← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

منهج السلف ضابط يتحاكم إليه عند الاختلاف السؤال التحذير من اتباع من يدعون القيام بمنهج السلف، بينما يتركون بعض أساسيات هذا المنهج مراعاة لمصالحهم الشخصية أو الجماعية. الجواب منهج السلف واضح ونحن نتحاكم مع الناس إليه، فمن كان على منهج السلف في معتقدهم وأخلاقهم وهديهم وسمتهم فهو كذلك، ومن خالف في شيء من ذلك فيحكم عليه بالبعد عن منهج السلف بقدر ما خالف فيه.

стр. 422

بعض الكتب التي تعنى بقضية المنهج السؤال هل من كتابات ترشدنا إليها في هذا الموضوع وطرحه، وفي المعالم الرئيسية للمنهج؟ الجواب المشكلة أن هناك كتابات كثيرة حول قضية المنهج، لكن كلها -كما قلت في المقدمة- تتناول الموضوع بنوع من اللجاجة والخصومة لا أقل ولا أكثر، وربما بدأت محاولات جديدة في هذا الوقت، وهي جديرة بالاعتبار، فمثلاً هناك كتاب: أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى، وكتاب: الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي للدكتور: صلاح الصاوي، وهذه تعد محاولات للخروج برؤية واضحة حول ذلك، وهناك أيضاً رسالة صغيرة في منهجية العمل الإسلامي للشيخ: أحمد سلام، ورسالة صغيرة بعنوان: حتى لا نسقط في الفتنة، وهي حول قضية منهج الحوار بين دعاة أهل السنة، وهذا مما تيسر لي أن أقرأه حول هذا الموضوع.

стр. 423

الخطأ في المنهج سبب من أسباب الفتور في جوانب الدعوة السؤال إن ما نراه من الفتور في الدعوة هو نتيجة الأخطاء في المنهج، نرجو من فضيلتكم الحديث عن هذا حفظكم الله. الجواب لا ينبغي يا إخوان أن تصيبنا عقدة أحادية التفكير، بحيث أن كل القضايا نحيلها إلى قضية واحدة، الفتور موجود، لكن ليس بالضرورة سببه الخطأ في المنهج، بل هناك أسباب كثيرة من تقصير في الطاعة وغير ذلك، فالخطأ في المنهج يعد سبباً منها، لكن يجب أن نتخلص من عقدة الأحادية ولا نجعل كل قضية نتحدث عنها مسئولة عن كل مرض من أمراضنا، وعن كل ظاهرة من الظواهر التي نعالجها.

стр. 424

كيفية الجمع بين حضور مجالس العلم والتفرغ لحفظ القرآن الكريم السؤال كيف يستطيع طالب العلم التوفيق بين حفظ القرآن، وبين حضور الدروس العلمية المفيدة والمحاضرات النافعة؟ الجواب لا شك أنه ينبغي للشاب أن يحرص على هذا وذاك، فيحرص على حضور حلقات القرآن، وعلى حضور المحاضرات والدروس العلمية، وما أتصور أن هناك تعارضاً كبيراً، فينبغي له أن يحرص على أن يوفق بينها، فيخصص وقتاً لحضور حلقات القرآن وحفظ القرآن، ووقتاً لحضور مجالس العلم والمحاضرات العامة؛ لأن النفس قد يصيبها الكسل، فالإنسان قد يتفرغ لحفظ القرآن، لكنه قد يكسل ويمل، فيكون حضوره هنا ومشاركته هنا مما يجدد له نشاطه وحيويته، ثم أيضاً -وهذا جانب مهم جداً- قد يتفرغ لحفظ القرآن؛ لكنه قد يضعف، ومجالس العلم والخير تزيد من إيمان الشاب، وتزيد من ثباته، وتزيد من الدافع لديه، وتضع قدميه على الطريق الصحيح، ويستمر في هذا وهذا، ومع ذلك فإني أنصحه إذا لم يتم حفظ القرآن أن يعطي جهداً أكبر للعناية بذلك. السؤال من هو الذي يمكن أن يتبين خطأ أو صحة رأي عالم من العلماء، ويرد ذلك للكتاب وسنة رسول الله ﷺ هل الأمر متروك لكل شخص التزم وتدين قريباً، ونصب نفسه من أئمة الجرح والتعديل، أم أن الأمر بضوابط وقيود؟ آمل توضيح هذه النقطة، لأن كثيراً من الشباب قد افتتن بهذا الأمر ووقع في لحوم العلماء وسفه آراءهم. الجواب هذا كلام صحيح وجميل، فليس معنى هذا أن نفتح الباب على مصراعيه، لكن لو تكلم إنسان مثلاً نقول له: ما هو الدليل من القرآن والسنة؟ ويكون النقاش باعتدال، فإذا رأينا دليله ظاهراً واضحاً من الكتاب والسنة نقبله ويبقى العالم والمجتهد له احترامه وله قيمته، ورد اجتهاده لا يعني بحال من الأحوال تسفيه رأيه، فنحن لو قلنا -مثلاً- في مسألة الجد والإخوة بقول غير قول أبي بكر، هل يعني ذلك أننا نسفه رأي أبي بكر، ولو قلنا في مسألة من مسائل الكلالة أو الربا برأي غير رأي عمر ﵁ هل يعني أننا نسفه رأي عمر، وقل مثل ذلك في سائر المسائل، لذا فإن مخالفة رأي فلان من الناس لا يعني تسفيه رأيه، كذلك لا تجعل هذه القضية سبباً للفرقة، ولا يكون اكتشاف خطأ على فلان من الناس فرصة للنيل من عرضه والطعن فيه، فهذا مرفوض أيضاً.

стр. 425

عدم اعتبار أقوال الرجال في تحديد المنهج لا يعني منع تقليد العلماء مطلقاً السؤال كيف الجمع بين رفض أقوال الرجال في تحديد المنهج، والقول بأن هذا الدين وهذا المنهج الذي أخذ من الكتاب والسنة لا يفهم ولا يعرف إلا بالرجال؟ الجواب القضية ليست تطرفاً إما كذا أو كذا، نحن ما قلنا أن على كل إنسان أن يستغني عن قراءة كتب أهل العلم، وعن الاستماع إليهم، ويعرض عنهم، ويبقى يقرأ النصوص بنفسه ويستنبط منها مباشرة، هذا لا يمكن، فأهل العلم الذين بلغوا الغاية والقمة إنما استفادوا من آراء من سبقهم، ولا يمكن أن يستغنوا عن آراء غيرهم، لكن يا أخي هذا شيء وقضية التقليد المطبق شيء آخر، فنحن نرفض التقليد المطبق، ونرفض أن تكون آراء الرجال هي المقياس في المنهج؛ لأننا الآن نجد أن فلاناً يتهم بأنه منحرف في المنهج أو أخطأ في المنهج بحجة أنه خالف رأي فلان أو رأي الجهة الفلانية أو العالم الفلاني، هذا هو الخطأ وهذه هي القضية التي نرفضها، أما أن نهمل آراء العلماء والأئمة والاستفادة منهم فلا أظن أن أحداً يدعو إلى ذلك، ولا يقول ولا أظن أن أحداً يفهم مما نقوله أننا ندعو إلى مثل هذا.

стр. 426

تبني الفرق الضالة لبعض جوانب المنهج الصحيح لا يلزم منه براءتهم من البدع والضلال السؤال نرى الآن من بعض آبائنا بعض الأخطاء في العقيدة كحبهم لبعض الطوائف مثل الصوفية، أو الرافضة إلخ، بسبب بعض الأعمال التي يقومون بها. الجواب نعم هذا حاصل، فمثلاً الرافضة اليوم -كما نرى من دولتهم- يرفعون راية الإسلام ويقومون ببعض الأعمال التي لم يقم بها كثير من المسلمين، وقل مثل ذلك في بعض طوائف التصوف، لكن هذا لا يعني أن منهجهم صحيح أو سليم، بل هؤلاء الكثير منهم يتاجر بمثل هذه الشعارات، ويتاجر بمثل هذه الأمور، وينبغي لنا نحن أن نكون واقعيين ومنصفين ومحايدين، فنقول: هذا الموقف الذي وقفوه موقف يجب على المسلمين أن يقوموا به، ويجب على المسلمين أن يقفوا مثل هذا الموقف، لكن هذا لا يعني الشهادة لهم بالبراءة من البدعة والضلال، ولا يعني أن يقود المسلم إلى حبهم والثناء عليهم، ألسنا نعلم أن أحد المشركين كان له أعمال من الصلة وإطعام الطعام، وتقديم الخير للناس، وحين سئل ﷺ عنه قال: (إنه لن ينفعه، لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدي)، وهكذا فأعمال هؤلاء هي من هذا الباب.

стр. 427

من أخطأ في اتباع المنهج بعد أن بذل وسعه واجتهد فيرجى له أن يكون معذوراً السؤال ما المنهج السليم الذي يمكن سلوكه لتجنب ما يبعد عن المنهج الذي رسمه لنا النبي ﷺ ؟ وكيف يمكن التمسك بهذا المنهج تمسكاً سليماً خالياً من الأخطاء؟ الجواب يجب علينا أن نعود إلى دراسة منهج أهل السنة والجماعة دراسة عميقة واسعة، ونعرف ما هي القضايا التي اتفق عليها أهل السنة، وما هي المسائل التي اختلف فيها أهل السنة، ثم نسعى إلى تنزيل هذه القضايا على عصرنا وعلى واقعنا، ونرجع في كل أمورنا إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وهذا كله بإذن الله أمارة الوصول إلى المنهج السليم، ولو أخطأ الإنسان بعد ذلك الاجتهاد ووقع في الخطأ ولم يوفق في سلوك الحق فإنه معذور بإذن الله، وعلينا أن نستكثر دائماً من الدعاء المأثور عنه ﷺ : (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وقوله ﷺ : (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه).

стр. 428

موافقة الحق هو الميزان الصحيح لتقييم الأفراد والجماعات السؤال كثر في هذا الزمان الكلام عن الجماعات والعداء بينها، مع أن بعضها على خير، فما هو الميزان الصحيح في هذا الموضوع؟ الجواب الميزان الصحيح في تقويم الرجال والجماعات والهيئات والأعمال أن ينظر المسلم ما وافق الحق فيقبله، ويثني عليه، وما خالف الحق فيرده ويرفضه، ومن كان صوابه أكثر من خطئه، واستقامته أكثر من انحرافه فإنه يحمد في الجملة، وإذا اقتضت الحاجة يبين ما وقع فيه من خطأ، ومن كان خطؤه وانحرافه وضلاله أكثر من صوابه فإنه يحذر منه في الجملة، وإن أتى بخير فإنه لا ينبغي أن يترك هذا الخير بحجة أنه جاء به فلان، لكن أرى أنه ينبغي لنا ألا نشغل أنفسنا بالحكم على الناس، وعلى الأعمال والجهود؛ لأن الإنسان إذا انشغل بهذه القضايا فإنه سينشغل عن عيب نفسه بعيوب الناس، ولن يسأل الإنسان في قبره عما يعتقد في فلان أو فلان من الناس، ولو مات وهو يعتقد أن فلاناً على الحق وكان بخلاف اعتقاده فيه فإن هذا لن يضيره أبداً. المقصود: أننا ينبغي أن ننشغل بأنفسنا وأن ننشغل بعيوبنا، إما إذا كان هناك حاجة لبيان الموقف من قضية معينة أو جهة معينة فينبغي أن يكون ذلك بعلم وعدل، وأن نحذر من الهوى؛ لأن هذه القضايا من أكبر مداخل الهوى وحظ النفس.

стр. 429

إخضاع آراء الرجال للكتاب والسنة يقي المسلم من التقليد المذموم السؤال لا شك أن تضخيم الناس لأقوال الرجال باعتمادها في كثير من القضايا يعتبر من الأخطاء الواضحة في المنهج، لكن ما الحل في علاج مثل هذا الخطأ الفادح، لا سيما وأن ممن يقع فيه بعض طلبة العلم الفضلاء؟ الجواب العلاج هو أن نعبد الناس للكتاب والسنة ونخضعهم لهما، ونحن علينا أن نستفيد من آراء العلماء، ومن آراء الرجال، ويكون لها احترامها وقيمتها في نفوسنا، لكن بالمقابل ينبغي ألا تعظم آراء الرجال أكثر من الكتاب والسنة. الآن الناس وسعهم أن يتركوا مذهب الإمام أحمد، ووسعهم أن يتركوا مذهب الشافعي، ووسعهم أن يتركوا مذهب أبي حنيفة، وما يرون غضاضة في ذلك، بل إن من دعا إلى مذهب من هذه المذاهب فإنهم يضعون عليه علامة استفهام، لكنهم في ذات الوقت يرون أنه مما يشق عليهم جداً أن يخرجوا عن قول عالم معاصر. فأقول لهؤلاء: إذا وسعكم تقليد عالم معاصر فإن اتباع المذاهب أولى وأجدر؛ لأن أصحاب تلك المذاهب كانوا أعلم، وكانوا أئمة، واتفقت عليهم الأمة، وكان لكل مذهب منها مدرسة فقهية متكاملة، حررت قواعده وأصوله ومسائله، بخلاف آراء فلان أو فلان من الناس، فلا ينبغي لنا أن ننتقل من تقليد إلى تقليد آخر، ولا أن نذم خطأً ونرتكب خطأ آخر مثله أو أشد منه.

стр. 430

اقتناع المرء أنه على المنهج الحق لا يلزم منه أن غيره على منهج باطل السؤال لماذا يصر البعض من الناس على عدم سلوك المنهج الصحيح، مع علمه أن المنهج الذي يسلكه هو منهج خاطئ؟ الجواب أولاً هذا يحتاج إلى أن نقرر أن هذا الكلام سليم أصلاً، يعني: بعض الناس يرى فلاناً يسلك طريقاً، ويرى هو أن هذا منهج خاطئ، ويبين له ذلك، ثم بعد ذلك يصل إلى نتيجة أنه قد بين له الحق، وأنه قد رفض الحق وكابر. أقول: يا أخي ربما أنه هو على منهج سليم وصحيح، وأن الخلاف بينك وبينه مما يسع فيه اختلاف وجهات النظر والرأي أصلاً، وليس خلافاً في المنهج، وربما كان على صواب وأنت على خطأ، وربما كان هو على خطأ فعلاً وأنت على صواب، لكنه ما اقتنع وما وضح له الحق، فلماذا دائماً نتهم الناس بفساد النية، وخبث الطوية؟! نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله ﵎ أن يكتب النصر والتمكين للطائفة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وأن يجعلنا وإياكم من أتباع منهجه ﷺ وسلف الأمة، وأن يوردنا حوضه، وأن يحشرنا تحت لوائه إنه سميع مجيب. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 431

نحو تربية جادة التربية الجادة من الأمور الضرورية لإنشاء جيل عملي مؤهل لحمل الأعباء والتكفل بالقيام بالمسئوليات المناطة به، وهذه التربية لا يكفي فيها مجرد الطرح النظري والخطب والمقالات التي تلقى في المحافل؛ بل لا بد من وضع خطوات عملية والقيام بدور القدوة الحسنة في ذلك.

стр. 432

المواجهات الضخمة تتطلب تربية جادة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فتدرك الأمم أجمع اليوم أهمية التربية وضرورتها، وتدرك أنها لن تحقق أهدافها ولن تصل إليها إلا من خلال التربية وإعداد الجيل، ومن هنا فإن الأمم التي تقدر جيلها وناشئتها تشعر أن أولى ما تقدمه لهذا الجيل هو التربية؛ لذا تحظى هذه التربية عند أولئك بعناية كبيرة، بغض النظر عن فلسفتهم للحياة، وبغض النظر عن قيمة الحياة عندهم، لكنهم جميعاً يشعرون أن هناك مبادئ ومعارف وقضايا ينبغي أن تتربى عليها الأمم والشعوب، ولا شك أن الأمة التي تطمح إلى قيادة الأمم، والأمة التي تطمح إلى أن تتبوأ المكانة التي خلقها الله واختارها من أجلها، لا شك أنها تدرك أن بلوغ هذا الهدف يعني أن تربي جيلاً يؤهل لذلك، وأن تكون مستوى تربيتها وأن يكون جيلها وأن يكون أفراد هذه الأمة مؤهلين بقدر هذا الهدف الذي تتطلع إليه. ولئن كانت الأمة تحتاج إلى التربية في كل وقت وحين فهي في هذا العصر أحوج ما تكون إلى التربية الجادة. إننا أمام متطلبات ضخمة وأهداف طموحة ينتظر من هذه الأمة أن تبلغها وتحققها، وهي لا يمكن أن تتم من خلال عواطف تفجر هنا وهناك، أو من خلال كلمات لا تعدو أن تكون نتاج خواطر مبعثرة، وإذا كنا نتصور أننا نستطيع أن نصنع الجيل من خلال هذا الجهد فإننا نبني قصوراً في الرمال ونسعى وراء السراب إننا بقدر ما تسمو أهدافنا وبقدر ما تعلو طموحاتنا ينبغي أن تكون تربيتنا، من هنا كنا نحتاج ونفتقر إلى التربية الجادة التي تخرج لنا الأمة الجادة وتخرج لنا الجيل الجاد الذي يحمل المسئولية ويقدر الأمانة ويكون أهلاً بإذن الله أن يكتب النصر والتمكين على يديه. وسبق أن تحدثت بمناسبة سابقة حديثاً كان بعنوان: التربية الجادة ضرورة، وكتبت في ذلك، ووردت علي اقتراحات عدة من بعض الإخوة الذين استمعوا إلى هذا الحديث أو قرءوا ما كتب في ذلك؛ اقتراحات تؤكد على ضرورة طرح برامج ووسائل يمكن أن نصل من خلالها إلى هذه التربية. لقد كان الحديث منصباً فيما سبق حول أهمية وضرورة أن نرتفع بتربيتنا وأن تربى الأمة وجيلها المبارك تربية جادة، وأشعر أن مثل هذا الحديث يقطع خطوات جيدة ويشعر الناس بضرورة المراجعة، لكن أيضاً لأننا اعتدنا -وهي ظاهرة سلبية نعاني منها- أن نحتاج إلى قضايا محددة وألا نكلف أنفسنا عناء التفكير والابتداع المشروع في ميدان التفكير حين اعتدنا هذا الكسل الفكري أصبحنا نحتاج إلى أن توضع لنا النقاط على الحروف؛ ولهذا أحببت أن أتحدث في هذا اللقاء حديثاً أركزه حول بعض الوسائل والمقترحات من أجل تربية جادة.

стр. 433

من عوامل طرح موضوع التربية الجادة أما الحديث عن أهمية التربية الجادة وما يتعلق بها وشواهد ذلك فقد سبق فيما أشرت إليه، وأقرأ في بداية هذا اللقاء مقتطفات من رسالة لأحد الشباب وردت إلي حول هذا الموضوع، ولا أخفي أنها كانت من العوامل وراء طرح مثل هذا الموضوع. يقول الأخ: قرأت كتابكم: التربية الجادة ضرورة وكذلك استمعت إلى الشريط، وبدافع من آصرة التواصل ومبدأ المناصحة وجدتني أخط هذه الرسالة. عند سماعي للشريط كنت متلهفاً للوصول إلى نقطة: مقترحات للنقلة؛ لأنها في رأيي أهم نقاط الموضوع إذ هي التي تحول العلم النظري إلى واقع عملي ولكن صدمت عندما سمعت نقاطاً عامة، أو معالم في طريق التربية الجادة، فقلت في نفسي: لعل في الكتاب زيادة بسط في الحديث ولكن ما زاد الكتاب عن الشريط في شيء، وقد عزيت ذلك بأن الهدف من الكتاب هو الاقتناع بضرورة التربية الجادة، ولكن هل مشكلتنا تكمن في عدم اقتناعنا بضرورة التربية الجادة، أم المشكلة في تخاذلنا في القيام بهذه التربية وتحمل مشاقها، ثم ذكر قضية خاصة له وقال في نهاية الرسالة: أعود إلى الكتاب فأقول: إن هذا الجهد وهذا الكتاب لا بد أن يتوج حتى تكتمل فائدته بكتاب أو رسالة يؤخذ فيها فصل مقترحات للنقلة بشيء من التفصيل والتوسع. حين نتحدث عن التربية الجادة، أو حين نقترح بعض الوسائل التي نرى أننا حين نسلكها في تربيتنا توجد بإذن الله جيلاً وأمة جادة فإننا بحاجة إلى أن نقف وقفة ولو كانت قصيرة حول صفات الشخصية الجادة التي نتطلع إليها؛ لأنه قد يسير معك الناس في الحديث والنقاش حول هذه القضية لكن مواصفات الشخصية الجادة ليست مشتركة بينك وبينهم، ومن هنا ربما لا يدركون لماذا كان مثل هذا الحديث ومثل هذه النقطة وهذا الاقتراح.

стр. 434

صفات الرجل الجاد قد ينطبع في الأذهان حين نتحدث عن الشخصية الجادة أو الرجل الجاد أن الجد الذي نعنيه هو المعنى المضاد للهزل والضحك، وأننا نعني بالرجل الجاد ذاك الذي لا يمزح إلا نادراً ولا يضحك إلا لمماً، ولا تبدو منه الابتسامة إلا في الحول مرة أو مرتين. لا شك أن استمراء الضحك والهزل والفكاهة مدعاة لموت القلب، لكن ليست في الضرورة هذه التي نريد، وماذا نريد من رجل صامت قد أطرق رأسه، ماذا عسى أن يصنع في هذا العصر الذي تواجه الأمة فيه تحديات وتواجه فيه الخطورة، إن هذا أسهل حل يمكن أن يسلكه المرء، أعني: أن يطرق وأن يخرس لسانه وأن يستمع ولا يتحدث وينظر ولا يتحرك ولا يعمل. إننا حين نطلب الشخصية الجادة فإننا لا نعني مثل هذا النموذج، إنما نعني الرجل الذي يملك صفات محددة، ويمكن أن نلخص هذه الصفات بصفات ثلاث: الأولى: العمل والإنتاج، إن الرجل الجاد الذي نعنيه ونريده هو الذي يعمل هو الذي ينتج هو الذي يعمل أكثر مما يتحدث وحين تريد أن تتفقد مدى جديتك وأن تعرف مدى القدر الذي تحمله من هذه الجدية فانظر إلى نفسك وإلى عملك: كم يشكل العمل من اهتماماتك، وما هي النسبة بين حديثك وعملك بين مقترحاتك وأعمالك بين أفكارك العالية الطموحة وما تقدم وتعمل، فالرجل الجاد هو العامل الذي يعمل في كل الميادين والظروف. أيضاً من المواصفات الهامة: جدية الاهتمامات، الناس تأسرهم اهتمامات شتى في هذا الواقع، فمنهم من الدنيا أكبر همه، ومنهم من همه الشهوات، ومنهم من همه الرياضة واللهو اللعب، ومنهم من همه تحصيل الجاه أمام الناس، وهكذا تتنوع اهتمامات الناس، انظر الآن كم تأخذ قضية الفن والرياضة من أجيال المسلمين من أوقاتهم ومن حماسهم ومن اهتماماتهم، أليست هذه صورة وعلامة وأمارة على قلة الجدية. إن الرجل الجاد قد يمتع نفسه بشيء من الرياضة واللهو المباح لكن أن تسيطر عليه هذه القضية وتشغل باله وتصبح من الأولويات لديه فهذه أمارة على قلة جديته. وقل مثل ذلك في ذاك الشخص الذي أصبحت الدنيا أكبر همه وأصبحت هي قضيته الأولى والأخيرة، فلا يفكر إلا في المستقبل والمستقبل هنا ينتهي بالدنيا قضية الدار الآخرة غير واردة عنده فيما يتعلق بالمستقبل، لا يفكر ولا يقيس الأمور ولا يزنها إلا بما يجلب له الخير والمصلحة في الدنيا. إن هذه الشخصية التي تقف اهتماماتها عند هذا النموذج أو ذاك شخصية غير جادة، وشخصية لا ننتظر منها النتاج، فحين نراجع اهتماماتنا والقضايا التي تشغلنا نستطيع أن نقيس من ذلك مدى جديتنا. المعيار الثالث والمقياس الثالث: أوقاتنا وكيف نعتني بها وكيف نصرفها، وانظر إلى المرء كيف يتعامل مع وقته وكيف يقضي وقته لتقيس مدى جديته، ومدى جدية الحياة لديه؛ لأن الرجل الجاد يشعر أن الوقت هو حياته هو عمره هو رصيده؛ ولهذا يضن به ويبخل به، ويكون كما قال السلف: أدركنا أقواماً كانوا على أوقاتهم أحرص منكم على دراهمكم ودنانيركم.

стр. 435

برامج التربية الجادة لا أريد أن أطيل في هذه المقدمات لأدخل في الحديث في بعض البرامج والمقترحات للوصول للتربية الجادة، وهي مقترحات قد يتناسب بعضها مع طبقة من الناس أو مع فئة من الناس وقد لا يتناسب غيرها، بل ربما تستطيع أن تضيف على هذه المزيد، وهي لا تعدو أن تكون محاولة لأن نضع أقدامنا في هذا الطريق هذا الطريق الذي نشعر أنه يستحق منا الكثير وأن قضية التربية والعناية به تستحق منا أكثر؛ لأنها هي التي تعنى بإعداد الرجال في كل جوانب الحياة. وقد قسمت هذه الوسائل إلى شقين رئيسين: الشق الأول: وسائل معرفية. والشق الثاني: وسائل عملية تطبيقية. الشق الأول: في بعض القضايا التي يمكن أن نطرحها للناس، ونتحدث مع الناس من خلالها، فتساهم هذه القضايا في تحقيق التربية الجادة والوصول إليها سواء من خلال تعرفنا عليها بأنفسنا أو من خلال حديث المربين مع من يربونهم أو من خلال إبراز هذه الجوانب أمام الجيل وأمام الناشئة. والشق الثاني: هو الحديث عن بعض الوسائل التطبيقية العملية. ولعلي أعطي الشق الثاني والقسم الثاني النصيب الأكبر من الحديث.

стр. 436

الوسائل المعرفية للتربية الجادة

стр. 437

العناية بموضوع التربية وإدراك أهميته نبدأ في الحديث عن بعض الوسائل المعرفية التي حينما نتعرف عليها ونعتني بها تدفعنا كثيراً نحو مستوىً أعلى من الجد والنتائج، وحين نطرحها أمام الجيل فإنها تساهم أيضاً في إيجاد وخلق جيل جاد يدرك المسئولية. أول قضية: العناية بالموضوع أصلاً والنقاش فيه وإدراك أهميته، إننا حين نعتني بهذه القضية وتصبح هدفاً ونطرحها في مجالسنا وفي منتدياتنا وفي مناسباتنا سواءً في المنتديات الثقافية العلمية الرسمية من خلال محاضرة أو خطبة الجمعة أو الدرس في الفصل أو الكتابة من خلال هذه الوسائل التي تأخذ طابع الحديث المنظم الموجه إلى من يستمعون أو من خلال مجالسنا التي نتبادل فيها الحديث ونتناقش فيها والتي كثيراً ما يأخذنا الحديث فيها حول قضايا من أمور دنيانا ومن متاع الدنيا، بل ربما وكثيراً ما يلابس هذه المجالس اللغط واللغو والقول الباطل. إننا حين نطرح هذه القضية بل أي قضية للنقاش في مجالسنا ومنتدياتنا أجزم أننا سنصل من خلال هذا النقاش إلى فوائد وإلى نتائج وإلى توصيات مهمة في حياتنا، وحين ننبه الناس ونتحدث فنحن نوقظ الوسنان النائم ونذكر الناسي وننبه الغافل حول هذه القضية أو تلك.

стр. 438

إدراك سير الجادين من السابقين الجانب الثاني أو الأسلوب الثاني: إدراك سير الجادين. إن النماذج والقدوات العملية تترك أثرها في النفوس وتبقى شواهد حية على مدى تأهل هذه المعاني النظرية إلى أن تتحول إلى واقع حي ملموس وإلى أن تترجم هذه المشاعر وهذه الاقتناعات في عمل وفي سلوك وفي مواقف في جوانب الحياة كلها، والتاريخ مليء بهذه النماذج التي حين نقرأ فيها ونبرزها أمام الجيل فإنها تورث التطلع إليها، إن جيلنا اليوم يعاني من أزمة حادة في القدوة، نعم، إنه تبدو أمامه قدوات ونجوم لامعة في مجالات وجوانب من اللهو والعبث الفارغ، وما كان لمثل هذه النماذج الساقطة أن تتبوأ هذه المنزلة لولا أن الساحة شاغرة، ولو منحت هذه الساحة للنماذج الحقة المنتجة لم تجد تلك الشخصيات الساقطة لها مكاناً في مثل هذا الميدان. وهو منهج وأسلوب قرآني فقد عني القرآن كثيراً بإبراز النموذج الجاد أمام المسلمين وأمام الأمة، ولنأخذ على ذلك أمثلة من قصص القرآن! لو سألتكم: عددوا لي القصص التي جاءت في كتاب الله عن أنبياء الله والمرسلين وفي كم موطن كررت القصص التي جاء الحديث فيها عن أقوام ليسوا بأنبياء كم يأتي الحديث كثيراً في كتاب الله عن مثل هذه النماذج خاصة في الفترة المكية والتي كانت فترة تعد فيها تلك القاعدة التي حملت الرسالة وحملت هذا الدين كم كررت قصة موسى مع قومه في القرآن؟ وماذا يعني إبراز هذا النموذج أمام المسلمين من المستضعفين في مكة إذ ذاك؟ إنه كان يعني أن يبرز هذا النموذج الجاد قدوة للمسلمين حين آمن سحرة فرعون وتوعدهم فرعون إذ آمنوا دون أن يأذن لهم وهذا الإيمان كان في مصطلح فرعون وعرف فرعون حيلة ومؤامرة يخفى وراءها مطامع وأهداف: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣] وقال لهم متوعداً مهدداً: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] كان فرعون يقول هذه الكلمة وهو يعي ما يقول وكان على أتم استعداد أن ينفذ ما يقول، وكان أولئك السحرة هم الأداة التي يبطش بها فرعون فهم يعرفونه جيداً ويعرفون أنه سينفذ ما يقول، فماذا كانت مقالتهم وماذا كان موقفهم؟ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٢ - ٧٥]. كم أبرز هذا النموذج أمام المؤمنين في مكة حيث كانوا يعانون الاضطهاد والإيذاء في دينهم، وذلك ليكون هذا نموذجاً وقدوة حسنة. الرسول ﷺ نفسه يقول ربه ﵎: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام:٣٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤] ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]. وهكذا في آيات كثيرة يُخاطَبُ النبي ﷺ ويُخاطَبُ المؤمنون وتُخاطَبُ الأمة بمثل هذه النماذج والصور الجادة. وفي غزوة أحد حين أصاب المسلمين ما أصابهم ونزلت تلك الآيات تعقيباً على هذا الموطن أبرز هذا النموذج الجاد أمام أصحاب النبي ﷺ ، فقال ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أ

стр. 439

إدراك بذل الأعداء وجدهم في حرب الدين الأمر الثالث في المقابل: إدراك بذل الأعداء وجهدهم وجديتهم: كم يبذل الأعداء وكم يجتهدون في سبيل نشر ضلالهم وباطلهم وهو منهج أيضاً استخدمه القرآن، يقول ﵎: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ويقول ﵎: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. إننا حين ندرك ما يبذله الأعداء من صبر ومن جهد ومن تحمل للمشاق نستهين ونسترخص ما نبذله في سبيل دعوتنا، ونحن كما قال ﵎: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] إنكم أصحاب منهج حق أصحاب نية صادقة خالصة؛ ولهذا حين يدرك المسلم ما يبذله الأعداء من جهد وجلد وصبر لأجل حرب هذا الدين لأجل نشر الباطل لأجل تحقيق شهوات الدنيا؛ يشعر أنه هو أولى أن يكون جاداً أولى أن يبذل أضعاف ما يبذله أولئك. والحديث حول هذا الجانب يطول لكني أشير إلى موقف عجيب رأيته بعيني: قرية نائية في دولة كينيا من دول أفريقيا، لا تستطيع أن تصل إليها بالسيارة، فيها رجل منصر، ذهبنا إلى تلك القرية وزرناها، فوجدنا أساليب الحياة الضرورية فيها غير متوفرة، رجل جاء من أوروبا وبقي فيها عشرين سنة تقريباً لأجل أن ينصر المسلمين ويذهب ويسافر إلى أوروبا ويتلقى دعماً مباشراً من المؤسسات التنصيرية التي هناك، ويقيم المشاريع ويحفر الآبار ويبني المدارس لأجل أن ينصر أبناء المسلمين، وبالفعل تنصر فئات من المسلمين في تلك القرية والمنطقة؛ لأنهم لا يملكون الماء، وهذا الرجل هو الذي يحفر البئر فيعطيهم حتى يتنصروا فهذا رجل أوروبي اعتاد حياة الترف حياة النعيم حياة اللهو واللعب، يأتي إلى تلك البلد بلد أمراض فقر متطلبات الحياة الضرورية لا يكاد يجدها ليس هناك اتصال بالعالم الخارجي ليس فيها أي وسيلة من وسائل الحياة الضرورية، ومع ذلك يبقى فيها عشرين سنة. ونحن الذين كثيراً ما نتحدث عن الدعوة والتضحية في سبيل الدعوة، وحاجة الأمة للدعوة، ونتحدث كثيراً عن سيرة مصعب بن عمير ﵁ وما بذل حين يعين أحدنا في منطقة نائية جميع الخدمات فيها متوفرة ويذهب إليها بسهولة ويتصل بأهله متى شاء، ويسافر متى شاء، ينتظر اليوم الذي يستطيع أن ينتقل فيه من هذه البلدة، ويبدأ يبحث عن حجج ومعاذير، وقد نفع الله على يديه كم نفع الله على يد هؤلاء الشباب الذين يغتربون؟! ويغترب ويرتاح ويبتعد عن ضجيج المدينة وصخبها وكل وسائل الحياة متاحة له، والناس يستمعون إليه ويتقبلون ويرى نتاج عمله، ومع ذلك يتذمر ولا يكاد يبقى سنة أو سنتين إلا وقد أدركه اليأس وشعر أنه يريد أن ينتقل يريد أن يذهب، أين الحديث عن الدعوة وعن البذل والعمل والنشاط! أذكر أحد الشباب تعين في منطقة محتاجة ودرس فيها سنة واحدة، ثم انتقل وأتى وأعطاني برنامجاً جيداً واقترح برنامجاً دعوياً للمنطقة وأعطاني إياه، فرميته عليه وقلت له: اسمح لي يا أخي الكريم! إذا كنت جاداً فابق هناك! فمن السهل جداً أنك تأتي وتقترح برنامجاً على الناس تريد أن يقدموه، لكن العمل والنتاج الذي نريد هو أن تبقى هناك وأن تقدم وأن تعلم الناس بما أعطاك الله، ليس بالضرورة أن تكون صاحب علم وصاحب موسوعة ليس بالضرورة أن تكون صاحب قضايا بعيدة، والوسائل حتى الآن متوفرة وكل ما تريد يمكن أن يتيسر لك، فإذا كانت القضية تهمك وتشغل بالك فابق هناك حتى تترك الأثر. هل نحن نبذل كما يبذل المنصرون؟ والنهاية أن جهدهم يضيع ومع ذلك يصبرون ويتحملون العجيب أن في نفس المنطقة جاء مجموعة من الشباب قدراتهم متواضعة ومحدودة ورآهم بعض الدعاة في تلك المنطقة وشعروا بالمشكلة، فقدموا بعض الأعمال وحفروا بئراً فبدأ الناس يعودون ويتركون هذا الرجل المنصر، وبدأ يشعر بالإفلاس، ومع ذلك فهو باق ومتحمل وهو يشعر فعلاً أن النتاج الذي يحصله لا يتناسب مطلقاً مع الجهد الذي يبذله. لا أريد أن أطيل في هذه القضية لكن أشعر أننا بحاجة أن ندرك ما يبذله الأعداء في كل مجال وما يتحملون في سبيل نشر أفكارهم، ماركس وإنجلز اللذين كانا وراء نشر الفكر الشيوعي في نصف الكرة الأرضية يوماً من الأيام وكانا وراء دولة حكمت نصف العالم وكان الغرب يرهبها، بقيا في السجن كثيراً واغتربا وطوردا من بلد إلى بلد! واليهود كم تحملوا وكم بذلوا حتى استطاعوا أن يجتمعوا كانوا شرذمة في الآفاق حتى جاءوا مصداقاً لوعد الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤] كم بذلوا في سبيل تحقيق هذا الهدف والتخطيط له؟! يا إخوان! نحن المسلمين أسمى وأعلى هدفاً: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِ

стр. 440

إدراك الواقع وتحدياته الأمر الرابع: إدراك الواقع وتحدياته: إننا حين ندرك الواقع وتحدياته وندرك واقع الأمة إدراكاً جيداً، والفساد المنتشر في الأمة وتحدياته، يدفعنا إلى أن نكون جادين، لأنه إذا أدركنا هذا الفساد المنتشر في الأمة إذا أدركنا انتشار الجهل إذا أدركنا حاجة الأمة إلى البذل والجهد والعمل والتربية؛ فإن هذا يجعلنا نشعر أننا لا نستطيع أن نقوم بهذا العبء إلا أن نكون جادين، وأن نبذل كل ما نستطيع من طاقتنا ووسائلنا.

стр. 441

الثقة بتحقق الهدف الأمر الخامس: الثقة بتحقق الهدف: وهي قضية يجب أن نربطها مع القضية التي قبلها؛ لأننا أحياناً قد يسيطر علينا الشعور بالمرض الواقع، فقد ينقلنا إلى مرحلة اليأس، لكننا حينما ندرك الهدف وندرك أن هذا الهدف لا بد أن يتحقق وأن نصر الله للأمة لا بد أن يتم، فذلك يعطينا دافعاً أن الإنسان الذي عنده شعور يتحقق هدفه، وأنه سيبلغ الهدف، فيزيده هذا الشعور طاقة وحيوية والله ﵎ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. يا أخي! مهما كاد أعداء الله ومهما فعلوا ومهما بذلوا فلا تخف على الدين ولا تخش عليه، القضية فقط أن نملك الروح التي نعمل بها وأن نكون على مستوى المسئولية، وهذا الدين دين الله سيظهره الله وينصره مهما كاد أولئك، وسيكون كل جهدهم كما قال ﵎: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨] ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]. وانظر كيف علق القرآن على ما فعله قوم صالح: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٨ - ٤٩] ماذا كان تعقيب القرآن؟ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] انتهت القضية خلاص لك أن تتصور ماذا سيفعل هؤلاء وماذا سيحيق بهم؟! ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥١]. إذاً: حين ندرك جميعاً أن الهدف سيتحقق وتكون البشائر واضحة أمامنا، وشعورنا بأن الأمة مهما وصلت إلى حال التخلف والتقهقر أنها بإذن الله قادرة أن تتأهل إلى هذا الدور فإن هذا يدفعنا للعمل، ونضيف إلى ذلك شيئاً آخر مهم جداً: أن يشعر الداعية ويوقن أنه لو لم يحقق الهدف كأن لم يستجب له الناس ولم يصل إلى تحقيق ما يريد فإن أجره على الله. أرأيت أولئك الأنبياء الذي مضوا إلى ربهم ولم يستجب لهم أحد؛ أترى أن ذلك ينقص من قدرهم؟! وغيرهم كثير من أولئك الذين لم يستجب لهم أحد ولم يحققوا أهدافهم في الدنيا؛ أترى أن جهدهم ذهب هدراً؟ كلا! إنك أيضاً حين تدرك هذه القضية وتدرك أن العمل بحد ذاته هدف -بغض النظر عن النتيجة- فإنك تشعر فعلاً بالروح التي تدفعك للعمل وأن جهدك لم يذهب سدى.

стр. 442

إدراك حقيقة الحياة الدنيا وزوالها الأمر السادس: إدراك حقيقة الحياة الدنيا وزوالها: الحديث حول هذا يطول، لكن في القرآن: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] ويقول النبي ﷺ : (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها)، (ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع قيد -يعني: سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) والحديث في الصحيحين. وفي الحديث الآخر عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ مر بالسوق والناس كنفته فمر بجدي أسك -قصير الأذن أو مقطوع الأذن- ميت فتناوله فأخذه بأذنه فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟! فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم، قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت فقال: والله للدنيا أهون من هذا عليكم). وحين مر النبي ﷺ بشاة ميتة يسحبها أهلها قال: (أترون هذه هانت على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: والله للدنيا أهون على الله من هوان هذه على أهلها) هذه الدنيا، وهذه حقيقة الدنيا. حينما نعي هذه القضية ترخص عندنا الدنيا بكل ما فيها ويشعر الإنسان أنه مهما بذل من وقت ومن جهد، ومهما ضحى ومهما فاتته من الفرص الدنيوية، فإن ذلك يهون كثيراً عند تحقيق مرضاة الله ﵎ وعند تحقيق الأهداف التي يسعى إليها.

стр. 443

الوسائل العملية لتحقيق التربية الجادة ننتقل بعد ذلك إلى الشق الثاني من الوسائل، وهي الوسائل العملية. ما ذكرنا من الوسائل وسائل نظرية وهي مهمة، وقد عني القرآن بتحقيقها ودعوة الناس إليها، وعني النبي ﷺ أيضاً بتربية أصحابه على هذا المنهج وهذه القضايا؛ لكن لا ينبغي أن نقتصر على هذه الجوانب وحدها، وهذه من الأخطاء التي نقع فيها بتربيتنا أننا نشعر أن مشكلاتنا التربوية وأهدافنا التربوية إنما نحققها من خلال الطرح المعرفي البحت ومن خلال الحديث عن هذه القضايا حديثاً نظرياً، ونهمل الجوانب العملية التطبيقية التي هي أهم.

стр. 444

العبادات ومن هذه الوسائل وأهمها: العبادات: فإن العناية بها والحرص عليها يربي الإنسان ويجعل الإنسان يصبح إنساناً جاداً يدرك حقيقة حياته وعمره؛ ولهذا يذكر النبي ﷺ في الحديث العظيم الذي ذكر فيه أنه رأى ربه ﷺ في أحسن صورة فقال له في المنام: (أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟) ثم قال له في الكفارات والدرجات والدعوات، قال: (وما الدرجات؟ قال: إسباغ الوضوء على الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة). والنبي ﷺ يقول: (ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات ويحط به الخطايا: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة). ولهذا فإن هذه العبادات عظيمة، أعني: إسباغ الوضوء في الوقت الذي يكره فيه الإنسان في الحر الشديد والماء حار، أو في البرد والماء بارد، والمشي على الأقدام إلى المساجد وخاصة في وقت الظلمة، والعبادة تتطلب جهداً من الإنسان حين لا يسعى إلى تحصيل مشقة، يعني: ليس من المشروع أن يبحث الإنسان على المشقة لكن حين تكون المشقة ملازمة للعبادة فإن المرء حين يجتهد بها فإن هذا أعظم أجراً كما قال ﷺ لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك) إذاً: فالعبادات والعناية بها والحرص عليها يربي في النفوس الجدية ويجعل النفوس تنتصر على أهوائها وعلى رغباتها وعلى شهواتها.

стр. 445

السعي إلى تحقيق رتبة الإحسان أيضاً الأمر الثاني: أن يسعى الإنسان إلى تحقيق رتبة الإحسان: فإن النبي ﷺ حين سأله جبريل عن أمور الدين سأله عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) حينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة ويجتهد أن يحقق في نفسه هذه الصفة يراقب الله في كل وقت وحين، ألا يصبح رجلاً عاملاً رجلاً جاداً رجلاً منتجاً؟ لا شك أنه حينما نراقب الله في أوقاتنا وحينما نعبد الله ﵎ كأننا نراه، ونوقن أن الله ﵎ يرانا ويطلع علينا، فإن هذا لا شك سيدعونا إلى أن نعيد النظر في كثير من الأوقات التي نضيعها سدى في كثير من الاهتمامات التي لا تليق بالرجال الجادين.

стр. 446

القدوة العملية الوسيلة الثالثة وهي من أهم الوسائل العملية: القدوة العملية: تحدثنا في الجوانب المعرفية عن إبراز نموذج من التاريخ والحديث عنه والتعليق عليه لكن القدوة المنظورة التي يراها الناس تترك أثراً عظيماً في النفوس أفضل بكثير وأكثر من ألف كلمة وألف حديث يقال أمام الناس، وهاهو المربي الأول ﷺ كان نموذجاً في ذلك، كان قدوة ﷺ يشارك الناس في جوانب كثيرة، ولنأخذ على ذلك أمثلة: في الصحيح من حديث أنس ﵁ في قصة بناء المسجد حين جاء النبي ﷺ إلى المدينة فكان أصحاب النبي ﷺ يبنون المسجد فكانوا كما قال أنس: وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره حين كان النبي ﷺ يعمل معهم ويعيش معهم في الميدان، لا شك أن هذا كان يمثل أعظم دافع للمسلمين؛ وكان يمثل هذا العمل نموذجاً ممتعاً لهم ويتمنى من يقرأ هذه الأخبار أن كان يعيش معهم مثل هذا الموطن، ما كان النبي ﷺ ليجلس ويأمر أصحابه ويوجههم، أو كان يجلس من بعيد ويشير لهم، حتى المشاركة التي كان يقوم بها النبي ﷺ ما كانت لأجل قضية دعائية، ولكن كان يشارك فعلاً ويحمل معهم ويبذل ويجتهد ﷺ . وفي حفر الخندق كما قال أحد الشباب من أصحاب النبي ﷺ وهو سهل بن سعد ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره). ولهذا استطاع أصحاب النبي ﷺ أن يحفروا هذا الخندق في مدة قياسية فعلاً فلا توجد وسائل حديثة بأيديهم، فكيف استطاعوا أن يعملوا؟ هل هو من خلال كلمات ألقاها النبي ﷺ عليهم أو خطبة؟ لا، ولكن نزول الميدان قدوة عملية، يرون النبي ﷺ يعمل معهم فيترك هذا العمل أثره العظيم أكثر من ألف خطبة وألف موعظة. ولما جاء جابر ورأى النبي ﷺ وما عليه من الجوع والتعب، فرق لحال النبي ﷺ فذهب إلى امرأته وأمرها أن تعد طعاماً، فجاء إلى النبي ﷺ وقال: ائت يا رسول الله! أنت واثنين أو ثلاثة من أصحابك. نموذج آخر من هديه ﷺ يقول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ قد استبرأ الخبر وهو على فرس لـ أبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا!) فرس لم يسرجه النبي ﷺ ولم يجد وقتاً ليسرجه، فحين فزع المسلمون لينظروا ماذا يعني هذا الصوت وجدوا النبي ﷺ قد عاد إليهم وقد استبرأ الخبر. كيف يتربى هذا الجيل الذي يرى هذا النموذج أمامه، ولهذا كان هذا الجيل هو الجيل المؤهل لحمل الرسالة، كم كان أولئك الذين عاشوا مع النبي ﷺ في مكة والمدينة، وانظروا إلى فتوحاتهم ومواقفهم وأين وصلوا؟ يقول أحد التابعين: أرتج علينا الثلج ونحن في أذربيجان مع عبد الله بن عمر ﵁، ووصل أبو أيوب إلى أسوار القسطنطينية، والآخر وصل إلى المحيط إلى هنا وإلى هناك كان أصحاب النبي ﷺ ، لماذا كانوا بهذه الروح؟ لأنهم تربوا تربية عملية؛ فهذه أفضل وسيلة نقدمها للناس حين نريد أن نربي الجيل نكون جادين نحن فعلاً، وسنترك بأعمالنا أضعاف أضعاف ما نتركه بأقوالنا، ولسنا بحاجة إلى ترديد الحديث أكثر من حاجتنا إلى النموذج العملي. أرأيتم إلى حديث جرير بن عبد الله ﵁ إذ قال: (جاء قوم عامتهم من مضر بل كلهم من مضر مجتابي النمار، فرق النبي ﷺ لحالهم، ثم خطب ﷺ فقال: تصدق رجل من درهمه من صاع بره من صاع تمره، فجاء رجل من الأنصار معه صرة كادت يده أن تعجز عنها بل قد عجزت، فألقاها بين يدي النبي ﷺ ، فتتابع الناس، فقال ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) انظر إلى أثر النموذج العملي الرسول ﷺ في غزوة الحديبية حين أمر أصحابه أن يحلقوا لم يحلق أحد منهم، فجاء يستشير أم سلمة فقالت: (اخرج ولا تكلم أحداً وادع بالحلاق واحلق رأسك) فحين حلق ونحر تقاتل الناس، فهل نستطيع أن نصل إلى هذا المستوى؟ نعم حين نكون نحن جادين فلنعلم أن جيلنا سيكون جاداً حين يكون المربون والموجهون وأهل الرأي فعلاً جادين فإنهم يصنعون من خلال تعاملهم مع

стр. 447

صحبة الجادين وسيلة عملية رابعة: صحبة الجادين: أن يختار الإنسان الجادين لصحبته؛ لأن هؤلاء يتركون أثراً عليه ويدعونه إلى معالي الأمور، ثم هو حين يراهم يشعر بالتقصير ويشعر بالضعف ويسعى إلى تجاوز ما هو عليه، ويلوم نفسه حين يرى أولئك قد فاقوه وسبقوه.

стр. 448

التخلص من المعوقات الأمر الخامس: التخلص من المعوقات. هناك معوقات تعيق الإنسان وتحول دون الجد يجب أن نتخلص منها: منها العجز والكسل: والكسل هو أصل الداء، وجميل أن نقرأ ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في الجزء الثاني حول قول النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) وذكر أن الكثير من الشر والبلاء مصدره من هذين الداءين؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله منهما كل يوم. من المعوقات أيضاً الإغراق في الترويح واللعب واللهو: فيجب أن نضبط هذه البرامج سواء ما نقوم به لأنفسنا أو ما نقدمه للجيل والشباب، لا شك أن الإنسان لا يستغني عن أن يروح عن نفسه لكن يجب أن نضبط هذا الترويح؛ لأنه حينما يسيطر على الإنسان ويستولي عليه فإنه يشغله عن معالي الأمور. وانظروا الآن لجيل الأمة الذي قد شغل فعلاً باللهو واللعب وصار همّ الإنسان اللهو واللعب والسفر للنزهة، فهو يتحمل في سبيله كل شيء، لكن حين تريد منه عملاً دعوياً يصعب عليه ذلك، فمثلاً: انظر في هذه المواسم والأوقات حين تخضر الأرض، تجد الناس يبحثون عن مواطن الربيع ويسافرون مسافات طويلة ويتعبون ويشعرون أن هذه قمة الراحة النفسية والبدنية؛ لكن لو طلبت من أحدهم سفراً من أجل عمل دعوي لاعتذر بالمشاغل والأوقات ومشقة السفر إلى آخره وقل مثل ذلك في اللهو اللعب فكم يأخذ من أوقات المسلمين، وكم تضيع فيه من الجهود! ومن هنا كان لا بد أن نكون حازمين وأن نضبط البرامج التي تقدم للجيل من الشباب الصالحين، لأنه لا يسوغ أن تتحول الترويح والرياضة إلى غاية ومطلب نحفل بها ونهتم بها ونعطيها دعاية بشكل يجعلها تتجاوز القدر الطبيعي لها وموقعها. من المعوقات أيضاً صحبة البطالين: وهم الذين يصاحبهم المرء لأجل أن يؤانسهم ويؤانسوه يضيعون عليه الأوقات، بل يحطمون عنده معاني الجدية. من المعوقات الترف ومظاهره والذي سيطر على حياتنا وصار معوقاً لنا عن الكثير من الأمور الجادة؛ لأننا ألفنا حياة الترف وصار يصعب علينا جداً أن نتخلى عنها ونتنازل. إذاً: التخلص من هذه المعوقات يعيننا كثيراً على أن نكون جادين.

стр. 449

الواقعية وسيلة سادسة وأسلوب سادس مهم: الواقعية: أي: أن نكون واقعيين؛ لأن الإنسان حينما يسمع مثل هذا الحديث ويرى هذه النماذج يتطلع إلى أن يكون جاداً متميزاً فيجتهد ويبذل، ويثقل على نفسه فلا يطيق التحمل، والنتيجة تتحول إلى ردة فعل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). تعرفون قصة عبد الله بن عمرو ﵁ حينما كان يديم الصيام والقيام، فأخبره النبي ﷺ أنه سيكبر ويطول به العمر، وقال: (إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه) يعني: أنك لن تطيق الاستمرار على هذا الأمر فاقتصد. إذاً: الواقعية المعقولة ليست الواقعية المفرطة ليست الواقعية التي يجعلها الإنسان مبرراً لإضاعة الأوقات والكسل والقعود، لكن المقصود أن نكون واقعيين ولا نحمل أنفسنا إلا ما نطيق، فهذا جانب مهم؛ لأن الإنسان قد يتحمس فيأخذ أشياء أكثر من طاقته فلا يطيقها، فقد يقول: أنا إنسان غير جاد وغير قادر على الجدية، أو أن يصاب بردة فعل فيعود إلى الوراء.

стр. 450

الجرأة على تجاوز الأعراف الخاطئة الأمر السابع: الجرأة على تجاوز الأعراف الخاطئة. هناك أعراف خاطئة سيطرت علينا وكبلتنا وأصبحنا لا نستطيع أن نتجاوزها، مثلاً: الأعراف الاجتماعية والمجاملات والعلاقات الاجتماعية يعني: كم تأخذ منا المناسبات الاجتماعية من أوقات طويلة وتسيطر علينا وتضيع علينا جهودنا مجاملة. إضاعة الأوقات هنا وهناك الاعتذار قضايا كثيرة أحياناً تسيطر علينا هذه المجاملة والأعراف فنسايرها ونحن غير مقتنعين، والقضية تحتاج إلى جرأة، وأظن أن أوقاتنا وأهدافنا تتطلب منا أن نضحي بهذه الأعراف الخاطئة ونتجاوزها ونكون أصحاب جرأة وشجاعة، وأظن أن هذا مما يربي الناس على الجدية، بحيث يحترم الإنسان وقته ويدرك أن وقته هو عمره؛ فيستطيع أن يعتذر بكل جرأة من الناس حينما يدعونه لمجرد مناسبة وأنس؛ لأن وقته ثمين لا يمكن يضيعه، أو على الأقل يشعر أنه يقتصر على جزء من وقته ويعتذر عن الكثير من هذه المطالب غير المجدية وغير النافعة، ويعتذر عن كثير من هذه الاعتبارات والارتباطات التي تضيع عليه وقته وتشغله فيما لا طائل من ورائه. إذا كنا غير جرآء على تجاوز هذه الأعراف والأنماط التي اعتدنا عليها فإنها ستكبلنا كثيراً وتقعد بنا.

стр. 451

مراعاة العمل المناسب وسيلة ثامنة: مراعاة العمل المناسب: وهذا الجانب مهم؛ لأنك حين تتحدث عن التربية الجادة قد يذهب وهل الناس إلى نموذج معين، وهو أن الجدية تتمثل مثلاً في طلب العلم وكثرة القراءة والاطلاع والحفظ، وهذا جانب لا شك أنه مهم لسنا بحاجة إلى أن نتحدث عن ضرورته وأهميته، لكن ليس هو النموذج الوحيد المناسب لكل الناس؛ فلهذا بعض الشباب قد لا يكون أعطاه الله القدرة على مثل هذه الجوانب، ولكن عنده طاقة في جوانب أخرى، فحينما نحصر هذا الجدية في هذا النموذج، أو في النموذج الدعوي أو في أي نموذج آخر فإننا قد نشعر بأننا فاشلون في تربية أنفسنا؛ لأننا لا نطيق ذلك، أو نشعر بأننا فاشلون في تربية فلان أو فلان من الناس؛ لأنه لم يصل إلى هذا القدر. وهذا أمر نبه عليه الأوائل، يقول معاوية ﵁ لـ صعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال: خلق الناس أصنافاً فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، وجرجة فيما بين ذلك، يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق يعني: أن البقية يكدرون الماء ويضيقون الطريق ويغلون السعر، فإياك أن تكون من أمثال هؤلاء. يقول قيس بن أبي حازم: سمعت خالداً -يعني: خالد بن الوليد ﵁ يقول: منعني الجهاد كثيراً من القراءة، وذكره الحافظ في المطالب بلفظ: لقد منعني كثيراً من قراءة القرآن الجهاد في سبيل الله، رواه أبو يعلى وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقال ابن القيم ﵀: ومما ينبغي أن يتعمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح وفاته ما هو مهيأ له. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢]: وفي هذه الآية أيضاً دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصداً واحداً وهو قيام مصلحة دينهم وديناهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور. ولهذا لا نحصر النموذج الجاد في نموذج واحد، إنما نريد الإنسان أن يعمل وفق طاقته وفق ما آتاه الله في أي ميدان، المهم أن يكون رجلاً عاملاً فعالاً منتجاً يقدم الخير للناس، وأبواب الخير كثيرة وأبواب الجنة ثمانية يدعى الناس إليها من أعمالهم، فمن كان من أهل الصلاة دعي من أبواب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، وخصال الخير أربعون خصلة من عمل بها دخل الجنة كما قال ﷺ .

стр. 452

الأخذ بالعزائم الأمر التاسع: الأخذ بالعزائم والتعود على ذلك: أخذ النفس بالعزيمة والإصرار والتعويد فإن العادة تربي الإنسان، فحينما يعود الإنسان نفسه قد يجد مشقة في البداية وصعوبة لكن تصبح قضية عادية عنده، كما صارت الفوضى عادة لك يمكن أن يصبح النظام عادةً لك، وكما كان الكسل والعجز عادةً لك تصبح الجدية والعزيمة هي الأخرى عادة لك، فالحزم على النفس والأخذ بعزائم الأمور والتعود وتعويد الناس لا شك أنه خير معين على ذلك.

стр. 453

حسن اختيار المربي الأمر العاشر: حسن اختيار المربي: ليس كل شخص يصلح أن يتولى التربية، وليس كل شخص مؤهلاً؛ ولهذا يجب أن نختار النموذج الجاد النموذج العامل المؤثر الذي يؤثر بقدوته وعمله قبل أن يؤثر بقوله، وذكرنا نموذجاً من تأثير القدوة وكيف كان النبي ﷺ يربي الناس من خلال عمله وبذله، وذكرنا أن هذا النموذج أعظم أثراً من مجرد الطرح النظري والحديث مع الناس، وهذا يحتم علينا أن نضع مواصفات دقيقة لأولئك الذين نختارهم لتربية الجيل والناشئة.

стр. 454

التعويد على العمل الأمر الحادي عشر والأخير وهو من أهم الأمور خاصة للمربين: التعويد. تعويد الناس على المشاركة والعمل بأنفسهم، ولنأخذ على ذلك نماذج: في البيت مثلاً يجب أن يعوَّد الطفل من الصغر على أن يرتب حاجاته بنفسه وأن يقوم بمسئولياته، وليس لائقاً أبداً أن يستمر الطفل إلى أن يشب وهو يشعر أنه مخدوم، فحين يقدم له الطعام لا يكلف نفسه العناء أن يحمله ويعيده ترتب له غرفته تقضى له حوائجه ويشعر أنه يعيش في البيت مخدوماً مرفهاً، والفتاة هي الأخرى كذلك فهذا يخرج لنا جيلاً غير عامل غير جاد، جيلاً اعتاد على الكسل واعتاد أن يخدم، هل نريد من هذا الإنسان الذي لا يجد عناء في ترتيب غرفته أو في قضاء حوائجه أن يعمل بعد ذلك أعمالاً جادة ومنتجة ويتحمل ويبذل؟! أشك في ذلك. كذلك أيضاً تعويده على قضاء حوائجه الخاصة وتحمل المسئوليات وتكليفه بواجبات وأعباء، وكذلك الفتاة، لأننا حين نأمر الشاب ونكلفه بأعمال ونعوده عليها يصبح إنساناً عاملاً تخلص من الكسل والترهل وصار العمل سهلاً عليه ويسهل أن يذهب ويأتي ويتحمل بالأسلوب المناسب بدون مشقة وبدون تكليف كذلك الفتاة حين تعود من الصغر فإن هذا يعودها على أن تتحمل المسئولية، لكن حينما نوفر لأبنائنا وبناتنا الخدم ونقضي لهم حوائجهم لأجل أن يتفرغوا ماذا نفعهم هذا التفرغ؟ يعني: توفر الوقت في القراءة والتفوق والتحصيل والجد أم في ماذا؟ حين قضينا لهم هذه الأمور وأمنا لهم هذه الحوائج ما الذي حصل؟ حصل عندنا جيل يبحث عما يقضي به وقته جيل غير جاد وليس عنده استعداد أن يتحمل أي مسئولية في التعليم وهو جانب مهم: يجب أن نغير نمط تعليمنا فهو تعليم يولد الكسل الفكري ويربي الناس على التسول العلمي والتسول الفكري، لأن الطالب اعتاد أن تقدم له المعلومات جاهزة ويقرأ هذا الكتاب ثم يحفظه ثم يكتب ما فيه في الورقة دون أي جهد ودون أي بذل؛ ولهذا لا ينشأ عندنا جيل قارئ لا ينشأ عندنا جيل يبذل الجهد فلا نكلف الطالب عناء الوصول إلى المعلومات ليس بالضرورة أن يأخذ من مصادر أخرى، لكن من خلال النقاش؛ كيف نوصل المعلومات للناس، حين أعطيه مقدمات وأطالب بالوصول إلى النتيجة وأناقشه فإني أربيه على التفكير وعلى الجهد ليشعر أنه يحصل معلومات بنفسه حين أحيله على مراجع بالقدر المناسب له وهي موجودة في مكتبة المدرسة كتب ميسرة فأعطيه الكتاب أطالبه بالرجوع إلى هذه القضية وأحيله إليها وأعوده تدريجياً على هذه الأعمال، فإنها تعود لنا هذا الجيل، لكن حينما يكون عند الأستاذ يسمع فقط وينصت لا يمكن في النهاية أن يكون عنده قدرة على القراءة ولا تعامل مع الكتب ولا تحصيل ولا إدراك لقيمة هذا العمل. كذلك في تحميل المسئوليات، ونعود مرة أخرى إلى النبي ﷺ ومنهجه كيف كان النبي ﷺ يربي الأمة على أن تتحمل مسئوليات وعلى أن تشارك المسئوليات الجماعية في الحديث المشهور حديث النعمان بن بشير لقوله ﷺ : (مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها) إلى آخر الحديث والحديث مشهور ومعروف ماذا يعني هذا الحديث؟ النبي ﷺ يحمل الأمة كلها المسئولية، ويشعر كل فرد من أفراد الأمة أنه مسئول فحين يحمل هؤلاء المسئولية يشعرون بضرورة الجدية وتحمل المسئولية. وفي مواقفه العملية مثلاً كان النبي ﷺ كثيراً ما يستشير أصحابه في غزوة بدر في غزوة أحد في الخندق في كل مناسبة يقول النبي ﷺ : أشيروا علي أيها الناس! ويأخذ برأيهم ماذا كان أثر هذه الاستشارة؟ كانت لها آثار عديدة أولاً: غرس الثقة لديهم ثانياً: شعورهم بالمسئولية، يعني: لو كان النبي ﷺ هو الذي يتخذ القرار لكانوا يشعرون دورهم هو مجرد المشاركة، لكن حينما يشاركون في القرار ويناقشون ويأخذون ويعطون يشعرون بتحمل المسئولية؛ ولهذا خرج جيل يتحمل المسئولية وقام بالأدوار بعد أن مات النبي ﷺ خير قيام؛ لأنه جيل تربى على المشاركة وليس جيل أتباع وهناك مشكلة نقع فيها في تربيتنا حينما نعود الناس في كل قضية أن نعطيهم قضايا جاهزة تماماً، ونربي الناس على الكسل فلا يفكرون لا يستشارون، فيصبح الجيل غير قادر على حل مشكلاته جيل غير قادر على سد الفراغ الذي يتركه فلان وفلان من الناس الذين كان يعلمهم ويربيهم ويوجههم فحين يذهب يذهب أثره، أما حينما يربي رجالاً فإنه يربي قادة لا أتباعاً، وهذا جانب يجب أن يعيه المربون. ولنعد إلى السيرة وننظر كيف كان النبي ﷺ يعامل أصحابه ويربيهم من حيث تأميرهم في السرايا كان النبي ﷺ يرسل سرايا ويؤمرهم عليها، بل في مهمات صعبة حينما جهز ﷺ جيش أسامة لغزو الروم، فهذه تربية عملية تخرج جيلاً جاداً عملياً، تربى عل

стр. 455

الأسئلة

стр. 456

نصيحة للشباب الذين لا يحضرون الدروس العلمية السؤال كثير من الشباب الذين لهم دور في الدعوة وعلى ثغر من ثغور الإسلام لا يحضرون الدروس العلمية ويذهبون إلى رحلات وزيارات ويقولون: نستمع الدروس من خلال الشريط، مع العلم أن طلعاتهم لا تتعارض مع أكثر الدروس، فما نصيحتكم تجاه الإخوة هؤلاء؟ الجواب حضور الدروس مهم، ولا شك أن سماع الشريط لا يكفي عن الحضور مطلقاً لأمور كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها، لكن إذا كان الأخ مشغولاً بعمل خير ودعوة وبرامج خير فلا ينبغي أن يقطعها، فيتيسر له أن يجمع بين الأمرين فيستمع لمثل هذه الأشرطة ويحضر ما تيسر، لكن يمكن أن يختار الشاب درساً أو درسين في وقت مناسب له ليس عنده فيه ارتباط فيجمع بين الأمرين، لكن لا يعطل نشاطه وعمله وجهده لأجل هذا؛ لأن معنى هذا الكلام: أنه لا يتصدى أحد لمثل هذه الأعمال التي تحمي الشباب وتحمي الجيل من الانحراف والفساد والتي تعين على تربية الجيل بإذن الله.

стр. 457

تعليق على ظاهرة الفتور في العبادة السؤال يقول: كنا في فترة من الزمن نرى شباب الصحوة في قوة وحماس للتمسك والالتزام بالدين والمحافظة على السنة في شتى المجالات، من ذلك المظهر والملبس والموعد والعبادة وصيام النفل وطلب العلم، أما اليوم فنرى الحال قد تبدلت وتغيرت إلى آخر ما يقول، فهل من تعليق؟ الجواب لا شك أن هذه الظاهرة بدأت تظهر فعلاً، ونحن بحاجة إلى أن نتدارك أنفسنا؛ لأن المشكلة أن الإنسان قد يفتر عن الخير والنوافل فيقصر في الفرائض فقد يقع في الانحراف عافانا الله وإياكم، فيجب أن نتدارك أنفسنا وإخواننا ونتواصى بالخير دائماً وتقوى الله والعبادة.

стр. 458

كيفية التعامل مع الكتب التربوية السؤال هل تنصحون بقراءة كتب التربية الموجودة في الأسواق أم أن هناك ضابطاً لهذه المسألة، وهل يمكن الاستغناء عنها؟ الجواب المشكلة أن الكثير من المسلمين لا يجيدون الكتابة في مثل هذه القضايا، للأسف أنك تجد الغربيين أحسن كتابة في مثل هذه القضايا، مع الفارق الكبير بيننا وبينهم؛ لكن حينما يتحدث عن الطفل والتعامل معه، وحينما يتحدث عن قضايا معينة وتقارن بينه وبين ما يكتبه المسلمون تجد فرقاً، المشكلة ليست لأن أولئك يملكون علماً لا نملكه أو يحملون خيراً لا نحمله، لكن نحن لا نكلف أنفسنا الاجتهاد والقراءة والبذل والتفكير، إنما صارت الكتابة عندنا مجرد تجارة. ثم إن هناك كثيراً من الكتب التربوية موجودة قد لا تكون موجهة توجيهاً جيداً؛ لكن حين نفترض النضج عند المربين خاصة، أنه قادر أن يقرأ اقرأ يا أخي في مثل هذه الكتب وخذ ما يوافق الحق واترك ما ترى أنه لا يوافق الحق، وإذا كنت تريد أن يكتب لك شيء جاهز في كل قضية فأظن أن هذه مشكلة، وأظن أن المربي الذي يحتاج أن يكتب له في كل شيء في التربية غير مؤهل للتربية لأنه سيتعود على أن نربيه بهذا الأسلوب ولا بد أن نتجاوز هذه المرحلة ونشعر فعلاً أننا نستفيد مما حولنا أياً كان، ونستطيع أن نفرق بين الحق والباطل ونتناقش، ففي مناسباتنا وفي لقاءاتنا يجوز أن نأخذ بعض هذه الكتب ونقرأها ونتناقش فيها وفي السلبيات والأخطاء التي فيها، وجوانب الخير والإبداع التي فيها، والمؤمن يقبل الحق ممن قال به ولو كان من الشيطان.

стр. 459

نصيحة لمن حلق لحيته بعد أن كان ملتزماً بالسنة السؤال هذه أول محاضرة أحضرها وأنا حالق اللحية، ولقد كنت من الشباب المستقيم وأنا أعلم أن هذا ليس من التربية الجادة، أرجو منك وضع الدواء على الداء؟ الجواب أنا أشعر أن شعورك بالمشكلة بحد ذاته خطوة نحو الحل، واعلم يا أخي أن هذه المشكلة تبقى أمارة في وجهك بحيث أن كل من رآك يرى فيك معصية، يعني: هناك معاص يفعلها الإنسان بينه وبين الله فتبقى معصية مستترة، أما حينما تكون المعصية ظاهرة فأظن أن هذا أمر غير لائق، وعليك أن تفكر ماذا ستخسر حينما تلتزم بهذه السنة وهذا الأدب الشرعي، وما النتيجة التي تكسبها حين تحقق ذلك، أحياناً قد تكون بعض المعاصي وبعض الشهوات تقسر الإنسان فيقع فيها وهو لا يستطيع ثم يتوب ويرجع؛ لكن مثل هذا السلوك ما الذي يدفعك ويأطرك إليه إلا تسويل الشيطان، فحاول أن تنتصر على نفسك ولعل صحبة الأخيار تعينك لأن تجعلك تشعر بالحياء والخجل، فمن فوائد صحبة الأخيار أن تعينك وتجتنب الناس الذين قد تخشى من سخريتهم وتعليقهم.

стр. 460

التحذير من اليأس من أحوال الناس السؤال ألا تعتقد أن في هذا الزمان الذي كثر فيه الفتن والملهيات أنه من الصعب أن تسيطر على كثير من الناس لانغماسهم في هذه الشهوات والملذات بأنواعها، فأصبحوا بعيدين كل البعد عن هذا الدين الحنيف؟ الجواب لا والله يا أخي أنا لا أعتقد هذا، ولو كنت ما أعتقد ما جئت أكلف نفسي عناء الحديث حول هذا الموضوع، فيجب أن نحذر من هذا التفكير وهذا السلوك الذي يميتنا، نحن مع شعورنا بالواقع وما فيه يجب أن يكون عندنا أمل. يا أخي! هذا الدين دين أرسله الله إلى قيام الساعة، ومعنى هذا أن الأمة مؤهلة أن تحمل هذا الدين إلى أن تقوم الساعة، ولا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. نكتفي بهذا القدر، ونعتذر للإخوة الذين لم نجب على أسئلتهم. ونسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح إنه سميع مجيب.
следующие страницы →