← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفراغ السبب الخامس: الفراغ: في الدراسة التي أجرتها جامعة أم القرى فإن ٥٢% من أفراد العينة يقول: إن لديه أكثر من سبع ساعات فراغ في أيام الإجازة، يعني: في أيام الخميس والجمعة عنده أكثر من سبع ساعات فراغ، فكيف تتصورون أن يقضي الشاب وقت الفراغ؟ وفي دراسة أجريت في الكويت أن ٤٥% من أفراد العينة قالوا: إنهم يقضون وقت الفراغ في مشاهدة أفلام ممنوعة، و٤٠% من أفراد العينة يقول: إنهم يقضون وقت الفراغ في تكوين علاقات مع الجنس الآخر. وفي تحقيق أيضاً أجرته جريدة الأنباء: أن شاباً عمره ٢٠ عاماً لما سئل عن سبب مشاهدة الأفلام، قال: السبب الذي شدني لرؤية الأفلام الممنوعة هو الفراغ الذي أعيش فيه. ويقول أيضاً أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعاد إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته يقول: إن سبب عودتي يرجع إلى الفراغ، وعدم وجود ما يشغلني ويقضي على وقتي بأشياء مفيدة، فكان أن عدت إلى الدار، ولم أستفد من وقتي منذ خروجي، ووجد الشيطان ونفسي الأمارة بالسوء إلي سبيلاً، فارتكبت ما أعادني إلى دار الملاحظة.

стр. 387

غياب التوجيه السبب السادس: غياب التوجيه: في إحدى الدراسات التي أجريت على بعض نزلاء الدور الاجتماعية ٣١% من أفراد العينة يقول: إن أحد أفراد العائلة دخل السجن. يعني: أن ثلث أفراد العينة يعيش في تربية غير سليمة، وأفراد العائلة: إما الأب أو الأخ، فكيف نتصور هذا الشاب الذي تربى في مثل هذا الجو! أيضاً في التحقيق الذي أجرته جريدة الأنباء يقول أحدهم: أما بالنسبة لأهلي فهم لا يعرفون إلى أين أذهب، وماذا أعمل، والدي تاجر وكل وقته يقضيه في عمله، وأمي كل همها السيارات والأثاث والديكور إلى آخره. ولما سئل أحد المدخنين عن سبب وقوعه في الدخان، قال: إن أولياء أمورنا هم المسئولون بالدرجة الأولى، فأنا لم أر والدي يسألني أين أذهب، ومع أي شخص أمشي، وحتى لو علم بأني أدخن فلا يعمل شيئاً، وقد وصل الإهمال عند أولياء أمري لدرجة أني سافرت في العطلة إلى الخارج وجلست هناك خمسة عشر يوماً، وعندما رجعت لم يسألوني من أين جئت! ويقول أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعادوا إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته إلى الدار، قال: أبي لا يهتم لأدائي لفروضي الدينية: من صلاة، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر، فوالدي لو قام بتنشئتي تنشئة إسلامية خالصة لجعل لدي درعاً واقياً أمام الشيطان وانحرافاته، لذا فإني لا أقوم بواجبي الديني على أكمل وجه؛ حيث إني لا أعرف كيف أؤدي بعض هذه الواجبات التي من المفروض أن تكون أساسية منذ نشأتي؛ كالصلاة. ويقول الآخر أيضاً: إن ولي أمري الذي هو القدوة والمثل الأعلى لي، يطلب مني أشياء وواجبات أقوم بها وهو لا يؤدي هذه الواجبات، فيطلب مني عدم شرب الدخان وهو يشربه، ففقدت جانباً مهماً وهو القدوة، فسبب لي ذلك ازدواجية في تعلم المفاهيم وتطبيقها، كان من نتائجها أن عدت إلى الدار. أيها الإخوة! عندما نعنى بالتوجيه هنا فإننا لا نخاطب الآباء وحدهم، وإنما نخاطب الآباء، ونخاطب الأساتذة أيضاً، ونخاطب كل من له صلة بجو الشباب، فيجب عليه أن يتقي الله ، وأن يعلم أن هؤلاء الشباب الذين تحت يديه أمانة في عنقه، وسيسأله الله عنهم يوم القيامة. فكفى تشاغلاً أيها الإخوة! والله إنه مما يدمي أن ترى الأب ينشغل بدنياه، وينشغل بجمع أمواله، وينشغل بالسهر هنا وهناك، ويضيع أوقاته، وبعد ذلك يفاجئ بابنه وقد وقع في مصيبة، حينئذ يضع يده على رأسه ويقول: كيف يحدث هذا؟! لم أكن أتوقع هذا؟! السبب هو أنت، السبب هو غفلتك. وتذكروا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. تذكروا قوله ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته). تذكروا قوله ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه). أقول أيها الإخوة! إن من أكبر أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور: غياب التوجيه، وعدم عناية الآباء وأولياء الأمور، والبعض ممن يتولون أمور الشباب من الأساتذة وغيرهم في الحديث عن مثل هذه الأمور، وتحذير الشباب منها ووقايتهم.

стр. 388

كيف يقاوم الشاب شهواته أخيراً: نجيب على هذا التساؤل، وهو في الواقع أهم ما يعنينا في هذا الأمر: كيف يقاوم الشاب شهوته؟ بعد أن أدركنا مخاطر هذه الشهوة، ومخاطر الانسياق وراءها، وبعد أن أدركنا الأسباب، وأظن أن إدراك الأسباب جزء كبير من الحل، فإن المرء حين يدرك هذه الأسباب يجتنبها، ويجنب من ولاه الله الأمانة والمسئولية.

стр. 389

الزواج أول أمر ينبغي أن نفكر فيه سواء الآباء أو الأبناء: هو الزواج، فالنبي ﷺ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). والزواج هو الوقاية؛ فيه يستطيع الإنسان فعلاً أن يصرف شهوته ليس فقط فيما أحل الله له، بل بما يؤجر عليه كما قال ﷺ لما قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟! قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال فإن له أجراً). فلابد أيها الإخوة -وأنا أوجه هذا الحديث للشباب- لابد أن نفكر تفكيراً جاداً في الزواج، فلماذا نؤخر الزواج إلى هذا الوقت؟! لماذا يتأخر الشاب؟ لماذا يسوِّف؟ وعندما تتحدث عن الزواج يتصور الشاب أنه ليس مخاطباً بهذا الحديث، عندما نتحدث عن الزواج المبكر يتصور الشاب أن المخاطب بهذا الحديث من بلغ سن الثلاثين أو سن الخامسة والعشرين، أو من مضى على تخرجه أربع أو خمس سنوات. ومن أين نشأ لنا أن الشاب لا يتزوج إلا بعد أن يتخرج؟ الله يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، فإذا كانت القضية قضية المصروفات المادية فقد تكفل الله لك بها، الذي ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦]، والذي يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]. فلا يصح أن نتأخر يا إخوة في الزواج بحجة أننا لا نستطيع الإنفاق، وأن الزواج يتطلب تكاليف مادية، أبداً، ولذلك كان يقول ابن مسعود ﵁: التمسوا الغنى بالنكاح. يعني: من أراد الغنى فليتزوج، وقد أخذها من قوله : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. ويقول ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم، ومنهم: الناكح يريد العفاف). فإذا استطاع الشاب أن يجد مهر الزواج وتكاليف الزواج فلا عليه بعد ذلك مما بعد الزواج، وأما قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] فهو في الذين لا يجدون نفقة في الزواج ابتداءً، والذي لا يجد المهر وتكاليف الزواج، فإذا استطاع أن يأتي بتكاليف الزواج من هنا وهناك فلا عليه أن يفكر فيما بعد؛ فإنه قد تكفل به. أخي الشاب! أيما أهم عندك، وأيما أنت أحوج له: أن تعف نفسك، وتحفظ نفسك، وتعيش في ذاك الجو الساكن، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، جو زواجة وطمأنينة، وسكينة، ورحمة، والذي يعيش الشاب فيه الاستقرار النفسي، والاطمئنان، والحياة الحقيقية فعلاً لا يعيشها الشاب إلا بعد الزواج. والشاب الأعزب الآن لما يقرأ حقوق الزوجية، ولما يقرأ الآيات من حقوق الزوجية يحس أنه غير مخاطب بمثل هذه النصوص، لما يقرأ قول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]. فلماذا نفرط في حماية النفس وسعادة الدنيا؟ (وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، فينبغي أن نفكر ونبادر، وأيضاً للأسف كثير من الآباء يحتج بأنه لا يملك النقود، ولا يستطيع تكاليف الزواج، وقد تجده يشتري لوالده سيارة بمبلغ لو وفر هذا المبلغ للزواج لحفظ ولده، فتجده يندم ويعظ أصابع الندم عندما ينحرف ابنه، وعندما يهوي ويضل ابنه، وحينئذٍ يتمنى أنه بادر في مثل هذا.

стр. 390

الصوم الأمر الثاني: الصوم: النبي ﷺ قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). ماذا يصنع الشاب الذي لم يتزوج؟ أرى أن الحل الأول، والحل الأساسي، والحل الشرعي هو الزواج، فإذا لم يستطع الزواج فليس أمامه إلا الوجاء، وليس هناك حل سحري، وليس هناك وصفة طبية إذا وصفت للشاب انتهى صراعه، لا، سيبقى المرء في صراع، بل سيبقى في صراع مع الشهوات كلها حتى ينتهي من الحياة، وحينئذٍ ينتهي هذا الصراع. أيها الشباب! ليس هناك حل سحري، وليس هناك خطوات عندما يسلكها المرء يضمن النجاة لنفسه، فلن تضمن النجاة أبداً، وليس هناك حل للمجاهدة، ولا يعني ذلك التيئيس، لا، كما أن الله ابتلانا بهذا الأمر، فإنه لم يتركنا وحدنا في المعركة، فالله قال عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].

стр. 391

الطرق التي ينبغي أن يسلكها الشاب إن لم يستطع الزواج

стр. 392

الإيمان بالله تعالى والصلة به وأنا سأشير إلى بعض الأمور التي ينبغي أن يسلكها الشاب إذا لم يستطع الزواج: أولها وأهمها: الإيمان بالله ، والصلة به . إن الإيمان أيها الإخوة! هو الضمانة لوقايتنا من الانحراف، إن المرء وحينما يؤمن بالله ، حينما يترقى في مراتب الإيمان والدين حتى يصل إلى أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يعلم أن الله يراه، حينما يصل إلى هذه المرتبة فإن هذا الإيمان سيصرفه عن الكثير من هذه المعاصي. وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دليل على أن المرء لا يقع في مثل هذه الأمور إلا عن ضعف إيمانه وصلته بالله . إنه أيها الإخوة! حينما يتصل بالله ، وحينما يملأ قلبه بالشوق إلى الله ، وبمحبة الله ، وبالتضرع إليه، وباللجوء إليه، فحينئذٍ لا يتعلق قلبه في هذه الدنيا بشيء غير الله ، وحينئذ يتحقق فيه وصف النبي ﷺ في قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان). وحين يجد العبد حلاوة الإيمان، وحين يجد لذة الإيمان، وطعم الإيمان، والصلة بالله لا يمكن أبداً أن ينصرف قلبه إلى غير الله ، ولا أن يتوجه إلى غير الله ، فضلاً عن أن يتوجه إلى هذه المعاصي التي يدرك شؤمها عليه في الدنيا والآخرة. ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة)، فقد سأل الله أعلى نعيم الآخرة، وهو رؤية الله ، ثم سأله أعلى نعيم الدنيا وهو الإيمان، والشوق لله ، وهذا الجزاء مترتب على ذاك العمل. يقول النبي ﷺ في حديث الرؤية حين يكشف الله الحجاب عن وجه: (فلا ينصرف أهل الجنة إلى شيء من النعيم)؛ لما يرون، فهم قد منعوا أبصارهم، وحجبوا أبصارهم عن النظر إلى غير وجه الله ، فكان هذا الأمر نتيجة لأنهم حجبوا قلوبهم في الدنيا عن التعلق بغير الله، وعن التوجه لغير الله . أيها الإخوة! حينما يعمر الإيمان قلب العبد، وحينما يأنس بعبادة الله، وطاعة الله ؛ فإنه يجد اللذة والراحة بطاعة الله ، ويجد حلاوة الإيمان ولذة الإيمان، حينئذٍ لا تتوجه نفسه لمثل هذه التوافه، ولا تحدثه، وحينئذٍ لا يطمع فيه الشيطان.

стр. 393

معرفة الله تعالى وتذكر علمه وإحاطته، وتذكر اليوم الآخر الأمر الثاني: معرفة الله ، وتذكر علمه، وإحاطته ، وتذكر اليوم الآخر. أخي الشاب! حينما تخلو بنفسك، وتغلق الباب، وترى أنه لا أحد يراك، اقرأ قول الله : ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:٨ - ١٠]. وحين تدعوك نفسك للمعصية تذكر أن الله يراك، وأن الله محيط بما تعمل، ولو كنت غائباً عن أعين الناس، وتذكر وقوفك بين يدي الله ، كما قال ﷺ : (إن الله ليدني عبده فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ أتذكر ذنب كذا وكذا؟). كيف بك عندما تقف بين يدي الله في هذا الموقف العظيم، ويقررك الله بذنوبك؟ وحينما تدعوك نفسك للمعصية تذكر قول الله : ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢٢]. هل تستطيع أن تقارف المعصية بعيداً عن جوارحك؟! إنها هي التي ستوقفك أمام الله وتشهد عليك، كما قال ﷺ في محاجة العبد ربه: (قال: إنك لا تجيز الظلم ولا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله : نعم، لا نقيم عليك إلا شاهداً من نفسك، فيختم الله على لسانه، ويقول لجوارحه: انطقي، قال: فأول ما تنطق فخذه، فتنطق بما كان يعمل، ثم تنطق ساقه، ثم يده، ثم لسانه، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً؛ فعنكن كنت أناضل). وحينما تدعوك نفسك للمعصية تذكر وصية العبد الصالح لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. فحينما تتذكر علم الله وإحاطة الله ، وحينما تتذكر اليوم الآخر وما يجري فيه، فلا يمكن أبداً أن تدعوك نفسك للمعصية، ولا يمكن أن تقارف المعصية؛ ولذلك يقول الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧]. وكما قال السلف: لا يعصي الله إلا جاهل.

стр. 394

الدعاء الأمر الثالث أيها الإخوة! الدعاء: يقول الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، ويقول : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. أيهما أكثر اضطراراً وأحوج وأرجى إلى إجابة الله: رجل يرى عليه خطراً من أخطار الدنيا، أو شاب يقف بين يدي الله في ثلث الليل الآخر يوم ينزل الله إلى السماء الدنيا ويقول: (من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) يقف يبكي بين يدي الله، ويتضرع، ويلح بين يدي الله ، يسأل الله الحماية والحفظ في دينه، أليس هذا أحرى أن يجيبه الله؟ أليس هذا أكثر اضطراراً؟ ولذلك لما واجه يوسف ﵇ الصراع مع الشهوة توجه إلى الله، فقال الله عنه أنه قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. فأكثر من الدعاء أخي الشاب! أكثر من دعاء الله أن يحفظك، وأن يعينك على التوبة، وأن يعينك على شياطين الإنس والجن، واعلم أنك ما دعوت الله، وصدقت معه، ولجأت إليه، فإن الله سيجيب دعاءك.

стр. 395

اجتناب المثيرات وخاصة النظر الأمر الرابع: وأؤكد عليه أيها الإخوة! اجتناب المثيرات وخاصة النظر: للأسف أيها الإخوة! أنه انتشر في مجتمعنا، وبين صفوف الكثير من الشباب عمل قوم لوط عافانا الله وإياكم، الإنسان قد يتورع عن النظر إلى النساء، والتزام النساء بالحجاب والتستر قد يحول دون ذلك، ولكن البلاء أن ينظر إلى بني جنسه. ولذلك حذر السلف من ذلك، كما قال أحدهم: إني أرى مع المرأة شيطاناً، وأرى مع الغلام الأمرد اثني عشر شيطاناً. فاحذر أخي الشاب! من أن ترسل النظر، فتبدأ المسألة بنظرة، ثم تتعلق الصورة في قلبك، ثم تتذكر وتفكر وتتدرج حتى بعد ذلك يملك على المرء فؤاده وقلبه. ناهيك عن وسائل الإعلام: من صحف، وتلفاز، وأفلام وغيرها. ولا يصح أبداً أن يأتي الشاب يتصفح هذه الصور الخليعة ويطلق نظره يمنة ويسرة، ثم يقول: ماذا أفعل؟ أنا أشكو من كذا، وأشكو من سيطرة هذه الشهوة، وأشكو من العادة السرية، اجتنب يا أخي هذه المثيرات، اجتنب هذه الأمور، وارجع إلى الله ، وأكثر من عبادة الله .

стр. 396

من أخطر المثيرات التفكير والانسياق وراءه ومن أخطر المثيرات أيها الإخوة: التفكير، والانسياق وراء التفكير: فالشاب لا يجد حرجاً في التفكير، وقد يجد فيه متعة، فيستلقي على فراشه، ويبدأ يفكر في هذا الأمر، وهو يعلم أنه ليس عليه حرج، ويسترسل به التفكير يوماً ويومين، وبعد فترة يملك التفكير عليه فؤاده، حتى تتحول المسألة إلى رغبة، وإلى همة، حتى يقع في الأمر. فإياك إياك والاسترسال في التفكير، وإذا أتاك هذا الخاطر فأزله عنك وانشغل بعد ذلك: بالأمر الخامس: وهو الانشغال بالتفكير الجاد، والعمل الجاد، وبالذات الدعوة إلى الله .

стр. 397

الانشغال بالتفكير الجاد والعمل الجاد إن أمامنا أموراً نشغل فيها التفكير يا إخوان! أمامنا واقع الأمة الذي يرثى له، والتفكير في أي جانب من جوانب حياة الأمة: صلة الناس بالله ، انتشار المعاصي، حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، أحوال الأمة الإسلامية، أحوال مجتمعنا، قلب نظرك في أي جانب من جوانب حياة الأمة، وابحث عن جانب واحد يسر. أليس مثل هذه الأوضاع جديرة بأن تدعونا إلى التفكير الجاد، وأن نفكر فيها، وأن نفكر ماذا نصنع، وأن نفكر ما دورنا تجاه هذا الأمر، وأن ننشغل بالعمل الجاد؟ ينبغي أن تنشغل. أخي الشاب! عندما تشغل نفسك بالدعوة إلى الله : بدعوة إخوانك، باستصلاح إخوانك بأي وسيلة تستطيع أن تسلكها مع إخوانك الشباب، عندما تشغل نفسك بهذه الأمور الجادة، وبطلب العلم، وبالقراءة، وبعبادة الله ، فإنك تشغل وقتك دائماً. وذكرنا من أسباب الوقوع في هذا الأمر: الفراغ، فبقدر الإمكان لا تبق للشيطان عليك طريقاً بأن تبقى فارغاً، وأن تسترسل مع وقت الفراغ.

стр. 398

التفكر في حقيقة الشهوة وزوال النعمة الأمر السادس: أن تفكر في حقيقة الشهوة وزوال النعمة: ماذا يحصل للإنسان إن أتى بما يجلب له الشهوة، وحقق تمام الشهوة، ما الذي يحصل؟ انتهى الأمر بزوال هذا الوقت الذي مارس فيه الإنسان الشهوة، وانتهت القضية، فهل بقي بعد ذلك يتمتع بالشهوة؟ لا، بقي بعد ذلك الحسرات؛ حسرات قلبه، فإن كان طائعاً منيباً لله يبقى يتألم على هذه المعصية التي فعلها، وإن كان غير ذلك فيبقى يشتاق ويفكر في هذا الأمر. ويبقى له بعد ذلك نتائج هذه الشهوة، فما الذي يحصل؟ من نتائجها التي أشرنا إليها: الأمراض الخطيرة؛ الأمراض الجنسية، والأمراض النفسية، فتفكر في مثل هذه العواقب، وتفكر في آثار هذه المعصية على المجتمع، وتفكر في آثارها على نفسك، وفي حقيقة هذه الشهوة. ولذلك يقول النبي ﷺ لما أتاه شاب ثارت الشهوة في نفسه ويريد الزنا فقال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا)، هذا الشاب هل تتصورون أنه بمجرد أن رغب في هذا الأمر أتى إلى الرسول ﷺ مباشرة؟ لا، نحن لا نعلم ما يدور في نفسه، لكن يغلب على ظني أن هذا الشاب لما فكر في الأمر يعلم أن الزنا حرام، وعنده خوف من الله ، ففكر في الأمر ثم تردد، وفكر وتردد، وفكر وتردد، حتى عزم على الأمر، ولما عزم على الأمر قرر أن يأتي إلى النبي ﷺ ويستأذنه. فأتى النبي ﷺ وهو مع أصحابه فقال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا)، فهم الصحابة به، فتوجه النبي ﷺ وهو المربي، الذي قال عنه أحد أصحابه: (فبأبي وأمي رسول الله، ما رأيت أحسن تعليماً ولا تأديباً منه). دعاه النبي ﷺ وأجلسه، وقال له: (أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: ولا الناس يرضونه لأمهاتهم)، فهذه المرأة التي ستزني بها هي أم للناس، هل ترضى أن يأتي أحد يزني بأمك؟! وقال له: (أترضاه لأختك؟) فهذه المرأة التي ستزني بها أخت للناس. وقال: (أترضاه لعمتك؟ ثم دعا له الرسول ﷺ فقال: اللهم حصن فرجه، وطهر قلبه، فانصرف الشاب وليس شيء أبغض إليه من الزنا). فهذا الحديث أوجهه إلى الشباب، وإلى المربين الآباء والأساتذة وغيرهم، أن يسلكوا مثل هذه الوسائل.

стр. 399

تذكر الحور العين في الجنة أيضاً يا إخوة! من الأمور التي تعين الشاب: أن يتذكر الحور العين في الجنة: ﴿كَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ:٣٣]، ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٨]. ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٤]، ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]. يقول النبي ﷺ لما ذكر في الصحيحين أول زمرة يدخلون الجنة في حديث أبي هريرة، فذكر صفاتهم، ثم قال: (لهم زوجان من الحور العين يرى مخ ساقها من وراء اللحم). ويقول ﷺ في حديث البخاري: (لو أن امرأة من نساء الجنة أطلت على أهل الدنيا لأضاءت ما بينهما، ولنصيفها -أي: خمارها- على وجهها خير من الدنيا وما فيها). أخي الشاب! أيما أحب إليك أن تمتع نفسك بالشهوة العاجلة، ثم تعيش آلام وجحيم هذه الشهوة، أو أن تتمتع بالحور العين في دار الخلد، في الدار التي لا يهتم فيها الإنسان؟

стр. 400

تذكر صفات المؤمنين أيضاً من الوسائل يا إخوان! أن يتذكر صفات المؤمنين، ويرى أنه محروم منها: فالله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]. عندما تنساق وراء شهوتك، وتقرأ هذه الآيات تشعر أنك ليس لك فيها نصيب. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]. ثم قال بعد ذلك في آخر الآية: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]. فعندما تقرأ هذه الآيات وأنت لم تحفظ فرجك، ترى أنك لست مؤهلاً لهذه المنزلة.

стр. 401

تذكر نماذج العفة وأيضاً تذكر نماذج العفة، وخير نموذج على ذلك يوسف ﵇، وقد طال بنا الوقت، ولا أريد أن أطيل في وصف حالته ﵇، فقد اجتمعت له كل أسباب الفاحشة والمغريات: شاب، وغريب عن بلده، وفي بيت السلطان، ودعته المرأة إلى نفسها، وهي ذات منصب، وذات جمال، وغلقت الأبواب، وهددته، ومع ذلك قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]. وقال الله : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]. لما تقرأ هذه القصة وهذا النموذج وأنت لم تحفظ فرجك تتألم كثيراً، ولما تقرأ قول النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظلة، وذكر منهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).

стр. 402

اختيار الجليس الصالح واجتناب الوحدة أيضاً من العوامل المعينة على ذلك: اختيار الجليس، وتجنب الوحدة: وقد عرفنا أن من أسباب الوقوع في هذا الأمر الجليس السيئ، والجليس يا إخوان! هنا لا نعني به فقط الجليس الذي يوقعه في الكبائر والموبقات، لا، فأي رجل يدعوك لمعصية فينبغي أن تجتنبه، وحتى في محيط الأخيار وفي تجمعات الناس الأخيار قد يوجد شاب ليس على مستوى من المحافظة، وعنده ميل إلى مثل هذه الأمور، أو عنده بعضها، فكون الشاب في محيط الأخيار لا يعني أنه قد أصبح مبرأً، وأنه ينبغي أن تجالسه، كلا، فينبغي أن تختار من تجالس، وأنت أعلم بمن تجالس، ومن تصطفي ومن تخالط. وإذا رأيت عند شاب تقصير في مثل هذا الأمر وأنه يقودك إلى ذلك، فقل: هذا فراق بيني وبينك، وتجنب الوحدة أيضاً؛ فإنها من أقوى الدواعي إلى التفكير، وأقوى الدواعي بعد ذلك إلى الوقوع في مثل هذه الأمور. وأخيراً: لا تتهاون بالصغائر: النظر، العادة السرية، وغيرها من الأمور، فكثير من الشباب يتهاون فيها، ويقول: هذا أمر يسير، فقد تنظر نظرة إلى صورة جميلة فترتسم الصورة في ذهنك، فالشيطان يعيد لك هذه الصورة في ذهنك مرة بعد مرة، حتى تتحول المسألة إلى تفكير، حتى يملك عليك فؤادك، حتى تتدرج بعد ذلك إلى الوقوع، فقد تقع في معصية صغيرة، ويتدرج الشيطان في عرضها عليك، والشيطان طويل النفس، وقد أقسم ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]. فاحذر التهاون بالصغائر، وتذكر قوله ﷺ يقول لـ عائشة: (إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً). ويقول ﷺ : (مثل ما تحقرون من أعمالكم كقوم استبطنوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أشعلوا نارهم، وطبخوا عشاءهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها المرء تهلكه). خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وبعد ذلك أقول: لو وقعت في مثل هذه الأمور، فلا تتردد أبداً في أن تأتي إلى والدك، أو إلى أحد أساتذتك الذين تثق بهم، وتثق بدينهم وورعهم وخبرتهم، وتثق بأنهم يكتمون السر الذي تبديه لهم، وبأنهم ينصحون لك، وأفصح لهم عما في نفسك، واطلب منهم الإعانة، واطلب منهم التوجيه، فلا حرج في ذلك، وهو خير لك من أن تبقى أسير الشهوة، وخير لك من أن تهوي. أيها الإخوة! في ختام هذه الكلمة أقول: والله إن الحديث عن هذا الأمر ذو شجون، والحديث يثير الأشجان، وهناك أمور كثيرة يود المرء أن يقولها، لكن الوقت لا يتسع لمثل ذلك. وختاماً أقول: إن الدواء الناجح، والدواء الناجع بعد الزواج وبعد الصيام هو الإيمان بالله ، وتعلق القلب به ، فلنسلك أسباب ذلك. نسأل الله أن يعصمنا وإياكم، وأن يجنبنا أسباب سخطه، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 403

الأسئلة

стр. 404

معنى حديث (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) السؤال قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، أرجو توضيح هذه العبارة، ويفضل ذكر مثال لذلك. الجواب هذا السؤال اختبار، وضح العبارة مع التمثيل، لأن الطلاب في جو امتحانات فمتأثرين بذلك الجو. هذا الحديث يا إخوان! (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) معناه: أن تكون محبة الله ومحبة النبي ﷺ أحب إليه من كل شيء سوى الله ورسوله. ويوضح ذلك قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). ولما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : (إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال النبي ﷺ : لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: والله إنك الآن أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر). يا إخوان! لا يوجد محبوب من مال أو شهوة أو نفس أو أي شيء ينبغي يحبه المرء أكثر من محبة الله ورسوله، والمحبة أمر قلبي؛ لذا لا أستطيع أن أمثل لذلك، ولا أستطيع أن أحضر لكم شخصاً وأقول: هذا يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، فالمحبة في قلبك، لكن المحبة تدرك بآثارها. فإنسان مثلاً مستلقٍ على الفراش، ويسمع المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم، وينام، ولا يصلي الفجر إلا بعد صلاة الجماعة، هل يمكن القول: إنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟! وإنسان يقال له: أنفق في سبيل الله، ويفتح مجال تبرعات فيتبرع بالخمسة الريال أو بالريالين، وأما في المناسبات في أحوال تقتضي المجاملة للأقارب فإنه يدفع الألف والألفين ريال، وهو مجرد إحراج ومجرد مجاملة، لكن لما يأتي الإنفاق في سبيل الله فإنه يبخل، هل هذا يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟ وعندما يكون الطالب مثلاً يتأخر كثيراً عن صلاة الفجر، فإذا جاء وقت الامتحان فما يمكن يفوته الامتحان أبداً، لماذا؟ لأن النوم سلطان جائر في غير أيام الامتحانات، وفي أيام الامتحانات أصبح غير سلطان جائر! فهل هذا الطالب يصدق عليه أنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟! كلا. وإذا نظرنا في حياتنا فإننا نجد نماذج على ذلك كثيرة، فهذه آثار المحبة، وليست هي المحبة، فالمحبة في القلب، ولذلك يخطئ بعض الناس فيفسرها بآثارها، فهذه لوازمها وآثارها ونتائجها، وأما المحبة فهي في القلب، ولا شك أن المحبة لابد أن ينشأ عنها مثل هذه الآثار، فهذه آثار وعلامات نستطيع أن ندرك بها محبتنا لله ورسوله. وفي ختام هذه الكلمة أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يحفظنا وإياكم وشباب المسلمين من مضلات الفتن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 405

أخطاء في المناهج المنهج هو الطريق الواضح المستقيم، ويقصد به هنا المعالم العامة والأمارات الواضحة لطريق الدعوة إلى الله والعبودية له سبحانه، والأصل في المنهج المحجة التي تركنا عليها نبينا محمد ﷺ ، وهو سبيل الطائفة المنصورة والفرقة الناجية إلى قيام الساعة، ومع طول الزمان وتباعد الأجيال ظهرت أخطاء في هذا المنهج نتيجة ما حصل للناس من اللبس والخلط في مفاهيم معينة، وهذا مما يحتاج إلى دراسة مستفيضة للخروج بحلول صحيحة.

стр. 406

الدلالات اللغوية والشرعية لكلمة المنهج بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: ففي بداية هذا اللقاء أشكر الإخوة القائمين على هذا المعهد -ونسأل الله ﵎ أن يجعله معقل علم وخير وبركة- على تنظيم مثل هذا اللقاء، ونحن في الواقع نحتاج إلى أن تكون مؤسساتنا التربوية بأسرها تؤدي مثل هذه الأدوار للمجتمع، وألا يكون الدور فيها قاصراً على ما يتلقاه التلاميذ على مقاعد الدراسة، وليس هذا بغريب عن مثل هذه المعاهد، فهي معاقل علم وخير وبركة، أسأل الله أن يبارك جهود الإخوة القائمين عليها. في المعهد العلمي في مكة في هذه الليلة ليلة الخميس الثاني من شهر جمادى الثانية عام ١٤١٦ للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، نلتقي لنتحدث عن أخطاء في المنهج. وبادئ ذي بدء أعتذر لكم؛ إذ أني كنت قد دونت بعض النقاط المتعلقة بهذا الموضوع وبعض النقول، لكن لأسباب فنية كما يقال لم أتمكن من إحضارها، ولهذا دونت بعض النقاط وأنا في الطائرة مما كنت أستذكره في هذا الموضوع، فمعذرة إن كان في الموضوع قصور أو خلل. معشر الإخوة الكرام! الحديث عن المنهج حديث نسمعه الآن كثيراً، ولا شك أنها خطوة إيجابية، وخطوة مثمرة أن يبدأ الحديث عن المنهج، وأن يبدأ الناس يتساءلون عن المنهج، ويبحثون عن المنهج الصحيح، وهي خطوة بإذن الله لأن تترسم معالم هذا المنهج واضحة جلية للناس، وقبل أن نتحدث عن هذه القضية وهذه الأخطاء نشير إشارة سريعة إلى المقصود بالمنهج. المنهج عرفته كتب اللغة بمعان عدة: منها الوضوح، والمنهج: هو الطريق الواضح المستقيم. وأيضاً يقال: نهج فلان كذا إذا سلك هذا الطريق، وله معان أخرى لا تدخل ضمن هذا الاستخدام، وهو مصطلح جاء في كتاب الله ﵎، وفي سنة النبي ﷺ ، يقول ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، ويقول ﷺ في حديثه الطويل: (تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون)، ثم قال في آخره ﷺ : (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، إذاً فهي ليست كلمة مبتدعة محدثة، وإنما هي كلمة عرفها العرب وتحدثوا عنها في أشعارهم وفيما يروى عنهم، وهي كلمة جاء بها القرآن وجاءت بها سنة النبي ﷺ . وحين نتحدث عن المنهج فإننا نعني: المعالم العامة الواضحة لطريق الدعوة إلى الله ﵎ والعبودية له ، والمنهج يطلق على الطريق الذي يسلكه المسلمون أجمعون، لكنه الآن في عرف الكثيرين ممن يتحدثون عن المنهج صار يطلق على مناهج الدعوة إلى الله ﵎، وعلى الجهود التي تبذل في سبيل إحياء مجد الأمة وإزالة هذه الغربة عن الأمة. إذاً: فالمنهج يعني: معالم واضحة، فهي معالم رئيسة وواضحة وليست قضايا جزئية، وليست مسائل فرعية، ولا من أبواب الاجتهاد، إنما هي معالم ظاهرة واضحة، وهذا يعني: أن من خالف فيها فعنده نوع من الانحراف والخلل في المنهج. والأصل في المنهج المحجة التي تركنا عليها ﷺ ، وهو سبيل الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، لكن في هذا العصر وقد استجدت مستجدات وحصل للناس من اللبس والخلط ما لا قبل لهم به، صاروا بحاجة إلى حديث جديد تنزل فيه هذه القضايا على هذا العصر الذي يعيشونه.

стр. 407

مناقشة أخطاء المنهج يجب أن تكون وفق منطلقات صحيحة وسليمة قبل أن نتحدث عن الأخطاء في المنهج، نطرح تساؤلاً: حينما يتحدث الآن عن المنهج ويكتب عنه ويطرح في المنتديات والمناسبات، هل ما يطرح الآن هو محاولة لاستكمال معالم المنهج وإيضاحها وبيانها للناس؟ وهل هي محاولة للوصول إلى معالم واضحة وإلى أسس لا يعذر أحد بمخالفتها، ويعتبر من تجاوزها وتعداها قد انحرف وتجاوز المنهج، أم أن ما يعرض لا يعدو أن يكون صراعاً وعراكاً داخل دائرة أهل المنهج الصحيح، وداخل دائرة المنتمين إلى أهل السنة والجماعة؟ وإنه لمما يأسى له قلب المسلم ويتفطر أن يعود الصراع إلى الداخل، وأن يعيش جيل الصحوة حلقة مفرغة من الجدل والنقاش حول قضية المنهج، مع أنهم يسيرون في الأصل على أسس واحدة، وعلى أصول متفقة، وإن حصل ما حصل من الاختلاف في الآراء ووجهات النظر والمواقف؛ فإن هذا لا ينبغي أن يحول إلى اختلاف في المنهج. إننا نتساءل ونحن الآن نسمع الحديث كثيراً حول المنهج، وحول الحكم بأن هذا هو المنهج الصحيح، وبأن هذا هو منهج السلف، وبأن منهج فلان أو فلان أو الطائفة الفلانية يخالف منهج السلف، ونحن نسمع الكثير من هذا الحديث نتساءل: هل هذا الحديث وهذا الزخم من إثارة هذه القضية يتوازى ويتناسب مع الحديث عن استكمال معالم المنهج وإيضاحها للناس من خلال الدليل والبرهان والحجة البينة الظاهرة التي لا يخالفها إلا مبتدع صاحب هوى معاند؟ فأقول بادئ ذي بدء: إن قضية المنهج قضية لا يعذر أحد في الإخلال بها، وإن الاختلاف يمكن أن يكون في أي باب إلا في المنهج، وهذا يعني: أن المنهج يشمل أسساً ثابتة ومعالم ظاهرة واضحة، وهو من الأمور المسلّمة في دين الله ﵎، وهو مما جاءت به النصوص المتضافرة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ومن عمل سلف الأمة، ولا يسوغ أن يحول المنهج إلى ما سوى ذلك، وداخل هذا الحديث وهذا اللغط نحن أحوج ما نكون إلى مراجعة، وأحوج ما نكون إلى دعوة إلى استكمال معالم المنهج، وإلى إيضاح الثوابت التي لا تعذر دعوة ولا يعذر داعية في أن يتجاوزها وأن يتخلى عنها، ولا يقبل الخلاف فيها، إن الجهود ينبغي أن تنصرف إلى تحرير هذه القضايا بعيداً عن الأهواء، وبعيداً عن المؤثرات، وبعيداً عن كل دافع وعن كل عامل إلا الانطلاق من منهج الطائفة المنصورة، ومن كتاب الله وسنة النبي ﷺ وما عليه سلف الأمة من القرون المفضلة. إننا ونحن نسمع الحديث عن المنهج نرى أن هناك أخطاء كثيرة؛ أخطاء في الحديث عن المنهج، وأخطاء في تحرير معالم المنهج، ونريد أن نقف عند شيء منها، وليس حديثنا الآن حديثاً عن المنهج ومعالمه، إنما هي إشارة إلى بعض الأخطاء التي ربما تخفى، وهي منطلقات ينطلق منها البعض في تقرير المنهج أو في الحكم على أحد من الناس بأنه قد خالف المنهج، وهي منطلقات تخالف المنهج في أصله وهي منطلقات تحتاج إلى إعادة النظر فيها.

стр. 408

أخطاء في تقرير المنهج والحكم عليه

стр. 409

اعتبار آراء الرجال مقياساً للمنهج أول خطأ من هذه الأخطاء: اعتبار آراء الرجال مقياساً للمنهج. إن هذا الدين واضح لا لبس فيه ولا غموض، والعبودية في الناس إنما هي لله ﵎، والاتباع إنما هو لكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ولن يوجد أحد في الأمة صغر أم كبر يتوجب على الأمة كلها أن تصدر عن رأيه، وأن تدين الله باجتهاداته وآرائه، هذه قضية بدهية لا يجادل فيها مسلم، ولا يكابر فيها إلا مكابر، إن الأئمة الأعلام والرجال الكبار لهم شأنهم ولهم قيمتهم، ولهم اعتبارهم ووزنهم، ولا ينبغي أن تسفه آراؤهم ولا أن تهان منزلتهم ومكانتهم، ولا يجوز أن يدعى إلى إسقاط مثل أولئك الرموز الذين تفتقر إليهم الأمة، لكن هذا شيء وأن تحول أقوالهم إلى حجة تلزم الأمة كلها بقبولها شيء آخر. ومن ادعى هذا الادعاء فنقول له: أعطنا نصاً من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ أو كلاماً لإمام معتبر من أئمة أهل السنة يرى أن الأمة ملزمة برأي فلان من الناس، لا سبيل إلى ذلك، بل هذا هو عنوان الابتداع، وهذه أمارة من أمارات الإعراض عن المنهج، فمن نصب شخصاً أياً كان، فوالى على موالاته، وعادى على معاداته، وجعل كلامه برهاناً على الحق والباطل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كما قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀، ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم الأئمة الأعلام، وهم مصابيح الدجى ومنارات الهدى كان أولئك رضوان الله عليهم يرون أن آراءهم وأن اجتهاداتهم ليست ملزمة للأمة. فها هو ابن عباس ﵁ يقول في شأن رجلين من أفضل أصحاب النبي ﷺ ، بل هما أفضل أصحاب النبي ﷺ يقول: إن الناس يوشكون أن يهلكوا؛ أقول لهم: قال رسول الله ﷺ ؛ فيقولون: قال أبو بكر وعمر، نعم إن رد حديث النبي ﷺ لأجل قول فرد من الناس ولو كان حتى من أولئك الذين اختارهم الله ﵎ لصحبة نبيه ﷺ واختارهم ﵎ ليكونوا فرط هذه الأمة وقدوة هذه الأمة، إن هذا الأمر سبب للهلاك، وسبب للانحراف؛ فالأمة لم تتعبد إلا بقول النبي ﷺ ، أما آراء الرجال أيّاً كانوا وفي أي عصر وفي أي زمان وفي أي مكان فينبغي أن تعرض على ما في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، إذاً فلا يسوغ بحال أن نجعل كلام فلان أو فلان من الناس مهما علا قدره وارتفع شأنه أن نجعله هو المنهج، فضلاً عن أن نتهم من خالفه في اجتهاد أو في موقف أو في رأي أنه قد خالف المنهج، وأنه قد انحرف عن المنهج وتنكب الطريق، والأمة إنما هي متعبدة بكتاب الله وسنة النبي ﷺ لا غير، ولهذا كان سلف الأمة والمصلحون يشتكون من هذا العائق الذي يطرحه الكثير من الناس في وجوههم، كما قال أحدهم: عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلاً هكذا قال مالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك وهكذا كان أولئك يعترضون تارة بقول أشهب، وتارة بقول غيره، ثم يقول: فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك نعم إن ذكرت لهم حديثاً عن النبي ﷺ قالوا: إن مالكاً إنما ترك هذا الحديث لأنه قد أتاه حجة وبرهان. وإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحك فالمنطق هنا هو نفسه، والشكوى هي ذات الشكوى التي يطرحها كل مصلح في كل زمان حين يصدم بهذا الحاجز، وهو حاجز التقليد، وتعبيد الناس لآراء الرجال.

стр. 410

اعتبار واقع مجتمع بعينه مقياساً للمنهج الخطأ الثاني: اعتبار واقع مجتمع من المجتمعات مقياساً للمنهج. قد يمتاز مجتمع من المجتمعات بأنه مجتمع محافظ أو أكثر محافظة وأبعد عن الانحراف والبدعة والخلل من سائر مجتمعات المسلمين، فيصبح المجتمع الرائد في عصره وزمانه، وهذا قد يدفع البعض من الناس لأن يجعلوا واقع هذا المجتمع هو المقياس وهو المعيار لسلامة المنهج، فكل رأي طارئ أو وافد أو جديد على هذا المجتمع يعتبر انحرافاً عن المنهج، ويعتبر مما لم نسمع به، وكوننا لم نسمع به دليل على أنه منهج منحرف، ألسنا نسمع كثيراً الطعن في بعض الآراء بحجة أنها آراء وافدة، وبأنها آراء جديدة، وبأنها آراء لم نسمع بها؟ إنا نطرح السؤال نفسه مرة أخرى: هل هناك مجتمع ما تكون الأمة متعبدة بما اتفق عليه هذا المجتمع؟ إن هذا المصطلح لا يعرف عند أهل العلم إلا فيما يسمى: (عمل أهل المدينة) وهي مرحلة قد مضت، ومسألة طال فيها الجدل والخلاف بين علماء الأصول، أما غيرها من المجتمعات والأزمنة والعصور فإنه لا يوجد من ينطق باسم الإسلام، ولا من يعتبر واقعه هو الواقع الذي يمثل الإسلام، وكل ما عداه وكل ما خالفه منحرف وزائغ وضال. نعم قد يكون مجتمع من المجتمعات أكثر انضباطاً، وقد يكون الانحراف وتكون البدعة فيه أقل من غيره، ويكون في الجملة أسلم من غيره، لكن هذا لا يعني أن يكون كل طارئ وكل جديد على هذا المجتمع مرفوضاً وانحرافاً، وأن يكون كل ما ألفه هذا المجتمع أو ذاك منهجاً صحيحاً وسليماً، إن المناط والحجة إنما هي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . إن الرأي الوافد والرأي الجديد والمنهج الذي لم يألفه المجتمع، ينبغي أن يعرض على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ ، وعلى منهج سلف الأمة، فإن وافق فحيا هلاً وأهلاً وسهلاً به، وإن خالف فهو مرفوض لا لأنه وافد، ولا لأنه طارئ على هذا المجتمع؛ لكن لأنه قد خالف الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، فينبغي أن يكون المعيار والميزان في ذلك إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومنهج سلف الأمة، وإلا أصبحنا عافانا الله وإياكم من أولئك الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].

стр. 411

خلط المصطلحات والنصوص الشرعية وتنزيلها تنزيلاً خاطئاً الخطأ الثالث: الخلط في المصطلحات الشرعية وتنزيلها على غير مواقعها. إننا نسمع الحديث كثيراً من خلال المصطلحات الشرعية التي جاء بها الشرع، سواء أكانت ثناءً أم كانت في مقام الذم والمنع، إننا نسمع الحديث عن الفتنة وأن الشرع قد جاء بذم الفتنة وإثارتها والدعوة إليها، وهي قضية لا يخالف فيها مخالف، ولا يجادل فيها مجادل، ونسمع الحديث عن المصلحة وأن المصلحة تقتضي كذا وكذا، وأن هذا الأمر مما دعت إليه المصلحة، وهي قضية مسلمة من أصول هذا الدين، ونسمع أيضاً عن الكثير من العبارات التي جاءت في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ واستخدمها سلف الأمة، سواءً أكانت في مقام الثناء والمشروعية، أو كانت في مقام الذم والعيب، لكن الذي يحصل أن هذه النصوص وهذه المصطلحات تنزل أحياناً على غير مواقعها، وقد استقر في أذهان الناس أن كل ما يحقق المصلحة فهو مما دعا إليه الشرع، وأن كل ما يجلب المفسدة فهو أمر مرفوض، وينسى الناس أن يناقشوا أن هذا الأمر يحقق المصلحة، أو أن هذا الأمر ابتداع في الدين أصلاً، أو أن هذا الأمر إثارة فتنة، أو أن هذا الأمر كذا وكذا إلى آخر المصطلحات الشرعية. ولنضرب مثالاً سريعاً على ذلك بقضية يكثر الحديث عنها الآن: وهي قضية إثارة الفتنة، وإثارة الفتنة أمر مرفوض ولا شك، ولا يمكن أن نرى مسلماً يتعبد لله ثم يتعمد السعي إلى الفتنة والدعوة إليها، لكن ما هي الفتنة التي جاء الشرع بذمها؟ وما هي الفتنة التي جاءت في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ؟ أليست هذه القضية بحاجة إلى أن تحرر وأن توضح ثم تنزل الأحوال عليها، فما كان فتنة فهو مرفوض، وما كان سوى ذلك فلا يمكن أن يوصف بأنه إثارة للفتنة، إن الله ﵎ يقول في شأن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، لقد قاتل بعض أصحاب النبي ﷺ في الشهر الحرام وعابهم المشركون بأنهم تجرءوا على الشهر الحرام، وتجاوزوا حرمته، فنزل القرآن يقرر خطأ هؤلاء، ويقرر أن القتال في الشهر الحرام أمر كبير لكن الكفر بالله والصد عن المسجد الحرام وعن سبيل الله أشد عند الله ﵎: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، ما المقصود بالفتنة هنا؟ إنها صد الناس عن دين الله ﵎، إننا الآن نسمع الحديث كثيراً عن الفتنة لكن هل نسمع يوماً أن من الفتنة صد الناس عن دين الله ﵎؟ وأن من الفتنة السعي إلى إغراق الناس في الفساد والشرك والبدعة وصدهم عن سبيل الله؟ إنها فتنة وأيّ فتنة وهي أشد من القتل، يقول ﵎: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، وهكذا حين نتحدث عن هذه القضية ينبغي أن نجمع النصوص الشرعية مما جاء في الكتاب والسنة وعن سلف الأمة ثم ننزل هذه القضايا على مواقعها. وقل مثل ذلك في قضية المصلحة والحكمة، وغيرها من المصطلحات التي جاء الشرع بها، إن هذه المعاني مستقرة عند الناس ومقبولة إما إيجاباً أو رفضاً، فالحكمة أمر يسعى إليه الجميع ويقبله الجميع والمصلحة كذلك، والفتنة أمر يرفضه الجميع، والذي يحصل أننا تنزل أحياناً هذه المصطلحات الشرعية على غير مواقعها فيبادر الناس بالقبول والرفض، ويشعر الناس أنها قضية مسلمة بدهية؛ لأن الشرع جاء بتحقيق المصالح؛ ولأن الشرع جاء بدرء المفاسد؛ ولأن الشرع جاء بالحكمة، وجاء بالمنع من الفتنة، ويغيب عن الناس مراجعة تحقيق هذا الأصل، وتنزيل هذه الألقاب الشرعية على مواقعها، وعلى مظانها.

стр. 412

الخطأ في تحديد منهج السلف الخطأ الرابع: الخطأ في تحديد منهج السلف. إن منهج السلف لا يجادل أحد اليوم في أنه هو المنهج المقبول، بل هو المنهج الذي تتعبد به الأمة، ولا أدل على ذلك من أنك لا تجد مسلماً داعياً إلى الله ﵎ في مشرق الأرض ومغربها أياً كان مقدار استقامته وانحرافه يرضى بأن يوصم بأنه يخالف منهج السلف، وحينما يتهم أي واحد من هؤلاء بأنه قد خالف منهج السلف فإنه يبادر إلى الدفاع عن نفسه، وإثبات أنه لا يزال على منهج السلف، وأنه لم يخالف منهج السلف، وهي قضية إيجابية ونقلة مهمة انتقلت إليها الأمة أن يتفق الجميع على منهج السلف في الجملة، لكن الذي يحصل فيه الخلل هو تقرير منهج السلف. إننا بدأنا نسمع كثيراً عن أن هذا هو منهج السلف، وأن هذا خلاف ما عليه السلف، ونتيجة لتعظيمنا لمنهج السلف وقبولنا له ورهبتنا من أن نصوم بأننا قد خالفنا منهج السلف فقد تحدث هذه القضية في أذهاننا ما تحدث، لكن القضية التي ينبغي أن تثبت أولاً هي أن هذا المنهج هو بحق منهج السلف، إن منهج السلف ليست دعوى يدعيها كل إنسان ويتاجر بها فيقول: إن هذا هو منهج السلف، أو هذا على خلاف منهج السلف، أو هذا ليس على منهج السلف، وسأشير هنا إشارة سريعة إلى بعض الأخطاء التي قد يقع فيها البعض في تقرير منهج السلف: أولهاً: أن يجعل رأي آحاد السلف هو منهج السلف. فقد يأتي البعض من الناس ليقرر قضية من القضايا فيورد لك قائمة النقول عن جمع من التابعين وسلف الأمة ليستنبط بعد ذلك ويخرج بنتيجة أن هذا هو منهج السلف، وأن هذا هو مذهب السلف، لكنه قد يخفى عليه أن هناك طائفة من السلف ربما كانوا أكثر من أولئك الذين ساقهم هذا الرجل يخالفون في ذلك. إذاً: ليس لنا كلما وجدنا قولاً لواحد من آحاد السلف أن نعتبره منهج السلف، وأن نعتبره المنهج الذي لا يسع الأمة أن تقول بخلافه، لا شك أن المسلم يقدر أقوال سلف الأمة، ويضعها في موضعها ويزنها بميزانها، لكن أيضاً أن تحول آراء آحاد السلف إلى منهج تتعبد الأمة به، ويوصم الناس بالانحراف لأنهم خالفوا رأي فلان أو فلان من السلف، فهي قضية بحاجة إلى أن يعاد النظر فيها، مثلاً: لو أتانا رجل وادعى أن منهج السلف هو وجوب الاستثناء في الإيمان، فإنه يستطيع أن يأتي بطائفة من أقوال السلف تنص على ذلك، ويقرر بعد ذلك أن هذا هو منهج السلف، وأن من لم يجز الاستثناء في الإيمان فقد خالف منهج السلف، لكن قد يقابله رجل آخر فيورد أيضاً قائمة أطول من تلك القائمة التي أوردها والتي ينقل فيها عن بعض السلف أنهم قالوا بعدم جواز الاستثناء في الإيمان، وأنا هنا مثلت بقضية واضحة ظاهرة معروف الخلاف فيها بين السلف، بغض النظر عن تحرير موطن الخلاف حول هذه القضية، لكنها قضية تؤكد لنا أنه ليس بمجرد أن يقال: قال فلان وهو من السلف أن هذا يكون هو منهج السلف، مع تأكيدنا على احترام آراء السلف وتعظيمها وتنزيلها منزلتها، لكنه لا يمكن أن تحوّل آراء فلان أو فلان إلى دين تلزم الأمة بقبوله، ويوصم من خالف هذا الاجتهاد وهذا الرأي بأنه منحرف، وإلا فبم نفسر ما ورد عن السلف من خلاف في مسائل كثيرة؟ خاصة وأن الكثير ممن يتحدث في هذه القضايا يغض الطرف عن عمد أو عن غير عمد عن أقوال أخرى لجماهير من السلف ربما كانوا أكثر من أولئك الذين حكى عنه تخالف هذا القول، إن الأمانة العلمية تقتضي أن تورد أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء ثم توفق بينها، واحترام عقل القارئ يقتضي منك أن تورد هذا كله، أما أن تضع يدك على عين وتنظر بعين واحدة وتتعامل مع جانب واحد فهذا عنوان دخول الهوى، وحين يدخل الهوى إلى ميدان البحث فإن هذه أول خطوة لمجانبة الصواب والانحراف عن المنهج. الخطأ الثاني في قضية منهج السلف: إهمال عامل الزمان واختلاف الأمور. لا شك أن هناك قضايا مسلمة في كل وقت وفي كل زمان لا تختلف فيها الأمور، لكن هناك قضايا نقلت فيها عن السلف أقوال قالوها في زمان معين أو عصر معين أو ظروف معينة، لا يمكن أن تكتسب هذه النصوص وهذه الأقوال صفة العموم والتعميم، ومهما كانت آراء السلف فهي لا ترقى إلى منزلة أقوال النبي ﷺ ، والتي تتجاوز حدود الزمان والمكان. ولأضرب على ذلك مثالاً حتى تتضح الصورة: لو تأملنا ما كتبه السلف لوجدنا أنهم ينهون كثيراً عن صحبة الأمرد وعن مجالسته ولو لمصلحة تعليمه وتهذيبه وتربيته، والنقول في ذلك عن السلف لا تخفى، ولهذا قد يأخذ بعض الغيورين هذه النصوص وينزلها على هذا العصر، ويقول: ينبغي ألا يصحب هؤلاء، وينبغي للصالحين والأخيار أن يبتعدوا عن صحبة هؤلاء، وأن يبتعد هؤلاء عن مثل هذه المجالس والمجامع؛ لأن السلف كانوا ينهون عن ذلك، وقد ينسى هؤلاء -وهم لا شك ينطلقون من منطلق الغيرة والحرص على اتباع منهج السلف- مراعاة فارق الزمان، وفارق ذاك الوقت الذي قيل فيه هذا القول والوقت والمرحلة التي نعيشها، إننا الآن حين ننهى الصالحين الأخيار عن مصاحبة هؤلاء والأخذ بأيديهم وتربيتهم وتهذيبهم فهذا يعني أن يترك هؤلاء هملاً يتيهون في الشوارع والأز

стр. 413

عدم التفريق بين الخلاف في الأصل والخلاف في تحقيق المناط الخطأ الخامس من الأخطاء في المنهج: عدم التفريق بين الخلاف في الأصل وبين الخلاف في تحقيق المناط. إن هناك مسائل مقررة من هذا الدين ولا تحتمل نقاشاً ولا جدلاً، لكنه قد يحصل هناك خلاف في تنزيل هذه المسائل على وقائع معينة، وعلى أحوال معينة، فيحول هذا الخلاف إلى خلافٍ في الأصل، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة: قضية تاريخية قريبة حصلت ودار حولها لغط كثير وهي قضية الجهاد في أفغانستان، حين دار بين المجاهدين ما دار من الصراع، واختلف الكثير من أهل المنهج الحق -أهل السنة والجماعة- حول الموقف من هذه القضية، فهناك من صور أن القضية صراع بين السنة والبدعة، وأن القضية صراع بين التوحيد والشرك، ولهذا رأى أنه لا يسوغ لمسلم أن يقف موقف الحياد في هذه القضية، وأن الموقف الذي ينبغي أن يقفه المسلم هو الموقف الواضح المحدد، وهناك من خالف في هذا الأمر ورأى أن القضية لها أسباب وعوامل أخرى غير عامل العقيدة. أقول: بغض النظر عن هذه القضية والموقف منها، لكن هذا الخلاف إنما هو خلاف في تحقيق المناط، فالجميع يتفقون على أن قضية التوحيد قضية لا يساوم عليها، وأن المسلم لا يجوز له أن يقف على الحياد في قضية يكون فيها صراع بين أهل السنة وأهل البدعة، ولا ينبغي له أن يتردد في موقفه حين يكون الجدل بين دعاة التوحيد ودعاة الفتنة والتصوف والضلال، لكن الخلاف في تقرير هذه القضية، هل هي أصلاً صراع بين أهل التوحيد وأهل الضلال أم أن لها باباً آخر؟ وقل مثل ذلك حينما يختلف مسلمان في تكفير فلان من الناس، حينما يقرر فلان أن فلاناً ممن وقع في أمر يكفره أنه قد كفر وارتد بهذا العمل عن الإسلام، والآخر لا يكفره، هل يسوغ لذاك الذي حكم بعدم تكفيره أن يصم هذا بأنه من الخوارج ويرى رأي الخوارج، أم أن القضية تحتاج إلى البحث والمناقشة؟ فإن كفّر بأمر يكفر فيه سلف الأمة وأهل السنة فإن هذا الأمر لا يمكن أن يحوله إلى رجل من الخروج وأهل الوعيد. نعم، قد يكون الخلاف على التكفير بعمل لا يكفر فيه أهل السنة فهذا لا شك مسلك الخوارج، أما حين يكون هذا المرء قد ارتكب عملاً مكفراً بنصوص الكتاب والسنة، والخلاف إنما هو في تنزيل التكفير على هذا الرجل المعين فإن القضية ليست من هذا الباب في شيء، إنما هي خلاف في تحقيق المناط بغض النظر عن ملابسات هذه القضية من وجوب الورع والاحتياط والبعد عن تكفير المسلم، لكن فرق بين أن تحكم عليه بالخطأ في تنزيل هذا الحكم على هذه القضية وبين أن تلزمه بالأصل وتحكم عليه بمخالفة المنهج. إذاً: فينبغي أن نفرق في قضايا الاختلاف بين ما كان خلافاً في الأصل وبين ما كان خلافاً في تحقيق المناط وتنزيل الوقائع على الأصول.

стр. 414

الانطلاق في تحديد المنهج من أحداث ووقائع محددة الخطأ السادس: الانطلاق في تحديد المنهج من أحداث ووقائع محددة. قد يعيش المسلمون أحداثاً عنيفة وقد يعيشون أزمة، والأزمات بطبيعتها تسبب نوعاً من عدم التوازن في التفكير ومن عدم التوازن في المواقف، ولهذا يضطرب الناس ويموجون عند الفتن، والفتنة إذا أقبلت لا يدركها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها وأدركها الجميع، فطبيعة الفتن والنوازل أنها تحدث نوعاً من الخلل وعدم الاستقرار في التفكير، فقد ينطلق البعض في تقرير المنهج من خلال موقف من قضية معينة أو حادث معين، وهذا خلل في المنهج، نعم، قد نعلق على هذه القضية أو على هذا الموقف أو قد نتخذ موقفاً من حدث معين، أو من قضية بعينها، لكن أن تكون هذه القضية منطلقاً لتقرير المنهج أصلاً، فهذا أمر يحتاج إلى إعادة النظر.

стр. 415

الانطلاق في تقرير المنهج من ردود الأفعال الخطأ السابع: الانطلاق في تقرير المنهج من ردود الأفعال. قد يحصل خطأ ينتشر عند البعض من الناس، وقد يرفض هذا الخطأ فيبالغ في رفضه، ثم يعمد تجاه هذا الخطأ أو تجاه هذا الموقف أو تجاه هذا الواقع إلى تقرير المنهج متأثرين بردة الفعل. إن قضية المنهج كما أنها يجب أن تحمل قدراً من الثبات والوضوح، فهي بحاجة إلى أن تحمل أيضاً قدراً من الاستقرار والتوازن مما يجعلنا نتلافى قدر الإمكان الاستجابة لردود الأفعال، والاستجابة للتأثر بالأحداث في تقرير المنهج، فحين نقرر المنهج ينبغي أن نتحرر قدر الإمكان من أحداث معينة تركت آثارها في أذهاننا، ونتحرر من ردود فعل تجاه أخطاء البعض من الناس أو تجاه تقصيرهم أو تجاه موقف أو آخر.

стр. 416

اعتبار مسائل الاجتهاد من أصول المنهج الخطأ الثامن: اعتبار مسائل الاجتهاد من المنهج. إن هناك مسائل قد جاءت بها النصوص فهي ظاهرة واضحة، لا يعذر أحد بخلافها، وهذه بلا شك لا يسوغ أن تجعل ميداناً للجدل واللغط، وينبغي أن يخضع لها الدعاة ويخضع لها المسلمون أجمع، لكن ثمة قضايا هي من مسائل الاجتهاد، وقضايا لم يرد فيها نصوص قاطعة، ولهذا فهي تحتمل أن تختلف فيها الآراء والاجتهادات، وما دام أنه ليس في المسألة نص ظاهر يجب على المسلمين قبوله فالأمر واسع في ذلك، ويجوز فيه اجتهاد الدعاة والمصلحين، ويجوز لهم أن يتلمسوا ما يرون أنه أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع وأقرب إلى امتثال أمر الله ورسوله ﷺ فيجتهدون في تحقيقه قدر الإمكان، وما يهديهم إليه اجتهادهم يسلكونه ثم يعذرون الآخرين، ولا شك أن من أخطأ في مسائل الاجتهاد فهو معذور، وهذا منهج سلف الأمة، بل إن الذي يقرنون بين الخطأ والإثم والضلال هم أهل البدع كما قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀ في مواطن من كتبه، وأهل البدع هم الذين يحولون مسائل الاجتهاد إلى مسائل يفرقون فيها بين الأمة، وإلى مسائل يؤثمون بها المخالف، والنبي ﷺ يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، وكم هي المسائل التي اختلف فيها أصحاب النبي ﷺ ومع ذلك لم تحول هذه المسائل إلى منهج يخطأ من خالفه. إننا نرى الآن في عصرنا خلافاً حول قضايا مستجدة ربما كانت محلاً ومجالاً وميداناً للخلاف، ثم نرى من يحول هذه القضايا إلى منهج، ويجعل هذه القضايا معياراً للولاء والبراء، ويجعل هذه القضايا علامة على سلامة المنهج، ويجعل الإخلال بها علامة على الانحراف عن المنهج، ومن أبرز ذلك الخلاف في بعض وسائل الدعوة، فوسائل الدعوة المعاصرة لا شك أنه يحصل فيها خلاف كثير باعتبار أنها نوازل وقضايا طارئة، ولم يتفق فيها العلماء المعاصرون على رأي موحد، فلماذا تحول هذه المسائل إلى قضايا من أسس المنهج، وتجعل هذه المسائل علامة على أن من قال بها فهو من أهل المنهج الصحيح، ومن خالفها فهو من أهل المنهج المنحرف المبتدع؟ ولماذا لا يسعنا الخلاف فيها؟ نعم قد يرى فلان من الناس أنه لا يسعه إلا هذا القول، وقد يرى أنه يدين الله ﵎ بهذا القول، لكنه حين يلزم نفسه بهذا الاجتهاد ويقرره ويدعو الناس إليه فهذا شيء، وأن تحول هذه المسائل إلى أصول وإلى منهج يضلل من خالف فيه فهذا شيء آخر؛ لأننا حين نقرر هذا فمعناه أن يكون لدينا من المناهج بقدر ما لدينا من الدعاة، ويكون لدينا من الطرق والوسائل بقدر ما لدينا من الأفراد، فلا يستقيم على كل منهج إلا فرد واحد، لأنك لن تجد رجلين مهما كان وجه التقارب بينهما إلا ويختلفان في قضية من القضايا.

стр. 417

اعتبار عدم النجاح في تحقيق هدف ما دليلاً على انحراف المنهج الخطأ التاسع والأخير: اعتبار عدم النجاح في تحقيق الهدف دليلاً على انحراف المنهج. لا شك أيها الإخوة أن الداعية إلى الله ﵎ حين يرى أن هذه التجربة أو تلك لم تنجح فإن ذلك يدعوه إلى أن يعيد النظر في نفسه، وأن يعيد النظر في اجتهاداته، وأن يعيد النظر في آرائه، ولا شك أيضاً أنه وهو يقرأ تجارب الآخرين من السابقين واللاحقين الماضين والذين يعيش معهم، لا شك أنه حين يقرأ تجارب من سبقه وعاصره يرى أن هناك تجارب لم يكتب لها النجاح، فيدعوه هذا إلى المراجعة، ويدعوه إلى أن يفتش عن أسباب؛ لأن الفشل له أسباب، لكن هل فشل فلان من الناس يكون بالضرورة سببه الانحراف في المنهج؟ قد يكون ذلك، فالمنهج المنحرف لن يكتب له النجاح، لكن ليس هذا بالضرورة فقد تكون هناك أسباب أخرى أدت إلى ذلك، منها تقصيره في الأخذ ببعض الأسباب المادية. إن الله ﵎ أمرنا بأخذ القوة وأخذ العدة، وأن نتقيه ما استطعنا في كل شيء، قد يكون الإنسان على منهج صحيح، وعلى منهج سديد مستقيم لكنه يفرط في بعض الأسباب وبعض القضايا المادية التي ينبغي له أن يأخذ بها كما أمره الله ﵎؛ فيفشل عمله أو يصاب بنكسة نتيجة إهماله وتفريطه، فهو هنا لا شك أُتي من تقصيره، لكن منهجه ليس منهجاً منحرفاً، ولا يسوغ أن نعود بعد ذلك لنقول: إن فشله في تحقيق هدفه دليل على انحراف منهجه، وقد يكون أيضاً فشله وعدم نجاحه عائداً إلى نوع من الخلل في نيته، قد يكون على منهج صحيح ومنهج سليم في الجملة، ولم يقرر باطلاً ولا بدعة، لكن قد يدخله في العمل بعض حظوظ النفس وبعض الرغبات الشخصية، وهنا قد لا يكتب له النجاح لعدم تحقيق تمام الإخلاص، فلا يدعونا هذا إلى أن نخطئ المنهج، نعم هو إنما أتي من عند نفسه، لكنه أتي من قضية النية، وأما المنهج الذي سلكه في الجملة فهو منهج سليم، فلا يسوغ أن نرفض منهجاً لأنه لم ينجح. وقد يكون في الأمر ابتلاء وامتحان، والله ﵎ يبتلي عباده المؤمنين، أليس النبي ﷺ يقول: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد) فهل يسوغ أن نتهم هذا النبي الذي لم يستجب له إلا رجل أو رجلان رغم أنه استمر دهراً طويلاً في الدعوة، هل يسوغ أن نتهمه بأنه منحرف في المنهج بدليل أنه فشل في تحقيق الهدف الذي سعى إليه؟ هل يسوغ أن نتهم نوحاً ﵇ -الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً- بأنه منحرف في منهجه بدليل أنه خلال هذا الدهر الطويل لم يؤمن معه إلا قليل؟ لا يمكن أن يجرؤ مسلم أن يقول هذه المقولة، إذاً فالأمور لها عوامل أخرى. ونموذج آخر: أصحاب الأخدود حين جاء ذاك الغلام الذي حكى لنا النبي ﷺ قصته، وهدى الله على يديه وزير الملك وجليسه، وهدى على يديه الكثير من الناس، ثم أخذ جليس الملك وشق بالمنشار نصفين كما أخبر ﷺ ، ثم أخذ الراهب وقتل، كل ذلك بسبب استجابتهما للغلام وبسبب دعوة الغلام، فهل يمكن أن نتهم هذا الغلام بأنه منحرف في المنهج؛ لأنه قاد هؤلاء إلى هذه النهاية، بل إنه قاد كل أولئك الذين آمنوا بالله إلى أن يحرقوا بنار الدنيا؟ وهل حرق أولئك جميعاً وقتلهم يعني أنهم قد فشلوا، وأن هذا الغلام مسئول عن تلك الدماء التي أريقت؟ لقد جاء النبي ﷺ في هذه البقعة المباركة ودعا إلى الله ﵎ فآمن به من آمن، واتبعه من اتبعه ﷺ ، وتعرض المسلمون لما تعرضوا له من التعذيب والإيذاء والفتنة، فمنهم من قتل، ومنهم من بلغ به الأذى ما بلغ، ومنهم من هاجر إلى الحبشة وتغرب، ومنهم من هاجر إلى المدينة حتى كان كما قال أولئك: فرق بين الرجل وزوجه، وفرق بين الابن وأبيه، وحتى التقى الابن مع أبيه بسيفيهما في غزوة بدر، وحتى قاتل الأخ أخاه، هل يمكن أن يقول قائل: إن النبي ﷺ ودعوته هي السبب فيما أصاب سمية، أو هي السبب فيما أصاب ياسراً حين قتلا تحت التعذيب، أو هي السبب في اغتراب المسلمين وهجرتهم إلى الحبشة أو إلى المدينة أو في كل ما أصاب المسلمين؟ لا يمكن أن يقول ذلك قائل. إذاً: لا يجوز أن تنسب هذه النتائج إلى الدعاة إلى الله ﵎، وأنهم هم المسئولون عنها، ثم ينتقل بعد ذلك إلى خطوة أخرى وهي الاستشهاد بذلك على الخطأ في المنهج واتهام المنهج. هذه أيها الإخوة بعض الأخطاء التي نقع فيها عند تقرير المنهج وتبيين معالمه، وأكرر ما قلت في بداية حديثي: إننا أحوج ما نكون الآن إلى محاولة الخروج برؤية واضحة يتفق عليها جميع أهل السنة حول الثوابت التي لا ينبغي لأحد أن يخالف فيها، بدلاً من الجدل واللغط والخصومة واللجاج، فتحرير معالم المنهج يضمن النجاة بإذن الله؛ ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن تنجو إلا الطائفة التي تكون على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وتحديد معالم المنهج الوا

стр. 418

الأسئلة

стр. 419

ما يجب على الابن إذا ألزمه والده باتباع مذهب فقهي معين السؤال إن أبي يلزمني بالمذهب الحنفي، فهل أطيعه أم لا؟ علماً بأن عصياني له فيه من المفاسد والتفرقة، وكل أهلي كذلك مثل أبي؟ الجواب لا شك أن البعض من المسلمين وخاصة العامة قد ينشئون في محيط ويعتادون عليه، ولهذا قد تصعب عليهم مخالفته، وقد يشعر الابن أن فيما عليه أهله ما لا يسعه أن يقرهم عليه، ويوافقهم عليه، لكن ينبغي له أن يتبع الحكمة في ذلك، وسواءً كان المذهب حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً فليست العبرة بالصحة والخطأ في قضية المذهب، إنما العبرة بما وافق الدليل، فإذا كنت تشعر أن ما يدعوك إليه والدك يخالف دليلاً صريحاً في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فينبغي أن تبين له بالحكمة والأسلوب الحسن أننا متعبدون باتباع النبي ﷺ ، وأن المذهب لا نقاش فيه ولا جدال حوله، لكن حينما يجد المرء دليلاً يخالف ما عليه المذهب فإنه من التزامه بالمذهب أن يتبع ما قاله أبو حنيفة رحمة الله عليه حين قال: إذا خالف قولي الدليل فاضربوا بقولي عرض الحائط.

стр. 420

تقليد آحاد الناس للمجتهدين الثقات لا يعني إلزام غيرهم بذلك السؤال التنبيه على وجوب التقليد للمجتهدين المخلصين. الجواب هذه قضية كنت أريد أن أشير إليها، وهي أنك حين تقول لبعض الناس: إن آراء الرجال ليست حجة، يرد عليك بقوله: إنني من آحاد الناس وليس لدي علم ولا حسن إدراك لمثل هذه القضايا، ولهذا أرى أنه لا يسعني إلا أن أقلد فلاناً من الناس الذين أثق في علمهم وتقواهم. فأقول: نعم قد يسوغ التقليد لفئة من الناس ممن لم يعرف الحق، فإذا كنت من هذه الفئة فلا يجوز لك أن تحكم بانحراف الناس لأنهم خالفوا هذا الرأي الذي تتبعه؛ لأنك أصلاً شهدت على نفسك بعدم العلم، فإذا ساغ التقليد فلا يسوغ معه أن تأخذ هذا القول الذي أخذته تقليداً وتدعو الناس إليه، وترى أن الناس متعبدون باتباعه، وأن من خالف فيه فهو منحرف، وإذا ناقشك الناس بالحجة والبرهان قلت: أنا ما أعرف، إنما أتبع فلاناً أو فلاناً من الناس، فإذا كنت أنت يا أخي تتبع فلاناً من الناس، وترى أنه لا يسعك الخروج من رأيه، فإن غيرك قد يفهم من كلام الله وكلام النبي ﷺ ما يوجب عليه الخروج عن رأي فلان أو فلان في مثل هذه المسألة أو تلك.

стр. 421

منهج السلف ضابط يتحاكم إليه عند الاختلاف السؤال التحذير من اتباع من يدعون القيام بمنهج السلف، بينما يتركون بعض أساسيات هذا المنهج مراعاة لمصالحهم الشخصية أو الجماعية. الجواب منهج السلف واضح ونحن نتحاكم مع الناس إليه، فمن كان على منهج السلف في معتقدهم وأخلاقهم وهديهم وسمتهم فهو كذلك، ومن خالف في شيء من ذلك فيحكم عليه بالبعد عن منهج السلف بقدر ما خالف فيه.

стр. 422

بعض الكتب التي تعنى بقضية المنهج السؤال هل من كتابات ترشدنا إليها في هذا الموضوع وطرحه، وفي المعالم الرئيسية للمنهج؟ الجواب المشكلة أن هناك كتابات كثيرة حول قضية المنهج، لكن كلها -كما قلت في المقدمة- تتناول الموضوع بنوع من اللجاجة والخصومة لا أقل ولا أكثر، وربما بدأت محاولات جديدة في هذا الوقت، وهي جديرة بالاعتبار، فمثلاً هناك كتاب: أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى، وكتاب: الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي للدكتور: صلاح الصاوي، وهذه تعد محاولات للخروج برؤية واضحة حول ذلك، وهناك أيضاً رسالة صغيرة في منهجية العمل الإسلامي للشيخ: أحمد سلام، ورسالة صغيرة بعنوان: حتى لا نسقط في الفتنة، وهي حول قضية منهج الحوار بين دعاة أهل السنة، وهذا مما تيسر لي أن أقرأه حول هذا الموضوع.

стр. 423

الخطأ في المنهج سبب من أسباب الفتور في جوانب الدعوة السؤال إن ما نراه من الفتور في الدعوة هو نتيجة الأخطاء في المنهج، نرجو من فضيلتكم الحديث عن هذا حفظكم الله. الجواب لا ينبغي يا إخوان أن تصيبنا عقدة أحادية التفكير، بحيث أن كل القضايا نحيلها إلى قضية واحدة، الفتور موجود، لكن ليس بالضرورة سببه الخطأ في المنهج، بل هناك أسباب كثيرة من تقصير في الطاعة وغير ذلك، فالخطأ في المنهج يعد سبباً منها، لكن يجب أن نتخلص من عقدة الأحادية ولا نجعل كل قضية نتحدث عنها مسئولة عن كل مرض من أمراضنا، وعن كل ظاهرة من الظواهر التي نعالجها.

стр. 424

كيفية الجمع بين حضور مجالس العلم والتفرغ لحفظ القرآن الكريم السؤال كيف يستطيع طالب العلم التوفيق بين حفظ القرآن، وبين حضور الدروس العلمية المفيدة والمحاضرات النافعة؟ الجواب لا شك أنه ينبغي للشاب أن يحرص على هذا وذاك، فيحرص على حضور حلقات القرآن، وعلى حضور المحاضرات والدروس العلمية، وما أتصور أن هناك تعارضاً كبيراً، فينبغي له أن يحرص على أن يوفق بينها، فيخصص وقتاً لحضور حلقات القرآن وحفظ القرآن، ووقتاً لحضور مجالس العلم والمحاضرات العامة؛ لأن النفس قد يصيبها الكسل، فالإنسان قد يتفرغ لحفظ القرآن، لكنه قد يكسل ويمل، فيكون حضوره هنا ومشاركته هنا مما يجدد له نشاطه وحيويته، ثم أيضاً -وهذا جانب مهم جداً- قد يتفرغ لحفظ القرآن؛ لكنه قد يضعف، ومجالس العلم والخير تزيد من إيمان الشاب، وتزيد من ثباته، وتزيد من الدافع لديه، وتضع قدميه على الطريق الصحيح، ويستمر في هذا وهذا، ومع ذلك فإني أنصحه إذا لم يتم حفظ القرآن أن يعطي جهداً أكبر للعناية بذلك. السؤال من هو الذي يمكن أن يتبين خطأ أو صحة رأي عالم من العلماء، ويرد ذلك للكتاب وسنة رسول الله ﷺ هل الأمر متروك لكل شخص التزم وتدين قريباً، ونصب نفسه من أئمة الجرح والتعديل، أم أن الأمر بضوابط وقيود؟ آمل توضيح هذه النقطة، لأن كثيراً من الشباب قد افتتن بهذا الأمر ووقع في لحوم العلماء وسفه آراءهم. الجواب هذا كلام صحيح وجميل، فليس معنى هذا أن نفتح الباب على مصراعيه، لكن لو تكلم إنسان مثلاً نقول له: ما هو الدليل من القرآن والسنة؟ ويكون النقاش باعتدال، فإذا رأينا دليله ظاهراً واضحاً من الكتاب والسنة نقبله ويبقى العالم والمجتهد له احترامه وله قيمته، ورد اجتهاده لا يعني بحال من الأحوال تسفيه رأيه، فنحن لو قلنا -مثلاً- في مسألة الجد والإخوة بقول غير قول أبي بكر، هل يعني ذلك أننا نسفه رأي أبي بكر، ولو قلنا في مسألة من مسائل الكلالة أو الربا برأي غير رأي عمر ﵁ هل يعني أننا نسفه رأي عمر، وقل مثل ذلك في سائر المسائل، لذا فإن مخالفة رأي فلان من الناس لا يعني تسفيه رأيه، كذلك لا تجعل هذه القضية سبباً للفرقة، ولا يكون اكتشاف خطأ على فلان من الناس فرصة للنيل من عرضه والطعن فيه، فهذا مرفوض أيضاً.

стр. 425

عدم اعتبار أقوال الرجال في تحديد المنهج لا يعني منع تقليد العلماء مطلقاً السؤال كيف الجمع بين رفض أقوال الرجال في تحديد المنهج، والقول بأن هذا الدين وهذا المنهج الذي أخذ من الكتاب والسنة لا يفهم ولا يعرف إلا بالرجال؟ الجواب القضية ليست تطرفاً إما كذا أو كذا، نحن ما قلنا أن على كل إنسان أن يستغني عن قراءة كتب أهل العلم، وعن الاستماع إليهم، ويعرض عنهم، ويبقى يقرأ النصوص بنفسه ويستنبط منها مباشرة، هذا لا يمكن، فأهل العلم الذين بلغوا الغاية والقمة إنما استفادوا من آراء من سبقهم، ولا يمكن أن يستغنوا عن آراء غيرهم، لكن يا أخي هذا شيء وقضية التقليد المطبق شيء آخر، فنحن نرفض التقليد المطبق، ونرفض أن تكون آراء الرجال هي المقياس في المنهج؛ لأننا الآن نجد أن فلاناً يتهم بأنه منحرف في المنهج أو أخطأ في المنهج بحجة أنه خالف رأي فلان أو رأي الجهة الفلانية أو العالم الفلاني، هذا هو الخطأ وهذه هي القضية التي نرفضها، أما أن نهمل آراء العلماء والأئمة والاستفادة منهم فلا أظن أن أحداً يدعو إلى ذلك، ولا يقول ولا أظن أن أحداً يفهم مما نقوله أننا ندعو إلى مثل هذا.
следующие страницы →