← Тараджим

Тараджим · id 37379

الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق

راغب السرجاني

Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة الصديق_ حب رسول الله ﷺ حب النبي ﷺ فريضة من فرائض الدين التي لا يتم إسلام المرء إلا بها، وقد ضرب الصحابة الكرام أمثالاً عظيمة في حبه ﷺ ، ومنهم الصديق الأكبر ﵁ وأرضاه، أكثر الناس وأعظمهم حباً للنبي ﷺ .

стр. 2

أهمية دراسة التاريخ الإسلامي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم فقهنا في الدين، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علماً. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب، وفي هذا الجمع المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا أجمعين، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. قد تحدثت قبل ذلك كثيراً عن أهمية دراسة التاريخ الإسلامي، وأشرت قبل ذلك كثيراً إلى أنه لا جديد على الأرض، نعم والله لا جديد على الأرض، والتاريخ يكرر نفسه بصورة عجيبة، فنفس الأحداث نراها رأي العين، ولكن باختلاف في الأسماء والأمكنة. فمن يدرس التاريخ بعمق يكون كأنه يرى المستقبل ويقرأ ما يجد على وجه الأرض من أمور، ولا يخدع بسهولة مهما تعاظمت المؤامرات ومهما تعددت وسائل المكر والمكيدة. من يدرس التاريخ بعمق يعرف أين يضع قدمه وكيف يقود نفسه ومجتمعه وأمته، ويكون كالشمس الساطعة تنير الطريق لأجيال تتلوها أجيال، وقد يمتد أثره إلى يوم تقوم الساعة، كيف لا وقد ذكرنا من قبل أنه لا جديد على الأرض؟ ويكفينا في ذلك قول الله : ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وهذا أمر من الله . ولكن قص القصة أو رواية الرواية لا يغني شيئاً إن لم يتبع بتفكر وتدبر، فدراسة التاريخ ليست دراسة تكميلية أو جانبية أو تطوعية، بل دراسة التاريخ ركن أساسي من أركان بناء الأمة القوية الصحيحة. وفي دراستنا للتاريخ نعرض لأمور لا تستقيم حياة المسلمين بغيرها، وستجدون أننا في دراستنا للتاريخ نعرض لأمور من العقيدة وأمور من الفقه وأمور من الأخلاق وأمور من المعاملات، وأمور من الأحكام، ونعرض لفقه الموازنات والأولويات، ونعرض لفقه الواقع وغير ذلك من الأمور، وإن شئت فقل: نعرض لكل أمور الدين، فإن الله في كتابه الحكيم يقص القصة فيعرض فيها الحجة التي تقنع العقل، ويعرض فيها الرقائق التي تلمس القلب، وقد يعرض فيها أمراً عقائدياً، وقد يعرض فيها حكماً فقهياً، ثم هو يربط القديم بالحديث، والتاريخ بالواقع، والماضي بالحاضر، فتشعر أن التاريخ حي ينبض ولساناً ينطق. ولا يحدثنا عن رجال ماتوا ولا عن بلاد طواها التاريخ بين صفحاته العديدة، بل يحدثنا عن أحداثنا وينبئنا بأنبائنا، ويخبرنا بأخبارنا. فالتاريخ ثروة حقيقية، ولكنها مدفونة تحتاج إلى بذل مجهود وتفريغ وقت وحشد طاقات، وتحتاج إلى عقول وقلوب وجوارح، يعني: لن ينفع جهد رجل أو رجلين أو عشرة أو جهد يوم أو يومين أو سنة، بل تحتاج إلى جهود إلى جهود علماء كثر، وتحتاج إليكم جميعاً يا من ترجون للإسلام قياماً. التاريخ الإسلامي هو أنقى وأزهى وأعظم وأدق تاريخ عرفته البشرية، ووالله! إني أشعر أن الدنيا قد سعدت بتدوين التاريخ الإسلامي، فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة، أمة خاتمة، أمة صالحة، أمة تقية نقية، هو تاريخ أمة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، داعية إلى كل خير، محاربة لكل شر. التاريخ الإسلامي هو تاريخ رجال ما عرف التاريخ أمثالهم، رجال فهموا دينهم ودنياهم فأداروا الدنيا بحكمة، وعيونهم على الآخرة، فتحققت المعادلة العجيبة، عز في الدنيا وعز في الآخرة، ومجد في الدنيا ومجد في الآخرة، وملك في الدنيا وملك في الآخرة، التاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارة جمعت كل مجالات الحياة في منظومة رائعة راقية، حضارة جمعت الأخلاق والسياسة والاجتماع والاقتصاد والمعمار والقضاء والترفيه، جمعت القوة والإعداد والذكاء والتدبير، جمعت كل ذلك جنباً إلى جنب مع سلامة العقيدة وصحة العبادة وصدق التوجه ونبل الغاية، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. هذا هو التاريخ الإسلامي في أصله وجوهره، ولا يمنع ذلك أنه يحوي أخطاءً بعضها عظيم، ويشمل عيوباً بعضها خطير، وإنه لمن العبث أن ندعي أنه بياض بلا سواد، ونقاء بلا شوائب، لكن أيضاً من الظلم البين أن نلصق أخطاء المسلمين بدين الإسلام؛ فالإسلام دين لا ثغرة فيه ولا خطأ ولا عيب، فهو دين محكم تام كامل، أنزله الذي يعلم السر وأخفى الحكيم الخبير، ومن خالف دين الإسلام من المسلمين فوباله على نفسه وليس على الإسلام، وكثيراً ما يخالف الناس فتحدث هنات وسقطات، لكنه في تاريخ المسلمين ما تلبث أن تتبع بقيام إذا ثاب المسلمون إلى رشدهم وعادوا إلى دينهم، وإلا استبدلهم القوي العزيز بغيرهم من المجاهدين الصابرين الطاهرين. هذا هو التاريخ الإسلامي، ومع كل هذا القدر لهذا التا

стр. 3

أهمية دراسة قضية استخلاف الصديق ولقد اخترت حدثاً هاماً جليلاً عظيماً من أحداث التاريخ الإسلامي، آثرت أن أفرد له مجموعة من المحاضرات حتى ندرسه ونفقهه ونحلله، ثم نتحرك به خطوات -إن شاء الله- إلى الأمام، هذا الحدث الجليل هو استخلاف الرجل الجبل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه على المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ ، ولاحظوا أنني أقول: استخلاف أبي بكر الصديق فقط، ولا أقول: إني سأتحدث عن خلافة أبي بكر الصديق؛ فهذا حديث يطول ويتشعب. لكني فقط في هذه المجموعة أتحدث عن قصة الاستخلاف، وكيف تم اختيار الصديق ﵁ وأرضاه خليفة للمسلمين؟ وما هي الخطوات؟ وما هي التبعات؟ وماذا حدث في سقيفة بني ساعدة؟ وماذا أثير حولها من شبهات من المستشرقين وأحبابهم؟ والحق أني أذكر لكم أن كثيراً من الإخوة المتابعين لهذه المحاضرات قد تعجبوا من إفراد مجموعة كاملة من المحاضرات لهذا الحدث، فهم يعدونه حدثاً قصيراً بسيطاً في التاريخ؛ لأن هذا الحدث تم في أقل من يوم واحد، فيقولون: لماذا نحن سنأخذ عشرة أيام أو عشرين يوماً في شرح حدث تم في يوم واحد أو في ساعة واحدة وتاريخ المسلمين أربعة عشر قرناً من الزمان؟ يعني: على هذا نحن محتاجون إلى حوالي ألف سنة أو ألفي سنة من أجل أن نذكر التاريخ الإسلامي. والحقيقة أننا لن نفرد مثل هذا الوقت الطويل لكل الأحداث غير هذا الحدث؛ لأن هذا الحدث في غاية الأهمية، ولماذا هذا الحدث بالذات؟ أجيب عن هذا السؤال بنقاط خمس:

стр. 4

حرص المسلمين على دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين النقطة الأولى: دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين بصفة عامة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين- تعتبر من أهم الأمور التي يحرص عليها المسلمون، ويجب أن نحرص على دراستها دراسة وافية مستفيضة شاملة؛ لأنها فترة من أهم فترات التاريخ الإسلامي، بل هي أهمها على الإطلاق بعد فترة رسول الله ﷺ ؛ لأن هذه الفترة تعتبر جزءاً من التشريع الخاص بالمسلمين، فإن قيل: وهل هناك تشريع بعد رسول الله ﷺ ؟ فيقال: إن كثيراً من الأمور استجدت في حياة المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ ، وكانت هناك أمور تحتاج إلى فقه واجتهاد فاجتهد فيها هؤلاء الأخيار، واختاروا آراءً سديدة ساروا عليها وسارت معهم الأمة فكانت تشريعاً للمسلمين، فحدثت أمور ما كان لها شبيه في حياة الرسول ﷺ ، ومنها هذا الحدث الذي نحن بصدده، وهو اختيار خليفة للمسلمين. ومنها: فتوحات عظام في أراض شاسعة، وما تبع ذلك من أمور، ومنها أمور فقهية، ومنها شبهات أثيرت فدافعوا عنها. إنها فترة جليلة حكم فيها خير المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، وكان المحكومون هم خير أهل الأرض بعد الأنبياء. وهنا نستطيع أن نفهم حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الترمذي ﵀ وقال عنه: حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً أبو داود ﵀ عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) وصدقت يا رسول الله! فنحن الآن نعيش في هذا الزمن الذي فيه اختلاف كثير، حيث تشعبت بنا الطرق، وكثرت عندنا المناهج، وتعددت أمامنا الأساليب، فماذا نفعل؟ وفي أي الطرق نسير؟ وأي مناهج نتبع؟ وأي الأساليب نختار؟ استمع إلى نصيحة رسول الله ﷺ وهو يقول: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ -أي: الأضراس؛ لأنها تمسك بشدة- وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). فعند تشعب الطرق عليك بسنة رسول الله ﷺ ، وهذا بالطبع أمر مفهوم، لكن لماذا يضيف ﷺ : (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ولو كان الخلفاء الراشدون سيعيشون حياة ليس فيها اختلاف عن حياة رسول الله ﷺ فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يقلدوا رسول الله ﷺ في كل شيء، ولا يبقى مجال لاجتهادهم، ومن ثم لا يقول رسول الله ﷺ : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، لكن الواقع أن الأمور التي جدت على الأمة في عهدهم وضحت أشياء كثيرة كانت تحتاج إلى عقول ذكية وقلوب طاهرة كعقول وقلوب الخلفاء الراشدين، فأصبح ما يفعلون ليس مقبولاً فقط، بل وشرع للأمة إلى يوم الدين. خلاصة هذه النقطة: أن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين جزء من الدين والشرع، ولابد أن يعطي له المسلمون اهتماماً خاصاً، وقصة الاستخلاف هي أول الأحداث في عهد الخلفاء الراشدين، ولذلك سنتحدث عنها، ثم -إن شاء الله- يليها بعد ذلك أحاديث كثيرة عن تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين بتفصيل كبير.

стр. 5

استخلاص أحكام تفيد في بناء الأمة الإسلامية النقطة الثانية: التي تهمنا في قصة استخلاف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه: أننا سنستخلص أحكاماً وأموراً هامة من هذه الحادثة تفيد جداً في بناء الأمة الإسلامية بناءً صحيحاً: ما هو معنى الشورى؟ وكيف تم تطبيقها في هذا الحدث؟ وكيف التصرف عند الاختلاف؟ وما هي طرق عرض وجهات النظر؟ ولماذا يختار رجل دون آخر لإمارة ما؟ وهناك أمور أخرى كثيرة سيتم مناقشتها في مكانها إن شاء الله.

стр. 6

اعتبار هذا الحدث بداية حياة المسلمين بدون رسول الله ﷺ النقطة الثالثة: أن هذا الحدث الهام هو بداية حياة المسلمين بدون رسول الله ﷺ ، ولا شك أن هذا أمر يدعو إلى الاهتمام، فغياب رسول الله ﷺ أمر جلل، والأصعب من ذلك غياب الوحي، وانقطاعه عن الأرض إلى يوم القيامة، يظهر هذا واضحاً من قصة أم أيمن ﵂: روى مسلم عن أنس ﵁ قال: (قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها) وأم أيمن كانت بمثابة الأم لرسول الله ﷺ ، فإنها كانت الحاضنة له بعد وفاة آمنة أم رسول الله ﷺ ، قال: (فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما أبكي ألا أكون لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها). فالصحابة كانوا يعايشون الوحي، وتخيل معي هذا الأمر الفريد: كل يوم أو يومين يحدثهم رسول الله ﷺ بما يريده الله منهم: الله يقول لكم كذا، الله ينهاكم عن كذا، الله غفر لفلان، الله يحب فلاناً، الله يبشر فلاناً بالجنة، الله يوضح لكم سبب النصر في هذه الغزوة، والله يوضح لكم سبب الهزيمة في غزوة أخرى. وإذا اختلفوا نزل الوحي يؤيد رأياً على رأي، ويعدل المسار، ويصحح الوجهة، وفجأة انقطع الوحي بموت رسول الله ﷺ ، وانقطعت العلاقة التفاعلية بين الصحابة وبين الله ، وأصبح عليهم أن يجتهدوا في أن يعرفوا أين غضب الله وأين رضاه؟ وإذا اختلفوا فعليهم أن يختاروا رأياً دون انتظار التعديل الإلهي. نعم وضع الله ورسوله لهم قواعد محددة للسير عليها، ولكن شتان بين الموقف قبل انقطاع الوحي والموقف بعد انقطاع الوحي. فحادثة استخلاف أبي بكر الصديق هي أولى الحوادث التي تمت في هذا الجو، ولابد أن في دراستها عبراً لا تحصى وفوائد لا تقدر بثمن.

стр. 7

الأحداث الجسام التي تبعت هذا الحدث في حياة المسلمين النقطة الرابعة في أهمية دراسة حادث الاستخلاف: أنه تبعه أحداث جسام في حياة المسلمين، ما كانت لتتم لولا أن اختار المسلمون أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه ليكون خليفة للمسلمين بعد رسول الله ﷺ ، فالرجل له طابع يختلف كثيراً عن كثير من الصحابة، وسنتعرف عليه -إن شاء الله- في هذه الحلقات، وستشعر كم كان الله رحيماً بالمؤمنين، ومسدداً لخطاهم لما يسر لهم اختيار هذا الصحابي الجليل لهذه المهمة الثقيلة، مهمة خلافة المسلمين بعد رسول الله ﷺ . ومنهما على سبيل المثال: حروب الردة، وسنفرد لها -إن شاء الله- مجموعة خاصة من المحاضرات بعد أن ننتهي من هذه المحاضرات، وسترون فيها أنه لولا أبي بكر الصديق لما ثبت المسلمون في فتنة الردة العظيمة. يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: والذي نفس أبي هريرة بيده! لولا الصديق استخلف لما عبد الله في الأرض. ومنها على سبيل المثال أيضاً: الفتوح الإسلامية العجيبة لدولتي فارس والروم، إنها أحداث من العجب أن تتكرر على هذه الصورة إلا بقيادة مثل قيادة أبي بكر الصديق، وقد يكون من السهل على من تبعه من خلفائه أن يقوموا بالفتوح من بعده؛ لأنه فتح لهم الطريق، لكن يبقى الأثر أعمق، والأجر أعظم لمن بدأ بسن سنة حسنة تبعه فيها الآخرون. فحادث الاستخلاف هو النقطة التي انطلقت منها الأمة إلى هذه الأحداث الجسام، ولابد أن دراسة هذه الفترة ستلقي بظلال هامة على هذه الأحداث العجيبة.

стр. 8

كثرة طعن المستشرقين وأتباعهم في كل من شارك في هذا الحدث النقطة الخامسة والأخيرة في أهمية دراسة هذا الحدث الخطير: أنه كثر طعن المستشرقين وأتباعهم في كل من شارك في هذه العملية الهامة، فلم يتركوا أحداً، وطعنوا في كل الرموز الإسلامية العظيمة، وأظهروا الأمر على أسوأ ما يكون، فطعنوا في أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وعائشة وسعد بن عبادة وزيد بن ثابت وأبي هريرة والسيدة فاطمة ﵃ أجمعين، بل طعنوا في علي بن أبي طالب في صورة الثناء، وذموه في صورة المدح، وطعنوا في العباس بن عبد المطلب ﵁ عم رسول الله ﷺ ، وطعنوا في معظم -أو قل: في كل- صحابة رسول الله ﷺ . وخلاصة الأمر: أنهم أخرجوا لنا صورة مهلهلة قبيحة لخير الأجيال وخير القرون، فإن كانوا هم كذلك كما يقولون فأي خير يرتجى فيمن جاء من بعدهم؟ وأخطر من ذلك: إن كانوا هم كذلك فكيف نأخذ ديننا عن طريقهم؟ وكيف نقبل باجتهادهم؟ فالمستشرقون بذلك يضربون الدين في عمقه، ويدمرون الإسلام في أصوله، وهذا الكلام ليس تاريخاً قديماً فعله بعض المستشرقين في السابق، والحال الآن غير كذلك، بل هذا الكلام ما زال يتردد في أفواه بعض من يدرسون التاريخ في الجامعات المتخصصة التي تدرس التاريخ، سواء في الجامعات المحلية أو في الجامعات الغربية التي تفتح فروعاً في البلاد الإسلامية، وبالطبع يردد أيضاً بكثرة في الجامعات الغربية في خارج الأقطار الإسلامية؛ وذلك لتشويه صورة الإسلام والمسلمين. وهنا وجب علينا أن ندفع هذه الشبهات، وأن نوضح للناس الصورة الحقيقية للأحداث التي تمت بخصوص قصة استخلاف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين. لهذه الأسباب مجتمعة فإننا نستعين بالله في شرح هذا الحدث، وسنتبعه بغيره إن شاء الله؛ فتاريخ المسلمين بحق بحر لا ساحل له.

стр. 9

شخصية أبي بكر الصديق لكي نفهم هذا الحدث الكبير ولكي نستوعب اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين لابد أن ندرس في البداية شخصية هذا الرجل النادر أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ولابد أن نفرد بعض المحاضرات لنعرض لطرف بسيط في حياته، فنحن لا نستطيع أبداً أن نفتح الباب على مصراعيه لرؤية هذا الرجل العملاق الفذ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وإنما نحن فقط كما يقولون: نغلق الباب وننظر على استحياء لنعرف من هذا، وما هي مفاتيح الشخصية عند هذا الرجل العظيم، وما سر هذه الرؤية الواضحة عنده في كل الأمور، وما سر هذه الدرجة الرفيعة التي نالها في دنياه وفي آخرته. أبو بكر الصديق ﵁ شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة، والرحمة والقوة، والأناة والسرعة، والتواضع والعظمة، والبساطة والفطنة، شخصية عجيبة جمعت كل ذلك وأضعافه من فضائل الأخلاق والطباع، وهبه الله حلاوة المنطق، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة، وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، وسعة الأفق، وبعد النظرة، وصلابة العزيمة، كل هذا وغيره وليس بنبي، إن هذا لشيء عجاب! واستمع إلى رأي علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في هذه الشخصية، شخصية أبي بكر الصديق، فقد دار حوار لطيف بين محمد بن علي بن أبي طالب المشهور بـ محمد ابن الحنفية وبين أبيه علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، أخرج هذا الحديث البخاري ﵀. قال محمد بن علي بن أبي طالب يسأل أباه علي بن أبي طالب: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: عثمان. فهو يعلم قدر سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وأن علي بن أبي طالب يتبعه، فقال: وخشيت أن يقول: عثمان، فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. وهذا تواضع كبير من سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، ورضي عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين. ترى كيف تكون شخصية هذا الرجل الذي هو خير الناس في المسلمين بعد رسول الله ﷺ ؟ قال رسول الله ﷺ في جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁: (إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر) يعني: من أكثرهم منة وفضلاً علي في صحبته وماله أبو بكر، قال: (ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته) إنها مقامات عالية جداً، فـ أبو بكر من أمن الناس على رسول الله ﷺ ، وهذا رسول الله ﷺ يتخذ الله خليلاً، ولولا ذلك لاتخذ أبا بكر، فكيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟ وكيف وصل إليها؟ في هذه المجموعة لا نريد دراسة أكاديمية لحياة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، بمعنى: تاريخ حياته منذ الميلاد إلى أن مات، وإنما سندرس الشخصية بالبحث في مفاتيحها، وأحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم، وكيف سهل عليه فعل هذا الخير كله؟ وكيف وصل إليه؟ وكيف حافظ عليه؟ ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا التاريخ إلى أن نقلده فيما فعل، ونصل إلى ما إليه وصل؟ سنحاول في هذه المجموعة أن نضع أيدينا على هذه النقاط التي جعلت من أبي بكر الصديق أبا بكر الصديق.

стр. 10

الجوانب التي تميز بها أبو بكر الصديق بتحليل شخصية أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه وجدت أنه يتميز عن غيره في جوانب كثيرة لعل من أهمها أربعة أمور، من هذه الأمور الأربعة تنبثق معظم صفات الصديق ﵁ وأرضاه:

стр. 11

حب أبي بكر للنبي ﷺ الصفة الأولى: حب رسول الله ﷺ ، إذا أردنا أن نصل إلى ما وصل إليه الصديق ﵁ وأرضاه أو إلى جزء منه فعلينا بحب رسول الله ﷺ ، فـ الصديق أحب رسول الله ﷺ حباً خالط لحمه ودمه وعظامه وروحه، حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ من تكوينه، والصحابة جميعاً أحبوا رسول الله ﷺ حباً عظيماً فريداً، ولكن ليس كحب أبي بكر الصديق ﵁، فإنه أحبه الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد، بل فاق حب الدنيا جميعاً. روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان أشد الناس حباً لرسول الله ﷺ ، ففي حديث رسول الله ﷺ في مسند الإمام أحمد: (إن أبا بكر وزن بأمة محمد ﷺ فوزن بها). وفي رواية: (إن أبا بكر وضع في كفة وأمتي في كفة فعدلها). إذاً: هذا الرجل كان أشد الناس إيماناً بعد النبي ﷺ ، وهو أشد الناس حباً لرسول الله ﷺ ، هذا الحب المتناهي له دليل من كل موقف من مواقف السيرة، ولو تتبعت رحلة الصديق ﵁ وأرضاه مع الرسول الكريم ﷺ لرأيت حباً قلما يتكرر في التاريخ. وتعالوا نقلب بعض الصفحات في حادث واحد من أحداث السيرة النبوية، إنه حادث الهجرة إلى المدينة المنورة، ثم سنتبعه بأحداث في مواقع أخرى من هذه المحاضرات. لما جاء رسول الله ﷺ إلى بيت أبي بكر الصديق في ساعة لم يكن يأت إليهم فيها كان أول ما قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: (فداء له أبي وأمي، والله! ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر) يعني: هناك أمر خطير جاء برسول الله ﷺ في هذه الساعة، فإنه لم يكن ﷺ يأتي الصديق في هذا الوقت في الظهيرة. ولما أخبره ﷺ بأمر الهجرة قال أبو بكر الصديق بلهفة: (الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال ﷺ : نعم، الصحبة). فماذا كان رد فعل أبي بكر الصديق لما علم أنه سيصاحب رسول الله ﷺ ؟ اسمعوا إلى السيدة عائشة تروي هذا الحدث، جاء في صحيح البخاري عنها ﵂ أنها قالت: (فوالله! ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) سبحان الله! يبكي من الفرح لصحبة رسول الله ﷺ في أمر الهجرة، مع أن هذه الصحبة الخطيرة قد يكون فيها ضياع النفس، فمكة كلها تطارده ﷺ ، وسيكون فيها ضياع المال، وسيكون فيها ضياع الأهل، وسيكون فيها ترك البلد، لكن ما دام في صحبة رسول الله ﷺ فهذا أمر جعله يبكي من الفرح لأجله. وهنا نقطة أخرى من نقاط الهجرة، وهي عند الوصول إلى غار ثور، (ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله! لا تدخله حتى أدخله قبلك؛ فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه -يعني: كنس الغار ونضفه- ثم وجد في جانبه ثقوباً فشق إزاره وسدها، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه)، يعني: بقي ثقبان لم يسدا، فـ الصديق ﵁ وأرضاه وضع رجليه كل رجل تسد ثقباً من هذه الثقوب، ثم قال لرسول الله ﷺ : (ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجره -يعني: في حجر الصديق - ثم نام ﷺ ، فلدغ أبو بكر في رجله) يعني: عقرب أو حية لدغت الصديق في رجله، قال: (ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، ثم سقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ يعني: أصابه ألم شديد ولم يتحرك حتى بكى من شدة الألم، قال: (فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ما لك يا أبا بكر؟! قال: لدغت فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ فذهب ما يجده)، يعني: أن الرسول ﵊ وضع على الإصابة من ريقه ﷺ فذهب ما يجده من الألم ومن الإصابة، وهذا يدل على حب عجيب لرسول الله ﷺ . ونقطة أخرى من نقاط الهجرة الجميلة: روى البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي ا

стр. 12

حب النبي ﷺ لأبي بكر فهل كان هذا الحب من طرف واحد؟ كلا والله! يقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فلأن أبا بكر الصديق أحب رسول الله ﷺ هذا الحب الذي فاق كل حب فإن رسول الله ﷺ قد رفع مكانته في قلبه فوق مكانة غيره من الصحابة ومن الناس أجمعين. روى الشيخان عن عمرو بن العاص ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل)، أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص على رئاسة هذا البعث أو هذا الجيش، فـ عمرو بن العاص يظن أنه ما دام قد أُمِّر على هذا الجيش فهو أحب الخلق إلى قلب رسول الله ﷺ ، قال: (فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟!) وهو يظن أنه سوف يقول له: أنت، قال: (أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة) فجاءت صدمة في قلب عمرو بن العاص، قال: (قلت: من الرجال؟ قال: أبوها) أي: الصديق ﵁ وأرضاه، قال: (قلت: ثم من؟ قال: عمر، فعد رجالاً) فاستمر يقول له: ثم من؟ ثم من؟ في رواية الترمذي يقول عمرو بن العاص: (فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم). وهنا السؤال هل كان يرغم أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه نفسه على هذا الحب؟ وهل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله ﷺ على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟ ممكن أن يظن بعض الناس أن الصديق ﵁ وأرضاه متعب بسبب هذا الحب الذي تتبعه تكاليف وتبعات، لكن أبداً والله! فقد انتقل الصديق من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات إلى مرحلة التمتع والتلذذ بفعل الخيرات، انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان التي ذاقها ﵁ وأرضاه في قلبه وعقله وكل كيانه. يقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي وراه البخاري ومسلم عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وهذه هي حالة الصديق ﵁ وأرضاه قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). كل الناس يقولون: نحن نحب رسول الله ﷺ أكثر من أهلنا ومالنا وأنفسنا، وطبعاً الكلام سهل جداً، لكن أين الدليل؟ ما هو الدليل أنك فعلاً تحب رسول الله ﷺ أكثر من نفسك ومالك وأهلك؟

стр. 13

نتائج حب أبي بكر الصديق للنبي ﷺ هذا الحب الفريد الذي كان عند أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه لرسول الله ﷺ قاده إلى شيئين عظيمين يفسران كثيراً من أعمال الصديق ﵁ وأرضاه في التاريخ، وهذه علامات الحب الصادق لرسول الله ﷺ ، هذان الشيئان هما: الشيء الأول: اليقين الكامل بصدق ما قال رسول الله ﷺ ، يقين دون جدال ولا نقاش ولا تنطع. الشيء الثاني: الاتباع الكامل له ﷺ في كل ما قاله أو نهى عنه ﷺ ، فما نهاك عنه فانته، وما أمرك به فائت منه ما استطعت، قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].

стр. 14

يقين الصديق ﵁ تعالوا نرى هذا اليقين بصدق رسول الله ﷺ ، وهذا الاتباع لكلام رسول الله ﷺ في حياة الصديق: أولاً: اليقين بصدق رسول الله ﷺ ، يقول الله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]. قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في هذه الآية كما جاء في القرطبي: الذي جاء بالصدق محمد ﷺ ، والذي صدق به أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. وطبعاً الآية عامة، فالنبي ﷺ جاء بالصدق وكل من صدق به هو من المتقين، لكن يقول علي بن أبي طالب: إنها نزلت في الصديق ﵁ وأرضاه، ونحن نجد أن حياة الصديق ﵁ وأرضاه ما هي إلا تصديق مستمر متصل لرسول الله ﷺ ، وما شك لحظة فيما قاله الرسول ﷺ ، فكان بحق الصديق. ومن المؤكد أنه ليس عفوياً أو اعتباطياً أن الصديق سمي بـ الصديق، إذ نجد هذا التصديق في حياة الصديق من أول يوم عرض عليه فيه الإسلام، وعرض الإسلام على أبي بكر الصديق حدث لابد أن نقف معه وقفات ووقفات، فكيف قبل الصديق ﵁ وأرضاه أن يدخل في دين جديد ما سمع به من قبل، وأن يترك دين الآباء والأجداد هكذا بمنتهى السهولة؟ وكيف قبل أن يخالف الناس أجمعين ويتبع النبي ﷺ ؟ إنه أمر عجيب! لابد أن يلتفت إليه، يقول رسول الله ﷺ : (ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته) يعني: ما تردد، قال: (ما عتم عنه حين ذكرته وما تردد فيه) إنه يقين كامل أن هذا الرجل ﷺ لا يكذب. وسنأتي -إن شاء الله- في محاضرة لاحقة إلى تحليل هذا الإسلام المبكر للصديق ﵁ وأرضاه، لكن هناك حادث يشير فعلاً إلى يقين الصديق بكلام رسول الله ﷺ ، يشير إليه بوضوح، إنه حادث الإسراء.

стр. 15

نماذج من يقين الصديق ﵁

стр. 16

يقين الصديق في حادثة الإسراء والمعراج أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ قالت: (جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس!) وهذا أمر عجيب وعجيب جداً! فالمسافة بين مكة والقدس أكثر من (١٠٠٠) كيلو متر ذهاباً فقط، فكيف يذهب ويعود في جزء من الليل وفي هذا الزمن؟ انظر إلى رد فعل الصديق قال: (أوقال ذلك؟ -أي: هل قال ذلك رسول الله ﷺ ؟ - قالوا: نعم، قال: لقد صدق) صدقه هكذا حتى دون أن يذهب إلى رسول الله ﷺ ليستوثق منه، ثم يعطي التبرير لمن يستمع له، يقول: (إني لأصدقه بأبعد من ذلك؟ بخبر السماء غدوة وروحة) يعني: أصدقه أنه ينزل عليه ملك من السماء ثم يعود في طرفة عين، فانظر إلى المنطق الرائع وانظر إلى توابع تصديق هذا المنطق في حياة المسلمين لو كل المسلمين فعلاً يصدقون بكل ما قاله ﷺ دون جدال ولا نقاش ولا تنطع. ويقال: إنه لأجل هذه الحادثة سمي أبو بكر ﵁ وأرضاه بـ الصديق. والثابت أن رسول الله ﷺ هو الذي سمى أبا بكر بـ الصديق، روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم، فقال: أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وهذا من نبوءات رسول الله ﷺ ، فالنبي هو رسول الله ﷺ والصديق هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه والشهيدان هما: عمر وعثمان ﵄ استشهدا في سبيل الله. بل في رواية الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة ﵀ أن الذي سماه بذلك هو الله . قال النزال بن سبرة: (قلنا لـ علي: أخبرنا عن أبي بكر؟ قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد ﷺ ، كان خليفة رسول الله ﷺ رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا).

стр. 17

موقف الصديق في قتال الفرس والروم هذا اليقين بصدق ما قال ﷺ يفسر لنا أيضاً موقفاً عجيباً من مواقف الصديق ﵁ وأرضاه وهو موقف إعلان الحرب على الفرس فور الانتهاء من حروب الردة، هذا والله! من أعجب مواقف التاريخ إن لم يكن أعجبها على الإطلاق، وتعالوا كذا نحسبها بحسابات المادة البشرية. دولة المسلمين دولة ناشئة لا تشتمل إلا على جزيرة العرب فقط، والدولة ليس لها تاريخ في الحروب النظامية، فدولة المسلمين ما هي إلا مجموعة من القبائل جمعها رسول الله ﷺ منذ أعوام قلائل، والدولة خارجة من حروب أهلية طاحنة هي حروب الردة الشديدة، والتي ارتدت فيها كل جزيرة العرب، باستثناء ثلاث مدن وقرية: مكة والطائف والمدينة المنورة وقرية تسمى قرية هجر في البحرين. والفرس على الجانب الآخر دولة تقتسم العالم مع دولة الروم، أي: أنها إحدى الدول العظمى في العالم في ذلك الوقت، وتاريخ الفرس قديم في الحروب النظامية، وجيوش الفرس تجاوز الملايين، والمسلمون لما كانوا يفتحون بلاد الفرس كان أقل جيش يقابلهم (٦٠. ٠٠٠) عدة مرات، وفي القادسية كانوا (٢٤٠. ٠٠٠)، والجيش الإسلامي المعد لحرب الفرس لم يكن يتجاوز الـ (١٠. ٠٠٠) ووصلوا إلى (١٨. ٠٠٠) عند اكتمال العدة، وهو عدد لا يمثل قوة مدينة واحدة من مدن الفرس، كل هذا وغيره ويأخذ الصديق هذا القرار العجيب بالتوجه لفتح هذه البلاد.

стр. 18

سبب إقدام الصديق على قتال فارس والروم ومن أجل أن تفهم هذا القرار ادرس الموقف في ضوء اليقين الذي تحلى به الصديق ﵁ وأرضاه. الأمر الأول: رسول الله ﷺ بشر بغلبة هذا الدين بصفة عامة على كل الأمم، والأحاديث أكثر من أن تذكر في هذا المجال، لكن على سبيل المثال نذكر ما جاء في صحيح مسلم من قول رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) وليس فقط الدعوة التي ستبلغ، بل سيبلغ ملك المسلمين، والصديق يعرف ذلك، ويعرف أن ملك المسلمين سيصل إلى فارس وإلى غير فارس. الأمر الثاني: أن الصديق سمع البشارة من رسول الله ﷺ أكثر تخصيصاً، فإن رسول الله ﷺ قال لمشركي قريش وكان فيهم أبو جهل: (أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم) والعجم في ذلك الوقت هم الفرس والروم، (فقال أبو جهل: ما هي؟ وأبيك! لنعطيكها وعشر أمثالها، فقال ﷺ : تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم وقالوا: أتريد يا محمد! أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن أمرك لعجب) وأبو جهل هذا فعلاً كان أبو جهل، لكن فاز بها الصديق. فـ أبو بكر كان قد قال كلمة لا إله إلا الله، وسبق بها، وعمل بها، وجيش أبي بكر كذلك، قال الكلمة وصدق بها وعمل بها فلماذا لا ينصر؟ بل العجب كل العجب ألا ينصر؟ الأمر الثالث: أن الصديق ﵁ وأرضاه قد سمع بشارة أكثر تخصيصاً من تلك التي سبقت، فقد كان مع المسلمين في حفر الخندق في الأحزاب يوم اعترضت المسلمين صخرة كبيرة فقام إليها رسول الله ﷺ وضربها وكان مما قال ﷺ : (الله أكبر، أعطيت فارس، والله! إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن) وهذه بشارة في منتهى الوضوح أن أمة المسلمين ستعطى فارس. الأمر الرابع: أن الصديق رأى بعينه وسمع بإذنه هو دون بقية الصحابة ما حدث في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة من أمر سراقة بن مالك، ورأى أقدام فرس سراقة تسوخ في الرمال، ثم سمع رسول الله ﷺ يقول لـ سراقة: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟) فالرسول ﵊ يبشر سراقة وسراقة كان حياً في خلافة الصديق وفي خلافة عمر بن الخطاب بعد ذلك، يقول رسول الله ﷺ : إن بشرى فتح فارس ستكون قريبة جداً حتى يلبس سراقة سواري كسرى. الأمر الخامس: الصديق حضر بنفسه مباحثات رسول الله ﷺ مع بني شيبان في مكة، وذلك لما رفض بنو شيبان الدعوة الإسلامية لأنهم اشترطوا شرطاً ألا ينصروه إذا حارب الفرس فإنهم ليست لهم طاقة بحرب الفرس قال لهم رسول الله ﷺ وسمع ذلك أبو بكر الصديق: (أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً) ولبعثوا قليلاً فعلاً، يعني: حوالي (٢٠) سنة، و (٢٠) سنة في عمر الأمم تعتبر قليلة، قال: (أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم -يقصد بذلك الفرس- أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقالوا: لك ذلك). الأمر السادس أكثر من ذلك: حدث من الصديق ﵁ ما يذهب العجب منك عندما تعلمه، فإنه في أوائل الفترة المكية نزل القرآن الكريم بمقدمات سورة الروم وفيها: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]، وكان هذا إخباراً بما حدث من هزيمة الروم، وبما سيحدث من انتصارهم لاحقاً على الفرس. فذهب أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه يذكر ذلك للمشركين يغيضهم به؛ وقد كان المسلمون يفرحون بنصر الروم؛ لأنهم أهل كتاب، بينما كان يفرح المشركون بنصر الفرس؛ لأنهم وثنيون مثلهم، فقال أبو بكر بيقين: ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا، فصاح به أبي بن خلف الجمحي: كذبت قال الصديق ﵁: أنت أكذب يا عدو الله! قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فقامروه على أربع قلائص إلى سبع سنين، يعني: أربع من الإبل إلى سبع سنين، وطبعاً لم يكن القمار حراماً لما فعل ذلك الصديق ﵁ وأرضاه، فمضت السبع ولم يكن شيء، يعني: أن الروم ما انتصرت على الفرس، ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين، فذكر ذلك للن

стр. 19

سلسلة الصديق_ رقة القلب كان أبو بكر الصديق ﵁ من أرق الناس قلباً وأكثرهم خشية وخشوعاً، فكان لا يملك نفسه من البكاء في الصلاة وعند قراءة القرآن، حتى أثر ذلك على النساء والأطفال من كفار قريش، ولذا رفع الله قدره وأعلى مكانته.

стр. 20

اتباع الصديق ﵁ لرسول الله ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد نقلب فيه بعض الصفحات في تاريخ أعظم رجال الأمة بعد رسول الله ﷺ ، صفحات في تاريخ الصديق أبي بكر ﵁ وأرضاه. والحقيقة أني لا أخفي عليكم أني سعيد سعادة عظيمة جداً، وأنا أعد لهذه الحلقات وهذه المحاضرات أشعر بسعادة حقيقية لمعايشة الصديق ﵁ وأرضاه، وأشعر أن هذه المعايشة انتقلت من طور المعايشة على صفحات الكتب والمراجع إلى طور المعايشة الفعلية، وكأني أسير معه في شوارع مكة والمدينة، وكأني أصلي بجواره في مسجد رسول الله ﷺ ، وكأني أسمعه وهو يأمر الأجناد ويسير الجيوش ويعلم الناس، وأتعجب إن كنت أنا أشعر بهذه السعادة بمجرد القراءة عنه، فكيف بمن كانوا يعيشون حقيقة معه ﵁ وأرضاه؟ وإن كان أبو بكر كذلك فكيف بمعلمه ومرشده ومربيه محمد ﷺ ؟ يا إخوة! نحن محتاجون أن نعيش فعلاً مع كل دقيقة وكل لحظة وكل موقف من مواقف هؤلاء الأطهار، فكم سينير الطريق، وكم ستظهر الحقيقة وكم ستطمئن النفس! في الدرس السابق تحدثنا عن السمات المميزة لشخصية أبي بكر الصديق ﵁، وذكرنا أن هناك أموراً أربعة كانت تميز حياته ﵁، وذكرنا منها أمراً واحداً ولم نكمله بعد. هذه السمة الأولى هي حب رسول الله ﷺ ، فقد أحبه الصديق ﵁ وأرضاه حباً صادقاً حقيقياً مقدماً على حب النفس والمال والولد والأهل والبلد وغير ذلك من الأمور، وذكرنا في الدرس السابق أن هذا الحب له علامات وله أدلة، وإلا ادعى كل الناس أنهم يحبون محمداً ﷺ : الدليل الأول على هذا الحب هو: التصديق بكل ما قاله وأخبر عنه رسول الله ﷺ ، التصديق الذي ليس فيه شك ولا تخالطه ريبة. وقد تحدثنا عن هذا الأمر في الدرس السابق. الدليل الثاني هو: الاتباع الكامل لكل ما أمر به ﷺ ، والعمل الدءوب وفق سنته ﷺ ، فالتصديق دون عمل نوع من العبث. وما أجمل ما قاله الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وهذا من كلام الحسن البصري، وبعض الناس يظن أنه حديث عن رسول الله ﷺ وليس بحديث. إنه كلام جميل جداً، فما وقر في القلب هو التصديق بما أخبر به ﷺ ، والاقتناع الكامل به. (وصدقه العمل) هو الاتباع والاقتداء وفق التصديق الذي وقر في القلب. وفي هذا الدرس نتحدث عن اتباع الصديق ﵁ وأرضاه لرسول الله ﷺ ، وكيف كان هذا الاتباع علامة واضحة على حبه ﵁ لرسول الله ﷺ . يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه يحب الله حباً لا يوصف، ويحب رسوله الكريم ﷺ حباً لا يقدر، ويعلم أن الطريق الطبيعية لحب الله هو اتباع الرسول ﷺ الاتباع المطلق، بمعنى: إن علم الحكمة فبها ونعمت، وإن لم يعلمها فالعمل هو العمل بنفس الحماسة وبنفس الطاقة. وكثير من الناس يعرضون أقوال الرسول ﷺ على عقولهم القاصرة، فإن وجدت موافقة من عقولهم فعلوها، وإن لم توافق عقولهم أو أهواءهم تركوها ونبذوها، بل وقد يسخرون منها. أما أبو بكر الصديق ﵁ فلم يكن من هذا النوع، أبو بكر الصديق ﵁ كان يقتدي برسول الله ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، حتى إنك لتشعر أنه لا يفرق بين فرض ونافلة؛ لما كان عنده من التصاق شديد بسنة رسوله ﷺ ، والتصاق شديد بطريقته ومنهجه في الحياة، فإذا كنت تريد أن تصل إلى ما وصل إليه الصديق أبو بكر وأمثاله ﵃ أجمعين فاعلم أن قدر السنة عندهم كان عظيماً جداً، وليس المقصود بالسنة النوافل التي كا

стр. 21

التطبيق العملي لمعنى الاتباع في حياة الصديق تعالوا نرى التطبيق العملي لمعنى الاتباع في حياة الصديق: عندما تنظر إلى حياة الصديق ﵁ وأرضاه تجد اقتداءً برسول الله ﷺ فاق كل اقتداء، وتشعر به في أقواله وفي أفعاله وفي حركاته وفي سكناته وبهذا الاقتداء بلغ أعلى المنازل ﵁ وأرضاه.

стр. 22

موقف الصديق يوم صلح الحديبية وهذا موقف عجيب من مواقف السيرة موقف لـ أبي بكر الصديق ﵁ بعد صلح الحديبية، والموقف في صلح الحديبية كان شديد الصعوبة، والرسول ﷺ كان قد رأى أنه يدخل المسجد الحرام ويعتمر، ثم لم يحدث هذا في ذلك العام، ثم بعد ذلك عقدت معاهدة كانت بنودها في الظاهر مجحفة وظالمة للمسلمين، ثم طبقت المعاهدة على أبي جندل ﵁ ابن سهيل بن عمرو الذي عقد المباحثات مع رسول الله ﷺ ، وطبقت المعاهدة عليه مباشرة بعد إتمام المعاهدة فرده رسول الله ﷺ إلى المشركين لما جاءه مسلماً، وكان المشهد مشهداً مؤثراً جداً في منتهى المأساة، كل هذه الأمور وغيرها أثرت كثيراً في نفسية الصحابة فأصابتهم بهم عظيم وغم لا يوصف، وكان من أشدهم هماً وغماً عمر بن الخطاب ﵁. فانظر ماذا فعل عمر على عظم قدره وفقهه، وانظر ماذا فعل الصديق ﵄. أما عمر بن الخطاب ﵁ فقد ذهب إلى رسول الله ﷺ والغيظ يملأ قلبه، يقول: عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! ألست نبي الله حقاً؟ سبحان الله! سؤال شديد. وطبعاً عمر بن الخطاب لا يشك في كونه رسول من عند الله ﷺ ، ولكنه يبدي استعجابه واستغرابه، لماذا هذا التنازل الشديد من صف المسلمين؟ قال: (يا رسول الله! ألست نبي الله حقاً؟ قال ﷺ : بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال ﷺ : بلى، قلت: علام نعطي الدنية في ديننا؟) وعمر هنا ليس قليل الإيمان، ولو استمع رسول الله ﷺ لكلامه ولرأيه فستكون الحرب، فـ عمر يريد ما هو أشق على النفس ولا يسأل التخفيف أو التقاعس، بل على العكس يلمح ويقول: (قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار). ورسول الله ﷺ كان من عادته أن يوضح ويبين للصحابة، لكن هنا الرسول ﷺ يربي الناس على الاستسلام الكامل دون معرفة الأسباب، فما دام الله قد أمر فليس من الضرورة الاطلاع على الحكمة. قال ﷺ : (إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه) يفهم أن هذا الأمر وحي من الله ، أمره الله بذلك فأطاعه رسول الله ﷺ ، ومع ذلك زاد عمر وقال: (قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال ﷺ : بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام؟) يعني: هل قلت لكم: إنك ستطوفون السنة هذه؟ قال: (قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به) هكذا في يقين: (فإنك آتيه ومطوف به). والرسول ﷺ يصابر جداً عمر؛ لأنه يعلم ما به من الغم، ويعذره، وهذه الدرجة من الإيمان عند عمر هي درجة عالية جداً من درجات الإيمان، أسميها: درجة غليان القلب حمية للدين، وفعلاً قلبه يغلي حمية لهذا الدين حتى وإن ذهبت حياته وذهبت نفسه، لكن تعال على الجانب الآخر وانظر إلى الدرجة الأعلى من الإيمان. وانظر إلى درجة الصديق ﵁ وأرضاه، انظر إلى درجة اليقين الكامل فيما قاله ﷺ والاتباع الكامل لما فعله ﷺ . يقول عمر بن الخطاب: (فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟) لم يقدر أن مش قادر يستحمل ﵁ وأرضاه، فرد الصديق وقال: (أيها الرجل! إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره) سبحان الله! إنها نفس كلمات الرسول ﷺ : (إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله! إنه لعلى الحق). وهنا يغضب الرجل الرقيق أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه؛ لأنه شعر أن في هذه التلميحات إشارة ولو من بعيد إلى شك في وعد رسول الله ﷺ ، هنا رفع صوته وتحدث بحمية: (أيها الرجل! إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره) ولم يسكت عمر بعد ذلك، بل قال: (قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال الصديق: فإنك آتيه ومطوف به). سبحان الله! إنه يقين ليس فيه قدر أنملة من الشك، فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به.

стр. 23

موقف الصديق ﵁ في إنفاذ بعث جيش أسامة بن زيد ﵄ وانظروا إلى موقف آخر من مواقفه ﵁ وأرضاه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد ﵄، وسنأتي -إن شاء الله- إلى تفصيل هذا الأمر لما نتحدث عن حروب الردة بالتفصيل، لكن هنا نشير في عجالة إلى أمر من أمور الصديق في هذا البعث. والحقيقة نحن نسمع بإنفاذ بعث أسامة بن زيد ﵄ فلا يعطيه أحدنا قدره، وإنما يتخيل أنه مجرد جيش خرج ولم يلق قتالاً يذكر فأي عظمة في إخراجه؟ لكن بدراسة ملابسات إخراجه تدرك عظمة شخصية الصديق، وكيف أنه بهذا العمل الذي هو أول أعماله في خلافته قد وضع سياسة حكمه بوضوح والتي تعتمد في المقام الأول على اتباع الرسول ﷺ دون تردد ولا شك. وكان رسول الله ﷺ قد أعد هذا البعث ليرسله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية، وقد أمر عليه أسامة بن زيد ﵄ ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره بعد، ثم توفي رسول الله ﷺ وارتدت جزيرة العرب جميعاً، وكانت الجزيرة العربية كلها تموج بالردة، ومع هذا أصر أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم، مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر؛ لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين فكيف يرسل جيشاً كاملاً لحرب الروم ويترك المرتدين. والحق أنه قرار عجيب! وتخيل معي أن البلاد في حرب أهلية عنيفة وبها أكثر من عشر ثورات ضخمة ثم يرسل زعيم البلاد جيشاً لحرب دولة مجاورة كان قد أعده زعيم سابق، لكن أبا بكر الصديق كانت الأمور عنده في ذهنه في منتهى الوضوح، فما دام رسول الله ﷺ قد أمر فلا مجال للمخالفة حتى وإن لم تفهم مقصود رسول الله ﷺ ، حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية، وهذه درجة إيمانية عالية جداً. ثم إن رسول الله ﷺ كان يعلم بردة مسيلمة الكذاب في اليمامة في بني حنيفة وردة الأسود العنسي في اليمن، ومع ذلك قرر أن يرسل البعث إلى الشام، إذاً: لابد من الاتباع، فما دام قد أمر ﷺ فالخير كل الخير فيما أمر، فأصر الصديق على إنفاذ البعث إلى الروم. وجاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه، والصحابة على قدرهم الجليل لا يصلون إلى فهم الصديق ﵁ وأرضاه، فماذا قال لهم؟ قال لهم في ثبات عجيب: والله! لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ولو أن الطير والسباع من حول المدينة تخطفنا، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة. إنه كلام شديد، ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق ﵁ قال بعضهم لـ عمر بن الخطاب: قل له: فليؤمر علينا غير أسامة. يعني: أسامة صغير عمره ثماني عشرة سنة، وهذا أمر شديد ومهمة عظيمة، فذكر ذلك له ابن الخطاب ﵁، فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب ﵁ وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أؤمر غير أمير رسول الله ﷺ ؟ انظر إلى المعنى: الرسول ﷺ اختار هذا فهذا هو الحق، ولحظات الغضب في حياته ﵁ وأرضاه كانت قليلة جداً، وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله أو عطل أمر من أوامر رسول الله ﷺ . وبالفعل أنفذ جيش أسامة بن زيد ﵄، وكان الخير في إنفاذه، وارتعبت قبائل الشمال وسكنت الروم، وظنوا أن المدينة في غاية القوة، يعني: أنه ليس معقولاً أن يخرج هذا الجيش الضخم الكبير إلى حرب الروم والمدينة ليست فيها حماية، لكن فعلاً المدينة لم يكن فيها حماية كافية، لكن هذا الخير كان من وراء إنفاذ أمر رسول الله ﷺ . ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق ﵁ وأرضاه، لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه؛ لأنه كان يرى بعين رسول الله ﷺ .

стр. 24

رسالة الصديق إلى عمرو بن العاص وهنا أمر آخر في حياة الصديق، خطاب لطيف أرسله إلى عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه: والقصة تبدأ من عهد رسول الله ﷺ ، كان رسول الله ﷺ قد ولى عمرو بن العاص ﵁ مرة على عمان ووعده أخرى بالولاية عليها وهكذا، فلما استتب الأمر لـ أبي بكر الصديق بعد حروب الردة ولى على عمان مرة أخرى عمرو بن العاص؛ تنفيذاً لوعد رسول الله ﷺ ، مع أن هذه يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها حسب ما يرى من المصلحة، وهذا ليس أمراً شرعياً حتمياً، لكنه لا يريد أن يخالف ولو بقدر أنملة. وهذا هو عين المراد، هذا الذي وصل بـ الصديق إلى ما وصل، هذا الذي رفع قدره، هذا الذي سلم خطواته، هذا الذي سدد آراءه. ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام، وعمرو بن العاص ﵁ كان عنده طاقة حربية هامة جداً، وعبقرية فذة في مجال الحروب، وأبو بكر الصديق يريد أن يأتي به إلى المدينة المنورة حتى يؤمره على جيش من جيوش الشام، لكنه يتحرج من استقدامه من مكان وضعه فيه رسول الله ﷺ ، فأرسل له رسالة لطيفة قال: إني كنت قد رددتك إلى العمل الذي كان رسول الله ﷺ ولاكه مرة وسماه لك أخرى مبعثك إلى عمان إنجازاً لمواعيد رسول الله ﷺ فقد وليته ثم وليته. يعني: مرة في حياة الرسول ﵊ ومرة بعد حياة رسول الله ﷺ . وقد أحببت أبا عبد الله! -يتلطف معه في الحديث- أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه. أي: ما هو خير من هذه الإمارة، وهو الجهاد في سبيل الله ، قال: إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. يعني: أيضاً ما زال يخيره، مع أن سيدنا أبا بكر هو الخليفة ويستطيع أن يأمر عمرو بن العاص فيأتي دون تردد. وانظر إلى الرسالة اللطيفة التي رد بها عمرو بن العاص على أبي بكر الصديق، قال ﵁ وأرضاه: يا خليفة رسول الله ﷺ ! ما أنا إلا سهم في كنانتك فارم به حيثما شئت. وفي هذا اتباع أيضاً من عمرو بن العاص كبير لأوامر الخليفة ولنصائح رسول الله ﷺ .

стр. 25

هيبة الصديق ﵁ من جمع القرآن الكريم ونجد أمراً آخر في حياة الصديق يفسر هذا الاتباع، إنه الأمر الغريب في هيبته ﵁ وأرضاه في جمع القرآن، مع أن جمع القرآن هذا أمر عظيم جداً، لكن كانت عنده هيبة شديدة في جمع القرآن. فلما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة وخشي الصحابة على ضياع القرآن ذهبوا إلى أبي بكر الصديق وبالذات عمر بن الخطاب، ذهبوا يعرضون عليه فكرة جمع القرآن، فكان متحرجاً أشد التحرج من هذا العمل الجليل، وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله ﷺ لم ينه عن جمعه، لم ينه عن جمع القرآن، لكن الصديق ﵁ وأرضاه كان من عادته أن ينظر قبل الفعل إلى فعل رسول الله ﷺ في أي أمر من الأمور، فما وجده من أفعال رسول الله ﷺ قلده واتبعه، فلما نظر ولم يجد رسول الله ﷺ جمع القرآن احتار وتهيب ثم اجتمع عليه الصحابة، وبالذات عمر بن الخطاب ﵁ فأقنعوه، فاستصوب جمعه؛ لما فيه من خير. وهكذا في كل مواقف أبي بكر الصديق ﵁ تجد حباً عميقاً لرسول الله ﷺ ، هذا الحب دفعه إلى اليقين التام بصدق ما قال ﷺ ، ودفعه أيضاً إلى الاقتداء به في كل الأفعال والأقوال. ونحن أحياناً لما نحب واحداً نفعل كل شيء لإرضائه، وأحياناً يتجاوز بعضنا بعض القيم والأخلاق، لكن الصديق ﵁ ما كان ينسى الأخلاق والقيم التي تعلمها على يد رسول الله ﷺ حتى ولو كان ذلك لإرضاء رسول الله ﷺ .

стр. 26

موقف الصديق ﵁ عند خطبة النبي ﷺ لعائشة فقد حدثت حادثة غريبة في حياة الصديق ﵁ وأرضاه في أواخر العهد المكي، حيث خطب رسول الله ﷺ ابنة أبي بكر عائشة حين ذكرتها له خولة بنت حكيم ﵂ وأرضاها، وطبعاً الأصل أن هذا يوم سعيد جداً عند أبي بكر الصديق؛ لأن رسول الله ﷺ يخطب ابنته، لكن كانت هناك مشكلة، فقد كان المطعم بن عدي خطبها قبل ذلك لابنه، والمطعم بن عدي كافر وابنه كافر ولم يكن محرماً على المسلمين في ذلك الوقت أن يزوجوا بناتهم للمشركين، فقال أبو بكر لزوجه أم رومان: إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، ووالله! ما أخلف أبو بكر وعداً قط. فلا يريد أن يعطيها لرسول الله ﷺ لأنه قد أعطى وعداً للمطعم بن عدي. ثم أتى مطعماً وعنده امرأته جالسة معه فسأله: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ يعني: في أمر السيدة عائشة، فأقبل الرجل على امرأته ليسألها: ما تقولين؟ فتركت الرجل وأقبلت على أبي بكر تقول: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه؟ فلم يجبها أبو بكر، وواضح أنها رافضة، وأبو بكر طبعاً سيطير من السعادة، والمطعم بن عدي كذلك سيرفض، لكن مثلما يقولون: الصديق يمشي في القنوات الشرعية، فسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟ فكان جوابه: إنها تقول ما تسمع يا أبا بكر! يعني: هي سمعت هذا الكلام مني من قبل. فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده وقبل خطبة رسول الله ﷺ بعد أن كان علقها على موافقة المطعم بن عدي. فانظر مع رغبته الأكيدة في مصاهرة رسول الله ﷺ إلا أنه لا يريد أن يخلف وعداً؛ لأن رسول الله ﷺ كان قد علمه ذلك، إنه طراز نادر من الرجال ﵁ وأرضاه. كانت هذه هي السمة الأولى من سمات الصديق ﵁ وأرضاه، سمة حب رسول الله ﷺ ذلك الحب الذي قاده إلى التصديق وقاده إلى الاقتداء.

стр. 27

رقة قلب الصديق ولين جانبه وهدوء نفسه السمة الثانية من سمات أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه: سمة رقة القلب ولين الجانب وهدوء النفس. وبعض النفسيات تكون في طبيعتها غليظة جافية، والبعض الآخر يكون في قلبه رحمة فطرية غير مصطنعة وغير متكلفة، وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان من هذا النوع الأخير. لقد سمع أبو بكر الصديق وصايا حبيبه محمد ﷺ فحفظها وعقلها وعمل بها: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله! إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات ﷺ ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه). كانت رقة قلبه ﵁ وأرضاه تنعكس على حياته الشريفة، وتنعكس على علاقاته مع الناس، وتستطيع بعد أن تدرك حقيقة أنه جبل على الرحمة والرقة والهدوء، وأن تفهم كثيراً من أفعاله الخالدة ﵁ وأرضاه. جاء في البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين). وطبعاً! السيد عائشة لم تولد إلا بعد أن أسلم أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، والسيدة أم رومان أمها، قالت: (ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشياً، ولما ابتلي المسلمون -يعني: إيذاء المشركين للمسلمين في فترة مكة- خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة -والقارة قبيلة من القبائل في ذلك الوقت- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟! فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي). سبحان الله! أبو بكر هنا سيترك التجارة والمال، وسيترك الوضع الاجتماعي المرموق، وسيترك البيت والأهل والبلد والكعبة، بل وأعظم من ذلك عنده سيترك رسول الله ﷺ . وبعض الناس يحب أن يعبد الله بالطريقة التي يراها صحيحة، لكن أبا بكر كان يعبد الله بالطريقة التي أرادها رسول الله ﷺ له، كان من الممكن أن يبقى أبو بكر في مكة ويعبد الله في سرية ويتاجر ويحقق المال ويعطي هذا المال للدعوة، لكن رسول الله ﷺ أراد له الهجرة؛ لأنه ليست له حماية في مكة، فـ أبو بكر الصديق من قبيلة ضعيفة هي قبيلة بني تيم، فترك كل شيء وهاجر، وإلى أين؟ إلى أرض بعيدة مجهولة غير عربية إلى الحبشة، لكن الله أراد غير ذلك؛ أراد له البقاء في مكة، وأراد له الحماية والجوار فيها فسخر له ابن الدغنة. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، ثم وصف ابن الدغنة أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه وصفاً عجيباً جداً فقال: إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. سبحان الله! هذه نفس الكلمات التي ذكرتها السيدة خديجة ﵂ وأرضاها في وصف رسول الله ﷺ عند نزول الوحي عليه، وفي هذا إشارة لا تخفى على اللبيب لدرجة أن ابن حجر العسقلاني قال: يكفي بها مفخرة لـ أبي بكر الصديق ومنقبة له أن يوصف بوصف رسول الله ﷺ على غير اتفاق بين ابن الدغنة وبين السيدة خديجة ﵂ وأرضاها. قال ابن الدغنة: فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟ أنا له جار، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة. وقالوا لـ ابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. ولماذا النساء والأبناء؟ لأن قلوب النساء والأبناء قلوب رقيقة، وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه رجل رقيق يخرج كلامه من قلبه فيصل إلى القلوب الرقيقة المفتحة للمعرفة، لكنهم لا يخشون على الرجال؛ فقلوبهم كانت قاسية عرفت الحق واتبعت غيره، فلبث أبو بكر الصديق يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، يعني: لا يقرأ في الكعبة ولا في مجالس التقاء الناس ولا في الأسواق. ثم بدا لـ أبي بكر

стр. 28

موقف الصديق ﵁ مع ربيعة الأسلمي ﵁ هذه النفس الرقيقة والقلب الخاشع والروح الطاهرة النقية والطبيعة الهينة اللينة تفسر لنا كثيراً من مواقف أبي بكر العجيبة ﵁ وأرضاه، أخرج الإمام أحمد ﵀ بسند حسن عن ربيعة الأسلمي ﵁ قال: جرى بيني وبين أبي بكر كلام. يعني: كلام فيه شيء من الحدة، فقال لي كلمة كرهتها وندم. وهذا الكلام يدور في المدينة، وأبو بكر هو المستشار الأول لرسول الله ﷺ ، يعني: بلغة العصر: نائب الرئيس مباشرة، وربيعة الأسلمي هو خادم رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر كلمة كرهها ربيعة، ويبدو أن الخطأ كان من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وأدرك ذلك، ويحدث أن يخطئ البشر مهما علا قدرهم وسمت أخلاقهم، لكنه ثاب إلى رشده بسرعة عجيبة وشعر بالندم كما قال ربيعة وهو يصف الموقف: فقال لي كلمة كرهتها وندم، لكن هل وقف الندم عند حد الشعور به والتألم الداخلي فقط؟ أبداً. رقة نفسه خرجت بهذا الندم إلى حيز العمل، وأسرع وهو نائب الرئيس يقول لـ ربيعة الخادم: يا ربيعة! رد علي مثلها؛ حتى يكون قصاصاً، يعني: اشتمني يا ربيعة! كما شتمتك، يا ربيعة! رد علي مثلها؛ حتى يكون قصاصاً. قال: قلت: لا أفعل. وطبعاً ربيعة عنده أدب عظيم؛ لأنه تربية رسول الله ﷺ ، فهو خادم رسول الله ﷺ . قال: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ . يعني: لو ما شتمتني سأشتكيك إلى رسول الله ﷺ . يقول ربيعة: فقلت: ما أنا بفاعل. يعني مستحيل ما أقدر، فانطلق أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه، يعني: فعلاً ذهب يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، يقول ربيعة: وجاء أناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو الذي قال لك ما قال؟ وطبعاً من الناس من لا يفهم هذه الأبعاد النبيلة في نفس الصديق ﵁ وأرضاه. فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، هذا ذو شيبة في الإسلام. ربيعة الأسلمي رجل واع وفاهم، والإسلام جعل الناس سواسية، لكنه لابد أيضاً أن ينزل الناس منازلهم، وأن يعطي كل ذي قدر قدره. ثم يقول ربيعة: إياكم! لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة. إنه مجتمع عجيب، وأعجب من هذا المجتمع الإسلام الذي غير في نفسيات القوم في سنوات معدودات حتى أصبحوا هكذا كالملائكة. قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا. يعني: اتركوني أنا مع أبي بكر مع رسول الله ﷺ ، وانطلق أبو بكر ﵁ وتبعته حتى أتى رسول الله ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه ﷺ فقال: (يا ربيعة! ما لك والصديق؟) رسول الله ﷺ كان يغضب إذا أحد أغضب الصديق ﵁ وأرضاه. قال: (يا ربيعة! ما لك والصديق؟ فقلت: يا رسول الله! كان كذا وكذا بيني وبينه فقال لي كلمة كرهتها، فقال لي: قل كما قلت؛ حتى يكون قصاصاً، فأبيت، فقال ﷺ : أجل يا ربيعة! لا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر!) إنها حكمة نبوية راقية، فالمؤمن ليس بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذي، ومن حكمته ﷺ أن يرد الإساءة بالإحسان فيكسب قلوب الخلق، بل هذا هو تعليم ربنا لنا في كتابه الكريم حيث قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]. فقال رسول الله ﷺ : (قل: غفر الله لك يا أبا بكر! فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر! قال: فولى أبو بكر ﵁ وأرضاه وهو يبكي) وطبعاً! لابد أن نقدر موقف الصديق، فهذا الرجل صفحته بيضاء نقية لابد أن يحرص على نظافتها قدر الاستطاعة حتى ولو كانت كلمة بسيطة، فقال له الرجل: غفر الله لك يا أبا بكر! ومع ذلك هو يريد أن يبقي هذه الصفحة نقية طاهرة. ومثل هذا لو أن واحداً يحافظ على صلاة الفجر كل يوم كل يوم ثم فاتته يوماً فيحز

стр. 29

إشفاق أبي بكر على المستضعفين بمكة وكان من رقته وحنانه يشفق على المستضعفين في مكة: يقول عبد الله بن الزبير ﵄: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة. بمعنى: أنه إذا أسلم الرجل أو المرأة اشتراه من صاحبه وأعتقه، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه أبو قحافة -وكان ساعتها كافراً-: أي بني! أراك تعتق أناساً ضعافاً، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، وكان أبو بكر في حاجة لأن قبيلته بني تميم قبيلة ضعيفة. فقال: أي أبت! أنا أريد ما عند الله، فنزلت فيه آية تتلى إلى يوم القيامة، قال الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. ونزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١]. انظروا ربنا يعده في قرآنه: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١] فأي ثمن دفع الصديق ﵁ وأرضاه؟ وأي سلعة اشترى؟ ما أزهد الثمن المدفوع ولو كانت الدنيا بأسرها! وما أعظم السلعة المشتراة الجنة!

стр. 30

لين الصديق ﵁ مع من قاتلوا المسلمين من كفار قريش وهذا حادث آخر يوضح لين جانب الصديق ﵁ وأرضاه مع من قاتله أكثر من عشرين سنة: روى مسلم عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني ﵁: أنا أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. وهذا الكلام يدور بعد صلح الحديبية، يعني: قبل فتح مكة، وكان في ذلك الوقت أبو سفيان كافراً، فـ سلمان وصهيب وبلال يريدون أن يغيظوا أبا سفيان بهذه الكلمة، فقال أبو بكر الصديق ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ انظر مع كل هذا القتال الذي دار بينهم سنوات وسنوات وهذا الطرد والتشريد والتعذيب الذي حدث في مكة حتى هاجروا إلى المدينة ومع ذلك هو في لين جانبه وفي رقة قلبه يحاول أن يقرب قلب أبي سفيان إلى الإسلام، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال ﷺ : (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟) يعني: أنه ﷺ خشي أن أبا بكر ﵁ وأرضاه قد يكون قال كلمة أغضبت سلمان وصهيب وبلالاً. قال: (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبتك ربك، فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟) مع أن ظاهر الأمر أن الحق مع أبي بكر الصديق لكنه يستسمح هؤلاء الإخوة، ويريد أن تكون صفحته بيضاء، قال: (يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي!). ولما استشاره رسول الله ﷺ في أمر الأسارى في موقعة بدر ماذا كان يرى في أولئك الذين عذبوهم وأخذوا أموالهم وطردوهم من ديارهم وحرصوا على حربهم وكادوا يقتلونهم في بدر لولا أن من الله على المؤمنين بالنصر؟ ماذا كان رأيه؟ انظر إليه وكأنه لا يتحدث عن الأسارى، بل وكأنه يتحدث عن أصحابه وأحبابه، لقد قال الصديق: (يا رسول الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً). أما عمر بن الخطاب ﵁ فكان جوابه مختلفاً، قال رسول الله ﷺ : (ما ترى يا ابن الخطاب؟!) وعمر بن الخطاب كما تعلمون ملهم ومحدث ومسدد الرأي وفيه شدة واضحة على الكفر وأهله، وهي شدة محمودة في زمان الحرب، بل إن رأيه كان هو الرأي الذي أراده الله ، ووافق فيه عمر ما أراد الله . يروي عمر بن الخطاب فيقول: (قلت: والله! ما أرى ما رأى أبو بكر - هكذا في صراحة -رأي أبي بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان -وذكر رجلاً قريباً له- فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه؛ حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم). فـ عمر بن الخطاب رأيه في هذا مختلف عن رأي أبي بكر الصديق، ولكن كلاهما حريص على الدين، متين في الإسلام، قريب كل منهما إلى رسول الله ﷺ ، لكنهما مختلفان في الطبيعة النفسية، فـ أبو بكر رقيق الطباع يغلب عليه العفو والصفح، وعمر بن الخطاب شديد في الحق يغلب عليه الانتصار بعد الظلم. قال عمر: فهوي رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. وفي هذا تقارب شديد في الطباع بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وإن كان الصواب في هذا الموقف مع عمر بن الخطاب ﵁، لا نقوله نحن بل قاله رب العالمين. وانظر إلى عمر كيف يصف الموقف يقول: (فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما) إن عمر عملاق آخر صنعه الإسلام، رقة متناهية مختفية، ففيه شدة ظاهرة وفيه قلب يذوب ذوباناً في حب رسول الله ﷺ وتواضع جم وأدب عظيم. فقال رسول الله ﷺ : (للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء؛ فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة قريبة) ولماذا العذاب؟ وكأ

стр. 31

سلسلة الصديق_ نعمة السبق كان الصديق الأكبر ﵁ وأرضاه أسبق الناس إلى كل خير بعد النبي ﷺ ، فقد كان أول الناس إسلاماً، ولم يسبقه أحد من الصحابة إلى خير، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 32

اتصاف أبي بكر الصديق بالحسم والسبق وعدم التسهيل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم اغفر لنا خطيئتنا وجهلنا، وإسرافنا في أمرنا، وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس الثالث من دروس الصديق ﵁ وأرضاه: ما زلنا نستمتع بطرف من حياة الصديق ﵁، فوالله! إننا فعلاً نستمتع، وما زلنا نستمتع بحياة الصديق ﵁، ودراسة حياة الصديق تريح النفس، فعندما تحس بشيء من الظلم، أو شيء من التعب، أو شيء من اليأس أو شيء من الإحباط اذهب بسرعة واقرأ سيرة الصديق ﵁ وأرضاه، فهو رجل من البشر وليس بنبي، ومع هذا يفعل كل هذا الخير، إذاً: هناك أمل كثير، فعندما نسمع عن حياة رسول الله ﷺ ونقول: قال الرسول وعمل كذا، لا نقدر أن نصل لفعله، ولكن هذا رجل ليس برسول، ويعمل بعمل الأنبياء ﵁ وأرضاه. فيبدو أن طاقة البشر أوسع مما نتخيل، ويبدو أن وسع النفس أرحب بكثير من اعتقادنا، ويبدو أيضاً أن الآية الكريمة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ليست آية تخفيفية كما يظن بعضنا، ولكنها آية تكليفية، فالله لا يكلف إلا الوسع فقط، ولكن هذا يعني أيضاً من زاوية أخرى أن الله يكلف الوسع، والوسع كبير جداً، لكننا أحياناً لا نقدره؛ تخاذلاً منا وإنقاصاً لقدرات البشر. والدليل على ذلك: أبو بكر الصديق ﵁. والدليل على ذلك أيضاً: أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم من التابعين والصالحين في كل زمان، وفي كل مكان. هؤلاء بشر، تلقوا منهجاً وساروا عليه، فسعدوا وأسعدوا غيرهم، هؤلاء بشر سمعوا كلاماً مثل الذي سمعناه تماماً، لكنهم أخذوه مأخذ الجد، فظهرت طاقات عجيبة أخفاها الله في قلوب الناس، هذه الطاقات العجيبة في قلبي وقلبك، وفي قلوب كل الناس، لكن لا تخرج هذه الطاقات إلا بشروط، رأيناها مع الصديق ﵁ وأرضاه، إيمان بالله وبرسوله، وحب لله ولرسوله، وعمل بما قال الله ورسوله، إيمان وحب وعمل. فاكتشف نفسك يا أخي! وفتش في قلبك عن طاقاتك، وفتش في قلبك عن طاقات الصديق، وفتش في قلبك عن طاقات عمر، فتش وستلاقي قوة لم ترها من قبل، فالله الحكيم خلق وصور ثم كلف وأمر. والله كلف الخلق أجمعين بتكاليف ثوابت، ومن رحمته وعدله: أن وضع في خلقه ما يعينهم على أداء هذه التكاليف، وقد أمرنا جميعاً بما أمر به الصديق ﵁ وأرضاه. والصديق لم يؤمر بعبادة خاصة، أو بتكاليف خاصة، أو بتشريعات خاصة، بل نفس المنهج، ونفس القانون، ونفس التشريع، ونفس الفجر الذي كان يصليه، ونفس الجماعة ونفس الزكاة والصدقة، ونفس الأخلاق الحسنة ونفس صلة الرحم وطاعة الوالدين، ونفس الابتسامة ونفس التواضع، ونفس الحمية للدين، ونفس التشريع بكامله التشريع أمر به الصديق، وأمرنا به نحن، والصديق قد وفى، فأين نحن منه ومن أمثاله؟ فيا ترى هل وفينا وأدينا المنهج؟ ويا ترى كم عملنا من الذي علينا؟ كم في المائة من التكاليف الذي علينا عملناها؟ وكم في المائة من الوقت يصرف في أمور لم نؤمر بها، وكم في المائة من الوقت يصرف في أشياء نهينا عنها؟ وفي النهاية نحن بشر والصديق بشر، والاقتداء به ممكن، والسير على طريقه مستطاع. وقد تحدثنا في المحاضرتين السابقتين عن صفتين رئيسيتين من صفاته ﵁: حب الرسول ﷺ ، ورقة القلب. وفي هذا الدرس نتحدث عن سمة ثالثة مميزة جداً للصديق ﵁، وإن كان جل الصحابة تقريباً يقتربون من الصديق ﵁ وأرضاه في الصفتين السابقتين، أما هذه الصفة فقد تفرد بها الصديق، وتفوق بها على سائر الصحابة أجمعين. هذه الصفة من أهم ما نحتاج في حياتنا اليوم، وما أجمل أن يوجد جيل يتصف بهذه الصفة، ولو وجد لاشك أن النصر سيكون حليفه، وسيكون قريباً جداً إن شاء الله. هذه الصفة الثالثة هي صفة الحسم والسبق وعدم التسهيل، الحسم في القرارات، والسبق إلى كل خير، وعدم التسهيل في أي قضية مهما صغرت في عين الإنسان، وهذه الصفة سمة واضحة جداً في حياة الصديق ﵁ وأرضاه. الشيطان كثيراً ما يمنع الإنسان من عمل الخير

стр. 33

سبق الصديق إلى الإسلام أول ما يلفت الأنظار إلى الصديق ﵁ سبقه إلى الإسلام. من المعروف أنه أول رجل أسلم، ما تردد وما نظر، وما قال: آخذ يوماً أو يومين أفكر، بل أسرع إليه إسراعاً، وهذا الأمر لافت للنظر جداً، وهو ما سيغير الشغل أو يغير بيته أو حتى يغير بلده، بل سيغير عقيدته التي عاش عليها ٣٨سنة، فـ الصديق لما أسلم كان عمره ٣٨سنة. أحياناً بعض الرجال يعتقدون أن من الحكمة التروي جداً جداً في الأمر وعدم التسرع، وأخذ الوقت الطويل في التفكير قبل الإقدام على أي خطوة من خطوات الحياة، وبالذات لو كانت خطوة مصيرية، هذا قد يكون صواباً في بعض الأحيان، ولكن في أحيان أخرى عندما يكون الحق واضحاً جلياً مضيئاً كالشمس في كبد السماء يصبح التروي حينئذ حماقة، وتصبح الأناة كسلاً، وتصبح كثرة التفكير مذمة، هذا حدث مع قوم نوح، حدثنا ربنا في كتابه الكريم عنهم، قال على لسان قوم نوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] يعني: أولئك الذين يبدون آراءهم لأول وهلة دون تفكير ولا تمحيص هم الذين اتبعوك يعني: يلومونهم أنهم أسرعوا للإيمان مع نوح ﵊ دون أن يترووا ودون أن يفكروا. وسبحان الله! هؤلاء كمن يقول للآخر: ما رأيك في الشمس هل طلعت؟ فيسأل عنها فيقول: دعوني أفكر وأتروى، ويقول: يا ترى هل طلع وإلا ما طلع. وما رأيكم في واحد عطشان وعلى حافة الهلكة ورأى نبعاً صافياً سلسبيلاً في الصحراء، يا ترى لو قعد وقال سآخذ يوماً أو يومين أفكر هل أشرب أو لا أشرب؟ ولو قعد يفكر يوماً أو يومين سيموت قبل أن يشرب، والذي يحصل مع أناس كثير ويحصل معنا أيضاً كثيراً أننا نفكر في الخير، فنظل نفكر في الخير اليوم واليومين والثلاثة والشهر والسنة، وثم نموت قبل أن نفعل هذا الخير. فـ الصديق ﵁ وأرضاه كان في عطش الجاهلية، فرأى نبع الإسلام فلماذا لا يشرب؟ كان الصديق ﵁ وأرضاه يرى الحق بهذه الصورة تماماً فلماذا التردد والانتظار؟ والتردد ليس من الحكمة في هذه الأمور، وهو الرجل الحكيم العاقل عرض عليه الإسلام غضاً طرياً واضحاً من فم رسول الله ﷺ فأنار الله قلبه بنور الهداية، فلماذا لا يسلم؟ ولماذا لا يتبع الحق من أول وهلة؟ روى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هل أنتم تاركو لي صاحبي؟) قالها مرتين ﷺ وذلك لما حدث خلاف ذات مرة بين الصديق ﵁ وبين أحد الصحابة ﵃ أجمعين، فلماذا هذه المكانة العالية للصديق عند رسول الله ﷺ ؟ انظروا إلى المسوغات: قال رسول الله ﷺ : (إني قلت: أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت). إذاً: هي فضيلة ولاشك أن أسرع للإسلام هذا الإسراع! ومرت الأيام، وصدق أولئك الذين كذبوا من قبل، لكن كان أبو بكر الصديق هو الفائز في الأجر والسبق. ومن الناس من صدق بعد أيام من سماع الدعوة، ومنهم من آمن بعد شهور، ومنهم من آمن بعد سنوات، ومنهم من انتظر حتى تم الفتح ثم آمن، الجميع آمن، والجميع صدق، لكن الصديق فاز بها، قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٢]. فالأيام التي تمر لا تعود أبداً إلى يوم القيامة، ولاشك أن أولئك الذين تأخر إسلامهم أياماً وشهوراً وسنوات كانت الحسرة تأكل قلوبهم على أيام ضاعت في ظلمات الكفر، لكن الحسرة ما أعادت الأيام، ونحن أيضاً نتحسر على الأيام التي ما قدمنا فيها عملاً صالحاً لأنفسنا، والأيام تمر، ولاشك أن الذي سارع إلى الخيرات استمتع بهذه الأيام التي قضاها في الإيمان. وفي النهاية مرت الأيام على هذا وعلى ذاك. ونحن لا نقول هذا الكلام للتاريخ، نحن في واقعنا وحياتنا كثيراً ما نتردد في أعمال الخير، ونؤجل يوماً أو يومين، ثم نفعل الخير بعد ذلك، أو لا نفعله، فمرت الأيام وضاع السبق، قال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]. الأعمال لها أجران: أجر العمل ذاته، وأجر السبق فيه. وقد يكون أجر السبق أعظم من أجر العمل ذاته؛ لأنه يكون بمثابة السنة الحسنة التي تسنها لغيرك فيقلدك فيها. روى الإمام مسلم ﵀ عن جرير بن عبد الله

стр. 34

صداقة أبي بكر الصديق للنبي ﷺ قبل الإسلام واشتراكهما في كثير من الصفات أول ما يلفت الأنظار في قصة الصديق ﵁ أنه كان صديق رسول الله ﷺ قبل الإسلام، بل كانا صديقين حميمين، وحقاً الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. فتعارفت روحا رسول الله ﷺ والصديق ﵁، وأحب كل منهما الآخر حباً لا يوصف، وإنه لفضل عظيم للصديق أن يختاره رسول الله ﷺ صديقاً وحبيباً. لاشك أن الصديق ﵁ وأرضاه كان أهلاً لذلك، هذا الحب المتبادل بين الطرفين يفتح القلب، وينور العقل، ويرفع كثيراً من الحواجز التي توجد عادة بين عموم الناس، ويمهد الطريق لكل خير. فرسالة لطيفة لكل الدعاة: لن تصل دعوتك إلى الناس إلا إذا أحببتهم وأحبوك حباً متبادلاً، ولابد أن يكون من نوع الحب الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين الصديق؛ فإنه حب لم يبن على علاقة رحم، أو على مصالح مادية، أو على أغراض دنيوية، إنه الحب الذي يسميه الرسول ﷺ الحب في الله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله. فلا يمكن أن يكون إيمان من غير حب يصدق هذا الإيمان. قد يقول قائل: أهل مكة جميعاً كانوا يحبون محمداً ﷺ ، وهذا صحيح، فلماذا لم يصل أحدهم إلى قلبه كما وصل الصديق ﵁؟ و الجواب أنه كان هناك توافق عجيب بين الشخصيتين العظيمتين: شخصية رسول الله ﷺ ، وشخصية الصديق ﵁. ومن أجل أن نعرف قدر الصديق ﵁ نعرف أنه كانت صفات الصديق تتوافق مع صفات خاتم الأنبياء ﷺ . وإذا توافقت بعض صفات الفرد مع فرد ينشأ نوع من التجاذب بين الفردين. فمثلاً: الكريم يحب الكريم الذي مثله، وينفر من البخيل، والأمين يحب الأمين الذي مثله، وينفر من الخائن وهكذا، وكلما ازدادت صفات التوافق بين الفردين ازداد التجاذب بينهما حتى يصل إلى حد يكون فيهما الفردان روحاً واحدة في جسدين، يفرح أحدهما فرحاً حقيقياً لفرح الآخر ويحزن أحدهما حزناً حقيقياً لحزن الآخر، ويألم أحدهما ألماً حقيقياً لألم الآخر، وكثيراً ما يقتنع رجل برأي رجل آخر، بل ويدافع عنه إلى نهاية المطاف، مع كون هذا الرأي محارباً من عامة الناس؛ ذلك أنه أصبح دون تكلف ولا افتعال كرأيه تماماً، والله لا أحسب أن رجلاً في أمة الإسلام كان شديد الشبه برسول الله ﷺ قبل الإسلام من أبي بكر ﵁ وأرضاه. والمقصود: هو الشبه في الأخلاق والأفعال، وليس في الصور والأجساد.

стр. 35

الاشتراك في صفة الصدق والأمانة ما الصفة الرئيسية التي كان رسول الله ﷺ يشتهر بها في مكة قبل البعثة وبعدها؟ إنها صفة الصدق والأمانة، فعرف بالصادق الأمين، وتعالوا ننظر ما هي الصفة التي اشتهر بها الصديق ﵁ وأرضاه؟ عرف بـ الصديق، يعني: من كل صفات الرسول ﷺ النبيلة عرف بالصادق الأمين، ومن كل صفات أبي بكر النبيلة عرف بـ الصديق، وهذه ملحوظة في غاية الأهمية. ثم إن صفة الصدق هذه بالذات صفة في غاية الأهمية بالنسبة للداعية وأيضاً بالنسبة للمدعو؛ لأن الكذاب كثير الكذب والخائن كثير الخيانة وغالباً ما يصعب عليه أن يصدق الآخرين أو يأتمن الآخرين؛ لأنه دائم الظن أن الناس يفعلون كما يفعل، ويتصرفون كما يتصرف. وأبو بكر لم يكن صادقاً فقط بل كان صديقاً، وكان يستقبح الكذب، وما أثر عنه كذبة واحدة لا في جاهلية ولا في إسلام، ورجل بهذه الصفات لا يفترض الكذب في غيره أبداً، بل هو يحسن الظن فيما يقال له، فما بالكم إذا كان الذي يحدثه رجل اشتهر بالصدق والأمانة حتى لقب بالصادق الأمين ﷺ ؟ ولن يشتهر بهذا عاماً أو عامين، بل أربعين سنة، ولم يشتهر بذلك في معظم أموره، بل في كل أموره، فكيف للصديق أن يفترض فيه الكذب؟ وكيف للصديق أن يفترض الكذب في رجل داوم على الصدق أربعين سنة؟ وكيف يتوقع أن هذا الرجل الذي ترك الكذب على الناس يكذب على الله ؟ هذا استنتاج بسيط لا يغيب عن عقل الصديق ﵁، بل إنه لم يغب عن ذهن أي رجل عاشر محمداً ﷺ ، بل حتى من لم يرها مثل هرقل ملك الروم؛ فإنه لما سأل أبا سفيان عن صدق النبي ﷺ قال أبو سفيان - وكان ما زال كافراً -: إنه لا يكذب، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب عليكم ثم يكذب على الله وهكذا. فالصدق المتبادل بين الداعية والمدعو من أشد عوامل قبول فكره، وإن كانت جديدة تماماً، وهي رسالة أيضاً إلى الدعاة: كن صادقاً وابحث عن الصادقين.

стр. 36

اتفاق خديجة وابن الدغنة في وصف الرسول ﷺ وأبي بكر وأعجب من هذا التوافق في صفة الصدق نوع آخر من التوافق بين الصديقين الحميمين أشرنا إليه من قبل: لما نزل الوحي على الرسول ﷺ عاد مذعوراً إلى السيدة خديجة ﵁ يرجف فؤاده وهو يقول: (زملوني زملوني) ثم أخبر خديجة ﵁ بالخبر وقال لها: (لقد خشيت على نفسي، فقالت المرأة المؤمنة: كلا والله! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، هذه هي المبررات التي من أجلها قالت السيدة خديجة: إن الله لن يخزي الرسول ﷺ أبداً، وهي جميعاً من صفات المروءة والنخوة والنجدة. احفظ هذا الموقف وتعال انظر ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر عن سبب خروجه من مكة مهاجراً إلى الحبشة، قال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يخرج. فما هي المسوغات أيضاً في هذا الموقف؟ استمع إليه وهو يبرر فيقول: إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، سبحان الله! إنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله ﷺ . ولم يكن مشهوراً في العرب أن يوصف رجل بهذه الصفات، ولم يوصف بها إلا رسول الله ﷺ والصديق ﵁ وأرضاه. هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيراً سرعة تلبية الصديق ﵁ وأرضاه لدعوة الإسلام. ولا نجد شخصاً فيه هذا التوافق مع رسول الله ﷺ كالذي بين الصاحبين الجليلين، مما يؤكد أن الله كما اختار محمداً ﷺ للرسالة فقد اختار أبا بكر للصحبة.

стр. 37

الاشتراك في صفة التواضع وهناك توافق آخر في غاية الأهمية بين الصاحبين العظيمين: التوافق في صفة التواضع، والداعية المتكبر لا يصل بدعوته إلى الناس أبداً؛ لأن الناس يكرهون المتكبرين ولا يقبلون أفكارهم، ورسول الله ﷺ كان أشد الخلق تواضعاً، ومع علو قدره ومكانته إلا أنه لم يكن يترفع أبداً على أي إنسان: حراً كان أو عبداً، غنياً كان أو فقيراً، ولذلك كان يصل بدعوته إلى الخلق أجمعين. لكن إذا كان كذلك فلماذا لم يؤمن كثير من أهل مكة؟ لماذا لم يؤمن مثلاً الوليد بن المغيرة، مع أنه في قياسات هذا الزمن كان عاقلاً حكيماً؟ الجواب لأنه كان متكبراً. والدعوة وصلته بالفعل، ووصلت إلى قلبه، لكن كما قال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] فماذا فعل الوليد؟ قال وقال من معه كما حكى عنهم ربنا في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. ورسول الله ﷺ لم يكن عظيماً فقط، بل هو أعظم الخلق أجمعين، ولكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل، فالعظمة عندهم لا تكون في خلق ولا في عقيدة، وإنما تكون في وفرة مال، أو في سعة أملاك، أو في سلطان، لهذا الكبر المقيت صرفوا عن آيات الله ، قال : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]. وأبو بكر ﵁ لم يكن من هذه الشاكلة، بل على العكس تماماً، كان الصديق متواضعاً شديد التواضع، ولم يكن تواضعه ﵁ مختلقاً أو مصطنعاً، بل كان تواضعاً فطرياً أصيلاً في شخصيته، من أجل هذا عندما تأتي تقول لي: ما هي مواقف التواضع في حياة الصديق؟ أقول لك: هذا السؤال في منتهى الصعوبة؛ لأن معناه: أنك تحكي حياة الصديق بكاملها، لكن أنا أختار موقفاً واحداً من حياة الصديق، إنه موقف ينطق بتواضعه الفطري ﵁ وأرضاه، هذا الموقف كان بعد أن تولى الخلافة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهذا أشق وأصعب. والإنسان قد يتواضع عندما يفتقر إلى تمكين أو سيادة أو سلطان، لكن أن يتواضع وهو في أعلى مناصب الدولة فهذا هو التواضع الحقيقي الواضح. خرج الصديق ﵁ يودع جيش أسامة بن زيد ﵄ المتجه إلى حرب الروم في الشمال. والصديق حاكم الدولة، ويبلغ من العمر ستين عاماً، وأسامة بن زيد جندي من جنوده، ولم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. وسن الثامنة عشرة سن من هم في الثانوية العامة، ومع ذلك الصديق الحاكم المسن يخرج يودع الجيش ماشياً على قدميه، وأسامة بن زيد الذي هو شاب يركب على جواده، إنه موقف في منتهى الغرابة، ولافت - جداً - للنظر، وطبعاً هذا الموقف لفت نظر أسامة بن زيد ﵄ فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ! والله! لتركبن أو لأنزلن، فقال الصديق المتواضع ﵁: والله! لا تنزل، ووالله! لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. انظروا التربية الراقية التي على منهج النبوة، إنه يربي نفسه على التواضع، ويربي أسامة بن زيد على الثقة بنفسه، ويربي كل الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير الشاب، ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه، وإخلاص النية ووضوح الرؤية، ثم هو يمعن في التواضع فيطلب من الأمير الشاب على سبيل الاستئذان طلباً غريباً فيقول: إن رأيت أن تعينني بـ عمر فافعل؛ لأن رسول الله ﷺ كان قد جعل عمر بن الخطاب في جيش أسامة تحت إمرة أسامة، والصديق يريد عمر للوزارة، والصديق هو الخليفة، لكنه لا يريد أن يكسر هيبة كلام رسول الله ﷺ ، كما أنه لا يريد أن يكسر هيبة الأمير الشاب أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، فاستأذنه بأدب ولطف وقال: إن رأيت أن تعينني بـ عمر فافعل، فأذن له أسامة، وعمر بن الخطاب لما كان يرى أسامة كان يقول له: مرحباً بك أيها الأمير؛ لأنه كان أميراً عليه. هذا هو الصديق المتواضع، ورجل في هذا التواضع لا يمكن أبداً أن ينكر الحق إذا سمعه، وبالذات لو سمعه من أعظم المتواضعين رسول الله ﷺ . هذا التواضع المتبادل بين الداعية والمدعو شرط لا يغفل لنجاح الدعوة.

стр. 38

الاشتراك في صفة البعد عن أماكن اللهو والفساد وهناك توافق آخر ملحوظ بين الصاحبين الكريمين العفيفين: أنهما كان يبتعدان تماماً عن أماكن الفساد واللهو والشهوات والمعاصي على كثرتها في مكة، وإذا كان ابتعاد رسول الله ﷺ عن هذه الموبقات لأنه معصوم ﷺ فإنه من العجيب لرجل مثل الصديق ﵁ وأرضاه أن يبتعد تماماً عن هذه المنكرات حتى قبل إسلامه وما فيه أحد في مكة يحاسب على هذه الأمور، فهذه الأمور كانت منتشرة انتشاراً كبيراً جداً في مكة، ومع ذلك كان يبتعد عنها؛ لأنها ليست من مكارم الأخلاق، فـ الصديق ﵁ وأرضاه لم يشرب خمراً في جاهلية ولا في إسلام. روى ذلك ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة: أنه كان يعرض عنها لأنها تذهب بالعقل، وكان يقول: أصون عرضي وأحفظ مروءتي، وكان يحتقر من يشربها؛ لأنه يهين نفسه بشربها. والصديق لم يزن في جاهلية ولا في إسلام مع انتشار صاحبات الرايات الحمر في مكة، والصديق لم يأت طفرة، ولم يتعود على فحش القوم، ولم يؤذ جاراً، ولم يهضم حقاً، ولم يخلف موعداً، الصديق كان يقدس الأخلاق حتى قبل إسلامه، وحاربه أهل مكة ولم يستطع أحدهم أن يطعنه في خلقه؛ لأنه لم يكن به مطعن ﵁ وأرضاه. ولو تخيلنا رجلاً كهذا تعرض عليه دعوة الإسلام ودعوة الأخلاق العظمى في الأرض وعلى لسان أفضل الناس أخلاقاً ماذا يكون رد فعله؟ من الطبيعي جداً: أن يقبلها، بل وأن يستمسك بها، فهي له خلاص من هذا المجتمع المتعفن بالمعاصي والشهوات والرذائل. إذاً: الحب المتبادل والصدق المتبادل والمروءة المتبادلة والتواضع المتبادل والعفة المتبادلة كانت أموراً واضحة بين الرسول ﷺ والصديق ﵁ وأرضاه، هذا التوافق العجيب بين الشخصيتين سهل على رسول الله ﷺ توصيل الدعوة كما سهل على الصديق ﵁ وأرضاه قبولها.

стр. 39

معرفة الصديق بطلان دين المشركين قبل الإسلام ثم تعالوا نفكر مع الصديق، فأي دين سأترك كي أنتقل لهذا الدين الجديد؟ هل سأترك دين قريش؟ وما هو دين قريش؟ وأي شيء يعظمون؟ ولأي إله يسجدون؟ أيترك الصديق دين الإسلام ليعظم اللات أو العزى، أو مناة أو هبلاً؟ مستحيل، فـ الصديق كان دائم الازدراء لهذه الأحجار، وكما يحكي هو فيقول: لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب. يقول الصديق: فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني، وطبعاً الصديق يسأله في سخرية منه، فإنه لا ينتظر من هؤلاء إجابة، وكان الناس يعلمون ذلك. يقول الصديق: فقلت له: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني، فقلت: إن عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه، فمنذ أن بلغ الحلم كان هذا الاعتقاد في داخله أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فكان الصديق ﵁ وأرضاه يعلم علم اليقين أن هذه الأوثان ليست آلهة، والصديق ﵁ وأرضاه كان ذكياً حاد الذكاء، ولم يكن يغيب عن ذهنه سفاهة هذه الأصنام، إذ كيف يعقل لصنم أن يخلق وأن يصور، وأن يهدي وأن يرحم، وأن يرزق وأن ينصر؟ كيف يعقل ذلك؟ وكيف يعقل أن بقرة تشرع؟ أو أن شجرة تحكم وتدبر؟ لم تكن هذه الأمور بالتي تغيب عن ذهن العبقري الفذ الصديق ﵁، فعلم ببساطة أن دين قريش دين منكر، وأن دين الإسلام هو دين الحق. وعلم ببساطة أن لهذا الكون خالقًا، وأن محمداً ﷺ رسول. لما وضحت هذه الرؤية في عين الصديق ﵁ ورأى حقيقة الإسلام وباطل الجاهلية وعلم الفرق بينهما قرر منذ اللحظة الأولى أن يغير الباطل إلى الحق، وأن يزيل المنكر ويقر المعروف، قرر أن يفعل ذلك مهما كانت التضحيات، فقرر أن يدخل في الإسلام حتى لو حاربته مكة والعرب، بل والعالم أجمع، قرر هذا كله لأنه كان رجلاً إيجابياً، والرجل الإيجابي قلبه يأكله لما يرى منكراً ولا يهدأ له بال، ولا يستريح له قلب، ولا تسكن له جارحة إلا عند تغيير المنكر إلى معروف، وهذه والله! من أعظم صفات الصديق ﵁ وأرضاه.

стр. 40

إيجابية الصديق وتركه السلبية وهناك أناس كثيرون جداً فهموا حقيقة هذا الدين، لكن افتقروا إلى الإيجابية، وأناس كثيرون جداً غرقوا في السلبية وعاشوا على كلمة: وأنا ما لي؟ فكانت هذه الكلمة سبباً في هلاكه وهلاك المجتمع. من أجل أن نفهم قيمة إيجابية الصديق تعالوا نقارنه برجل من حكماء قريش وعقلائهم كما يقولون، لكنه كان يتسم بسلبية قاتلة فهلك وأهلك من حوله، إنه عتبة بن ربيعة، لما سمع كلام الله على لسان الرسول ﷺ ، وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت، عاد إلى قومه مسرعاً يتحدث عن القرآن، وكأنه داعية من دعاة الإسلام فقال: سمعت قولاً والله! ما سمعت مثله قط، والله! ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. لكن ماذا كانت النتيجة بعد هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد ﷺ ؟ استمع إليه وهو يعرض رأيه: يقول عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله! ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله! يا أبا الوليد! بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. لكن الرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية، فهو على يقين من صدق محمد ﷺ ، ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام البشر، ومع هذا فرأيه الذي يظنه حكيماً أن تخلي قريش بين الرسول ﷺ وبين العرب، فإن انتصر العرب على رسول الله ﷺ فهم مع العرب، وقد أراحوا أهل قريش من محمد ﷺ ولم يصبهم أذى الحروب، وإن انتصر محمد ﷺ على العرب سارعوا بالانضمام إلى محمد ﷺ . وهذه سلبية مطلقة، فلما اعترض القوم على كلامه وقالوا: سحرك والله! يا أبا الوليد! بلسانه، ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟ قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم، والقوم صنعوا السيئ والقبيح، فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم، بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي ﷺ في بدر فإذا بـ عتبة بن ربيعة يحمل سيفه ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلاً تيقن أنه نبي. فأي سلبية هذه؟ وأي إمعية هذه؟ هذا الطراز الفاشل من الرجال لا يصلح للدعوات المصلحة. وإذا نظرنا إلى الصديق ﵁ وأرضاه فليس في الإسلام رجل بعد النبي ﷺ أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ظهرت إيجابيته في كل مواقف حياته ﵁، ظهرت في إسلامه، وظهرت في إعتاقه للعبيد، وفي دفاعه عن رسول الله ﷺ سواءً في مكة أو في المدينة، وظهرت في إعداده للهجرة، وظهرت في ثباته في كل غزوات الرسول ﷺ ، وظهرت كذلك إيجابيته عند وفاة رسول الله ﷺ ، وظهرت في حروب الردة، وظهرت في فتوح فارس والروم، وظهرت في جمعه للقرآن، وظهرت إيجابيته في كل نقطة من نقاط حياته، وفي مساعدته للفقراء والمحتاجين وكبار السن، وفي معاملاته مع صحابة رسول الله ﷺ ؛ فقد كان ﵁ وأرضاه نبراساً لكل مصلح، ودليلاً لكل محسن، ما رأى معروفاً إلا وأمر به، وما رأى منكراً إلا وحاول تغييره بكل طاقته بيده ولسانه وقلبه، لذلك شق عليه كثيراً أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر؛ لأنهم فهموا آية من آيات الله على غير معناها الصحيح. سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:١٠٥]، فظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظنوا أن الله يقول لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: اهتموا بأنفسكم فقط، ولا يضركم ضلال غيركم، فلا تهتموا بهم، والأمر على خلاف ذلك تماماً، فوقف أبو بكر ﵁ ليصحح لهم الفهم، وليصلح لهم الطريق، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابه) روى ذلك أصحاب السنن والإمام أحمد ﵏ جميعاً، وهكذا فإن هذا الرجل الإيجابي كان ولابد أن يسعى للتغيير والإصلاح، وإذا وجد المنهج القويم المعين
следующие страницы →