Полный текст (1 904 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
إهمال محاسن الرجل
السابع عشر: إهمال محاسن الرجل: نحن نريد أن نتحدث عن خطأ إنسان، فينبغي أن لا نهمل محاسنه وأن ننظر باعتدال.
قال سعيد بن المسيب ﵀: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن لا تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقال محمد بن سيرين: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره.
وقال شيخ الإسلام: ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرون بالظن، ونوع من الهوى الخفي، ويحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إن وقع يكون فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه، بل حتى تخرجه من الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد، والخوارج والروافض وغيرهم من أهل الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم.
وقال ابن القيم ﵀: فلو أن كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها.
وهذا لا يعني عدم الحديث عن الأخطاء، لكن حين نتحدث عن الأخطاء فينبغي أن لا نهمل المحاسن، وينبغي أن نتحدث بتوازن وقد نقع في هذا الخطأ مع أطفالنا، فنعامل الطفل ونحدثه على أنه مشاغب وغير منضبط وغير مؤهل إلى غير ذلك، فنرسم له صورة تقضي عليه وتحطمه وتصور لنفسه أنه إنسان فاشل، وقل مثل ذلك مثلاً في الطالب وغيره ممن يتلقى التربية.
стр. 562
الحديث عن مظاهر الخطأ دون الأسباب والعلاج
الخطأ الثامن عشر: الحديث عن الخطأ ومظاهره دون الحديث عن الأسباب والعلاج: يعني: قد نتحدث عن خطأ من الأخطاء ومشكلة من المشكلات ونفصل فيها، ثم لا نتحدث عن الأسباب ولا العلاج، وكثيراً ما يقع هذا من خطباء الجمعة اللهم إلا إذا كان في حالة ظاهرة، أو قضية واضحة الأسباب والعلاج، والمقصود إنما هو التنبيه عليها فحينئذ قد نكتفي بمثل هذا العرض، لكن حينما نتحدث عن الأخطاء بصفة عامة ينبغي أن نتلمس أسباب ومكمن الداء، وأن نبحث عن بعض الخطوات التي نوصي بها لعلاج مثل هذا الخطأ.
стр. 563
حصر منهج التربية في تصحيح الأخطاء
الخطأ التاسع عشر والأخير: اعتبار تصحيح الأخطاء وحده هو منهج التربية: وذلك أن البعض من الآباء أو المربين قد يعتبر أن التربية ورفع مستوى الشخص إنما يتم من خلال إيقافه على أخطائه، ومن خلال الحديث عن أخطائه وحدها، وهذا منهج غير صحيح، فحين لا نتحدث إلا عن أخطاء فغاية ما نحققه إذا نجحنا أن نحافظ على الإنسان على موطن معين، لكننا ينبغي أن نتبنى منهجاً للبناء والرفع من مستوى التربية، مع الحديث عن الخطأ وفق المنهج المنضبط، وحين نتحدث عن الصحوة وعن الشباب من خلال أخطائهم فإننا لن نراوح مكاننا وسنصور للناس من حولنا أنهم أهل فشل وتأخر وأن الخطأ أصبح صفة ملازمة لهم.
أكتفي بهذا القدر من الحديث عن الأخطاء، وعلاج الأخطاء، وأرجو أن لا أكون قد وقعت في أخطاء وأنا أعالج مثل هذه الأخطاء، لكننا بشر، وكل يخطئ ويصيب ويؤخذ من قوله ويرد.
стр. 564
الأسئلة
стр. 565
تكلف التبرير للخطأ
السؤال
من المشكلات أن تكلم أحداً في خطأ واضح لك وضوح الشمس، لكن تجده يتكلف التبرير عن خطئه؛ فما هو المناسب في التعامل مع مثل هذا الأخ؟
الجواب
أنت لا تفترض أن نظرة الأخ لعمله مثل نظرتك أنت، وكما قلت: نحن أحياناً نريد من الآخرين أن يعترفوا اعترافاً واضحاً صريحاً لا يحتمل التأويل بأنهم وقعوا في الخطأ، ولا نقبل منهم غير ذلك، وأظن أن هذا عائق عن تصحيح كثير من الأخطاء التي نريد تصحيحها، لكن لو سلكنا أساليب غير مباشرة، وحاولنا من الأخ أن يقف على خطئه بنفسه، لتجاوزنا كثيراً من هذه المشكلات التي نعاني منها في تصحيح أخطاء الآخرين.
стр. 566
السكوت عن نصح من لا يقبل النصح
السؤال
كثيراً ما ينبهنا أحد الإخوة في الله على أخطائنا جزاه الله خيراً، وحينما ننبهه على خطئه يأتي ويقول إنه لم يخطئ، ولا يقتنع إلا قليلاً، وأكثر الإخوة يعرفون أنه مخطئ، وهو خطأ واضح، فهل سكوتي عنه خطأ إذا كان لا يقبل إلا قليلاً؟
الجواب
السكوت عن الخطأ، وطريقة علاجه، قضية يجتهد فيها الأخ فيبحث عن الأسلوب المناسب الذي يراه في تصحيح الخطأ، إذا رأيت الإنسان لا يتقبل الخطأ مباشرة فلا تواجهه مباشرة بالخطأ، واسلك معه طريقة غير مباشرة.
стр. 567
تصحيح الخطأ بحسب الحال
السؤال
ما رأيك في بعض الشباب الأخيار، الذين يصححون الخطأ في وقت الخطأ في الحال، وهل هذه الطريقة صحيحة أم لا؟
الجواب
تختلف الظروف، فبعض الأخطاء قد نرى من المناسب أن تصحح في الحال، وبعض الأخطاء قد نرى من المناسب تأخيرها، والعبرة هو في اجتهاد الأخ، وأن تحسن نيتك في التصحيح، ثم تبحث عن أفضل أسلوب تراه مناسباً في إقناع هذا الشخص بخطئه، وإذا رأيت أن من المناسب أن يكون في الحال ففي الحال، وإذا رأيت أن الأنسب تأخيره، فتؤخره.
يقول: لماذا نخاف من النقد، أنا أتصور أنه من أكبر الأسباب التي تدعونا إلى الخوف من النقد ما أشرت إليه قبل قليل، أننا نرى أن النقد يعني الانحراف، وأنك عندما تنقد فلاناً فمعناه أنه ملحد، معناه أنه جاهل، معناه أنه خطاء، معناه أنه فاشل، فإذا ربطنا بينهما حينئذٍ نخاف من النقد؛ لأننا نرى أن النقد اتهام بالخطأ والفشل، لكن لو استوعبنا أنه يمكن أن يقع الإنسان في الخطأ، وهو طالب علم أو داعية، وأن هذا لا يغض من شأنه، فحينئذٍ أظن أنه سيزول عنا هذا الخوف.
стр. 568
تصحيح الخطأ الخفي
السؤال
عندما يكون الخطأ خفياً وقد علمت وقوعه من هذا الشخص، فهل من المناسب المبادرة بمصارحة الأخ ونصحه، أم التلميح دون التصريح؟
الجواب
تختلف الأحوال، فيجتهد الأخ فيما يرى أنه الأنسب والأصلح.
стр. 569
ضرب الابن على الخطأ
السؤال
يقول: ماذا تقول في ضرب الوالد لابنه عندما يرتكب خطأً كأن يضرب أخيه.
الجواب
كون الضرب هو الوسيلة الأولى والأخيرة للتربية، هذا أسلوب مرفوض، وكثيراً ما يعمد الآباء والأمهات إلى ضرب أبنائهم على قضايا لا تستحق الضرب، مثلاً: طفل يضرب أخاه، والثاني يضرب الآخر، دعهم يحلونها بينهم، هذه مشكلة داخلية، فلا داعي لتدخل الأم نفسها في كل مشكلة، تجد أنه كسر قلماً بنصف ريال فتقيم الدنيا ولا تقعدها، هذه أوضاع تنم عن أننا نريد أن يكون الطفل مثالياً، صحيح أنه في حالات تحتاج إلى الضرب، لكن ينبغي أن يكون بأسلوب معين، وأن يكون آخر الدواء.
стр. 570
نقد أهل الحسبة
السؤال
ما رأيك في بعض الشباب ممن ينقل الأخطاء التي تقع من أهل الحسبة، وهو نقل خاطئ؟
الجواب
لا شك أن هذا خطأ، وتكريس للخطأ، وحتى لو وقع منهم خطأ فهناك أساليب للتعامل مع مثل هذا الخطأ وعلاجه ليس هذا وقت الحديث عنها، لكن مجرد النقد أو نقل الخطأ ليس أسلوباً للعلاج.
стр. 571
معنى المثالية
السؤال
وردت كلمة المثالية في حديثكم، فما هي؟
الجواب
عندما لا يكون الإنسان واقعياً، يريد أشياء لا يمكن أن تتحقق، فهو يريد من الطفل الذي عمره ست سنوات أن يكون هادئاً مؤدباً يحترم الآخرين، لا يصرخ ولا يبكي ولا يضرب إخوانه، أنا أعتبر الذي يسلك هذا الأسلوب يعاني من مشكلة، فهو شخص غير عادي، وعندما تريد من الإنسان أن يكون معصوماً لا يقع في ذنب ولا يقع في معصية ولا خطأ، فهذا معناه المثالية.
стр. 572
الفرق بين المخالفة في الرأي والالتزام بالواجب
السؤال
متى يحق لي إذا لم أقتنع برأي أستاذي أو شيخي أو المشرف علي أن لا آخذ برأيه؟ ومتى لا يحق لي ذلك؟
الجواب
يجب أن نفرق بين قضيتين: قضية قناعة فكرية، وقضية إدارية، يعني مثلاً أنت في المركز، ولما يطلب منك مشرف الأسرة عملاً معيناً، وأنت ما اقتنعت ولك وجهة نظر، فليس من حقك أن تتمرد بحجة أنك ما اقتنعت، لكن عندما يكون له اجتهاد في قضية فكرية أو علمية فمن حقك أن تخالفه في اجتهاده، وأن ترى لك رأياً آخر، لكن أيضاً يجب أن تتأدب في التعبير عن رأيك، لكن حينما تكون قضية تنظيمية أو قضية حركية إن صح الإطلاق ينبغي أن تلتزم ولو لم تقتنع، مثلاً إذا طالب الأستاذ من الطلاب أن يقوموا بواجب منزلي فلابد من الالتزام ولو لم يقتنعوا، فلا يسوغ أن نجعل مخالفتنا للآخرين في الرأي مانعاً من الالتزام في الدائرة التي تفترض علينا الالتزام.
стр. 573
متى يلزم الطفل بالواجبات
السؤال
طفل يبلغ من العمر عشر سنوات، فهل يلزم بأداء الفرائض، وهل يحاسب عليها في هذا السن أم في سن البلوغ؟
الجواب
ينبغي أن يؤمر بالصلاة لسبع ويضرب عليها لعشر، وينبغي أن يعلم ويؤدب، فيمنع من المحرمات ويؤمر بالفرائض ويؤاخذ عليها، حتى إذا بلغ يكون قد تربى عليها ونشأ عليها.
стр. 574
فضيلة المسامحة
السؤال
إذا أساء إلي شخص فهل أسامحه في الحال أم أقاطعه لفترة محددة فيعرف خطأه؟
الجواب
إذا أساء إليك فهذه قضية شخصية، والأفضل والأولى أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وأن نربي أنفسنا على أن نتسامح في الحال، وأن نعرف أن الآخرين يخطئون علينا كما نحن نخطئ على الآخرين.
стр. 575
كيفية تصحيح الخطأ
السؤال
أنا شاب كثيراً ما أقع في الخطأ فيصعب علي تصحيحه، فأرجو منكم توضيح كيف أصحح الخطأ؟
الجواب
يمكن أن أقترح عليك بعض الخطوات المختصرة: أولاً: يجب أن تضع الخطأ في حجمه الطبيعي، فلا تبالغ مثلاً، لأن الإنسان قد يبالغ في تصور خطأ كما قلنا.
ثانياً: أن تبحث عن الأسباب التي أوقعتك في الخطأ، وتفتش عنها.
وإذا اكتشفت الأسباب اكتشفت نصف خطوات العلاج.
ثالثاً: أن ترسم لك مرحلة زمنية معقولة يمكن أن تصحح فيها هذا الخطأ، فليس من المعقول أن تنتقل من حال إلى حال مباشرة، فلا بد أن يكون هناك نوع من التدرج.
هذه الخطوات الثلاثة مهمة في علاج أي خطأ نقع فيه، وأظنك لو سلكتها لاختصرت على نفسك مراحل كثيرة.
بعد ذلك نقول إن الأخطاء تختلف، فهناك خطأ يعالج بطريقة، وخطأ يعالج بطريقة أخرى.
стр. 576
حكم التمثيليات
السؤال
لقد تكلمت عن التمثيل وعن اختلاف العلماء في تحريمه، وأنا فهمت من كلامك التمثيل المدرسي، لكن بعض الناس يمكن أن يفهموا أنها التمثيليات التي توجد في التلفزيون أو الفيديو أو غير ذلك؛ أرجو توضيح هذه النقطة.
الجواب
أنا قلت في هذه المراكز، وما أظن أن مثل هذه المراكز تحيي سهرات غنائية وماجنة.
أما التمثيليات التي تعرض في أفلام الفيديو أو غيرها، فلا شك في تحريمها، وهي وسائل وأساليب لإثارة الغرائز، وقد علمت أبناءنا وبناتنا مصطلحات الحب والغرام والعشق إلى غيرها، فحديثنا ليس عنها، الحديث عما يمارس من أنشطة في المراكز الصيفية وغيرها من التمثيليات التي يقصد منها بعض المعاني الإصلاحية.
стр. 577
تصحيح الأخطاء
السؤال
من المسئول عن تصحيح الأخطاء؟ ومن الذي يجب عليه أن يصحح الخطأ؟ وما هي المؤهلات والشروط التي يجب توفرها في المصلحين الذين يصححون الأخطاء؟
الجواب
المسئول عن تصحيح الأخطاء الجميع، سواء من يقع في الخطأ وغيره، وأنا أرى أن المسئولية تقع على ثلاثة: الشخص نفسه، ثم الشخص الذي يمكن يأخذ على يده، كوالده أو أستاذه، ثم الذين هم دونه.
فالتلاميذ مثلاً مسئولون عن تصحيح خطأ أستاذهم، لا باعتبار أنهم يفرضون عليه رأياً، لكن من خلال النصيحة والتوجيه وغيره.
أما المؤهلات والشروط التي يلزم توفرها في المصلحين الذين يصححون الخطأ، فأنا أتصور أن المؤهل الأساسي هو أن يكون الإنسان قادراً على اكتشاف الخطأ، وعلى التقرير أن هذا خطأ، ويحمل مؤيدات وحجج شرعية مقنعة، بغض النظر عن حجمها.
فلا يحق لك مثلاً عندما يتحدث شخص عن خطأ أن تشغب عليه وتقول: من أنت حتى تتحدث عن خطأ فلان، أنا أقول: نعم، أنا لست أعلم من فلان، ولا أذكى منه، لكني اكتشفت خطأ، كما سبق أن ذكرنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 578
كيفية تعامل محقق الكتاب مع مسائل الكتاب المختلف فيها
السؤال
لقد ذكرتم رأياً مال إليه قلبي، ولكن بقي في ذهني إشكال أرجو النظر فيه، ألا وهو: الكلام على أن المحقق لا يحق له مخالفة صاحب الكتاب المحقق، ألا يمكن أ، يكون ذلك جيداً من باب إظهار الحق ومناقشة الأدلة في المادة العلمية عند القارئ، خاصة المتخصص؟
الجواب
أنا أتحدث عن قضية محددة، فليس الكلام عن مخالفة المحقق في أي رأي، لكن عندما تكون هناك مسألة اجتهادية مشهورة.
أضرب لكم مثالاً: هل في الحلي زكاة؟ هذه مسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء من المعاصرين والقدماء.
وفي الصلاة هل يقدم المصلي في سجوده يديه أو ركبتيه مثلاً، وقل مثل ذلك في مسائل كثيرة اختلف فيها أهل العلم.
فعندما يأتي شخص يحقق هذا الكتاب، فيمكن أن يشير في الحاشية إلى أن هذه مسألة فيها خلاف، وهناك من رجح غيره، أو يحيل إلى بعض المراجع، لكني أقصد أنه عندما يضع صفحات طويلة في تفنيد كلام المؤلف فهذا الأسلوب لا ينبغي في التحقيق.
стр. 579
التعامل مع من يبدعون مخالفيهم في الاجتهاد
السؤال
ما هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع من يضخمون القضايا الاجتهادية ويبدعون ويفسقون مخالفيهم؟
الجواب
يطرح الموضوع بحوار وهدوء، وأظن أننا بحاجة إلى طرح الحديث عن المسائل الاجتهادية وكيف نتعامل معها حتى لا نشتط في الطرفين؛ لأن هناك أيضاً من يقع في الطرف الآخر، فأي مسألة يسمع أن فيها خلافاً يستبيح أن يعمل أي عمل، ويشغب على من ينكر عليه، ويرى أنه ما دام فيها رأي فإن هذا معناه أن الأمر فيها سائغ، وأن للإنسان أن يأخذ بما يريد، فينبغي أن نتوازن في مثل ذلك.
стр. 580
التضايق من النصح مع العمل به
السؤال
أشعر بضيق في صدري عندما يقوم أحد الشباب أو أحد الناس بتصحيح بعض أخطائي، ولكن في نفس الوقت أشكر من يصحح لي خطئي وأحب فعله، فما الضابط النفسي لكي لا أصاب بضيق في صدري؟
الجواب
هذا أنا أتوقع أن هذا وضع طبيعي، لكن ستجد أنك بعد فترة ترتاح، فأنت قد تجد نوعاً من التضايق عندما يشار إلى خطئك، لكن بعد فترة ستشعر يعني بالارتياح وإذا رأيت أن فلاناً من الناس يستخدم معك أسلوباً غير مناسب في تصحيح الخطأ فلا حرج أن ترشده إلى أن يعدل من أسلوبه.
يعني: يبدوا أنني أطلت كثيراً، وأعتذر للإخوة إن كنت قد أطلت عليهم.
وأسأل الله أن ينفعنا جميعاً وإياكم بما سمعنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب.
стр. 581
محاضرة في مخيم
انقسم شباب الأمة إلى شباب ملتزم وشباب غير ملتزم، وهذا التمايز أحدث فجوة عميقة بين الفئتين، حتى أثمر ذلك سلبيات كثيرة تضر بالإسلام والمسلمين على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، وهي أمور مهمة يجب تداركها والعمل على سد الفجوة ولأم الشق الحادث وسط المجتمع المسلم.
стр. 582
المؤامرة على الأمة وشبابها
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك، ونسأل الله أن يثيب القائمين على هذا المخيم، وأن يجعل ما يقدمون في موازين حسناتهم.
ونحن في الواقع بحاجة إلى مثل هذا التوسع في أنشطتنا الإسلامية، وفي دعوتنا، وفي برامجنا، وهي فكرة رائدة سرتني كثيراً، وأتمنى أن نرى في المستقبل المزيد من مثل هذه الأفكار والجهود؛ لأن المسلم يرى أن دينه ودعوته تتطلب منه جهداً أكثر.
لئن كان أصحاب التجارة وأصحاب الأموال يبتكرون الوسائل والأساليب في الدعاية والإعلان، وترويج منتجاتهم، ولئن كان أصحاب الفساد والفجور يبذلون المستحيل، لابتكار واكتشاف ألوان الفساد، والحصول على ما يريدون، والتحايل على الناس، فأهل الحق أولى ألا يكونوا أسرى تجارب ووسائل ورثوها، وألا يكونوا أسرى أفكار اعتادوا عليها، فصاروا لا ينطلقون إلا من خلالها.
أسأل الله سبحانه وتعال أن يعظم الأجر والمثوبة لإخواننا، وأن يجعل ما قدموا في موازين حسناتهم، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
معشر الشباب! لقد أدرك أعداء الإسلام أنه لا مجال للانتصار على هذه الأمة والقضاء عليها إلا بسلخها عن دين الله ، وأدرك أولئك جميعاً أن الشباب هم الأمة، يقال: الشباب عدة الأمة، وأمل المستقبل، والواقع أن الشباب هم الأمة، وليست الأمة إلا الشباب، فعلى أكتافهم وسواعدهم تقوم المجتمعات، وهم القادة في المستقبل، وهم الرجال الذين يوجهون المجتمعات والأمم.
وعلى أساس ما نشئوا عليه في شبابهم وفتوتهم يكونون بعد ذلك، ولما أدرك الأعداء قيمة هؤلاء الشباب وخطر شأنهم في الأمة سعوا لإضلالهم وفتنتهم، وصدهم عن دين الله ، فقامت تلك الجهود، ومن ورائها الطابور الخامس المنتشر في مجتمعات المسلمين في عرض الأمة وطولها، يمهدون للأعداء، ويقومون بتنفيذ خططهم نيابة عنهم، ولا يزيد على أن يأخذ وكالة فقط حتى تتغير الواجهة واللافتة، والمقصود من ذلك كله واحد هو سلخ شباب هذه الأمة، وصدهم عن دين الله .
وتنوعت أساليب الإغراء والإثارة والصد، بدءاً بتشكيك أولئك بدين الله ، وإخراج أجيال ممن يتشككوا في دين الله ، ويرتضي الإلحاد والردة عن دين الله ، وصار يبحث له عن مناهج بديلة عن الإسلام.
ومروراً بوسائل سعى فيها أولئك الأعداء إلى إثارة غرائز الشباب، وإلى إثارة اهتمامات الشباب، وصرف الهمة الجادة والعالية؛ فخرج لنا جيل همه فرجه وشهوته، وصار يسعى إلى تحصيل هذه الشهوة بكل الوسائل، وإذا لم تتح له في بلده وفي موطنه، فهو على استعداد أن يوفر جزءاً كبيراً من ماله؛ حتى يسافر إلى الخارج، ويسافر إلى بلاد الكفر؛ حتى يقضي شهوته في الحرام.
وخرج لنا جيل يتعلق بالرياضة ويفتن بها، حتى صارت أساس تفكيره، وخرج لنا جيل يعتني بما يسمى بالفن، وصار أولئك مرايا عاكسة لآخر صرعات الفن في عالم الغرب.
إنه -معشر الإخوة الكرام- نتاج جهد متواصل من أولئك الأعداء، قابله تخاذل من هذه الأمة، وانشغال من المصلحين الذين كان أولى بهم أن يقفوا على بوابات الحراسة في مجتمعات المسلمين؛ ليحموا هذه الأمة من هذا الغزو الماكر، وبقيت مجتمعات المسلمين وبالأخص الشباب دهراً في سبات عميق، وما كان لهذا النوم أن يطول، وما كان لهذه الأمة أن تطيل في الغيبوبة وهي الأمة الشاهدة، وهي الأمة القائمة بدين الله للبشرية جميعاً إلى قيام الساعة.
فآذن الله بانبلاج فجر الصحوة، وخرجت تلك الصحوة مع هذا الجيل الذي كان ينتظر الأعداء منه كل ألوان الفساد والانحراف، خرجت الصحوة مع هذا الجيل ليعود إلى دين الله ، وليضرب المثل الصادق في العودة إلى دين الله ، والعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
وأصبحنا مرة أخرى نرى الأفواج تتقاطر إلى طريق الاستقامة والصلاح والخير، وصارت الأفواج التي تتسابق إلى المساجد هي الأفواج إلى كانت تتسابق إلى الملاعب وإلى أماكن اللهو والرقص، بل صار أصحاب السفر والفساد والمجون والمخدرات والفن يعودون إلى هذا الطريق، وينضوون تحت لوائه، وصار العدد يتضاعف يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام.
وهي مسيرة بإذن الله مستمرة، فحين أشعل الفتيل، وحين أعلنت المسيرة فهذا إيذان باستمرار المسيرة إلى أن يتحقق وعد الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون
стр. 583
انقسام شباب الأمة إلى فئتين
أقول: حين عاد هذا الجيل الناشئ بإذن الله ، والذي نعلق عليه -بعد توفيق الله وعونه- آمالاً عريضة، نسأل الله أن يجعلنا عند حسن ظننا، والله عند حسن ظن عبده به .
أقول: مع تقاطر هذا الجيل أصبح عندنا فئتان من الشباب: فئة من الشباب الذين عادوا إلى الله ، وعادوا إلى الأصل والفطرة فاستقاموا على دين الله ، وفئة وهي لا تزال عريضة تحتاج إلى دعوة.
وينبغي أيضاً ألا نفرط في التفاؤل، وألا ننسى أن هناك قطاعاً عريضاً، بل إن القطاع العريض من شباب الأمة لا يزال بحاجة إلى من يشده إلى هذه الميادين.
صار لدينا فئة من الشباب اصطلح على أن يسمى الشاب الملتزم، وفئة أخرى من الشباب غير الملتزم، ولسنا هنا بصدد تحديد المصطلحات، ومدى سلامة هذا المصطلح أو ذاك، وأيهما أولى، ليس هذا موضوع حديثنا، ولكن هذه القسمة نشأ عنها مفاهيم مغلوطة، هي ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الدقائق.
نشأ عن هذه القسمة مفاهيم ومشاعر أصبحت جزءاً من تفكيرنا، وهكذا شأن الأخطاء، الخطأ يبدأ خطأً، ثم ينتشر ويتوسع، حتى يصبح بعد ذلك جزءاً من التفكير أصلاً، فيصبح الإنسان يفكر من هذه الزاوية، ولا يستطيع أن يتخلص من هذه النظرة التي تسيطر عليه.
وهذا الحديث لا يخص إحدى الفئتين، بل هو حديث للجميع، وقد يكون الحديث صريحاً، والصراحة لها ضريبة، وإذا كنا نريد الإصلاح فينبغي أن نكون واضحين وصرحاء.
وسأتحدث بصراحة مع الجميع وفي محضر الجميع عن أخطاء يقع فيها الشاب الملتزم تجاه أخيه، وعن أخطاء يقع فيها الشاب غير الملتزم، ونحن ينبغي أن نكون جميعاً صرحاء، ولعل هذه النقطة سيكون لها حديث في نهاية هذا الأسبوع في محاضرة الأربعاء، فلست بحاجة للإفاضة فيها.
ولكني أقدم بين يدي هذا الحديث أننا لابد أن نكون صرحاء، ولو أدى ذلك إلى أن تكشف الأوراق بمحضر الجميع، وأن نتحدث عن الأخطاء بمحضر الجميع، ما دام المقصود هو النصيحة.
هناك الكثير يتحدثون عن الأخطاء، وهناك الكثير ينتقدون، ومن ثم فنحن حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك الذين يتخذون من النقد سلماً ووسيلة للفتنة والإعاقة، حين نريد أن نقطع الطريق على أولئك فلن نقطعه إلا حين نبني منهجاً سليماً للنقد يتحدث عن الأخطاء تحت ضوء الشمس، وفي وضح النهار، وحينئذٍ نقطع الطريق على من يريد أن يتكئ على هذه الأخطاء، وأن يستثمر هذه الزلات؛ ليجعل منها معولاً يهدم به البناء.
стр. 584
عدم الالتزام لا يبرر المعاصي
حين تتحدث مع أحد الشباب غير الملتزم عن المعصية أو عن الطاعة يفاجئك بهذه الكلمة: إنني لست ملتزماً.
فيتصور أن عدم التزامه يعني أنه مخاطب بأحكام خاصة، وبتكاليف خاصة.
فنقول ابتداءً: إن كون الإنسان غير ملتزم، أو كونه يخل بشعائر ظاهرة من شعائر الإسلام؛ حتى يبقى مظهره لا يدل على الاستقامة والصلاح، لا يعفيه مما يجب على آحاد المسلمين، فهو مسلم يجب عليه ما يجب على المسلمين، وهو مسلم مخاطب بكل التكاليف الشرعية، وبكل النصوص الشرعية.
إنه يتخيل أحياناً أنه ما دام غير ملتزم، فينبغي ألا يوجه له هذا الخطاب، وينبغي أن يكون في مندوحة أن يقال له هذا الكلام، لأنه يظن أن هذا الكلام إنما يقال للناس الملتزمين، ويقال للأخيار، ويرى أنه لا يستحق أن يوجه له هذا الكلام، إنه ينبغي أن يخاطب بكلمة واحدة فقط لا غير، وهي: تب إلى الله ، وتخل عن طريق الإعراض والغفلة، وكن سائراً مع ركاب الصالحين والملتزمين.
وهذا لا شك خطاب وكلمة لابد أن تقال، وهي أساس ومبدأ حديثنا، وحولها ندندن، ولكن مع ذلك يبقى لنا حديث آخر، فمثلاً: هذا الشاب عندما تطالبه بطاعة من الطاعات، وهب أنها من النوافل، فتقترح عليه أن يصوم يوم الإثنين، أو يصوم يوم الخميس، أو يقوم ليلة من الليالي، أو يصلي النافلة، فيفاجئك ويقول: لست ملتزماً.
ويتخيل أنه ما دام كذلك فلا ينبغي له أن يخادع نفسه، ويرى أن صيامه، أو تلاوته لكتاب الله ، أو قيامه لليل، أو قيامه بأي عمل صالح إنما هو من المخادعة والنفاق، بل تراه مثلاً حينما يرى زميلاً له يقع في خطأ من الأخطاء، أو يعرف عنه ممارسة محرمة، أو عملاً سيئاً، ويراه يعمل طاعة من مثل هذه الطاعات، فإنه يتهمه بالنفاق والمراوغة والمخادعة، إلى غير ذلك.
إنه منطق عجيب، فلماذا كانت هذه المعاصي التي وقعت فيها مانعة لك من تلك الطاعات، نعم إن هذه المعاصي تكبلك، وهذه المعاصي تثقلك وتجعلك تتكاسل عن الطاعة، وتجعل الطاعة ثقيلة عليك، لكن هذا شيء وكونك لا تعمل الطاعة شيئاً آخر، هذا شيء وكونك تعتقد أن عملك لتلك الطاعة يعتبر نفاقاً شيء آخر.
وهذه من الحيل الشيطانية، فالشيطان يسيطر عليك بهذا المنطق، وبهذا التفكير؛ حتى يحقق إنجازاً لا يستطيع أن يحققه حتى يغلق جبهة كاملة يمكن أن تستثمرها أنت في صراعك مع هذا العدو، فيقطع عليك الطريق عن كل طاعة من الطاعات يمكن أن تقوم بها؛ بحجة أنك لست ملتزماً، وما دمت لست ملتزماً فينبغي ألا تعمل هذه الطاعات، وعملك لهذه الطاعة يعتبر مخادعة ويعتبر نفاقاً.
في أي كتاب أم بأية سنة؟ ومن أين حصلنا على مثل هذا الاقتناع؟ لست أدري! إنها قناعة لا تقبل الشك عندك، ولا يمكن أن تناقش فيها، والدليل على ذلك -كما قلت قبل قليل- أنك حين ترى زميلك أو أخاك يعمل ذلك تتهمه بالنفاق والمخادعة؛ لأنك رأيته يسمع الغناء، والذي يسمع الغناء لا ينبغي -مثلاً- أن يصلي الراتبة، والذي يسمع الغناء لا ينبغي أن يصوم النفل، وهكذا، الذي يقع في مثل هذه المعاصي لا ينبغي له أن يعمل تلك الطاعات، وإذا عملها عد منافقاً.
إنك لا زلت مسلماً شأنك شأن الآخرين، ويصدق عليك قول النبي ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، ويصدق عليك قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟).
عهدتك لا تنام إلا قبيل الفجر، فها أنت مستيقظ في الثلث الأخير من الليل، فما رأيك لو طرحت عليك هذا الاقتراح؟ اقتطع من وقت السهر والسهرة التي تقضيها -وربما كانت على معصية الله نصف ساعة، واقضها في أن تصلي ركعتين لله ، أو أربع ركعات، وتتضرع فيها إلى الله في سجودك، وتدعو الله أن يهديك ويعينك ويوفقك؛ لأني أجزم تماماً أنك تتمنى أن يهديك الله ، وتتمنى اليوم الذي تودع فيه الغفلة، وتودع فيه المعصية، وتقبل على الله .
فلعلك أن توافق باباً مفتوحاً من السماء فترفع لك فيه دعوة صادقة، ولماذا تحرم نفسك هذا الخير؟ فتستغفر وتتوب في هذه الساعة التي أنت أصلاً مستيقظ فيها.
إنك -أخي الكريم- أحوج إلى الطاعة من غيرك؛ لأنك تملك ركاماً هائلاً من المعاصي والذنوب، وأنت تراه كالجبل يوشك أن يهوي عليك، فأنت أحوج الناس إلى التخفف، وأنت أحوج الناس إلى التوبة، وأنت أحوج الناس إلى ما يكفر الذنوب، فما أحوجك إلى طاعة الله !
стр. 585
كيف نتعامل مع المعصية
ثانياً: كيف تتعامل مع المعصية؟
стр. 586
عدم المجاهرة بالمعصية
إن الكثير من الشباب يضع أمامه خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول: أن يتوب، ويترك المعصية، ويكون مع الناس الصالحين الأخيار، وهذا لا شك هو المطلوب.
الخيار الثاني: حين يفشل في هذا فإنه يبقى على المعصية دون أي وازع، ودون أي مانع، ويرى أنه لم يبق أمامه خيار ثالث.
إن هناك خياراً ثالثاً، ومع ذلك فهذا الخيار لا يعني أن نتنازل عن الخيار الأول الذي هو الأصل وهو ترك المعصية وتوديعها، والتوبة الصادقة النصوح إلى الله ، لكن هب أنك فشلت ولم تستطع أن تتوب، ستكون في هذه الفئة، فكل مسلم قادر على أن يسلك هذا الطريق، وما كلف الله الإنسان إلا ما يطيق، وهب أنك لم تستطع ذلك، فلماذا تجاهر بالمعصية، وأنت تعلم أن النبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)؟ إنك تفعل المعصية بالليل بينك وبين نفسك لا يعلم عنها أحد، وربما لا يعلم عنها إلا شريكك في المعصية، فما بالك إذا أصبحت تلقى زميلك في المدرسة فتخبره بما عملت وما صنعت؟! أنك تدعي أنك لا تستطيع التخلص من تلك المعصية، ولو فرضنا جدلاً أنك كذلك، أفلا تستطيع أن تتخلص من المجاهرة بالمعصية؟ ألا تستطيع أن تبقى معصيتك سراً بينك وبين الله ؟ فإن ذلك أدعى إلى توبتك وإقبالك على الله .
ثم إن الذي يجاهر بالمعصية حين يهم بالتوبة بعد ذلك تثقل عليه، ويصعب عليه أن يسلك طريقها؛ لأنه أصبح مشهوراً بين الناس، ومشهوراً بين زملائه وأقرانه بالسوء والفساد، وهو الذي جنى على نفسه.
ومما يتعلق أيضاً بالمعصية أنك حين تفعل المعصية فلماذا لا تقتصر على نفسك؟ لماذا تدعو غيرك إلى المعصية؟ ولماذا تسعى إلى تسهيل المهمة لغيرك؟ فأنت أحياناً تتحدث مع زميلك، بل كثيراً ما تتحدث مع زميلك، فتخبره ماذا فعلت بطريقة تمارس فيها دعاية بالمجان لهذه المعصية، بل ربما تدله على الوسيلة التي يمكن أن تعينه على فعل المعصية، وربما وظفت نفسك مستشاراً دون مقابل على أسباب ووسائل الاحتيال على تحصيل المعصية.
أليست هذه دعوة للمعصية والفساد؟ ألا تخشى أن ينطبق عليك قول النبي ﷺ : (ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، وأن ينطبق عليك قول الله : ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]؟ ألا تخشى أن تأتي يوم القيامة وأنت تحمل وزرك على ظهرك ووزر من أضللته؟ قد تقول مرة أخرى: إن لك مبرراً وعذراً في فعل المعصية، ولكن ما العذر والمبرر أن تدعو غيرك للمعصية، وتسهلها عليه؟
стр. 587
عدم الاستخفاف بالمعصية
ومما يتعلق بالمعصية أيضاً: ما بالك تستخف بالمعصية وتستهين بها؟ لقد حدثنا أحد أصحاب النبي ﷺ وضرب لنا مثلاً بليغاً، أرجو أن ترعي سمعك حتى لا ينطبق عليك هذا المثل، بل لعلك أن تصنف نفسك مع الفئة الأخرى: المؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا.
ما بالك حين تواجه بالنصيحة والإنكار تستخف بشأن المعصية؟ إن فعل المعصية شيء، والاستخفاف بها واستهوانها معصية أخرى، بل إن الاستخفاف بالصغيرة يحولها إلى كبيرة، فما بالك بالاستخفاف بالكبيرة والاستهانة بها؟! مرة أخرى أقول لك: حين تفشل في ترك المعصية، وتعجز عن ترك المعصية، فهذا لا يعني أن تفتح لنفسك الباب على مصراعيه، فهناك خيار ثالث وخطوة ثالثة أرجو وآمل أن تكون مقدمة التوبة الصادقة النصوح.
стр. 588
عدم التخاذل عن نصرة الدين وخدمته
أخيراً: إن إعراضك وإدراجك لنفسك ضمن قائمة غير الملتزمين ليس مبرراً لك حتى تتخاذل، إنك تأتي إلى المسجد، فترى فيه محاضرة، هذه المحاضرة سلكت خطوات في إعدادها، وفي الإعلان عنها، وفي دعوة المحاضر، وفي ترتيب اللقاء، إلى غير ذلك.
ترى مثل هذا المخيم الذي تستمع فيه لمثل هذه الكلمة، وترى الجهد الذي بذله الشباب الذين قاموا عليه، وترى من يوزع الشريط، وترى من يوزع الكتاب، تلقيت منه الشريط والكتاب، وترى زميلك في المدرسة ويده تمتد ليناولك كتاباً أو شريطاً، وتراه يحرك لسانه ليقول لك كلمة صادقة ناصحة، وترى الجهود تبذل لخدمة دين الله هنا وهناك.
فما بالك لا تبحث لك عن موقع في هذا الميدان؟! نعم، إنني أقدر موقعك، وإنني لا أنتظر منك وأنت على هذه الحال أن تتحول إلى واعظ، أو تتحول إلى خطيب أو محاضر، أو رجل يتحدث باسم الإسلام، فيؤلف ويصنف ويكتب وينافح عن دين الله ، لا أريد ذلك، بل لو أردت ذلك لقلت لك: رويدك وليس هذا مكانك.
لكن تستطيع -أخي الكريم- أن تقدم خدمة جليلة لدين الله ، وتستطيع أن تساهم في خدمة دين الله .
نقرأ في تاريخ الذين ساهموا في خدمة دين الله ، من الزهاد، والعابدين، والقانتين، والعلماء، والصالحين، وحفاظ كتاب الله ، وحملة العلم الشرعي.
ولكننا مع ذلك نرى نماذج من أولئك الذين لم يكونوا على حال من الصلاح والاستقامة، كانت لهم مساهمات في دين الله ، والوقت يطول، فلعلي أذكر مثلاً واحداً.
كان الإمام أحمد ﵀ كثيراً ما يدعو لرجل يقال له أبو إسحاق، فكان يقول: اللهم اغفر لـ أبي إسحاق إذا قام وإذا جلس.
فسأله أحد أبنائه: من يكون؟ فكان ينتظر أن يكون زاهداً رأى منه الإمام ﵀ قدوة في الزهد، أو قدوة في العبادة، وكان ينتظر أن يكون شيخاً للإمام أحمد تعلم منه علماً.
فأخبره الإمام أحمد ﵀ أن هذا الرجل كان لصاً، وكان قاطع طريق، حينما جيء بالإمام أحمد ﵀ ليجلد في فتنة خلق القرآن، جذبه بردائه، فقال: أتعرفني؟ قال: لا أعرفك، قال: أنا أبو إسحاق العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني جلدت كذا وكذا في السرقة، ومع ذلك ما صدني ذلك، وأنت تجلد على كلمة الحق، فأنت أولى مني أن تثبت.
أرأيت هذا اللص الذي في السجن ولا يزال مصراً على جريمته، ومع ذلك يرى أنه يستطيع أن ينصر الإسلام، ويستطيع أن يقدم خدمة، وما هي هذه الخدمة؟ إنها ليست إقامة درس، ولا إلقاء خطبة، ولم يكن هذا الرجل مؤهلاً لذلك، إن هذه الخدمة كانت تتمثل بأن يقف مع الإمام أحمد ﵀، ويقول له تلك الكلمة التي زادته تثبيتاً، ولم يجد هذا اللص في تاريخه شيئاً يمكن أن يستثمره إلا تاريخه المليء بالإجرام والسرقة، فوظف ذلك التاريخ؛ ليكون شاهداً ومعيناً للإمام أحمد ﵀، بل تراه يستعين بتاريخه السابق السيئ فيقول للإمام أحمد: أنا وأنا صاحب المعصية والهوى أتحمل العذاب في سبيل السرقة، فأنت أولى مني أن تتحمل، وأنت تقول كلمة الحق! إننا نطلب منك أن تساهم، وأن تشعر أن الدين يعني الجميع، وأن الدين دين الناس جميعاً، وأنك ما دمت مسلماً فإنك ينبغي لك أن تسير مع القافلة، بل لعل هذا يكون بمشيئة الله بداية خير وطريق توبة، فماذا عليك مثلاً لو أخرجت مبلغاً من المال -فهناك مبالغ كثيرة تقدم لزملائك بها بعض المشروبات والمأكولات، والذي تقدم أضعافاً منها لتكون وسيلة تشتري بها ما يعينك على المعصية- ماذا عليك لو أخرجت جزءاً من هذا المبلغ؛ فأعطيته أحد الصالحين والأخيار، أو أحد الدعاة إلى الله ، وقلت له: اصرف هذا المبلغ في الدعوة إلى الله ، وفي سبيل الله ؟ ماذا عليك حين تستمع إلى شريط أن تهديه إلى أحد زملائك، وأن تشتري كتاباً، وأن تشتري شريطاً؟ ولو أردت مجال الخير وخدمة دين الله ؛ لاستطعت أن تجد الآلاف من الوسائل والسبل، فقد عهدناك مفكراً، وعهدناك مجتهدً في البحث عن شهواتك ورغباتك، بل أنت تبتكر، ولا ترضى بحال أن تستعير فكرة غيرك، فأنت كل يوم تخرج لنا بفكرة جديدة، وطريقة جديدة، فوظف هذا التفكير وهذا العقل لتقدم شيئاً يسيراً لخدمة دين الله ، عل هذا يكون خطوة لك تنقلك إلى طريق الاستقامة والخير بإذن الله .
стр. 589
الآثار السيئة للهوة القائمة بين الملتزمين وغيرهم
بعد هذا الحديث ننتقل إلى نقطة أخرى تحتاج منا إلى مصارحة، وهي العلاقة بين الشاب الملتزم والشاب غير الملتزم، فنرى أن هناك أخطاء ترتكب من الجميع، ولا ننزه أنفسنا، وحين نقول: إن هناك أخطاء، فإننا نعرف ونجزم أن معظم هذه الأخطاء قد لا يكون بالضرورة صادراً عن عمد وسبق إصرار، بل ربما عن اجتهاد وحسن نية، فيرى أن هذا ما ينبغي أن يفعله.
وهناك أخطاء ألفناها فصارت جزءاً من تفكيرنا.
стр. 590
الصراع والتنافس بين الملتزمين وغيرهم
إن أول خطأ أرى أن الجميع مسئولون عنه هي هذه الهوة السحيقة والفجوة العميقة بين هذين الجيلين، بين الشباب الملتزم والشباب غير الملتزم، فأنت ترى كل طرف يعتقد أنه في ميدان، والطرف الآخر في ميدان آخر يقابله، بل نرى أنهما قد أصبحا في ميدان تنازع وتنافس، وربما في ميدان صراع.
لا شك -معشر الإخوة الكرام- أن سلوك المرء واستقامته ودينه يؤثر على علاقته، وعلى نظرته للناس، ولا شك أن هذا يصير الناس فئات، فيتعاملون من خلال ما يعتقدون من معتقدات، وما يمارسون من سلوكيات، والمشابهة في الظاهر تورث المحبة واللقاء في الباطن، والتنافر في الظاهر يورث التنافر في الباطن، ولكن هذا شيء والواقع الذي نعاني منه شيئاً آخر.
إنني أطرح هذا السؤال الذي أرجو أن نطرحه جميعاً -معشر الملتزمين وغير الملتزمين- على أنفسنا: من المستفيد من هذه الفجوة وهذه القطيعة؟ إن الأعداء هم المستفيدون؛ لأنهم يحولون دون وصول الخير، ودون وصول الكلمة الناصحة والصادقة إلى الطرف الآخر، ودون وصول النقد والتقويم إلى الآخرين.
ثم السؤال نفسه بطريقة أخرى: من الخاسر؟ نحن جميعاً، ولست أقول: إنه غير الملتزم، بل حتى الملتزم، إن الشاب غير الملتزم يخسر خسارة كبرى حين يساهم في إيجاد هذه الهوة، وهذه الفجوة، إنه يخسر حين يقيم هذه الهوة وهذه الفجوة، فيقيم أمامه سحباً تمنعه من وضوح الرؤية، وتجعل حاجزاً بينه وبين طريق الخير وطريق الصلاح والاستقامة، فيفترض حواجز وعوائق تحول بينه وبين طريق الخير، فهو الخاسر الأكبر.
وأنت أيها الشاب الملتزم خاسر أيضاً؛ لأنك تساهم في الحيلولة بينك وبين من تريد أن تخاطبه في هذه الدعوة، إن مثل هذا الشاب كما أنه يحتاج إلى دعوتك، فأنت أيضاً تحتاج إلى أن تفتح معه هذه العلاقة، وتفتح معه هذه الصفحة؛ لتقدم بين يديك عملاً صالحاً تدخره عند الله ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
يقول النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، ويقول ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
إن مثل هذه القطيعة المفتعلة، التي نمارسها ونسعى إليها، تحول بيننا وبين هذا الميدان الواسع الفسيح من الدعوة، بل تكون عائقاً لنا عن أداء هذا العمل الذي هو من أفضل الأعمال التي نتقرب بها إلى الله .
إذاً: معشر الإخوة الكرام! من الرابح ومن الخاسر؟ قلب الأمر حيث شئت؛ لترى أننا بحاجة إلى أن نلغي هذه القطيعة، وأن نقضي عليها.
ثم مع ذلك نحن نخسر خسائر أخرى غير هذه الخسارة؛ نخسر الشاب غير الملتزم حال بينه وبين طريق الهداية، وطريق الكلمة الناصحة، والشاب الملتزم حال بين نفسه وبين هذا المجال من مجالات الدعوة، ومجالات الكلمة الناصحة الصادقة، هذا الميدان من ميادين العبادة والطاعة التي يتقرب بها إلى الله .
стр. 591
السخرية من الشباب الملتزم
أيضاً نخسر خسارة أخرى، فالشاب غير الملتزم يقع في خطأ شنيع قد يكون محبطاً لعمله الصالح، وهو السخرية من الشاب الملتزم، والاستهزاء به، وهذا أمر خطير قد يقود الإنسان -عافانا الله وإياكم- إلى أن ينطبق عليه قوله الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
وهذه الآية نزلت -كما تعلمون جميعاً- في قوم كانوا يقولون في قراء النبي ﷺ : هؤلاء قراؤنا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء.
إنه يخشى أن ينطبق عليه قول الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١].
ويخشى أن ينطبق عليه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٥].
стр. 592
استكبار الشاب الملتزم وإعجابه بنفسه
وفي المقابل الشاب الآخر الملتزم المستقيم هو الآخر عرضة لآفة تنشأ عن هذه القطيعة، وآفة تنشأ عن هذه الهوة المفتعلة، وهي الاستكبار والاستعلاء، والشعور بالعلو، واحتقار ذاك الذي يقع في المعصية، ويخشى أن يكون كأحد صاحبي بني إسرائيل الذي كان مطيعاً لله ، ومقبلاً على الله ، وكان صاحبه مفرطاً، ومهملاً لنفسه، فكان يدعوه إلى ترك المعصية، ويدعوه إلى الاستقامة، وإلى الصلاح.
ونتيجة لأن هذه الدعوة الملحة قد طالت دون نتيجة، قال له صاحبه: (ما لك ولي، دعني وربي.
فقال: والله لا يغفر الله لك، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي، قد غفرت له، وأحبطت عملك!).
معشر الشباب الكرام! آفة عرضة لأن يقع فيها الشاب الملتزم، حين يرى نفسه قد سلك الاستقامة والخير، وانتصر على شهواته ورغباته، في حين يرى صاحبه غارقاً في أوحال المعصية والرذيلة، فحين يراه كذلك فإن هذا مدعاة لأن يفكر في أنه أعلى قدراً وشأناً، وأن يفكر أنه أعظم منزلة عند الله ، وأن يعجب بعمله، وهذا الأمر مدعاة لإحباط العمل وبطلانه كما أخبرنا ﷺ .
بل أول معصية نشأت إنما نشأت من الكبر والعجب ممن قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
стр. 593
حرص غير الملتزمين على إغواء الملتزمين
وهي أيضاً تنشئ عند الشاب سلوكاً آخر مرفوضاً، وهو حرصه على فتنة هذا الشاب وصده وإغوائه بأي وسيلة، أحياناً عن طريق السخرية، وأحياناً المناقشة، وأحياناً بترف الفتنة أمامه أياً كانت، وكم نرى من الشباب من يمارس الفتنة والصد، وهذه جريمة أخرى، وشنيعة أخرى.
إنك حين تقع في المعصية، وحين تستحقرها، فأنت على خطأ، وأنت قد قصرت، وأنت على الهاوية، نسأل الله أن يعيننا وإياك على التوبة النصوح لله ، فأنت تساهم في دعوة غيرك إلى المعصية، بل حين تساهم في فتنة وصد ذاك الشاب العفيف، والشاب الخير، والشاب المستقيم، فأنت ترتكب جريمة أخرى، وأنت تقف مع الأعداء في خندق واحد وصف واحد، سواء شعرت بذلك أم لم تشعر.
стр. 594
دعوة إلى كسر الحواجز بين الملتزمين وغيرهم
إذاً: فنحن بعد أن أدركنا هذا النتاج، وبعد أن أدركنا تلك المقدمات كلها بحاجة إلى أن نسعى إلى كسر الحواجز، ووالله حين نكسر هذه الحواجز ونحطمها، فإننا بإذن الله سنرى نتاجاً أكبر، وسنرى إن شاء الله جهوداً خيرة قد أثمرت، وسنرى الاقتراب.
لقد تضاعف عدد المسلمين الذين أسلموا بعد صلح الحديبية، فإن الذين أسلموا بعد صلح الحديبية إلى فتح مكة كانوا مثل الذين أسلموا منذ أن جاء الإسلام إلى صلح الحديبية، بل كانوا أكثر، والسبب في ذلك -كما يقول أهل السير- أن صلح الحديبية كان مجالاً للقاء والمناقشة والدعوة، وكانت هدنة أوقفت الحرب، فصار مجالاً لنشر الدعوة واللقاء، مما زاد من عدد المهتدين والداخلين في دين الله .
وحين ندعو إلى كسر الحواجز فإننا ندعو الطرفين جميعاً، ندعو الشاب الملتزم لأنه هو الذي يحمل الهمة العالية، ويرى أن هذه الدعوة وظيفته، وأن هذه الدعوة شغله الشاغل، وأن هذه الدعوة هي همه وهي حياته.
وندعو الشاب غير الملتزم ونقول له: إن الشاب الملتزم قد فاقك في سلوك طريق الخير، والاستقامة، وقطع خطوة، وله حسنات، ولعلك تبادر وتقطع هذه الخطوة، فتكون أنت السابق ولو على الأقل في هذا الميدان.
إننا ندعو الجميع أن يساهموا في إزالة هذه الحواجز، وأن يساهموا في ردم هذه الخنادق، وبناء الجسور على مثل تلك الهوة التي كانت حاجزاً ومانعاً عن كلمات صادقة كان يمكن أن ينفع الله بها الكثير.
معشر الشباب! إنها دعوة صادقة وملحة إلى كسر هذه الحواجز وتحطيمها وإزالتها، فنفتح صفحة من الحوار والنقاش والمجادلة بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
стр. 595
النقاش والحوار الهادئ
النقاش والحوار الهادئ بين الطرفين، فسنرى أن الشاب غير الملتزم سيطرح عوائق وعقبات يراها أمامه في طريق الالتزام، فيساهم صاحبه وأخوه في تذليل هذه العقبات، والإجابة على هذه التساؤلات، وإعانته عليها، ونرى في المقابل الشاب غير الملتزم سيطرح بعض الانتقادات، وبعض العيوب التي يرى أن أخاه وزميله الملتزم يقع فيها، فتكون مدعاة لتوضيح الرؤية، ووضوح الصورة، ومدعاة لتصحيح الأخطاء أيضاً.
إن هذا النقاش وهذا الجدل حين يكون بالتي هي أحسن، وحين نفتح حلقات للحوار والنقاش في المدرسة، وفي الشارع، وفي المنزل، وفي كافة اللقاءات، فسنستفيد جميعاً، ولو على الأقل أن تقترب وجهات النظر، ولو على الأقل أن يكون هذا النقاش وحده مساهماً في تحطيم هذا الحاجز، وحين يكون هناك نقاش فينبغي ألا يتحول إلى محاكمة وجدل، وحين نتناقش نحن، ونتخيل أننا في ساحة المحكمة، فستكون ثمرة النقاش مرة، وستكون النتيجة معاكسة.
حين أقف أنا وأنت، فأقول: إنك تفعل كذا، فتتهمني بكذا، وأتهمك بكذا، ويصبح كل منا شأنه أن يبحث عن تهمة يلصقها بصاحبه، وشأنه أن يبرر تهمته، حين نسلك هذا المنهج فلن نفلح، ولن يؤتي النقاش ثمرته إلا حين يكون كما قال الله : ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
ومعنى (بالتي هي أحسن) أن نكون واضحين، وأن نكون صرحاء، وأتحدث لك عن خطئك بوضوح وصراحة، ومع ذلك فالصراحة ليست مبرراً لسوء الأدب، فمع الصراحة والوضوح أتحدث معك بأدب، ويتطلب مني أيضاً أن أعترف بأخطائي وعيوبي، وأن أكون واضحاً صريحاً مع نفسي ومعك.
وحين يفتقد النقاش ويفتقد الحديث هذا الشرط فلن يجدي، ولن ينتج الثمرة، بل لعله يزيد في افتعال الهوة، بل لعله أن ينتج لنا الثمرة المرة.
стр. 596
البحث عن أسباب المشكلة والعمل على علاجها
أخيراً: إننا حين نرى مثل هذه القطيعة وهذه الهوة فأنا أجزم أنكم تشاركونني أنها مرفوضة، وأنها غير مقبولة، وأن الرابح غيرنا، والخاسر ليس سوانا، أظنكم تشاركونني هذه النتيجة.
أيضاً يجب أن نكون واقعيين، وأن نبحث عن أسبابها، فهناك أسباب وأمور أدت إلى ذلك، ولعل من أهمها تطبيق مبدأ الولاء والبراء، والبغض في الله والحب في الله.
إن الشاب الملتزم يرى أن دينه وأن استقامته وصلاحه تفرض عليه أن يحب في الله ويبغض في الله، وما دام فلان غير مستقيم، وما دام فلان يجاهر بالمعصية، فإن علي أن أبغضه وأن أظهر له البغضاء، وهذا من دين الله ، ولا نطالب بإلغائه ولا زواله، ولكن حسن العشرة شيء آخر غير ذلك بكثير.
إنه لا يمنعني -وحين يعهد مني صاحبي الصراحة- أن آخذه بحديث ودي، فأقول له: إنك مسلم، وإني أجزم أنك تحب الله ورسوله، وإنني أحب فيك الطاعة، وأحب أن أراك في المسجد، وأن أراك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكني واضح صريح معك، فلست أدعي أني أحبك كما أحب أخي، ولست أدعي أني أحبك من سويداء قلبي.
إنني مع ذلك أرى عليك أثر المعصية، وأثر الانحراف، وأرى أن هذا يفرض علي أن أبغض فيك هذه المعصية، فإني أتمنى أن تكمل المحبة، وأن يتم اللقاء، ولن تكمل هذه المحبة، ولن يتم هذا اللقاء إلا حين تزيل سبب القطيعة والبغضاء، وهو هذه المعصية.
أيضاً جانب آخر وأمر آخر قد يكون عائقاً للشاب الملتزم عن صاحبه، هو أنه يرى أنه حين يحسن العشرة معه، فإن هذا مدعاة إلى أن يصحبه فيتأثر به، فيدعوه ذاك من حيث لا يشعر إلى الارتكاس والانتكاس عافانا الله وإياكم.
إنه يرى أن هذه الاستقامة، وأن هذا الالتزام، وأن هذا الخير الذي حصله مكسب لا يقاس بثمن، وثمرة لا تعادلها ثمرة، فهو يريد أن يحيطها بهذا السياج، ويحيطها بهذا السور المنيع حتى لا تخترق، فيرى أنه إن صاحب ذاك بالحسنى وعاشره، فإنه مدعاة إلى أن يكون وسيلة للصحبة السيئة التي تقوده من حيث لا يشعر إلى الانتكاس، وإلى الحور بعد الكور.
فهو يضع هذا السياج، ويبني هذا السور، لا رغبة عن الخير، ولكن حماية لنفسه من التأثر، ومن الوقوع في الزلل والخطأ والانحراف والحور بعد الكور.
ونحن نقره أن الثمرة التي حصلها غالية، ونقره أن الاستقامة لا يعدلها الشيء، وأن السلامة لا يعدلها شيء، وأنه ينبغي أن يحرص عليها.
ولكن ما ندعوك إليه ليس أن تقضي لياليك ونهارك مع صاحبك، ليس أن تضاحكه وتمازحه وتعاشره، إنما ندعوك إلى ابتسامة صادقة، وإلى كلمة تقولها، وإلى دعوة، وإلى نقاش، ثم بعد ذلك يجب أن تحرص، وأن تحتاط، وأن تعرف أن طول العشرة والألفة واللقاء قد يكون مدعاة لأن تتأثر أنت، فتتحول من مرسل إلى مستقبل، وتتحول من داعٍ إلى مدعو، فيجرك معه إلى المستنقع حين أردت أنت إنقاذه.
وحينئذٍ فمع دعوتنا إلى كسر الحواجز، ومع دعوتنا إلى اللقاء والنقاش والحوار، فإننا ندعو أيضاً أن يكون هناك ضوابط تكفل ألا تتحول بعد ذلك إلى خسائر أخرى، وإلى أن يكون أولئك أصحاب الشهوات هم الذين يدعون الآخرين، ويجرونهم إلى طريقهم.
ونحن قادرون حين يكون الأمر مقتصراً على كلمة صادقة، وعلى هدية، وعلى ابتسامة، وعلى حسن عشرة، ثم بعد ذلك نقطع الطريق، ونقول لهم أيضاً بصراحة ووضوح: إننا نرى أن طول عشرتنا معكم، وإلفنا معكم، ولقاءنا معكم قد يكون مدعاة لأن نقع نحن معكم، فنعتذر لكم عن طول اللقاء، ونعتذر لكم عن طول المعاشرة؛ لأننا نخشى على أنفسنا، وحين تعودون وتسيرون في الجادة، فنحن سنصبح وإياكم إخوة.
معشر الإخوة الكرام! إن ما أطرحه في هذا اللقاء لا يزيد على أن يكون محاولة من قلب يتفطر ألماً وحرقة على هذا الواقع المرير الذي نعانيه.
الشاب يراهم هنا في هذه المخيمات، بل يراهم أمامه في الفصل وقد أنصتوا إليه، ويراهم أمامه في الحي فيتفطر قلبه ويبدأ يفكر، وقد يقوده هذا التفكير إلى مثل هذه الرؤى والنتائج، وهذه الرؤى والنتائج ليست بالضرورة معصومة، وليست بالضرورة نتائج مسلمة، بل ينبغي أن تحاط أفكارنا وإبداعاتنا دائماً بسياج الشرع الحكيم، وينبغي أن نكثر المراجعة، وأن نكثر المناقشة لها مرة بعد أخرى، وأن نقيس مدى انطباق ما نقوله على شرع الله ؛ لأن هذه الدعوة ينبغي أن تحاط بسياج الشريعة.
ومهما كانت أهدافنا نبيلة، ومهما كانت مقاصدنا عالية وسامية، فإن ذلك ليس مبرراً لنا أن تنطلق أفكارنا واقتراحاتنا دون ضوابط من شرع الله ، ودون قواعد.
أيها الإخوة الكرام! إنها محاولات وأفكار لا أدعي فيها العصمة، بل لا أدعي فيها أن تكون صواباً، فهي لا تعدو أن تكون اجتهاداً، فإن أصبت فمن الله ، وذلك فضل الله ، وهو صاحب الفضل والمن أولاً وأخيراً، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأنا أدعوكم جميعاً إلى أن نفكر جميعاً فيما نسمع، وألا نتلقى فقط دون مناقشة ودون مساءلة.
إنني أجزم أنكم جميعاً تشاركونني الألم والهم، وأجزم أنكم جميعاً ترون أن هناك أخطاء من الجميع، ولكن كيف يصحح الخطأ؟ قد نختلف في ا
стр. 597
الأسئلة
стр. 598
كلمة توجيهية للنساء
السؤال
نطلب منك كلمة توجيهية لأخواتنا المسلمات؛ لأنه يوجد في المخيم عدد كبير من النساء، نشكرهن على إنصاتهن وحسن أدبهن.
الجواب
لا أريد أن أطيل إنما أريد أن أقول كلمات يسيرة: أولاً: لماذا نفترض أن هناك كلمة خاصة للنساء، وإذا وجهنا كلمة خاصة للنساء فهذا يعني أن كل ما قلناه خاص بالرجال فقط، فما نقوله سابقاً يشمل الشباب، ويشمل أيضاً الفتيات، ولهذا أقول للفتيات: كل ما قلناه سابقاً ينطبق عليكن.
وإن كان هناك من كلمة خاصة توجه للنساء فهو فيما يخصهن، أما بقية الأمور فالمرأة تشترك فيها مع الرجل، ولئن كانت لهجة التذكير سائدة على حديثي فذلك لأسباب: أولاً: أن أصل الخطاب في الشرع للرجال، وتدخل فيه النساء.
ثانياً: لا أرى أمامي إلا الشباب، فيتأثر الإنسان بما يشاهد وبمن يستمع إليه.
стр. 599
كلمة توجيهية عن الدعوة إلى الاجتماع ونبذ الخلاف
السؤال
نرى شباب الصحوة وقد وقعوا في التفرق المذموم، وإهمال العلم والدعوة إلى الله، والاشتغال بأمور تعود عليهم بالإثم، بينما هناك أهل الباطل يستجلبون الشباب، ويعملون ليل نهار على ألا يعودوا إلى الله، فهل من كلمة توجيهية حول هذا الأمر؟
الجواب
لا شك أن الجميع يدرك أن هناك فرقة واختلافاً، ونسمع الكلام الكثير عن ضرورة الاتحاد والاجتماع وذم الفرقة، لكن نريد برامج عملية للقاء، وبرامج عملية لزوال الفرقة، فنريد من الذين يتحدثون ويذمون الفرقة أن يطرحوا لنا وأن يساهموا وأن يعملوا.
الجميع يقولون: نجتمع على الكتاب والسنة، هذا الكلام نوافق عليه جميعاً، لكن كل الناس يرون أنهم على الكتاب والسنة، ولا يوجد من يدعو إلى خلاف ذلك.
ولكن بدلاً من هذا كله، وبدلاً من النحيب والانتقاد، وربما تجد هذا السؤال نطرحه جميعاً في كل مناسبة وكل لقاء، نريد أن نطرح برامج عملية، وأن نساهم عملياً في مثل هذه الأمور، مع أن هذا ليس دعوة إلى إلغاء الحديث في مثل هذه الأمور، لكنكم تعلمون جميعاً أن هناك من يمارس الفرقة عن عمد وسبق إصرار باسم الدعوة إلى إلغاء الفرقة، ومن يمارس شق الصف عن عمد وسبق إصرار باسم الدعوة إلى جمع الصف ووحدة الكلمة.
ونحن لا يهمنا النية، ولا يهمنا ما يريد، المهم الذي أقصده أننا يجب أن ننتقل نقلة أخرى، نحن الآن أصبحنا نسمع الدعوة إلى اللقاء، ونسمع ذم الفرقة، لكن نريد أن نكون عمليين، ونريد أن نكون أناس واقعيين، فمجرد الدعوة ومجرد الكلام لا يكفي.
لا يوجد أحد يرضى الاختلاف، ولا يوجد أحد يرفض الاجتماع، وإذا وجد أحد فهذا مرفوض أصلاً، وهذا يريد الفتنة لا يريد الخير، لكن نريد خطوات عملية واقعية يمكن أن تقنع الناس، فبدلاً من الانشغال بكثرة الكلام، يجب أن نشغل أذهاننا بالتفكير؛ فنطرح أموراً عملية نساهم فيها نحن عملياً عل الله أن يعين ويوفق إن شاء الله.
وأنا أتصور أن من أهم الأمور التي تساعد على الاجتماع وزوال الفرقة، أن ننشغل جميعاً بالدعوة، فإذا انشغلنا بالدعوة والخير، وصار العمل هم الجميع، حينئذٍ ستزول كثير من المشكلات.
هذه القضايا ومشاكل الفرقة والاختلاف لا تنشأ إلا عند الناس الفارغين، فلو كان كل إنسان يعمل في ميدانه وينتج؛ لكانت المحصلة والنهاية -إن شاء الله- إلى الاجتماع والالتقاء.
стр. 600
دعوة الآباء إلى الاهتمام بالأبناء
السؤال
آمل منكم توجيه نداء للآباء بالاهتمام بأبنائهم والعناية بهم، ولعل هذا النداء يعتبر من الجسور أو من إحدى الطرق لإقامة الجسور بين الطيبين وغير الطيبين؟
الجواب
نحن جميعاً ندرك المشكلة، وكل الآباء يدركون المشكلة التي يعانون منها، بل إن الأب حينما يرزق بمولود ذكر، فإنه كثيراً ما يضع يده على قلبه يخشى من المستقبل، ويخشى مما أمامه، وتراه دائماً يقول: أصلحك الله يا ولدي، وهداك الله يا ولدي، يقولها في العتاب والتأنيب والشكر والتشجيع، وفي كل مناسبة يكرر هذه الكلمة، والتي تنم عن شعور برغبته الجامحة وحرصه على هدايته وإصلاحه.
فأقول: لماذا لا نفكر أيضاً في كسر هذه الحواجز وتحطيم هذه الحواجز، ومد هذه الجسور بين الآباء والأبناء أنفسهم.
إن مما يحول دون التربية الأبوية السليمة والصحيحة والناضجة أن هناك فجوات عريضة وواسعة بين الأبناء والآباء، فلو سعى الطرفان جميعاً إلى تحطيم هذه الفجوات، وصار الأب يعيش في حوار صريح مع أبنائه، والأبناء كذلك؛ لساهم هذا كثيراً في وضوح الرؤية أولاً؛ لأن الأب لا يعرف فيم يفكر ابنه، ولا يعرف ماذا يريد ابنه، ولا يعرف مشاكل ابنه، والابن كذلك.
فلو كان هناك وضوح، وحوار صريح؛ لساهم كل طرف في معرفة ما عند الطرف الآخر، ثم كان هذا مدعاة بإذن الله لمزيد من الإصلاح، وقطع الخطوات بمشيئة الله .
следующие страницы →