← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

رحمة النبي ﷺ بأمته ومن الصفات التي اتصف بها نبينا ﷺ صفة الرحمة، وهي التي وصف بها أهل السنة والجماعة، أنهم أرحم الخلق بالخلق، فلقد وصفه الله بذلك.

стр. 877

ترك بعض الأعمال حتى لا تفرض على أمته وصفه بالرحمة على الخلق والعطف عليهم، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ويمتن الله على المسلمين أن بعث لهم هذا الرسول صاحب القلب الكبير الرحيم ﷺ ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. وتلمس رحمته ﷺ بالخلق في كل أحواله وأموره، كان ﷺ كثيراً ما يترك بعض الأعمال شفقة على أمته حتى لا تفرض عليهم فيعجزوا عن القيام بها، ألم تقرءوا كثيراً في سنته ﷺ قوله: (لولا أن أشق على أمتي)، إن هذا مصداق الوصف الذي وصفه به ربه ، وهو أعلم به: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. فهو ﷺ يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله . ويصلي ﷺ فيصلي الناس بصلاته ثم يعتذر لهم خشية أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلا يطيقوها، ويفرض الله عليه خمسين صلاة فما يزال يراجع ربه حتى تخفف هذه الصلاة رغبة في التخفيف على أمته. ويأمره جبريل أن يقرئ أمته القرآن على حرف فيقول: إن أمتي لا تطيق ذلك، فيقول: أقرئهم على حرفين حتى أوصله إلى سبعة أحرف، ما يزال رحيماً ﷺ بهذه الأمة يخشى أن تكلف ما لا طاقة لها به.

стр. 878

رحمته ﷺ في تعامله مع أزواجه وكان رسول الله ﷺ كما وصفه الله : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨]، نعم لقد يسر ﷺ لليسرى في كل أموره وحياته ﷺ ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنعيش مع جانب آخر من سيرته ﷺ ، وهي سيرته مع أزواجه، ففي حجة الوداع أصاب عائشة ﵂ الحيض مما منعها من أن تعتمر كما اعتمر الناس، فتقول للنبي ﷺ : يذهب الناس بحج وبعمرة وأذهب بحجة، فيقول الراوي: وكان ﷺ هيناً ليناً إذا هوت أمراً تابعها عليه. ومن تأمل سيرته وهديه ﷺ في تعامله مع زوجاته يلمس ذلك واضحاً. إذاً: فقد وصفه الله بأنه رءوف رحيم بأمته، وكان ﷺ في أمور التشريع والعبادة يخشى أن يشق على أمته، ويسعى إلى أن يخفف عنهم وأن يبعد عنهم العنت والمشقة، وكان ثالثاً صاحب القلب الرحيم اللين مع أزواجه ﷺ ، وهو رابعاً مع الأولاد والأطفال ﷺ . جاء أعرابي كما تروي عائشة ﵂ إلى النبي ﷺ فرأى أمراً لم يعهده، رآه ﷺ يقبل الصبيان فقال: تقبلون الصبيان؟ قال ﷺ : نعم، قال: إنا لا نقبلهم، فقال ﷺ : (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك).

стр. 879

رحمته ﷺ في تعامله مع الصبيان إذاً: فهذا الأعرابي الذي ما اعتاد أن يقبل الصبيان وأن يداعبهم جاء إلى ذاك الرجل العظيم الذي يسمع عنه الحديث، ذاك الرجل الذي يهابه الناس ويتحدثون عنه، ويحث الناس سيرهم إليه لتكتحل أعينهم برؤيته ﷺ ، وحق لهم ذلك، فمن رآه ﷺ وآمن به ثبت له فضل لا يثبت لأحد من البشر، فيستغرب هذا الأعرابي أن يرى هذا الرجل العظيم يتعامل مع الصبيان هذه المعاملة. وأيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة (أنه ﷺ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس ﵁، فاستنكر هذا السلوك ولم يألفه قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم. فنظر إليه النبي ﷺ وقال: من لا يرحم لا يرحم). ويصلي النبي ﷺ بأصحابه كما روى ذلك عبد الله بن شداد ﵁ وهو عند الإمام النسائي (فيسجد ﷺ فيأتي الحسن أو الحسين فيرقى على ظهره ﷺ ، فيطيل السجود حتى ظنوا أنه قد نسي ﷺ ، فلما فرغ من صلاته قال: إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أقوم قبل أن يقضي حاجته). الله أكبر، إن هذا القلب الرحيم العظيم ليأبى أن يزعج هذا الطفل الصغير ويقلقه، فيطيل ﷺ سجوده والناس وراءه ينتظر أن يقضي هذا الصبي حاجته فيقوم من نفسه. ويسمع ﷺ بكاء الصبي وهو يصلي وقد نوى أن يطيل الصلاة فيوجز فيها ﷺ حتى لا يزعجهم.

стр. 880

رحمته ﷺ في تعامله مع البهائم وتتجاوز رحمته ﷺ ذلك كله إلى الحيوان البهيم، فيروي عبد الله بن جعفر ﵁: (أن النبي ﷺ دخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح ذفراه فسكت، فقال ﷺ : من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)، رواه أبو داود. الله أكبر ما أعظم هذا القلب الرحيم، وهذا مع ما يحمل ﷺ من عبء الرسالة لا لأصحابه بل للبشرية أجمع، بل للثقلين الإنس والجن، ومع ما يحمله ﷺ من هم وجهد وما يقوم به، ومع ذلك كله يجد هذا الحيوان البهيم مكاناً رحباً واسعاً في قلب هذا الرجل العظيم ﷺ ، فيأتي إلى النبي ﷺ وقد عرف عنه الرحمة فيشتكي إليه، فيجيب الشكوى، ويسأل عن صاحبه ليخبره بشكوى هذه البهيمة، أفلا يتقي الله أولئك الذين حملهم الله أمانة المسلمين وأمانة الجيل، فلئن كان من يتولى هذه البهيمية عرضة للمسألة والإنكار من محمد ﷺ ، فكيف بأولئك الذين دعا عليهم ﷺ ؟ فتتجاوز رحمة النبي ﷺ ورافقه بأمته ذاك العصر الذي عاشه، وذاك الجيل الذي عاشره؛ ليضع ﷺ هذه الضمانة لمن بعده فيدعو ربه ﵎: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)، فيضع ﷺ هذا نبراساً وهدياً لكل من يتحمل أمانة ومسئولية في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، ويدعو ربه ﵎ وتقدس أن يرفق بمن يرفق بأمته، وأن يرحم من يرحم أمته، وأن يشق على من يشق عليها. وأيضاً: يروي الإمام أبو داود في سننه من حديث سهل بن الحنظلية ﵁ (أنه ﷺ مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة). وفي صحيح الإمام مسلم: (أن عائشة ﵂ ركبت بعيراً وكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله ﷺ : عليك بالرفق). وكان ﷺ في سفر كما روى ذلك أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فلما جاء رسول الله ﷺ قال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها). والحديث معشر الإخوة الكرام! ليس حديثاً عن رحمته ﷺ بالبهائم المعجمة والدواب والحيوان، إنما هي إشارة إلى أن ذلك القلب العظيم الرحيم الذي وسع برحمته هذه الدواب لابد أن يكون أرحم وأرفق بأولئك الذين خلقهم الله لعبادته، وخلق كل ما في هذه الأرض لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. وقد أخبر أن رسالته ﷺ رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فرسالته ﷺ وبعثته ﷺ رحمة للجن والإنس. هذه معشر الإخوة الكرام بعض المعالم من هدي أرحم البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهو مع ذلك ﷺ لم يحلنا على هذا الهدي وحده وهو كاف، بل أمرنا ﷺ وحثنا على الرحمة وأعلى لنا شأنها، فأخبر ﷺ أن الراحمين هم أولى الناس برحمة الله.

стр. 881

فضل الراحمين وما يستحقون من ثواب ففي الترمذي وأبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﷺ قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله). والراحمون يستحقون مغفرة الله ، والمغفرة أخص من الرحمة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: (أن رجلاً كان يمشي في الطريق فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب، فلما خرج رأى كلباً يتلوى من العطش؛ فنزل البئر وسقاه، فلما سقاه غفر الله له). وفي رواية أنها بغي من بغايا بني إسرائيل، أرأيتم أولئك الذين ﵏ وغفر لهم وقد رحموا دابة من الدواب؟ فما بالكم بمن يرحم عباد الله الصالحين الأتقياء؟ وكما أعلى النبي ﷺ منزلة الراحمين وأخبر أن الراحمين أولى الناس برحمة الله ومغفرته، كذلك توعد ﷺ أولئك الذين لا يرحمون، فأخبر ﷺ أنهم أبعد الناس عن رحمة الله ، كما في حديث جرير بن عبد الله في الصحيحين أنه ﷺ قال: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس). ومضى معنا في حديث الأقرع بن حابس أنه ﷺ قال: (من لا يرحم لا يُرحم). وأخبر ﷺ أن الذين لا يرحمون أشقياء قد كتبت عليهم الشقاوة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود أنه قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي). وأيضاً مضى معنا قوله ﷺ للرجل الأعرابي: (أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة). إذاً: فالراحمون يرحمهم الله ويغفر لهم، وأولئك الذين نزعت الرحمة من قلوبهم أشقياء قد عوقبوا بنزع هذه الرحمة، وهم أبعد الناس عن رحمة الله ، فالله لا يرحم من لا يرحم عباده، والجزاء من جنس العمل فالذي يرحم الناس يستحق رحمة الله ، والذي يكتم غيظه ويعفو عن الناس يستحق أن يغفر الله له ويعفو عنه. إذاً: هذه وقفة سريعة مع إمام أهل السنة وقائدهم وفرطهم على الحوض ﷺ ، هذه وقفة مع هديه العملي وهديه القولي، وكيف أنه ﷺ كان أرحم الناس: وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء فلم تعرف البشرية أرحم ولا أرفق ولا أعظم خلقاً وهدياً وسمتاً منه ﷺ . أقول: هذا هو إمام أهل السنة، وهذا هو قائدهم، وهو فرطهم على الحوض، فما أحرى بهم أن يجعلوا هديه نبراساً له وأن يتصفوا بهذه الرحمة العظيمة التي وسع بها ﷺ خلق الله ﵎، فصار ﷺ رحيماً بخلق الله حتى البهائم المعجمة كان لها نصيب من رحمته. أقول: بهذا كان أهل السنة هم أهل الرحمة بالخلق، فكانوا خير الناس للناس، وكانوا أرحم الخلق بالخلق، وكانوا يعرفون الحق ويرحمون الخلق، كما نص على ذلك جمع ممن صنف في معتقدهم. وأكرر ما قلته أول حديثي من أن معتقد أهل السنة وأن منهج أهل السنة لا يقف عند مجرد المقررات المعرفية وحدها، ولا عند باب من أبواب العلم والاعتقاد، بل هو منهج وسلوك يطبع حياة المسلم كلها في اعتقاده في ذات الله وفي أسمائه وصفاته، وفيما يجب له وما يستحقه ﵎ من العبادة والتأله والخضوع والاحتكام إلى شرعه تعالى وتقدس، وفي التلقي من الوحيين دون غيرهما، وفي تعظيم أمر الله وشرعه، وفي عبادته ﵎ والاجتهاد في ذلك، وفي باب الخلق والسلوك والتعامل مع الناس.

стр. 882

أهل السنة أرحم الناس ولهذا كان أهل السنة كما قلنا ينصون على هذا الجانب ويؤكدون ما قالوه، هذا هو الإمام أبو عثمان الصابوني ﵀ يقول عن أهل السنة: ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق. ويقول أيضاً في موضع آخر: وأهل السنة فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق. والنقول عن سلف الأمة تطول في ذلك، وانظر في أي كتاب صنفه إمام من أئمة أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين لتراه ينص على أن أهل السنة والسلف يرحمون الخلق، وأنهم يأمرون بإطعام الطعام وإفشاء السلام، ويتحدث عن الجوانب الأخلاقية والسلوكية. فهذا الأمر له أهميته، ولاشك أن الخلل في أمور الاعتقاد بالله أو في أسمائه وصفاته أو عبادته كسر لا ينجبر وخلل لا يرأب، لكن لا ينبغي أن نهمل ذاك الجانب الذي يتصدر بدعوة الناس ويعلن للناس أنه يسير وفق ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وأنه من الطائفة الناجية المنصورة، وأنه يحمل الحق الواضح للناس، ينبغي أن يكون سلوكه وهديه وسمته خير دليل للناس على صدق مقاله، وعلى صدق ما يدعوهم إليه، فيتمثل هذا السلوك وهذا الجانب في حياته كلها وفي سلوكه.

стр. 883

صور الرحمة بالخلق عند أهل السنة

стр. 884

الرحمة بالفقراء والمساكين وأهل الحاجة وصور بالخلق عند أهل السنة في جوانب كثيرة منها: الرحمة بالفقراء والمساكين وأهل الحاجة وقضاء حوائج الناس، ولهم في ذلك أسوة بنبيهم ﷺ الذي كان يعطف على الأرملة والمسكين، وكان ﷺ قبل النبوة والرسالة كان يطعم الطعام، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، كما وصفته بذلك زوجه خديجة ﵂، فكيف يكون الأمر بعد النبوة وبعد الرسالة؟ لاشك أنه ﷺ سيزداد رحمة وعطفاً! إذاً، فأهل السنة والدعاة إلى الله والدعاة إلى منهج أهل السنة ينبغي أن يشعر أهل الحاجات ومن ضاقت بهم السبل أن هؤلاء هم أقرب الناس إليهم، فيمسحون دمعة المسكين، ويسدون خلة المحتاج ويحسنون إلى من يحتاج إلى أن يحسن إليه.

стр. 885

الحرص على هداية الناس وإنقاذهم الأمر الآخر: الحرص على هداية الناس وإنقاذهم: فلاشك أن من أعظم الرحمة بالناس أن يسعى المرء إلى إنقاذهم من عذاب الله ، فإن كان المرء الذي يسعى إلى أن ينقذ فقيراً من جوع ومسغبة، أو ينقذ يتيماً من بؤس اليتم فإنه أولى أن ينقذه من نار وقودها الناس والحجارة وأن يدله على جنة عرضها السموات والأرض، جنة ينسى حين يدخلها ويغمس فيها غمسة واحدة كل شقاء الدنيا وبؤسها. ولهذا يخبر الله عنه ﷺ أنه أرسل رحمة للعالمين، وأعظم رحمة للناس أن أنقذهم الله به ﷺ من الضلال ومن الشرك والكفر به ، وأنقذهم من نار تلظى وقودها الناس والحجارة، لهذا كان ﷺ هو الرحمة المهداة، وكانت حاله ﷺ كما قال عن نفسه: (وأنا آخذ بحجزكم عن النار). يضرب ﷺ لنفسه مثلاً برجل أوقد ناراً فجعل الفراش يتهافت فيها، وهو يذبها عنها، إذاً: من تمام الرحمة وكمالها أن يدعونا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وأن يسعى إلى إنقاذنا من عذاب النار عافانا الله وإياكم منها، ولا يمكن أن يكون رحيماً ذاك الذي يحسن إلى الناس في دنياهم ويهمل عليهم أمر دينهم.

стр. 886

الرفق بمن تحت يدك من الخلق ومن صور الرحمة بالخلق: الرفق بهم في من ولاه الله مسئولية وأمراً وقد دعا ﷺ فقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه). فكل من ولاه الله أمانة ومسئولية من أب أو زوج أو أستاذ أو مدير أو مسئول صغير أو كبير فينبغي أن يرفق بالمسلمين، وأيضاً أن يرفق بالناس في نصحهم وفي تصحيح أخطائهم، ولهذا كان ﷺ كما وصفه معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وقصته مشهورة معروفة، (حين عطس رجل في الصلاة فقال: يرحمك الله ثم رمقه الناس بأبصارهم، فقال: ويل أمي ما بالكم ترمقوني بأبصاركم؟ فيقول ﵁: فبأبي وأمي رسول الله ﷺ ما رأيت معلماً أحسن تعليماً ولا تأديباً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما دعاني وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الذكر والتسبيح والدعاء وقراءة القرآن). والحديث المشهور: حين جاء الأعرابي وبال في طائفة المسجد وانتهره الناس، فأدركه ﷺ بقلبه الرحيم وأعلمه بحق وواجب هذه الأماكن وصيانتها، فقال هذا الرجل: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً، وذلك أنه رأى وعرف الرحمة في قلب النبي ﷺ ، وهذا يفسر لنا معنى قوله ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). إذاً: فمن رحمة أهل السنة بالخلق أن يرفقوا بمن يقع في الخطأ والمنكر، خاصة الذي يقع فيه عن جهل والذي لم يجد من يذكره ويعلمه، فينبغي أن يحسن إليه، وأن يرفق به، وأن ندعوه بعملنا وسلوكنا ورحمتنا قبل أن ندعوه بقولنا وإنكارنا، وأن يعلم هذا الرجل أننا حينما ندعوه وننكر عليه أننا ندعوه ونحن أهل الرحمة والعطف والشفقة والرفق ويرى هذا في سلوكنا، مما يشعره بصدق مقالتنا ودعوتنا، ويدعوه إلى أن يستجيب لما نرجوه ونطلبه منه.

стр. 887

عدم الحكم على الناس بالخروج عن السنة بدافع الغيرة كذلك من الأمور المهمة في الرفق بالناس والرحمة بهم ألا يسعى الإنسان إلى الحكم على الناس ويكون هذا همه، إن البعض من الناس يؤتى من غيرته وحرصه على حماية العقيدة فيتصور أنه بقدر ما يخرج الناس من العقيدة ومن دائرة أهل السنة والتوحيد، بقدر ذلك يكون أكثر غيرة على عقيدة أهل السنة وأكثر حماية لها. وقد يسري وهم خاطئ عند البعض من الناس أن الذين تطول قائمة من يجرحونهم ويخرجونهم من دائرة أهل السنة أن أولئك هم أكثر الناس غيرة على منهج أهل السنة، وأن أولئك هم أصدق الناس توحيداً، فهم أولئك الذين لم ينج منهم أحد، ولن يستطيع أن يفلتهم أحد. نعم، لا شك معشر الإخوة الكرام أن المنتمي إلى هذه العقيدة العظيمة يعز عليه أن تخالف هذه العقيدة، وأن تتسلق أسوارها، ولاشك أن حبه لهذه العقيدة وتمكنها في قلبه تدعوه إلى أن يتجاوز مجاملة الخلق ومداهنتهم على حساب الإخلال بها، لكن هذا أيضاً لا يدعو الإنسان إلى أن يكون همه البحث عن أخطاء الناس والتفتيش عنها ويرى أن هذا من تمام الغيرة على العقيدة، أليس النبي ﷺ يقول لأصحابه: (ما أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئاً)، وحين قتل أسامة ﵁ رجلاً قال لا إله إلا الله، والموقف يوحي ويشعر لكل من يقرؤه أن هذا الرجل قالها تقية، كما قال أسامة إنه رجل كان يقتل المسلمين فما ترك أحداً إلا وقتله، فحين أدركه أسامة ورفع عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأي إنسان لاشك أنه يتصور أن هذا الرجل إنما قال هذه الكلمة فراراً من القتل، وإلا فأين تصديقه بهذه الشهادة وأين إقراره بها قبل ذلك؟ ومع ذلك لما أنكر عليه النبي ﷺ رد أسامة بأنه إنما قالها فراراً من القتل، فقال: (أفلا شققت عن قلبه) يعني: هلا شققت عن قلبه حتى تعرف أقالها صدقاً أم لا؟ يا أخي، ما دام هذا قد أظهر الشهادة وأظهر كلمة الحق فلماذا تفتش عما وراء ذلك، ولماذا تبحث عن قرائن؟ فأغلظ النبي ﷺ على أسامة حتى تمنى أنه لم يسلم إلا هذا اليوم حتى ينجو من هذا الموقف، مع أن القرائن كانت قوية عند أسامة، وهي التي دفعته إلى قتله. وقوله ﷺ : (هلا فتشت عن قلبه) الخطاب ليس لـ أسامة ﵁ وحده، بل هو خطاب للأمة أجمع، أنه ما كلفنا بالتفتيش عن قلوب الناس. يا أخي هذا إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ رسول الله، بل يقول لك: أنا على عقيدة التوحيد، وأنا على هذا المنهج وأنا أسير عليه، وتقول له: لا، إنك لست على ذلك، وتنكر عليه ادعاءه وتذهب تفتش عما يقوله وتبحث عن كلمة تحتمل تأويلاً حتى تخرجه من هذه الدائرة! هل مقتضى الغيرة على عقيدة أهل السنة يقتضي منا هذا المسلك؟ أم يقتضي منا أن نأخذ الناس على ظاهرهم وعلى ما يبدون، فمن أظهر خيراً وصدقاً ونصيحة واتباعاً للسنة قبلنا منه وحسابه على الله ، ومن أظهر خلاف ذلك عاملناه بما يظهر منه. أما أن يأتينا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويظهر الصدق والإقبال على الله ، وينتسب إلى أهل السنة وهي الطائفة الناجية ويسلك سبيلها، ونذهب نكابر ونجادل ويكون الأصل عندنا أن نشك في عقائد الناس حتى يثبت خلاف ذلك، ويكون الأصل عندنا إذا ترددنا في الشخص أن نحكم عليه بخلاف ذلك؛ فلا أظن أن هذه غيرة على عقيدة أهل السنة، ولا أظن أن هذه غيرة على عقيدة التوحيد، وليس من الخدمة لمنهجك أن تسعى إلى إخراج الناس منه، وأن تسعى إلى أن تبعد الناس عنه. لاشك أن الرحمة بالناس والخلق لا يمكن أن تدعونا إلى أن نتستر عن الأخطاء والأمور الظاهرة، لكن شرع الله لنا التعامل مع ما يظهر من الناس ومع ما يبدو منهم، وسرائرهم إلى الله .

стр. 888

عدم البغي على المخالف أيضاً من الرحمة بالخلق التعامل مع المخالف: والمخالفون أصناف منهم: المجتهد المخطئ: فقد يجتهد الإنسان ويبذل وسعه في تحري الحق والبحث عن الدليل ثم يقع في خطأ، فيتأول نصاً من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ على خلاف تأويله، أو تبدو له شبهة أو عارض من العوارض فيصل إلى نتيجة خاطئة، فهذا قد قال عنه ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد). والمجتهد الذي بذل وسعه معذور سواء في الأمور العملية أو الأمور الخبرية، وغالب هؤلاء إنما يقع خطؤه في أمور ليست معلومة من الدين بالضرورة عنده، وقد يخالف أمراً أجمع عليه غيره لكنه قد تعرض له شبهة أو تأويل وله من الخير والفضل والحسنات ما يمحو ذلك، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث. ومنهم الجاهل المعذور الذي قلد من يثق في علمه وورعه ودينه، أو وقع في أمر جهلاً منه عن حسن نية. ومنهم متعد ظالم ومبتدع آثم. ومنهم منافق زنديق. ومنهم مشرك ظالم. فالمخالفون والمخطئون لنا ليسوا على طائفة واحدة، وليسوا على درجة واحدة، ولا يجوز أن نحشرهم كلهم في واد واحد. وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أئمة أهل السنة حديثاً طويلاً مستفيضاً عن الموقف من هؤلاء المخالفين والتعامل معهم، ولهذا فالتعامل مع هؤلاء كل على حسب منزلته، فمنهم من يعذر ويحسن إليه، ومنهم من يغلظ عليه، ومنهم من يهجر، ومنهم من يؤدب على حسب ما هو عليه. المقصود أيضاً أن أهل السنة لا يبغون على المخالف كما قال شيخ الإسلام ﵀، ويرفقون بمن خالفهم على التفصيل الذي أشرنا إليه. وأيضاً يجب أن نلحظ هنا في مسألة وصف أهل السنة أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وأن الرحمة بالخلق لا تكون على حساب المنهج، وأن تؤدي هذه الرحمة إلى المساومة على المنهج الإغضاء عن الابتداع والضلال والخطأ. ومواقف شيخ الإسلام ﵀ العملية تؤيد هذا المعنى الذي قاله، فهاهي مواقفه مع أعدائه الذين امتحن ﵀ بسببهم وأدخل السجن وأوذي وصار له ما صار بسببهم، يقول ابن القيم ﵀: جئت يوماً مبشراً له بموت أكثر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ثم قال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له! ولما مرض مرض الوفاة ﵀ دخل عليه أحد أولئك الذين عادوه وآذوه واعتذر له، فقال: إني قد عذرت وحللت كل أولئك الذين آذوني وخالفوني، ولهذا قال عنه أحد خصومه وهو ابن مخلوف: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، فقدر علينا فصفح عنا وحاج عنا. والمقصود من ذلك كله أننا ينبغي أن نقتدي بإمام أهل السنة وفرطهم ﷺ في هذا الخلق العظيم وهو الرحمة، وأن نرى أنه من تمام انتسابنا إلى منهج أهل السنة أن ننظر إلى سلوكهم وهديهم وورعهم وسمتهم، وأن نقتفي أثرهم عليهم رحمة الله ورضوانه. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن نجاه الله فكان على مثلما كان عليه ﷺ وأصحابه إنه سميع قريب مجيب. ونترك بقية الوقت للإجابة على ما يتيسر من أسئلة.

стр. 889

الأسئلة

стр. 890

رحمة الكفار والفاسقين السؤال هل كان الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يرحم الكفار والفاسقين؟ الجواب هم يرحمون باعتبار الخوف على ما هم عليه؛ لكن أيضاً ينبغي أن يغلظ عليهم وأن يبغضوا كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، وأشار إلى هذا المعنى ابن القيم ﵀ قال: واجعل لقلبك مقلتين كلاهما إلى الخلق ناظرتان فانظر بعين الحق وارحمهم بها إذ لا ترد مشيئة الديان لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن وانظر بعين الحكم واحملهم على أحكامه فهما إذاً نظران فهو يشفق عليهم ويخشى أن يكون مثلهم لكنه أيضاً بعين الحكم ليقيم عليهم حكم الله من البغض في قلبه وإظهار العداوة لهم والبراءة منهم وجهادهم والغلظة عليهم.

стр. 891

الرحمة في إقامة الحدود السؤال كثير من الناس يخلطون بين الرحمة والشفقة على الخلق وبين إقامة حدود الله والأخذ على يد الظالم وغير ذلك، نرجو توضيح ذلك؟ الجواب هو من تمام الرحمة بهم أن تقام عليهم الحدود؛ لأن الحدود كفارة لأهلها، وقد نهى الله أن تقف هذه الرحمة دون عقوبتهم وإعطائهم ما يستحقون فقال: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].

стр. 892

ضرب الأطفال على المخالفات السؤال ما حكم ضرب الأطفال على أخطاء بسيطة يرتكبونها في المنزل، وما توجيهكم حفظكم الله لمن يستعمل الشدة مع أبنائه ويرى أنها الأسلوب الأمثل في التربية؟ الجواب أظن أننا قد أشرنا إلى ذلك في درس دور المرأة في التربية، وأحياناً نكون مثاليين في تعاملنا مع أطفالنا، ونريد من الطفل ألا يرفع صوته، وألا يكسر إناءً، وألا يكتب على حائط، وألا يحرك ساكناً ولا يسكن متحركاً، نريد منه أن يكون كالجماد فعلاً، وهذه صورة مثالية لا يمكن أن ندركها، فهناك أمور طبيعية تكون من طبيعة الطفل، فيجب أن نكون واقعيين في التعامل مع الأطفال، وهذا أيضاً لا يعني أن يربى الطفل على الفوضى والعبث، فينبغي أن يشعر الطفل أنه توجد خطوط حمراء لا يتجاوزها، وأنه يمكن يحاسب على خطئه، والحساب ليس بالضرورة بالضرب والقسوة، وقد يلجأ إلى الضرب حين يحتاج إليه، لكن ينبغي أن يكون آخر شيء.

стр. 893

التشديد على الطلاب بالضرب والواجبات السؤال أنا مدرس وكثيراً ما يقع مني أن أشدد على تلاميذي مرة بالضرب أو بأداء التمارين الرياضية أو الإكثار من الواجبات المنزلية، فهل هذا خارج عن الرحمة؟ مع أني أرى أن هذا جزء من مصلحتهم وجزاك الله خيراً. الجواب كونك ترى أن هذا جزء من مصلحتهم هذا ما هو أولاً: معيار لصحة سلوكك وعدم رب مجتهد للخير لم يبلغه، وافرض أنك رأيت أن من مصلحتهم أن تخرجهم من المدرسة إلى الشارع، فهل تكون هذه مصلحتهم. على كل حال يجب أن يكون أمامنا قول النبي ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)، فلنستعمل الرفق بالناس والإحسان إليهم، وهذا لا يعني طبعاً أن نهملهم وأن تضيع أمورهم، لكن الحزم الذي نرى أنه نتخذه في مسئوليتنا وإمارتنا سواء كنا آباءنا أو أساتذة أو مسئولين في أي جهة ينبغي ألا يخرجنا عن هذا الإطار وهذه الدائرة. ثم الأخ يذكر أنه يعاقبهم بالإكثار من الواجبات، وأنا أظن أن الغرض من الواجبات هو إعانة الطالب على فهم المادة واستيعابها وربطه بالمادة المقررة، وليس في الواجبات عقوبة، فهذا يجعل الطالب يكره مثل هذا الأسلوب، والمدرس ليس في ميدان صراع مع عدو يتمنى أن يجهز عليه، لكن القضية قضية تعليم وتربية وتوجيه.

стр. 894

الإعانة على المعصية السؤال هل أسمح للمستأجر عندي بوضع الدش على بيتي؟ الجواب القاعدة: لا يجوز للمسلم أن يعين على المعصية بحال من الأحوال أياً كانت المعصية، وقد لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، ولعن في الخمر شاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.

стр. 895

أسلوب التعامل مع الطفل وتربيته السؤال ذكرت أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يشفق على الأطفال ويحبهم ويلاعبهم، فكيف نتعامل مع الأطفال فإني إذا لاعبته ودلعته جعل يتدلع ويتميع، فهل أسلوب الشدة هو الحل أم ماذا؟ الجواب الحل هو أسلوب الوسط، وينبغي دائماً أن تكون عادة المسلم الرفق واللين، وأحياناً تأتي مواقف تحتاج إلى الحزم، فالقسوة المزعجة خلل، وترك الحزم في موضع الحزم يحول الأطفال إلى حياة وأسلوب غير صالح. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الراحمين الرحماء، وأن يجعلنا وإياكم ممن رحم الخلق فرحمهم وغفر لهم، وألا يجعلنا وإياكم ممن نزعت منه الرحمة، إنه سميع قريب مجيب. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 896

فن التهرب من المسئولية الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مسئولية كل مسلم، ولو قام كل واحد بجهد يسير في ذلك لانتشرت الدعوة إلى الله وعم خيرها؛ لكن الكثير منا يتهرب من مسئوليتها بأعذار غير مقبولة في كثير من الأحيان.

стр. 897

التهرب من مسئولية الدعوة إلى الله وأسبابه الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد: فإن واقع المسلمين اليوم لا يخفى على الجميع، ولعل أصدق وصف ينطبق عليه قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) ولا شك أن القيام بهذه الأمة ورفع الغربة وإزالتها، وإعادة الأمة إلى ما كانت عليه من المكانة الشرعية التي اختارها الله لتتبوأها لتكون خير أمة أخرجت للناس، ولتكون أمة شاهدة على الناس مسئولية الأمة جمعاء لا تخص أحداً دون أحد، ولا طبقة دون طبقة مهما تفاوتت المراتب ومهما تنوعت أعباء المسئولية، فإن النصوص التي خاطب الله هذه الأمة أن تعمل بها لتكون خير أمة أخرجت للناس عامة، وقد جعل شرط تلك الخيرية أن تتصف بصفة الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فهذا النص وغيره من النصوص الأخرى التي تدل على مضمونه هل تخاطب فئة معينة من الناس؟ هل هي موجهة إلى أولي الأمر؟ أم موجهة إلى العلماء أو طلبة العلم؟ أم إلى شريحة معينة من المجتمع؟ أم أنها موجهة إلى كل مسلم يقرأ القرآن؟! ومما يدل على مضمونه قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] هذه الأمة أخرجها الله لتحمل الهداية للبشرية جمعاء، وهذه النصوص التي خاطب الله بها هذه الأمة -كما قلت- ليست خاصة بفئة دون فئة، ولا بطبقة معينة من الناس، بل هي عامة لكل مسلم مكلّف يقرأ القرآن أو يسمعه. وكذلك النصوص الواردة في السنة النبوية والتي توجب على الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ، فالنبي ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذا الخطاب خطاب للأمة جميعاً، فكل مسلم يرى منكراً مخاطب بهذا النص الشرعي، ومخاطب بقوله ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بهديه، ثم إنه تخلف بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). بالله عليكم عندما تقرءون هذه النصوص ماذا تفهمون منها؟! كل مسلم -مهما كان مستواه العلمي والثقافي، بل مهما كان مستوى إيمانه، حتى المسلم الفاسق المقصر، والمسلم الذي يرتكب الكبائر- داخل تحت هذه النصوص. وهذا إذا كان يصدق على واقعة من الوقائع فيها منكر وأمر مخالف لأمر الله ورسوله، فكيف إذا كان الواقع كله يحتاج إلى تغيير؟! لا شك أن المسئولية تكون آكد، وكما كان الخطاب عاماً في الصورة الأولى لكل من رأى منكراً -سواء كان عالماً أو جاهلاً أو تقياً أو فاسقاً- فكذلك هذه النصوص مخاطب بها المسلمون جميعاً، ولا تخص أحداً دون أحد. نعم تتفاوت المسئولية تبعاً لما عند الإنسان من علم، وتبعاً لموقعه وولايته، وتبعاً لعدة أمور يختلف فيها الناس ولكن تبقى بعد ذلك المسئولية مشتركة، فالمسلمون كما قال النبي ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم) فكل واحد من أبناء هذه الأمة يتكلم باسم الأمة، فهو عندما يجير رجلاً يُقبل جواره، وعندما يسعى بذمة المسلمين فهو أيضاً يتكلم باسم المسلمين، فهم يد واحدة على من سواهم. وهذه معان أظن أنها بدهية، ولكن -أيضاً- مما نعاني منه غربة مثل هذه المفاهيم، والتي هي أحوج ما تكون الأمة إليها حتى تنهض من سباتها. ولكننا عندما نخاطب الناس -سواء خطاباً عاماً أو خطاباً خاصاً- على اختلاف طبقاتهم نجد التهرب من المسئولية والتخلي عن هذه المسئولية وإلقاء المسئولية على الآخرين، ومحاولة اكتشاف أعذار ومبررات تخلص المرء من أن يتحمل هذه المسئولية ليلقيها على غيره، وهذا التهرب له أسباب، فما الذي يدعو المرء إلى أن يتهرب من المسئولية ويحاول أن يلقي بها على غيره؟ أحياناً يكون المرء لديه شبهة، فيرى أنه لا ينبغي له أن يأمر وينهى لقلة علمه، أو لأنه وقع في معصية أو لغير ذلك، فهو يعتقد أصلاً أنه غير مخاطب بهذا الأمر وأن واقع المسلمين واقع مؤلم وأنه يجب إعادة الأمة إلى مكانها الطبيعي، ولكن يرى أن الأمر يُخاطب به غيره، وأنه غير مخاطب. وأحياناً يعلم ويدرك أن المسئولية مناطة به ولكنه يحاول أن يتنصل؛ لأنه لا يتحمل تبعات هذه المسئولية، والقضية ليست قضية يسيرة، أعني عندما نطالب بإعادة صيا

стр. 898

أساليب التهرب من المسئولية بعد ذلك ننتقل إلى النقطة الأساسية في هذه المحاضرة، وهي أساليب التهرب من المسئولية. وقد تكون متداخلة، وهذه قضية لا تهمنا، الذي يهمنا أن أمامي فكرة أريد أن أنقلها إليكم بأي صورة، وأن أحملكم هذه الأمانة؛ لأننا مأمورون أن نتواصى بالحق وأن نتواصى بالصبر جميعاً.

стр. 899

الدفاع عن واقع المجتمع أول أسلوب نمارسه للتخلص من المسئولية هو الدفاع عن واقع المجتمع. نحن عندما نطالب الناس بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يتحملوا المسئولية تجاه هذا المجتمع فإن هذا فرع عن مقدمة أخرى اتفقنا عليها قبل، وهي أن واقع المجتمع واقع مخالف، فكيف تطالب الناس بالدعوة وواقع المجتمع واقع سليم؟ فالبعض يبدأ يناقشك في المقدمة أصلاً، يقول لك: يا أخي! واقع مجتمعنا واقع سليم، فلا داعي لهذا الحديث والمبالغة عن المشاكل التي يواجهها المجتمع، ولا داعي للمبالغة في الحديث عن الانحراف الموجود في صفوف المجتمع، وهي قضايا إما أنها قضايا تبالغون فيها أنتم أصلاً، أو أنها قضايا يمكن أن تحصل في أي مجتمع وقد وقعت في مجتمع النبي ﷺ ، أليس في مجتمع النبي ﷺ -مثلاً- من وقع في الزنا؟! أليس في مجتمع النبي ﷺ من شرب الخمر؟ وهكذا يعطيك قائمة من تلك الحوادث التي كانت حوادث فردية وقعت في مجتمع النبي ﷺ ، أو في مجتمع الخلفاء الراشدين، حتى يقول لك: إنها الصورة نفسها، قد يكون حجم هذه الحوادث وحجم هذه المخالفات في مجتمعنا أكثر، لكن هذا لا يُخرج مجتمعاً عن كونه مجتمعاً واقعاً في وضع سليم. قضية لا يمكن أن نتفق عليها، يعني أنت تقول: إن واقع المجتمع واقع سليم، وأنا أقول: واقع غير سليم! لا يمكن أن نصل إلى نتيجة بمثل هذا الأسلوب، لكن نريد أن نطرح السؤال، نتأمل في واقع المجتمع قليلاً. أولاً: قد أكون أنا أتحدث عن هذا الجانب باعتبار أنني أتعامل معه من خلال عملي في ميدان التعليم، أو من خلال عنايتي نوعاً ما بهذا الموضوع. جانب الفساد الأخلاقي في أوساط الشباب، وانتشار الشذوذ والفساد قضية مزعجة، وأظن أن هذه وحدها كافية أن تعطينا صورة عن مدى الانحراف الموجود في المجتمع. صورة عن بعد المجتمع عن الواقع الشرعي، وفي الواقع أنني أملك معلومات وقضايا موثقة لكنني أتردد كثيراً في عرضها؛ لأنني أعرف أنها مزعجة، وأعرف أن أثرها قد يكون على الكثير هو ردة الفعل، فالكثير عندما يُصدم بمثل هذه المعلومات، ييأس ويتصور أن القضية انتهت. ونحن لا نتحدث من فراغ، ولا نتحدث من مبالغة، ولكني قادر أن أذكر لكم صورة واحدة من النماذج المتكررة والمزعجة من هذا الواقع إلا أنني لا أرى أن أذكر مثل هذه المعلومات التي قد يكون لها آثار سلبية، لكن يكفي أن أقول: إن هذا الواقع سيئ وواقع مؤلم، والذي لا يعلم ذلك فهو قد يكون بعيداً عنه، لكن الذي يعمل في قطاعات أمنية، يعمل في قطاعات لها علاقة بمخالفات الشباب وما يتعلق بها يدرك مصداق ما أقول. الجانب الاقتصادي في حياتنا: والجانب الاقتصادي جزء أساسي من كيان الأمة، من كيان مجتمعنا، نحن نتحدث عن مجتمعنا الذي نجد الناس يدافعون عنه، أليست حياتنا الاقتصادية قائمة على الربا من أولها إلى آخرها على المستوى الفردي، وعلى المستوى الرسمي، وعلى المستوى العام في كافة الأمور، وأصدق دليل على ذلك أنك تذهب إلى أي قرية من القرى لا تجدها تخلو من بنك ربوي. وليست المشكلة وجود بنك ربوي، أو بنوك تمارس الربا أو أن الربا أصبح أمراً له شرعية، لكن المشكلة أن الربا دخل في الحياة الاقتصادية فحياتنا الاقتصادية بكافة جوانبها قل أن تخلو من الربا، وحتى تعرف مصداق ذلك يمكن أن تتحدث مع كبار التجار لترى ذلك، فإنك عندما تذهب إلى أي محل تجاري لتشتري علبة ألبان، أو علبة مياه صحية، أو أي منتج صناعي، تشتريه وأنت لا يدور في بالك شيء، لكن هذا غالباً يكون قد دخله الربا، أما شركة الألبان مثلاً أو شركة المياه الصحية أو غيرها، فسيكون عندها فائض أموال ستودعه في البنك بفائدة. وعندما تحتاج أحياناً سيولة ستقترض بفائدة. وإذا سلمت مثلاً شركة الألبان من التعامل بالربا فشركة التغليف الذي تصنع العلب كذلك، وإذا سلمت هذه فالموزع، وهكذا قل ما تجد منتجاً أو سلعة إلا وقد دخلها الربا بصورة أو بأخرى. أظن أنكم جميعاً تعرفون أن هذا لا يعني أننا نحرم مثل هذه الأمور، ولا أن الإنسان الذي يتعامل مع مثل هذه السلعة أو مع مثل هذه الشركة يتعامل بالربا، لكن حتى أصور لك أنه ليست القضية قضية وجود الربا! بل إن الربا أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا الاقتصادية، بل أصبحت وللأسف مجتمعاتنا تعتبر منافسة في القضايا الربوية، ولعل الفضائح الذي تخرج وما يتعلق بالبنوك العالمية، وتقرءون عنها كثيراً وتسمعون عنها. خذ جانباً آخر كجانب المرأة وما فيه، وعلى كل حال فنحن لا نريد أن نسهب في الحديث عن الصور المؤلمة في مجتمعنا والتي يكفي جانب واحد منها ليعطينا قناعة أن مجتمعنا بحاجة إلى أن تتضافر الجهود لإعادته إلى الواقع الشرعي. مرة أخرى نطرح هذا السؤال المحدد الذي نريد من كل رجل يدافع عن المجتمع أن يجيب عليه إجابة سيسأل عنها أمام الله : هل واقع المجتمع الآن يرضي الله أم لا؟ هل هذا هو الواقع الشرعي أم لا؟ ونحن لا نبالغ فنقول: نعم مجتمعنا مسلم، وفيه جوانب خيّرة، ولك

стр. 900

الاعتراف بالخلل مع اعتباره أحسن الموجود أن يعترف لك بأن المجتمع فيه مخالفات، وأن المجتمع فيه خلل، ولكن يقول لك: مجتمعنا أحسن المجتمعات يا أخي نحن أحسن دولة في العالم، عندنا أجهزة رسمية غير موجودة في العالم، كجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، وعندنا رئاسة تعليم البنات، وعندنا تقام الحدود، والأمور الشرعية ظاهرة، وهكذا يُعطيك قائمة من المزايا التي يمتاز به هذا المجتمع عن غيره من المجتمعات، وهي قضية نسلّم بها ابتداء فنسلّم نحن أن مجتمعنا خير المجتمعات الموجودة في الجملة، ولكن إذا استعملنا هذا المنطق مثلاً ورتبنا المجتمعات الإسلامية الآن وحصل مجتمعنا على ترتيب رقم واحد مثلاً، فسنجد مجتمعاً بترتيب رقم اثنين، ولا بد أن فيه خللاً ومخالفات جعلته يتأخر فيحصل على المرتبة الثانية، فسيقول المجتمع رقم اثنين: أنا أفضل من سائر المجتمعات، وأيضاً سيأتينا مجتمع رقم ثلاثة ويقول: أنا أفضل أيضاً من سائر المجتمعات، حتى يأتينا آخر مجتمع في القائمة فيقول: أنا على الأقل موجود في دستور الدولة أن دين الدولة الرسمي الإسلام، فهو أفضل على الأقل من دولة دينها الإلحاد. فلماذا نحتج نحن بأننا خير من غيرنا، ولا يحتج الآخرون بأنهم خير من غيرهم، سيقول الآخرون: نعم نحن يفوقنا مثلاً أربعة مجتمعات أو خمسة مجتمعات لكننا على الأقل أفضل من غيرنا، فلماذا لا تذهب إلى الدول الأخرى التي ينص دستور الدولة على أنها علمانية وعلى أنها دولة إلحادية، فهذا هو المنطق نفسه وإن اختلفت الصورة، أو اختلف حجم المقارنة لكن النتيجة التي يؤدينا إليها استخدام هذا المنطق هي النتيجة. ثم مرة أخرى نطرح السؤال نفسه: هل واقع المجتمع واقع يرضي الله ورسوله أم لا؟ هل هذا الواقع هو الذي اختار الله هذه الأمة لتكون عليه أم لا؟ هب أننا اتفقنا على أن مجتمعنا من أفضل المجتمعات، وأن الظواهر السرية في المجتمع لا تستبعد إثارة الناس وحثهم على الدعوة والمشاركة وأن يتحمل كل منهم مسئوليته، فما مدى تحمل مجتمعنا لمسئوليته في هذا الدين ما دمنا الآن خير المجتمعات، وما دمنا وصلنا إلى المستوى فعلاً المطلوب؟ فالدين ليس خاص بجزيرة العرب، وليس خاصاً بهذه البلاد، بل هذا الدين للبشرية جمعاء، فما مدى قيام مجتمعنا بهذا الدور؟ فالواجب أن تكون سفاراتنا كلها مراكز دعوة لهذا الدين، وتحمل هذا الدين وتمثل هذا الدين، وبعوثنا الرسمية كلها تمثل هذا الدين، ومنتخباتنا الرياضية تمثل هذا الدين؛ لأنها تمثل هذا المجتمع، وكل إنسان يخرج من مجتمعنا يدعو إلى هذا الدين. نترك هذه القضية ونقول: الآن يتوافد إلى مجتمعنا آلاف الناس من أقطار العالم، سواء من غير المسلمين أو من المسلمين. فما مدى قيامنا بالواجب الدعوي تجاه هؤلاء؟ يأتينا غير المسلمين، فهل ندعوهم للإسلام؟ وما هي البرامج المنظمة لدعوة هؤلاء للإسلام؟ إنها جهود محدودة قائمة على جهود أفراد، ومهما كانت فهي لا تساوي حجم هذا العدد الهائل من العمالات الوافدة علينا من كافة أنحاء العالم، فهل نحن ننظم برامج لدعوة هؤلاء للإسلام؟ كذلك العمالة المسلمة التي تفد إلى هذه البلاد، نحن كثيراً ما نقول للناس: إننا أهل التوحيد وبلد التوحيد، ونحن الأوصياء على التوحيد وأولئك يقعون في الشرك، وما ينبغي الصلاة خلف رجل لا تدري أهو من أهل التوحيد أم لا؟ لكن ماذا فعل أهل التوحيد لأولئك الذين يفدون. يأتينا أناس عبّاد قبور، ويبقى في مجتمعنا عشرين سنة، خمسة وعشرين سنة ويذهب إلى بلاده لم يسمع كلمة واحدة، ولم يقدم له دعوة من التاجر الذي يعمل عنده، أو قريبه، أو الذي يصلي معه في المسجد فإذا كنا نوافق هذا الرجل الذي يقول إن مجتمعنا ليس فيه حاجة إلى إعادة الدعوة فيه، فنقول: يا أخي لا نريدك أن تذهب للعالم وإن كان هذا من واجبنا، لكن نريد أن تؤدي دورك تجاه الذين يفدون إلى هذا المجتمع؛ لأن هذا المجتمع ما دام خير المجتمعات وما دام هو بلد التوحيد وهو بلد الحرمين، فيجب أن يكون هو الرائد في الدعوة إلى الله ، وأن يكون المجتمع بكل ما يمثّله داعياً إلى الله .

стр. 901

تضخيم الفساد والانحراف وتقليل ثمار الدعوة الأسلوب الثالث: هو الأسلوب المعاكس، تضخيم الفساد والانحراف: فعندما تتحدث مع بعض الناس سيذكر لك ألواناً من الفساد والانحراف الواقع في المجتمع، ثم يقرن هذا بضآلة الجهود المبذولة للدعوة، وهي جهود محدودة، ماذا تصنع أنت؟ تأتي مثلاً تلقي محاضرة، أو خطبة، أو تتكلم مع الطلاب في الفصل وتلقي عليهم كلمة وموعظة وقد يتأثر الجميع، ولكن هذا يذهب إلى المنزل فيرى التلفاز، يرى الفيديو ويهدم في دقائق كل ما بنيته، يذهب مع زملائه في الحي، أو مع زملائه في المدرسة أو حتى مع بعض أقاربه فيُهدم كل ما بنيته، واتسع الخرق على الراقع، والقضية لن يحلها إلا أمر بقدر الله ، فيبدأ يتحدث لك عن ألوان الفساد، والانحراف، الفساد الموجود، والفساد القادم بصورة تجعله يائساً من أن يقدم أي عمل، ويرى أن أي عمل نتائجه محدودة، وحتى لو فرضنا أننا قدمنا عملاً وعملنا جهوداً وأنتجت فسرعان ما تزول هذه النتائج ويُقضى عليها.

стр. 902

الاستسلام للأمر الواقع الأسلوب الرابع: الاستسلام للأمر والواقع: يقول لك هذا الواقع فماذا تصنع؟ ويعطيك بعض الأمثال العامية التي كثيراً ما نسمعها، والتي هي رد لأمر لله ورسوله، مثل قولهم: هل تريد أن تسد السيل بعباءتك؟ كما يقول المثل العامي، أو هل أنت وكيل آدم على ذريته؟ أو غيرها من العبارات التي غاية ما فيها أنها مخالفة لأمر الله ورسوله. أنا ما أريد أن أسد السيل بعباءتي، ولست وكيلاً على الناس، لكن أنا مكلف شرعاً أن أُنكر أي منكر أراه، مكلف أن أساهم في رفع هذه الغربة عن الأمة. فتتحدث عن منكر أو فساد، أو عن قضية معينة يقول لك: هذا الواقع، وماذا نصنع؟ ونحن في آخر الزمان، وإلى آخره، ويسرد لك من مآسي الواقع ما يشعرك بأن الرجل قد أصابه اليأس والإحباط ويرى أن هذا الواقع قد أصبح يفرض نفسه. ونحن نقول: من الذي صنع هذا الواقع؟ ألم تكن مجتمعات المسلمين قبل وقت قريب وقبل قرون قريبة مجتمعات محافظة تحكم بشرع الله ؟ فما الذي غير الواقع؟ أليس الذي غيره هم الناس؟ فالناس الذين غيّروا الواقع أظن أنهم قادرون، بل هم أقدر على أن يغيروه للأصلح، فإهمال الناس وتخليهم عن دين الله لم يكن كله مقصوداً، أعني أن كل هؤلاء الذين ساهموا بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما كان مقصودهم تدمير الأمة، فإن الذين يسعون في تدمير الأمة قلة إذا نسبتهم إلى حجم الأمة، لكن بقية الأمة شاركت في هذا الواقع بصورة غير مباشرة بالتخلي، فعندما تهب الأمة لتغيير الواقع فالذي جعلها تغير الواقع من حسن إلى سيئ يجعلها قادرة وبصورة أكثر على أن تغيره من سيئ إلى حسن، ولماذا لا يتغير هذا الواقع؟ ولماذا لا تتبدل الصورة؟ ما الذي يمنع؟ الآن لو جاء وبعث أحد الذين ماتوا في الجيل الذي سبقنا لدهش مما رآه الآن من الفساد الموجود في المجتمع الذي لم يكن يألفه، هذا التغير السريع يمكن أن يحصل بنصف الوقت الذي حصل فيه بدون مبالغة؛ لأن الناس هم الناس، وهم الذين غيّروا الواقع، ولكن عندما يسعون للتغير الأصلح فعندهم دافع قوي، وعندهم قبل ذلك كله تأييد الله وإعانة الله وتوفيقه، وعندهم رصيد الفطرة الموجود الذي جعلهم يوقنون أن هذا الفساد سيوصلهم إلى طريق مسدود.

стр. 903

الانشغال بالمصالح الخاصة الأسلوب الخامس: الانشغال بالمصالح الخاصة. يعني عندما تطلب من أي إنسان أن يشارك في أي أمر كأحد طلبة العلم: نريدك أن تسافر إلى منطقة قريبة لتلقي محاضرة أو تعطي كلمة أو أي جهد دعوي تقوم به، فتطلب منه أي عمل يحتاج إلى أن يفرغ له جزءاً من وقته، وحينئذ سيعطيك قائمة من الأعذار: أنا عندي المنزل، والأولاد، والزوجة، أو أعمال خاصة وارتباطات خاصة، وأنا إنسان لي ظروفي الخاصة. فنقول: هل أنت كائن آخر غير البشر يا أخي؟ كل الناس عندهم زوجات وعندهم أبناء، بل النبي ﷺ الذي يقول: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلاف سرية تغزو في سبيل الله) كان عنده تسع زوجات وكم غزوة غزاها النبي ﷺ ؟ ناهيك عما يقضيه النبي ﷺ من وقته لخدمة دين الله وهو في المدينة، وهو في حجر أزواجه، وهو في مسجده، في كل حياته كان النبي ﷺ يعيش لهذا الدين ولهذه الأمة، وكان يمنعه ﷺ من أن يشارك في كل غزوة وكل سرية ما كان يمنعه زوجاته وأهله، ومهما كنت لن تكون خيراً منه ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). أصحاب النبي ﷺ منهم من دفنوا في الهند، وتحت أسوار القسطنطينية، وفي أفريقيا هنا وهناك، أين كانت قبور أصحاب النبي ﷺ ؟ ألم يكن لهم أزواج؟ ألم يكن لهم أبناء؟ ألم يكن لهم ضيعات وبساتين؟ بل كانت ظروف أولئك غير ظروفنا، الآن يستطيع أحدنا أن يسافر إلى منطقة ثم يعود في نفس اليوم وبكل راحة أحياناً أحد مشاغله في نفس المدينة قد يأخذ عليه أكثر مما يأخذه عليه السفر إلى تلك المدينة وغيرها، وهكذا قائمة بمثل هذه المشاغل وهذه الظروف التي يبديها لك الإنسان حتى يتخلص من المسئولية. وإذا أتيت إلى طالب العلم قال: أنا عندي بحث، أنا عندي رسالة ماجستير، عندي رسالة دكتوراه، عندي مشاغل، عندي كذا وكذا حتى تطلب منه أن يلقي محاضرة لا تحتاج منه إلى تحضير وقد تكون جزءاً من بحثه فيعتذر، أو تريده أن يشارك في مشروع أياً كان فيعتذر لك بمثل هذه الأعذار الطويلة، لكن عندما تدعوه إلى وليمة تجد عنده استعداداً لأن يأتي، أو تدعوه إلى مناسبة فتجد عنده استعداداً فأقول: يجب أن نعيد النظر في كثير من هذه الأعذار والمشاغل الخاصة التي ننشغل بها، أنا لا أدعو الإنسان إلى أن يترك أهله ويترك أزواجه ويعطّل مصالحه الخاصة جملة وتفصيلاً؛ لكن أريد أن نكون واقعيين، وأريد أن أضرب لكم مثالاً آخر: لو أن الإنسان أتيح له فرصة عمل خارج الدوام الرسمي، أو أتيح له فرصة انتداب لمدة شهر أو شهرين، فالكثير من طلبة العلم نلح عليه أحياناً ونطلب منه أن يشارك في محاضرة أو كلمة نعرف أن مادتها موجودة عنده فيعتذر بأن عنده رسالة ماجستير، أو رسالة دكتوراه، ويأتيه أحياناً انتداب لمدة شهر فيذهب ولا يهم رسالة الماجستير أو الدكتوراه، ولا يهم زوجة، ولا أبناء فكل المشاغل هذه لا أدري كيف انتهت؟ ثم من القضايا المعروفة لدينا جميعاً أن الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهناك فرق بين عصرٍ الأمةُ فيه ممكنة، يبقى واجب المسلم أن يعبد الله ، وأن يخدم الأمة بما تحتاج، وينكر المنكر بما يراه، فرق بين هذا العصر وبين العصر الذي تعيش فيه الأمة أسوأ أحوالها.

стр. 904

الاحتجاج بعدم القدرة الأسلوب السادس: الاحتجاج بعدم القدرة. يقول لك: أنا معك لكن أنا لا أستطيع، أنا إنسان ضعيف في العلم أنا إنسان! لا شك أن هناك واجبات وأن هناك أموراً من أمور الدعوة قد لا يطيقها، ولا يقوم بها إلا أناس يملكون العلم ويملكون الخبرة، لكن هناك ما سوى ذلك، وسأعطيكم مثالاً تقيسون عليه ما وراءه. الرجل كبير السن الذي يتوكأ على عصاه، والمرأة العجوز التي لا تعرف أن تقرأ وتكتب قادرة على أن تخدم الأمة، وذلك أنه عندما يعلن في أي منطقة من المناطق عن محاضرة ويأتي هذا الرجل كبير السن يتوكأ على عصاه ويجلس في المسجد، فمجرد حضوره هذا يعتبر تشجيعاً لإقامة هذا النشاط؛ لأنه كلما كثر الحضور في مثل هذه المحاضرات كان ذلك أكثر دافعاً للمحاضر ولغيره أن يزيد منها، وبالتالي فهي رسالة غير مباشرة تبعث إلى المفسدين يقال فيها: هذه الأمة تريد هذا الخير، الأمة لم تعد وراءكم، والناس لم يعودوا وراءكم فهم يسيرون وراء الدعاة إلى الله . قد يحضر الرجل كبير السن محاضرة ولا يستوعب منها إلا القليل ولا يدرك إلا القليل، لكن عندما تنتهي المحاضرة يدعو لهذا المحاضر فيقول: جزاك الله خيراً وزادك علماً، ونفعنا وإياك، وحماك الله من شياطين الإنس والجن وغيرها من الدعوات التي نسمعها كثيراً من أولئك، فمجرد هذه الدعوة مطلوبة ويعتبر هذا الرجل قد قدّم خدمة، لأنه لا يدعو لزيد من الناس، وإنما يدعو لإنسان تصدى للدعوة، وتصدى لخدمة هذا الدين، فعندما يدعو له أن يزيده الله علماً، أن يزيده ثباتاً، أن يغفر الله له، قد يكون هذا صاحب تقصير ومهمل في حق نفسه، وذاك رجل صاحب عبادة ومجاب الدعوة فيجيب الله دعوته فينفع الله الأمة بدعوة مثل هذا، ونعتقد نحن أيها الأخوة أننا ما نُسقى ولا يأتينا الغيث إلا بدعوات أولئك الضعفاء أولئك العبّاد، البعيدون عن كل شهوة وعن كل هوى يخالف أمر الله ورسوله، فمثلاً إذا كانت هذه المرأة تستمع الشريط وتدعو لهذا الرجل الذي تسمع كلماته، وهذا الرجل أيضاً كبير السن كذلك فإنه يقدّم خدمة للأمة، ما بالك بعد ذلك بمن وراءه، أظن أن أقل الناس قدرة قادر على أن ينقل مثل هذه الأفكار التي يسمعها في خطبة جمعة أو يسمعها في محاضرة ينقلها بصورة أو بأخرى بتعبيره الخاص بلغته الركيكة الضعيفة إلى الآخرين، قادر مثلاً أنه يأخذ شريطاً ويعطيه الآخرين، قادر أن يصنع شيئاً كثيراً. لأضرب مثالاً آخر من واقع الطلاب، أو واقع الشباب باعتبار أنهم أقل الطبقات سناً نأتي إلى واقع المدرسة، ونجد صورة تتكرر كثيراً في الجو الدراسي، فنأخذ صورتين ونعرف أن الطالب وحده قادر على أن يعالج مثل هذه المشكلة، ويعالج مثل هذه الصورة، لكنه هو يتوهم أنه غير قادر. فمثلاً: المخالفات اللاأخلاقية من كلام، أو حركات، أو ممارسات، فيراها في الفصل، يراها في الممرات، يراها عند المقصف في كل مكان في المدرسة، فماذا يصنع الطالب؟ أعرف أن الكثير من هؤلاء الشباب يتألم عندما يرى مثل هذا المنكر، لكنه يعتقد أن القضية مسئولية الإدارة أو مسئولية الأستاذ فلان أو مسئولية فلان وفلان، وأنه غير قادر على أداء هذه المسئولية، فإذا كان عندنا فصل دراسي فيه خمسة من الشباب الأخيار، وكان كل واحد يرى أن الإنكار عليه واجب، فإن هذا يأتي إلى فلان ويقول له: اتق الله، لا يجوز لك أن تفعل هذا الأمر، أو يقول له باللغة الدارجة: عيب عليك تفعل هذا الكلام! وكل إنسان قادر أن يقول هذه الكلمة، ولا تحتاج إلى علم، ولا إلى فصاحة ولا إلى بلاغة. وإذا لم ينفع هذا الأسلوب فإنك ترتفع إلى لغة التهديد، فتقول له: إذا لم ترتدع فأنا سأخبر الإدارة، أو سأخبر الأستاذ فلاناً، فهنا قد يرتدع، فيرتدع جزء منهم عندما ينصح، ويرتدع جزء عندما يهدد، فإذا لم ينفع التهديد فإنك تخبر الإدارة فعلاً، وهذا من وسائل إنكار المنكر فيقضى على هذا المنكر. فإذا كانت هذه الصورة سائدة عند كل الشباب الذين يمقتون هذا المنكر، وكان كل واحد منهم يقوم بهذا الواجب الذي أجزم أن كل الشباب قادرون عليه، فما النتيجة؟ النتيجة أن الذي يريد أن يهم بمثل هذا الأمر سيتلفت يميناً وشمالاً، فإذا رأى واحد فقط من هؤلاء الأخيار كف عن هذه المعصية. فبتعاون هؤلاء الشباب نستطيع أن نقضي على المنكرات الظاهرة في المدارس، مع العلم أن هناك عدداً كبيراً من الطلاب لا يتعلم هذه الأمور إلا في جو المدرسة، لأن والده محافظ عليه حتى لا يحتك بالآخرين، وقد يكون بعضهم لا يتصل بالعالم الخارجي إلا من خلال جو الدراسة، فلا يتعلم هذه الأمور إلا في المدرسة، فعندما نقضي عليها في المدرسة ونقضي عليها في الشارع، ونقضي عليها في المناسبات العامة، وتنتهي عن إعلانها أمام الناس سنجد أن فئة كبيرة من الشباب لن يقع في مثل هذه الممارسات. الصورة الثانية: يأتي شاب محافظ، شاب مستقيم، شاب خيّر، فيتعرف على صحبة سيئة وخلال أيام أو أسابيع سرعان ما يهوي، ويكون بغير الوجه الذي كنت تعرفه عليه، صورة متكررة يراها الأساتذة ويراها الطلاب جميع

стр. 905

تحميل المسئولية على طبقة معينة الأسلوب السابع: تحمل المسئولية على طبقة معينة، كطبقة الحكام أو المسئولين. حين تحصل مخالفات يقول: والله المسئول عنها هم الحكام أو المسئول عنها المسئول الفلاني. تحصل مخالفات مثلاً داخل الحي، فيقول: هيئة الأمر المعروف والنهي عن المنكر هي المسئولة عنها، والمفروض أن تقوم بهذا، أو المسئول إمام المسجد، أو المسئول فلان وفلان من الناس، ونوزع هذه المسئوليات على الناس. وهناك كلمة تسمعها كثيراً في المجالس عندما يثار الكلام عن أي مشكلة موجودة في الواقع، خذ مثلاً قضية البث المباشر والصحون التي أصبحنا نراها في كل مكان، فعندما تثار القضية في أي مجلس يكون السؤال ما دور العلماء؟ ويبدأ الجميع ينتظرون العلماء أن يقوموا بواجبهم، وكأن الكتاب والسنة إنما هو خطاب للعلماء وحدهم، والنبي ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته) أعلى طبقة في المجتمع الإمام الأعظم، ثم حتى آخر فئة (والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) العبد الذي لا تجب عليه الجمعة ولا تجب عليه كثير من التكاليف التي تجب على الحر هو راع أيضاً ومسئول عن رعيته، فكل الأمة مسئولة، وكل الناس مخاطبون بالنصوص الشرعية لا يستثنى منها أحد. نعم أيها الأخوة المسئوليات تختلف، والأمانة تختلف تبعاً لموقع الإنسان، فالمسئولية التي على الطالب ليست كالتي على الأستاذ، والمسئولية التي على العامي ليست كالتي على طالب العلم، والمسئولية التي طالب العلم ليست مثل المسئولية التي تجب على العالِم، ولكن المسئولية في الجملة مشتركة في حق الجميع.

стр. 906

نقد الجهود الدعوية الأسلوب الثامن: نقد الجهود الدعوية: كثيراً ما نسمع نقد الجماعات الإسلامية، والأعمال الموجودة في العالم الإسلامي. الآن هناك جهود ولله الحمد نراها في كل مكان مراكز إسلامية، جمعيات إسلامية، تجمعات تقوم بخدمة هذا الدين والدعوة إليه، وقد يحصل منها مخالفات فعلاً، فنجد أحياناً بعض الناس حتى يدافع عن نفسه بصورة غير مباشرة يمارس النقد لمثل هذه التجمعات، فالجماعة الفلانية لا تعتني بالعلم الشرعي، والجماعة الفلانية عندها مخالفات، والجماعة الفلانية عندها بدع، والجماعة الفلانية عندها كذا وكذا حتى نقضي على كل تلك الجهود. يأتي هنا يقول لك: والله هؤلاء الشباب يجمعون الشباب على قضايا فارغة لعب كرة، وإضاعة وقت، وقضايا ليس فيها فائدة، أولئك يقصرون في العلم، أولئك يقصرون في العبادة، وأولئك ويعطيك قائمة من الانتقادات الشباب أصحاب الهيئات يقومون بجهد لكنهم ما عندهم عناية بالعلم الشرعي ولا يفقهون هؤلاء أصحاب المراكز الصيفية عندهم كذا وكذا هؤلاء عندهم كذا وكذا ويعطيك قائمة من الانتقادات لكل من يقوم بجهد دعوي، فلماذا ينتقد الجهود الدعوية؟ لأنه عندما يشيد الجهود الدعوية سيقال له: أين دورك أنت؟ وأين موقعك في الساحة؟ لكنه عندما ينتقد يبقى هو على الأقل سالماً من الأخطاء التي وقع فيها الآخرون. وللأسف أنه أصبح الآن يكفي لتسقط فلاناً من الناس أنك تنجح في إثبات أنه ينتمي إلى جماعة معينة أو أنه له علاقة بجماعة معينة حتى تقضي عليه في أعين الناس، ومتى كانت هذه تهمة؟ نقول: نعم، هناك خلل موجود ولا شك سواء في الأنشطة الإسلامية، أو الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة، ولا زلنا ندعو إلى تصحيح الخلل، لكن هذا شيء والأسلوب الذي نمارسه للتهرب من المسئولية شيء آخر، أن نقضي على هذه الجهود ونلغيها كلها، وهي جهود لا تساوي شيئاً عند الكثير من الناس، وهو لا يصنع شيئاً، ماذا يصنع هو؟ يجتمع في المجالس مع فلان وفلان من الناس، طيب ماذا قدّمت؟ لنفترض أن كلامك سليم مائة بالمائة، وهؤلاء يضيعون أوقاتهم، وهؤلاء لا يقدمون شيئاً، وأنت ماذا قدّمت للأمة؟ لا يعرف إلا ترداد مثل هذه الكلمات، فيجب أن نحذر ونعرف أنه ليس من الفقه ولا من العلم، وليس من علو قدرة الإنسان أن يستطيع أن ينقد الأوضاع فالنقد سهل فهذا المكان لو طلبنا من كل واحد منا أن ينقد، فإنه يستطيع أن يجد فيه أخطاء فنية في تصميمه، كل إنسان يستطيع أن يكتشف لنا أكثر من خطأ، لكن لو يقوم هو بالعمل لم يستطع. لو طلبنا الآن من أحد الشباب أن يقوم فيلقي كلمة، فكل واحد منا يستطيع أن يجد عليه خطأ في اللغة، أو يجد أنه استشهد بحديث ضعيف، أو ترك هذه النقطة ما بيّنها، فكل إنسان يستطيع أن يجد عليه أكثر من ملاحظة، لكن لو يقوم قد لا يستطيع أن يأتي بنصف ما أتى به. فالنقد أمر يجيده الجميع لكن العمل شيء آخر، ونحن لا نمانع من النقد بل نطالب بالنقد والتصحيح، وبيان الأخطاء بالأسلوب الشرعي، لكن هذا شيء كما قلت وأن يكون هذا وسيلة غير مباشرة للتهرب من المسئولية كما يمارس الكثير شيء آخر.

стр. 907

دعوى التفرغ لتحصيل العلم الأسلوب التاسع: دعوى التفرغ لتحصيل العلم. نقول ابتداءً: العلم الشرعي مطلوب، ويجب أن تقوم الصحوة على العلم، ويجب أن نعتني جميعاً بالعلم الشرعي، وليس أن نصرف جزءاً من أوقات الفراغ، بل أن نفرغ جزءاً من أوقاتنا لتعلم العلم الشرعي والعناية به، ويجب أن نوجه الشباب لهذا العلم والعناية به وتعليمه، لكن هنا منطق آخر، وهو أن بعض الناس يقول: أنا أريد أن أتفرغ لتحصيل العلم، فنقول: هب أن كل إنسان عنده رغبة في العلم، وأظن الناس الأخيار جميعاً يشتركون في وجود قدر من الرغبة في التفرغ للعم وإن كانت متفاوتة، لكن ما النتيجة؟ لن يبقى بعد ذلك عندنا من يقوم برعاية هؤلاء الشباب. أضرب لكم مثالاً واقعياً: الآن من أكثر الناس الذين لا يُتاح لهم فرصة لطلب العلم الشباب العاملون في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يسهر طويلاً ثم ينام في الصباح ثم يرتاح قليلاً، ويقابل أهله، ثم يعود بعد ذلك ليعيد الدوام مرة أخرى، الآن هذا المركز مثلاً عندنا فيه عشرة من الشباب لو قالوا: نريد أن نتفرغ للعلم فسيتعطل هذا العمل، فمن سيقوم به؟ سيقوم به إنسان يريد مجرد الوظيفة، وتخيل المنكرات التي ستوجد عندما يزول أمثال هؤلاء، فهؤلاء مجرد وجودهم يحجز كثيراً من المنكرات. وهكذا كل العاملين في الدعوة إلى الله الذين يرعون الشباب ويفرغون جزءاً من أوقاتهم مع هؤلاء الشباب، عندما يتفرغون للعلم ستكون النتيجة أنه يتوجه الشباب للشوارع، أن يتوجهوا إلى تلك التجمعات التي لا تصدهم عن العلم وعن الطاعة فحسب، بل توقعهم في مساوئ الانحراف. أيضاً: جزء من هذا قد يكون مقبولاً عندما تأتينا شخصيات على مستوى من النبوغ وعندها قدرات فذة فيمكن فعلاً أن يُفرغ هؤلاء، بل يجب أن يُفرغ قدر من هؤلاء الشباب الذين عندهم نبوغ وقدرات علمية جيدة، فيجب أن يُفرغ هؤلاء ولو حتى من كثير من أمور الدعوة، حتى ينفعوا الأمة ويخدموا الأمة، والبقية يشتركون في العلم والعناية به وطلبه وإنفاق نفيس أوقاتهم فيه؛ لكن هذا شيء وأن يكون عائقاً عن أداء الواجب الشرعي شيء آخر، أرجو أن يفهم ما أقوله، ولا يُساء الفهم.

стр. 908

الاعتذار بالوقوع في المعاصي الأسلوب العاشر: وهو من جنس ما أشرت إليه في المقدمة وهو مما يُساء فهمه، وهو الاعتذار بالوقوع في المعاصي. البعض من الناس يعتذر بأنه يقع في معاص، إما أنه مثلاً يقع في معاص معينة، أو أن مظهره لا يؤهله، حيث إن مظهره تظهر فيه المخالفات الشرعية فهذا لا يؤهله لأن يقوم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قضية قديمة وليست قضية جديدة، ولذلك يقول سعيد بن جبير ﵁: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر) فقال الإمام مالك ﵀ تعليقاً على هذه العبارة قال: (وصدق! من ذا الذي ليس فيه شيء). والحسن وهو معروف بأنه من أشد السلف ورعاً في قضية العمل بما يقول، كان يقول لـ مطرف بن عبد الله: (عظ أصحابك، قال: أخاف أن أقول مالا أفعل، فقال له: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر). فهذه قضية كما قلت يعتذر بها الكثير، وهو يرى فعلاً أن هذا عذر شرعي، يرى أنه يقع في معصية من المعاصي وهذا بالتالي لا يجيز له أن يتحدث أمام الناس، وأن يعظ الناس؛ لأنه عندما يعظ الناس ويذكرهم ويدعوهم كأنه يظهر أمام الناس بغير مظهره الحقيقي وكأن هذا نفاق، وكأنه داخل تحت قول الله : ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]. والنبي ﷺ يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) فلا يمكن أبداً أن يوجد أحد يسلم من الذنوب حتى العلماء، وحتى الدعاة، فأي إنسان لا بد أن يقع في الذنب ولا بد أن يقع في التقصير، وهل تتخيل أن الذين يتصدرون للدعوة أو لتربية الشباب، أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لتعليم العلم، أو غيرها من أبواب الدعوة، هل تتصور أن هؤلاء مقتنعون بما هم عليه وراضون عن حالهم مع الله ؟ الكثير منهم ترى ذلك في مقاله وتراه في لسانه حاله، حيث يعترف بالتقصير والخطأ لكن تقصيرك في هذا الواجب لا يعني أن تقصر في الواجب الآخر، وهي قضية كثيراً ما ترد عند الشباب ويرد عنها التساؤل، ومن قبيل المصادفة اليوم أنه وصلتني رسالة من أحد الشباب من منطقة بعيدة وقد ذكر فيها أنه يقع في معصية ثم يقول: إنني كنت أنصح الناس ولكني لم أعد أتكلم مع بعض الشباب؛ لأني أخاف من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ومن يوم يعظ الظالم على يديه، وأحفظ قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. يقول: كنت أعظ الناس وأوجه الشباب لكني أخشى من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، لاحظ كيف يصنع الشيطان فعلاً فيوقعنا في مثل هذا الفهم الخاطئ، يعني يترك هذا الأمر خوفاً من الله ! يا أخي خوفك من الله وورعك يجب أن يدفعك إلى العكس، الخوف من الله والورع يجب أن يدفعك إلى الأمر والنهي، وموعظة الناس ولو كنت حتى مقصراً في هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، والسلف أورع منا، وأكثر منا إدراكاً لنصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومع ذلك ما تركوا هذه الأمور خوفاً مما نحتج به.

стр. 909

انتظار مجيء القادة الأسلوب الحادي عشر: انتظار لبعض الأوقات. مشكلة الأمة أنها تتعلق بالأشخاص فينتظر كثير من الناس أن يأتي خليفة راشد مثل عمر بن عبد العزيز أو قائد مثل صلاح الدين أو أحد مثل ابن تيمية أو غيره من المجددين فيقلب الأمور رأساً على عقب. وبين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال وهذا الوهم لا يزال يسيطر علينا، نحن نقول: حتى لو وجد هذا القائد فنحن لا ندري هل يبقى سليماً أو لا؟ فما موقف الذين يحاربون الدعاة إلى الله ، يجابهونهم بألوان السجن والاضطهاد بل والقتل أحياناً، وحتى لو سلم من هؤلاء فلن يسلم وللأسف من بعض الصالحين، سيتهم بأنه إنسان مقصر بالعلم، أو أنه وقع في بدعة، أو أنه من دعاة التهييج، أو غيرها من العبارات التي تُمارس ضد هؤلاء، فحتى لو وجد المؤهل فأجزم أنه لن تسير الأمة كلها وراءه، بل هناك من سيواجهه ويقف وراءه، والمؤهل والقائد لا يمكن أن يسير وحده إذا لم تسر الأمة وراءه. ولذلك بعض الناس يحلو له أن يقرأ مثلاً نصوص المهدي المنتظر أو غيرها من النصوص، أو ينتظر أن يأتي رجل آخر غيره، ولم لا يكون واحداً من بيننا؟ لا يكون ابني أو ابنك مثلاً هو هذا الرجل؟ وما الذي يمنع؟ صلاح الدين وفلان وفلان أليسوا بشراً؟ ليسوا أناساً يحملون مواصفات خاصة أبداً، ولا جاءوا من السماء.

стр. 910

الفهم الخاطئ لبعض النصوص الأسلوب الثاني عشر: الفهم الخاطئ لبعض النصوص الشرعية. وقد أشرنا إلى جزء منه؛ لكن هناك نصوص أخرى مثل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، وقول النبي ﷺ : (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متّبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة). وهذه قضية أظن أنها معروفة لدى الجميع، وأن مثل هذه النصوص يقابلها نصوص أخرى متضافرة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب الدعوة إلى الله ، فلم نحتج بهذه النصوص ونترك غيرها؟

стр. 911

الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير كذلك من الأساليب الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير. بعض الناس عندما تخاطبه يقول لك: أنا مقصر والله المستعان، ونسأل الله أن يتوب علينا، وتنتهي القضية هنا! وهذا لا يكفي. نعم الاعتراف بالتقصير عندما أناقشك في أمر سابق، أو أناقشك عن فترة سابقة وأقول لك: كنت مقصراً، كنت تفعل كذا وكذا؟ فيحق لك أن تقول: نعم أنا كنت مقصّراً، وأسأل الله أن يتوب عليّ، لكن لا يصح أن تكون قاعدة! يا أخي! إذا عرفت أنك مقصّر، فما الواجب عليك؟ وللأسف أن هذا المنطق أحياناً يستعمله بعض الأخيار، وبعض الناس من طلاب العلم، ألا تدري يا أخي أن تقصيرك هذا يُعتبر معصية لله؟ فلم أنت تتورع عندما تفوتك صلاة الجماعة؟ وتتورع أن تقع في أي معصية من المعاصي ولا تتورع عن إخلالك بهذا الواجب الشرعي، ما الفرق بينهما؟ أليست واجبات شرعية؟ قد يتفاوت مثلاً قدر وجوبها لكنها تشترك بأنها واجبات شرعية، فالذي أوجب عليك صلاة الجماعة أوجب عليك هذا الواجب، والذي أوجب عليك بر الوالدين وأوجب عليك كل التكاليف الشرعية أوجب عليك ذلك، فلم نراك تعتني بالنوافل أحياناً وتحاسب نفسك عليها حساباً عسيراً وعندما نخاطبك بأمور الدعوة وأمور خدمة الدين لا تزيد على أن تقول: إنني مقصر وأسأل الله أن يتوب عليّ؟ إذا كنت مقصّر فهذا يعني أنه تقصير ستحاسب عليه أمام الله كما تُحاسب على غيره من الأعمال، فالنبي ﷺ يقول: (إن الله ليسأل العبد المؤمن حتى ليسأله يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فيقول: يا ربي خشية الناس فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى).

стр. 912

انتظار فتح المجال أسلوب آخر: انتظار فتح المجال. بعض الناس يريد أن يُفتح له مجال رسمي، أو أنه مثلاً يُعطى توجيهاً معيناً أو تكليفاً معيناً، وليس عنده استعداد بعد ذلك أن يعمل ولا أن يقدم خدمة لدين الله ، والإجابة نقرأها في قصة لـ عبد الحميد بن باديس ﵀ حين قال له الحاكم الفرنسي: إما أن تقلع عن تعليم تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت لك الجنود ليغلقوا المسجد، فقال عبد الحميد بن باديس: لا تستطيع ذلك، قال: كيف؟ قال: إذا أتيت إلى عرس ذكّرت الناس المحتفلين، وإذا أتيت إلى مجلس عزاء وعظتهم، وإذا ركبت في حافلة ذكّرت المسافرين، وإذا سجنتموني وعظت المسجونين، وإذا قتلتموني التهبت مشاعر المواطنين، وخير لك أيها الحاكم أن لا تواجه الأمة في دينها. أي: فافعل بي ما تشاء فأنا لا زلت أحمل هذه الدعوة معي إلى أي مكان وأنقل هذه الدعوة حتى تقتلني، وحينئذ ستلتهب مشاعر الناس وسيكون قتلي شهادة، وبعد ذلك يعرف الناس أنك رجل مواجه للأمة في دينها وهذا يدعوهم إلى أن يتمسكوا بدينهم فنريد مثل هذا المنطق، نريد أن يكون عندنا مثل هذه الروح التي كانت موجودة عند عبد الحميد ﵀ أنه لا ينتظر فتح المجال، بل هو نفسه يستغل هذه المجالات ويسعى لفتح المجالات، ثم هبوا أنها أُغلقت أمامنا الأبواب، هل يعني هذا أن نتخلى عن الدعوة؟ هل يعني هذا أن نتخلى عن تبليغ دين الله ، وعن إعداد الأمة؟ لا يمكن أبداً. كذلك انتظار التكليف والتوجيه، فبعض الناس ينتظر تكليفاً مباشراً وعنده استعداد لما يُكلف به من جهة رسمية أو من أستاذ له أو من شخص يثق به فعندما يحدد له واجباً يقوم به خير قيام، لكن ليس عنده مبادرة فردية. يا أخي عندك تكليف قبل هذا كله من الله وتكليف من الرسول ﷺ ، والذي كلّف من يكلّفك هو الله وقد أمرك بالأمر والنهي، أمرك بالدعوة، هذا تكليف فوق تكليف البشر.

стр. 913

عدم وجود الثمرة كذلك أحياناً من الأساليب عدم وجود الثمرة: بعض الناس يرى أنه لم يثمر، يرى أنه عمل ولم ينتج، أو يرى أن هذا العمل أصلاً غير منتج، إما أنه يفترض أنه غير منتج وهو ما دخل فيه إلى الآن، أو أنه قد عمل عملاً ولم ير له نتيجة، فنقول: أولاً: هذا ليس صحيحاً أبداً وهي قضية يدركها الجميع، فإن كل مجال من مجالات الدعوة نتائجه -ولله الحمد- ظاهرة وبارزة، يدركها الجميع. ثانياً: هب أنك لم تنتج، هب أنه لم يحصل ثمرة، هل أنت مكلف بهذه النتيجة؟ هل أنت مكلف بهداية الناس، ومحاسب عند الله كم يهتدي على يديك من إنسان، وكم يترك المعصية لأجلك من إنسان؟ أم أنك محاسب على القيام بهذا الواجب؟ فالتكليف ليس عائداً على أن يهتدي على يديك فلان أو فلان من الناس؟ وهل أنقذت فلاناً أو فلاناً من الناس؟ بل التكليف عائد على: هل قمت بهذا الواجب أم لا فقط؟ ولذلك يقول النبي ﷺ : (يأتي يوم القيامة النبي وليس معه أحد، والنبي ومعه الرجل والرجلان). إذاً هذا النبي لم يكن لدعوته ثمرة ظاهرة أمامه في الدنيا، ولكن هل يعني هذا نقصاً من حقه؟ بل هذا النبي أفضل من الدعاة الذين يهتدي على يديهم الآلاف؛ لأن هذا نبي رسول وأولئك من عامة الناس، فليست العبرة فيما أنتجت، وكم اهتدى على يديك؟ بل العبرة: هل قمت بالواجب الشرعي أم لا؟ مع أنه لا يوجد عمل يقوم به أي إنسان إلا ويرى ثمرته ظاهرة، وهذا من عاجل بشرى المؤمن، ومن رحمة الله بنا أن نرى الثمرة أمامنا عاجلة، وإلا فإن الثمرة الحقة هي ما نراه عند الله ، ونحن لا نقول لأي إنسان: طهّر المجتمع من المنكرات، أو اهد فلاناً أو فلاناً نقول فقط لكل إنسان: قم بواجبك فقط، ولا يهمك بعد ذلك أن تنجح الدعوة أو لا تنجح، أو أن يزول المنكر أو لا يزول، هذا أمر بيد الله ، ثم بعد ذلك أنت إذا رأيت نتيجة عملك محدودة فبإمكانك أن تعيد النظر، قد يكون أسلوبك خاطئاً، قد يكون عملك غير دقيق، قد يكون هناك طريقة أخرى أفضل من تلك الطريقة التي سلكتها.

стр. 914

المبالغة في الإشادة بإنجازات الصحوة وأخيراً من الأساليب: المبالغة في الإشادة بإنجازات الصحوة: لا شك أن الصحوة الآن ولله الحمد موجودة وظاهرة وعامة يدركها الجميع، لكن نحن أحياناً نتعامل مع مثل هذا الواقع، يعني أنت مثلاً تحضر في المركز الصيفي هنا وترى عدداً من هؤلاء الشباب الأخيار، تذهب إلى محاضرة في المسجد ترى مثل هؤلاء الشباب، تذهب تصلي الجمعة فتراهم، تذهب إلى مكة مثلاً في العشر الأواخر فتراهم، ويخيّل لك أن هذه السمة السائدة في المجتمع، لكن يا أخي في الوقت الذي أنتم فيه في هذه المحاضرة هناك الآلاف من الشباب موجودون على الأرصفة، والآلاف موجودون في الأسواق، والآلاف في أمكنة الله أعلم بها العشر الأواخر الذي تسافر فيها أنت إلى مكة هناك عدد يكاد يكون مثل هؤلاء الشباب بل أضعافهم يسافر إلى الخارج ليتمتع بالشهوات المحرمة، لكنها صورة لا ترى، في الوجه الآخر من المجتمع. حين يسافر الإنسان إلى أي منطقة يقابل هؤلاء الشباب، وهذا التوجه فيتخيل أن المجتمع كله بهذه الصورة! فأحياناً نبالغ فنقول: الحمد لله الأمور بخير، ما فيه حاجة لي أنا إذاً هذه النتيجة، يعني في كل مكان هناك من هو قائم بهذا الأمر، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في تربية الشباب، في أبواب الجهاد، في خدمة المسلمين في الداخل والخارج كل الأبواب أبواب ولله الحمد عاملة وأبواب مليئة بالناس فلا حاجة إذاً لنا! ليس صحيحاً أبداً، بل لا تزال الساحة تحتاج إلى أضعاف الأضعاف الذين يعملون بها، وأنا لا أقلل من إنجازات الصحوة بل هي إنجازات يدركها الجميع والذي يقلل منها يتغافل، أو يغفل، لكن أقول: يجب أيضاً أن لا تخدعنا هذه النظرة ونتخيل أننا قطعنا مسافة لم نقطعها بعد.

стр. 915

نماذج قرآنية لتحمل مسئولية الدعوة إلى الله أخيراً لعلي أن أشير باختصار إلى بعض النماذج التي ذكرها الله في القرآن الكريم من الناس الذين كانوا يدركون مسئوليتهم من آحاد الناس، فمثلاً في قصة موسى لما تآمر عليه فرعون وملؤه قام رجل مؤمن ذكر الله قصته في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] إلى آخر الآيات وحواره الطويل معهم. رجل مؤمن كان يكتم إيمانه، ما كان من العلماء ولا من المشهورين لكنه رأى أن من واجبه أن يدافع عن موسى، وأن يدافع هذه الدعوة. نموذج آخر في قصة أصحاب القرية ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣ - ١٤] إلى آخر الآيات وفيها بعد ذلك: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]. لاحظ معي هنا هذا الرجل الذي لا يظهر لنا من خلال السياق أنه صاحب علم، فالدور الذي قام به يستطيع أن يقوم به كل إنسان، قال: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] يعني غاية ما يقوله للناس: اتبعوا هؤلاء الذين يدعونكم إلى الله ، وإلى دين الله، فلما قُتل هذا الرجل ودخل الجنة ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] لا يزال يحمل هاجس الدعوة حتى بعد أن مات وبعد أن دخل الجنة يتمنى أن قومه الذين قتلوه يعلمون بما غفر الله له، حتى يسلموا، وحتى يتوبوا ويدخلوا الطريق انظر فعلاً إلى ما كان يحمله هذا الرجل من هم، ولذلك يقول ابن هبيرة: تأملت حال هذا الرجل فرأيت عجباً، يقول: جاء من أقصى المدينة ولم يأت من وسطها، وجاء يسعى ولم يأت راكباً نموذج آخر في قصة سليمان لما تفقد الطير وفقد الهدهد: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١] فلما جاء الهدهد قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤] يعني الهدهد يرى أن مسئوليته على الأقل أن يبلّغ عن هذا المنكر الذي رآه، أن يبلّغ عن أمر أحاط به ولم يحط به سليمان، وماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أنه نظراً لأن هذا الهدهد قام بهذا الدور دخلت هذه الأمة في الإسلام ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤] ومن كان وراء إسلامهم؟ البداية كانت من هذا الهدهد. نريد أن يكون عندنا على الأقل ولو من يحمل روح وعقلية ذاك الهدهد مع أنه غير مكلف، وهي جهود يستطيع أن يقوم بها آحاد الناس وأفراد الناس. عندما تخاطب أحياناً بعض طلبة العلم وبعض الناس الذين هم على مستويات عالية، بل هم أحياناً أفضل منك يعتذر لك بأنه لا يستطيع، ويذكر لك قائمة من هذه الأعذار التي سبق أن أشرنا إليها، الآن استخرج لي إحصائية سنوية كم يتخرج من الكليات الشرعية عندنا في هذا المجتمع؟ احذف نصفهم، ثم احذف نصف النصف يبقى الربع فقط، فلو أن ربع الخريجين جعل لنفسه في السنة أسبوعاً فقط يذهب إلى منطقة من المناطق المحتاجة، ويحضر له موضوع خلال السنة كلها، ويأتي إلى هذه القرية ويلقي هذه المحاضرة، ثم يلقيها في القرية الأخرى، ويعيدها ويكررها في أكثر من موطن، وآخر جاء وألقى نفس المحاضرة في أكثر من مدرسة مثلاً، والآخر كذا وكذا، لحصل خير كثير. بل لو أن نسبة عشرة بالمائة فقط منهم من حملة العلم الشرعي لحصل ذلك، لكن أين حملة الرسائل الأعلى رسائل الماجستير والدكتوراه في التخصصات الشرعية؟ وما نتيجة هذا العلم الذي حصّلوه؟ إنه كما قلت الأسلوب الذي نمارسه لنتهرب من المسئولية، ونحن نحتاج من كل إنسان مهما كان تخصصه، ومهما كانت قدراته ومهما كان مستواه إلى أن يقوم بدور
следующие страницы →