← Тараджим

Тараджим · id 37379

الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق

راغب السرجاني

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اتفاق خديجة وابن الدغنة في وصف الرسول ﷺ وأبي بكر وأعجب من هذا التوافق في صفة الصدق نوع آخر من التوافق بين الصديقين الحميمين أشرنا إليه من قبل: لما نزل الوحي على الرسول ﷺ عاد مذعوراً إلى السيدة خديجة ﵁ يرجف فؤاده وهو يقول: (زملوني زملوني) ثم أخبر خديجة ﵁ بالخبر وقال لها: (لقد خشيت على نفسي، فقالت المرأة المؤمنة: كلا والله! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، هذه هي المبررات التي من أجلها قالت السيدة خديجة: إن الله لن يخزي الرسول ﷺ أبداً، وهي جميعاً من صفات المروءة والنخوة والنجدة. احفظ هذا الموقف وتعال انظر ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر عن سبب خروجه من مكة مهاجراً إلى الحبشة، قال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يخرج. فما هي المسوغات أيضاً في هذا الموقف؟ استمع إليه وهو يبرر فيقول: إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، سبحان الله! إنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله ﷺ . ولم يكن مشهوراً في العرب أن يوصف رجل بهذه الصفات، ولم يوصف بها إلا رسول الله ﷺ والصديق ﵁ وأرضاه. هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيراً سرعة تلبية الصديق ﵁ وأرضاه لدعوة الإسلام. ولا نجد شخصاً فيه هذا التوافق مع رسول الله ﷺ كالذي بين الصاحبين الجليلين، مما يؤكد أن الله كما اختار محمداً ﷺ للرسالة فقد اختار أبا بكر للصحبة.

стр. 37

الاشتراك في صفة التواضع وهناك توافق آخر في غاية الأهمية بين الصاحبين العظيمين: التوافق في صفة التواضع، والداعية المتكبر لا يصل بدعوته إلى الناس أبداً؛ لأن الناس يكرهون المتكبرين ولا يقبلون أفكارهم، ورسول الله ﷺ كان أشد الخلق تواضعاً، ومع علو قدره ومكانته إلا أنه لم يكن يترفع أبداً على أي إنسان: حراً كان أو عبداً، غنياً كان أو فقيراً، ولذلك كان يصل بدعوته إلى الخلق أجمعين. لكن إذا كان كذلك فلماذا لم يؤمن كثير من أهل مكة؟ لماذا لم يؤمن مثلاً الوليد بن المغيرة، مع أنه في قياسات هذا الزمن كان عاقلاً حكيماً؟ الجواب لأنه كان متكبراً. والدعوة وصلته بالفعل، ووصلت إلى قلبه، لكن كما قال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] فماذا فعل الوليد؟ قال وقال من معه كما حكى عنهم ربنا في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. ورسول الله ﷺ لم يكن عظيماً فقط، بل هو أعظم الخلق أجمعين، ولكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل، فالعظمة عندهم لا تكون في خلق ولا في عقيدة، وإنما تكون في وفرة مال، أو في سعة أملاك، أو في سلطان، لهذا الكبر المقيت صرفوا عن آيات الله ، قال : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]. وأبو بكر ﵁ لم يكن من هذه الشاكلة، بل على العكس تماماً، كان الصديق متواضعاً شديد التواضع، ولم يكن تواضعه ﵁ مختلقاً أو مصطنعاً، بل كان تواضعاً فطرياً أصيلاً في شخصيته، من أجل هذا عندما تأتي تقول لي: ما هي مواقف التواضع في حياة الصديق؟ أقول لك: هذا السؤال في منتهى الصعوبة؛ لأن معناه: أنك تحكي حياة الصديق بكاملها، لكن أنا أختار موقفاً واحداً من حياة الصديق، إنه موقف ينطق بتواضعه الفطري ﵁ وأرضاه، هذا الموقف كان بعد أن تولى الخلافة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهذا أشق وأصعب. والإنسان قد يتواضع عندما يفتقر إلى تمكين أو سيادة أو سلطان، لكن أن يتواضع وهو في أعلى مناصب الدولة فهذا هو التواضع الحقيقي الواضح. خرج الصديق ﵁ يودع جيش أسامة بن زيد ﵄ المتجه إلى حرب الروم في الشمال. والصديق حاكم الدولة، ويبلغ من العمر ستين عاماً، وأسامة بن زيد جندي من جنوده، ولم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. وسن الثامنة عشرة سن من هم في الثانوية العامة، ومع ذلك الصديق الحاكم المسن يخرج يودع الجيش ماشياً على قدميه، وأسامة بن زيد الذي هو شاب يركب على جواده، إنه موقف في منتهى الغرابة، ولافت - جداً - للنظر، وطبعاً هذا الموقف لفت نظر أسامة بن زيد ﵄ فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ! والله! لتركبن أو لأنزلن، فقال الصديق المتواضع ﵁: والله! لا تنزل، ووالله! لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. انظروا التربية الراقية التي على منهج النبوة، إنه يربي نفسه على التواضع، ويربي أسامة بن زيد على الثقة بنفسه، ويربي كل الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير الشاب، ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه، وإخلاص النية ووضوح الرؤية، ثم هو يمعن في التواضع فيطلب من الأمير الشاب على سبيل الاستئذان طلباً غريباً فيقول: إن رأيت أن تعينني بـ عمر فافعل؛ لأن رسول الله ﷺ كان قد جعل عمر بن الخطاب في جيش أسامة تحت إمرة أسامة، والصديق يريد عمر للوزارة، والصديق هو الخليفة، لكنه لا يريد أن يكسر هيبة كلام رسول الله ﷺ ، كما أنه لا يريد أن يكسر هيبة الأمير الشاب أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، فاستأذنه بأدب ولطف وقال: إن رأيت أن تعينني بـ عمر فافعل، فأذن له أسامة، وعمر بن الخطاب لما كان يرى أسامة كان يقول له: مرحباً بك أيها الأمير؛ لأنه كان أميراً عليه. هذا هو الصديق المتواضع، ورجل في هذا التواضع لا يمكن أبداً أن ينكر الحق إذا سمعه، وبالذات لو سمعه من أعظم المتواضعين رسول الله ﷺ . هذا التواضع المتبادل بين الداعية والمدعو شرط لا يغفل لنجاح الدعوة.

стр. 38

الاشتراك في صفة البعد عن أماكن اللهو والفساد وهناك توافق آخر ملحوظ بين الصاحبين الكريمين العفيفين: أنهما كان يبتعدان تماماً عن أماكن الفساد واللهو والشهوات والمعاصي على كثرتها في مكة، وإذا كان ابتعاد رسول الله ﷺ عن هذه الموبقات لأنه معصوم ﷺ فإنه من العجيب لرجل مثل الصديق ﵁ وأرضاه أن يبتعد تماماً عن هذه المنكرات حتى قبل إسلامه وما فيه أحد في مكة يحاسب على هذه الأمور، فهذه الأمور كانت منتشرة انتشاراً كبيراً جداً في مكة، ومع ذلك كان يبتعد عنها؛ لأنها ليست من مكارم الأخلاق، فـ الصديق ﵁ وأرضاه لم يشرب خمراً في جاهلية ولا في إسلام. روى ذلك ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة: أنه كان يعرض عنها لأنها تذهب بالعقل، وكان يقول: أصون عرضي وأحفظ مروءتي، وكان يحتقر من يشربها؛ لأنه يهين نفسه بشربها. والصديق لم يزن في جاهلية ولا في إسلام مع انتشار صاحبات الرايات الحمر في مكة، والصديق لم يأت طفرة، ولم يتعود على فحش القوم، ولم يؤذ جاراً، ولم يهضم حقاً، ولم يخلف موعداً، الصديق كان يقدس الأخلاق حتى قبل إسلامه، وحاربه أهل مكة ولم يستطع أحدهم أن يطعنه في خلقه؛ لأنه لم يكن به مطعن ﵁ وأرضاه. ولو تخيلنا رجلاً كهذا تعرض عليه دعوة الإسلام ودعوة الأخلاق العظمى في الأرض وعلى لسان أفضل الناس أخلاقاً ماذا يكون رد فعله؟ من الطبيعي جداً: أن يقبلها، بل وأن يستمسك بها، فهي له خلاص من هذا المجتمع المتعفن بالمعاصي والشهوات والرذائل. إذاً: الحب المتبادل والصدق المتبادل والمروءة المتبادلة والتواضع المتبادل والعفة المتبادلة كانت أموراً واضحة بين الرسول ﷺ والصديق ﵁ وأرضاه، هذا التوافق العجيب بين الشخصيتين سهل على رسول الله ﷺ توصيل الدعوة كما سهل على الصديق ﵁ وأرضاه قبولها.

стр. 39

معرفة الصديق بطلان دين المشركين قبل الإسلام ثم تعالوا نفكر مع الصديق، فأي دين سأترك كي أنتقل لهذا الدين الجديد؟ هل سأترك دين قريش؟ وما هو دين قريش؟ وأي شيء يعظمون؟ ولأي إله يسجدون؟ أيترك الصديق دين الإسلام ليعظم اللات أو العزى، أو مناة أو هبلاً؟ مستحيل، فـ الصديق كان دائم الازدراء لهذه الأحجار، وكما يحكي هو فيقول: لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب. يقول الصديق: فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني، وطبعاً الصديق يسأله في سخرية منه، فإنه لا ينتظر من هؤلاء إجابة، وكان الناس يعلمون ذلك. يقول الصديق: فقلت له: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني، فقلت: إن عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه، فمنذ أن بلغ الحلم كان هذا الاعتقاد في داخله أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فكان الصديق ﵁ وأرضاه يعلم علم اليقين أن هذه الأوثان ليست آلهة، والصديق ﵁ وأرضاه كان ذكياً حاد الذكاء، ولم يكن يغيب عن ذهنه سفاهة هذه الأصنام، إذ كيف يعقل لصنم أن يخلق وأن يصور، وأن يهدي وأن يرحم، وأن يرزق وأن ينصر؟ كيف يعقل ذلك؟ وكيف يعقل أن بقرة تشرع؟ أو أن شجرة تحكم وتدبر؟ لم تكن هذه الأمور بالتي تغيب عن ذهن العبقري الفذ الصديق ﵁، فعلم ببساطة أن دين قريش دين منكر، وأن دين الإسلام هو دين الحق. وعلم ببساطة أن لهذا الكون خالقًا، وأن محمداً ﷺ رسول. لما وضحت هذه الرؤية في عين الصديق ﵁ ورأى حقيقة الإسلام وباطل الجاهلية وعلم الفرق بينهما قرر منذ اللحظة الأولى أن يغير الباطل إلى الحق، وأن يزيل المنكر ويقر المعروف، قرر أن يفعل ذلك مهما كانت التضحيات، فقرر أن يدخل في الإسلام حتى لو حاربته مكة والعرب، بل والعالم أجمع، قرر هذا كله لأنه كان رجلاً إيجابياً، والرجل الإيجابي قلبه يأكله لما يرى منكراً ولا يهدأ له بال، ولا يستريح له قلب، ولا تسكن له جارحة إلا عند تغيير المنكر إلى معروف، وهذه والله! من أعظم صفات الصديق ﵁ وأرضاه.

стр. 40

إيجابية الصديق وتركه السلبية وهناك أناس كثيرون جداً فهموا حقيقة هذا الدين، لكن افتقروا إلى الإيجابية، وأناس كثيرون جداً غرقوا في السلبية وعاشوا على كلمة: وأنا ما لي؟ فكانت هذه الكلمة سبباً في هلاكه وهلاك المجتمع. من أجل أن نفهم قيمة إيجابية الصديق تعالوا نقارنه برجل من حكماء قريش وعقلائهم كما يقولون، لكنه كان يتسم بسلبية قاتلة فهلك وأهلك من حوله، إنه عتبة بن ربيعة، لما سمع كلام الله على لسان الرسول ﷺ ، وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت، عاد إلى قومه مسرعاً يتحدث عن القرآن، وكأنه داعية من دعاة الإسلام فقال: سمعت قولاً والله! ما سمعت مثله قط، والله! ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. لكن ماذا كانت النتيجة بعد هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد ﷺ ؟ استمع إليه وهو يعرض رأيه: يقول عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله! ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله! يا أبا الوليد! بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. لكن الرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية، فهو على يقين من صدق محمد ﷺ ، ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام البشر، ومع هذا فرأيه الذي يظنه حكيماً أن تخلي قريش بين الرسول ﷺ وبين العرب، فإن انتصر العرب على رسول الله ﷺ فهم مع العرب، وقد أراحوا أهل قريش من محمد ﷺ ولم يصبهم أذى الحروب، وإن انتصر محمد ﷺ على العرب سارعوا بالانضمام إلى محمد ﷺ . وهذه سلبية مطلقة، فلما اعترض القوم على كلامه وقالوا: سحرك والله! يا أبا الوليد! بلسانه، ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟ قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم، والقوم صنعوا السيئ والقبيح، فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم، بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي ﷺ في بدر فإذا بـ عتبة بن ربيعة يحمل سيفه ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلاً تيقن أنه نبي. فأي سلبية هذه؟ وأي إمعية هذه؟ هذا الطراز الفاشل من الرجال لا يصلح للدعوات المصلحة. وإذا نظرنا إلى الصديق ﵁ وأرضاه فليس في الإسلام رجل بعد النبي ﷺ أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ظهرت إيجابيته في كل مواقف حياته ﵁، ظهرت في إسلامه، وظهرت في إعتاقه للعبيد، وفي دفاعه عن رسول الله ﷺ سواءً في مكة أو في المدينة، وظهرت في إعداده للهجرة، وظهرت في ثباته في كل غزوات الرسول ﷺ ، وظهرت كذلك إيجابيته عند وفاة رسول الله ﷺ ، وظهرت في حروب الردة، وظهرت في فتوح فارس والروم، وظهرت في جمعه للقرآن، وظهرت إيجابيته في كل نقطة من نقاط حياته، وفي مساعدته للفقراء والمحتاجين وكبار السن، وفي معاملاته مع صحابة رسول الله ﷺ ؛ فقد كان ﵁ وأرضاه نبراساً لكل مصلح، ودليلاً لكل محسن، ما رأى معروفاً إلا وأمر به، وما رأى منكراً إلا وحاول تغييره بكل طاقته بيده ولسانه وقلبه، لذلك شق عليه كثيراً أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر؛ لأنهم فهموا آية من آيات الله على غير معناها الصحيح. سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:١٠٥]، فظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظنوا أن الله يقول لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: اهتموا بأنفسكم فقط، ولا يضركم ضلال غيركم، فلا تهتموا بهم، والأمر على خلاف ذلك تماماً، فوقف أبو بكر ﵁ ليصحح لهم الفهم، وليصلح لهم الطريق، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابه) روى ذلك أصحاب السنن والإمام أحمد ﵏ جميعاً، وهكذا فإن هذا الرجل الإيجابي كان ولابد أن يسعى للتغيير والإصلاح، وإذا وجد المنهج القويم المعين

стр. 41

حرص الصديق وسبقه في الاطمئنان على إيمانه وتعالوا ننظر بعض المواقف الأخرى التي تجعلنا نفهم معنى السبق في حياة الصديق ﵁ وأرضاه، وإن كان من المستحيل حصر كل هذه الأمثلة في حياته، فهي حياته كلها: تعالوا ننظر حرصه وسبقه وحسمه في الاطمئنان على صدق إيمانه، وعلى سلامة عقيدته، وطبعاً هذا الكلام ممكن يتعجب منه الكثير، فقد نفهم أن عرض قضية سرعة إسلامه للمناقشة كان لغرابتها، ولكن الجميع يعلم أنه منذ أن أسلم وهو أعلى الصحابة إيماناً وأمتنهم عقيدة فكيف يسارع إلى الاطمئنان على عقيدته وإيمانه؟ هل من الممكن أن يشك أحد في هذا الإيمان، وفي هذه العقيدة؟ اسمع إلى هذه القصة العجيبة: روى الإمام مسلم ﵀ عن حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب أحد كتاب رسول الله قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! وهذا سؤال عادي، الصديق ﵁ وأرضاه يطمئن على حال حنظلة بسؤال عادي، لكن حنظلة رد بإجابة غير عادية إجابة غريبة جداً فقال: نافق حنظلة، وحنظلة من الرجال المشهود لهم بالإيمان، فكيف يقول ذلك عن نفسه؟ تعجب الصديق كما تعجبنا وقال: سبحان الله! ما تقول؟ فبدأ حنظلة ﵁ وأرضاه يفسر كلماته العجيبة فقال: (نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً) يقصد أننا في مجلس رسول الله ﷺ نتأثر كثيراً بالكلام عن الجنة والنار حتى كأننا نراها عياناً بياناً. ومن المؤكد وهم في هذه الحالة أنهم يعتزمون ألا يفعلوا شيئاً في حياتهم إلا أفعال الآخرة فقط، ينوون أن يخرجوا فيفردون الأوقات الطويلة في الصلاة، والقرآن والقيام والدعوة والجهاد وغير ذلك، ويصبحون في حالة زهد تام في الدنيا ومتاعها، لكن إذا خرجوا من عند رسول الله ﷺ اختلطوا بأمور الحياة الطبيعية، كما قال: عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني: عالجنا ولاعبنا وتعاملنا واختلطنا مع الأزواج والأولاد، والمعايش المختلفة. وعند هذه الحالة الأخيرة ينسون كثيراً مما سمعوه من رسولهم الكريم ﷺ . هذا التباين في المواقف بين حالتهم في مجلس العلم وحالتهم في معترك الحياة العامة عده حنظلة نفاقاً، وكان من المتوقع من أبي بكر الصديق الذي يزن إيمانه إيمان أمة أن يهون الأمر على حنظلة، ويوضح له أن ذلك يعتبر شيئاً طبيعياً من المستحيل على المرء أن يظل على حالة إيمانية مرتفعة جداً دون هبوط ولو قليل. كان من المتوقع من هذا الصديق ﵁ وأرضاه الذي لا يشك أحد في إيمانه، والمبشر بالجنة تصريحاً والمقدم على غيره دائماً، كان من المتوقع منه أن يحادثه في قضية الإيمان برابطة جأش، وثبات قدم، لكن الصديق ﵁ وأرضاه رجل مفاجآت وقف يحاسب نفسه بسرعة عقله وكان لا يتوقف عن مساءلة نفسه ولو للحظة، وقلبه لا يطمئن إلى عظيم إيمانه، فحاسب نفسه بصراحة ووضوح، فكانت المفاجأة العظمى أن قال: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. أبو بكر الصديق المشهود له بالإيمان من رسول الله ﷺ ، بل ليس إيماناً عادياً، بل إيمان كإيمان أمة أو يزيد، المشهود له بالتقوى من الله ، قال الله : ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] يعني: أبا بكر. هذا الرجل يجد في نفسه هذا الأمر الذي خشي أن يكون نفاقاً، ومع أن الخاطر عجيب، ومع أن الهاجس غريب، ومع أنه من الطبيعي تماماً لرجل في مكانته أن يترك هذه الأفكار بسرعة إلا أن الصديق ليس كذلك. الصديق يسبق إلى الاطمئنان على إيمانه، فإذا به يسارع مع حنظلة ﵁ إلى الذهاب إلى رسول الله ﷺ للاطمئنان على قضية الإيمان. يقول حنظلة ﵁: (فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فتعجب رسول الله ﷺ وقال: وما ذاك؟ قال حنظلة: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً) وهنا يتكلم الطبيب الماهر والحكيم العظيم رسول الله ﷺ ، ووالله! كأني ألحظ على وجهه ابتسامة بسيطة وبشراً في أساريره، وحناناً في صوته وهو يقول في هدوء: (والذي نفسي بيده! لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا

стр. 42

سبق الصديق إلى الدعوة إلى الله وسبحان الله يا إخوة! إن كان عجيباً سبق الصديق إلى الإسلام، وإلى الإيمان، فلعل الأعجب من ذلك: سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين، وحماسته لنشره، وحميته لجمع الأنصار له، وسرعته في تبليغ ما علم من رسول الله ﷺ مع قلة ما علمه في ذلك الوقت. وبعضنا يعتقد أنه محتاج لعلم غزير جداً حتى يتحرك في مجال الدعوة، لكن الرسول ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) فسبق الصديق إلى الدعوة لهذا الدين الجديد، فإذا به يأتي في اليوم الأول من دعوته بمجموعة من الرجال قل أن يجتمعوا في زمان واحد، الرجل منهم بألف رجل والله! أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة، أتى بـ عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، هؤلاء الخمسة صناديد الإسلام وعباقرة الإسلام أتوا جميعاً على يد الصديق، وهذا الحدث عظيم لا يحتاج إلى وقفات، وبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجباً أكثر! أولاً: ليس من هؤلاء أحد من قبيلته بني تيم إلا طلحة بن عبيد الله فقط، وبقيتهم من قبائل أخرى، فـ عثمان بن عفان أموي من بني أمية، والزبير بن العوام من بني أسد، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية، ولكن كما هو واضح كانت له صداقات قوية، وعلاقات وطيدة في كثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام، وهذا لاشك أساس رئيسي من أسس الدعوة. ثانياً: أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جداً وبعيدة عن عمر الصديق، فـ الصديق كان عمره (٣٨) سنة، والزبير بن العوام ﵁ وأرضاه كان في الخامسة عشرة من عمره، ومع ذلك لم يستصغره أبو بكر الصديق ﵁ وأسر بهذا السر الخطير -سر دعوة الإسلام- في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة. فـ الزبير بن العوام أخذ قرار الإسلام وقرار تغيير الدين ومحاربة أهل مكة جميعاً وهو في سن الخامسة عشرة، ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر، فكثير منا يعتقد أن ابنه الذي في الجامعة أو بعد الجامعة لا يزال صغيراً ما يقدر أن يتحمل المسئولية ولا يقدر أن يتخذ قراراً، فـ الزبير بن العوام أسلم وعمره (١٥) سنة. وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك قليلاً، يعني: كان عمره حوالي (١٦) سنة. وسعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه كان في السابعة عشرة من عمره، وقد يظن البعض أن سعد بن أبي وقاص كان حينئذ رجلاً كبيراً ابيض شعره. وعبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه كان نحو ذلك أيضاً، وكان أكبرهم عثمان بن عفان كان عمره (٢٨) سنة. إذاً: أبو بكر الصديق قبل الإسلام كانت له علاقات طيبة كثيرة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها، وعلى تفاوت أعمارها، وعندما فكر ﵁ في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة، وبالذات لأولئك الذين اشتهروا بالطهر والعفاف وحسن السيرة، وكان لهم ﵃ وأرضاهم بمثابة الأستاذ للتلميذ، فسمعوا له واستجابوا فكان خيراً له ولهم، وللإسلام والمسلمين، وهذه إشارة لكل الدعاة أن يعطوا قدراً كبيراً واهتماماً عظيماً للشباب؛ فعلى أكتاف الشباب تقوم الدعوات. ثالثاً: بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول وهذا المجهود الوافر ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته، ولكنه أسرع في الأيام التالية يأتي بغيرهم. وفي اليوم الثاني أتى بـ أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه أمين هذه الأمة، وهو من بني الحارث بن فهر، وكان عمره (٢٧) سنة. وأيضاً في نفس اليوم جاء بـ عثمان بن مظعون وهو من بني جمح، ثم في اليوم الثالث أتى باثنين في منتهى الغرابة، وهما: الأرقم بن أبي الأرقم، وأبو سلمة بن عبد الأسد وهذه الغرابة أنهما من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة كانت تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله ﷺ ، فكيف أثر عليهما الصديق ﵁ وأرضاه حتى أتى بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة رجل من بني هاشم؟ هذا أمر لافت للنظر، ولاشك من الواضح الجلي أن الصديق ﵁ وأرضاه كان قريباً من قلوبهم إلى درجة هي أقرب من القبلية والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك الزمان. والأرقم بن أبي الأرقم الذي أتى به الصديق هو الذي فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين كما تعلمون، ولرسول الله ﷺ يعقدون فيه لقاءاتهم، ويتعلمون فيه دينهم، بعيداً من أهل مكة،

стр. 43

سبق الصديق ﵁ إلى كل أعمال الخير وكما رأينا سبقه ﵁ وأرضاه في الإسلام والإيمان والدعوة وغير ذلك فإننا أيضاً نرى بوضوح سبقه ﵁ وأرضاه في كل أعمال الخير. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة والبيهقي عن أنس بن مالك والبزار عن عبد الرحمن بن أبي بكر حديثاً يوضح لنا مثالاً لمسارعة الصديق ﵁ إلى الخير. ونذكر رواية البزار؛ لأن فيها توضيحاً أكثر للموقف: يقول عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: من أصبح منكم اليوم صائماً؟ فقال عمر: يا رسول الله! لم أحدث نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت مفطراً، فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائماً) وطبعاً هذا تفتيش مفاجئ من رسول الله ﷺ على الصحابة. ثم قال الرسول ﵊: (هل أحد منكم اليوم عاد مريضاً؟ فقال عمر: يا رسول الله، لم نبرح فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح، فقال رسول الله ﷺ : هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال عمر: صلينا يا رسول الله! ثم لم نبرح، فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه، فقال ﷺ : أنت فأبشر بالجنة) ثم قال كلمة أرضى بها عمر ﵁. بل إن في رواية أبي هريرة في صحيح مسلم يسأل رسول الله ﷺ فوق هذا فيقول: (فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا) وفي نهاية الحديث قال رسول الله ﷺ في رواية مسلم: (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة). وحقاً والله! إنه من العسير أن تحصي مواقف السبق في حياة الصديق ﵁. فالسبق في حياته يشمل كل حياته، يلخص هذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في الحديث الذي أختم به حديثي هذا، الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. يقول عمر: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً) وواضح من هذا أن الصديق كان يسبق عمر بن الخطاب في كل الأفعال، قال: (فجئت بنصف مالي)، وهذا عطاء ضخم جداً، فواحد معه عشرة آلاف جنيه مثلاً وأخرج منها خمسة آلاف جنيه للدعوة، فقال رسول الله ﷺ وهو يستكثر هذه الصدقة: (ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده)، سبحان الله! أتى أبو بكر بكل ماله الذي في البيت، أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا أبا بكر! ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر بن الخطاب: لا أسبقه في شيء أبداً) هكذا يقول: لسان مقاله: إنه لا يسبق الصديق ﵁، وعن عمر وعن الصحابة أجمعين. وصل وسلم وبارك على الذي علمهم وأرشدهم ودلهم على كل خير ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 44

سلسلة الصديق_ إنكار الذات ضرب أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه أروع الأمثلة وأجملها في التواضع وغمط النفس، فقد كان ﵁ كل همه أن يرضى الله عنه ورسوله ﷺ ، لذا كان لا يرى حظ نفسه في شيء، لا في إمارة ولا في مال ولا في جاه ولا في غير ذلك، فرضي الله عنه، وجزاه عن الأمة خيراً.

стр. 45

معنى صفة إنكار الذات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم فقهنا في الدين، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد: إخواني وأخواتي في الله! أهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء المبارك إن شاء الله، وأسأل الله أن يغشانا برحمته، وأن ينزل علينا سكينته، وأن يحفنا بملائكته، وأن يذكرنا في ملأ عنده خير من هذا الملأ؛ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. هذا هو الدرس الرابع من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، ودروس الصديق لا تنتهي؛ فإن الرجل كان أمة فعلاً، جمع صفات الأمة الإسلامية بكاملها، إن أردت أن تتحدث عن أبي بكر تحدثت عن الإسلام، وإن أردت أن تتحدث عن الإسلام تحدثت عن أبي بكر الصديق، رجل في أمة، وأمة في رجل، الصديق رجل في أمة إذا ألم بالأمة خطب كان الصديق هو الرجل، والصديق أمة في رجل إذا جمعت خير الأمة وجدته ملخصاً ومركزاً في الصديق ﵁، ولا عجب في ذلك، فقد شبهه رسول الله ﷺ بإبراهيم ﵊، وإبراهيم ﵊ كان أمة، يقول الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، ما زلنا نقلب بعض الصفحات المجيدة في تاريخ المسلمين، ما زلنا نقلب صفحات قلائل في مجلد الصديق الضخم الهائل، ما زلنا نتدبر ونتعلم ونعتبر ونستمتع بحياة الصديق ﵁، نحن تكلمنا في الدروس الثلاثة التي مرت عن ثلاث صفات رئيسية من صفات الصديق ﵁. وليس معنى أننا نذكر صفات معينة للصديق أن هذه هي كل صفات الصديق، بل نحن نذكر صفات تميز بها بوضوح عن غيره، وإن كان لا يمنع هذا أنه يتمتع بكل صفات الخير التي وجدت في رجال الإسلام، كما لا يمنع هذا أيضاً أن غيره من الصحابة الكرام يتمتعون أيضاً بنفس الصفات ولكن فاقهم فيها الصديق ﵁ وأرضاه. والصفات التي ذكرناها في الدروس السابقة هي: حب الرسول ﷺ ، ورقة القلب، والسبق. هذه صفات رئيسية غلبت على حياة الصديق ومنها خرجت كل الصفات الحميدة الأخرى التي تمتع بها ﵁ من صدق ورحمة وعدل وأدب في الحديث، وأمانة في المعاملة، وشجاعة في القتال إلى غيرها من الصفات. والصحابة جميعاً تمتعوا بهذه الصفات، فالصحابة جميعاً أحبوا رسول الله ﷺ ، ولكن ليس كحب الصديق، والصحابة جميعاً تمتعوا بالقلوب الرقيقة والطبع الرحيم، كل الصحابة كانوا كذلك حتى الذين يعتقد الناس في شدتهم وبأسهم أمثال: عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب ﵃، كل هؤلاء كانت لهم عاطفة جياشة وقلوب رحيمة لكن ليس كـ الصديق. وكل الصحابة كانوا سباقين إلى الخير، لكن ما سبقوا الصديق ﵁ وهكذا فإن الله جعل من الصديق ﵁ نموذجاً رائعاً لأتباع الرسل، استوعب رسالة الإسلام بكاملها، وحملها نقية خالصة لمن بعده، فرضي الله عن الصديق ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين. واليوم نتحدث عن صفة رابعة أصيلة في حياة الصديق ﵁، وهي صفة صعبة في تطبيقها وتنفيذها تحتاج إلى إيمان عظيم، وإلى همة عالية، وإلى فهم دقيق عميق. تلك الصفة هي: إنكار الذات. فماذا يعني إنكار الذات؟ إنكار الذات معناه: أن الإنسان لا يرى لنفسه حظاً في حياته مطلقاً، وإن كان حلالاً وإن كان مباحاً وإن كان مقبولاً في عرف الناس وفي الشرع، لكنه دائماً يؤخر نفسه ويقدم غيره. إنكار الذات معناه: أن تخلص النفس من حظ النفس فلا تهتم بثناء ولا مدح، ولا تنتظر أن يشار إليها في فعل أو قول. إنكار الذات معناه: أن تؤخر حاجاتك الضرورية وتقدم حاجات الآخرين، وإن لم ترتبط معهم بعلاقة رحم أو مال أو مصلحة. إنكار الذات هو أعلى درجات السمو في النفس البشرية، تقترب فيه النفس من أفعال الملائكة، بل لعلها تفوق الملائكة؛ فإن الملائكة جبلت على الطاعة، والإنسان مخير بين خير وشر. إنكار الذات ليس معناه أبداً: أن الإنسان ليس له قيمة، بل بالعكس المنكرون لذواتهم هم أعلى الناس قيمة، وهم أكثر ال

стр. 46

إنكار الصديق ﵁ لذاته الصديق ﵁ وأرضاه من أروع الأمثلة الإسلامية في صفة إنكار الذات، الصديق أنكر ذاته في حق الله ، فلا يأمر الله بشيء ولا ينهى عن شيء إلا وامتثل واستجاب ولبى مهما كانت التضحيات. الصديق أنكر ذاته في حق الرسول ﷺ ، ومواقفه في إنكار الذات مع الرسول ﷺ لا تحصى ولا تعد، فلم يكن يرى نفسه مطلقاً بجوار الرسول ﷺ . الصديق أنكر ذاته في حق المؤمنين حتى من أخطأ منهم في حقه، وحتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة والمعروفة بين الناس، وابحث في حياة الصديق ونقب أين حظ النفس عند الصديق؟ لا تجد، أين إشباع الرغبات الطبيعية عند البشر: من حب للمال، وحب للجاه، وحب للسلطان، وحب للسيادة، وحب للظهور، وحب للذكر، بل وحب للحياة، أين ذلك في حياة الصديق؟ والله! لا أجده. إنه مثال عجيب من البشر وآية من آيات الرحمن في خلقه، وتعالوا نستمتع بإنكار الذات عند الصديق، ونمر مروراً سريعاً فقط، فدرس أو مائة درس لا تكفي لذلك، لكن نمر مروراً سريعاً على حياة الصديق. فمثلاً: موضوع المال، يا ترى أين حظ الصديق في ماله؟ وتعالوا كذا نقفز قفزات في تاريخ الصديق، فسنلاحظ أشياء عجيبة جداً في سيرته.

стр. 47

نماذج من إنكار الصديق ﵁ لذاته في المال الصديق جبل على العطاء، يعني: يحب أن يعطي، يعني: هناك ناس جبلوا على العصبية، وناس على الشجاعة، وناس ظرفاء ودمهم خفيف، والصديق جبل على حب العطاء، فطرته تدفعه إلى العطاء، وتشعر وأنت تقرأ سيرته أنه يستمتع بالعطاء، ويبحث عن العطاء، وهذا شيء عجيب. والإنسان بصفة عامة جبل على حب المال حباً شديداً، قال : ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال: ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء:١٠٠]، أي: شديد البخل، وشديد المنع، والصديق لم يكن كذلك، وسبحان الذي سواه على هذه الصورة، الصديق كان يهوى الإنفاق. وهنا أمر عجيب جداً: الصديق كان يستمتع بهذا الإنفاق حتى في الجاهلية قبل الإسلام، والزعامة في قريش كانت مقسمة بين عشر قبائل قبل الإسلام، فمثلاً: السقاية والرفادة في بني هاشم، والحجابة والولاء والندوة ومفتاح الكعبة في بني عبد الدار، والسفارة في بني عدي وهكذا. وأبو بكر كان مسئولاً عن ضمان الديات والمغارم في مكة، يعني: واحد عليه دية، واحد يريد قرضاً، واحد يريد أن يشتري جملاً، يذهب إلى الصديق ﵁ وأرضاه ليضمنه عند قريش، وإذا سأل الصديق قريشاً ضماناً قبلوه، وإذا سألهم غيره خذلوه. وهذا عمل في منتهى الخطورة، وهو أن يتحمل الصديق الديات، فإذا الرجل لم يوف الدية يتحمل الصديق، وإذا لم يوف الرجل دينه يتحمل الصديق أقساطاً على الرجل إذا لم يوف أقساطه، أي: أنه عمل فيه خسارة، ويحتاج إلى كثير مال، وإلى نفس راغبة في قضاء حوائج الناس وتحمل مغارمهم. وبهذا نستطيع أن نفهم الوصف الذي وصف به ابن الدغنة الصديق ﵁ وأرضاه، فإذا كان هذا هو الصديق قبل إسلامه فما بالكم به بعد أن أسلم؟ وما بالكم كيف يكون حاله إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثاً قدسياً ينقله عن رب العزة ، يقول فيه الله تعالى: (أنفق يا ابن آدم! أنفق عليك)، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁. بل كيف يكون حاله وقد سمع رسول الله ﷺ يقسم أن مال العبد لا ينقص من الصدقة؟ والصديق ﵁ كان واضعاً نصب عينيه حقيقة ما اختفت لحظة عن بصره وعقله وقلبه، تلك الحقيقة هي: إن كان قال فقد صدق ﷺ ، هكذا القول عنده، يعني: كان عند الصديق التصديق الكامل الذي لا شك فيه، فما بالكم إذا سمع رسول الله ﷺ يقسم ويقول: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، - وذكر منها ﷺ : ما نقص مال عبد من صدقة)؟ هذه الطبيعة الفطرية، وهذا اليقين في كلام رسول الله ﷺ يفسر لنا كثيراً من مواقف الصديق ﵁ وأرضاه. الصديق ﵁ شاهد مع بدايات الدعوة في أرض مكة التعذيب الشديد والنكال الأليم بكل من آمن من العبيد، والعبيد في ذلك الزمان يباعون ويشترون، وليس لهم أدنى حق من الحقوق، فتألمت نفس الصديق الرقيقة لهذه الوحشية من كفار مكة، وسارع لينقذ هذا ويفدي ذاك، فكان يشتري العبد ثم يعتقه لوجه الله، وحاله: لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً. فـ بلال ﵁ وأرضاه كان يعذب على صخور مكة الملتهبة وعلى صدره الأحجار العظيمة، وكان سيد بلال في ذلك الوقت أمية بن خلف عليه لعنة الله، فمر عليه الصديق ﵁ وأرضاه فساوم عليه سيده أمية بن خلف وعرض عليه أن يشتريه بمال كثير. وفي رواية: أنه اشتراه بسبع أوقيات من الذهب، وهناك حوار لطيف جداً دار بين الصديق ﵁ وأرضاه وبين أمية بن خلف، فـ أمية بن خلف يريد أن يبث الحسرة في قلب الصديق فقال: لو عرضت علي أوقية واحدة من الذهب لبعته لك، يعني: يحاول أن يحسره على البيعة، والصديق طبعاً كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، فالرجل قال له: سبع أوقيات من الذهب، فوافق، وطبعاً لو كان واحداً آخر كان ساومه على سعر أفضل، لكن الصديق ﵁ وأرضاه رد على أمية بن خلف في هدوء وقال: لو طلبت مائة أوقية من الذهب لاشتريته، فارتدت الحسرة في قلب أمية بن خلف. والمشرك لا يدرك قيمة بلال بعد أن أسلم، لكن الصديق ﵁ وأرضاه يدرك ذلك، فهذا العبد

стр. 48

حرص الصديق ﵁ على ألا يرى مكانه وتعالوا نرى جانباً آخر من إنكار الذات عند الصديق ﵁ وأرضاه وأين حظ نفسه في أن يرى مكانه؟ أو في أن يشار إليه أنه فلان، حتى وهو خليفة وأعلى رأس في الدولة: ذكر له ذات مرة امرأة نذرت أن تحج وهي صامتة لا تتكلم، فلم يرسل إليها أحداً، ولم يرسل في طلبها، بل ذهب إليها بنفسه وهو الخليفة، فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، وهي لا تعرفه، فتريد أن تعرف من هو فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين، سبحان الله! هكذا بهذا التجهيل الكامل لشخصيته وهو الخليفة، قال: أنا امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسئول، أنا أبو بكر، فعرفت أنه الخليفة، لكنها لم تفزع، وكيف تفزع وهي ترى هذا التواضع من الصديق ﵁ وأرضاه؟ لكن شجعها تواضعه أن تسأله سؤالاً كان يشغلها، فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقام به أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس، يعني: الصديق جعل بقاء الأمر الصالح بصلاح الأئمة والقواد، مثل الذي قال لـ عمر: عففت فعفت الرعية. الشاهد من القصة: عدم سعي الصديق لإظهار نفسه حتى مع كونه خليفة.

стр. 49

حرص الصديق على مصلحة المسلمين وتقديمها على مصلحته موقف آخر جميل من مواقف الصديق في إنكار الذات: روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه)، السيدة عائشة فقدت عقداً لها، فأوقف الرسول الكريم ﷺ الجيش بكامله ليبحث عن العقد، وكان الرسول ﵊ يهتم بمشاعر السيدة عائشة ﵂ وأرضاها. والمشكلة الأكبر كما تقول السيدة عائشة: إنهم ليسوا على ماء، وليس معهم ماء، يعني: ليس هناك آبار ماء موجودة في المنطقة ولا يوجد معهم ماء، ومع ذلك في هذه الظروف الرسول ﷺ يوقف الجيش للبحث عن العقد، وزادت المشكلة أن نام بعض الرجال، فاستيقظوا جنباً، والماء لا يكفي للغسل، إنه موقف عظيم جداً! ولم تكن آية التيمم قد نزلت بعد، كل هذا المفروض أنه يعظم من شأن السيدة عائشة ﵂ وأرضاها، ومن شأن أبيها الصديق ﵁ وأرضاه، فقد أولى النبي ﷺ اهتماماً عظيماً بالسيدة عائشة ولا شك أن هذه فضيلة، لكن الصديق ﵁ لم يكن ينظر إلى هذا، كان ينظر إلى المشقة التي وقعت على المسلمين، ونسي فخر نفسه، وتذكر ألم المسلمين. تقول السيدة عائشة ﵂ وأرضاها: (فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال أبو بكر: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني)، وطبعاً واضح أنه لم يكن عتاباً عادياً، قالت: (فعاتبني ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم)، سبحان الله! فأنزل الله في هذا الوقت آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، في سورة النساء. فقال أسيد بن حضير ﵁ وأرضاه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فلهم بركات كثيرة إسلام ودعوة وإعتاق للعبيد وإنفاق وهجرة وجهاد وأيضاً آية التيمم، إنها فعلاً عائلة مباركة. تقول السيدة عائشة ﵂ وأرضاها: (فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته).

стр. 50

إنكار الصديق لذاته في الراحة والكلام جانب آخر من جوانب إنكار الذات عند الصديق ﵁: أين حظ نفسه في الراحة؟ أريتم الهجرة وما فعل فيها ﵁ وأرضاه؟ وقد تكلمنا قبل هذا عن الهجرة، أريتم موقف تجهيز الغار وتنظيفه، ثم تجهيز مكان ينام فيه الرسول ﷺ بجوار الصخرة، ثم البحث عن الطلب، ثم حلب اللبن وصب الماء عليه حتى يبرد، أليس الصديق أيضاً مسافراً كرسول الله ﷺ ؟ ألا يريد هو الآخر الراحة والنظافة والظل والفراش والشراب؟ لكنه لا يرى نفسه مطلقاً، ظل هكذا في خدمة رسول الله ﷺ مستمتعاً بهذه الخدمة حتى دخلوا المدينة. وعندما دخلوا المدينة وارتفعت الشمس بعد كل هذا التعب والسفر والطريق الطويل يجلس الرسول ﷺ ليستريح، فيقف الصديق ﵁ ليضلل عليه بردائه، ألا يتعب هذا الرجل؟ أليست له احتياجات البشر العادية؟ ألا يجد له حقاً في أي شيء؟ أليست هناك حدود لطاقته؟ سبحان الله! هذا هو الصديق المنكر لذاته. أين حظ الصديق في الكلام؟ لقد آتاه الله قوة في الحجة، وطلاقة في اللسان، وحكمة في البيان، ومع ذلك كان قليل الكلام جداً، والكلام شهوة، وكثير من الناس -وبالذات الخطباء- يحبون أن يستمع الناس لكلامهم، والصديق مع أنه كان خطيباً مفوهاً، إلا أنه كان يتعمد الصمت قدر ما يستطيع. الصديق ﵁ وأرضاه يضع في فمه حصاة تمنعه من الكلام، سبحان الله! لماذا هذا؟ إذا أراد أن يتكلم رفعها، وبذلك يأخذ وقتاً بالتفكير فيما يريد أن يقول. دخل عليه عمر بن الخطاب ذات مرة ورآه ممسكاً بلسانه وعلى وجهه آثار الحزن، فقال: ما لك يا أبا بكر؟! قال: هذا الذي أوردني الموارد، اللسان، الصديق يقول: هذا الذي أوردني الموارد، الصديق ﵁ وأرضاه يحاسب نفسه على كلماته القلائل، فكيف بمن أضاع عمره في كلام هو من اللغو أو من الباطل، أو من الذي لا ينبني عليه كثير عمل. نسأل الله أن يهدينا إلى الطريق المستقيم.

стр. 51

إنكار الصديق حظ نفسه في الإمارة والسيادة أين حظ نفسه في الإمارة والسيادة؟ فمع كونه الوزير الأول لرسول الله ﷺ إلا أنه قلما بعثه رسول الله ﷺ أميراً على سرية، كان ﷺ يبعثه تحت إمرة غيره، فما كان يعترض ولا تتحرك نفسه لقياده أو لسلطة، وأحياناً يكون الأمير عليه حديث الإسلام، والصديق رجل له باع طويل في الإسلام، لم يكن ينظر لذلك، أرسله رسول الله ﷺ هو وعمر ووجوه الصحابة تحت إمرة عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه في سرية ذات السلاسل سنة ٨ هـ، وكان إسلام عمرو بن العاص حديثاً جداً، يعني: أسلم منذ خمسة شهور، والصديق أسلم قبل ذلك بأكثر من عشرين سنة ومع ذلك فإنه تقبل الأمر بصدر رحب تماماً واستمع وأطاع لأميره عمرو بن العاص. روى الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فلما انتهوا إلى مكان الحرب، أمرهم عمرو ألا ينوروا ناراً)، والليلة كانت ليلة باردة، والمسلمون في حاجة إلى الدفء، لكن عمرو بن العاص ﵁ خاف من أن يكتشف العدو مكان المسلمين إذا أشعلوا النار، فغضب عمر بن الخطاب وهم أن يأتيه؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ لم يلاحظ ما فكر فيه عمرو بن العاص، لكن انظروا إلى تجرد الصديق وفقهه وإنكاره لذاته، يقول عبد الله بن بريدة ﵁: فنهاه أبو بكر وأخبره أن رسول الله ﷺ لم يستعمله عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر ﵁ وأرضاه. قيمة الإمارة عند الصديق ظهرت في كلمة من كلماته قالها وهو ينصح رجلاً من المسلمين كان ربيلاً، وهو رافع بن عمرو الطائي، والنصح هذا كان في نفس الغزوة ذات السلاسل، وكان رافع بن عمرو الطائي حديث الإسلام فقال: لا تؤمرن على اثنين، يعني لا تطلب الإمرة حتى على رجلين. وظهر ذلك أيضاً في كلمة أخرى للصديق ﵁ قال: إنه من يك أميراً فإنه من أطول الناس حساباً، وأغلظهم عذاباً، ومن لم يكن أميراً فإنه من أيسر الناس حساباً وأهونهم عذاباً. هو هذا فهم الصديق للإمارة ﵁ وأرضاه.

стр. 52

إنكار الصديق حظ نفسه في تحسين صورته أمام الناس أين حظ النفس عند الصديق في صورته أمام الناس؟ قد تشوه صورته أمام الناس فلا يعتبر إلا بمصالح الآخرين وإن كان على حساب صورته، وتعالوا بنا نرى الموقف اللطيف هذا: روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر تأيمت من خنيس بن حذافة -يعني: مات عنها زوجها خنيس بن حذافة ﵁ وكان من أهل بدر- قال عمر: لقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فقال عثمان: سأنظر في أمري، قال عمر: فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، يعني: رفض الزواج. قال: فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر ﵁ وأرضاه فلم يرجع إلي شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، يعني: غضبت منه أكثر مما غضبت من عثمان ﵁، قال: فلبثت ليالي، ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها)، الصديق لا يرى صورته، كان من الممكن أن يبشر عمر ﵁ وأرضاه أو أن يقول له: لو لم يتزوجها رسول الله ﷺ فسأتزوجها، لكنه لا يريد أن يفشي سر رسول الله ﷺ ، فلا مانع إن كان ذلك على حساب صورته أمام عمر. وروى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: (كنت جالساً مع النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر -أي: خاصم- فسلم أبو بكر الصديق وقال: يا رسول الله! إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فغضبت ثم ندمت وسألته أن يغفر لي فأبى علي، فقال الرسول ﷺ : يغفر الله لك يا أبا بكر! قالها ثلاث مرات، ثم إن عمر ندم أنه لم يسامح أبا بكر الصديق، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ -يعني: أبو بكر هنا؟ - قالوا: لا، فأتى النبي ﷺ فسلم عليه، فجعل وجه الرسول ﷺ يتمعر -أي يغضب غضباً شديداً- حتى أشفق أبو بكر على عمر أن يناله ما يكره من رسول الله ﷺ ، فجثا الصديق على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله! أنا كنت أظلم -ليس مهم صورته أمام رسول الله ﷺ ، المهم ألا يؤذى عمر - فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟)، قالها مرتين ﷺ ، يقول أبو الدرداء: فما أوذي بعدها ﵁ وأرضاه.

стр. 53

إنكار الصديق حظ نفسه في الانتصار بعد الظلم ثم أين حظ النفس عند الصديق في الانتصار لنفسه بعد الظلم؟ فهذا موقف من أروع مواقف الصديق ﵁ وأرضاه، وكل مواقفه ﵁ رائعة: لما وقع حادث الإفك وتكلم الناس في حق السيدة عائشة أم المؤمنين وزوجة رسول الله ﷺ ، وابنة الصديق ﵄، كان ممن تكلم في حقها مسطح بن أثاث ﵁، والحقيقة أن الذين تكلموا كلهم في حقها في كفة، ومسطح ﵁ وأرضاه في كفة لوحده؛ لأنه: أولاً: هو من المهاجرين، ليس منافقاً أو حديث إسلام. ثانياً: هو ابن خالة الصديق ومن أعلم الناس بـ عائشة ﵂، الطاهرة المطهرة، البريئة العفيفة الشريفة. ثالثاً: كان الصديق يعوله وينفق عليه، فـ مسطح كان فقيراً وجعل الصديق على نفسه أن يعطي له عطاءً ثابتاً يكفله به، وبعد كل هذا طعن في السيدة عائشة ولم يطعن فيها بخطأ بسيط أو هفوة عابرة، لا، بل طعن في شرفها، واتهمها أنها فعلت جريمة الزنا وهي متزوجة، ومتزوجة من رسول الله ﷺ ، فأي جريمة تلك التي فعلها مسطح ﵁؟ لكن الصديق فعل أقل رد فعل طبيعي متوقع من رجل طعن في شرف ابنته، ويشعر بالظلم الشديد، فحلف الصديق ألا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً، وننتبه أن الصديق لا يمنع حقاً كان يعطيه لـ مسطح، ولكنه يمنع فضلاً كان يتفضل به عليه. ثم مر شهر كامل عصيب على رسول الله ﷺ ، وعلى الصديق ﵁، وعلى عائشة ﵂، وعلى سائر المؤمنين، ثم نزلت آية البراءة وأقيم على المتكلمين في عرض السيدة عائشة حد القذف ثمانين جلدة، وبعد هذه الآيات نزلت آية خاصة لـ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه فيها خطاب رقيق من رب العالمين للصديق. ونحن مهما عملنا لن نقدر قدر الصديق ﵁، يقول الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢]، يعني: ولا يحلف، ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢]، انظر يصف الصديق بأنه ﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢]، والعلماء لهم تعليقات كثيرة على هذه الشهادة من رب العالمين للصديق بأنه من أولي الفضل، والفضل هكذا على إطلاقه يعني كل أنواع الفضل. حتى إن الرازي ﵀ استخرج منها أربعة عشر فضلاً للصديق. قال : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]، وانظر رحمة ربنا حتى بالذين وقعوا في عرض زوجة حبيبة محمد ﷺ : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]. ثم جاء نداء رقيق ودود: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، وانظر إلى ردة فعل الصديق ﵁ وأرضاه قال: بلى والله! إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا! وندم على قطعه للنفقة، وأقلع فوراً عن إمساكها، فأرجعها إلى مسطح وعزم على ألا يعود إلى قطعها أبداً، فقال: والله! لا أنزعها أبداً، كل هذا وليس بذنب بل قطع فضلاً، ولم يقطع حقاً لـ مسطح، ونحن يا ترى كم مرة نسمع نداء المغفرة من الله وعندنا ذنوب كبيرة، كم مرة نسمع: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [النور:٢٢]، فنقول: إن شاء الله ربنا يتوب علينا، وما زلنا مصرين على الذنب. وكم مرة نسمع: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فنقول: إن شاء الله، لكن لما أحج، أو لما أتزوج، أو لما أكبر قليلاً، أو لما ربنا يريد. وكم مرة نسمع: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ *

стр. 54

إنكار الصديق حظ النفس في الحياة أخيراً: أين حظ النفس عند الصديق في الحياة؟ ظل الصديق منذ أسلم وحتى مات زاهداً في حياته، معرضاً نفسه للخطر تلو الخطر لم ينظر لحياته مطلقاً، وانظر إلى موقف رائع تحكيه السيدة عائشة ﵂: تروي السيدة عائشة ﵂ أنه لما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ قرابة الأربعين رجلاً -يعني: في أوائل فترة مكة- ألح الصديق ﵁ على رسول الله ﷺ في الظهور فقال: (يا أبا بكر! إنا قليل)، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، ويبدو أن هذا لم يكن ظهوراً كاملاً للمسلمين؛ لأنه من المعروف أن الظهور الكامل لم يكن إلا بعد إسلام عمر ﵁، ولما ذهبوا إلى المسجد الحرام لم يكتف الصديق بمجرد الظهور، بل وقف خطيباً يدعو إلى الله تعالى، ويدعو إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، ولذا يقولون: إن الصديق هو أول خطيب في الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، فماذا كان رد فعل المشركين؟ ثار المشركون ثورة عنيفة وقاموا يضربون الصديق ضرباً عنيفاً، وتنكروا لأعرافهم في الجاهلية، ونسوا مكانة الصديق المرموقة في المجتمع المكي القديم، وأكل الحقد قلوبهم، وما زال بهم الحقد حتى أعمى أبصارهم، تقول السيدة عائشة: ودنى الفاسق عتبة بن ربيعة من الصديق ﵁ وأرضاه وجعل يضربه بنعلين مخصوفين في وجهه حتى ما يعرف وجهه من أنفه، فتورم وجهه حتى أصبحت ملامح الوجه غير معروفة، والأنف اختف في خلال الوجه، وجاء بنو تيم يتعادون، وبنو تيم هي قبيلة أبي بكر الصديق، فأجلوا المشركين عن أبي بكر وحملوه في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم إلى المسجد وقالوا: والله! لئن مات أبو بكر لنقتل عتبة بن ربيعة، ثم رجعوا إلى أبا بكر فجعلوا يكلمون أبا بكر وهو في إغماة طويلة حتى أفاق آخر النهار، فرد عليهم، فماذا قال؟ أول كلمة قالها: ما فعل رسول الله ﷺ . سبحان الله! حتى وهو في هذه الحالة بين الحياة والموت! وبنو تيم لم يفهموا هذه العاطفة الجياشة، بل كل ما فهموه هو الوضع الخطير الذي وضعهم فيه الصديق ﵁ وأرضاه، وهاهم على وشك أن يفقدوا علماً من أعلامهم وهو الصديق ﵁. ثم هاهم على أبواب معركة لا يحمد عقابها مع قبيلة عبد شمس قبيلة عتبة بن ربيعة، وليست بالقبيلة الهينة في قريش، وهاهم قد توعدوا بقتل زعيم من زعماء قريش عتبة بن ربيعة، ولا شك أنهم إن قتلوه ستنقسم قريش إلى أحزاب وشيع، وإن لم يقتلوه إذا مات الصديق فإنهم سيخلفون وعدهم، وهذا في عرف العرب إهانة لا تستقيم لهم بعده حياة، كل هذه الأمور المتفاعلة جعلتهم يعنفون الصديق ويلومونه ويكيلون له الكلام بما فيهم أبوه أبو قحافة، ومع ذلك فـ الصديق لا يقول إلا شيئاً واحداً: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ والتفتوا إلى أمه أم الخير -وكانت آنذاك مشركة- وقالوا: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه شيئاً، فلما انصرفوا حاولت أمه أن تطعمه وتسقيه، لكنه جعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ لا يستطيع أن يأكل أو يشرب إلا بعد أن يطمئن على حبيبه رسول الله ﷺ . وأشبهه بالأم التي أصيبت هي وولدها في حادث فأغمي عليها ثم أفاقت، أيكون لها من هم إلا الاطمئنان على ولدها؟ هكذا أحب الصديق رسول الله ﷺ أو يزيد والله! قال الصديق لأمه: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، وأم جميل هي أخت عمر بن الخطاب ﵁، وكانت آنذاك مسلمة، وأخوها عمر كان مشركاً، فخرجت أم الصديق إلى أم جميل فقالت: إن أبا أبا بكر سائلك عن محمد بن عبد الله ﷺ ، وهنا نرى موقفاً لطيفاً من أم جميل ﵂، المرأة المسلمة الواعية الحذرة، خشيت من أم الصديق؛ لأن أم الصديق لا زالت مشركة أفتكشف نفسها وتعرف بإسلامها أمامها ببساطة أو بسهولة؟ لا، وإن فعلت وكشفت إسلامها أتثبت لها أنها تعرف المكان الذي فيه رسول الله ﷺ ، الرسول ﵊ يجلس مع الصحابة في دار الأرقم، ودار الأرقم مجه

стр. 55

سلسلة الصديق_ نعمة الثبات الثبات على دين الله نعمة من نعم الله ، وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ أشد الناس ثباتاً بعد النبي ﷺ ، فقد ثبت على الإسلام من أول يوم، وقدمه على نفسه وأهله وماله، وثبت عند موت حبيبه ﷺ ، وعند حروب الردة وفي غير ذلك من المواقف الكثيرة في حياته ﵁.

стр. 56

ثبات الصديق ﵁ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس الخامس من دروس الصديق ﵁ وأرضاه. ولا أخفي أنني كلما توغلت في سيرة الصديق ﵁ وكلما تشعبت وقرأت ودرست وحللت شعرت أنني أريد أن أعتذر للصديق؛ لأنني ولسنوات طوال لم أعطه حقه الكافي من التبجيل والتعظيم والتكريم، نعم كنت أعرف فضله ومكانته وقدمه الراسخة في الإسلام، لكن ليس بالصورة التي يستحقها بالفعل، بل لعلي لا أخفي أنني أحياناً كنت أعطي مساحة من التكريم أكبر لغيره من الصحابة مثل: عمر بن الخطاب ومثل: علي بن أبي طالب ومثل: حمزة بن عبد المطلب ومثل: أبي عبيدة بن الجراح. وهذا لاشك خطأ يستحق الاعتذار وقصور يحتاج إلى تفهيم وتوضيح، ولعل هذا القصور في فهم درجة العظمة التي وصل إليها الصديق ﵁ يرجع إلى قصر مدة خلافته ﵁، لكن على العكس هذه المدة القصيرة التي حكم فيها الصديق تضاف إلى فضائل الصديق ﵁؛ فإن الأحداث التي تمت في خلافته قد تحتاج إلى عشرات الأعوام لتتم في عهد غيره. ولعل قصورنا أيضاً عن وضع الصديق ﵁ في مكانته الحقيقية يرجع إلى طبيعته الهادئة الرقيقة اللينة التي تخفيه كثيراً عن الأنظار. ولعل قصورنا أيضاً في معرفته يرجع إلى قلة الأحاديث التي رواها عن رسول الله ﷺ ؛ وهذا يرجع بالطبع إلى أنه مات سريعاً بعد الرسول ﷺ ، ولم يكن هناك وقت كاف يحدث به عنه، وإلا فهو أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ . ولعل طول صمته وكثرة تفكيره وحياءه من الكلام كان سبباً في قلة أقواله وخطبه مع أنه كان من أبلغ الصحابة وأحكم الناس، لعل واحداً من هذه الأمور أو أكثر كان سبباً في جهلي للصديق ﵁، ومع ذلك فكل هذه أعذار لخطأ واضح؛ فحياة الصديق ﵁ وأرضاه ليست مخبأة في أماكن سرية أو صفحات مشفرة، بل حياة الصديق ﵁ وأرضاه مبسوطة في مئات بل آلاف من الكتب، وقد يكون الكثير منها في مكتباتنا وفي بيوتنا، ولكننا تركنا التراب يعلو هذه الكتب ولم نفتش عن أمجادنا ولم ننقب عن كنوزنا، فعذراً يا صديق! وعذراً يا صحابة رسول الله ﷺ ! فلم نوفكم معشار حقكم بعد، وعزاؤنا أننا والله! نحبكم في الله، ونسأل الله أن يحبنا كما أحببناكم فيه. في الدروس الأربعة السابقة تحدثنا عن أربع صفات للصديق ﵁: حب الرسول ﷺ ، ورقة القلب، والسبق، وإنكار الذات. وفي هذا الدرس نتحدث عن صفة عجيبة هي أصعب من كل ما سبق حتى أنها أصعب من صفة إنكار الذات والتي ذكرنا في الدرس السابق أنها صفة صعبة وعسيرة، والأصعب في الصفة التي سنتحدث عنها أنها لا تكتسب، بل هي منحة ربانية من الله لبعض عباده، ولذلك فإننا لم نضعها في الصفات الأصيلة في شخصية الصديق ﵁ وأرضاه. فقد ذكرنا أن الصديق تميز بأربع صفات أصيلة فلما تحققت فيه هذه الصفات الأربع منحه الله هذه الصفة الخامسة، بمعنى: أن الله لما رأى منه حباً جارفاً لرسول الله ﷺ قاد إلى تصديق كامل واتباع دقيق، لما اطلع على قلبه فوجده رقيقاً حانياً عطوفاً ووجد طبعه سهلاً محبباً ليناً، ووجد خلقه حسناً رفيعاً عالياً لما علم منه سبقاً إلى الخيرات ومسارعة إلى الحسنات وحسماً وعزماً في كل أمور حياته، لما رأى منه عطاءً ثم عطاءً ثم عطاءً وإنكاراً لذاته في كل خطواته لما رأى منه كل ذلك وغيره أنعم عليه بنعمة عظيمة وهبة جليلة؛ أنعم عليه بنعمة الثبات. الثبات على كل ما سبق من خير، الثبات على الإسلام، والثبات على الإيمان، والثبات على الطاعة وحسن الخلق، والثبات على العطاء، والثبات أمام الفتن كلها صغيرة كانت أم كبيرة دقيقة كانت أم عظيمة خفية كانت أم معلنة. والثبات شيء صعب وعسير، فالإنسان قد ينشط في فترة من فترات حياته لكنه سرعان ما يفتر، وقد يقوى في زمان لكنه يضعف في أزمان، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل عمل

стр. 57

ثبات الصديق أمام فتنة المال أولاً: ثباته أمام فتنة المال، وبدأت بها لأنها فتنة عظيمة، فكثير من المؤمنين يثبتون أمام فتن شتى فإذا جاءوا إلى فتنة المال وقعوا فيها، يقول أحد الصحابة: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر! هكذا يقول الصحابي الجليل، ورسول الله ﷺ يقول -في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، عن كعب بن عياض ﵁: (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال) وإن كان هناك بشر لا يهتز أمام المال غير الأنبياء فهو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. وقد شاهدنا كثيراً من المتقين، وشاهدنا كثيراً من الزاهدين في الدنيا، وسمعنا عن أمثلة عظيمة وعن مواقف مشهودة، لكننا لم نسمع من قبل عن رجل اعتاد أن ينفق كل ماله في سبيل الله ولا يبقي لنفسه ولا لأهله شيئاً، وليس مرة أو مرتين يفعلها ولكنه اعتاد الثبات على هذا الأمر، وقد تحدثنا من قبل في درس سابق عن إنفاقه ﵁ وأرضاه على الدعوة في حياة رسول الله ﷺ سواء في فترة مكة أو سواء في فترة المدينة، وذكرنا تقدير رسول الله ﷺ لذلك، لكن نذكر هنا طرفاً سريعاً من ثباته أمام فتنة المال بعد أن تولى الخلافة، فها هو الصديق بعد أن أنفق ماله كله يمتلك مقاليد الحكم في المدينة ويضع يده على بيت المال، وها هي القبائل المرتدة تعود إلى الإسلام بعد عام من القتال المستديم، فيأتي خراجها، وخراجها كثير، وتأتي زكاتها، ويمتلئ بيت المال، ثم ها هي فارس تفتح وها هي الشام كذلك تفتح وتأتي الغنائم وفيرة والكنوز عظيمة، فماذا فعل الصديق ﵁؟ ما تغير قدر أنملة، وما تبدل شعرة، وما فتن بالدنيا لحظة. وليس الصديق بالذي يتبدل؛ لقد أعطى الدنيا حجمها فزهد فيها، وأعطى الآخرة حجمها كذلك فعمل لها، لقد سمع من حبيبه وحبيبنا محمد ﷺ حديثاً وضح فيه حجم الدنيا بالنسبة للآخرة، وسمع الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن المستورد بن شداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار يحيى بن سعيد أحد رواة الحديث بالسبابة- في اليم فلينظر بما ترجع) فما غاب عن ذهنه أبداً هذا المقياس، ومن أجل هذا ما فتن بالدنيا لحظة. لقد سمع وصية من معلمه ومعلمنا ومرشده ومرشدنا رسول الله ﷺ فوضعها نصب عينيه، وكأنها خاصة بـ أبي بكر الصديق، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها)، وها هو الصديق قد استخلف فيها الخلافة الكبرى، يقول ﷺ : (فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء). أصبح الصديق ذات يوم بعد أن ولي الخلافة وعلى يده أبراد، والبرد: هو الثوب المخطط. يعني: أخذ أثواباً لبيعها في السوق كعادته حتى بعد أن أصبح خليفة، فلقيه عمر بن الخطاب ﵁ فسأله: أين تريد؟ قال: إلى السوق، قال عمر: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم أولادي؟ سبحان الله! يده على بيت المال بكامله لكنه يقول: فمن أين أطعم أولادي؟ فأشار عليه عمر بن الخطاب ﵁ أن يذهب إلى أبي عبيدة أمين بيت المال ليفرض له قوته وقوت أولاده، فذهب إليه ففرض له، فانظر إلى هذه الشفافية في الضمير والأمانة والنقاء في النفس، فـ الصديق ﵁ وأرضاه ينزل إلى السوق وهو خليفة لكي يتاجر حتى يطعم أولاده! فعف الصديق ﵁ وأرضاه فعفت الرعية في زمانه ﵁. وانظروا إلى الصديق وهو على فراش الموت بعد رحلة طويلة من الجهاد المضني انظروا إليه كيف يقول وهو رأس الدولة في ذلك الزمان الدولة التي دكت حصون فارس والروم يقول مخاطباً عائشة ﵂: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا -يعني: الطعام البسيط- ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وهذه القطيفة -كساء- فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وابرئي منهن، تقول السيدة عائشة: ففعلت. فلما وصل الرجل الذي أرسلته السيدة عائشة إلى عمر ﵁ وأرضاه بكى عمر بن الخطاب حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، رحم الله

стр. 58

ثبات الصديق أمام فتنة الرئاسة والمنصب وتعالوا نرى ثبات الصديق أمام فتنة الرئاسة والمنصب، وفتنة الرئاسة فتنة عظيمة جداً، وابتلاء كبير، فكثير من الناس يعيش حياة التواضع فإذا صعد على منبر الحكم تغير وتبدل وتجبر وتكبر؛ إنها فتنة كبيرة، وهنا كلمة حكيمة جداً للحسن البصري ﵀ يقول: وآخر ما ينزع من قلوب الصالحين حب الرئاسة. لكن الصديق نزع من قلبه حب الرئاسة من قديم. والصديق ﵁ وأرضاه وإن كان يعيش قدراً معيناً من التواضع قبل الخلافة فإن هذا القدر تضاعف أضعافاً مضاعفة بعد الخلافة، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا: إن أعظم خلفاء الأرض تواضعاً بعد الأنبياء كان الصديق ﵁، فوالله! لقد فعل أشياء يحار العقل كيف لبشر أن يتواضع إلى هذه الدرجة؟ ومن المؤكد أنه تعلم من صديقه وحبيبه محمد ﷺ ما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن أبي يعلى معقل بن يسار ﵁ وأرضاه قال: (ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة)، والصديق جاهد للمسلمين ونصح للمسلمين كأشد ما يكون الجهد والنصح. ولذلك فهو ليس فقط يدخل الجنة معهم بل يسبقهم إليها، وكيف يتكبر الصديق وهو الذي كان حريصاً طيلة حياته على نفي كل مظاهر الكبر والخيلاء من شخصيته وكان يتحرى ذلك حتى في ظاهره؟ روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) هذه الكلمات وقعت في قلب أبي بكر وتحركت النفس المتواضعة تطمئن على تواضعها، فأسرع الصديق ﵁ وأرضاه إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده). أشعر والله! أنه قال هذه الكلمة وهو يرتجف يخشى من حكم رسول الله ﷺ ، لكن رسول الله ﷺ أثلج صدره وطمأنه ووضح له متى يكون الاسترخاء للإزار منهي عنه فقال: (إنك لست ممن يفعله خيلاء)، وهذه شهادة من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى: أن الصديق لا يفعل هذا خيلاء، وكان من الممكن أن يقول له: إنك لست متعمداً للإسبال، لكنه يخرج من كل هذا إلى حقيقة تواضع الصديق ﵁ وأرضاه. وتعالوا نتجول في حياة الصديق كخليفة وكرئيس وكحاكم، ذكرنا بعض المواقف في السابق وذكرنا موقفه مع أسامة بن زيد ﵄ وهو يودعه إلى حرب الروم في الشمال. والآن نذكر بعض المواقف الأخرى: موقف عجيب من مواقف الصديق وهو خليفة: كان الصديق ﵁ وأرضاه يقيم بالسنح على مقربة من المدينة، مكان قريب من المدينة، فتعود أن يحلب للضعفاء أغنامهم كرماً منه وذلك أيام رسول الله ﷺ ، وفي أيام رسول الله ﷺ كان أبو بكر الصديق هو الوزير الأول لرسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان يحلب للضعفاء أغنامهم، فسمع جارية بعد مبايعته بالخلافة وبعد أن أصبح خليفة تقول: اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا، سمعها الصديق ﵁ فقال: بلى، لعمري لأحلبنها لكم، فكان يحلبها وهو خليفة، وربما سأل صاحبتها: يا جارية! أتحبين أن أرغي لك أو أصرح؟ يعني: أجعل اللبن فيه رغوة وإلا بدون رغوة؟ فربما قالت: أرغ، وربما قالت: صرح، فأي ذلك قالته فعل. وهذا موقف آخر من مواقف الصديق ﵁ أغرب: كان عمر بن الخطاب ﵁ يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض ضواحي المدينة من الليل فيسقي لها ويقوم بأمرها، يعني: أن سيدنا عمر كان يذهب بنفسه ليدبر أمر هذه العجوز العمياء، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح لها ما أرادت، فجاءها غير مرة لكي لا يسبق إليها فكل مرة يلقى نفسه قد سبق إليها، فرصد عمر هذا الرجل الذي يأتي العجوز العمياء فإذا هو أبو بكر الذي كان يأتيها وهو يومئذ خليفة، فقال عمر: أنت هو لعمري. وكان أبو بكر من الممكن أن يكلف رجلاً أن يفعل هذه الخدمة، لكنه يشعر بالمسئولية الفردية نحو كل فرد في الأمة، وأيضاً هو يربي نفسه على التواضع لله ، ويربي نفسه ألا يتكبر حتى على العجوز الكبيرة العمياء. أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن أبا بكر الصديق ﵁ قام يوم جمعة فقال: إذا كان بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، يعني: أ

стр. 59

ثبات الصديق أمام فتنة الأولاد نوع آخر من الثبات للصديق ﵁ وأرضاه: ثبات الصديق أما فتنة الأولاد: الأولاد فتنة كبيرة، والمرء يقبل أن يضحي تضحيات كثيرة إذا كان الأمر يخصه هو شخصياً، ولكن إذا ارتبط الأمر بأولاده فإنه قد يتردد كثيراً، وغالباً ما يحب الرجل أولاده أكثر من نفسه، كما أن ضعف الأولاد ورقتهم واعتمادهم على الأبوين يعطي مسوغات قد يظنها الرجل شرعية للتخلف عن الجهاد بالنفس والمال، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤]، روى الترمذي وقال: حسن صحيح: أن رجلاً سأل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي ﷺ ، فلما أتوا النبي ﷺ بعد ذلك رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم -يعني: أولادهم؛ لأنهم منعوهم أن يأتوا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤]، وانظر الآية التالية مباشرة لهذه الآية في سورة التغابن يقول الله فيها: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥]. هكذا بهذا التصريح وهذا التقرير الواضح: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، فأين أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه من هذه الآيات ومن هذه الفتنة؟ القضية كانت في منتهى الوضوح في نظر الصديق ﵁ وأرضاه، فأوراقه كانت مرتبة تماماً، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ونصرة رسول الله ﷺ مقدمة عنده على كل شيء، فـ الصديق مع رقة قلبه ومع عاطفته الجياشة ومع تمام رأفته بأولاده كان لا يقدم أحداً منهم مهما تغيرت الظروف على دعوته وعلى جهاده، وما فتن بهم لحظة، بل أعلن الدعوة مع رسول الله ﷺ في مكة ودافع عن الرسول ﷺ حتى كاد أن يقتل، ولم يفكر أنه إذا مات سوف يخلف وراءه صغاراً ضعافاً محتاجين في وسط من الكفار المتربصين، فكان يجاهد ويعلم أنه إذا أراد فعلاً الحماية للذرية الضعيفة عليه أن يتقي الله ، وأن ينطلق بكلمة الدعوة وكلمة الحق مهما كانت العوائق، قال : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]. والصديق لما هاجر مع رسول الله ﷺ كان يبكي من الفرح؛ لأنه سيصحب رسول الله ﷺ في طريق مليء بالمخاطر مخلفاً وراءه ذرية في غاية الضعف، ويعلم أن قريشاً ستهجم على بيته لا محالة، وقد حدث ذلك وضرب أبو جهل عليه لعنة الله أسماء بنت الصديق ﵄ فسال الدم منها، فما رأى الصديق كل ذلك، بل كل ما رآه هو نصرة رسول الله ﷺ والطريق إلى الله ، وليس هذا فقط ولكنه حمل كل أمواله معه، وكل ما تبقى بعد الإنفاق العظيم كان (٥٠٠٠) درهم حملها جميعاً لرسول الله ﷺ ، وماذا ترك لأهله؟ ترك لهم الله ورسوله. إنه يقين عجيب وثبات يقرب من ثبات الأنبياء، وأبو قحافة والد الصديق ﵁ كان طاعناً في السن وقت الهجرة، وكان قد ذهب بصره؛ فدخل على أولاد الصديق وهو على وجل من أن الصديق قد أخذ كل ماله وترك أولاده هكذا، هو يعرف أن الصديق سيأخذ المال، لكن الابنة الواعية الواثقة المطمئنة أسماء بنت الصديق ﵂ وعن أبيها وضعت يد الشيخ الكبير على كيس مملوء بالأحجار توهمه أنه مال، فسكن الشيخ لذلك، هذا الشيخ الكبير لم يفهم هذه التضحيات، ولن يفهمها أحد إلا من كان على يقين يقارب يقين الصديق ﵁. والصديق في موقف الهجرة يوظف أولاده في عملية خطيرة إنها عملية التمويه على الهجرة وهي عملية قد تودي بحياتهم في وقت شط الغضب بقريش حتى أذهب عقلها، فـ عبد الله بن الصديق ﵄ كان يتحسس الأخبار في مكة نهاراً ثم يذهب ليلاً إلى غار ثور يخبر الرسول ﷺ وأباه بما يحدث في مكة، ويظل حارساً ع

стр. 60

ثبات الصديق أمام فتنة ترك الديار والأوطان وفتنة أخرى من الفتن التي تعرض لها الصديق ﵁ وأرضاه كانت فتنة ترك الديار والأوطان، وترك الوطن فتنة عظيمة، فكم من الذكريات وكم من الأهل وكم من الأصحاب وكم من الأحباب؟ فترك الوطن فعلاً فتنة عظيمة ولاسيما إذا كان الرجل صاحب مكانة وكثير مال كـ الصديق ﵁ وأرضاه؛ فـ الصديق كان تاجراً وأوضاعه مستقرة وتجارته رابحة، وها هو يترك الاستقرار والراحة وينطلق مهاجراً إلى أرض مجهولة وأقوام غريبين، ثم أي البلاد يترك؟ إنه يترك مكة المكرمة التي زادها الله تكريماً وتعظيماً وتشريفاً، يترك البلد الحرام ويترك البيت الحرام ويترك أشرف بقعة في الأرض، روى الترمذي أن رسول الله ﷺ وقف عند خروجه من مكة مهاجراً إلى المدينة يقول: (والله! إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت). نحن نرى كيف أن الواحد يكون صعباً عليه أنه ينتقل من عمله إلى بلد آخر، بل يعده نوعاً من العقاب أن ينقل من المكان الذي يعمل فيه إلى مكان بعيد، كأن ينقل من جنوب البلد الذي هو ساكن فيه إلى شمالها بعيداً عن المكان الذي هو فيه. والصديق ﵁ وأرضاه مع عظم تجارته واستقراره هاجر مرتين من هذه البقعة المشرفة إلى غيرها من بقاع الأرض، الهجرة الأولى كانت إلى الحبشة، وقد تحدثنا عنها في موقف سابق، وذكرنا أن ابن الدغنة سيد قبيلة القارة أجاره وأعاده إلى مكة، وقد كان الصديق في هذه الهجرة متجهاً إلى بلاد بعيدة عبر الصحراء والبحار إلى قوم لا يتكلمون العربية وإلى بلد لم يألف العادات المكية. الهجرة الثانية كانت إلى يثرب والتي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة لأنه نورها رسول الله ﷺ بالهجرة إليها، وقد تحدثت سابقاً عن فقرات من هذه الهجرة المباركة، وفيها برز الدور العظيم للصديق سواء في الإعداد قبل الهجرة أو أثناء الهجرة، وسواء في المساعدة المادية أو المعنوية وسواء في التضحية بالنفس أو بالمال أو بالجهد أو بالوقت، وقد كان الصديق ﵁ وأرضاه في الهجرة ثاني اثنين، وهذا يكفيه أن يكون ثانياً بعد رسول الله ﷺ . إذاً: الديار والأوطان والأملاك والأعمال مهما تعاظمت ما وقفت أبداً أمام إيمان الصديق ﵁ وأرضاه على ثقلها، إنها فتنة عارضة ثبت فيها الصديق ثباته المعهود.

стр. 61

ثبات الصديق أمام غلبة أهل الباطل والصديق أثبت لوناً آخر من الثبات ما عهدناه أمام كثير من الناس، إنه الثبات أمام غلبة أهل الباطل، وكثير من المسلمين ينظرون نظرة إحباط ويأس إلى واقعهم عندما يشاهدون محاور القوة الرئيسية في الأرض في أيدي الكافرين، وعندما يجدون أن الكفار قد ملكوا من المادة والسلاح والعدد والعدة ما يفوق المسلمين أضعافاً مضاعفة، إنها فتنة تحتاج إلى كثير إيمان وكثير فقه وكثير ثبات. وقد كان الصديق ﵁ هو الرجل المؤمن الفقيه الثابت الذي من الله به على أمة المسلمين وحفظها خير الحفظ ونصح لها خير النصح وجاهد لها خير الجهاد، ففتنة غلبة أهل الردة بعد وفاة الرسول ﷺ فتنة عظيمة هائلة مروعة لا نستطيع في هذا المضمار الضيق أن نوفيها حقها، لكن في هذه المجموعة فقط أشير إلى ثبات الصديق ﵁ وأرضاه هذا الثبات الذي فاق كل تخيل والله! حتى فاق تخيل الصحابة أنفسهم؛ فالفتنة كانت هائلة؛ إذ ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: مكة والمدينة والطائف وقرية جواثة في منطقة هجر بالبحرين، ولا أقول: كان هناك عشرات الآلاف من المرتدين بل مئات الآلاف، وليس فقط بمنع الزكاة بل منهم من ارتد كلية عن الإسلام، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم وعذبهم وقتلهم، ومنهم من ادعى النبوة، وحصلت غلبة عظيمة لأهل الردة وقلة في المؤمنين، في هذا الموقف الحرج رأى جمهور الصحابة أن اعتزال الفتنة بتركها هو الأولى، قالوا للصديق ﵁: الزم بيتك، وأغلق عليك بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين! إنه يأس كامل في الإصلاح وإحباط يملأ القلوب، وهذا موقف من أصعب مواقف التاريخ قاطبة. لكن الصديق ﵁ كان أعلم الصحابة وأفقه الصحابة وأثبت الصحابة، فتحول الشيخ الكبير الرحيم المتواضع ضعيف البنية إلى أسد هصور عظيم الثورة شديد البأس عالي الهمة سريع النهضة، فأصر على قتال المرتدين جميعاً وفي وقت متزامن قال في شأن مانعي الزكاة: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله! لو منعوني عناقاً -العناق: الأنثى من ولد الماعز، وفي رواية: عقالاً، وهو: الحبل الذي يربط به البعير- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. وقال في شأن بقية المرتدين الذين يبلغون مئات الآلاف: أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي، يعني: حتى تقطع عنقي. فكان هكذا بهذه العزيمة وهذه العقيدة، ولما رأى الصحابة هذا الإصرار من الصديق ﵁ انشرحت صدورهم لهذا الحق الذي أجراه الله على لسان هذا الرجل، يقول عمر بن الخطاب ﵁ كما جاء في صحيح البخاري: فوالله! ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وهكذا أخرج الصديق ﵁ وأرضاه الجيوش تلو الجيوش أخرج (١١) جيشاً في ملحمات خالدة وتضحيات عظيمة وتعب وجهد ودم وشهادة ثم نصر وتمكين وسيادة، وأشرقت الأرض من جديد بنور ربها، وحكمت الجزيرة العربية مرة ثانية بالقرآن والسنة، وأعز الله الإسلام وأهله وأذل الله الشرك وأهله، كل هذا كان في عام واحد فقط والحمد لله رب العالمين. وأيضاً رأينا ثباته ﵁ وأرضاه أمام غلبة أهل فارس والروم، وفارس والروم في ذلك الزمان هما أعظم قوتين عسكريتين في الأرض يقتسمان العالم ويهيمنان على معظم مساحة المعمورة، وكانت كل منهما دولة متقدمة صاحبة حضارة ومال وعمران وجنات وأنهار وأعداد لا تحصى من الرجال وسلاح لا مثيل له في زمانهم وأعوان في كل بقاع الأرض وتاريخ في الحروب وخططها وتنظيماتها وطرقها، والصديق ﵁ وأرضاه كان على الطرف الآخر يحكم دولة أقصى مساحتها جزيرة العرب، ولم تتعود على الحروب النظامية، وكانت فقيرة الموارد ضعيفة السلاح قليلة العدد، ليس هذا فقط ولكنها لم تنفض يدها بعد من حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس تلك الحروب هي حروب الردة، فيخرج الصديق من هذه الحروب الهائلة بعزيمة أقوى من الجبال ولم تهزه عروش كسرى وقيصر، واتخذ قراراً عجيباً وهو فتح فارس، وذلك بعد أقل من شهر على انتهاء حروب الردة، ثم أتبعه بقرار آخر أعجب بعد خمسة شهور وهو فتح الشام وقتال الروم في وقت متزامن مع قتال الفرس. وكما ذكرنا من قبل فـ الصديق كان على يقين من النصر، ولم يكن يساوره أدنى شك في أن الدولة الأخيرة ستكون للمؤمنين، وخاض معاركه كلها بهذه الروح، وكتب الله له النصر بعد جهاد طويل ومعارك هائلة وضع فيها الصديق ﵁ وأرضاه خططاً عبقرية وقال فيها آراءً سديدة وفعل فيها أعمالاً مجيدة، ومن المستحيل أن نحصي هذه الأعمال في هذا الإطار الضيق، وسنفرد -إن شاء الله- بعد هذه المجموعة مجموعات أخرى، ولا أقول: مجموعة واحدة، بل مجموعات؛ ففتح فارس قصة عظيمة تمتلئ بالمو

стр. 62

ثبات الصديق ﵁ على الطاعة وعدم فتوره وفتنة أخرى من الفتن التي ثبت فيها الصديق ﵁ وأرضاه وهي فتنة الفتور عن الطاعة: ثبت الصديق ﵁ وأرضاه على الطاعة أياماً وشهوراً وسنوات حتى مات ﵁ وأرضاه، وقد يظن ظان أن هذا الأمر بسيط وهين إلى جوار غيره من الفتن التي ذكرناها: فتنة المال والرئاسة والأولاد وترك الديار وغلبة أهل الباطل، فقد يظن ظان أن من ثبت في هذه الأمور الشديدة سيثبت حتماً في أمر الطاعة والعبادة؛ فهي أمور في يد كل مسلم يستطيع أن يصلي ويصوم ويزكي، وهذه بديهيات عند كثير من الناس، لكن والله إن هذه لمن أعظم الفتن، فقد يسهل على الإنسان أن يفعل شيئاً عظيماً مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثاً في حياته، لكن أن يداوم على أفعال العبادة كل يوم بلا كلل ولا ملل ولا كسل فهذا يحتاج إلى قلب عظيم وإيمان كبير وعقل متيقظ ومنتبه، لا يقوى على ذلك إلا القليل من الرجال. وقد كان الصديق ﵁ وأرضاه سيد هذا القليل بعد الأنبياء، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان)، يعني: أن بعض الناس يكون مكثراً في الصلاة فيدخل الجنة من باب الصلاة، وبعض الناس يكون مكثراً في الجهاد -والبديهي أنه مقل في بقية الأعمال أن هذا العمل أكثر من غيره في حياته- فيدخل من باب الجهاد وهكذا، قال أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه: (ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟) يعني: هل ممكن أن ينادى أحد من كل الأبواب؛ لأنه يكثر من كل الأعمال؟ فقال رسول الله ﷺ : (نعم، وأرجو أن تكون منهم)؛ وذلك أن الصديق كان فعلاً مكثراً وبصفة مستديمة من كل أعمال الخير، وقد مر بنا من قبل كيف أنه أصبح صائماً ومتبعاً للجنازة وعائداً لمريض ومتصدقاً على مسكين، هكذا حياته كلها لا قعود ولا فتور، كان ﵁ يتحرز جداً من فوات فريضة أو نافلة، روى أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر: (متى توتر؟ قال: أول الليل بعد العتمة -أي: العشاء- قال: فأنت يا عمر؟! قال: آخر الليل، قال ﷺ : أما أنت يا أبا بكر! فأخذت بالثقة -أي: بالحزم والاحتياط مخافة أن يفوت الوتر- وأما أنت يا عمر! فأخذت بالقوة)، أي: بالعزيمة على الاستيقاظ قبل طلوع الفجر لصلاة قيام الليل ثم الوتر. والصديق ﵁ وأرضاه لا يتخيل أن يفوته الوتر، وماذا يحدث لو استيقظ عند صلاة الفجر دون أن يصلي الوتر؟ يكون في حقه كارثة؛ لذلك يأخذ نفسه بالحزم فيصليه أول الليل ثم إذا شاء الله له أن يستيقظ قام وصلى من الليل ما شاء أن يصلي ولا يعيد الوتر، بينما عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كان يأخذ بالعزيمة، فهو يعلم علم اليقين أنه سيستيقظ ليصلي، إنهما منهجان مختلفان ولكنهما من أروع مناهج الصحابة ﵃ أجمعين. ومع حرصه وطاعته ومثابرته وثباته على أمر الدين ﵁ وأرضاه كان شديد التواضع لا ينظر إلى عمله، بل كان دائم الاستقلال له، فقد كان يقول: والله! لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد، أي: تقطع. وروى الحاكم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: دخل أبو بكر حائطاً وإذا بطائر في ظل شجرة، فتنفس أبو بكر الصعداء ثم قال: طوبى لك يا طير! تأكل من الشجر وتستظل بالشجر وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك! سبحان الله! أبو بكر يقول هذا الكلام؟ وكان يقول إذا مدح: اللهم أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، فرضي الله عن الصديق وعن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.

стр. 63

ثبات الصديق ﵁ أمام فتنة ضياع النفس وفتنة أخرى عظيمة هائلة تعرض لها الصديق ﵁ وأرضاه وهي فتنة ضياع النفس وفتنة الإيذاء للنفس، والنفس غالية إن ذهبت فلا عود لها إلى يوم القيامة، لكن الصديق ﵁ وأرضاه كان واضح الرؤية وثاقب النظر له قواعد ثابتة تحكم حياته، من هذه القواعد: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]. ومن هذه القواعد: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس:٤٩]. ومن هذه القواعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. ومن هذه القواعد: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]. إذا نظرت إلى هذه القواعد مجتمعة أدركت جانباً لا بأس به من حياة الصديق، وتعالوا نستمتع بوقفات مع الصديق ﵁ وأرضاه لنرقب كيف خلصت نفسه من حفظ نفسه. وقد تكلمنا قبل على ثبات الصديق في مكة ودفاعه عن رسول الله ﷺ حتى كاد أن يفقد روحه، وتعالوا نرى بعض أنواع الثبات في حياة الصديق في المدينة المنورة في قضية النفس، ففي بدر مثلاً: لما بلغ النبي ﷺ نجاة قافلة أبي سفيان وعزم زعماء مكة على قتاله استشار الصحابة في هذا الموقف الخطير، والصحابة لم يخرجوا من المدينة ليقابلوا جيشاً، بل مجرد قافلة، فليس معهم إلا السيوف، ولم تكن العدة عدة قتال، كما أن هناك أقواماً بالمدينة كانوا يرغبون في اللقاء ولكن لم يعلموا أن رسول الله ﷺ سيقاتل. إذاً: من الممكن أن يأتي على ذهن الصحابة أن لو أجلنا القتال لنقوم به في ظروف أفضل وعدد أكبر لكان أفضل؛ ففرصة ضياع الحياة في هذه المعركة كبيرة، والحق أن بعض الصحابة ترددوا، يصورهم ربنا في كتابه الكريم فيقول: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥ - ٦]، فأين كان الصديق ﵁ وأرضاه في هذا الموقف؟ كان أول الرجال قياماً يشجع النبي ﷺ على القتال؛ فقد كان دائماً يسبق الناس حتى لو كان السبق لفقد الحياة. قام الصديق فقال وأحسن وسر رسول الله ﷺ ، وقام من بعده الرجال الواحد تلو الآخر، لكن سبق بها الصديق، وقبل القتال أراد الرسول ﷺ أن يقوم بعملية استطلاعية يستكشف فيها مواقع جيش المشركين وعدتهم، قام بالعملية رسول الله ﷺ بنفسه ومعه أبو بكر ﵁ الصاحب الأول لرسول الله ﷺ في كل المواقف والأحداث، إنها مهمة خطيرة لكن ما أقل الدنيا في عين الصديق، وتبدأ المعركة ويلتحم الجيشان ويشتد القتال ويتصاعد الغبار وتسيل الدماء أنهاراً وتتناثر الأشلاء في كل مكان فأين كان الصديق ﵁؟ كان في أخطر الأماكن على الإطلاق؛ كان أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مطلوب الرأس ولاشك في ذلك، وقد يقتل حراسه، لكن أهلاً بالموت إن كان في سبيل الله. فما اقترب أحد من المشركين إلى رسول الله ﷺ إلا حطمه بالسيف، يلتفون حول رسول الله ﷺ ويحيطه من كل جانب؛ يشفق على رسول الله ﷺ من الشوكة يشاكها ويستعذب الألم إن كان فداءً لرسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يرفع يديه إلى الله يستغيث به ويلوذ بحماه ويطلب عونه ويلح في الطلب ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً)، وما زال يجتهد في الدعاء حتى سقط رداؤه على الأرض، فأخذه الصديق ﵁ من الأرض ورده على منكبي رسول الله ﷺ وقلبه يتفطر عليه ويتقطع من أجله ويقول: يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه منجز لك ما وعدك، يقين عجيب ثم خفق النبي ﷺ خفقة يستقبل الوحي ثم انتبه وقد جاءته البشرى بالنصر، فمن أول من يبشر؟ أنه يبشر أقرب الناس إليه وأعظم الناس رغبة في نصر هذا الدين وأكثر الناس تضحية من أجل هذا الدين وهو أبو بكر، فقال له: (أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله)، انظر إلى التعبير: أتاك أنت يا صديق! قال: (أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع)، أي: الغبار. هذا هو الصدي

стр. 64

ثبات الصديق ﵁ أمام فتنة الموت وفتنة أخرى هائلة مرت بـ الصديق ﵁ وأرضاه فتنة الموت، والموت فتنة عظيمة والفراق ألمه شديد، وكم من البشر يسقطون في هذه الفتنة؟ إلا أن الصديق ﵁ وأرضاه كان كما عودنا رابط الجأش مطمئن القلب ثابت القدم أمام كل العوارض التي مرت به في حياته، فقد مر بنا موقفه من وفاة ابنه عبد الله شهيداً وكيف تلقى الأمر بصبر عظيم وبرضاً واسع، وماتت أيضاً زوجته الحبيبة القريبة إلى قلبه أم رومان ﵂ وأرضاها والدة السيدة عائشة ﵂ ماتت في سنة (٦) من الهجرة في المدينة المنورة بعد رحلة طويلة مع الصديق في طريق الإيمان، فقد أسلمت قديماً وعاصرت كل مواقف الشدة والتعب والإنفاق والإجهاد والهجرة والنصرة والجهاد والنزال، فكانت خير معين لزوجها الصديق ﵁ وأرضاه، ثم ماتت وفارقت الصديق، وفراق الأحبة أليم، لكن صبر الصديق ﵁ وأرضاه صبراً جميلاً وحمد الله واسترجع، ومات كثير من أصحابه وأحبابه ومقربوه، مات حمزة، ومات مصعب، ومات أسعد بن زرارة، ومات سعد بن معاذ، ومات جعفر، ومات زيد بن حارثة وغيرهم كثير ﵃ أجمعين ماتوا وسبقوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض. فانتظر الصديق ﵁ وأرضاه صابراً غير مبدل، قال : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. وجاءت فتنة كبيرة فتنة موته هو شخصياً ﵁ وأرضاه، ونام على فراش لابد من النوم عليه، نام على فراش الموت، فماذا فعل وهو في لحظاته الأخيرة؟ ماذا فعل وهو يعلم أنه سيغادر الدنيا وما فيها؟ ماذا فعل وهو سيترك الأهل والأحباب والأصحاب؟ هل جزع أو اهتز؟ حاشا لله! إنه الصديق ﵁، فها هو الصديق ﵁ على فراش الموت يوصي عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في ثبات وثقة واطمئنان ويقول له: اتق الله يا عمر! واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، يعني: يحذره من التسويف وتأجيل الأعمال الصالحة، ويحفزه على السبق الذي كان سمتاً دائماً للصديق في حياته، يقول الصديق: وأن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف ألا ألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون مع هؤلاء؛ ليكون العبد راغباً راهباً لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت، وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أبغض إليك منه، ولن تعجزه. فانظر إلى صدق الوصية وحرص الصديق أن يصل بكل المعاني التي كانت في قلبه إلى عمر بن الخطاب الخليفة الذي سيتبعه في قيادة هذه الأمة. ثم انظر إلى هذا الموقف العجيب وهو أيضاً على فراش الموت: استقبل المثنى بن حارثة ﵁ وأرضاه قائد جيوش المسلمين آنذاك في العراق، وكان قد جاءه يطلب المدد لحرب الفرس، فإذا بـ الصديق الثابت ﵁ لا تلهيه مصيبة الموت ولا يصده آلام المرض وإذا بعقله ما زال واعياً متنبهاً وإذا بقلبه ما زال مؤمناً نقياً وإذا بعزيمته وبأسه وشجاعته كأحسن ما تكون فأسرع يطلب عمر بن الخطاب الخليفة الجديد يأمره وينصحه ويعلمه، قال: اسمع يا عمر! ما أقول لك ثم اعمل به: إني لأرجو أن أموت من يومي هذا أتوقع أني أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله ﷺ وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله، يعني: أنت رأيت وقت المصيبة الكبيرة مصيبة موت رسول الله ﷺ كيف كان الثبات سبباً في نجاة الأمة، ومصيبة موته مهما كانت أقل بكثير من مصيبة موت رسول الله ﷺ . فأوصاه ألا ينشغل بالمصيبة عن أمر الله وعن أمر الدين، ثم قال: وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب

стр. 65

سلسلة الصديق_ وفاة الرسول ﷺ لم تصب الأمة بمصيبة أعظم وأشد من موت نبيها محمد ﷺ ، وكان وقع ذلك أشد على أبي بكر الصديق ﵁ أعظم الناس حباً له، إلا أن ذلك لم يثنه عن الثبات، وقيادة الأمة بعد النبي ﷺ .

стр. 66

عظم قدر الرسول ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين، ونسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد: فمع الحلقة السادسة من حلقات الصديق ﵁ وأرضاه، كنا في الحلقة السابقة قد استعرضنا جوانب من صفة عظيمة من الله بها على الصديق ﵁ وهي صفة الثبات، قال : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. لا شك أن الصديق ﵁ من هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومن هؤلاء الذين عاشوا طويلاً ومروا بأحداث متقلبة ومواقف حرجة، وأزمات طاغية لكنه ما بدل ولا غير ﵁، بل ظل ثابتاً في كل فترات حياته ﵁ وأرضاه. وتعرضنا في الدرس السابق لثباته ﵁ أمام فتنة المال وفتنة الرئاسة وفتنة الأولاد وفتنة الهجرة وفتنة غلبة أهل الباطل، وفتنة الفتور عن الطاعة والعبادة، وفتنة الإيذاء وضياع النفس، بل وفتنة الموت، تعرضنا لكل ذلك ورأينا نموذجاً رائعاً لثبات البشر. ورغم كل هذه المواقف العظيمة فإنه يبقى موقف للصديق يمثل أروع درجات الثبات وأرقى درجات الإيمان، وأعمق درجات الفهم. وكل الذي قلناه في الدرس الماضي وثبات الصديق في الموقف الذي سنقوله في هذا الدرس يختلف تماماً، وذلك هو موقفه عند وفاة رسول الله ﷺ كارثة الكوارث ومصيبة المصائب. والحقيقة أني لا أعتقد أن رجلاً في التاريخ منذ أن نزل آدم ﵇ إلى هذه الأرض وإلى يوم القيامة نال أو سينال حباً وتقديراً وإجلالاً مثلما نال رسولنا الكريم ﷺ ، ويكفي أن تفكر في هذه الكلمة البسيطة التي ألفنا سماعها واعتدنا ذكرها فلم نقدر لها قدرها الحقيقي وقيمتها الأصيلة، إنها كلمة رسول، رسول من؟ رسول الله. نحن دائماً نفكر في الشق الأول من الكلمة، رسول نعظمه؛ لأنه رسول، لكن أحياناً ننسى الشق الثاني، رسول الله ، الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، الله الذي خلق الشمس والقمر والنجوم والكواكب، الله الذي خلق الجبال والبحار والأنهار، الله الذي خلق الإنس والجان والملائكة، الله العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي تناهت حكمته، الحي القيوم الذي لا ينام، الله الرحيم بخلقه، الكريم الحنان المنان، الله في علوه وكبريائه وعظمته أرسل إلى خلقه رسولاً يبلغهم رسالته. أرسل إلى الخلق الضعيف البسيط القليل رسولاً منهم، فأي تشريف؟ وأي تعظيم؟ وأي تكريم؟ وإذا كان البشر قد كرموا بإرسال الرسول إليهم فكيف بالذي اصطفاه الله من بلايين الخلق كي يرسله إلى الناس برسالته؟ وليست أي رسالة، ولكن الرسالة الأخيرة الخاتمة. ورسول الله محمد ﷺ صنعه الله على عينه، وخلقه ورباه وعلمه وأدبه وحسن خلقه، وقوى حجته، وزكى سريرته، وطهر قلبه، وجمل صورته، وحببه إلى خلقه، وحبب الخلق جميعاً فيه، فلا يراه أحد إلا وأحبه، ولا يسمع به أحد إلا وأحبه، ولا يقرأ عنه أحد إلا وأحبه، رسول الله ﷺ خير البشر وأفضل الدعاة وسيد المرسلين وخاتم النبيين. فرسول الله ﷺ لا يوفى حقه في مجلدات ومجلدات ولا في أعوام وأعوام، فقد وضع الله فيه خلاصة الفضائل البشرية. وكلما تعرضت لجانب من جوانب حياته ﷺ حار عقلك كيف كان على هذه الصورة البهية النقية، ولا تملك إلا أن تقول: سبحان الذي صوره فأحسن تصويره، وأدبه فأحسن تأديبه، وعلمه فأحسن تعليمه. وكان رسول الله ﷺ على علو قدره وسمو منزلته يعيش وسط الصحابة، يخالطهم، وكان يصلي بهم ويعلمهم، وكان يتحمل الأذى معهم، يجوع مع جوعهم أو أكثر، ويتعب مع تعبهم أو أشد، ويهاجر كما يهاجرون، ويقاتل كما يقاتلون، ويحفر الخندق كما يحفرون. وكان ﷺ يأكل مما يأكل منه الناس، ويشرب مما يشرب منه الناس، ويجلس على ما يجلس عليه الناس، لم تزده كفة الأذى إلا صبراً، ولم يزده إسراف الجاهلين إلا حلماً، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله، وكان أكثر الناس كرماً، وأقواهم بأساً، وأشدهم حياءً، وكان يمنع الناس من القيام له، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، وتسير به الأمة في شوارع المدينة أينما شاءت. وكان يخصف نعله، ويخيط

стр. 67

عظم مصيبة موت النبي ﷺ عاش الصحابة في سعادة لمصاحبته ورؤيته والسماع منه والانصياع له ﷺ ، عاشوا على ذلك فترة من الزمان، حتى أذن الله برحيل الحبيب ﷺ عن دار الدنيا إلى دار الخلد في جنات النعيم، إلى الرفيق الأعلى، إلى راحة لا تعب فيها ولا نصب ولا وصب، ورسول الله ﷺ بشر، والبشر يموتون، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. ومع يقين الصحابة بذلك وثقتهم من بشريته ﷺ إلا أنهم ما تخيلوا أن ذلك الموت سيحدث حقيقة، إنها فتنة عظيمة، ومصيبة كبيرة وبلاء مبين، فلم يصدق الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا كان رسول الله ﷺ قد مات حقاً فكيف الحياة بدونه؟ ووراء من يصلون؟ وإلى نصح من ينصتون؟ من يعلمهم؟ ومن يربيهم؟ ومن يبتسم في وجوههم؟ ومن يرفق بهم؟ ومن يأخذ بأيديهم؟ إنها كارثة وأي كارثة؟ وأظلمت المدينة، وأصاب الحزن والهم كل شيء فيها، ليس الصحابة فقط بل نخيل المدينة وديار المدينة وطرق المدينة ودواب المدينة، فإذا كان جذع النخلة قد حن لرسول الله ﷺ لما فارقه ليخطب من فوق المنبر بدلاً منه حتى سمع الصحابة لجذع النخلة أنيناً، وحتى جاء رسول الله ﷺ فمسح بيده على الجذع حتى سكن، إذا كان الجذع فعل ذلك ورسول الله ﷺ فارقه إلى منبر يبعد عنه خطوات معدودات فكيف بفراق لا رجعة فيه إلى يوم القيامة؟ فالصحابة ماذا يفعلون؟ أتطيب نفوسهم أن يهيلوا التراب على رسول الله ﷺ ؟ لقد تقطعت قلوب الصحابة، وتمزقت نفوسهم، وتحطمت مشاعرهم. يقول أنس بن مالك ﵁: (ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ ، وما رأيت يوماً قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ . فهذه المصيبة أذهلت عقول الأشداء من الرجال، وأذهلت ألباب الحكماء منهم، فاحتاروا جميعاً، حتى وقف عمر بن الخطاب ﵁ وما أدراك ما عمر بن الخطاب في عقله ورزانته وحكمته وإلهامه وقف وقد أخرجته الكارثة عن وعيه يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات. إذا كان عمر كذلك فكيف بغيره من الصحابة؟ قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ ابن عم رسول الله ﷺ في هذه المصيبة: لقد عظمت مصيبتنا وجلت عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروج به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ماسالت عليه نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا تخشى ضلالاً علينا والرسول لنا دليل ثم يخاطب السيدة فاطمة ﵂ فيقول: أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول ﷺ يقول أنس بن مالك ﵁: لما قبض رسول الله ﷺ أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.

стр. 68

موقف أبي بكر الصديق ﵁ عند وفاة رسول الله ﷺ وبينما هم كذلك إذ جاء الجبل أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وجازاه خيراً كثيراً عما قدمه لأمة المسلمين، جاء الصديق من السنح -منطقة خارج المدينة- بعد أن وصله النبأ هناك، وإن تخيل أحدنا أن صحابياً سوف يموت حزناً وهماً وكمداً لفراق رسول الله ﷺ فلا شك أننا جميعاً سنقول: إنه الصديق ﵁ وأرضاه، أشد الخلق حباً لرسول الله ﷺ ، وأقرب الرجال إلى قلب رسول الله ﷺ ، لا شك أنه قد يخطر ببال الناظر للأحداث أن الصديق سيفعل من علامات الغضب والثورة والانهيار والتصدع ما لم يفعل أحد غيره. لا شك أنه قد يخطر ببال أحد أنه سيفعل أكثر مما فعل عمر بن الخطاب مثلاً، لكن إنه الصديق أبو بكر ﵁ وأرضاه. أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح ونزل عند مسجد رسول الله ﷺ فلم يكلم الناس، ودخل المسجد، ومنه دخل إلى بيت عائشة ﵂ حيث مات رسول الله ﷺ على صدرها، فتوجه إلى رسول الله ﷺ وهو مغطى بثوب، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، عبرات لا بد منها، انحدرت ساخنة حارة على وجنتي الصديق ﵁ وأرضاه لفراق حبيب عمره ودرة قلبه وقرة عينه، ثم قال الصديق وقلبه يتفطر: (بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها)، ثم خرج في ثبات عجيب يليق بخير الأمة بعد نبيها ويليق بأول من سيدخل الجنة بعد رسول الله ﷺ من أمته، وكيف يجزع ويخرج عن المنهج وهو الصديق؟ خرج الصديق ﵁ وأرضاه فوجد عمر في ثورته يتكلم مع الناس والناس مكتفون حوله يتمنون أن لو كان كلامه حقاً، وأن رسول الله ﷺ سيعود ثانية كما يقول. قال الصديق في ثبات ورباطة جأش عجيبة: اجلس يا عمر! لكن عمر قد أذهلته المصيبة فلم يسمع الصديق ﵁ وأرضاه فلم يجلس، وظل على حاله، لكن الناس كانوا قد وجدوا وزير رسول الله ﷺ الأول أبا بكر، فتركوا عمر والتفوا حول الصديق ينتظرون ما يقول. قال الصديق في فهم عميق وحكمة بالغة: أما بعد: من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، وهذه حقيقة لابد من الاعتراف بها، قال: ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وفي براعة ولباقة وتوفيق قرأ الآية الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، والصديق رجل عجيب، يعيش مع القرآن في كل حركة وفي كل سكنة، فما أروع الاختيار! وما أبلغ الأثر الذي أحدثته الآية الربانية في قلوب الصحابة! يقول ابن عباس ﵄: والله! لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. أفاق الناس وبدءوا في البكاء الشديد، وكانت الآية سلوى للمؤمنين وتعزية للصابرين، وجزاءً للشاكرين. ووصلت الآية إلى أسماع عمر بن الخطاب ﵁، يقول عمر بن الخطاب: والله! ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعثرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن النبي ﷺ قد مات. وثبت الله الأمة جميعاً بثبات الصديق ﵁ وأرضاه، وهذه واحدة من أعظم حسناته ﵁ وأرضاه، وما أكثر حسناته ﵁ وأرضاه!

стр. 69

فتنة انقطاع الوحي بموت رسول الله ﷺ ومع كون فتنة موت رسول الله ﷺ وفراقه إلى يوم القيامة فتنة عظيمة ومصيبة هائلة مع كون هذه الفتنة عظيمة إلا أنها لم تكن الفتنة الوحيدة التي مرت بالمسلمين في هذه الأيام الحزينة، فإلى جوار فتنة الموت والفراق كانت هناك فتن أخرى عظيمة. كانت هناك فتنة انقطاع الوحي، فقد كانت أم أيمن ﵂ تبكي بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكانت تعلل ذلك بأنها تبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء، وانقطاع الوحي من السماء لا شك أنه فتنة عظيمة، وجبريل ﵇ لن ينزل على بشر إلى يوم القيامة. فرسولنا الكريم ﷺ هو خاتم الأنبياء، ولا شك أن البشر سيخطئون كثيراً ويحتاجون إلى تقويم وإصلاح، فمن سيقوم بذلك؟ عليهم أن يقوموا بذلك بأنفسهم؛ فالمنهج الإسلامي المتكامل أعطى لهم هذه الصلاحيات لإكمال مسيرة الحياة إلى يوم القيامة بدون رسل ولا أنبياء ولا وحي، لكن لا شك أن الفترة التي أعقبت وفاة رسول الله ﷺ كانت تمثل عبئاً ثقيلاً على نفوس الصحابة، وقلقاً بالغاً من أن يفشلوا في حل أمورهم دون وحي، ولا شك أنهم سيختلفون، وسيختلفون كثيراً، فمن يكون على صواب؟ ومن يكون على خطأ؟ عليهم أن يحكموا بالمنهج المتروك في أيديهم القرآن والسنة. ولكن ستظل طوائف من المؤمنين تخطئ وهي تظن أنها على صواب، فالوحي كان يفصل في هذه الأمور فصلاً لا يدع مكاناً للريبة، والآن انقطع الوحي. والرجل في زمن رسول الله ﷺ كان يسير على الأرض، وهو يعلم أنه من أهل الجنة، ويوقن بذلك إذا بشره رسول الله ﷺ ، يقينه بما نزل على محمد ﷺ ، وتخيل معي كيف يطيق رجل صبراً أن يسير على الأرض وهو يعلم أنه من أهل الجنة. هذا الذي جعل عمير بن الحمام في غزوة بدر يلقي بالتمرات لما بشره رسول الله ﷺ بالجنة ويقول: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. وبلال بشره رسول الله ﷺ بالجنة، فإذا به على فراش موته سعيداً؛ لأنه سيموت وغداً يلقي الأحبة محمداً وصحبه. وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة، وهكذا عبد الله بن مسعود وهكذا خديجة وعائشة وسائر أمهات المؤمنين، وهكذا غيرهم ممن بشرهم رسول الله ﷺ . أما الآن بعد أن انقطع الوحي فلا أحد يدري أهو من أهل الجنة أم من أهل النار؟ وعجبت لمن يضحك كيف يضحك وهو على يقين من ورود النار، قال : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ثم هو لا يعلم أيجوز الصراط إلى الجنة أم يسقط في النار. فرسول الله ﷺ كان يخبرهم عن كثير من أمور الغيب بالوحي، فبشرهم بنصر بدر، وبشرهم بالفتح، وبشرهم بفتح الشام وفارس واليمن، وكان يخبرهم عما كان وعما هو كائن وعما سيكون إلى يوم القيامة، أما الآن بعد انقطاع الوحي فأغلب باب المستقبل لا نعرف منه إلا ما أنبأنا به الرسول ﷺ قبل أن يموت، لكن كم من الأمور سيحدث كنا نتمنى أن نعرف عاقبتها، أترانا سنفوز أم سنخسر، وأحداث العالم كيف ستئول في النهاية. وهكذا الفرس انتصرت على الروم، والرسول ﷺ يبشر بأن الروم ستنتصر، كما قال : ﴿ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]. وأما الآن فلا نعرف شيئاً على وجه اليقين، نعم ترك لنا رسول الله ﷺ منهاجاً واضحاً من قرآن وسنة نستقرئ به سنن الله في الأرض، ونستنبط به النتائج قبل أن تحدث، لكن ستظل كثير من الأمور معروفة على وجه الظن لا على وجه اليقين، ويقين الوحي لا عودة له حتى تنتهي حياة الأرض وتقوم القيامة. ولا شك أن هذه الفتنة أذهلت الصحابة، وسيبدأ طريق مليئ بالأشواك، وعليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في السير بعد فقد القائد العظيم، والدليل الأمين محمد ﷺ ، إذاً كانت هناك فتنة فراق أحب الخلق إلى قلوب الصحابة، وكانت هناك أيضاً فتنة انقطاع الوحي.

стр. 70

فتنة اختيار خليفة بعد رسول الله ﷺ وهناك فتنة ثالثة خطيرة: من من الرجال يجلس في كرسي الحكم مكان رسول الله ﷺ ؟ رسول الله ﷺ لم يكن نبياً فقط، ولكن كان أيضاً حاكماً للمسلمين، فإن كانت النبوة قد ختمت به ﷺ فالحكم لابد أن يستمر، فمن من الصحابة الكرام يكمل المسيرة ويحمل الراية؟ إنه أمر خطير وخطورته ليست في احتمال التكالب على السلطة والتنازع فيها كما يحدث في بلدان العالم المختلفة إذا مات قائد أو زعيم، كلا، ولكن الخطورة لاعتبارات خاصة جداً بهذه الفترة: أولاً: لا يجوز في الصحابة ولا في أهل الأرض جميعاً من يساوم أو يقترب في الفضل من رسول الله ﷺ ، والذي سيوضع في مكانه كحاكم لابد وأنه سيقارن به ﷺ ، وإذا حدثت المقارنة فإنها لا شك ستكون مقارنة ظالمة، فهذا رسول يوحى إليه من ربه وأدبه ربه، وهذا رجل يجتهد، قد يصيب وقد يخطئ. ثانياً: من من الصحابة ستطيب نفسه أن يجلس في هذا المكان؟ الصحابة على خلاف أهل الأرض في زماننا أو في أي زمان، كانوا لا ينظرون إلى الإمارة على أنها تشريف وتعظيم أبداً، وإنما كانوا يعتبرونها تكليفاً وتبعة، وفضلاً عن أنهم لا تطيب نفوسهم بالحكم بدلاً من نبيهم فهم تعلموا منه ﷺ أن يزهدوا في الإمارة ولا يطلبونها. روى مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! ألا تستعملنى؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها). فمن من الصحابة يضمن أن يأخذها بحقها؟ ومن منهم يعرض نفسه لحمل الأمانة؟ ومن يضع نفسه يوم القيامة موضع سؤال عن تبعات عظيمة من أجل الإمامة؟ ثالثاً: إذا كان ولابد أن يُختار رجل من الصحابة لهذا الأمر الجليل فمن يكون هذا الرجل؟ الصحابة جميعاً أعلام يقتدى بهم، وطاقاتهم عظيمة، وإمكانياتهم واسعة، والمؤهل ليكون حاكماً على الناس أو أميراً عليهم كثير، معظم الصحابة. إذا نظرت إلى المهاجرين مثلاً فهناك الصديق أبو بكر ﵁ وهناك الفاروق عمر، وهناك أمين الأمة أبو عبيدة، وهناك ذو النورين وزوج ابنتي رسول الله ﷺ عثمان ﵁، وهناك ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته علي، وهناك العباس عم رسول الله ﷺ ، وهناك سعد بن أبي وقاص خال رسول الله ﷺ ، وهناك الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ ، وهناك طلحة بن عبيد الله طلحة الخير، وهناك غيرهم كثير، كـ عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وهناك شيوخ مكة الذين أسلموا في الفتح ولهم من الهيبة في قلوب العرب، كـ أبي سفيان وسهيل بن عمرو وغيرهم. وإذا نظرت إلى الأنصار وجدت أيضاً فريقاً كبيراً من العظماء، وإن كانت الأسماء المطروحة للزعامة أقل من المهاجرين؛ لكون الأنصار من قبيلتين فقط: الأوس والخزرج، وكان زعيم الخزرج سعد بن عبادة من أقوى الأسماء المرشحة للخلافة. أما من الأوس فهناك على سبيل المثال أسيد بن حضير سيد الأوس، وهناك عباد بن بشر من أكبر الأنصار، تقول السيدة عائشة ﵂: ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. وسعد بن معاذ استشهد قبل ذلك بكثير، استشهد بعد أن أقر الله عينه من بني قريظة في سنة (٥) من الهجرة، وكل واحد من هذه الأسماء -سواء من المهاجرين أو من الأنصار- لا تنقصه الكفاءة ولا القدرة على القيادة، كذلك لا ينقص أحدهم التقوى، فمن يحمل الراية؟

стр. 71

فتنة الردة بعد موت النبي ﷺ ومع كل هذه الفتن لم تكن هذه هي الفتن الوحيدة الموجودة في هذه الفترة، بل كان هناك فتن أخرى عظيمة وخطيرة، فالأعداد المهولة التي دخلت في الإسلام حديثاً لم تتلق تربية كافية في محضن الرسول ﷺ ، بل إن كثيراً منهم دخل الإسلام طمعاً في المال والثراء، كطائفة المؤلفة قلوبهم، فقد ألف رسول الله ﷺ قلوبهم بالمال والغنائم حتى يدخلوا في الإسلام. وتعالوا نراجع بعض الأرقام: كان فتح مكة سنة (٨) من الهجرة، فتح مكة (١٠. ٠٠٠) مؤمن بقيادة الرسول ﷺ ، وبعدها بقليل كانت حنين والطائف، وكانت الغنائم وفيرة جداً، وأعطى رسول الله ﷺ رءوس القوم، وأعطى عوام الناس، وأعطى وأعطى حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، ذكر ذلك ربنا في كتابه الكريم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]. وبعد فتح مكة بحوالي سنة واحدة فقط كانت غزوة تبوك سنة (٩) من الهجرة، وكان جيش المسلمين (٣٠. ٠٠٠) مسلم غير المنافقين الذين تخلفوا عن الغزو، فتضاعف الرقم من سنة (٨) هـ إلى (٩) هـ ثلاث مرات، وهو تضاعف كبير في هذه الفترة الوجيزة. وأعجب من ذلك في حجة الوداع سنة (١٠) من الهجرة بعد غزوة تبوك بسنة واحدة حدث تضاعف مهول في عدد المسلمين، حيث حج مع رسول الله ﷺ أكثر من (١٠٠. ٠٠٠) مسلم، هذا غير عشرات الآلاف من الذين دخلوا الإسلام في قبائلهم البعيدة عن المدينة ولم يسعدوا برؤية الرسول ﷺ . هذه الآلاف المؤلفة من المسلمين الذين ارتبطوا بالإسلام فقط منذ شهور ولم يسمعوا من رسول الله ﷺ إلا الكلمات القليلات، وبعضهم لم يره أصلاً، وبعضهم دخل لأجل المال، وبعضهم دخل لأجل الخوف من القوة الإسلامية الناشئة، وكلهم حديث عهد بجاهلية وإشراك. هذه العوامل جميعاً وغيرها جعلتهم على خطر عظيم وبالذات إذا وصل إليهم نبأ وفاة الرسول ﷺ . ترى ماذا سيكون رد فعلهم؟ أتراهم يتشككون في أمر الرسالة؟ أتراهم يعتقدون أن الخروج عن جماعة المسلمين أصبح أمراً ميسوراً؟ أتراهم يرتدون على أعقابهم ويعودون إلى جاهليتهم وشركهم؟ كل هذه الاحتمالات واردة، ولا شك أن الصحابة في المدينة كانوا يفكرون في هؤلاء القوم، ويتسمعون أخبارهم، ويخافون من ردتهم عن الإسلام، هذه المشاعر المتزاحمة من قلق وخوف وتربص وحيرة زادت الأزمة في المدينة تفجراً واضطراباً، ولا شك أن هذا زاد من ظلمة المدينة بعد غياب النور المبين محمد ﷺ . إنها فتنة مظلمة أخرى تحيط بالصحابة، فتنة الردة الفعلية لبني حنيفة ولأهل اليمن، وقد جاءت الأنباء قبل وفاة رسول الله ﷺ بظهور من يدعي النبوة في هذه البلاد، فقد ظهر مسيلمة الكذاب في بني حنيفة في اليمامة شرق الجزيرة، وظهر في اليمن الأسود العنسي، وتبع هذا وذاك آلاف مؤلفة قبلية وعصبية وجهل وشك وكبر وسفه، تبع مسيلمة وحده ما يزيد على، (٤٠٠٠٠) مرتد، هؤلاء كانوا مع مسيلمة الكذاب قبل وفاة رسول الله ﷺ ، وهؤلاء مرتدون بالفعل، ومن المؤكد أنهم يتربصون بالمدينة الدوائر، ومن أدرى الصحابة أنهم لا يعدون العدة لغزو المدينة ولاستئصال الإسلام من جذورة، فهذا خطر داهم، لا شك أن الصحابة كانوا يترقبونه.

стр. 72

الفتن التي كانت تحيط بالمدينة النبوية بعد موت النبي ﷺ أضف إلى هذا كثرة المنافقين بالمدينة المنورة، فإنه منذ أقل من عامين كانت هناك أعداد ضخمة من المنافقين يسكنون المدينة أيام تبوك، ولا شك أنهم يتزايدون مع زيادة قوة الإسلام، ولا شك أنهم ينتظرون الفرصة للانقلاب على الإسلام والمسلمين، وقد أرادوا قتل الرسول ﷺ قبل ذلك ولكنهم فشلوا، وهاهو رسول الله ﷺ قد مات، وهذه مصيبة عظيمة، ولا شك أن سعادتهم بهذه المصيبة كبيرة، قال : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]. فيا ترى ماذا سيفعل المنافقون؟ سؤال يتردد في أذهان الصحابة ولا شك. ثم هل هذا هو كل الشر الذي يتربص بالمدينة؟ أبداً، فكم من الأعداء يتربص؟ وكم من الكارهين يترقب؟ فالفرس دولة عظمى مجاورة، وقد كان بين رسول الله ﷺ وبين ملكها كسرى مراسلات يعرض فيها رسول الله ﷺ عليه الإسلام، لكن أبى كسرى فارس، بل ومزق رسالة رسول الله ﷺ . ثم إن رسول الله ﷺ قد ضم إلى دولة المسلمين قبل أن يموت منطقة اليمن وكانت تتبع دولة فارس، ثم إن رسول الله ﷺ فوق ذلك أدخل في الإسلام حكام اليمن الفارسيين وانتزع من كسرى فارس هذه المنطقة وأهلها، فيا ترى ماذا سيفعل كسرى فارس بعد هذه المصيبة التي حلت على المسلمين؟ أتراه يعيد الكرة في احتلال اليمن؟ أم يفكر فيما هو أبعد من ذلك ويغزو المدينة ومكة؟ أسئلة بلا إجابة. وهكذا الروم الدولة العظمى الأخرى على الساحة العالمية في ذلك الزمن كانت تحتل كامل الشام وآسيا الصغرى، بالإضافة إلى شرق أوروبا بكاملة إنها دولة ضخمة مهولة على رأسها قيصر الروم هرقل، ودولة الروم العظمى لها تاريخ مع دولة الإسلام الناشئة في المدينة. وقد أرسل رسول الله ﷺ رسالة إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وهرقل مال قلبه إلى الإسلام لكن منعه قومه ودفعوه إلى الكفر برسول الله ﷺ ، وليس هذا فقط، بل دفعوه أيضاً إلى تحريض قبائل غسان العربية في الشام على المسلمين ومن ثم قتل بعض رسل المسلمين المبعوث إلى تلك المناطق، وغرق بذلك هرقل في مستنقع الكفر، وهكذا بطانة السوء ومن رضي ببطانة السوء. ونتيجة هذا الإعراض عن الرسالة وهذا التحرش بالمسلمين نتجت موقعتان بين المسلمين والروم، نتجت معركة مؤتة في سنة (٨) من الهجرة، وهذه كانت معركة عجيبة ثبت فيها المسلمون بثلاثة آلاف مقاتل أمام (٢٠٠. ٠٠٠) من الروم المقاتلين، وقتل من المسلمين زعماؤهم الثلاثة. ثم استطاع خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه بتكتيك رائع أن ينسحب بجيشه دون هزيمة من الروم، بل إن التحليل الصادق للمعركة يثبت فرار الروم وخشيتهم من الجيش الإسلامي، وما حدث من فرار لبعض المسلمين حتى وصلوا إلى المدينة لم يكن إلا من طائفة محدودة. لكن بصرف النظر عن أي شيء فقد تراءى للروم ثبات المسلمين وخطورتهم، وعلموا أن بأسهم شديد وقتالهم شرس. ومرت سنة واحدة على مؤتة وجاء ما هو أعظم، فحشد المسلمون ثلاثين ألفاً من المقاتلين الأشداء في غزوة تبوك العظيمة سنة (٩) من الهجرة، ومع قلة إمكانيات المسلمين المادية من سلاح ومؤنة إلا أن معنويات الجيش كانت مرتفعة جداً، وتحركت الجموع الإسلامية إلى مسافات بعيدة جداً عن المدينة دونما وجل ولا خوف، وفر الجيش الروماني وأعوانه من نصارى الشام العرب أمام الجيش الإسلامي. ولا شك أيضاً أن الرومان قد سمعوا بأنباء بعث أسامة بن زيد ﵄ والذي جهزه رسول الله ﷺ قبل وفاته بقليل حتى يغزو الشام ويقاتل الروم والقبائل المناصرة لها، ولا شك أنهم يعلمون أن الجيش الإسلامي ما زال رابضاً في المدينة بعد خبر وفاة رسول الله ﷺ ، فماذا سيكون رد فعل الرومان والقبائل المتحالفة معهم أمام هذا الحدث؟ أتراهم يستغلون الفرصة ويهاجمون المدينة حيث إن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؟ هل يستغلون انشغال المسلمين بالمصيبة الكبيرة ويحالفون عدداً أكبر من القبائل ويحاصرون الجيش الإسلامي في المدينة قبل خروجه؟ أم تراهم سينقلبون على القبائل المسلمة في شمال الجزيرة العربية؟ لا شك أن الروم سيتربصون بالمسلمين، وجذور العلاقة توحي بأن ذلك سيكون قريباً، فكيف يتعامل المسلمون مع هذا التوقع؟ سؤال يحتاج إلى إجابة. واليهود ماذا سيكون رد فعلهم بعد أن يعلموا بخبر وفاة رسول الله ﷺ ؟ إن جذور العداء تاريخية مع اليهود، ومن أول يوم سمعوا فيه بأمر الرسالة وهم يكيدون لها، وحاولوا من قبل قتل رسول الله ﷺ ، وقلوبهم تغلي بالحقد على المسلمين، وكراهيتهم للإسلام والمسلمين ثابتة في كتاب الله، وستظل الكراهية موجودة بين الفريقين إلى يوم القيامة،

стр. 73

أهمية سرعة اختيار خليفة بعد موت النبي ﷺ في هذا الموقف المعقد والمتشابك والمدينة المنورة كالسفينة الصغيرة في بحر لجي هائج تتلاطمها الأمواج العاتية وقد مات قبطانها، في هذا الموقف الرهيب الفريد أين النجاة؟ أين النجاة؟ بتحليل الموقف نجد أنه لا نجاة إلا باختيار سريع وسريع جداً لخليفة يخلف رسول الله ﷺ في حكم الدولة الإسلامية، وفقدان الخلافة أو ضياع الخلافة كارثة مهولة، فالخلافة والخليفة كالخيط ينتظم حبات العقد في عقد واحد جميل، وبغير هذا الخيط ستضيع الحبات لا محالة، ولا يشفع للحبات هنا كونها جميلة أو براقة، كذلك أمة الإسلام إذا غاب منصب الخلافة فلن يجتمع المسلمون وإن كانوا صالحين، بل سيكونون فرقة هنا وفرقة هناك، وقبيلة هنا وقبيلة هناك، ودولة هنا ودولة هناك، وستظل الفرقة في غياب الخلافة، وهذه هي مصيبتنا العظمى في زماننا الآن، فقد غابت الخلافة وآخرها كانت الخلافة العثمانية، فتفرق المسلمون، حتى وإن كانت الخلافة ضعيفة فهي واجبة؛ فالاجتماع على ضعف خير من التفرق على قوة، وهذا أمر عام في كل حياة المسلمين، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل كانت البركة والقوة، وإذا تفرقوا كان الفشل والضعف. ورسول الله ﷺ يلفت النظر إلى ذلك حتى في أدق الأمور، روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم). والصحابة الكرام أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء وخير القرون في هذه الأمة يفقهون هذه الحقائق بوضوح، ويعلمون مدى الخطورة المنتظرة لأي تأخير في اختيار هذا الخليفة مهما كان اسمه. لذلك قام الصحابة الكرام بمشروع أحسبه من أرقى وأجل المشاريع الحضارية في التاريخ، إنه مشروع اختيار الخليفة والقائد والربان للسفينة في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ مع كل الأحزان والهموم والآلام، إذ لابد أن تسير الحياة ولا تتوقف لموت بشر أو زعيم وإن كان رسول الله ﷺ ، إنه فقه واسع وعلم غزير، فماذا حدث في هذا اليوم (١٢) من ربيع الأول من (١١هـ)؟

стр. 74

ذكر بعض فضائل الأنصار اجتمع الأنصار أوسهم وخزرجهم لاختيار خليفة للمسلمين من بينهم، اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وسقيفة بني ساعدة هي الدار التي اعتادوا أن يعقدوا فيها اجتماعاتهم الهامة، فرأى الأنصار أن الخليفة لابد أن يكون منهم؛ لاعتبارات كثيرة، ولذلك سارعوا إلى هذا الاجتماع الطارئ. هذا الموقف لابد وأنه سيثير أسئلة كثيرة في الذهن، وقد تسأل هذه الأسئلة بحسن نية؛ وذلك للمعرفة والفقه والاستفادة، وقد تسأل بسوء نية؛ للطعن والكيد والنيل من الصحابة ومن دولة الإسلام. يبرز من هذه الأسئلة في هذا الموقف سؤالان هامان ركز عليهما المستشرقون وأتباعهم من العلمانيين سواء من أبناء الغرب أو الشرق أو من أبناء المسلمين، هذان السؤالان الغرض منهما الطعن في الأنصار، وسيتبع السؤالان لا محالة بأسئلة أخرى للطعن في المهاجرين وبقية الصحابة. السؤال الأول: كيف تحرك الأنصار لاختيار خليفة في نفس يوم وفاة رسول الله ﷺ ؟ أليس في قلوبهم حزن على نبيهم؟ يقول المستشرقون: إن الأنصار أرادوا الدنيا ورغبوا فيها وحرصوا عليها فتسارعوا إليها، ولم يردعهم المصاب الفادح الذي ألم بهم، وهذا السؤال أيضاً قد يتردد في أذهان بعض المؤمنين. السؤال الثاني: لماذا أراد الأنصار الاستئثار بالخلافة دون المهاجرين، وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة لترشيح رجل منهم؟ والحقيقة قبل أن نخوض في الإجابة عن هذين السؤالين الهامين جداً أود أن أقدم بتعريف للأنصار، فمن هم الأنصار؟ يبدو أن كثيراً من المسلمين لا يدركون قيمة الأنصار، والأنصار طائفة من المؤمنين اتصفت بصفات عجيبة، ومرت بمراحل تربوية معينة أنتجت في النهاية جيلاً من الرجال والنساء والأطفال من المستحيل أن يتكرروا في التاريخ بهذه الصورة، وفعلاً الأنصار ظاهرة فريدة؛ اتصفوا بصفات خاصة ظلت ملازمة لهم منذ أن أصبحوا أنصاراً، ومروا بهذه الصفات بكل مواقفهم، إلى أن انتهى الأنصار من المدينة، فالأنصار نسمة رقيقة حانية أقبلت على دولة الإسلام فأصابت من بركتها وخيرها على الأمة، ثم مضت النسمة ولم تأخذ شيئاً لنفسها، سبحان الله! الأنصار قدموا وقدموا وقدموا ولم يأخذوا شيئاً، وكلما جاءت الفرصة ليأخذوا يجعل الله أمراً آخر فيخرجون بلا شيء، يخرجون راضين بلا سخط ولا ضجر وكأن الله أراد أن يدخر لهم كامل الأجر، ولا يعجل لهم شيئاً في دنياهم، إنهم الأنصار وما أدراك ما الأنصار؟ روى البخاري عن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)، هذا حديث يلخص كل المسألة. فلابد أن يعرف المسلمون قدر الأنصار قبل أن يخوضوا في أعراضهم، فالقضية قضية إيمان ونفاق، وقضية حب الله لعبد وبغض الله لعبد آخر، فالحذر الحذر من أي شبهة تغير على المؤمنين قلوبهم. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار). وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: اللهم أنتم من أحب الناس إلي) قالها ثلاثاً. وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ للأنصار: (موعدكم الحوض)، وغير ذلك كثير من الأحاديث، وسيأتي -إن شاء الله- في أثناء المحاضرات أحاديث أخرى في حقهم. هذا الحب العظيم من رسول الله ﷺ للأنصار ومن الأنصار لرسول الله ﷺ جعل الصحابة جميعاً يجلون الأنصار ويقدرون قيمتهم، روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر فكان يخدمني، وجرير بن عبد الله من أشراف قبيلة بجيلة ومن أعلام العرب، وكان له شأن كبير في الجزيرة قبل وبعد الإسلام، وفوق هذا فهو أسن وأكبر كثيراً من أنس بن مالك، هذا كله دفع أنس بن مالك أن يستنكر، ويستغرب، فقال أنس: لا تفعل، أي: كيف تخدمني؟ فقال جرير: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته. وأنس من الأنصار، فإذاً: يخدمه جرير الشريف ﵃ أجمعين، هكذا هو وضع الأنصار وهذه هي قيمة الأنصار وسط الصحابة. هذا التكريم والتبجيل من رسول الله ﷺ ومن الصحابة للأنصار لم يأت من فراغ، وإنما أتى لنوايا صادقة من الأنصار وأعمال متواصلة وأخلاق حسنة، ولو نظرت إلى تاريخ الأنصار وإلى حال الأنصار لوجدت صفة أساسية تمثل ركيزة في بناء الأنصاري، فكل أنصار

стр. 75

الرد على من طعن على الأنصار في سرعة اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم ونعود إلى السؤالين اللذين طرحناهما بخصوص ذهاب الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم. السؤال الأول: كيف أسرعوا إلى ذلك ولم ينظروا إلى مصيبة وفاة رسول الله ﷺ ؟ يقول المستشرقون: إنهم لم يحزنوا حزناً كافياً، ولذلك ألهتهم الدنيا عن المصاب الفادح. وللرد على هذه الشبهة نقول: أولاً: المستشرقون لا يدركون هذه الخلفية التي ذكرناها عن طبيعة الأنصار، أو لعلهم يدركونها ويتجاهلونها عن قصد وعمد، فرسول الله ﷺ نزههم عن طلب الدنيا، بل نزههم عن ذلك ربهم بقرآن باقٍ إلى يوم القيامة، فإذا تغير منهم رجل أو رجلان فمن المستحيل أن يتغيروا جميعاً أو أن يجتمعوا على حب الدنيا. ثانياً: المستشرقون لا يفقهون معنى الصبر الجميل، ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج:٥]، الصبر الذي لا شكوى فيه، الصبر عند الصدمة الأولى. روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه ﷺ ، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فصبر الأنصار ﵃ كان صبراً جميلاً صبراً عند الصدمة الأولى، وكما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، هذا ما يفهم في ضوء سيرتهم ﵃ وأرضاهم. ثالثاً: هل يمنع هذا من كون قلوبهم تتفطر حزناً على رسول الله ﷺ ؟ هل هناك تعارض بين الحزن وبين العمل؟ لا تعارض أبداً، فالمسلم الإيجابي مهما حزن فإن ذلك لا يقعده عن العمل الواجب، فالحزن الذي يقعد الناس عن العمل حزن غير مرغوب فيه. وتعالوا نفكر قليلاً مع الأنصار، ترى لو انتظر الأنصار يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين حتى تهدأ عواطف الحزن وتعود الحياة إلى طبيعتها ماذا ستكون النتيجة؟ ماذا لو هجم الفرس أو الروم على بلاد المسلمين؟ من سيتخذ قرار الحرب من عدمه؟ من سيجهز الجيوش ويعد العدة ويستنفر الناس؟ ماذا يحدث لو هجم المرتدون على المدينة؟ وقبائل عبس وذبيان على بعد أميال من المدينة وإسلامهم حديث، وردتهم متوقعة. وماذا يحدث لو هجم مسيلمة الكذاب بجحافلة المرتدة على المدينة؟ من سيتخذ قرار الحرب ضدهم؟ وماذا لو نقض اليهود عهدهم! أيحاربون أم يوادعون؟ أتكون لهم شروط جديدة؟ أيكون لهم عهد جديد؟ ثم ماذا سيحدث لو أخرج المنافقون في المدينة رجلاً منهم وبايعوه على الخلافة، وبايعته قبيلته وقبائل أخرى؟ ماذا سيكون رد فعل الصحابة؟ أينكرون بيعته ويحاربونه وتحدث الفتنة العظمى والبلية الكبرى، أم يتركون منافقاً يترأسهم؟ وماذا لو اختارت كل قبيلة من القبائل المختلفة التي تكون دولة الإسلام الآن زعيماً لها من أبنائها وتفرق المسلمون أحزاباً وشيعا؟ من يجمع؟ ومن يوحد؟ بالتفكير السليم والمنطقي والموضوعي نجد أن إسراع الإنصار إلى اختيار الخليفة برغم المصيبة الكبيرة بوفاة رسول الله ﷺ هو فضيلة تحسب للأنصار وليس نقصاً أو عيباً، لقد وصلوا في إيجابيتهم إلى درجة من الصعب أن تتكرر في غيرهم من الأجيال. لكن السؤال الأصعب والذي يحتار فيه كثير من المسلمين فضلاً عن غير المسلمين هو: لماذا أسرع الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم وليس من المهاجرين؟ تعالوا نفكر مع الأنصار. أولاً: حتى نفهم موقف الأنصار تعالوا نسمي الأشياء بالمصطلحات الحديثة من أجل أن ندرك أبعاد الموقف بكاملة، الأنصار في مصطلح العصر الحديث هم أهل البلد الأصليون، فقد كانت المدينة كأنها دولة مستقلة يعيش فيها الأوس والخزرج، وذلك قبل قدوم رسول الله ﷺ . ثم اضطهد المهاجرون في بلدهم مكة وهي أيضاً دولة مستقلة أخرى بجوار المدينة المنورة، وضيق على المهاجرين فاضطروا إلى ترك مكة واللجوء إلى المدينة المنورة، أي: أن التعريف الحديث للمهاجرين هو أنهم مجموعة من اللاجئين السياسيين في دولة المدينة المنورة، والمدينة كدولة كريمة سخية عادلة استقبلت اللاجئين أو المهاجرين خير استقبال وأكرمتهم وأعطت لهم ومنحتهم كل حقوق المواطن الأصلي في البلد، ومرت الأيام ولم تفرض عليهم أبداً قيوداً تعوق من حياتهم، بل على العكس، كثيراً ما آثرتهم على أهل البلاد الأصليين. ثم مرت أيام أخرى ومات قائد المدينة المنورة وزعيمها النبي محمد ﷺ وحان وقت تولية زعيم جديد على المدينة، فهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من أهلها الأصليين أم من اللاجئين إليها؟ وهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من الذين قدموا كل شيء لأجل من قدم إليهم، أم يقدم الذي جاء طريداً من بلده فاستقبل في بلد آخر؟ لو هاجر مجموعة من الفلسطنيين مثلاً إلى أمر
следующие страницы →