Полный текст (1 904 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
البحث عن أسباب المشكلة والعمل على علاجها
أخيراً: إننا حين نرى مثل هذه القطيعة وهذه الهوة فأنا أجزم أنكم تشاركونني أنها مرفوضة، وأنها غير مقبولة، وأن الرابح غيرنا، والخاسر ليس سوانا، أظنكم تشاركونني هذه النتيجة.
أيضاً يجب أن نكون واقعيين، وأن نبحث عن أسبابها، فهناك أسباب وأمور أدت إلى ذلك، ولعل من أهمها تطبيق مبدأ الولاء والبراء، والبغض في الله والحب في الله.
إن الشاب الملتزم يرى أن دينه وأن استقامته وصلاحه تفرض عليه أن يحب في الله ويبغض في الله، وما دام فلان غير مستقيم، وما دام فلان يجاهر بالمعصية، فإن علي أن أبغضه وأن أظهر له البغضاء، وهذا من دين الله ، ولا نطالب بإلغائه ولا زواله، ولكن حسن العشرة شيء آخر غير ذلك بكثير.
إنه لا يمنعني -وحين يعهد مني صاحبي الصراحة- أن آخذه بحديث ودي، فأقول له: إنك مسلم، وإني أجزم أنك تحب الله ورسوله، وإنني أحب فيك الطاعة، وأحب أن أراك في المسجد، وأن أراك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكني واضح صريح معك، فلست أدعي أني أحبك كما أحب أخي، ولست أدعي أني أحبك من سويداء قلبي.
إنني مع ذلك أرى عليك أثر المعصية، وأثر الانحراف، وأرى أن هذا يفرض علي أن أبغض فيك هذه المعصية، فإني أتمنى أن تكمل المحبة، وأن يتم اللقاء، ولن تكمل هذه المحبة، ولن يتم هذا اللقاء إلا حين تزيل سبب القطيعة والبغضاء، وهو هذه المعصية.
أيضاً جانب آخر وأمر آخر قد يكون عائقاً للشاب الملتزم عن صاحبه، هو أنه يرى أنه حين يحسن العشرة معه، فإن هذا مدعاة إلى أن يصحبه فيتأثر به، فيدعوه ذاك من حيث لا يشعر إلى الارتكاس والانتكاس عافانا الله وإياكم.
إنه يرى أن هذه الاستقامة، وأن هذا الالتزام، وأن هذا الخير الذي حصله مكسب لا يقاس بثمن، وثمرة لا تعادلها ثمرة، فهو يريد أن يحيطها بهذا السياج، ويحيطها بهذا السور المنيع حتى لا تخترق، فيرى أنه إن صاحب ذاك بالحسنى وعاشره، فإنه مدعاة إلى أن يكون وسيلة للصحبة السيئة التي تقوده من حيث لا يشعر إلى الانتكاس، وإلى الحور بعد الكور.
فهو يضع هذا السياج، ويبني هذا السور، لا رغبة عن الخير، ولكن حماية لنفسه من التأثر، ومن الوقوع في الزلل والخطأ والانحراف والحور بعد الكور.
ونحن نقره أن الثمرة التي حصلها غالية، ونقره أن الاستقامة لا يعدلها الشيء، وأن السلامة لا يعدلها شيء، وأنه ينبغي أن يحرص عليها.
ولكن ما ندعوك إليه ليس أن تقضي لياليك ونهارك مع صاحبك، ليس أن تضاحكه وتمازحه وتعاشره، إنما ندعوك إلى ابتسامة صادقة، وإلى كلمة تقولها، وإلى دعوة، وإلى نقاش، ثم بعد ذلك يجب أن تحرص، وأن تحتاط، وأن تعرف أن طول العشرة والألفة واللقاء قد يكون مدعاة لأن تتأثر أنت، فتتحول من مرسل إلى مستقبل، وتتحول من داعٍ إلى مدعو، فيجرك معه إلى المستنقع حين أردت أنت إنقاذه.
وحينئذٍ فمع دعوتنا إلى كسر الحواجز، ومع دعوتنا إلى اللقاء والنقاش والحوار، فإننا ندعو أيضاً أن يكون هناك ضوابط تكفل ألا تتحول بعد ذلك إلى خسائر أخرى، وإلى أن يكون أولئك أصحاب الشهوات هم الذين يدعون الآخرين، ويجرونهم إلى طريقهم.
ونحن قادرون حين يكون الأمر مقتصراً على كلمة صادقة، وعلى هدية، وعلى ابتسامة، وعلى حسن عشرة، ثم بعد ذلك نقطع الطريق، ونقول لهم أيضاً بصراحة ووضوح: إننا نرى أن طول عشرتنا معكم، وإلفنا معكم، ولقاءنا معكم قد يكون مدعاة لأن نقع نحن معكم، فنعتذر لكم عن طول اللقاء، ونعتذر لكم عن طول المعاشرة؛ لأننا نخشى على أنفسنا، وحين تعودون وتسيرون في الجادة، فنحن سنصبح وإياكم إخوة.
معشر الإخوة الكرام! إن ما أطرحه في هذا اللقاء لا يزيد على أن يكون محاولة من قلب يتفطر ألماً وحرقة على هذا الواقع المرير الذي نعانيه.
الشاب يراهم هنا في هذه المخيمات، بل يراهم أمامه في الفصل وقد أنصتوا إليه، ويراهم أمامه في الحي فيتفطر قلبه ويبدأ يفكر، وقد يقوده هذا التفكير إلى مثل هذه الرؤى والنتائج، وهذه الرؤى والنتائج ليست بالضرورة معصومة، وليست بالضرورة نتائج مسلمة، بل ينبغي أن تحاط أفكارنا وإبداعاتنا دائماً بسياج الشرع الحكيم، وينبغي أن نكثر المراجعة، وأن نكثر المناقشة لها مرة بعد أخرى، وأن نقيس مدى انطباق ما نقوله على شرع الله ؛ لأن هذه الدعوة ينبغي أن تحاط بسياج الشريعة.
ومهما كانت أهدافنا نبيلة، ومهما كانت مقاصدنا عالية وسامية، فإن ذلك ليس مبرراً لنا أن تنطلق أفكارنا واقتراحاتنا دون ضوابط من شرع الله ، ودون قواعد.
أيها الإخوة الكرام! إنها محاولات وأفكار لا أدعي فيها العصمة، بل لا أدعي فيها أن تكون صواباً، فهي لا تعدو أن تكون اجتهاداً، فإن أصبت فمن الله ، وذلك فضل الله ، وهو صاحب الفضل والمن أولاً وأخيراً، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأنا أدعوكم جميعاً إلى أن نفكر جميعاً فيما نسمع، وألا نتلقى فقط دون مناقشة ودون مساءلة.
إنني أجزم أنكم جميعاً تشاركونني الألم والهم، وأجزم أنكم جميعاً ترون أن هناك أخطاء من الجميع، ولكن كيف يصحح الخطأ؟ قد نختلف في ا
стр. 597
الأسئلة
стр. 598
كلمة توجيهية للنساء
السؤال
نطلب منك كلمة توجيهية لأخواتنا المسلمات؛ لأنه يوجد في المخيم عدد كبير من النساء، نشكرهن على إنصاتهن وحسن أدبهن.
الجواب
لا أريد أن أطيل إنما أريد أن أقول كلمات يسيرة: أولاً: لماذا نفترض أن هناك كلمة خاصة للنساء، وإذا وجهنا كلمة خاصة للنساء فهذا يعني أن كل ما قلناه خاص بالرجال فقط، فما نقوله سابقاً يشمل الشباب، ويشمل أيضاً الفتيات، ولهذا أقول للفتيات: كل ما قلناه سابقاً ينطبق عليكن.
وإن كان هناك من كلمة خاصة توجه للنساء فهو فيما يخصهن، أما بقية الأمور فالمرأة تشترك فيها مع الرجل، ولئن كانت لهجة التذكير سائدة على حديثي فذلك لأسباب: أولاً: أن أصل الخطاب في الشرع للرجال، وتدخل فيه النساء.
ثانياً: لا أرى أمامي إلا الشباب، فيتأثر الإنسان بما يشاهد وبمن يستمع إليه.
стр. 599
كلمة توجيهية عن الدعوة إلى الاجتماع ونبذ الخلاف
السؤال
نرى شباب الصحوة وقد وقعوا في التفرق المذموم، وإهمال العلم والدعوة إلى الله، والاشتغال بأمور تعود عليهم بالإثم، بينما هناك أهل الباطل يستجلبون الشباب، ويعملون ليل نهار على ألا يعودوا إلى الله، فهل من كلمة توجيهية حول هذا الأمر؟
الجواب
لا شك أن الجميع يدرك أن هناك فرقة واختلافاً، ونسمع الكلام الكثير عن ضرورة الاتحاد والاجتماع وذم الفرقة، لكن نريد برامج عملية للقاء، وبرامج عملية لزوال الفرقة، فنريد من الذين يتحدثون ويذمون الفرقة أن يطرحوا لنا وأن يساهموا وأن يعملوا.
الجميع يقولون: نجتمع على الكتاب والسنة، هذا الكلام نوافق عليه جميعاً، لكن كل الناس يرون أنهم على الكتاب والسنة، ولا يوجد من يدعو إلى خلاف ذلك.
ولكن بدلاً من هذا كله، وبدلاً من النحيب والانتقاد، وربما تجد هذا السؤال نطرحه جميعاً في كل مناسبة وكل لقاء، نريد أن نطرح برامج عملية، وأن نساهم عملياً في مثل هذه الأمور، مع أن هذا ليس دعوة إلى إلغاء الحديث في مثل هذه الأمور، لكنكم تعلمون جميعاً أن هناك من يمارس الفرقة عن عمد وسبق إصرار باسم الدعوة إلى إلغاء الفرقة، ومن يمارس شق الصف عن عمد وسبق إصرار باسم الدعوة إلى جمع الصف ووحدة الكلمة.
ونحن لا يهمنا النية، ولا يهمنا ما يريد، المهم الذي أقصده أننا يجب أن ننتقل نقلة أخرى، نحن الآن أصبحنا نسمع الدعوة إلى اللقاء، ونسمع ذم الفرقة، لكن نريد أن نكون عمليين، ونريد أن نكون أناس واقعيين، فمجرد الدعوة ومجرد الكلام لا يكفي.
لا يوجد أحد يرضى الاختلاف، ولا يوجد أحد يرفض الاجتماع، وإذا وجد أحد فهذا مرفوض أصلاً، وهذا يريد الفتنة لا يريد الخير، لكن نريد خطوات عملية واقعية يمكن أن تقنع الناس، فبدلاً من الانشغال بكثرة الكلام، يجب أن نشغل أذهاننا بالتفكير؛ فنطرح أموراً عملية نساهم فيها نحن عملياً عل الله أن يعين ويوفق إن شاء الله.
وأنا أتصور أن من أهم الأمور التي تساعد على الاجتماع وزوال الفرقة، أن ننشغل جميعاً بالدعوة، فإذا انشغلنا بالدعوة والخير، وصار العمل هم الجميع، حينئذٍ ستزول كثير من المشكلات.
هذه القضايا ومشاكل الفرقة والاختلاف لا تنشأ إلا عند الناس الفارغين، فلو كان كل إنسان يعمل في ميدانه وينتج؛ لكانت المحصلة والنهاية -إن شاء الله- إلى الاجتماع والالتقاء.
стр. 600
دعوة الآباء إلى الاهتمام بالأبناء
السؤال
آمل منكم توجيه نداء للآباء بالاهتمام بأبنائهم والعناية بهم، ولعل هذا النداء يعتبر من الجسور أو من إحدى الطرق لإقامة الجسور بين الطيبين وغير الطيبين؟
الجواب
نحن جميعاً ندرك المشكلة، وكل الآباء يدركون المشكلة التي يعانون منها، بل إن الأب حينما يرزق بمولود ذكر، فإنه كثيراً ما يضع يده على قلبه يخشى من المستقبل، ويخشى مما أمامه، وتراه دائماً يقول: أصلحك الله يا ولدي، وهداك الله يا ولدي، يقولها في العتاب والتأنيب والشكر والتشجيع، وفي كل مناسبة يكرر هذه الكلمة، والتي تنم عن شعور برغبته الجامحة وحرصه على هدايته وإصلاحه.
فأقول: لماذا لا نفكر أيضاً في كسر هذه الحواجز وتحطيم هذه الحواجز، ومد هذه الجسور بين الآباء والأبناء أنفسهم.
إن مما يحول دون التربية الأبوية السليمة والصحيحة والناضجة أن هناك فجوات عريضة وواسعة بين الأبناء والآباء، فلو سعى الطرفان جميعاً إلى تحطيم هذه الفجوات، وصار الأب يعيش في حوار صريح مع أبنائه، والأبناء كذلك؛ لساهم هذا كثيراً في وضوح الرؤية أولاً؛ لأن الأب لا يعرف فيم يفكر ابنه، ولا يعرف ماذا يريد ابنه، ولا يعرف مشاكل ابنه، والابن كذلك.
فلو كان هناك وضوح، وحوار صريح؛ لساهم كل طرف في معرفة ما عند الطرف الآخر، ثم كان هذا مدعاة بإذن الله لمزيد من الإصلاح، وقطع الخطوات بمشيئة الله .
стр. 601
كيفية العودة إلى طريق الاستقامة
السؤال
أنا شاب كنت ملتزماً، ولكني تغيرت وانحرفت في الأخير، وأريد أن أعود إلى الطريق، وإلى الرفقاء الصالحين، وأخشى ألا يرحب بي زملائي الطيبين، فماذا أعمل؟
الجواب
أولاً: يجب أن تشعر أن العودة إلى طريق الاستقامة والصلاح ضرورة، وليست فكرة تريد أن تطبقها.
ثم المشكلة أن الشاب عندما يكون مستقيماً وصالحاً ثم ينحرف؛ يكون أسوأ في الانحراف، ويكون أكثر بعداً عن العودة إلى طريق الاستقامة والخير؛ لأن الإنسان الذي لم يجرب أقرب إلى الخير من الإنسان الذي جرب هذا الطريق وعرف ما فيه.
فأقول: يجب أن تعرف أن القضية ليس فيها خيار، ولا مجال للتفكير في العقبات، وهو طريق لابد أن تسلكه، وإذا فكرت في العقبات ففكر كيف تذللها فقط، أما أن تفترض عقبات أمامك لتؤثر هذه العقبات في اتخاذ القرار فهذه مشكلة.
ومما يؤسف أن كثيراً من قراراتنا تتأثر، فعندما يفكر الإنسان أول ما يتبادر إلى ذهنه هذه العقبات، وينسى أنه ليس أمامه خيار من سلوك هذا الطريق، فإذا فكر في العقبات فيجب أن يفكر في كيفية تذليلها.
فأقول: إذا وجدت عندك هذه العزيمة والهمة ستستطيع أن تذلل هذه العقبات، وأنا أجزم أن زملاءك سيرحبون بك، بل سيحرصون عليك، وعندما تعرض أمامهم المشكلة بوضوح فسيحرصون عليك.
وهب أنهم رفضوك، فالناس غيرهم كثير، فبإمكانك أن تذهب إلى غيرهم، وأن تجد بديلاً عنهم بإذن الله .
стр. 602
حكم إشاعة خبر الانحراف
السؤال
ما توجيهكم لبعض الشباب الملتزمين الذين ينشرون خبر شاب كان من إخوانهم الملتزمين، ثم ارتكب معصية أو انحرف؟
الجواب
أولاً: هذا الأمر هو من الغيبة التي لا تخفى شناعتها وشؤمها، وقد شبهها الله بمن يأكل لحم أخيه ميتاً.
ثانياً: هذا من إشاعة المعصية والفاحشة بين المؤمنين، وهي دعاية للمعصية؛ لأن الناس عندما يعرفون أن فلاناً وقع في المعصية، وفلان وفلان؛ يستسهلون المعصية، ويستهينون بها، وصاحب المعصية كلما تصور واعتقد أنه غريب ووحيد في هذه المعصية؛ فإن هذا مدعاة لأن يتوب إلى الله ، ويقبل إليه ، أما حين يعرف أن له شركاء في المعصية؛ فهذا يجعل المعصية تهون عليه وتخف كالطاعة تماماً.
ثالثاً: هذا أيضاً لا يخدم المصلحة في النهاية؛ لأننا نريد من هذا الشاب أن يعود إلى الله ، وهذا يكرس الانحراف عنده، بخلاف ما إذا كان الناس لا يعلمون عنه مثل هذا الشيء، فإنه يسهل عليه أن يعود بعد ذلك.
стр. 603
موقف الشاب الملتزم من بيئته
السؤال
أنا في بداية الالتزام على طريق الهداية، ولكني أعيش في بيئة غير ملتزمة، فماذا أعمل حيال ذلك؟
الجواب
لقد كان أصحاب النبي ﷺ يعيشون في حال أعظم مما نعيش فيه، فقد كانوا يعيشون في بيوت ليس فيها انحراف ومعاص فقط، بل كانت بيوتاً تغص بالشرك والكفر بالله ، وكان آباؤهم وأمهاتهم يسعون إلى فتنتهم وصدهم عن دين الله ، وما كان ذلك ليردهم عن دين الله ، فعليك أن تصبر وتحتسب، ثم تعلم أن الالتزام والاستقامة لها ضريبة لابد أن تدفعها، ولابد أن تتحمل، ولابد أن تجاهد نفسك، ولعل ذلك يكون سبباً في إصلاح هذا البيت، ودعوته، والتأثير فيه، فكم نرى من البيوت التي عم فيها الخير والصلاح والاستقامة؛ بسبب شاب من هذه الأسرة هداه الله .
стр. 604
التكامل والتوازن في التربية
التربية الإسلامية للشباب والناشئة من الأمور الضرورية التي يجب أن يعنى بها المسلمون على مستوى الفرد والمجتمع، ومن أهم الأمور في ذلك التكامل والتوازن بين وسائل التربية وطرقها وتطبيقاتها، حتى يتخرج لنا جيل مؤهل لحمل المسئولية وقيادة المجتمع.
стр. 605
ضرورة التكامل والتوازن في التربية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام، وأسأل الله أن يثيبهم ويجزيهم خير الجزاء على ما تسببوا به من إحياء هذا اللقاء الذي أسأل الله أن يجعلنا فيه ممن يذكرهم الله فيمن عنده.
وهذا الموضوع -التكامل والتوازن في التربية- موضوع بائت، فقد كان ضمن سلسلة الدروس الشهرية في شهر ذي القعدة من العام المنصرم، ولكن حالت ظروفي الصحية دون إلقائه، وشاء الله أن يكون من نصيبكم، ولئن كان الطعام لا يشتهى بائتاً وحين يبيت فإنه يأسن ويفسد، فأحسب أن الفكرة حين تبيت تصبح أكثر نضجاً ويصبح صاحبها أكثر اقتناعاً بطرحها.
وقديماً كان ابن النوام حين يطلب منه أن يخطب وهو لم يعد لخطبته كان يقول: لا أشتهي الخبز إلا بائتاً.
فأرجو ألا يكون من سوء حظكم وسوء وفائكم أن يكون نصيبكم هذا البائت، بل إن الفكرة البائتة أكثر نضجاً وأعمق أثراً.
معشر الإخوة الكرام! إن الحديث عن إنقاذ الأمة، وعن ضرورة رسم المنهج ذي المعالم الواضحة في إحياء الأمة وإنقاذها، حديث أحسب أنا قد تجاوزناه، وأحسب أنه أصبح من البداهيات لدى كل مسلم يشعر بواقع الأمة، ولدى كل مسلم يشعر بدوره في إنقاذ الأمة، لكن مدار النقاش والحديث حول المناهج ووسائل التغيير.
وأحسب أن الجميع أو أن الأغلب من قطاع الصحوة يوافقنا أن التربية ضرورة ملحة لغرس المعاني والتوجيهات الشرعية في صفوف الناشئة وعلى صعيد الأمة أجمع، وضرورة ملحة لغسل أوضار الماضي وآثاره السيئة، أن التربية ضرورة ملحة لإعداد الأمة لأن تكون أهلاً أن تحمل هذا الدين وأن تحمل هذه الرسالة، لا لهذه الأمة وحدها، بل للعالم أجمع، فقد اختار الله هذه الأمة وأتمنها على هذه الرسالة للبشرية كلها فخصها الله بخاتمة الرسالات وخاتمة الشرائع، وكانت أمة وسطاً خير أمة أخرجت للناس، شهيدة على الناس في الدنيا والآخرة، وهي حين تسعى للقيام بهذا الدور وأداء هذا الواجب فلابد أن تكون مؤهلة لهذه المنزلة.
ولا أظن أبداً -أيها الإخوة- أننا يمكن أن نبلغ هذا المستوى وهذه المنزلة، وأننا يمكن أن نرقع الخلل الذي تعاني منه الأمة من غير تربية، وأرى أنها تستحق منا الحديث الكثير عن ضرورتها، والمطالبة بها، والحديث عن المناهج التربوية والأخطاء التربوية، والحديث عن أساليب التربية، وأرى أن هذا الباب وهذا الجانب أمر ينبغي أن نعنى به جميعاً، لا على مستوى الصحوة فحسب، بل على كافة الطبقات والمستويات.
وهذا الموضوع موضوع شمولي يتحدث عن جوانب كثيرة، سواء أكانت جوانب فرديه أم كانت جوانب على مستوى الأمة، وسواء كانت جوانب تخص الفرد في حد ذاته أو كانت تتعلق بالأسرة ودور الأب ودور الأم، أو كانت تتعلق بالمؤسسات التربوية من المدرسة وغيرها من المحاضن التربوية، ونحن حين نتحدث هذا الحديث فإننا لا نعدو أن نذكر خواطر مجردة، وإلا فالحديث عن هذه القضية لا نستطيع أن نأتي عليه في هذه الأمسية.
ثانياً: حين نتحدث عن القضايا التربوية فنحن نطرح منهجاً ونظرية رأياً قد يكون قابلاً للصواب والخطأ، لكن هذا شيء وتطبيقه على آحاد الأفراد والأحوال شيء آخر، فنحن نتحدث عن أسلوب أو عن منهج أو عن برنامج، وهذا لا يعني بالضرورة أن زيداً من الناس أو عمرواًَ ينطبق عليه هذا الكلام أو ذاك، أقول هذا لأنه يحصل كثيراً أن الكثير من إخوتي الأساتذة والآباء والمربين يطبق ما تقول حرفاً بحرف على حالة يعيشها هو مع من يربيه، مع تلميذه أو مع ابنه، وقد تكون حالة فريدة لها اعتبارات خاصة، فحينئذ يشعر بنوع من عدم التوافق، بين ما يطرح ويسمع وبين ما يراه على أرض الواقع.
ثالثاً: التربية ليست مسئولة عن مشكلات لم تكن هي السبب في إحداثها وفي وقوعها، إنك مثلاً قد تجد البعض من الآباء يشكو لك مشكلة ابن من أبنائه أو بنت من بناته قد بلغ سن التكليف، واستعصى على التوجيه فلم يعد قابلاً للتربية، فيعرض عليك مشكلة ويطلب منك حلاً لهذه المشكلة، قد تجد حلاً وقد تنجح، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه المشكلة لم تكن التربية هي المسئولة عن حدوثها، فهي تعكس إخلالاً، تعكس إهمالاً للتربية ابتداءً.
وهكذا حين يعرض عليك الأستاذ مشكلة يطلب منك حلاً لابد أن يتحقق على أرض الواقع، وحينئذ يراجع ويراهن على عدم صحة ما تقوله أو ما تطرحه، فنحن حين نتحدث عن التربية وحين نرى أن التربية كفيلة بإذن الله في تجاوز الكثير من المشكلات والعقبات، فهي ليست مسئولة عن حل مشكلات لم تكن هي السبب فيها ابتداءً.
إننا نفترض أن يتربى الشاب من صغره، بل من طفولته على أن يرعى هذا ال
стр. 606
أسباب المطالبة بتربية متكاملة متوازنة
стр. 607
خلق الله الإنسان وفيه جوانب مختلفة
إننا نطالب بأن تكون التربية متكاملة متوازنة في الوقت نفسه، سواءً على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع ككل، وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا لهذا الأمر مسوغات عدة: أولها: أن الله خلق الإنسان يحوي جوانب مختلفة، فالله خلق الإنسان وفيه جسم، وفيه عواطف متقابلة بل ومتناقضة، وخلق الإنسان وفيه عقل، وخلق فيه مشاعر.
إذاً: خلق الله الإنسان وفيه جوانب كثيرة متنوعة، وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان يجب أن يكون متوافقاًَ مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير هذا المصدر الشرعي محكوم عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر، والله هو الذي خلقهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وغالباً ما ترى تشريعات البشر تأخذ جانباً على حساب جانب آخر، وغالباً ما تراها تخل بهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء.
إذاً: فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق مع خلق الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، ولأضرب على ذلك مثلاً: إننا حين نربي الناس مثلاً على الخضوع والتسليم لكل الآراء التي تطرح عليهم أياً كان مصدرها، ونطلب منهم أن يعطلوا عقولهم وألا يفكروا فيما يقال لهم، فإننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي ما خلقه الله إلا لحكمة، ولو استقامت أمور الناس على التقليد والتبعية لخلق الله لنخبة من الناس عقولاً وترك سائر الناس دون عقول، أما وقد خلق الله العقول للناس جميعاً فإن هذا يعني أن يربى الناس على أن يستخدموا عقولهم بالدرجة التي لا تخرجهم عن حدود الدائرة الشرعية، وأي تربية تسعى إلى الحجر حريات الناس وعقولهم وتفكيرهم فإنها تعارض الفطرة، وأي منهج يعارض الفطرة فإنه يحمل في طياته بذور الهلاك والبوار.
وحين نأخذ منهجاً تربوياً يأخذ جانب العقل والمعرفة وحدها ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان نجد أنه متناقض؛ لأن المرء مفطور على العبودية والخضوع فإن لم يخضع لله خضع لغيره من البشر، إن لم يرب على العبادة لله توجه بالعبادة لغيره من البشر؛ ولهذا نرى المناهج التربوية الغربية التي تصر على التخاطب مع العقل وحده، وتهمل الجوانب الإيمانية وجوانب الوجدان والعاطفة؛ نراها تخالف الفطرة وتناقضها، وحينئذ تعيش في تناقض يحكم عليها بالفشل والبوار.
стр. 608
سنة التكامل والتوازن في الحياة
ثانياً: سنة الله في الحياة التكامل والتوازن: فالجنون مثلاً يحصل نتيجة لعدم توازن القدرات العقلية والعصبية؛ ولهذا يقال عن المجنون: إنسان غير موزون، والصرع العضوي من أسبابه زيادة الكهرباء في دماغ الإنسان، وفقر الدم أو ضعفه يحصل نتيجة عدم توازن الكريات البيضاء والحمراء في الدم، ثم إن زيادة سائل الأذن قد يتسبب في الإغماء لدى الإنسان.
هذه بعض النتائج التي يخلفها عدم التوازن لدى الكائن البشري، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى على ذلك.
أما نتائج عدم التوازن في الكون والحياة فأكثر من أن تحصر، فإن تغير نسبة الأكسجين في الهواء تجعله ملوثاً وقد تجعله سماً قاتلاً، وتغير المعادلة المتوازنة في دوران الأرض والشمس والأفلاك ينتج عنه كثير من الأمور أقلها اختلال انتظام الليل والنهار وتعاقب الفصول، وما يؤدي ذلك من أضرار على الإنسان والحيوان والحياة بكاملها، وحتى ما يصنعه الإنسان من آلات وما يشيده من بنايات فجميعه محكوم بقاعدة التوازن، وأي خلل في المقادير والمعايير يتسبب بنتائج خطيرة ومأساوية.
وجوانب الشخص نفسها حين لا تكون متوازنة ولا متناسقة فإنها تخرج إنساناً غير متناسق، فجمال الوجه مثلاً في توازن نسبي بين حجم الأنف والعينين والفم والرأس، بحيث لو اضطربت هذه النسب لكانت صورة مشوهة أو هزيلة أو ناقصة، وقيمة الطعام تكمن في مختلف عناصره الغذائية، بحيث تتحقق النسبة المتوازنة لسلامة الجسم من مختلف الدهون والسكريات والأملاح والمعادن والفيتامينات إلى غير ذلك، والحديث في هذا يطول.
المقصود: أن الحياة قائمة على التوازن، وأن الإخلال في التوازن حتى في المظهر الجمالي أمر يدعو الناس إلى النفور.
إن البناء -مثلاًً- حين تزيد فيه نسبة الأسمنت على نسبة الحجارة التي توضع معه فإن هذا يحصل منه خلل، وحين تقل نسبة الحديد أو تزيد فإن هذا الأمر أيضاً يكون غير متناسق، بل حين يسعى الإنسان إلى أن يجمل منزله مثلاً فيبالغ في هذا الجمال، أو يجعله بصورة غير متوازنة يصبح أمراً مرفوضاً، ونقرأ الحديث عن توازن هذا الكون في القرآن، يقول الله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، ويقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤].
стр. 609
قيام الشرع على الوسطية
ثالثاً: شرع الله قائم على الوسطية في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك، فشرع الله قائم على هذه القاعدة.
стр. 610
ظاهرة التكامل التشريعي
رابعاً: الشرع تبدو فيه ظاهرة التكامل معلماًً بارزاً، فما من مجال من مجالات الحياة إلا وللشرع فيه حكم، فإنك ترى الشرع له حكم في معتقد الإنسان الذي قد لا يعدو أن يكون عقيدة مستقرة في القلب، وترى للشرع حكماً في تعامل الإنسان مع غيره، وحكماً في عبادة الإنسان، وحكماً في سلوكه وأخلاقه، وفي الاقتصاد، والسياسة، وحياة الناس الاجتماعية وعلاقاتهم.
إنك لا تجد باباً من أبواب الحياة إلا وتجد للشرع فيه حكماً واضحاً ظاهراً، وهذا يعني أننا أمام شرع متكامل، وحين نربي الناس على هذا الشرع فينبغي أن نربي الناس تربية متكاملة متوازنة؛ ولهذا أنكر الله على بني إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١].
ولهذا فمن إعجاز القرآن أن حذر الله نبيه ﷺ عن صورة نراها في واقعنا، حين أمره أن يحكم بشرع الله، وحين أمر نبيه ﷺ أن يحكم بين الناس بما أنزل إليه وأن يحذر من اتباع أهوائهم قال بعد ذلك: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩]، وكأن هذه الآية تنطق بواقع هذه القرون المتأخرة، أن هناك من يساوم على شرع الله، فيأخذ بعض شرع الله ويرفض بعضه، فينادي بالاحتكام إلى شرع الله في باب من أبواب الحياة، ويرفض بعد ذلك سائر الأبواب، وهذا هو اتباع الهوى والإعراض عن شرع الله ؛ ولهذا حذر الله نبيه ﷺ من أهل الأهواء الذين يريدون أن يحكموا شرع الله في أمر من أمور الحياة ويهملوه في سائرها.
إن هذا -معشر الإخوة الكرام- دليل على أن هذا الشرع جاء ليحكم الحياة كلها، وحينئذ فأي منهج تربوي يريد أن يربي الناس على خلاف ذلك فهو معارض لهذه القاعدة الشرعية التي لا تنخرم، وتراها في كل حكم شرعي في سائر أبواب الحياة.
стр. 611
التحدي التربوي الذي تواجهه الأمة
خامساً: الأمة الإسلامية تواجه تحدياً تربوياً من أبواب شتى: فالشباب يعانون من تخطيط ماكر وغزو مدبر، والطفل المسلم تعد له أفلام وتكتب له قصص ومجلات يقصد منها تربيته تربية تحرفه عن المنهج الشرعي، وكذلك الشاب والفتاة والعلاقات الاجتماعية والأسرة وحياة الناس في اقتصادهم وعقيدتهم وحياتهم السياسية، إن الأمة ستواجه تحدياً شاملاً متكاملاً لخلعها عن دينها وتربيتها على غير شرع الله ، وحينئذ فالتربية التي تستهدف إنقاذ الأمة والوقوف في وجه هذا التيار الوافد لن تكون مؤهلة للمواجهة ما لم تكن آخذة بالتكامل والتوازن.
стр. 612
التكامل والتوازن التربوي على مستوى الفرد
стр. 613
التكامل والتوازن في التعامل مع النصوص
وبعد أن تحدثنا عن ضرورة التكامل والتوازن وعن مؤيدات التكامل والتوازن في التربية ننطلق بعد ذلك إلى الحديث عن أمثلة من التكامل والتوازن التربوي الذي نريده في تربيتنا، وقد لا نستطيع أن نأتي على جميع ما نريد، فلعلنا أن نقتصر على بعض النماذج على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع كله.
أولاًً: على المستوى الفردي: إن من التكامل في التربية أن يربى الفرد على التوازن في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه، فالغلو صفة ممقوتة مرذولة بالعقل مرفوضة بالشرع، والتجاوب مع شهوات النفس ورغباتها لا يسوغ أن يكون البديل للتخلي عن الغلو ورفضه: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩]، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
إننا حين نربي أبناءنا على الفوضى، والتسيب في التعامل مع الأحكام الشرعية والتفلت من الضوابط الشرعية فإننا نربيهم تربية غير متوازنة، تربية متطرفة تميل إلى جانب دون جانب، وحين نربيهم على الغلو والمبالغة فإنها أيضاً هي الأخرى تربية غير متوازنة.
إذاً: فالتربية المتكاملة المتوازنة تقتضي أن يربى الفرد على الوسطية في التعامل مع الأحكام الشرعية، فلا يربى على التسيب والتفلت من الضوابط والأحكام الشرعية، ولا يربى على الغلو.
إننا كثيراً ما نسمع الشكوى من أن الابن يواجه التعويق من أبيه وهو يدعوه إلى التجاوب مع شهواته، يدعوه إلى التجاوب مع التقصير والإهمال، بل نرى الأب -وللأسف- يحظ ابنه على التقصير في الصلاة والتهاون فيها، نرى الأب أحياناً يدعو ابنته إلى الزهد في الحجاب والعفاف والفضيلة، إنها تربية غير متوازنة، تربية متطرفة تخل بهذا المبدأ التربوي الذي جاء به شرع الله .
стр. 614
التكامل في رعاية أبعاد الشخصية
ثانياً: التكامل والتوازن في تربية الفرد يعني التكامل في رعاية أبعاد الشخصية ومستوى الشخصية، بأن يحرص الأب والأم على أن تكون تربية الابن متكاملة، فالتربية التي نطالب بها ليست هي أمره بالصلاة فقط وليست هي نهيه عن سيء الأخلاق، وإن كان هذا مبدأً مهماً من مبادئ التربية، لكننا أيضاً نطالب أن ترعى صحة الابن، إنه لا يسوغ أبداً أن تهمل الأم ابنها أو طفلها الصغير وطفلتها تجاوباً مع داعي النوم وطفلها يريد الطعام، وطفلها يريد الحنان، ولا يسوغ أبداً أن تكون المكالمات الهاتفية والحديث مع بني جنسها مدعاة لانشغالها عن صبيتها ورعايتهم، والأب كذلك هو الآخر، ولهذا يوصي ﷺ في حديث جابر في الصحيحين؛ يوصي أن نحرص على رعاية الأبناء وحمايتهم مما قد يصيبهم من أضرار، يقول ﷺ : (إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ)، فهو يأمرنا ﷺ أن نحرص على صحتهم وأن نحرص على إبعادهم عما قد يضر بصحتهم، ودخل ﷺ فسمع صوت صبي يبكي، فقال: (ما بال صبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين)، والحديث رواه الإمام أحمد.
ولهذا يوصي ابن القيم ﵀ برعاية هذا الجانب، فيقول: ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره، من حرد وغضب ولجاج وعجل وخفة مع هواه وطيش وحدة وجشع فيصعب عليه تلافي ذلك.
إن هذه الجوانب مطلوب من الأب والأم أن يرعاها.
стр. 615
الحاجة إلى رعاية جوانب الشخصية المختلفة
التربية الفردية ثالثاً حتى تكون متكاملة، ينبغي أيضاً أن ترعى جوانب الشخصية المختلفة، إن المرء له جوانب عقلية، وجوانب معرفية وجوانب وجدانية، إن التربية ينبغي أن ترعى هذه الجوانب كلها، وعلى سبيل المثال لنلقي نظرة سريعة عاجلة على التربية والتعليم الذي نراه على مستوى الأمة الإسلامية، هل التربية المدرسية الآن ترعى هذه الجوانب كلها، أم أنها تتعامل مع جانب واحد فقط من هذه الجوانب، ماذا يتلقى الطالب وماذا تتلقى الطالبة في المدرسة؟ إن الذي يتلقاه في المدرسة لا يزيد على أن يكون معلومات معرفية مجردة جافة، وحتى هذه المعلومات يأخذها تلقيناً ويطلب منه أن يعتاد على أن يسمع ويطيع، وأن يعتاد على مبدأ التسول الفكري، وعلى أن يلغي عقله وتفكيره، فكل ما يقوله له والده صواب لا يقبل الخطأ وكل ما يقول له أستاذه صواب لا يقبل الخطأ، بل لا يقبل النقاش، وكل ما يسمع في المجتمع من هنا وهناك صواب لا يقبل الخطأ.
إن هذه معشر الإخوة الكرام تربية غير متكاملة ولا متوازنة، إننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في مناهجنا التربوية لننظر هل تغطي هذه الجوانب فعلاًً؟ أسألكم بالله كم عدد الشباب والفتيات الذين يعيشون في سن المراهقة وجحيمها ويعانون من المشكلات التي تثور مع هذه المرحلة؟ فهل مناهج التعليم في العالم الإسلامي تتعامل مع هذه المرحلة بما يليق؟ وهل مناهجنا التربوية وأساليبنا التربوية كفيلة بحل مشكلات هؤلاء الشباب؟ كم نرى في العالم الإسلامي من رواد الجامعات والمدارس ممن يكونون ضحية للمخدرات، أو ضحية للانحراف الجنسي، أو ضحية للخلل هنا وهناك، فأين أثر التربية؟ أظن أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في أن التربية هنا تربية غير متكاملة، فهي لا ترعى إلا جانباً واحداً فقط هو الجانب المعرفي وحده.
стр. 616
الحاجة إلى التكامل في جوانب الفرد
رابعاً: وحتى في جوانب الفرد نحتاج إلى التكامل، ولأضرب على ذلك مثلاً: فالتربية العلمية بحاجة لأن تكون تربية متكاملة متوازنة، وهذا يعني أن تتنوع التخصصات وأن يتربى طالب العلم على أن يحمل رصيداً متكاملاً، وخلفية علمية متكاملة مما يحتاج إليه في مرحلته وسنه.
ويعني أيضاً أن يتعلم أدوات البحث ووسائل المراجعة، وألا يكون التعليم قاصراًً على مجرد شحن ذهنه بالمعلومات، وحين نمعن في مراجعة التربية المعرفية والعلمية وحدها نجد أن هناك شرخاً واضحاًً في هذا الجانب، فما بالكم بسائر الجوانب الأخرى.
وأختم الحديث عن الجانب الفردي بعبارة للحسن ﵁ وكأنه يخاطب بها جيل الصحوة يقول: العالم على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلباً لا تضروه بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا تضروه بالعلم فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد ﷺ -يقصد بذلك الخوارج- ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا.
إذاً: فحري بجيل الصحوة أن يتربى تربية متكاملة تعنى بالعبادة الحقة والصلة بالله ، وتعنى بالجانب العلمي والمعرفي، والجانب العملي والدعوي والتطبيقي، وأي تركيز في جانب على حساب بقية الجوانب إنما هو خلل تربوي ينتج تربية نشازاً قد نرى نتائجها المرة فيما بعد.
стр. 617
التربية على مستوى المجتمع
стр. 618
ألا تكون التربية نخبوية
أكتفي بهذه الأمثلة على المستوى الفردي لأنتقل بعد ذلك إلى التربية على مستوى المجتمع، وهو العنصر الثالث من عناصر هذا الدرس، فالتكامل والتوازن مطلوب على مستوى المجتمع ككل وهذا يعني: أولاً: ألا تكون التربية نخبوية فتخص فئة من الناس دون غيرهم، لا شك أنه جميل ومطلوب منا أن نعنى بتربية النشء وتربية الشباب وتربية طلاب العلم وأن تصرف جهود كبيرة في ذلك، لكن أيضاً حين نغفل عن تربية قطاع مهم من قطاعات المجتمع كقطاع المرأة والفتاة، أو عن التعامل مع قطاعات أخرى من قطاعات المجتمع بالتربية التي تليق بهم وتتناسب معهم فإن هذا خلل تربوي.
التربية المتكاملة تعني أن تتعامل مع طبقات المجتمع كلها، ولا شك أننا قد نعطي فئة وشريحة من شرائح المجتمع قدراً من العناية والتربية أكثر من غيرها من الشرائح، لكن هذا شيء وإهمال سائر الشرائح شيء آخر.
إنك تسر وأنت ترى الجهود المبذولة في تربية الشباب وتربية الجيل، لكن يدركك الأسف ويرجع إليك البصر خاسراً وهو حسير حين تتأمل في الجهود المبذولة لتربية الفتاة وتربية المرأة، فما هي الجهود التي تبذل لتربية هذا القطاع المهم من قطاعات المجتمع؟ تربية الطفل، ما حجم الكتابات والأعمال والجهود والمدارس التربوية التي تقدم للطفل المسلم؟ الذي يرى الأفلام وهو في منزله تحكي له الشرك بالله ، وهي قضية نراها جميعاً.
الطفل الذي يتربى على الشهوات من صغره، الذي يتربى على المبادئ المنحرفة، أي جهد تربوي يصرف لهذا القطاع من قطاعات المجتمع! وقل مثل ذلك في سائر الطبقات.
стр. 619
تكامل الجهود التربوية
والتربية المتكاملة في المجتمع تعني ثانياً: أن تتكامل الجهود وتتظافر في كافة المؤسسات التربوية بين المنزل والمدرسة والنادي ووسائل الإعلام والمسجد.
أيليق أن تربي المدرسة الشاب تربية يسمع نقيضها بعد ذلك في الشارع ويراها في وسائل الإعلام؟ إننا نعيش ازدواجية تربوية فيسمع من خلال هذا المنبر في خطبة الجمعة حديثاً يرى نقيضه حين يخرج، يرى نقيضه في الشارع، يرى نقيضه في النادي، يرى نقيضه في وسائل الإعلام، يرى نقيضه في المنزل، يسمع حديثاً في المدرسة من أستاذه ثم يرى نقيضه بعد ذلك في سائر المؤسسات.
إن مثل هذا السلوك -معشر الإخوة الكرام- لا يعدو أن يخرج لنا جيلاً يعيش في حلقات المكر وفي دوامة حين يربى على التناقض، فالمسجد والمدرسة تدعوه إلى شيء، ووسائل الإعلام والشارع والمنزل يدعوه إلى شيء آخر، إننا حين نكون جادين في تربية الجيل فلتتكامل المؤسسات التربوية كلها في المجتمع لتسير في خط يتفق مع عقيدتنا الإسلامية، يتفق مع منهجنا، يتفق مع هوية الأمة، وحينئذ نرى الثمار يانعة بإذن الله.
стр. 620
التكامل داخل المؤسسة التربوية الواحدة
والتربية المتكاملة تعني ثالثاً: أن تتكامل التربية داخل المؤسسة التربوية الواحدة: المنزل هو الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهو الدائرة التي يطل منها الطفل على الحياة، لكننا نرى أحياناً تناقضاً تربوياً بين قطبي الأسرة (الأب والأم)، فالأب مثلاً له كلمة تخالف كلمة الأم، والأم لها منهج يخالف منهج الأب، وماذا نتصور من شاب صغير أو فتاة صغيرة ترى التناقض وازدواجية التوجيه داخل البيت من الأم والأب؟ إنه قد يكون هناك خلاف بين الأب والأم حول بعض الوسائل التربوية، قد يكون بينهم خلاف حول بعض الأساليب، قد يكون بينهم خلاف حول الحلول لبعض المشكلات، وهذا أمر طبيعي، بل ينبغي أن تختلف وجهات النظر، لكن هذا شيء وبروز هذا الخلاف على السطح شيء آخر، حينئذ يعيش الطفل عيشة غير سوية.
стр. 621
التكامل بين الوسائل التربوية
والتكامل والتوازن يعني رابعاً: التكامل بين الوسائل التربوية من خلال التوجيه المعرفي والعملي والتطبيق والقدوة والترغيب والترهيب والقصة، والتوجيه المباشر والتوجيه غير المباشر.
إننا وللأسف في مجالات كثيرة لا نحسن إلا أسلوباً واحداً، أسلوب التوجيه المباشر، أسلوب الأمر والنهي، أسلوب الترهيب والوعيد والعقوبة.
فمثلاً: من هو الأب الذي يكافئ ابنه ويثني عليه حين يحسن؟ والأستاذ الذي يكافئ تلميذه حين يبدو منه موقف يستحق المكافأة والثناء، وحين نستخدم العقوبة فإننا ينبغي أن نستخدم الثناء بالقدر نفسه، وحين نستخدم الترهيب فإننا ينبغي أن نستخدم الترغيب بالقدر نفسه، وحين نستخدم التوجيه المباشر فإننا ينبغي أيضاً أن نستخدم التوجيه غير المباشر بالقدر نفسه.
إننا -أيها الإخوة- نفتقر كثيراً في مؤسساتنا التربوية، في المدرسة والمنزل، بل ربما أحياناً في الدرس التربوي والحلقة التربوية في المسجد، نفتقر إلى التكامل بين الوسائل والأساليب التربوية، فلا نكاد نجيد إلا أساليب محدودة ربما تصب في قالب واحد، ولا شك أن هذا ينتج لنا تربية نشازاً، وحين نقرأ القرآن الكريم نجد أن القرآن ينوع بين الترغيب والترهيب والقصة والموعظة، وبين الثناء والعتاب على الخطأ، وسنة النبي ﷺ نراها كذلك، فهو ﷺ تارة يثني على أحد أصحابه وتارة يعاتبه وتارة يغضب عليه، وتارة يوجه ﷺ توجيهاً مباشر وتارة يوجه توجيهاً غير مباشر، وهكذا نرى في هديه ﷺ التكامل بين الأساليب والوسائل التربوية، وأي منهج يريد أن يقتفي سنته وهديه لابد أن يأخذ على عاتقه التكامل والتوازن في استخدام هذه الوسائل التربوية.
стр. 622
أمور تعين على تحقيق التوازن والتكامل
стр. 623
التخطيط والترتيب
وبعد ذلك ننتقل إلى العنصر الرابع وهو: أمور تعين على تحقيق التكامل والتوازن.
والحديث فيما سبق كان عن شيء من مضمون التوازن والتكامل، وأرى أن ما ذكرته لا يعدو أن يكون أمثلة تدل على ما سواها ومعالم تقود إلى غيرها.
بعد ذلك ننتقل إلى أمور وخطوات أظن أنها قد تكون معينة لنا على أن تتكامل تربيتنا وأن تكون متوازنة: أولها: التخطيط والترتيب للعملية التربوية: معشر الآباء ومعشر الأمهات: من منكم يجلس مع نفسه ويفكر تفكيراً هادئاً في واقعة مع ابنه أو مع ابنته كيف سيتعامل مع هذه المشكلة ومع تلك؟ وكيف سيحقق هذا الهدف أو ذاك؟ وأسأل الأستاذ والمربي: كم يأخذ منا التفكير والتخطيط والترتيب للعملية التربوية؟ وحينئذ ندرك سر الخلل؛ لأن التربية صادرة عن تصرفات مرتجلة لم تكن معدة من قبل.
стр. 624
وضوح الأهداف واتفاقها مع الشرع
ثانياً: وضوح الأهداف واتفاقها مع الأهداف الشرعية ومع نصوص الشرع: إننا ينبغي أن نرسم أهدافاً نريد أن نصل إليها، ونريد بهذه التربية التي نقدمها أن يصل الشاب والفتاة لمنزلة معينة وفق أهداف مرسومة، وهذه الأهداف ينبغي أن تكون منضبطة مع النصوص الشرعية، فالتربية الغربية التي تدعو إلى تكوين المواطن الصالح تربية مرفوضة في المنطق الشرعي؛ لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة لا تعرف الحدود والحواجز، وحين نربي أبناءنا وبناتنا على الإقليمية والعنصرية فإن هذا هدف غير شرعي، وأخطر من ذلك حين تتطور القضية على المستوى الفكري الذي يطرح في الساحة، فنربي الناس على التعلق بالقومية والشعارات الوطنية، إن هذا يخرج لنا أمة متنافرة متناقضة.
وحين نربي أبناءنا وبناتنا على أن يكون الهم الأول والأكبر لهم هو تحصيل المادة، وعلى أن يكون هم التعليم وهدفه تحصيل الشهادة، فإن هذه أهداف مرفوضة لا تتوافق مع أهداف التربية التي يريد الله أن تخرج المسلم العابد المتجرد لله .
стр. 625
المراجعة المستمرة
ثالثاً: المراجعة المستمرة: إننا ينبغي أن نراجع مناهجنا التربوية كثيراً، وأن نراجع الأساليب والوسائل التي نستخدمها في بيوتنا، وفي مدارسنا وفي غيرها من مؤسساتنا التربوية، بأن نراجع المناهج، والكتب، ويكون ذلك لتحقيق الأفضل والأشمل، وينبغي أن نعرف أن كل إنجاز وبرنامج تربوي نرسمه إنما هو جهد بشري، وحين يكون جهداً بشرياً فإن هذا يعني أنه لا يستغني عن المراجعة ولا يستغني عن التصحيح، وحين نرفض المراجعة والمناقشة فإن هذا يعني أن نبقى على ما نحن عليه من أخطاء ونبقى على ما نحن عليه من زلات ومن هفوات.
стр. 626
عدم الاستجابة لردود الفعل
رابعاً: عدم الاستجابة لردود الفعل: وغالب الخلل -معشر الإخوة الكرام- الذي ينشأ في رعاية هذا الجانب إنما هو ردة فعل، والاستجابة لردود الفعل تولد الانحراف.
إن المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب إنما قالوا قولهم هذا ردة فعل لأولئك الخوارج الذين غلو فكفروا مرتكب الكبيرة، والنواصب الذي ناصبوا آل بيت النبي ﷺ العداء إنما جاء موقفهم ردة فعل لانحراف الرافضة الذين يسبون أصحاب النبي ﷺ ، والذين شبهوا الله بخلقة إنما انطلقوا من ردة فعل لأولئك الذين نفوا صفات الله .
وهكذا ترى مدرسة التمسك الحرفي بالظاهر إنما جاءت ردة فعل للتقليد المقيت، وقل مثل ذلك في المدارس الفقهية والتربوية، بل حتى الاجتهادات في مسائل كثيرة تراها غالباً ما تأتي ردة فعل.
نعود إلى الجانب التربوي، حين يكتشف الإنسان في تربيته لنفسه أولاً أنه قد وقع في خطأ فركز على جانب على حساب جانب آخر مثلاً، فيكتشف هذا الخطأ ويريد معالجته فإنه غالباً ما يجنح إلى ردة الفعل فيغلو في الجانب الثاني على حساب الجانب الأول، ويبدأ يتقلب بين طرف وآخر، وقد تكون ردة فعله تجاه خطأ غيره، فهو مثلاً قد يرى غيره يعتني بالعبادة على حساب طلب العلم الشرعي وعلى حساب الدعوة فيرى أن هذا خطأ، فيعالج هذا الخطأ بخطأ آخر فيهمل جانب العبادة ويهمل التقرب إلى الله ، ويعيش قاسي القلب ليس له حظ من عبادة الله والتوجه له، وقل مثل ذلك في سائر الجوانب.
فينبغي أن نحذر معشر الإخوة الكرام ونحن نعالج أخطاءنا من ردود الأفعال، وأن نحذر أيضاً ونحن نعالج أخطاء الآخرين من ردود الأفعال وأن تكون مواقفنا متزنة.
إن ردة الفعل أدت ببعض الناس إلى الانحراف في المعتقد، أدت بهم إلى أن يضعوا مناهج فقهية وتربوية للتعامل مع النصوص، أدت بهم إلى أن يقفوا مواقف واجتهادات ليست إلا ردة فعل من موقف الآخرين الذين وقعوا في هذا الخطأ أو ذاك.
стр. 627
تنبيهات
стр. 628
التوازن ليس معناه التساوي
والعنصر الأخير هو تنبيهات حول ما سبق الحديث فيه: أولاً: إننا حين ندعو إلى التوازن في التربية فندعو مثلاً الشاب إلى أن يكون له نصيب من العبادة والصلة بالله والبعد عن الدنيا، ونصيب من العلم الشرعي، ونصيب من الدعوة إلى الله وإنكار المنكرات، ونصيب من أبواب الخير، فإن التوازن ليس مرادفاً للتساوي والتعادل، فإن الناس طاقات ومواهب وقدرات.
ثم إن الأمة الإسلامية تحتاج أبواباً كثيرة قد تؤدي وتدعو إلى أن يربى بعض الناس على جانب، وأن يعنى بعض الناس بجانب ويعنى الآخرون بجانب آخر، فحين ندعو إلى التوازن فإننا لا ندعو بالضرورة إلى أن تكون النسب متساوية تماماً ومتعادلة، إنما التوازن يعني ألا تكون -مثلاً- عبادة الإنسان على حساب عنايته بالعلم الشرعي، وألا يكون طلبه للعلم على حساب صلاح قلبه، أو على حساب دعوته، وقل مثل ذلك في سائر الجوانب.
ثانياً: أيضاًً هذا لا يعني إهمال التخصص، فالناس خلق لهم الله عقولاً وقدرات، كما قال الإمام مالك: رب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصيام، ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الذكر، ورب رجل فتح له في العلم ولم يفتح له في الجهاد، وما أظن ما أنا عليه بخير مما أنت عليه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.
قال هذا ﵀ لذاك الذي أنكر عليه العناية بالعلم، ودعاه إلى التفرغ للعبادة، فلابد من التخصص، ولابد أن يعنى فلان بجانب من الجوانب، وقد يكون مثلاً على حساب غيره، لكن هذا التخصص ينبغي أن يكون بقدر لا يخرج المرء عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يكون عند الناس جميعاً.
إذاً: -أيها الإخوة الكرام- إن التكامل والتوازن لا يعني إهمال التخصص، ولا يعني إهمال القدرات الشخصية التي قد يفوق فيها فلان من الناس غيره، ولا يعني أيضاً أن تكون هذه الأمور كلها بنسب متعادلة، لكن لا يليق مثلاً بمن اشتغل بالعلم والتعلم وصرف نفيس وقته لذلك أن يهمل جانب العبادة وحظه منها إهمالاً واسعاً بحيث يؤدي به إلى قسوة القلب، وأن يكون بعيداً عما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم من سمت، وقل مثل ذلك في من يدعو إلى الله ومن يحتسب على إنكار المنكرات العامة، وأظن أن القضية واضحة لدى الإخوة.
هذا ما أردت الحديث عنه حول هذه القضية التربوية، وهي قضية التكامل والتوازن.
أسأل الله أن يجعل الخير والبركة فيما قلنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
إنه سميع قريب مجيب، وأترك بقية الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة الكرام.
стр. 629
الأسئلة
стр. 630
عتاب على عدم إلقاء محاضرة في المدينة النبوية
السؤال
لماذا أنتم وسائر الدعاة منقطع عن مدينة رسول الله ﷺ مع أنها أحوج ما تكون لذلك، وخاصة في هذه السنوات الأخيرة؟
الجواب
أولاً: الأخ الذي يوجه التهمة والسؤال ينبغي أن يعرف الواقع، فأنا لم أتلق أي دعوة إلى الآن لزيارة المدينة النبوية، وأظن أن الدعوات التي ترد إلينا لا يستطيع الأخ أن يأتي بجزء منها، فكيف يذهب يتبرع ويعرض نفسه؟ وإن كان هذا أمراً ينبغي أن يفعله الدعاة إلى الله ، لكن وقت الإنسان لا يسمح بالإجابة لدعوات غيره، ثم أحب أن أقول كلمة للإخوة جميعاً: يجب ألا نعتمد على التسول، وألا نعتمد على الآخرين، وننتظر من الآخرين أن يقوموا بنا، إذا كنا نشكو من مشكلات في بلادنا ومدننا وقرانا أياً كانت، فينبغي أن نسعى في حلها من تلقاء أنفسنا، أنا أجزم أن أي مدينة وأي منطقة مثلاً يطلب فيها الشباب محاضرات، وإلقاء محاضرة أنا أجزم أني سأجد في كل مدرسة ثانوية، وكل مدرسة متوسطة للبنين والبنات سأجد فيها عدداً من المدرسين الأخيار، ولو قام هؤلاء بمسئوليتهم ودورهم لصنعوا أكثر مما يصنعه شخص يلقي محاضرة ثم ينصرف.
وقل مثل ذلك في شأن الآباء وخطباء الجمعة وغيرهم، فلا يسوغ أن نحمل المسئولية الآخرين وأن ننسى الجهد والدور الذي ينبغي أن نقوم به نحن، وأظن أنه قد يكون أكثر من ما يمكن أن يقوم به الوافد.
стр. 631
توجيهات للمربين في المراكز الصيفية
السؤال
هل من كلمة للإخوة المربين في المراكز الصيفية حتى يستطيعوا تقسيم ثمرة الجهد؟
الجواب
نقول للإخوة المربين والذين يتولون مثل هذه الثغور: إنهم على ثغور مهمة فينبغي لهم أولاً: أن يدركوا قيمة العمل الذي يقومون به، ولا يستهينوا به، فقد يرون مثلاً هذا العمل يشغلهم عن قضايا شخصية يريدونها، قد يكون بعضهم يريد أن يجعل من الإجازة فرصة للقراءة مثلاً العلمية، أو لجولات دعوية معينه، أو لبرامج يريدها لنفسه، فيرى أن مثل هذا العمل يشغله عنها، أو قد يزهد أحياناً فيما هو عليه حين يرى ما عليه الآخرون، أقول: أول وصية ألا يزهدوا فيما هم عليه، وأن يروا أنهم على ثغور مهمة وأن دورهم لا يقل عن دور غيرهم، فعليهم أن يعتنوا بالبقاء على هذه الثغور وحمايتها، وألا يفكروا في التحول عنها.
ثم أن يتقوا الله في هؤلاء الشباب الذين جاءوا يطلبون الخير والصلاح والاستقامة، ووثق أهلهم فيهم فسلموهم أولادهم، والقضية ليست أمانة شخص، إنما الصحوة كلها مرهونة بهذا الجيل، والمربون الآن يتحملون أمانة ومسئولية إعداد هذا الجيل ليستلم القيادة، وأي خلل في تربيتنا وأي خلل في هذه الأمانة يحدث شرخاً في الأمة كلها؛ لأننا نحن نربي القادة، ونربي الجيل، فأرى أن المسئولية التربوية أبعد أن تكون مسئولية عن شخص وفرد بعينه، وإن كانت هذه بحد ذاتها مدعاة للمربي أن يدرك الأمانة والمسئولية، إنها مسئولية الأمة كلها أجمع من خلال إعداد هذا الجيل، فنصيحتي لإخواني في المراكز الصيفية وغيرهم من المربين أن يضعوا هذا الأمر نصب أعينهم.
стр. 632
توجيهات لكبار السن في مراعاة التغير الاجتماعي في التربية
السؤال
هناك كثير من كبار السن عندهم أخطاء في التربية، يظنون أن طرقهم التي يستغلونها ويعملونها طرق تربوية حقيقية، وهي ضد ذلك؛ بدليل النتائج المزرية لهذه الأعمال، فنريد توجيه كلمة من فضيلة الشيخ لهؤلاء؟
الجواب
المشكلة أن عند الآباء أن الأب تربى في عصر وجيل له طبيعة خاصة، وظروف خاصة فيريد أن يصب الابن في القالب الذي عاش فيه هو، وأظن أننا أشرنا إليها في شريط (يا أبت)، مثلاً الأب في هذا السن عاش في وضع كانت المرأة عندما تخرج تلتصق بالحائط وتبتعد عن الناس، والمجتمع محصور وليس متصلاً بمجتمعات أخرى، واليوم يعيش الشاب في البيت وهو يرى مشهداً عارياً تماماً، يرى مشهداً ساقطاً، يرى أموراً لا قبل له بها، والأب يعيش في عالم آخر وهو لا يدري ما يعيشه الابن.
الابن يعيش ازدواجية في التوجيه من المدرسة، من الأسرة، من هنا وهناك، يعيش مشكلات لم يكن يعيشها الأب؛ ولهذا لا يسوغ أن يصب الأب الابن في القالب الذي عاش فيه، بل يرعى هذا الفرق.
أنا أتصور أن أكبر الأسباب أن الأب عاش في عصر وجيل وتربى على نمط معين يريد أن يربي ابنه أو بنته على هذا النمط الذي عاش عليه، فيجب أن ندرك التغير الذي حصل في المجتمعات والفروق.
أيضاً يجب أن يكون عندنا استعداد لأن نراجع أنفسنا، وها أنت ترى الأسلوب الذي تسلكه لم ينجح، فلماذا لا تعيد النظر؟ ولماذا نستعصي على أنفسنا أن نقول: إننا قد أخطأنا وكل إنسان يقع في الخطأ حتى العلماء والصالحون، فما بالك بمجرد أب أو أستاذ، فهو أكثر عرضة لأن يقع في الخطأ من أولئك الذين هم على صلاح واستقامة وعلم، فعندما يضع الأب والمربي هذين الاعتبارين في ذهنه أعني: جانب الفرق بين المجتمعات التي عاشها والتي يعيشها الآن، وجانب احتمال الخطأ والمراجعة، أظن أنه سيتجاوز كثيراً من هذه المشكلات.
стр. 633
معالجة الخلل في التربية
السؤال
تحدثت عن التوازن والتكامل للتربية، لكن ماذا لو ربي الابن على غير ذلك؟ وما هي طرق التصحيح للخطأ الأولي عند الانتباه؟
الجواب
يعني: أنت قد تركز على جانب من الجوانب أكثر من غيره في التربية لحل مشكلة معينة ولحل خطأ، لكن هذا تصحيح فقط في مرحلة التصحيح بعد ذلك تعود إلى التوازن، أضرب لك مثلاً: الإنسان يجب أن يربى بتوازن بحيث يجد من والده ومن أمه نوعاً من العاطفة، ورعاية هذه الجوانب عنده، ثم نوعاً من الحزم، فيتربى بين هذه الخيوط المتقابلة، فحين نجد الابن متربياً تربية عاطفية بحتة، أو متربياً على القسوة فنريد أن نعيده للتوازن قد نضطر إلى أن نرتكب خللاً تربوياً متعمداً طبعاً ليس خللاً شرعياً إنما في أسلوب من الأساليب، حتى يعود بعد ذلك إلى الوضع الذي نريده ثم نعيش بعد ذلك مرحلة متوازنة، لكن هذا وضع مؤقت وجانب مؤقت.
مثلاً: الفاسق المعرض قد نركز معه على جانب الترهيب حتى يعود إلى صوابه وحينئذ نتعامل معه بمنطق الترغيب والترهيب، والعكس فالإنسان الذي عنده غلو وعنده مشكلات في الغلو، يمكن أن تعطيه نصوص الرجاء وتركز عليها حتى نعيده إلى الوسط، ثم بعد ذلك تتعامل معه تعاملاً متوازناً.
стр. 634
كيف يعرف الداعية أنه على منهج متوازن متكامل
السؤال
إذا كان الشاب سائراً في طريقه في الدعوة إلى الله ، فكيف يعرف أنه سائر على منهج متكامل متوازن كما تدعون إليه في هذه المحاضرة؟
الجواب
المراجعة الدائمة مهمة، أن نراجع كيف نربي أنفسنا، وكيف نربي غيرنا، ونراجع مناهجنا التربوية، والمراجعة بالمصطلح الشرعي هي محاسبة النفس وهي الكفيلة باكتشاف الأخطاء خاصة هذه الجوانب، فهناك مثلاً أخطاء في حياة الإنسان قد تكون ظاهرة أو واضحة، لكن هناك جوانب قد تكون خفية ولا يدركها الإنسان، فعندما يحاسب نفسه يستطيع أن يكتشف أخطاءه.
стр. 635
الموازنة بين الحكمة والمداهنة
السؤال
كيف نوازن بين الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين المداهنة والخوف؟
الجواب
هذه من القضايا التي يكون فيها إشكال، بعض الناس لا يعرف إلا الحديث عن الرفق والحكمة وينسى أن هناك نصوصاً شرعية تأمر بالجهر بالحق والصدع به، وأن هناك نصوصاً تأمر بالأخذ على يد الظالم، وأن النبي ﷺ بايع أصحابه على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وأن يقولوا بالحق حيث كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، بل إنه ﷺ قال: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، فلا يسوغ مثلاً أن نركز على هذا الجانب، وأن نربي الناس عليه على حساب الجانب الآخر، والعكس أيضاً، فلا يسوغ أن نربي الناس على الاندفاع، ونهمل الجانب الآخر من الرفق والحكمة وأخذ الناس بحسن التعامل، مع ملاحظة أن الحكمة ليست مجرد فعل الرفق، فقد يكون من الحكمة الحزم والقسوة، وقد يكون من الحكمة الرفق، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه.
следующие страницы →