Полный текст (1 904 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير
كذلك من الأساليب الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير.
بعض الناس عندما تخاطبه يقول لك: أنا مقصر والله المستعان، ونسأل الله أن يتوب علينا، وتنتهي القضية هنا! وهذا لا يكفي.
نعم الاعتراف بالتقصير عندما أناقشك في أمر سابق، أو أناقشك عن فترة سابقة وأقول لك: كنت مقصراً، كنت تفعل كذا وكذا؟ فيحق لك أن تقول: نعم أنا كنت مقصّراً، وأسأل الله أن يتوب عليّ، لكن لا يصح أن تكون قاعدة! يا أخي! إذا عرفت أنك مقصّر، فما الواجب عليك؟ وللأسف أن هذا المنطق أحياناً يستعمله بعض الأخيار، وبعض الناس من طلاب العلم، ألا تدري يا أخي أن تقصيرك هذا يُعتبر معصية لله؟ فلم أنت تتورع عندما تفوتك صلاة الجماعة؟ وتتورع أن تقع في أي معصية من المعاصي ولا تتورع عن إخلالك بهذا الواجب الشرعي، ما الفرق بينهما؟ أليست واجبات شرعية؟ قد يتفاوت مثلاً قدر وجوبها لكنها تشترك بأنها واجبات شرعية، فالذي أوجب عليك صلاة الجماعة أوجب عليك هذا الواجب، والذي أوجب عليك بر الوالدين وأوجب عليك كل التكاليف الشرعية أوجب عليك ذلك، فلم نراك تعتني بالنوافل أحياناً وتحاسب نفسك عليها حساباً عسيراً وعندما نخاطبك بأمور الدعوة وأمور خدمة الدين لا تزيد على أن تقول: إنني مقصر وأسأل الله أن يتوب عليّ؟ إذا كنت مقصّر فهذا يعني أنه تقصير ستحاسب عليه أمام الله كما تُحاسب على غيره من الأعمال، فالنبي ﷺ يقول: (إن الله ليسأل العبد المؤمن حتى ليسأله يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فيقول: يا ربي خشية الناس فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى).
стр. 912
انتظار فتح المجال
أسلوب آخر: انتظار فتح المجال.
بعض الناس يريد أن يُفتح له مجال رسمي، أو أنه مثلاً يُعطى توجيهاً معيناً أو تكليفاً معيناً، وليس عنده استعداد بعد ذلك أن يعمل ولا أن يقدم خدمة لدين الله ، والإجابة نقرأها في قصة لـ عبد الحميد بن باديس ﵀ حين قال له الحاكم الفرنسي: إما أن تقلع عن تعليم تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت لك الجنود ليغلقوا المسجد، فقال عبد الحميد بن باديس: لا تستطيع ذلك، قال: كيف؟ قال: إذا أتيت إلى عرس ذكّرت الناس المحتفلين، وإذا أتيت إلى مجلس عزاء وعظتهم، وإذا ركبت في حافلة ذكّرت المسافرين، وإذا سجنتموني وعظت المسجونين، وإذا قتلتموني التهبت مشاعر المواطنين، وخير لك أيها الحاكم أن لا تواجه الأمة في دينها.
أي: فافعل بي ما تشاء فأنا لا زلت أحمل هذه الدعوة معي إلى أي مكان وأنقل هذه الدعوة حتى تقتلني، وحينئذ ستلتهب مشاعر الناس وسيكون قتلي شهادة، وبعد ذلك يعرف الناس أنك رجل مواجه للأمة في دينها وهذا يدعوهم إلى أن يتمسكوا بدينهم فنريد مثل هذا المنطق، نريد أن يكون عندنا مثل هذه الروح التي كانت موجودة عند عبد الحميد ﵀ أنه لا ينتظر فتح المجال، بل هو نفسه يستغل هذه المجالات ويسعى لفتح المجالات، ثم هبوا أنها أُغلقت أمامنا الأبواب، هل يعني هذا أن نتخلى عن الدعوة؟ هل يعني هذا أن نتخلى عن تبليغ دين الله ، وعن إعداد الأمة؟ لا يمكن أبداً.
كذلك انتظار التكليف والتوجيه، فبعض الناس ينتظر تكليفاً مباشراً وعنده استعداد لما يُكلف به من جهة رسمية أو من أستاذ له أو من شخص يثق به فعندما يحدد له واجباً يقوم به خير قيام، لكن ليس عنده مبادرة فردية.
يا أخي عندك تكليف قبل هذا كله من الله وتكليف من الرسول ﷺ ، والذي كلّف من يكلّفك هو الله وقد أمرك بالأمر والنهي، أمرك بالدعوة، هذا تكليف فوق تكليف البشر.
стр. 913
عدم وجود الثمرة
كذلك أحياناً من الأساليب عدم وجود الثمرة: بعض الناس يرى أنه لم يثمر، يرى أنه عمل ولم ينتج، أو يرى أن هذا العمل أصلاً غير منتج، إما أنه يفترض أنه غير منتج وهو ما دخل فيه إلى الآن، أو أنه قد عمل عملاً ولم ير له نتيجة، فنقول: أولاً: هذا ليس صحيحاً أبداً وهي قضية يدركها الجميع، فإن كل مجال من مجالات الدعوة نتائجه -ولله الحمد- ظاهرة وبارزة، يدركها الجميع.
ثانياً: هب أنك لم تنتج، هب أنه لم يحصل ثمرة، هل أنت مكلف بهذه النتيجة؟ هل أنت مكلف بهداية الناس، ومحاسب عند الله كم يهتدي على يديك من إنسان، وكم يترك المعصية لأجلك من إنسان؟ أم أنك محاسب على القيام بهذا الواجب؟ فالتكليف ليس عائداً على أن يهتدي على يديك فلان أو فلان من الناس؟ وهل أنقذت فلاناً أو فلاناً من الناس؟ بل التكليف عائد على: هل قمت بهذا الواجب أم لا فقط؟ ولذلك يقول النبي ﷺ : (يأتي يوم القيامة النبي وليس معه أحد، والنبي ومعه الرجل والرجلان).
إذاً هذا النبي لم يكن لدعوته ثمرة ظاهرة أمامه في الدنيا، ولكن هل يعني هذا نقصاً من حقه؟ بل هذا النبي أفضل من الدعاة الذين يهتدي على يديهم الآلاف؛ لأن هذا نبي رسول وأولئك من عامة الناس، فليست العبرة فيما أنتجت، وكم اهتدى على يديك؟ بل العبرة: هل قمت بالواجب الشرعي أم لا؟ مع أنه لا يوجد عمل يقوم به أي إنسان إلا ويرى ثمرته ظاهرة، وهذا من عاجل بشرى المؤمن، ومن رحمة الله بنا أن نرى الثمرة أمامنا عاجلة، وإلا فإن الثمرة الحقة هي ما نراه عند الله ، ونحن لا نقول لأي إنسان: طهّر المجتمع من المنكرات، أو اهد فلاناً أو فلاناً نقول فقط لكل إنسان: قم بواجبك فقط، ولا يهمك بعد ذلك أن تنجح الدعوة أو لا تنجح، أو أن يزول المنكر أو لا يزول، هذا أمر بيد الله ، ثم بعد ذلك أنت إذا رأيت نتيجة عملك محدودة فبإمكانك أن تعيد النظر، قد يكون أسلوبك خاطئاً، قد يكون عملك غير دقيق، قد يكون هناك طريقة أخرى أفضل من تلك الطريقة التي سلكتها.
стр. 914
المبالغة في الإشادة بإنجازات الصحوة
وأخيراً من الأساليب: المبالغة في الإشادة بإنجازات الصحوة: لا شك أن الصحوة الآن ولله الحمد موجودة وظاهرة وعامة يدركها الجميع، لكن نحن أحياناً نتعامل مع مثل هذا الواقع، يعني أنت مثلاً تحضر في المركز الصيفي هنا وترى عدداً من هؤلاء الشباب الأخيار، تذهب إلى محاضرة في المسجد ترى مثل هؤلاء الشباب، تذهب تصلي الجمعة فتراهم، تذهب إلى مكة مثلاً في العشر الأواخر فتراهم، ويخيّل لك أن هذه السمة السائدة في المجتمع، لكن يا أخي في الوقت الذي أنتم فيه في هذه المحاضرة هناك الآلاف من الشباب موجودون على الأرصفة، والآلاف موجودون في الأسواق، والآلاف في أمكنة الله أعلم بها العشر الأواخر الذي تسافر فيها أنت إلى مكة هناك عدد يكاد يكون مثل هؤلاء الشباب بل أضعافهم يسافر إلى الخارج ليتمتع بالشهوات المحرمة، لكنها صورة لا ترى، في الوجه الآخر من المجتمع.
حين يسافر الإنسان إلى أي منطقة يقابل هؤلاء الشباب، وهذا التوجه فيتخيل أن المجتمع كله بهذه الصورة! فأحياناً نبالغ فنقول: الحمد لله الأمور بخير، ما فيه حاجة لي أنا إذاً هذه النتيجة، يعني في كل مكان هناك من هو قائم بهذا الأمر، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في تربية الشباب، في أبواب الجهاد، في خدمة المسلمين في الداخل والخارج كل الأبواب أبواب ولله الحمد عاملة وأبواب مليئة بالناس فلا حاجة إذاً لنا! ليس صحيحاً أبداً، بل لا تزال الساحة تحتاج إلى أضعاف الأضعاف الذين يعملون بها، وأنا لا أقلل من إنجازات الصحوة بل هي إنجازات يدركها الجميع والذي يقلل منها يتغافل، أو يغفل، لكن أقول: يجب أيضاً أن لا تخدعنا هذه النظرة ونتخيل أننا قطعنا مسافة لم نقطعها بعد.
стр. 915
نماذج قرآنية لتحمل مسئولية الدعوة إلى الله
أخيراً لعلي أن أشير باختصار إلى بعض النماذج التي ذكرها الله في القرآن الكريم من الناس الذين كانوا يدركون مسئوليتهم من آحاد الناس، فمثلاً في قصة موسى لما تآمر عليه فرعون وملؤه قام رجل مؤمن ذكر الله قصته في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] إلى آخر الآيات وحواره الطويل معهم.
رجل مؤمن كان يكتم إيمانه، ما كان من العلماء ولا من المشهورين لكنه رأى أن من واجبه أن يدافع عن موسى، وأن يدافع هذه الدعوة.
نموذج آخر في قصة أصحاب القرية ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣ - ١٤] إلى آخر الآيات وفيها بعد ذلك: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١].
لاحظ معي هنا هذا الرجل الذي لا يظهر لنا من خلال السياق أنه صاحب علم، فالدور الذي قام به يستطيع أن يقوم به كل إنسان، قال: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] يعني غاية ما يقوله للناس: اتبعوا هؤلاء الذين يدعونكم إلى الله ، وإلى دين الله، فلما قُتل هذا الرجل ودخل الجنة ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] لا يزال يحمل هاجس الدعوة حتى بعد أن مات وبعد أن دخل الجنة يتمنى أن قومه الذين قتلوه يعلمون بما غفر الله له، حتى يسلموا، وحتى يتوبوا ويدخلوا الطريق انظر فعلاً إلى ما كان يحمله هذا الرجل من هم، ولذلك يقول ابن هبيرة: تأملت حال هذا الرجل فرأيت عجباً، يقول: جاء من أقصى المدينة ولم يأت من وسطها، وجاء يسعى ولم يأت راكباً نموذج آخر في قصة سليمان لما تفقد الطير وفقد الهدهد: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١] فلما جاء الهدهد قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤] يعني الهدهد يرى أن مسئوليته على الأقل أن يبلّغ عن هذا المنكر الذي رآه، أن يبلّغ عن أمر أحاط به ولم يحط به سليمان، وماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أنه نظراً لأن هذا الهدهد قام بهذا الدور دخلت هذه الأمة في الإسلام ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤] ومن كان وراء إسلامهم؟ البداية كانت من هذا الهدهد.
نريد أن يكون عندنا على الأقل ولو من يحمل روح وعقلية ذاك الهدهد مع أنه غير مكلف، وهي جهود يستطيع أن يقوم بها آحاد الناس وأفراد الناس.
عندما تخاطب أحياناً بعض طلبة العلم وبعض الناس الذين هم على مستويات عالية، بل هم أحياناً أفضل منك يعتذر لك بأنه لا يستطيع، ويذكر لك قائمة من هذه الأعذار التي سبق أن أشرنا إليها، الآن استخرج لي إحصائية سنوية كم يتخرج من الكليات الشرعية عندنا في هذا المجتمع؟ احذف نصفهم، ثم احذف نصف النصف يبقى الربع فقط، فلو أن ربع الخريجين جعل لنفسه في السنة أسبوعاً فقط يذهب إلى منطقة من المناطق المحتاجة، ويحضر له موضوع خلال السنة كلها، ويأتي إلى هذه القرية ويلقي هذه المحاضرة، ثم يلقيها في القرية الأخرى، ويعيدها ويكررها في أكثر من موطن، وآخر جاء وألقى نفس المحاضرة في أكثر من مدرسة مثلاً، والآخر كذا وكذا، لحصل خير كثير.
بل لو أن نسبة عشرة بالمائة فقط منهم من حملة العلم الشرعي لحصل ذلك، لكن أين حملة الرسائل الأعلى رسائل الماجستير والدكتوراه في التخصصات الشرعية؟ وما نتيجة هذا العلم الذي حصّلوه؟ إنه كما قلت الأسلوب الذي نمارسه لنتهرب من المسئولية، ونحن نحتاج من كل إنسان مهما كان تخصصه، ومهما كانت قدراته ومهما كان مستواه إلى أن يقوم بدور
стр. 916
الأسئلة
стр. 917
الاعتذار عن الدعوة بأن المجتمع لا يخلو من المنكرات مهما استمرت الدعوة
السؤال
كيف نرد على من يقول: من أحد المستحيلات أن نجد مجتمعاً نقياً من المعاصي الظاهرة، والمنكرات المنتشرة، فإذا دعونا إلى الله ونهينا عن المنكر فلن نتوقف عن ذلك إلى أن تقوم الساعة؛ لأننا لم نجد ما نسعى إليه كجعل المجتمع كمجتمع الصحابة ﵃، أو مقارباً له على الأقل، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً ليس هناك مشكلة لو استمرت الدعوة إلى قيام الساعة، وهل أنتم تتطلعون إلى وقت تنتهي فيه الدعوة؟ لا تنتهي الدعوة، وستبقى حتى داخل المجتمع الإسلامي، لا بد أن تقع المنكرات.
ونحن عندما نتحدث عن واقع المجتمع وما فيه من المنكرات، وعندما نطالب الناس بالدعوة لا نطالب بأن يكون المجتمع مجتمعاً مثالياً خالياً من المنكرات، فهذا أمر مستحيل، ولكن حتى قضية المثالية والواقعية ما نحددها نحن وإنما يحددها المفهوم الشرعي، فيعود السؤال الذي طرحناه في البداية: هل هذا الواقع يرضي الله ورسوله أم لا؟ فعندما نقول إن المجتمع لا يمكن أن يخلو من المنكرات، يمكن أن يأتينا الناس الذين لا تقام في بلادهم الحدود، ويباح ما حرّم الله، ودستور الدولة يُعارض الإسلام معارضة صريحة ويقول لك: المجتمع لا يخلو من المنكرات، وتأتي في مكان تباح الفواحش علانية وتظهر ويقال لك: المجتمع لا يمكن أن يخلو من المنكرات، فليست هذه حجة شرعية، فوجود أي منكر يطلب منا أن نسعى لإنكار المنكر حتى لو وجد مجتمع يُرضى عنه ويبقى فيه منكرات فيجب علينا أن نساهم في تغيير هذه المنكرات.
стр. 918
استغلال الوقت في طلب العلم أو المشاركة في المراكز العلمية
السؤال
يقول: إنني محتار لأني أحس أن عليّ واجباً بل واجبات كثيرة، ولكني أجد من نفسي التأنيب بأني لا أفعل شيئاً مثل انتمائي للمركز الصيفي للدعوة إلى الله، ولكني أحس من نفسي بأني محتاج إلى طلب العلم، وحفظ القرآن، وغيرها فأجد في نفسي حيرة شديدة جداً أرشدني جزاك الله خيراً.
والسؤال الآخر قريب منه يقول: ما نصيحتك لبعض أصناف الشباب الذين يثبّطونا عن المشاركة في مثل هذه المراكز بحجة أن طلب العلم هو أنفع وأصلح من ذلك؟
الجواب
ليست القضية الآن أيهما أصلح وأنفع، فهذه المراكز لو لم يأت فيها إلا أنها بديل لبقاء الشباب في الشوارع لكانت خيراً، فأنا أقول وبدون مبالغة: لو كانت هذه المراكز فقط يمارس فيها الشباب الرياضة ويجتمعون فقط ويتحدثون مع بعضهم في جو محافظ لكان هذا وحده كافياً، لأن فيه حماية الشباب عن أماكن المنكرات، مع أنها لا تخلو سواء من البرامج العلمية أو من المواعظ التي يسمعها الشباب، أو من غيرها مما ينفعهم ويفيدهم.
وقد لا تستفيد من هذا المركز فوائد علمية لتقصيرك وإهمالك، وإلا فالمركز فيه مجالات وفيه دروس وفيه برامج، والإخوان -أحسبهم والله حسيبهم- من الحريصين على مثل هذا الأمر فما فرغوا أوقاتهم إلا لإفادة الشباب، هذا شيء.
الشيء الآخر: بقية الوقت ماذا تصنع به؟ فالمركز لا يأخذ جميع وقتك؟ وقت الصباح الآن سبع ساعات ونصف، فماذا تصنع فيه؟ جزء كبير منه في النوم، وجزء يضيع هنا وهناك! فإذا كنت حريصاً على وقتك فاغتنم الوقت الآخر، فإذا اغتنمت كل الأوقات في العلم والدعوة وما بقي إلا وقت المركز فيمكن أن نناقش حينئذ مثل هذه القضية.
стр. 919
إشكال عن إنكار المنكر ممن هو واقع فيه
السؤال
كيف نوفق بين قول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) إلى آخر الحديث، وهذا الشخص مقصر وعنده تفريط، وبين قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]؟
الجواب
سبق أن أجبنا عليها، ومن أراد المزيد من هذه فليرجع إلى تفسير ابن كثير وغيره من التفاسير حول هذه الآية، وإلى الكتب التي كتبت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي كثيرة، لكن نقول باختصار: الله أنكر على بني إسرائيل مخالفتهم ما هم أولى الناس باتباعه؟ فالإنكار هنا ليس لأجل أنهم أمروا، إنما الإنكار لأنهم كانوا أولى أن يجتنبوا ما وقعوا فيه مما ينهون الناس عنه، وأولى أن يفعلوا ما تركوه مما كانوا يأمرون الناس به.
ثم إن عليّ واجبين: الواجب الأول ترك المنكر، والواجب الثاني نهي الناس عن المنكر، فإذا تركت الواجب الأول، فهل يسقط عني الواجب الثاني؟ هذا مثل من يقع في الزنا مثلاً أو في المعصية ثم يقول: كيف آتي أصلي وقد وقعت في الزنا؟ فهذا واجب وذاك وجب آخر.
ثم لو طبّقنا هذا المفهوم أصلاً ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر؛ لأنه لا يمكن أن يوجد إنسان لا يذنب، ولو فرضنا أنه وجد أحد لا يذنب لذهب الله به وجاء بقوم يذنبون هذا حديث النبي ﷺ ، وقد سبقت عبارة سعيد بن جبير والحسن وغيره أثناء المحاضرة.
لعلنا نكتفي بهذا القدر من الأسئلة فقد أثقلنا عليكم كثيراً وأطلنا عليكم.
أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 920
من حق إخوتنا علينا
الدعوة إلى الله تعالى والسعي في هداية الناس أمر مطلوب من المستقيمين على أمر الله تعالى، ويعين على القيام بهذا الأمر النظر في ثمرات هذا الجهد المبارك، والاطلاع على الجوانب المضيئة في حياة المنحرفين المدعوين، والتزود بحسن الخلق في جملة من الأمور المطلوبة من الداعية، ليصل بذلك إلى نيل رضا الله في دعوته وكسب قلوب العباد.
стр. 921
بيان ما يلزم الشباب المستقيمين تجاه إخوانهم المقصرين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فكنا قد انتهينا في الدرس الماضي من الحديث عن هديه ﷺ في مواقيت الصلاة، واتفقنا على أن نؤخر الحديث عن هديه العملي ﷺ في الصلاة، ولذا سيكون موضوعنا هذه الليلة بمشيئة الله تعالى بعنوان: (من حق إخواننا علينا).
وهو امتداد للمحاضرة التي ألقيت يوم الأحد الماضي وكانت بعنوان: (عوائق الاستقامة)، فهي الجزء الثاني لهذه المحاضرة، والجزء الثالث سيكون بمشيئة الله يوم الأحد القادم بعنوان: (رسالة إلى شاب).
وكنا قد تحدثنا في المحاضرة الماضية عن الدراسة التي تم إجراؤها على مجموعة من الشباب غير الملتزمين، أو الذين لم يسلكوا طريق الاستقامة، وتحدثنا عن بعض نتائج تلك الدراسة، ووعدنا باستكمال عرض النتائج في هذا الدرس والمحاضرة التي تليها.
وسيكون موضوع هذا الدرس مختصاً بالحديث عن واجب الشباب الملتزمين والأخيار تجاه إخوانهم أولئك الذين لم يسلكوا طريق الاستقامة، وسيكون الموضوع وفق العناصر الآتية: أولاً: من ثمرات اهتدائهم على يديك.
ثانياً: جوانب مضيئة من سيرتهم.
ثالثاً: قبل الدعوة.
رابعاً: وبعد ذلك.
стр. 922
ثمار الدعوة إلى الله تعالى
стр. 923
للداعي مثل أجور المهتدين على يديه
أولاً: من ثمرات اهتدائهم على يديك: عندما يهدي الله على يديك أحد هؤلاء، فما الثمرة التي تجنيها من وراء ذلك؟ ولا شك أن هذا الأمر من الدواعي للشاب إلى أن يهتم بالدعوة إلى الله ، وأن يهتم بدعوة هؤلاء والتأثير عليهم.
الثمرة الأولى من ثمرات اهتداء هؤلاء على يديك: أن لك مثل أجورهم، فقد قال ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا) والحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة.
فهذا الشاب عندما يهديه الله على يديك لابد أن يكون له نصيب من الصلاة والصيام والصدقة والزكاة والاجتهاد في النوافل، وغير ذلك من أبواب الطاعة والتقرب إلى الله ، فلك حينئذٍ مثل أجره، وقد تكون أنت مقصراً في العمل، وقد يكون لديك بعض الكسل والفتور، فلا تكون صاحب همة في الاجتهاد في الطاعة والنوافل، فيهدي الله على يديك من يكون أكثر منك همة، وأكثر منك تقوى لله ، وورعاً وطاعة لله ، فيكتب الله لك بذلك أجره.
стр. 924
هداية رجل خير من حمر النعم
الجانب الثاني والثمرة الثانية: أن هذا الأمر خير من حمر النعم: فقد أعطى ﷺ الراية لـ علي بن أبي طالب ﵁ لما أرسله لقتال اليهود في خيبر بعد أن قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فأعطاها علياً ﵁، وقال له من ضمن من أوصى به: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، والحديث رواه الإمام أحمد والشيخان من حديث سهل ﵁.
هذا الحديث يخبر فيه النبي ﷺ أن هداية أحد على يدي علي ﵁ -والخطاب ليس خاصاً به، والحكم ليس خاصاً به- خير له من حمر النعم.
وماذا تعني حمر النعم؟ إنها تعني أنفس ما كان يملكه العرب في ذلك الوقت، الإبل تلك الرواحل التي كانوا يمتطونها، فهداية رجل واحد خير له من حمر النعم أنفس تلك الرواحل التي يحرص العرب على اقتنائها، بل لقد كان من قيمة الإبل عندهم أنهم كانوا يقدرون بها الدية، فدية الرجل عندهم مائة من الإبل، وكذلك دية الجروح والشجاج وسائر الديات إنما تقدر بالإبل؛ نظراً لقيمة الإبل عندهم.
الكثير من الشباب في هذه المرحلة المبكرة يتمنى أن يحصل على سيارة، وتزداد الأمنية عندما تكون السيارة جديدة، ولم يستعملها أحد قبله، وكم يفرح ويسر بذلك عندما يتيسر له هذا الأمر، فكيف لو قيل له: إنا سنعطيك أنفس ما يمتطيه الناس من الرواحل، أنفس السيارات التي يقتنيها الناس ويفاخرون بها، فلا شك أن هذا الأمر خير لك من ذلك كله، هذا إذا كان رجلاً واحداً، فكيف إذا كان أكثر من ذلك؟!
стр. 925
دعوة المهتدي لمن تسبب في هدايته
الثمرة الثالثة: أنك لن تحرم دعوة صالحة يدعو لك بها من أنقذه الله على يديك من الظلمات إلى النور: فالنبي ﷺ أخبر أن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مجابة، عند رأسه ملك يقول له: آمين، ولك بمثله.
فإذا منَّ الله على يديك بهداية أحدهم، فسيعرف لك هذا الفضل، وسيعرف لك ما قدمت له، ولن يبخل عليك بدعوة صالحة، بل قد تكون أنت متوسداً على فراشك، نائماً في فراشك، وهذا قائم بين يدي الله في ثلث الليل الأخير حين يقول الله : (من يدعوني فأستجيب له؟) فيدعو لك بدعوة صالحة من صميم قلبه، يكتب الله لك بها الخير إلى يوم تلقاه.
стр. 926
الجزاء من جنس العمل
الأمر الرابع والثمرة الرابعة: الجزاء من جنس العمل: قاعدة شرعية معروفة لسنا بحاجة إلى الاستدلال عليها والتمثيل لها، ولكن شاهدها عندنا هنا أنك لابد أن يكون لك بعد ذلك ذرية وأبناء بمشيئة الله ، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ومهما أوتيت من قدرات تربوية، ومهما كان عندك من الحرص والعناية والاهتمام، فإن الأمر يبقى بعد ذلك ليس إليك، التوفيق بيد الله .
وكم نرى من الأبناء الذين يعتني بهم آباؤهم، ويحرصون عليهم، ويبذلون الغالي والنفيس لحمايتهم، ومع ذلك لا يوفقون، ونرى في المقابل من الآباء المعرضين الغافلين من كان لهم أبناء صالحون، متبعون لأمر الله .
فلا شك أن التربية لها دور مهم، لا شك أن المناصحة والعناية والاهتمام له دور في صلاح الابن ورعايته، لكن يبقى بعد ذلك توفيق الله .
فإذا كنت -يا أخي- تحمل هم أبناء الناس، وتسعى إلى إصلاحهم، ويؤرقك هذا الأمر، وتجتهد غاية الاجتهاد في استنقاذ هؤلاء من الضلال والانحراف، فلعل مما يكافئك الله به، ويجزيك الله به، أن يجزيك من جنس عملك، فيصلح لك ذريتك وأولادك، وهي أعلى نعمة يجدها العبد في الحياة الدنيا، ولا تقدر بثمن أبدا ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
إن هذا الأمر يمثل امتداداً لعملك الصالح، يقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فأقول: نتفاءل ونحسن ظننا بالله ، والله قد أخبر أنه عند حسن ظن عبده به، فحينما نجتهد في استنقاذ هؤلاء من الفساد في دعوتهم، ونبذل في ذلك نفيس أوقاتنا؛ سيقيض الله بعد ذلك لأبنائنا -ولو بعد وفاتنا- من يدعوهم إلى الله ويستنقذهم.
وقد تموت أنت وابنك لا يزال في المهد، وابنك لا يزال صغيراً، حينئذٍ من له بعد الله ؟ ولذلك أخبر الله في قصة موسى والخضر لما أتيا المدينة واستطعما أهلها قال: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧]، ثم لما سأله عن تأويل ما لم يستطع عليه صبرا؛ أخبره عن هذا الجدار ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢].
فهذان الغلامان كان أبوهما صالحا، وهما يتيمان قد مات أبوهما ولا شك، فحفظهما الله في مالهما لصلاح أبيهما، ولا شك أن الذي حفظهما في مالهما يعلم أنهما أحوج إلى أن يحفظا في دينهما.
أقول: لعلك حينما تجتهد في هذا الأمر أن تجزى هذا الجزاء، أن يحفظ الله لك ذريتك، ويقيض الله لأبنائك وذريتك من ينظر إليهم بتلك النظرة التي تنظر بها إلى الناس، فالجزاء من جنس العمل.
стр. 927
الدعوة إلى الله دليل شكر نعمة الهداية
ثمرة خامسة أيضاً: أن ذلك من شكر النعمة: فلقد منَّ الله عليك بالهداية، والتوفيق إلى سلوك طريق الخير، ولا شك أن الفضل أولاً وأخيراً له ، اسمع إلى أهل الجنة ماذا يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
فهؤلاء يحمدون الله على أن منَّ الله عليهم بالهداية، التي لم يكونوا -ولن يكونوا أبداً- ليحصلوا عليها دون توفيق الله (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم).
فأنت سلكت طريق الهداية الآن، منَّ الله عليك بطريق الهداية، وأنعم الله عليك بهذه النعمة، ولا شك أن هذه النعمة شأنها شأن سائر النعم الأخرى لها حق عليك، ومن حقها أن تشكرها، وأعظم شكر لهذه النعمة أن تنقل هذه النعمة إلى غيرك الذي قد حرمها، وأن تجتهد في دعوة هؤلاء إلى سلوك هذا الطريق الذي منَّ الله عليك بسلوكه، ولو شاء ربك لكنت مثل هؤلاء، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، وقلب ابن آدم أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت غليانا كما ثبت ذلك عنه ﷺ .
فهذا الأمر فيه شكر للنعمة، وهو أحرى بأن يكون سبباً لتوفيق الله لك في الثبات على هذا الطريق طريق الهداية.
ابن القيم ﵀ له أبيات جميلة في نونيته في ذلك، يقول: واجعل لقلبك مقلتين كلاهما بالحق في ذا الخلق ناظرتان فانظر بعين الحكم وارحمهم بها إذ لا ترد مشيئة الديان وانظر بعين الأمر واحملهم على أحكامه فهما إذاً نظران واجعل لوجهك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن
стр. 928
للداعية مثل أجر الداعية المهتدي على يديه
الأمر السادس: وماذا لو كان داعية؟ هدى الله على يديك شاباً معرضاً غافلاً، كان همه الأمور الساقطة، كان همه المعاصي، ثم بعد أن من الله عليه بالهداية أصبح شخصاً آخر، قد يكون خطيباً مفوهاً، يقول كلمة الحق ويستمع الناس إليه، قد يكون واعظاً يبكي القلوب، قد يكون داعية ينفع الله به الأمة، بل -ولا تستبعد هذا يا أخي- قد يكون مجدداً، أليس النبي ﷺ أخبر (أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينه)؟ فلماذا تستبعد ذلك يا أخي؟ قد تقول: أنا غير مؤهل للتجديد، لكن قد يكون هذا الذي يهديه الله على يديك مجدداً لهذه الأمة.
ونعود مرة أخرى إلى ابن القيم ﵀ ليسمعنا أبياتاً جميلة، يثني فيها على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما منَّ الله عليه بالهداية على يديه، فقال بعد أن تحدث عن ضلال أولئك الضالين، وما في كتبهم: يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفق وأخ لكم معوان جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني حبر أتى من أرض حران فيا أهلاً بمن قد جاء من حران أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني مطلع الإيمان ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن ووردت كأس الماء أبيض صافياً حصباؤه كلآلئ التيجان ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي ما زال يشخب فيه ميزابان ميزاب سنته وقول إلهه وهما مدى الأيام لا ينيان ثم قال: فالله يجزيه الذي هو أهله من جنة المأوى مع الرضوان وقال أيضاً في موضع آخر لما أثنى عليه: فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الرباني أعني أبا العباس أحمد ذلك البحر المحيط بسائر الخلجان ثم قال بعد ذلك: هذا ولو حدثت نفسي أنه قبلي يموت لكان غير هذا الشان مع ما كان للإمام ابن تيمية ﵀ من دور بارز في تجديد العقيدة، مع ما له من أيدٍ بيضاء سطرها ابن القيم ﵀ في ثنائه عليه، لكن انظر إلى ابن القيم ﵀ الذي له مواقف وصولات مع المبتدعة أيضاً، وله مواقف أيضاً في نصرة دين الله ، وله مصنفات ما زال الجميع يعض عليها بالنواجذ، وها نحن في درسنا هذا نقرأ ونتفيأ كتاباً من كتبه التي كتبها في هدي النبي ﷺ ، ابن القيم ﵀ في جهوده كلها ما هو إلا ثمرة من ثمرات توفيق الله لشيخ الإسلام ابن تيمية.
فتخيل يا أخي -وهذا ليس بعيداً أبداً- أن الله هدى على يديك شخصاً كان له دور في خدمة دين الله ، في خدمة الإسلام، قد يكون من الدعاة، بل قد يكون من المجددين ممن ينفع الله بهم.
قد تكون أنت طاقاتك محدودة، قدراتك العقلية محدودة، قدراتك العلمية محدودة، بل همتك محدودة، لكن يهدي الله على يديك رجلاً صاحب همة، صاحب طاقة، رجلاً أعطاه الله عقلاً وقدرة، فيسخر طاقته لدين الله ، لتعليم العلم، لطلب العلم، للدعوة إلى الله .
فكيف يكون سرورك وفرحك وأنت ترى في الحياة الدنيا عاجل ثمرة دعوتك؟! وأما ما عند الله فهو خير وأبقى.
أقول: هذه بعض الثمرات التي يجنيها من رزقه الله هذه النعمة، ومن منَّ الله عليه فأنقذ على يديه هؤلاء من الضلالة.
стр. 929
إنقاذ الضلال من الهلاك
وهناك ثمرة أخرى أيضاً لا تقل أهمية عن هذه، أنه قد أنقذ الله على يديك أحد أمة محمد ﷺ كان في الطريق إلى الهاوية، كان في الطريق إلى الضلالة، بل قد يكون -عافانا الله وإياكم- في الطريق إلى الخلود من النار، فأنقذه الله على يديك، هذه بحد ذاتها ثمرة تهون دونها تلك الثمار التي يجنيها من يضيعون أوقاتهم ويصرفونها هنا وهناك.
стр. 930
جوانب مضيئة من سيرة الشباب المنحرفين
ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الثانية، وهي: جوانب مضيئة من سيرتهم: لا شك أنه ظهر لنا من خلال الدراسة التي أجريناها -سواء الاستبيانات التي أجاب عليها الشباب، أو الدراسة الميدانية التي قمنا بإجرائها، والمقابلات الشفوية التي أجريناها معهم- ظهر لنا فعلاً أن هؤلاء يعيشون في عالم آخر، عالم آخر من الضياع والانحراف والغفلة لا نتصوره، مع إدراكنا لخطورة ما هم عليه، لكن كلما ازداد الأخ اطلاعاً على واقع هؤلاء عرف ذاك العالم الذي نغفل عنه وننساه.
ننحن مثلاً لا نقابل في مثل هذه الدروس وفي هذه المحاضرات وفي لقاءاتنا إلا أولئك الذين منَّ الله عليهم بالهداية، أما تلك الأفواج التائهة الضائعة فلا نعرف عن حالهم شيئاً.
أقول -أيها الإخوة-: مع تلك الجوانب السيئة التي برزت لنا، والتي ظهر لنا منها أمور خافية قد كانت غائبة عنا، أو -على الأقل- كنا لا نعطيها حق قدرها، مع ذلك كله هناك جوانب إيجابية عند هؤلاء، ولا أريد أن أتحدث عن عاطفة، بل عن أرقام وأمور وصلنا إليها من خلال الدراسة:
стр. 931
عدم رضاهم عن حالهم
فالجانب الأول من الجوانب المضيئة: عدم رضاهم عن حالهم: أكثر هؤلاء -مع أنه يتمتع بالشهوات، مع أنه يرخي لنفسه العنان- غير راضٍ عن حالته التي هو عليها، وجه لهم سؤال: ما مدى رضاك عن حالك الآن من الناحية الشرعية؟ فـ (٦%) فقط من طلاب المرحلة الثانوية قالوا: إنهم راضون تماماً عن حالهم، و (١٤%) من طلبة المرحلة المتوسطة قالوا: إنهم راضون تماماً.
وأما البقية (٩٤%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٨٦%) من طلاب المرحلة المتوسطة هؤلاء كلهم عندهم قدر من عدم الرضا يتفاوت.
فـ (١٤%) من المرحلة الثانوية يقول: إنه متضايق جداً من حالته التي هو عليها، و (١٥%) من الفئة الثانية الذين منَّ الله عليهم بالاستقامة بعد أن كانوا في طريق الانحراف وجه لهم هذا
السؤال
هل كنت راضياً -في وقت انحرافك- عن حالك؟ فـ (١٥%) منهم أجاب بأنه كان متضايق جداً، و (٣٠%) من طلاب المرحلة الثانوية أجابوا بأنهم غير راضين عن حالهم، و (٣٢%) من الفئة الثانية أجابوا بأنهم غير راضين، و (٢٢%) من المرحلة المتوسطة أجابوا أنهم غير راضين، و (٥١%).
من المرحلة الثانوية أيضاً قالوا: إنهم غير راضين عن حالهم نوعاً ما، و (٦٤%) من المرحلة المتوسطة أجابوا نفس الإجابة.
الخلاصة: أن أكثر هؤلاء عنده قدر من عدم الرضا والقناعة بحاله التي هو عليها، ويتفاوت هذا الأمر، فبعضهم متضايق جداً، وبعضهم غير راضٍ، وبعضهم الأمر عنده دون ذلك، لكن غالبهم وعامتهم يشتركون في أنهم غير راضين بحالتهم التي هم عليها، ولا شك أن هذا الجانب إيجابي، يخدمنا أيضاً في دعوتهم، ويشعرنا أن هؤلاء لديهم قرب من الحق وطريق الاستقامة.
стр. 932
رغبتهم في تغيير حالهم
الجانب الثاني من الجوانب المضيئة في سيرتهم: رغبتهم في تغيير حالهم: عندما سئل: هل ترغب في تغيير حالك؟ كانت النتيجة أن (٣%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٧%) من طلاب المرحلة المتوسطة فقط هم الذين قالوا: إنهم لا يرغبون في تغيير حالهم، أي: أن البقية يرغبون في تغيير حالهم، والنسبة تتفاوت فـ (٤٦%) من طلاب المرحلة الثانوية رغبتهم أكيدة في تغيير حالهم، و (٣٧%) من طلاب المرحلة المتوسطة رغبتهم أكيدة.
نلاحظ تفاوت النسب بشكل واضح بين المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية، يعني: كلما تقدم الشاب في السن ازداد تعقلاً، وازداد إدراكاً لسوء الحال التي هو عليها، ومن ثم ازداد رغبة في تغيير واقعه.
إذاً: فعامتهم وأكثرهم عندهم رغبة في تغيير حالهم، بل إن النصف من طلاب المرحلة الثانوية تقريباً لديه رغبة أكيدة في تغيير حاله التي هو عليها.
стр. 933
تفكيرهم في الالتزام
وهناك جانب ثالث -وهو قريب من هذا الجانب-: تفكيرهم في الالتزام: فـ (٩٣%) من طلاب المرحلة الثانوية فكروا في الالتزام، و (٩٢%) من طلاب المرحلة المتوسطة فكروا في الالتزام.
إذاً: فأكثر هؤلاء ليست القضية تقف عند عدم قناعته ولا عند رغبته، بل قد فكر فعلاً في الالتزام، هؤلاء الذين فكروا في الالتزام (٣٢%) منهم فكروا تفكيراً جاداً في الالتزام، و (٧١%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٧٤%) من طلاب المرحلة المتوسطة فكروا ثلاث مرات فأكثر، يعني: ليست القضية مجرد مرة واحدة ولا مرتين، بل قد فكروا أكثر من مرة بأن يسلكوا طريق الالتزام.
و (٤٩%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٣٤%) من طلاب المرحلة المتوسطة صنعوا خطوات عملية، يعني: تقدموا، ما توقفت القضية عند التفكير فقط، بل قد صنعوا خطوات عملية، وأجابوا بتلك الخطوات التي صنعوها، فمنهم من قال: أصبحت أحافظ على الصلاة، ومنهم من يقول: أصبحت أجلس في المسجد بعد الفجر في الإجازة، ومنهم من يقول: التحقت بأناس صالحين، يعني: ذكروا عدة خطوات سلكها هؤلاء، ومنهم من يقول: مزقت الصور، أحرقت الأفلام والأشرطة التي عندي، لكن لم يستطيعوا الثبات على ذاك الطريق الذي بدءوا في سلوكه.
وفي دراسة أجراها الشيخ سلمان العودة أفادت الدراسة أن (٩٩.
٥ %) من شباب الأرصفة يحب أن يكون متديناً.
إذاً: فعامة هؤلاء عندهم رغبة في الالتزام، عنده وفي الاستقامة، وإن أبدى أحدهم لك ما أبدى، فداخله يعبر عن ذلك، هذه إجابتهم الصريحة كما أجابوا هم بها.
стр. 934
شعورهم بأن الالتزام طريق السعادة
ومن الجوانب المضيئة في حياتهم: أن أكثر هؤلاء يشعر بأن الالتزام طريق السعادة: فقد وجه لهم
السؤال
هل تشعر بأن الالتزام طريق السعادة؟ والخيارات متاحة أمامهم: (نعم)، (لا أدري)، (لا).
فالذين أجابوا بـ (نعم) (٧٩%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٨١%) من طلاب المرحلة المتوسطة قالوا: إنهم يشعرون بأن الالتزام طريق السعادة.
أما الذين أجابوا بقولهم: (لا أدري)، فهم (٢١%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (١٨%) من طلاب المرحلة المتوسطة قالوا: لا إنهم لا يدرون هل الالتزام طريق السعادة أم لا.
أما الذين أجابوا بـ (لا) فهم (١%) من طلاب المرحلة المتوسطة، ونصف في المائة من طلاب المرحلة الثانوية، شخص واحد فقط من العينة في المرحلة المتوسطة، وشخص واحد فقط من العينة في المرحلة الثانوية يقول: إنني لا أشعر بأن الالتزام طريق السعادة.
إذاً: أكثر هؤلاء عنده شعور بأن الالتزام طريق السعادة، ولا شك أيضاً أن هذا من الجوانب المضيئة، ومن الجوانب التي تخدم في دعوتهم، فلست بحاجة إلى مزيد من الجهد لإقناعه بأن هذا طريق السعادة، هو يشعر بذلك، لكن أن تحدثه عن السعادة التي وجدتها بعد استقامتك، أن تحدثه عن جوانب من تلك السعادة التي لا شك أنه مع إدراكه -يعني: مع أنه يدرك أن الالتزام طريق السعادة- لا يدرك ذلك تمام الإدراك.
وسنتحدث عن هذا الجانب -إن شاء الله- في محاضرة الأحد عندما نتحدث عن الأجوبة التي وردت إلينا من الذين هداهم الله بعد أن كانوا على طريق الانحراف، سنشير إلى نماذج من ذلك.
стр. 935
استجابتهم للنصيحة
الجانب الخامس: استجابتهم للنصيحة: وجه لهم
السؤال
هل وجه لك نصيحة شخصية؟ فـ (٨٨%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٨٥%) من طلاب المرحلة المتوسطة أفادوا بأنهم قد تلقوا نصيحة شخصية.
ثم وجه لهم سؤال آخر: ما أثر هذه النصيحة عليك؟ هذه النصيحة التي وجهت لك ماذا كان أثرها عليك؟ فـ (٣١%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٣٤%) من طلاب المرحلة المتوسطة -أي: عدد قريب من الثلث- أجابوا بأنهم استقاموا مدة محدودة.
يعني: ما قبِلَ النصيحة ولا تأثر بها فقط، بل استقام فعلاً، لكنها مدة محدودة لم يستمر عليها.
و (٣٦%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٤٠%) من طلاب المرحلة المتوسطة أفادوا أنهم تأثروا تأثراً وقتياً، يعني: تأثر وقت توجيه النصيحة إليه.
إذاً: فـ (٦٧%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٧٤%) من طلاب المرحلة المتوسطة كان أثر النصيحة أثراً إيجابياً عليهم، إما أنه استقام مدة محددة، وإما أنه تأثر تأثراً وقتياً، وهي قضية نشاهدها -مثلاً- عندما نتحدث في الفصل مع الطلاب، ونوجه لهم نصيحة وموعظة، نشاهد في وجوه الكثير من هؤلاء التأثر، وتشعر فعلاً بالندم في وجهه، فكيف إذا كانت النصيحة نصيحة شخصية؟! وكلكم قد يكون مرت عليه تجربة، قد وجه نصيحة شخصية لأمثال هؤلاء، أظن أننا قد لمسنا هذا بأنفسنا، أنك عندما تناصحه نصيحة شخصية ومؤثرة؛ تجد فعلاً أن الرجل متأثر وتعرف ذلك في وجهه، مما يدل على أن استجابته لهذه النصيحة إيجابية.
فـ (٢٣%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٢٥%) من طلاب المرحلة المتوسطة يقول: شكرته ولم أستجب له.
يعني: على أقل الأحوال عنده شكر وعرفان لهذه النصيحة وإن لم يستجب، هذا لا شك يعتبر جانباً إيجابياً، فأنت لما تنصح إنساناً ويثني ويشكر ويقدر، وتعرف أنه لم يستجب، تشعر على الأقل بأن جهدك لم يذهب سدى.
أما الذين سخروا ممن نصحهم فأفاد (٢%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (١%) من طلاب المرحلة المتوسطة أنهم سخروا ممن وجه لهم النصيحة، وعندما تكون نصيحة جادة أخوية لا شك من النادر أن تجد من يسخر منك.
إذاً: فهؤلاء يستجيبون للنصيحة، هؤلاء يسمعون النصيحة، تؤثر فيهم كما عرضنا، وكما نشاهده، وتعرفونه جميعاً من تجربتكم الشخصية، بل إنا عندما جلسنا مع بعض الشباب على الرصيف ووقفنا عندهم كانوا مؤدبين، كانوا يدخنون فأطفئوا الدخان، ورحبوا بنا، وجلسنا معهم، فعرضنا عليهم الموضوع، قلنا: نريد أن نتناقش معكم حول عوائق الاستقامة، ما الذي يمنعكم من سلوك طريق الاستقامة؟ ودخلنا معهم في النقاش، وأبدوا لنا الترحيب.
بعد ذلك استأذنا منهم، فقال أحدهم: إنك قد جعلت هذه المحاضرة وهذا الموضوع عائقاً بينك وبين النصيحة، فكنا ننتظر منك أن توجه لنا نصيحة شخصية بعد ذلك، فلماذا لم توجه لنا هذه النصيحة؟ وكان حديثه محرجاً فعلاً، وطلبه محرجاً لنا.
هذه دليل على أن هؤلاء عندهم رغبة وحرص، يتمنون أن يسلكوا طريق الاستقامة، بل يرحبون بالنصيحة، وأسوأهم حالاً من يرحب بك ترحيب مجاملة، ولا شك أن هذا يعطيك دافعاً أكثر.
ونلاحظ من خلال النسب التي عرضنا أن استجابة طلاب المرحلة المتوسطة للنصيحة وتأثرهم بها أكثر من السابقين، مع أنهم أكثر جدية، لكن هؤلاء يسهل التأثير عليهم؛ لأنهم لم يغوصوا بعد في أعماق الفساد والشهوات.
стр. 936
سماعهم الشريط الإسلامي
الجانب السادس من الجوانب الإيجابية من حياة هؤلاء: سماع هؤلاء للشريط الإسلامي: وجه لهم
السؤال
هل تسمع الشريط الإسلامي؟ فأجاب (٦%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٥%) من طلاب المرحلة المتوسطة أنهم لا يسمعون الشريط الإسلامي إطلاقاً، والبقية يسمعون سماعاً متفاوتاً، منهم من يسمع دائماً، ومنهم من يسمع كثيراً، ومنهم من يسمع نادراً، لكن يشترك هؤلاء جميعاً في أنهم يسمعون الشريط الإسلامي، بل أفاد أكثر هؤلاء أن أكثر الوسائل -التي يرونها- تأثيراً على الشباب هو الشريط الإسلامي.
ولا شك أن هذا الجانب إيجابي يجب أن نعتني به، فإذا كان هؤلاء عندهم استعداد لأن يسمعوا الشريط الإسلامي؛ فهذا يعطينا فرصة ابتداءً لأن يخصص لهم حديث خاص، محاضرات خاصة لهؤلاء، خطب خاصة لهؤلاء، إصدارات خاصة موجهة لهؤلاء.
ثم -أيضاً- نسلك معهم وسيلة أخرى، وهي نقل الشريط الإسلامي، إهداء الشريط الإسلامي، توزيع الشريط الإسلامي على هؤلاء، فالكثير من هؤلاء يسمع الشريط الإسلامي، ولا شك أنه سيتأثر به كما أفاد أكثر من (٦٠%) أنهم يتأثرون عندما يسمعون الشريط الإسلامي.
وهذه رسالة نوجهها إلى أصحاب التسجيلات: أن يعتنوا بهذا الجانب، وأن يعتنوا بهذه النوعية من الشباب، وكذلك نوجهها إلى مشايخنا وأساتذتنا من العلماء والدعاة: أن يعتنوا بهؤلاء، ويقدموا لهم مادة تستحق التقديم، فإذا كان هؤلاء عندهم استعداد لأن يسمعوا الشريط الإسلامي، فما نسبة المادة الموجهة لهم من المواد المعروضة في التسجيلات؟ لا شك أن المحاضرات والخطب التي تأخذ الجانب الوعظي تناسب هؤلاء، لكن هل يجد هؤلاء حديثاً واقعياً؟! حديثاً فيه نقاش عقلي لمشاكلهم، ومحاولة في الحديث عن مشاكلهم الخاصة، وعما يواجهونه من عقبات، والاهتمام بهم، فمجرد شعورهم بالاهتمام بهم كافٍ بحد ذاته، وقد أبدى لنا الكثير من هؤلاء الشباب شكره على اهتمامنا به، وأبدى لنا شكره على توجيه مثل هذه الأسئلة والاستبانة التي تشعر بالاهتمام والعناية بشأنهم.
стр. 937
موقفهم الإيجابي تجاه الشباب الملتزمين
الجانب الإيجابي السابع من مواقف هؤلاء: موقفهم من الشباب الملتزم: لقد فوجئنا فعلاً بنتيجة ما كنا نتوقعها من موقف هؤلاء من الشباب الملتزمين، ولعلي أشرككم في شيء مما لمسته من ذلك، فقبل ذلك نشير إلى دراسة الشيخ سلمان العودة التي وصل فيها إلى أن (١٠%) فقط من أفراد العينة لا يحب الشباب المتدينين، أما (٧٠%) فهو يحبهم، و (٢٠%) يقول: إنه يحب المعتدلين من هؤلاء فقط.
كان من الأسئلة الموجهة لهم: كلمة توجهها إلى كل من: الأب، الأستاذ، الداعية، الشاب الملتزم؟ وسأقرأ عليكم بعض الكلمات التي وجهها هؤلاء للشباب الملتزمين، وفي الواقع لا أستطيع أن أقرأ كل ما ورد علي، لكن سأقرأ بعض ما اخترته من عباراتهم التي هي نموذج للشعور الذي يملكونه تجاه الشباب الملتزمين.
يقول أحدهم: أن يحمدوا الله على الهداية.
يقول الآخر: تقديم النصيحة لغير الملتزمين مرة ومرة.
والكثير من هؤلاء رسالته للملتزمين: أن ينصحوا إخوانهم غير الملتزمين، وأنا بدوري أنقل هذه الرسالة لكم.
ومن ذلك أيضاً: ترك العزلة، والأنانية، وكسر الحواجز بينهم وبين غير الملتزمين، فهو يرى أنك عندما تستأثر بهذا الخير لوحدك وتبتعد عن هؤلاء، أنك تملك قدراً من الأنانية، فينبغي أن تشركهم في هذا الخير الذي بين يديك.
والآخر يقول: أن يكونوا قدوة صالحة، ويدركوا أهميتهم.
وآخر -أيضاً- يقول: أن ينظر أمامه، ولا يبالي بمن يسخر منه، فهو أفضل منه.
والآخر يقول: أن يتحملوا كل ما يقال لهم، ويصمدوا، ويكونوا خير مثل.
وآخر يقول: جزاهم الله خيراً، لا أقترح عليهم شيئاً؛ لأنهم قائمون بواجبهم التام.
والآخر يقول: أتمنى أن أكون مثلهم.
والآخر يقول: هم قدوتنا نحو الصلاح.
وآخر يقول: أشكركم على ما فعلتم بي.
وآخر يقول: محاولة أن يكون لهم كيان، ويؤثروا على غيرهم.
وآخر يقول: نسأل الله أن يثبتهم، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
وآخر يقول: إن العيون موجهة إليكم، عيون أهل الشر، وعيون أهل الخير، فكونوا على أهبة الاستعداد.
وآخر يقول: زوروا الشباب غير الملتزمين، ووجهوا إليهم النصيحة.
وهذه الكلمة تكررت أكثر من مرة.
وآخر يقول: كونوا على جانب كبير من الأخلاق والتعامل للتأثير في غيركم.
وآخر يقول: عدم التفكير في الرجوع إلى ما كانوا عليه.
وآخر يقول: الإصرار والعزيمة، وأن يعرفوا أنهم على حق، ولا يهتموا بكلام الناس.
وآخر يقول: كم أسر عند رؤيتكم يا أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي! هذا بعض ما وصلنا من مشاعر لهم تجاه الملتزمين، صحيح أن بعضهم انتقد، صحيح أن بعضهم ذكر جوانب سلبية، لكن أكثر هؤلاء ذكروا عبارات مثل هذه، والوقت لا يتسع للاستطراد في ذكر جميع العبارات التي حكاها هؤلاء.
المهم أن هذه العبارات على اختلاف مجالاتها واتجاهاتها يجمعها أمر واحد، وهو أنهم يحبون الشاب الملتزم، يثقون به، لهم شعور تجاه هذا الشاب إيجابي، ولا شك أن هذا الأمر يخدمك كثيراً عندما تشعر بأن هؤلاء يحبونك، وإن أبدوا ما أبدوا من السخرية والاستهزاء، فهذه وسيلة للاعتذار؛ لأنه يشعر بالتقصير، يشعر بالإهمال، فيحاول أن يعبر أو يدافع عن نفسه بالسخرية والاستهزاء، وغالباً لا يسلك منطق السخرية والاستهزاء إلا الشخص الذي ليس عنده قناعة بالطريق الذي هو عليه، أما صاحب القناعة فلا يمكن أن يسلك هذا الطريق.
стр. 938
أمور مطلوبة قبل الدعوة
стр. 939
حسن الخلق أثقل ما في الميزان
ثم بعد ذلك نصل إلى النقطة الأخيرة -وأظنها من أهم ما نتحدث عنه-، وهي: قبل الدعوة: الجانب الأول: حسن الخلق أثقل ما في ميزانك: فالنبي ﷺ قد عظم حسن الخلق، وأخبر أنه ما من عمل أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، وأخبر ﷺ أيضاً فقال: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، وأخبر ﷺ بأن أحب الناس إليه أحاسنهم أخلاقاً.
والحديث عن فضل حسن الخلق حديث يطول، لكن لا شك أن لحسن الخلق والتعامل والبشاشة وطلاقة الوجه مع هؤلاء وغيرهم أثراً كبيراً في دعوتهم واستجابتهم وتأثرهم بك، بل قد يكون سبب تأثرهم ليس دعوتك وحدها، بل حسن خلقك، قد يكون حسن خلقك فقط داعياً لأن يتأثر هؤلاء ويستجيبوا.
وكم من أصحاب النبي ﷺ من أسلم بسبب حسن خلقه ﷺ ، بسبب موقف واحد حين رأى منه ﷺ حسن الخلق، وهذه قضية سنتحدث عنها -بمشيئة الله- فيما نستقبل من الدروس عندما نتحدث عن هديه ﷺ في حسن الخلق، وعن شمائله.
стр. 940
حمل الكل وإكساب المعدوم هدي رسول الله
الجانب الثاني: حمل الكل وإكساب المعدوم من خلق نبيك ﷺ : تقول خديجة ﵂ لما جاء النبي ﷺ إليها يشتكي فزعاً بعد شدة الوحي: والله! لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.
لقد كانت هذه أخلاق النبي ﷺ ، فقد كان ﷺ يقري الضيف، وكان يكسب المعدوم، وكان يعين على نوائب الحق، ولنا قدوة فيه ﷺ وأسوة حسنة، فهو قدوتنا ﷺ وأسوتنا.
ولقد كان لهذه الأخلاق -كما قلت- عظيم الأثر وبليغ الأثر في استجابة الكثير من أصحاب النبي ﷺ له.
стр. 941
أهمية استغلال مواقف السير بالسيارة
الجانب الثالث: وأنت في السيارة: قد تحصل لك مواقف كثيرة وأنت في السيارة تستطيع من خلالها أن تشعر الناس بأنك تتأسى بالنبي ﷺ بحسن الخلق.
فهناك موقف يحصل كثيراً عند التقاطعات، أو في طرق ذات أفضلية، عندما تفسح الطريق لأحد المارة لا شك أنك تراه مباشرة يلوح لك ويشير لك بيده يعبر لك عن الشكر والثناء والتقدير، أما ما في قلبه فهذا أمر لا تعلم عنه شيئاً.
فماذا لو كان خلقنا هكذا؟! وماذا لو كان هؤلاء يعرفون أننا نقدمهم، ونفسح لهم في الطريق، ويعرفون منا حسن الخلق والمعاشرة؟! وهناك موقف آخر قد يحصل: تسير بسيارتك فترى شخصاً قد تعطلت سيارته، قد يكون عطلاً يسيراً، قد يكون عطلاً في إطار السيارة، وقد يكون عند خزان الوقود، المهم أن يكون عنده عطل يسير، فعندما تقف وتسلم عليه وترحب به، ثم تعرض عليه مساعدتك وخدمتك، قد يطلب منك المساعدة والخدمة فعلاً، وقد يشكرك ويفيدك بأنه لا يحتاج لذلك، فهو بانتظار من سيأتيه، أو قد أصلح هذا العطل الذي حصل له، أو قد تكون أنت لا تستطيع هذا الأمر فتعتذر منه.
فما أثر ذلك على هؤلاء؟! أليس هذا -أيضاً- من خلق النبي ﷺ ؟ أليس النبي ﷺ يقول: (وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة)؟! هذا من الصدقة، ومن الأمر الذي تؤجر عليه.
ولو كان هؤلاء قد اعتادوا أننا دائماً الذين نقف لهم، ودائماً نعينهم، ودائماً نشعر بشعورهم، لأثر ذلك عليهم، يعني: قد يكون هو يسخر منك، وقد يكون يهزأ بك، فإذا بك تقف وتعرض عليه المساعدة فعلاً، وتساعده مساعدة جادة، لا شك أن مثل هذه المواقف وحدها كفيلة بأن تعطيه صورة أخرى، بل قد يكون هذا الموقف وحده سبباً في هدايته، أن يعلم أنك إنسان تحمل منهجاً، وأنك إنسان رباك هذا الأمر.
وكم يكسب الناس بخلقهم؟! أحياناً قد يخطئ عليك إنسان، فيسيء إليك، فتهم بشتمه أو سبه أو عقوبته، فيعتذر منك اعتذاراً حاراً، فتصدم ولا تستطيع بعد ذلك أن تقول كلمة واحدة، فكيف إذا لم يرتكب ضدك أي خطأ؟!
стр. 942
أثر الطالب في فصله الدراسي
الجانب الرابع: وأنت في الفصل الدراسي: في الفصل لا شك أنه يكون لك زملاء من أمثال هؤلاء، وتحصل مواقف كثيرة أيضاً من المواقف الشبيهة بما أشرنا إليها، فمثلاً: قد يحتاج إلى أي مساعدة معينة، يعني: مساعدة مشروعة، وقد يكون عنده مشكلة، وقد يكون عنده مسألة -مثلاً- في المنهج ما فهمها، والغالب أن أمثال هؤلاء يكون مهملاً في الدراسة، وقد تكسبه بحسن خلقك، وقد تؤثره على نفسك عندما تأتي وتجده قد جلس في مقعدك.
فعندما تتخلق بهذا الخلق وأنت في فصلك الدراسي، فما أثر ذلك على زملائك في الفصل؟! ما أثر ذلك عندما يشعر جميع طلاب الفصل بأنك أنت الإنسان المتميز بحسن الخلق، والمتميز بقضاء حوائجهم، والمتميز بالنصح لهم، والمتميز بالعفو عن زلاتهم، والمتميز بكل ذلك؟! لا شك أنك تعطي صورة مضيئة فعلاً، وكأنك تقول بلسان حالك -ولو لم تقل لهم شيئاً-: هذا هو الطريق الذي أريدكم أن تسلكوه.
ومهما اختلفت أفكار الناس واتجاهاتهم فإنهم يجمعون جميعاً على محبة صاحب الخلق، ويجمعون جميعاً على أن يجدوا في قلوبهم المنة لمن أحسن إليهم، حتى الناس أصحاب الأخلاق السيئة، وحتى الناس أصحاب الشراسة، يتفقون جميعاً على تقدير صاحب الخلق الحسن، ولا يجرؤ أحد منهم على أن يسيء إلى صاحب الخلق الحسن أبداً، فإذا كان الشاب متميزاً في فصله، يعرفه طلاب الفصل جميعاً، ويعرفه الأساتذة، وتعرفه إدارة المدرسة بأنه صاحب الخلق الحسن، وصاحب المواقف الحميدة، وصاحب الاعتذار قبل أن يخطئ، عندما يعرف عنه ذلك هؤلاء، فإنه قبل أن ينصح هؤلاء سيكون له دور، فما بالك إذا وجه نصيحة أو وجه كلمة؟! كيف سيكون أثرها؟!
стр. 943
لا تنتظر ثمرة إحسانك
الجانب الخامس: -وهو مهم ومرتبط بما قلناه-: لا تنتظر ثمرة إحسانك: عندما تقدم إحساناً لهؤلاء من حسن خلق، أو عفو، أو صفح أو غير ذلك؛ لا تنتظر ثمناً لذلك، بل ليس من الضرورة أن تربطه بالنصيحة، يعني: عندما آتي -مثلاً- وأجد شاباً عليه آثار انحراف، وأجده قد تعطل في الطريق وأقف له وأعينه، ليس بالضرورة أن أوجه له النصيحة، فعندما يجد مني أني عندما أقدم له خدمة لابد أن أقابلها بالنصيحة قد يشعر بأن هذا ثمن للنصيحة، وإن كان في الواقع لن يتضايق من النصيحة، لكن يجب أن يشعر بأني أتخلق بحسن خلقي لذاتي؛ لأن هذا حسن خلق أمرنا به الإسلام، وهذا خلق نبينا ﷺ الذي وصفه الله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، الذي ما رئي أحسن منه ﷺ خلقاً، الذي يقول عنه حسان ﵁: وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة لله لا حقد ولا شحناء هذه هي أخلاق النبي ﷺ ، وما عرفت الدنيا أبر وأطهر وأحسن خلقاً منه ﷺ بآبائنا هو وأمهاتنا.
فأقول: يجب أن يعرف الناس عنك أنك تتخلق بحسن الخلق لا لأجل أنك تكسب الناس فقط، بل تتخلق بحسن الخلق؛ لأنك تعلم أن هذا هدي نبيك ﷺ ، ولأنك تعلم أن حسن الخلق يبلغ به العبد ما لا يبلغ الصائم القائم، ولأنك تعلم أن أقرب الناس وأحبهم إلى النبي ﷺ وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة وأحبهم إليه أحاسنهم أخلاقا، ولأنك تعلم أن النبي ﷺ زعيم لك ببيت في أعلى الجنة، يقول ﷺ : (أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).
أقصد من ذلك كله أنه مع هذه الآثار التي تحصل لحسن الخلق من محبة الناس، وهي آثار تجدها في الدنيا قبل أن تجدها في الآخرة، ومع هذه الآثار وهذه النتائج التي تجدها في دعوتك لا يكون همك في حسن الخلق هو هذه الآثار والنتائج فقط، لا، بل أنت تتعبد لله بحسن الخلق الذي طبع عليه نبيك ﷺ ، وأمرك به، ورتب على ذلك الأجر العظيم، بل النبي ﷺ يأمر الإنسان بأن يعود نفسه فيقول: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه).
стр. 944
تنازل عن بعض حقوقك
الجانب السادس: تنازل عن بعض حقك: تحكي لنا عائشة ﵂ صورة من هديه ﷺ فتقول: (ما رأيت رسول الله ﷺ منتصراً في مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم على ذلك غضبا، وما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثماً) الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي في الشمائل.
فهو ﷺ لم ينتصر في مظلمة لنفسه ظلمها قط، إنما ينتصر عندما تنتهك محارم الله .
وتقول أيضاً في وصف آخر له ﷺ : (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي في سننه، ورواه الترمذي -أيضاً- في الشمائل المحمدية والطيالسي.
وكلنا يحفظ تلك الصورة المثلى من خلقه ﷺ التي يحكيها أنس ﵁، يقول: (كنت مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فجاءه أعرابي، فجبذه بردائه؛ حتى أثر الرداء في صحفة عنقه، فقال: أعطني من مال الله الذي عندك.
فالتفت النبي ﷺ إليه وابتسم، ثم أعطاه حتى رضي).
أقول -يا إخوان-: قد يساء إليك، وما أكثر ما يسيء إليك هؤلاء، ولا شك أن الذي أساء الأدب مع الله ، وأن الذي يتجرأ على محارم الله، لابد أن يسيء الأدب مع خلق الله .
أقول: لابد أن يأتيك من ذلك إساءات، ولابد أن يأتيك تجاوزات من هؤلاء، قد يسخر منك، وقد يظلمك، وقد يأخذ بعض حقك.
المهم أنه قد تحصل لك إساءة، فتنازل -يا أخي- عن بعض حقك، ويجب أن تتميز بأنك الرجل الذي تتنازل عن حقك، تحلم، وتعفو، وتكظم الغيظ، وتصفح، تلك الأخلاق التي تعلمتها وأنت تقرأ كتاب الله ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤].
بل إن عفوك وصفحك وتنازلك عن حقك الغالب أنه يعيد إليك الحق، فلو سخر منك وقابلت ذلك بالإحسان؛ فإنه لابد أن يعرف أن هذه يد لابد أن يجزيك بها، ولو أساء إليك بأي إساءة أخرى وقابلت هذه الإساءة بالصفح والإحسان والعفو؛ لحفظ هذا الجميل لك، وستلقاه بعد ذلك عاجلاً، وأنت لا تبحث عن الجزاء العاجل، إنما تسلك ذلك استجابة لأمر الله ، واقتداءً بهدي نبيك ﷺ الذي كان كثيراً ما يعفو ﷺ ، بل تحكي عنه زوجه أقرب الناس إليه أنه لم يكن ﷺ ينتصر لمظلمة ظلمها قط عليه أفضل الصلاة والسلام، وما يكسب الناس مثل الحلم، وما يكسب الناس مثل الصفح والعفو والتنازل عن الحقوق.
стр. 945
أمور يلزم التنبه لها
стр. 946
الحذر من قياس الأمور بمقياس واحد
وبعد ذلك ننبه على بعض الأمور: أولها: احذر من القياس على رأس الديك: هذا مثل طريف يحكونه، وهو أن أحد الناس غير المبصرين عاد إليه بصره، فرأى رأس الديك، ثم بعد ذلك فقد بصره، يعني: ما رأى في الدنيا إلا رأس الديك، فصار كلما قيل له شيء، فقيل له عن الجبل، قال: وماذا يكون من رأس الديك؟! قيل له عن الفيل، قال: وماذا يكون من رأس الديك؟! يعني: كل شيء يقارنه برأس الديك، ما عنده إلا نظرة واحدة.
وأقول: يجب أن يكون عندنا سعة أفق، وألا نعرف الأسلوب الواحد فقط، أحياناً يجرب أسلوب فينجح، أو طريقة معينة فتنجح، فنسلك نحن جميعاً هذا الأسلوب، فيجب أن يكون عندنا تنويع في أساليب الدعوة، وتنويع في الخطاب، وابتكار.
اقرأ القرآن -يا أخي- تجد القرآن ينوع الموعظة، مرة يذكر ما يحصل لأهل النار من عذاب، ومرة يذكر نعيم أهل الجنة، ومرة يذكر مخلوقات الله والتفكر فيها، ومرة قصص الأولين والسابقين، وهكذا تجد الموعظة في كتاب الله قد جاءت متنوعة على أنحاء شتى.
والنبي ﷺ انظر إلى دعوته ﷺ ، فهو -مثلاً- لما أتاه الوليد بن المغيرة ماذا قال له؟ قال: اسمع، فقرأ عليه القرآن.
ولما أتاه أعرابي أعطاه مالاً، فأسلم لأجل المال، كما قال أنس: فلقد كان الرجل من الأعراب يسلم ما به إلا حب الدنيا، ثم ما يلبث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
لما جاء إليه ضماد وكان رجلاً كاهناً قال له ﷺ : (الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
ولما جاء عدي بن حاتم وهو ملك قال: (أترى الحيرة؟ قال: نعم.
سمعت عنها ولم أرها، قال: يوشك أن تسير الظعينة من الحيرة فتطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، قال: أتعرف كسرى بن هرمز؟ قال: نعم.
قال: يوشك أن تنفق كنوزه في سبيل الله، ثم قال: ويوشك أن يعطى المال فلا يقبله أحد، فيقول عدي ﵁: فلقد رأيت اثنتين وأنا انتظر الثالثة).
المهم أن عدياً ﵁ كان ملكاً، ولذلك خاطبه النبي ﷺ بما يناسبه، وهكذا تأمل في السيرة، اقرأ في أحداث السيرة، وانظر كيف كان النبي ﷺ يدعو الناس، أحدهم يقرأ عليه القرآن، والآخر يعظه، والآخر يناقشه نقاشاً عقلياً، والآخر يعطيه مالاً، ينوع الأساليب ﷺ التي تتناسب مع الناس.
فأقول: نحن بحاجة أيضاً إلى أن نسلك نفس الهدي الذي سلكه النبي ﷺ ، وقد أشرنا إلى هذه القضية بالتفصيل عندما تحدثنا عن هديه ﷺ في الدعوة.
فأقول: نحن بحاجة إلى أن ننوع الأساليب، ونبتكر الوسائل والأساليب التي تؤثر على أمثال هؤلاء.
стр. 947
الحذر من اليأس من المدعوين
ثانياً: اليأس داء قاتل: قد توجه النصيحة، وقد تبذل الجهد، ثم لا يستجاب لك؛ فتيأس، نحن نريد منك أن تكون كما كان نوح ﵇، يقول في دعائه لما دعا على قومه: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧].
إنه لما يئس يأساً تاماً من قومه أصبح يؤمل في أولادهم، حتى يئس من أولادهم، فقال: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧]، وقد ظل يدعو قومه ﵇ خمسين وتسعمائة سنة.
والنبي ﷺ لما استأذنه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين قال: (لا؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله).
فأقول: لا تيأس أبداً، فلمجرد كلمة، أو كلمتين، أو نصيحة، أو جهد محدود تيأس وتقول: لم يستجب؟! يجب أن تأخذ من أنبياء الله ومن الدعاء السابقين العزيمة والإصرار والهدي الذي كانوا عليه، وهب أنه لم يستجب لك، وهب أنه لم يسمع لك، فلا تظن أبداً أن هذه الكلمة التي قلتها لله ستذهب سدىً، فإن العبد قد يتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، أو يرفعه الله بها درجات.
стр. 948
مهد الطريق لغيرك
ثالثاً: قد تمهد الطريق لغيرك: يعني: قد تنصحه ولا يستجيب، وقد تسلك معه أسلوباً ولا ينجح هذا الأسلوب، لكن لا يعني هذا أن القضية ذهبت سدىً، لا، فقد تكون أنت بهذا الأسلوب وبهذا النصيحة وبهذه الدعوة قد مهدت الطريق لمن يليك، يعني: أوجدت عنده إحساساً وشعوراً، فيجيء الذي بعدك فيوجد عنده نفس الشعور، حتى تتكامل الجهود، وليس بالضرورة أن يستجيب لنصيحة واحدة، فلما تتكرر عليه النصائح، ولما تتكرر عليه الأساليب، فيجمع هذا مع رصيده السابق، حتى يكون ذلك سبباً في هدايته، فيكون لك أنت دور في هدايته وإن لم تكن أنت السبب المباشر في هدايته، فإنك قد صنعت خطوة على الأقل ولو خطوة محدودة في ذلك.
стр. 949
بين حسن الخلق ومجالسة المنحرفين
بقيت نقطة أخيرة أرجو الانتباه لها؛ لأنها أحياناً تكون عائقاً عما قلناه قبل قليل من ضرورة حسن الخلق والبشاشة والطلاقة مع هؤلاء، وأيضاً قد يفهم ما قلناه فهماً سلبياً، فيتجاوز بعض الشباب في ذلك، وهي: بين ترك الجليس وحسن المعاملة: نعلم جميعاً أثر الجليس السيئ، وأن الشاب يجب أن يجتنب هذا الجليس، وأن يحذر منه ولا يجالسه، وندرك جميعاً خطر هذا علينا خاصة في مرحلة الشباب ونحن في مقتبل العمر، وأن الكثير من الشباب الذي ينحرف بعد أن هداه الله قد يكون سبب ذلك أمثال هؤلاء الجلساء.
فحينئذٍ يتساءل بعض الشباب فيقول: هل تريدني أن أجلس مع هؤلاء وأعاشرهم حتى يهديهم الله ، أم غير ذلك؟ أنا أقول: يجب أن نفرق بين قضيتين: بين قضية البشاشة وحسن الخلق والتقدير، وبين قضية الجلوس معهم، فمثلاً: ما الذي يمنع أن تبدأ بالسلام وتبتسم، ثم بعد ذلك تودعه وتنصرف؟ ليس بالضرورة عندما نقول: كن حسن الخلق معه أن تقضي الوقت معه، فهذا زميلك في الفصل أو في المدرسة من هؤلاء وغيرهم عندما تلقاه تبدأه بالسلام وتبش له وتبتسم له وتصافحه، ثم بعد ذلك تودعه.
فلا يعني بالضرورة عندما نطالبك بحسن الخلق أن تقضي وقتك معهم، بل أنا لا أدعو الشباب إلى ذلك، خاصة في هذه المراحل الأولية، فلا أدعو الشاب إلى أن يقضي وقتاً طويلاً مع أمثال هؤلاء، فإنه قد يتأثر من حيث يريد أن يؤثر، يعني: يمكن أن تناصحه، وأن تدعوه مع إخوانك الطيبين إلى مجالات الخير، لكن لا تقضي وقتك معهم، أو لا تذهب وحدك مع هؤلاء فتكون وحيداً، فإنك قد تتأثر بما عند هؤلاء، وقد يستجرك الشيطان بحجة الدعوة والتأثير عليهم خطوة خطوة حتى تقع في فخ هؤلاء، فتصبح بعد ذلك تجالسهم حباً لما عندهم، بل قد ينتقل الأمر بعد ذلك إلى أن تجالسهم حباً لممارسة الشهوات التي يمارسونها.
لذا أرجو أن تفهم هذه القضية جيداً، ففرق بين حسن الخلق والطلاقة والبشاشة، وبين ترك مجالستهم، وأظن أن قضية ترك مجالستهم ومعاشرتهم لا تعني أن تكون مكفهر الوجه، لا تؤدي ﵈، ولا تحسن الخلق معهم، فإن هؤلاء مسلمون، عندهم جوانب خير وجوانب طاعة، ولهم من الولاء -على الأقل- بقدر ما عندهم من الإسلام.
وقد جاء رجل فاستأذن على النبي ﷺ ، فقال: (ائذنوا له بئس أخو العشيرة) فلما دخل هش له ﷺ وبش، فلما خرج الرجل سألت عائشة ﵂ الرسول ﷺ عن سبب هذا التغير، فقال ﷺ : (يا عائشة! شر الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه)، والحديث رواه البخاري وغيره.
فهذا النبي ﷺ يقول: (بئس أخو العشيرة)، ومع ذلك يحسن معاملته والبشاشة له، ففرق بين الأمرين، يحسن معاملته اتقاء فحشه، فمن يحسن معاملة صاحبه رجاء هدايته ورجاء أن يهديه الله على يديه أولى من ذلك، أو -على الأقل- أظن أن هذا الحديث يدلنا على مشروعية حسن الخلق، وحسن معاملة هؤلاء، وإن كان عندهم ما عندهم من الفسوق والعصيان، فنحسن معاملتهم، ونشعرهم بأننا نحبهم، ونحب جوانب الخير فيهم، وإن كنا نكره ما عندهم من المعصية، وإن كان عندنا -لا شك- شعور بقدر من الكره والبراءة مما هم فيه من العصيان، ومع ذلك تبقى قضية الولاء، فهو يقول: لا إله إلا الله، فهو يصلي، ويحب أهل الخير، وعنده جوانب من الخير يجب أن يمنح الحب لأجلها، ومع ذلك قضية حسن المعاملة وحسن الخلق أمر آخر، فأرجو أن يفهم ما قلته حتى لا يلتبس على الإخوة.
стр. 950
الأسئلة
следующие страницы →