي الولايات المتحدة كانت نسبة الأولاد غير الشرعيين ٥%، ثم ارتفعت خلال عشرين سنة إلى ١٧%، أي: ١٧% من الأطفال الذين يولدون كلهم أولاد زنا، وأولاد غير شرعيين، هذا ونحن في عصر انتشار وسائل منع الحمل بكافة أنواعها. وأجريت إحصائيات تدل على أن نسبة ٤٠% من طالبات الثانويات حوامل وهن غير متزوجات! أيها الإخوة! عندما يخرج هؤلاء للمجتمع كم من مجرم سيخرج من هؤلاء؟! وكم من عاهر سيخرج من هؤلاء؟! وأي تربية سيتلقاها مثل هذا الغلام ومثل هذا الفتى الذي ينشأ في جو العهر والفساد والانحلال؟! ناهيك عن ارتفاع نسب الطلاق، فقد وصلت في بعض بلدان أوروبا إلى نسبة ٣٣%، وكلما ازداد هؤلاء بعداً عن منهج الله، وانسياق وراء الشهوة؛ ازدادوا تفككاً، وازدادت حياتهم انهياراً.

стр. 380

الانسياق وراء الشهوات سبب لعقوبة الله وانهيار المجتمعات الأمر العاشر أيها الإخوة! من نتائج ذلك: أنه سبب لعقوبة الله، وانهيار المجتمعات. كلنا نقرأ القرآن، ونقرأ كيف صنع الله بقوم لوط لما جاهروا بهذه المعصية، فقد عاقبهم الله بعقوبة لم تكن في أسلافهم، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وخسف الله بهم، وأتاهم عذاب الله وهم غارون نائمون. والذين يقرءون التاريخ يعرفون سبب هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الأولى، لقد كانت فرنسا رمزاً للتحلل، حتى كانت دور البغاء تأخذ تصريحاً رسمياً من السلطات، وكانت النساء تأخذ إذناً رسمياً بالبغاء، وانتشر الزنا والفاحشة في صفوف الجيش الفرنسي، فما استطاعت فرنسا -وهي الدولة القوية- أن تصمد أمام الزحف الهتلري إلا ١٧ يوماً فقط، فوقعت بعد ذلك أيدي جيوش الألمان، وقد صرح الكثير من زعمائهم في ذاك الوقت أن السبب الأول وراء هذه الهزيمة هو الانسياق وراء الشهوات. واسمعوا ما يقوله الزعيم الأمريكي كينيدي يقول: إن مستقبل أمريكا في خطر؛ لأن شبابها منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسئولية الملقاة على عاتقه، ومن بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين؛ لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية. وقريباً من هذا التصريح صرح الزعيم الروسي في ذاك الوقت. إذاً: أيها الإخوة! هذه مخاطر ونتائج الانسياق وراء الشهوة.

стр. 381

الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوع في هذا الأمر ما الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوع في مثل هذا الأمر؟

стр. 382

ضعف الإيمان هناك جملة من الأسباب أولها وأهمها: ضعف الإيمان. فالنبي ﷺ يقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). والمؤمن يقرأ القرآن، ويقرأ أحاديث النبي ﷺ ، ويعلم أن من مقتضيات الإيمان ومن صفات المؤمنين حفظ الفرج والعفاف والطهر، فإذا ضعف إيمان المرء، وقلت تقواه وخشيته من الله تجرأ على المعصية.

стр. 383

ضعف العلم بالله سبحانه واليوم الآخر السبب الثاني -وهو مرتبط بالأول، وأفردته لأهميته-: ضعف العلم بالله ، واليوم الآخر. ولعله يأتي مزيد حديث عن هذه القضية عند الحديث عن العلاج.

стр. 384

رفاق السوء السبب الثالث: رفاق السوء. في دراسة أجريت على نزلاء دار الملاحظة بالرياض كان من نتائج الدراسة: أن ٧٥% من الذين أجريت عليهم الدراسة شاركهم رفاقهم السلوك الإجرامي، يعني: شاركوهم ذلك السلوك الذي كان سبباً في إيداعهم في الدار، وأما البقية الباقية وهي نسبة الـ ٢٥% فلا يعني أن رفاقهم لا يشاركونهم في المعصية، وإنما قد يكونون لم يشاركوهم في مثل هذه القضية التي كانت سبباً في وقوعهم في لك. وأفاد ٥٢% منهم أن رفاقهم هم السبب في إيداعهم في الدار، و٦٧% منهم أفادوا أنهم يقضون أوقاتهم دائماً مع رفاقهم. ومثل هذه الدراسات تدلنا على مدى أثر الرفقة على الشباب، ومن أكثر الآثار السيئة التي يجنيها الشاب من وراء رفاق السوء هو الانسياق وراء الشهوات. ففي تحقيق أجرته جريدة الأنباء يقول أحد المتحدثين وعمره ١٧عاماً: وفي أول مرة شاهدت فيها هذه الأفلام كان منذ سنين حيث كنت في زيارة لأحد أصدقائي، وكان في غرفته فيلم، فقام بتشغيل الفيلم، ثم ذكر اسم الفيلم، وذكر بعد ذلك ما حصل له. الشاهد منه: أنه كان يجتمع مع زميله، وهو الذي عرفه على هذه الأفلام السيئة. ويقول أحد الذين أودعوا في دار الملاحظة، ثم خرج منها وأعيد إليها مرة أخرى، لما سئل عن السبب في عودته للدار يقول: إن سبب عودتي أني عدت إلى نفس الشلة، ونفس رفقاء السوء؛ لأني إذا خرجت من الدار أجدهم ينتظرونني ويدعونني إلى العودة إلى المشاكل السابقة بعد أن حسنوا لي القبيح، وقبحوا لي الحسن، فأنسوني توبتي وعزمي على الاستقامة، فلذلك عدت إلى الدار بسبب هذه الشلة الفاسدة.

стр. 385

انتشار المثيرات السبب الرابع: انتشار المثيرات. ولن أتحدث عن الأسواق وعن التبرج، وعن ما يجري في ذلك، ولن أتحدث عما يفعله بعض الشباب الفسقة من الدوران حول مدارس البنات أثناء خروجهن من المدارس، إنما سأتحدث عن قضايا أخرى مرتبطة بالمثيرات: أولها: الفيديو، وأفلام الفيديو التي يشاهدها الشباب أكثرها وغالبها مما يدور حول هذا الأمر، ففي دراسة أجراها بعض طلبة جامعة الإمام على نزلاء إحدى الدور الاجتماعية أفادت أن ١٠٠% من أفراد العينة يشاهدون الفيديو، وعندما سئلوا عن نوعيات الأفلام التي يشاهدونها أجاب ٩٩% أنهم يشاهدون أفلان جنسية، والأفلام الجنسية تعني الأفلام المتفسخة، لأن ما يعرض الآن في التلفاز من أفلام الحب والغرام هذه لا يقصدون أنها أفلام جنسية، وإنما يعنون بذلك الأفلام التي تعرض الناس كما ولدتهم أمهاتهم. وعندما سئلوا عمن يملك منهم جهاز فيديو أجاب ٢٥% فقط من هؤلاء بأنه يملك في بيته جهاز فيديو، إذاً ٧٥% منهم أين يشاهد الفيديو؟ يشاهده عند رفاقه، وتصوروا شاب مراهق ضعيف الإيمان يشاهد مثل هذه الأفلام الساقطة الوقحة مع زملائه ومع أقرانه!! ولذلك يتحدث أحد الذين سقطوا في هذه الرذائل -عافانا الله وإياكم- وهو لا يزال شاباً في أوائل المرحلة الثانوية يتحدث مع أستاذه فيقول: أجتمع أنا وبعض زملائي فنشاهد الأفلام الساقطة، ثم بعد ذلك نطبق ما فيها. وكنت أتحدث مع شاب، كان هذا الشاب مستقيماً على طريق الخير والصلاح، فسألته عن سبب انحرافه لما تغير، فقال: إني كنت مع رفقة صالحة، فشغلت عنهم بسبب بعض المشاغل، فأصبحت أجلس في الحي، فرآني أحد الشباب من أهل الحي فدعاني إلى منزله، ثم نظرت إلى جهاز الفيديو، وبعد ذلك وقعت في كل ما تتصوره في ذهنك لما رأيت مثل هذه الأفلام. وفي دراسة أجريت في الكويت على مجموعة من الشباب ليسوا من نزلاء الدور الاجتماعية، وليسوا كلهم منحرفين، أفاد ٤٥% من الذكور من أفراد العينة أنهم يقضون وقتهم في مشاهدة الأفلام الممنوعة، و٤٠% من الإناث أنهن يقضين وقتهن في ذلك. إذاً: أيها الإخوة! ينبغي أن نتخذ مواقف حاسمة من هذا الأمر، وليست القضية حتى في الأفلام الممنوعة، فأكثر الأفلام التي تعرض الآن والتي تباع في محلات الفيديو هي مما يثير غريزة الشباب، وأكثرها ساقطة، فماذا تتصورون في هذه الأفلام التي تعرض والتي يبيعها هؤلاء؟ هل تتصورون أنها تربيهم على الخوف من الله ، وخشية الله واليوم الآخر، أنهم يعرضون سير الصالحين والدعاة وشباب الصحابة؟ فيجب أن نقف وقفة حازمة أيها الإخوة! يجب أن نقف ونطالب بفرض رقابة صارمة على أمثال هؤلاء، نطالب بإغلاق هذه المحلات، فمن يؤجر محل الفيديو؟ يؤجره أنا وأنت والآخر، فبعض آباء المسلمين قد يؤجر هذا المحل طمعاً في مال وعرض زائل، ويتسبب في إفساد شباب الحي، ويتسبب في إفساد الشباب والفتيات بمثل هذا الأمر، ولو أن صاحب محل فيديو لم يجد من يؤجره، ولو أنه إذا أتى ليفتح المحل اجتمع عليه أهل الحي وقالوا: لا نرضى أن تفتح في هذا الحي، واجتمعوا إلى صاحب المحل وقالوا: لا نرضى أن تؤجره هذا المحل، لو أننا نتعاون جميعاً ونتكاتف لاستطعنا أن نحد كثيراً من هذه الظاهرة. أيضاً العامل الثاني المثير: التلفاز وما يعرض فيه. فالمراهق بمجرد أن يرى صورة امرأة تثور غرائزه، فكيف وهو يرى صورة امرأة تتزين، وتخرج وهي تتكسر في حديثها وفي حركاتها، كيف وهي تتلفظ بألفاظ الحب والغرام، ويشاهد المسلسلات والتمثيليات التي كلها تدور حول الجنس والحب. في دراسة أجرتها جامعة أم القرى حول مجموعة من الشباب أفاد ٥٧% من أفراد العينة من طلبة المرحلة الثانوية أنهم يقضون أوقات الفراغ في مشاهدة التلفاز، وماذا تتصورون أن هؤلاء الشباب ينظرون في هذه البرامج؟ هل يتابعون ما يسمونها بالبرامج الدينية، أو تلاوات القرآن، أو يتابعون برامج وأموراً أخرى؟ هؤلاء يقضون وقت الفراغ في مشاهدة هذه البرامج، ناهيك عمن يقضون بعض الوقت في ذلك. وفي دراسة أجريت أيضاً في لبنان على ٣٨١ شاباً سئلوا عن رأيهم في التلفاز، فـ٤١% منهم يقول: إنه يؤدي إلى شيوع الرذيلة والجنس، وأيضاً ٧٢% منهم يقول: إنه يضر بالمجتمع أكثر مما ينفع. ويقول أحد الأطباء النفسيين في كولومبيا: إذا كان السجن هو جامعة جيم، فإن التلفاز هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث. والحديث حول التلفاز يطول، ولا أريد أن أطيل في الحديث؛ لأن أمامي قضايا أخرى أرى بالضرورة الحديث عنها، والإفاضة فيها، لكن أحيلكم على مجموعة من الكتب تحدثت عن هذا، منها: كتيب (بصمات على ولدي) لـ طيبة اليحيى، وكتاب (الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون)، وأيضاً كتاب الشيخ سعيد علي زعيب حول أثر التلفزيون، وأيضاً كتاب عوض منصور (التلفزيون بين المنافع والأضرار)، وهناك كتب كثيرة مدعمة بالإحصائيات والدراسات والأرقام التي تعطينا قناعة بخطورة مثل هذا الجهاز. وأقول هذا الكلام أيها الإخوة! ورغم أن كثيراً مما يعرض عند

стр. 386

الفراغ السبب الخامس: الفراغ: في الدراسة التي أجرتها جامعة أم القرى فإن ٥٢% من أفراد العينة يقول: إن لديه أكثر من سبع ساعات فراغ في أيام الإجازة، يعني: في أيام الخميس والجمعة عنده أكثر من سبع ساعات فراغ، فكيف تتصورون أن يقضي الشاب وقت الفراغ؟ وفي دراسة أجريت في الكويت أن ٤٥% من أفراد العينة قالوا: إنهم يقضون وقت الفراغ في مشاهدة أفلام ممنوعة، و٤٠% من أفراد العينة يقول: إنهم يقضون وقت الفراغ في تكوين علاقات مع الجنس الآخر. وفي تحقيق أيضاً أجرته جريدة الأنباء: أن شاباً عمره ٢٠ عاماً لما سئل عن سبب مشاهدة الأفلام، قال: السبب الذي شدني لرؤية الأفلام الممنوعة هو الفراغ الذي أعيش فيه. ويقول أيضاً أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعاد إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته يقول: إن سبب عودتي يرجع إلى الفراغ، وعدم وجود ما يشغلني ويقضي على وقتي بأشياء مفيدة، فكان أن عدت إلى الدار، ولم أستفد من وقتي منذ خروجي، ووجد الشيطان ونفسي الأمارة بالسوء إلي سبيلاً، فارتكبت ما أعادني إلى دار الملاحظة.

стр. 387

غياب التوجيه السبب السادس: غياب التوجيه: في إحدى الدراسات التي أجريت على بعض نزلاء الدور الاجتماعية ٣١% من أفراد العينة يقول: إن أحد أفراد العائلة دخل السجن. يعني: أن ثلث أفراد العينة يعيش في تربية غير سليمة، وأفراد العائلة: إما الأب أو الأخ، فكيف نتصور هذا الشاب الذي تربى في مثل هذا الجو! أيضاً في التحقيق الذي أجرته جريدة الأنباء يقول أحدهم: أما بالنسبة لأهلي فهم لا يعرفون إلى أين أذهب، وماذا أعمل، والدي تاجر وكل وقته يقضيه في عمله، وأمي كل همها السيارات والأثاث والديكور إلى آخره. ولما سئل أحد المدخنين عن سبب وقوعه في الدخان، قال: إن أولياء أمورنا هم المسئولون بالدرجة الأولى، فأنا لم أر والدي يسألني أين أذهب، ومع أي شخص أمشي، وحتى لو علم بأني أدخن فلا يعمل شيئاً، وقد وصل الإهمال عند أولياء أمري لدرجة أني سافرت في العطلة إلى الخارج وجلست هناك خمسة عشر يوماً، وعندما رجعت لم يسألوني من أين جئت! ويقول أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعادوا إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته إلى الدار، قال: أبي لا يهتم لأدائي لفروضي الدينية: من صلاة، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر، فوالدي لو قام بتنشئتي تنشئة إسلامية خالصة لجعل لدي درعاً واقياً أمام الشيطان وانحرافاته، لذا فإني لا أقوم بواجبي الديني على أكمل وجه؛ حيث إني لا أعرف كيف أؤدي بعض هذه الواجبات التي من المفروض أن تكون أساسية منذ نشأتي؛ كالصلاة. ويقول الآخر أيضاً: إن ولي أمري الذي هو القدوة والمثل الأعلى لي، يطلب مني أشياء وواجبات أقوم بها وهو لا يؤدي هذه الواجبات، فيطلب مني عدم شرب الدخان وهو يشربه، ففقدت جانباً مهماً وهو القدوة، فسبب لي ذلك ازدواجية في تعلم المفاهيم وتطبيقها، كان من نتائجها أن عدت إلى الدار. أيها الإخوة! عندما نعنى بالتوجيه هنا فإننا لا نخاطب الآباء وحدهم، وإنما نخاطب الآباء، ونخاطب الأساتذة أيضاً، ونخاطب كل من له صلة بجو الشباب، فيجب عليه أن يتقي الله ، وأن يعلم أن هؤلاء الشباب الذين تحت يديه أمانة في عنقه، وسيسأله الله عنهم يوم القيامة. فكفى تشاغلاً أيها الإخوة! والله إنه مما يدمي أن ترى الأب ينشغل بدنياه، وينشغل بجمع أمواله، وينشغل بالسهر هنا وهناك، ويضيع أوقاته، وبعد ذلك يفاجئ بابنه وقد وقع في مصيبة، حينئذ يضع يده على رأسه ويقول: كيف يحدث هذا؟! لم أكن أتوقع هذا؟! السبب هو أنت، السبب هو غفلتك. وتذكروا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. تذكروا قوله ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته). تذكروا قوله ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه). أقول أيها الإخوة! إن من أكبر أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور: غياب التوجيه، وعدم عناية الآباء وأولياء الأمور، والبعض ممن يتولون أمور الشباب من الأساتذة وغيرهم في الحديث عن مثل هذه الأمور، وتحذير الشباب منها ووقايتهم.

стр. 388

كيف يقاوم الشاب شهواته أخيراً: نجيب على هذا التساؤل، وهو في الواقع أهم ما يعنينا في هذا الأمر: كيف يقاوم الشاب شهوته؟ بعد أن أدركنا مخاطر هذه الشهوة، ومخاطر الانسياق وراءها، وبعد أن أدركنا الأسباب، وأظن أن إدراك الأسباب جزء كبير من الحل، فإن المرء حين يدرك هذه الأسباب يجتنبها، ويجنب من ولاه الله الأمانة والمسئولية.

стр. 389

الزواج أول أمر ينبغي أن نفكر فيه سواء الآباء أو الأبناء: هو الزواج، فالنبي ﷺ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). والزواج هو الوقاية؛ فيه يستطيع الإنسان فعلاً أن يصرف شهوته ليس فقط فيما أحل الله له، بل بما يؤجر عليه كما قال ﷺ لما قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟! قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال فإن له أجراً). فلابد أيها الإخوة -وأنا أوجه هذا الحديث للشباب- لابد أن نفكر تفكيراً جاداً في الزواج، فلماذا نؤخر الزواج إلى هذا الوقت؟! لماذا يتأخر الشاب؟ لماذا يسوِّف؟ وعندما تتحدث عن الزواج يتصور الشاب أنه ليس مخاطباً بهذا الحديث، عندما نتحدث عن الزواج المبكر يتصور الشاب أن المخاطب بهذا الحديث من بلغ سن الثلاثين أو سن الخامسة والعشرين، أو من مضى على تخرجه أربع أو خمس سنوات. ومن أين نشأ لنا أن الشاب لا يتزوج إلا بعد أن يتخرج؟ الله يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، فإذا كانت القضية قضية المصروفات المادية فقد تكفل الله لك بها، الذي ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦]، والذي يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]. فلا يصح أن نتأخر يا إخوة في الزواج بحجة أننا لا نستطيع الإنفاق، وأن الزواج يتطلب تكاليف مادية، أبداً، ولذلك كان يقول ابن مسعود ﵁: التمسوا الغنى بالنكاح. يعني: من أراد الغنى فليتزوج، وقد أخذها من قوله : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. ويقول ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم، ومنهم: الناكح يريد العفاف). فإذا استطاع الشاب أن يجد مهر الزواج وتكاليف الزواج فلا عليه بعد ذلك مما بعد الزواج، وأما قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] فهو في الذين لا يجدون نفقة في الزواج ابتداءً، والذي لا يجد المهر وتكاليف الزواج، فإذا استطاع أن يأتي بتكاليف الزواج من هنا وهناك فلا عليه أن يفكر فيما بعد؛ فإنه قد تكفل به. أخي الشاب! أيما أهم عندك، وأيما أنت أحوج له: أن تعف نفسك، وتحفظ نفسك، وتعيش في ذاك الجو الساكن، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، جو زواجة وطمأنينة، وسكينة، ورحمة، والذي يعيش الشاب فيه الاستقرار النفسي، والاطمئنان، والحياة الحقيقية فعلاً لا يعيشها الشاب إلا بعد الزواج. والشاب الأعزب الآن لما يقرأ حقوق الزوجية، ولما يقرأ الآيات من حقوق الزوجية يحس أنه غير مخاطب بمثل هذه النصوص، لما يقرأ قول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]. فلماذا نفرط في حماية النفس وسعادة الدنيا؟ (وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، فينبغي أن نفكر ونبادر، وأيضاً للأسف كثير من الآباء يحتج بأنه لا يملك النقود، ولا يستطيع تكاليف الزواج، وقد تجده يشتري لوالده سيارة بمبلغ لو وفر هذا المبلغ للزواج لحفظ ولده، فتجده يندم ويعظ أصابع الندم عندما ينحرف ابنه، وعندما يهوي ويضل ابنه، وحينئذٍ يتمنى أنه بادر في مثل هذا.

стр. 390

الصوم الأمر الثاني: الصوم: النبي ﷺ قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). ماذا يصنع الشاب الذي لم يتزوج؟ أرى أن الحل الأول، والحل الأساسي، والحل الشرعي هو الزواج، فإذا لم يستطع الزواج فليس أمامه إلا الوجاء، وليس هناك حل سحري، وليس هناك وصفة طبية إذا وصفت للشاب انتهى صراعه، لا، سيبقى المرء في صراع، بل سيبقى في صراع مع الشهوات كلها حتى ينتهي من الحياة، وحينئذٍ ينتهي هذا الصراع. أيها الشباب! ليس هناك حل سحري، وليس هناك خطوات عندما يسلكها المرء يضمن النجاة لنفسه، فلن تضمن النجاة أبداً، وليس هناك حل للمجاهدة، ولا يعني ذلك التيئيس، لا، كما أن الله ابتلانا بهذا الأمر، فإنه لم يتركنا وحدنا في المعركة، فالله قال عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
следующие страницы →