Полный текст (129 стр.). Показаны 106–129 · переход к 111.
стр. 106
سلسلة الصديق_ شبهات حول استخلاف الصديق
جمع أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه خصال الخير كلها، لذا كان أحق الناس وأجدرهم بالخلافة بعد موت النبي ﷺ ، إلا أن الحاقدين على الإسلام حاولوا الطعن في الإسلام بالطعن في الصديق واستخلافه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
стр. 107
الصديق هو الرجل الأمثل للخلافة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين، ونسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، وما زلنا نتحدث عن الحدث الهام الذي تم في ذات اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وهو انتخاب أبي بكر الصديق ﵁ خليفة للمسلمين، ذكرنا في الدرس السابق رغبة الرسول ﷺ في استخلاف الصديق ﵁، وإن كان لمح بذلك تلميحاً قوياً، وأعرض عن التصريح المباشر، وذكرنا أسباب ذلك.
وذكرنا أيضاً في الدرس السابق أن الصديق ﵁ وأرضاه جمع كل مقومات الخلافة، وكان أكثر المستحقين لهذا المنصب الخطير في الأمة الإسلامية، فقد كان الصديق ﵁ وأرضاه بحق أفضل الصحابة على الإطلاق، وتوافرت فيه كل شروط الخليفة في أعلى درجاتها، وحاز رضا وموافقة الرسول ﷺ ، وكان استخلافه بحق رحمة وخيراً لأمة الإسلام، ومع كل هذا فقد كثرت الشبهات التي أثارها بعض الشيعة والمستشرقون حول هذا الاستخلاف، وذكروا أنه قد يكون هناك من هو أحق من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه بهذا الأمر.
стр. 108
شبهة أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة من أبي بكر
نحن في هذا الدرس سنخصصه بكامله لعرض الشبهات وللرد عليها، ونبتدئ بسؤال هام: إذا لم يكن الصديق ﵁ فمن غيره يكون خليفة للمسلمين؟ وهذا السؤال ليس مجرد طرح نظري لأسماء أخرى، بل هذا سؤال لأن هناك طوائف مختلفة من المتشككين في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه، فقد طرحت أسماء أخرى للطعن في خلافة الصديق ﵁، ولتشويه الصورة الجميلة للجيل الأول، ولأهداف أخرى كثيرة.
وكثير من المستشرقين فعل ذلك، وسار على نهجهم بعض المستغربين من أبناء المسلمين، وكثير من طوائف الشيعة أيضاً فعلت ذلك، ولم يطعنوا في خلافة الصديق فقط، بل طعنوا أيضاً في خلافة عمر وعثمان ﵃ أجمعين، وتكاد تنحصر الأسماء المرشحة في شخصين: الأول هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، والثاني: هو سعد بن عبادة ﵁، وقد يفكر البعض في عمر بن الخطاب ﵁.
أما سعد بن عبادة ﵁ زعيم الخزرج فقد تحدثنا عن تفصيلات موقفه، ولماذا كان مرشحاً للخلافة، وكيف نزل الأنصار عن رأيهم بترشيحه، وعادوا بعد ذلك إلى ترشيح أبي بكر الصديق ﵁، وكيف بايعوا جميعاً بما فيهم سعد بن عبادة ﵁.
أما عمر بن الخطاب ﵁ فلم يطرح اسمه حقيقة من أحد، اللهم إلا من أبي بكر الصديق نفسه يوم السقيفة لما رشحه للخلافة، حيث قال: أنت أقوى مني.
فقال عمر: قوتي مع فضلك، والجميع يعلم أن أبا بكر مقدم على عمر، وعمر نفسه كان يقول: والله! لئن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
كما أن الشدة المعروفة عند عمر ﵁ وأرضاه لم تكن مناسبة للأمة وهي خارجة من المصيبة الكبيرة وهي وفاة رسول الله ﷺ .
إذاً: يبقى اسم واحد هو محل كلام ونقاش وجدال، وهو البطل الإسلامي العظيم علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
هذا الصحابي الجليل أشاع كثير من الشيعة أنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق ﵁، والمستشرقون أعجبتهم الفكرة وذكروها في كتبهم على أساس أن الخلافة حق منهوب من علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ظهر في أواخر أيام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه عند اتساع رقعة الإسلام، ودخول الكثير من المغرضين في دين الله، وبدايات الفتنة، ومحاولات هؤلاء المغرضين هدم الإسلام من جذوره وأصوله، حيث دخل في دين الله كثير من اليهود والمجوس الذين أرادوا أن يقسموا الدولة الإسلامية إلى طائفتين متناحرتين، ومن الناحية الثانية أرادوا أن يطعنوا في رموز الصحابة جميعاً.
وقد يكون عبد الله بن سبأ اليهودي هو أول من أشاع بين الناس فكرة التشيع لـ علي بن أبي طالب وأنه أولى بالخلافة، وليس من عثمان فقط، بل ومن أبي بكر وعمر ﵃ أجمعين، وكان لـ عبد الله بن سبأ أعوان من قبائل شتى كلها كانت تنقم على الإسلام لأسباب مختلفة، وكثير منهم من أرض فارس من الأقوام الذين أكل الحقد قلوبهم لانهيار دولتهم على أيدي المسلمين، وكان يقود المسلمين أبو بكر ثم عمر ﵄، وما زالت إلى الآن هذه المغالاة في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وأكثر طوائف الشيعة اعتدالاً ترى شرعية خلافة الصديق وعمر على سبيل جواز إمامة المفضول للفاضل، أي: أنهم يزعمون أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، لكن يجوز أن يتولى الخلافة الأقل فضلاً في رأيهم.
هذا الفكر المتشيع لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لا يقتصر على طوائف الشيعة فقط، بل كما ذكرنا أعجبت الفكرة المستشرقون فذكروها في كتبهم، وأفردوا لها البحوث والتحليلات، وانتقل هذا الفكر إلى طائفة من المسلمين المحسوبين على أهل السنة المتعلمين على أيدي هؤلاء الغربيين، وقد قرأت في هذا الموضوع كتابات يقشعر منها البدن، ويكاد المرء يصاب بالغثيان من أولئك الذين يطعنون في صحابة رسول الله ﷺ بهذه الصورة، وما زال هذا الفكر يدرس إلى الآن في جامعات إسلامية وغربية كثيرة.
وهنا سؤال يأتي على الذهن: لماذا اختار عبد الله بن سبأ اليهودي أو غيره ممن ابتدع هذه الفكرة علي بن أبي طالب رضي الله
стр. 109
الرد على فرية أن النبي ﷺ أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة
وهناك نقطة أخرى خطيرة: لا شك أن الذين أشاعوا هذه القضية كانوا يعلمون أن حجتهم ليست بالقوية، فهم يطلبون خلافة لـ علي بن أبي طالب ﵁ على أساس القبلية والقرابة، وهذه مؤهلات غير مقبولة في الشرع، فماذا يفعلون حتى يثبتوا خلافة في غير موضعها؟ لقد بحثوا عن مصداقية أخرى لهذا الأمر، فوجدوها في فرية أخرى ابتدعوها ابتداعاً، تلك الفرية هي الادعاء بأن الرسول ﷺ قد أوصى لـ علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة من بعده، فعملوا موضوع الوصية المشهور، ونشرت طوائف كثيرة من الشيعة هذه الإشاعة، وأعجبت المستشرقون والعلمانيون حتى درسوها في المدارس والجامعات؛ حتى يوهموا الدارسين أن المخالفات الشرعية بين الصحابة كانت مبكرة جداً، فبمجرد أن مات الرسول ﵊ بدأ الصحابة يخالفون، هكذا أرادوا.
وللأسف وجدت مثل هذه المناهج رواجاً، وما زالت تدرس وبشدة في أكثر من جامعة مسلمة، ووجدت أيضاً كتب كثيرة تتبنى هذا الفكر مع كونه مغايراً للحقيقة تماماً.
وللرد على هذه الإشاعة أو الشبهة (شبهة أن الرسول ﷺ قد أوصى لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بالخلافة) نقول: أولاً: لم يرد بهذه الوصية نقل صحيح، فكل الروايات التي ذكرت هذه الوصية روايات في غاية الضعف، بل هي موضوعة من الأصل، يعني: أنها مؤلفة، ونحن كمسلمين حريصون على ديننا فيجب أن نحرص على أن ننقل الصحيح فقط من الروايات، وبالذات في هذه القضايا الشائكة وهذه الأمور التي يطعن بسببها في صحابي أو أكثر، ومن أراد أن يخرج علينا بفكرة الوصاية فعليه أن يأتي بالدليل الصحيح، وإلا فما أسهل الكلام! النقطة الثانية: إذا كانت هناك وصية معلومة من رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب ﵁، للزم أن نفترض أن الصحابة جميعاً اتفقوا على مخالفتها، وطبعاً مخالفة وصية كهذه ستكون مخالفة واضحة صريحة للشرع، فيلزم هنا مرة ثانية أن نتهم الصحابة جميعاً بالمخالفة الشرعية للإسلام، وهذا أمر خطير لا يعقله عاقل.
وكيف يمكن أن جيلاً بأكمله يتفق على خلافة رجل وإنكار خلافة رجل آخر، مع وجود الوصية بغير ذلك؟ مع العلم أن أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ كلاهما من قريش، يعني: لا مجال لترجيح واحد على الآخر إن كانت هناك وصية بذلك، وكيف يتفق الأنصار مع القرشيين على علي بن أبي طالب؟ ولماذا الأنصار يختارون سيدنا أبا بكر ولا يختارون سيدنا علياً ويتفقون مع القرشيين على ذلك؟ هذه تساؤلات لا رد عليها عند طوائف الشيعة التي تتبنى فكرة الوصية لـ علي بن أبي طالب، ولن يستطيعوا أن يخرجوا من هذا المأزق إلا بأمر عجيب.
ففسقوا وأحياناً كفروا كل جيل الصحابة إلا مجموعة تعد على أصابع اليدين، وهذا من المستحيل أن يستساغ عقلاً فضلاً عن غياب النقل الصحيح بذلك.
هذا الموقف في غاية الخطورة، وترتبت عليه نتائج خطيرة، فإن هذه الطوائف الشيعية المتجاوزة قالت: إن كان هؤلاء الصحابة بدلوا وغيروا في أمر خطير كهذا، فكيف يقبل منهم بقية الأمور؟ لذلك قالوا: يجب ألا ينقلوا عنهم حديثاً ولا ديناً ولا تشريعاً ولا فقهاً، فحرموا أنفسهم وأتباعهم من آلاف الأحاديث التي نقلت عن طريق هؤلاء الصحابة.
فقالوا: لا نأخذ عن عائشة، ولا نأخذ عن أبي هريرة، ولا نأخذ عن عمر بن الخطاب، ولا نأخذ عن عبد الله بن عمر، ولا نأخذ عن عبد الله بن عمرو، ولا نأخذ عن كل الأنصار.
إذاً: أين الدين؟ وأين الشرع الذي تتبعون؟! لا يأخذون إلا ما جاء عن طريق علي بن أبي طالب وعدد محدود جداً لا يزيد عن العشرة من صحابة رسول الله ﷺ ، وينقلون عنهم بواسطة طرقهم الخاصة التي هي في غالبها ضعيفة، بينما يعرضون كلية عن كل الطرق التي قبلها علماء السنة المسلمين؛ لأنهم كما يقولون: نقلوا عن الصحابة الذين تآمروا -في زعمهم- على علي بن أبي طالب ﵁.
فهؤلاء لا يعترفون بـ البخاري ولا بـ مسلم ولا بسنن أبي داود، ولا بـ الترمذي، ولا بـ النسائي، ولا بـ ابن ماجه، ولا بالإمام أحمد ولا يعترفون بكل أئمة الحديث عند المسلمين.
وهذه كارثة وهاوية سحيقة، وضرب للدين في أصوله.
النقطة الثالثة: إذا كان هناك فعلاً وصية لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلماذا لم يصرح بها علي بن أبي طالب أو حتى يكتفي بالإشارة أو بالتلميح؟ ألا يعد علي بن أبي طالب هنا كاتماً لما أوصاه به رسول الله ﷺ ؟! وإذا كانت هناك وصية لأحد فكتمها فإنه يعد
стр. 110
الرد على شبهة أن بعث النبي ﷺ علياً بسورة براءة فيه إشارة إلى استخلافه
وهذه شبهة جديدة قالوها في هذا المضمار أيضاً، قالوا: لقد أرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ بصورة براءة، ليقرأها على الناس في الحج، ويقطع بها عهود المسلمين معهم، وفي ذلك -كما زعموا- إشارة إلى استخلاف علي بن أبي طالب ﵁.
ومن المعروف أن أمير الحج في هذا الموسم كان أبا بكر الصديق ﵁، فقالوا: لو لم يكن يقصد أن يستخلف علياً لجعل أبا بكر هو الذي يقطع العهود.
وسبحان الله! ما أسخف هذه الشبهة! وما أتفهها! أولاً: نزلت سورة براءة بعد خروج أبي بكر بوفد الحج، وكان أبو بكر هو الأمير، فلما نزلت السورة أرسل رسول الله ﷺ رجلاً من رجاله لم يكن في الحج وهو علي بن أبي طالب، أرسله بالسورة حتى يصل بها إلى الناس المجتمعة في الحج.
ثانياً: من عادة العرب أن الذي ينقض عهد رجل لابد أن يكون من قبيلته، فلكي يقطع عهد رسول الله ﷺ لابد أن يكون القاطع لهذا العهد من قبيلته، وهو علي بن أبي طالب.
والحديث هنا في موسم الحج ليس للمسلمين فقط؛ حتى يكلف الرسول ﷺ أبا بكر ولا ينظر إلى تقاليد العرب في نقض العهود، بل إن الحديث المقصود موجه إلى المشركين في الأساس، ولابد أن يصله إليهم بالصورة التي يقبلونها دون جدال ولا نقاش.
ثالثاً: لقد تعلق المغرضون بإشارة خفية في إرسال علي بن أبي طالب وأغفلوا أمراً جلياً واضحاً في ذات القصة، وهو أن علي بن أبي طالب لما جاء إلى أبي بكر الصديق ﵁ في مكة قال له أبو بكر الصديق: أمير أم مأمور؟ فقال علي بن أبي طالب: بل مأمور.
فكيف يعتقدون في استخلاف المأمور علي بن أبي طالب ويتركون الأمير أبا بكر الذي يعلم الناس أمور حجهم، والذي يقود الجميع بما فيهم علي بن أبي طالب نفسه؟!! فمن الواضح أن هذه القصة حجة عليهم لا لهم، ولكن: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
стр. 111
الرد على شبهة أن علي بن أبي طالب لم يكن راضياً ببيعة أبي بكر فأخر البيعة
وهنا شبهة أخرى للتأكيد على أحقية علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بالخلافة: قالوا: إنه لم يكن راضياً على اختيار أبي بكر الصديق ﵁، ولذلك لم يبايعه لمدة ستة شهور كاملة.
فنقول: أولاً: هل غضب علي بن أبي طالب ﵁ حقاً، وإن كان غضب فلماذا غضب؟! الحقيقة أن هناك رواية صحيحة في صحيح مسلم تذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لم يبايع إلا بعد وفاة السيدة فاطمة ﵂ بعد ستة شهور من وفاة الرسول ﷺ ، وستة شهور من مبايعة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه.
ومع ذلك فقد روى ابن حبان وغيره بسند صحيح موصولاً إلى أبي سعيد الخدري ﵁: أن علياً بايع أبا بكر الصديق ﵁ في اليوم الثاني للخلافة.
فما تفسير ذلك؟! وكيف نجمع بين الروايتين؟! التفسير الذي يرجحه ابن كثير ﵀: أن علي بن أبي طالب ﵁ قد بايع مرتين: المرة الأولى وفي اليوم الثاني من وفاة رسول الله ﷺ ، والمرة الثانية بعد وفاة السيدة فاطمة ﵂، وذلك بعد ستة شهور من المبايعة الأولى للصديق ﵁.
أما المبايعة الأولى فهي التي جاءت في رواية الحاكم والبيهقي وابن سعد وابن حبان بسند صحيح كما ذكرنا عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفيها: أن أبا بكر الصديق ﵁ صعد المنبر في اليوم الثاني، وهو اليوم الذي كان يوم بيعة الجمهور، فنظر ﵁ في وجوه القوم فلم ير الزبير بن العوام ﵁، فدعا بـ الزبير فجاء، وكان الزبير في ذلك الوقت في بيت الرسول ﷺ يجهزه للدفن، فقال أبو بكر له: ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟! يعني: أن سيدنا أبا بكر يلوم سيدنا الزبير أنه لم يأت ويبايع سيدنا أبا بكر الصديق كما بايع عامة المسلمين، فقال الزبير بن العوام: لا تثريب -أي: لا لوم- يا خليفة رسول الله ﷺ ! فقام فبايعه، ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم، فلم ير علياً فدعا به فجاء، فقال له: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين؟! ختنه يعني: زوج ابنته.
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ ! فبايعه.
ففي هذه الرواية التصريح بالمبايعة، فتخلف الزبير وعلي ﵁ عن الحضور في يوم السقيفة وفي اليوم الثاني لأنهما كانا مشغولين بتجهيز رسول الله ﷺ للدفن، ولما استراب أبو بكر ﵁ لغيابهما، أرسل إليهما يلومهما، فجاءا يعتذران ويبايعان.
روى الطبري بأسانيده عن حبيب بن ثابت ﵀: أن علياً كان في بيته، فأتى إليه الخبر عن جلوس أبي بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلاً كراهية أن يبطئ عنه حتى بايعه، ثم جلس إليه، وبعث فأحضر ثوبه وتجلله، ولزم مجلسه.
فلماذا كان سيدنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام يشعران بشيء من الغضب أو عدم الرضا بخصوص ما تم في سقيفة بني ساعدة؟
الجواب
لم يكن ذلك لعدم اقتناعهما بـ أبي بكر الصديق أبداً، ولكن لأنهما أخرا عن المشورة، وهما -كما يعلم الجميع- على درجات عالية من الفضل والسبق والرأي.
روى الحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام قالا: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة.
فهذا تصريح عن سبب الغضب.
قالا: وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي.
إذاً: كانت هذه هي المبايعة الأولى.
وهناك أمر آخر كان مع هذه المبايعة الأولى، كان هناك حدث آخر صاحب هذه المبايعة، وهو طلب السيدة فاطمة ﵂ ميراث رسول الله ﷺ ، فلما جاء علي بن أبي طالب يطلب ميراث السيدة فاطمة من أبيها ﷺ ، رفض أبو بكر الصديق ﵁ وقال لها حديث رسول الله ﷺ : (لا نورث، ما تركناه صدقة)، فوجدت عليه السيد
стр. 112
الرد على من زعم أن الصديق وعمر وأبا عبيدة وعائشة تآمروا على أمر الخلافة
وسبحان الله! مع فداحة الشبهات السابقة إلا أن سهام المغرضين لا تنتهي.
فهذه شبهة جديدة خطيرة أطلقوها بخصوص هذه البيعة للصديق ﵁، هذا الشبهة الجديدة شنيعة تهدف إلى هدم الإسلام من أساسه، تولى كبرها طائفة من الشيعة، أرادوا الطعن في رموز الإسلام العظيمة بصورة تظهرهم كأسوأ ما يكون الرجال، هذا الشبهة الشنيعة هي: أن الصديق ﵁ وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ﵃ أجمعين قد تآمروا على أمر الخلافة فيما بينهم، وساعدتهم في ذلك السيدة عائشة ﵂.
وحاشا لله من هذه الفرية.
يزعمون أنهم جميعاً قد تآمروا على أن يأخذ الصديق الخلافة في بادئ الأمر، ثم يعطيها بعد ذلك لـ عمر بن الخطاب ثم يعطيها عمر لـ أبي عبيدة بن الجراح، لكن أبا عبيدة مات قبل موت عمر، فلم تكتمل أطراف المؤامرة كما يقولون.
ويقولون: إن هذا التآمر ساعدت فيه السيدة عائشة بأن ادعت -كما يقولون- أن الرسول ﷺ أوصى بالصلاة إلى أبي بكر، بينما الحقيقة -في زعمهم- أنه أوصى بالصلاة لـ علي بن أبي طالب، وأخفت ذلك السيدة عائشة، وبذلك أوصلت الخلافة إلى الصديق ﵁ وأرضاه.
هذا الكلام جاء في كتابات المستشرق هنري لامانس ونقل عنه للأسف بعض المسلمين مثل كتاب غروب الخلافة الإسلامية للأستاذ علي الخربوطلي، فإنه ذكر هذه الفرية بتفاصيلها.
وهذا تصوير قبيح وشنيع لأعظم أجيال الإسلام، ولأرقى رموز الإسلام، فإذا كان هؤلاء السابقون على هذه الشاكلة فلا أمل فيمن جاء من بعدهم، وهذا هو بيت القصيد في الشبهة، فليست القضية اتهام رجل أو رجلين، ولكن القضية أعمق من ذلك بكثير، فهي فعلاً هدم لدين الإسلام من جذوره.
من جديد نقول: إن هؤلاء الطاعنين يقيسون الأحداث بمقاييس هذا العصر الذي نعيش فيه الآن، ويرون السياسة كما يرونها الآن: مؤامرات ودسائس ومكائد وخداع ونفاق وغش وتحايل، هذه هي السياسة التي يشاهدها الناس، وعلى هذا الأساس يقومون سياسة الإسلام في عهد الخلفاء، وما أدركوا أن الإسلام قدم أروع أنظمة السياسة، وأرقى الأمثلة للتطبيق العملي لهذه القواعد السياسية، فهم لا يتخيلون أن رجلاً نقياً مثل أبي بكر أو عمر يكون رجلاً سياسياً ناجحاً، يقولون: إما أنه رجل صالح وسياسي فاشل، وإما أنه سياسي ناجح ولكنه فشل في مجال الأخلاق.
لكن الشواهد تثبت حسن سياستهم، والشواهد أيضاً تثبت قيادتهم الحكيمة ليس لأوطانهم فقط، بل وللأرض جميعاً في زمانهم.
إذاً: في عرف العلمانيين والمستشرقين لابد لهؤلاء الساسة الناجحين أن يكونوا متآمرين، هذا ما شاهدوه في الواقع الآن، ولا يتخيلون أن توجد في هذا الماضي هذه الصورة النقية البهية للساسة المسلمين المهرة في سياستهم والأنقياء في قلوبهم، الذين يديرون الدنيا بحكمة وعيونهم على الآخرة، قال : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، فهذا يعتبر طرازاً أسطورياً بالنسبة للعلمانيين، لكنه حدث في عهد الإسلام، ويتكرر كثيراً في تاريخنا، ليس في عهد الصحابة فقط، ولكن في عصور أخرى كثيرة، وفي أماكن متعددة، ولابد لنا أن نفرغ الأوقات لاستخراج الكنوز الثمينة والرموز العظيمة، وما أكثرها! المهم أن المستشرقين ساروا وراء طوائف الشيعة المبتدعة لهذه الشبهة الخطيرة، شبهة التآمر بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ﵃ وأرضاهم؛ لتبادل أدوار الخليفة، الواحد تلو الآخر، وذلك في زعمهم بمساعدة السيدة عائشة.
فتعالوا بنا لنرى هذه المؤامرة المزعومة كيف قيلت، وما هو الرد عليها: الأمر الأول: من هم المتهمون بالمؤامرة؟ ومن هم أعضاء المؤامرة كما يزعمون؟ الأول: هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وسبحان الله! أهذا الرجل الذي تحدثنا معه في هذه المحاضرات هو الذي يتآمر على الخلافة؟! أهذا الرجل الذي تحدثنا عن إيمانه وصدقه وورعه ورقة قلبه وسبقه وإنكاره لذاته وثباته هو الذي يتآمر؟! أهذا الرجل الذي كان يتورع عن لقمة واحدة حرام لا يتورع عن أكل حقوق أمة كاملة؟! روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان لـ أبي بكر الصديق غلاماً يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه.
والخراج: شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم، وباقي الكسب يكون للعبد، فجاء هذا الغلام يوماً بشيء فأكل منه
стр. 113
شبهة الطعن في أبي بكر الصديق بسبب ميراث الرسول ﷺ
هناك قضية أخرى غير هذه الشبهة أثير حولها كلام كثير من كثير من طوائف الشيعة، وأيضاً من المستشرقين، هذه القضية هي قضية ميراث الرسول ﷺ .
القضية لها علاقة وثيقة بقصة استخلاف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فالقضية من أول أعماله ﵁ وأرضاه في الخلافة، ونتج عنها بعض المواقف التي أساء المستشرقون وأحبابهم فهمها، واستغلوها في الطعن في عظماء الصحابة.
الرسول ﷺ ترك أرضاً كانت له بالمدينة وفدك وهي قرية خارج المدينة المنورة، وما بقي من خمس خيبر، وبعد وفاته ﷺ ذهب العباس وعلي ﵄ يطلبان نصيب العباس ونصيب فاطمة بنت رسول الله ﷺ من إرث رسول الله ﷺ ، فقال الصديق ﵁ لهما كما جاء في صحيح البخاري: إن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة، ثم قال الصديق ﵁ وأرضاه: إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال، وإني والله! لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ .
وقال أيضاً في رواية أخرى للبخاري: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به.
ثم قال كلمة جميلة، قال: فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ.
إنها كلمة جميلة جداً من الصديق ﵁ وأرضاه، كلمة رائعة تلخص فلسفة الصديق ﵁ وأرضاه في حياته.
اللهم! ارزقنا فهماً كهذا الفهم، وعملاً كهذا العمل، وإخلاصاً كهذا الإخلاص.
إذاً: أبو بكر الصديق عرف علياً والعباس ﵁ بحكم هام وهو أن الأنبياء لا يورثون درهماً ولا ديناراً، وما تركوه فهو صدقة، أي: في بيت مال المسلمين، وقد شاء الله ذلك الأمر، حتى لا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم، ولذلك فحياة الأنبياء صلوات الله عليهم وتسليماته كانت زهداً وورعاً وبعداً عن الدنيا، وكذلك يكون الحال أيضاً لورثتهم.
ولكن هل كان هذا الحكم خافياً على علي بن أبي طالب ﵁؟ أبداً لم يكن خافياً عليه هذا الحكم، بل لم يكن خافياً أيضاً على العباس ﵁، ولم يكن خافياً عن كثير من الصحابة.
فقد روي نفس الحديث من طريق أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس والسيدة عائشة وأبي هريرة، كل هؤلاء نقلوا نفس الحديث بنفس الألفاظ.
فما هو تفسير طلب علي والعباس ﵄ الإرث؟ وما تفسير سؤال السيدة فاطمة ﵂ نصيبها من أبيها ﷺ ؟ ولما رفض أبو بكر الصديق إعطاء العباس وعلي ﵄ من الإرث تشهد علي بن أبي طالب ﵁ وحمد الله ثم قال: إنا نعرف يا أبا بكر! فضيلتك، ثم ذكر علي قرابته من رسول الله ﷺ وحقهم، أي: أنه ما زال يطلب الإرث لزوجته، فقال أبو بكر ﵁: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي من أن أصل من قرابتي.
أي: أنه لا يقطع قرابة رسول الله ﷺ ، ولكنه يقضي بما يراه صواباً، فما تفسير تكرار الطلب من علي ﵁ مع علمه بالحكم؟! ولما رفض أبو بكر الأمر وجدت السيدة فاطمة ﵂، أي: حزنت وغضبت في نفسها، كما جاء في رواية البخاري، وهجرت الصديق ﵁ فلم تكلمه حتى مرضها الأخير التي ماتت فيه بعد ستة شهور كاملة من وفاة رسول الله ﷺ ، فما تفسير غضبها وهجرانها لـ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه؟! وطبعاً المستشرقون والمستغربون والشيعة وجدوا في هذا الموقف مادة ثرية للطعن في كل الصحابة، فمنهم من اتهم أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه بالظلم؛ لأنه حرم السيدة فاطمة من نصيبها في الإرث.
ومنهم من اتهم السيدة فاطمة وعلي والعباس بحب الدنيا والسعي وراءها، وبمخالفة الشرع بطلب شيء نهى عنه رسول الله ﷺ .
ومنهم من ا
стр. 114
سلسلة الصديق_ دروس من حياة الصديق
إن الناظر في سيرة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه ليجد العجب العجاب؛ فقد كان ﵁ أمة في رجل، وكان أشبه الناس سمتاً ودلاً وهدياً بالنبي ﷺ ، وكانت صفاته تشبه صفات النبي ﷺ ، ومما يدل على ذلك وصف ابن الدغنة له بما يوافق وصف خديجة ﵂ للنبي ﷺ .
стр. 115
خطبة الصديق بعد استخلافه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا وارزقنا واجبرنا وارفعنا، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا، اللهم آتنا الحكمة وثبّتنا، واجعلنا هادين مهديين.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
أما بعد.
فمع الدرس الأخير من دروس الصديق ﵁ وأرضاه.
ودروس الصديق ﵁ لا تنتهي، ولكن أقصد أن هذه هي الحلقة الأخيرة في هذه المجموعة مجموعة الصديق الصاحب والخليفة.
وقد تحدثنا فيها عن صفات الصديق الرئيسية التي ميزت شخصيته عن الآخرين، وإن كان الحق أن الصديق ﵁ وأرضاه جمع خلال الخير كلها، وتفوق فيها على غيره، وكان بحق نِعم الصاحب لرسول الله ﷺ ، ونِعم الخليفة من بعده.
وتحدثنا أيضاً في هذه المجموعة عن مصيبة وفاة رسول الله ﷺ ، والكوارث التي أحاطت بالمدينة بعد موته ﷺ ، وكيف خرج المسلمون من هذا المأزق العنيف وهم مستمسكون بشرع الله ومحتكمون إلى كتابه وإلى سنة نبيه محمد ﷺ .
وتحدثنا أيضاً عن السقيفة وما دار فيها من أحداث وحوارات.
وتحدثنا عن أرقى عملية انتخاب على وجه الأرض.
وتحدثنا عن مقومات الصديق ﵁ وأرضاه كخليفة، وعن رغبة رسول الله ﷺ في استخلافه وإن كان لمح لذلك ولم يصرّح.
وأخيراً تحدثنا عن الشبهات التي آثارتها بعض طوائف الشيعة، وأثارها المستشرقون والمستغربون بعد ذلك، وفصّلنا في الرد عليها قدر المستطاع.
وبقيت لنا بعض الأمور المتعلقة بهذا الحدث، ولكن آمل أن تكتمل بها الصورة عند الجميع.
وهذه الأمور أربعة: أولاً: الخطبة التي خطبها الصديق ﵁ وأرضاه في اليوم الثاني لمبايعته، وكيف حدد فيها الصديق ﵁ الخطوط العريضة لسياسته في الحكم.
ثانياً: خطة المحاضرات القادمة، وكيف سنكمّل الحديث عن بقية الجوانب الهامة في حياة الصديق ﵁.
ثالثاً: سألني بعض الإخوة عن المراجع التي رجعت إليها في هذا البحث، وإن شاء الله ستكون نقطة من نقاط هذه المحاضرة.
رابعاً: الدروس المستفادة من هذا الحدث الكبير، أو من هذه المجموعة بصفة عامة.
ونبدأ بعون الله وفضله في الأمر الأول وهو خطبة الصديق ﵁ يوم أن بايعه العامة في اليوم الثاني لوفاة الرسول ﷺ .
هذه الخطبة على قصرها وإيجازها كانت بليغة وهادفة جداً، ومحددة لسياسة الصديق ﵁ في الحكم، وشارحة للمسلمين وحكامهم الأصول الصحيحة للحكم في الإسلام والخطبة فعلاً عجيبة، فقد حوت معاني كثيرة جداً في كلمات قليلة جداً، ولذلك فالخطبة أتت في صورة بيان يلقيه زعيم الأمة في يوم استلامه للحكم، تلا فيه قواعد حكمه القاعدة تلو الأخرى.
قال الصديق ﵁ في خطبته بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: أما بعد: أيها الناس! فإني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم.
هذه هي القاعدة الأولى في بيان الصديق ﵁ وأرضاه، وهي المساواة بين جميع أفراد الأمة، وأنه ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى، لا فرق بين الحاكم والمحكوم، ولا فرق بين الوزير والجندي، فالكبر مهلك، سواء الكبر في الحاكم أو الهيئة الحاكمة فإنه يُهلك الأمة بكاملها، والرسول ﷺ عرف الكبر في الحديث فقال: (الكِبر بطر الحق وغمط الناس) بطر الحق: إنكار الحق، وغمط الناس: احتقار الناس، وانظر إلى قوله في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٥ - ٤٧] هذا هو الكبر، فالكِبر: غمط الناس واحتقارهم واستصغار شأنهم، فكانت النتيجة: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [المؤمنون:٤٨] وهذا هو بطر الحق، أنكروا الحق لأنه أتى من قبل غيرهم، فكانت النتيجة النهائية والمحصلة النهائية للأمة: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون:٤٨].
فالكبر مهلك، والصديق ﵁ وأرضاه يضع قاعدة هامة لكل من تولى أمراً للمسلمين: لا تتكبر، فها هو أعظم رجال الأمة على الإطلاق بعد رسولها ﷺ بشهادة
стр. 116
الأحداث التي وقعت في خلافة الصديق ﵁
وبعد هذه الخطبة الجليلة وهذه المبايعة المباركة ستبدأ فترة جديدة في تاريخ الأمة الإسلامية، ستبدأ فترة عظيمة بكل ما تحمله الكلمة من معاني، ستبدأ حياة قصيرة جداً في أيامها طويلة جداً في أعمالها، ستبدأ فترة خلافة الصديق ﵁ وأرضاه، والمدة الزمنية لهذه الفترة هي سنتان وثلاثة شهور فقط، أما الأعمال فلا تكفي القرون لأدائها.
وطبعاً في هذه المجموعة التي نتحدث فيها الآن من المستحيل أن نشرح كل هذه الأحداث، وقد كان الغرض من هذه المجموعة هو التعريف بـ الصديق ﵁ وأرضاه، وبيان مكانته وقدره في المنظور الإسلامي، وكان الغرض منها أيضاً هو شرح ما حدث في سقيفة بني ساعدة وما دار حولها من أحداث، وما ورد على ألسنة المستشرقين والشيعة من شبهات، وكيف يكون الرد عليهم، ولم نتعرض في هذه المجموعة لمعظم الأحداث التي تمت في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه، وليس هذا بالطبع تقليلاً لها ولكن فقط لضيق الوقت، وقد اتفقت مع الإخوة الأفاضل أن ينظموا عدة لقاءات أخرى لشرح ما تم في عهد الصديق ﵁ وأرضاه من أحداث، وقد اتفقنا على جعل ذلك مقسّماً في ثلاث مجموعات من المحاضرات: المجموعة الأولى سنتحدث فيها عن حروب الردة، وسنحاول في هذه المجموعة أن نجيب على التساؤلات الآتية وغيرها إن شاء الله رب العالمين: لماذا ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية؟ وما هي الدوافع وراء هذا الارتداد المهول؟ ولماذا اشتهر بيننا أن الردة كانت فقط بمنع الزكاة مع أن مانعي الزكاة كانوا قلة في المرتدين؟ وهل كان أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه مخالفاً للشورى عندما قرر الحرب ضد المرتدين ولم ينزل على رغبة عموم الصحابة؟ وإن كان مخالفاً فكيف يخالف؟ وإن لم يكن كذلك فما هو التفسير الصحيح لموقفه؟ ولماذا أخرج الصديق ١١ جيشاً إسلامياً في وقت متزامن لحرب المرتدين؟ وهل كانت الحكمة تستلزم ذلك، أم كان من الأفضل أن يُخرج جيشاً قوياً واحداً لحرب فريق من المرتدين، فإذا انتهى منه توجه إلى غيره؟ ومن هم القادة الذين اختارهم الصديق لقيادة هذه الجيوش العديدة؟ وما هو موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة التميمي ومن زوجته؟ وما هي الشبهات التي أُثيرت حول هذا الموقف؟ وما هو الرد عليها؟ وكيف بدأ طليحة بن خويلد حياته مدعياً للنبوة ثم انتهى شهيداً في سبيل الله؟ ومن هو مسيلمة الكذاب؟ وكيف تبعه الناس مع سفاهة كلامه؟ ومن هو الصحابي الذي ارتد وارتد بردته أربعون ألفاً؟ ومن هي سجاح المرأة التي ادعت النبوة؟ وكيف سار وراءها مائة ألف رجل؟ وكيف هُزمت دون قتال؟ وما هو المهر الذي عُرض عليها من مسيلمة ليتزوجها ووصف بأنه أسوأ مهر في التاريخ؟ وما سر هزيمة الجيش الإسلامي الثاني والثالث؟ وكيف انتصر الجيش الإسلامي الأول في معاركه كلها؟ وكيف قُلبت هزيمة الجيش الثاني والثالث إلى انتصار؟ وكيف انتصر الجيش السابع بالدعاء؟ وكيف ثبتت مكة على الإسلام بعد أن كانت على حافة الردة؟ ولماذا لم ترتد القبائل في شمال الجزيرة العربية مع قوتها ورغبتها في الارتداد؟ وما هي دلائل النبوة في ثبات هذه القبائل؟ ومن هو الأسود العنسي؟ وكيف قتل في اليمن؟ وكيف وصف رسول الله ﷺ قتله في ساعة قتله والمسافة بين المدينة واليمن تزيد عن ١٠٠٠ كيلو متر؟ وما هي تفاصيل أشرس موقعة في التاريخ الإسلامي موقعة اليمامة؟ وكيف حارب رجل مسلم بمفرده أربعين ألف مرتد؟ ومن هو الفجاءة؟ ولماذا أمر الصديق بحرقه حياً؟ وكيف انتصر الجيش الثامن على مرتدي عمان مع كثرتهم؟ وما هي الحيلة الذكية التي قام بها الجيش التاسع لقمع الردة في حضرموت؟ وكيف أدار الصديق حروب الردة بعبقرية السياسي وبأخلاق الداعية؟ وأخيراً كيف خرجت الأمة الإسلامية من هذه الحروب الضارية أشد قوة وأقوى بأساً وأثبت قدماً؟ وكيف وضعت الأمة الإسلامية أقدامها على أول طريق المجد؟ وكيف ظهر المسلمون كقوة عالمية جديدة لا يثبت أمامها أحد؟ هذه التساؤلات وغيرها سنرد عليها -إن شاء الله- في المجموعة القادمة.
المجموعة الثانية من المحاضرات الخاصة بخلافة الصديق ﵁ ستتحدث عن بدء الفتح الإسلامي لدولة فارس الكبرى.
وسنتحدث فيها -إن شاء الله- عن العمليات العسكرية الفذة للقائد الإسلامي الجليل خالد بن الوليد ﵁، والتي نتج عنها فتح العراق بكامله تقريباً في عام واحد فقط، وسنتحدث فيها عن تفاصيل كل موقعة من المواقع الخمس عشرة التي قادها سيف الله المسلول خالد بن الوليد والذي لم يُهزم في واحدة منها.
وسنذكر ما هي الخطة العبقرية التي خطها الصديق
стр. 117
أهم المراجع في سيرة الصديق ﵁
النقطة الثالثة في المحاضرة: أحد الإخوة كان يسأل عن أهم المراجع التي رجعت إليها في هذا البحث في قضية استخلاف أبي بكر الصديق وفي التعريف بـ أبي بكر الصديق بصفة عامة.
وفي الحقيقة المكتبة الإسلامية عامرة بالبحوث القيمة والدراسات الرائعة التي تتحدث عن الصديق ﵁ وأرضاه وعن بقية الصحابة ﵃ أجمعين، وكل ما نحتاجه هو أن نفرغ وقتاً مناسباً لدراسة هذه التفصيلات، وأن نعمل بما علمناه عن الصديق ﵁ وأرضاه.
وهذا البحث جاءت فيه آيات قرآنية كثيرة استعنت في تفسيرها غالباً بكتب ابن كثير والقرطبي والظلال، واستعنت ببعض التفاسير الأخرى في مواقف متفرقة.
ومن أهم المراجع في هذا البحث الكتب التي شرحت أحاديث رسول الله ﷺ ، فهناك أحاديث كثيرة للرسول ﷺ ومواقف متعددة للصديق ﵁ وأرضاه جاءت في كتب الحديث، جاءت في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم وفي سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد بن حنبل وسنن البيهقي وموطأ مالك وغيرها.
وأهم الشروح التي رجعت إليها هي فتح الباري في شرح صحيح البخاري لـ ابن حجر ﵀، وهو من أهم المصادر لحياة الصديق ﵁ وأرضاه، مع أن البحث فيه متعب قليلاً ما؛ لأنك تضطر أن تبحث بحثاً كاملاً عن كل الأحاديث التي جاءت في حق أبي بكر الصديق ثم تنظر إلى الشرح في هذه الأحاديث مفرقة بين كل صفحات الكتاب، لكنه من أروع ما كُتب عن الصديق ومن أوثق ما كُتب عن الصديق وعن صحابة رسول الله ﷺ .
وأيضاً شرح النووي لصحيح مسلم، وأيضاً عون المعبود في شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، وأيضاً تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي لـ عبد الرحمن مباركفوري.
ومن المراجع الهامة أيضاً في هذا البحث كتاب البداية والنهاية لـ ابن كثير، والكتاب الذي رجعت إليه كان بتحقيق الأستاذ أحمد عبد الوهاب، وكتاب الكامل في التاريخ لـ ابن الأثير، وهناك أيضاً كتاب التاريخ الإسلامي للأستاذ المحقق محمود شاكر ﵀، وهو كتاب قيّم يتحدث عن التاريخ الإسلامي من أول عهد الخلفاء وحتى آخر عهد الدولة العثمانية.
وأيضاً رجعت إلى كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، وكتاب منهاج السنة لـ ابن تيمية ﵀، وهو كتاب هام في الرد على شبهات الشيعة، كذلك أيضاً كتاب العواصم من القواصم لـ ابن العربي، وهو أيضاً للرد على الشبهات، وهناك أيضاً كتاب للرد على الشبهات وهو كتاب أباطيل يجب أن تُمحى من التاريخ للدكتور إبراهيم شعوط.
كذلك استعنت بمجموعة ضخمة من الكتب التي تحدثت عن الصديق ﵁ وأرضاه، ومن هذه الكتب كتاب: أبو بكر الصديق شخصيته وعصره للدكتور الصلابي، وهو كتاب طيب جداً ومنظم ومرتب.
ومنها كتاب عبقرية الصديق للعقاد استفدت منه بعض التعليقات على بعض المواقف في حياة الصديق.
وأيضاً أخذت بعض التعليقات من كتاب استخلاف أبي بكر للدكتور جمال عبد الهادي.
وكذلك استفدت من مجموعة هامة من الكتب التي تحدثت عن حياة الخلفاء الأربعة مثل كتاب: الخلفاء الراشدون للدكتور عبد الوهاب النجار ﵀، وكتاب إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء للشيخ محمد الخضري.
وأيضاً أخذت ما ذُكر عن الصديق في الكتب التي تحدثت عن عموم الصحابة، مثل كتاب صفة الصفوة لـ ابن الجوزي وكتاب حياة الصحابة للكاندهلوي وغير ذلك من الكتب.
وكتب السيرة في غاية الأهمية في هذا الموضوع، وأهم الكتب التي رجعت إليها من كتب السيرة النبوية الرحيق المختوم للمباركفوري والسيرة النبوية لـ ابن هشام، وكتاب الأساس في السنة، وهذا كتاب في الحقيقة في منتهى الروعة فهو كتاب قيم جداً ومحقق للأستاذ سعيد حوى ﵀.
بالإضافة إلى كتب الفقه والأحكام حسب الحاجة، مثل كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، ونيل الأوطار للشوكاني.
وهناك مواقف أخرى عابرة للصديق أخذتها من كتب الرقائق والأخلاق والعقيدة والسياسة الشرعية وغيرها.
هذه كانت أهم المراجع
стр. 118
الدروس المستفادة من سلسلة الصديق
ونأتي إلى النقطة الرابعة وهي من أهم النقاط في هذه المجموعة بكاملها وهي: الدروس المستفادة من هذه المجموعة، لا شك أن كل الحضور لهم تعليقات كثيرة واستنبطوا دروساً علمية، ودروس الصديق -كما قلنا- لا تنتهي فعلاً، لكن هنا لضيق الوقت فقط أشير إلى بعض الدروس والتعليقات، وأترك المجال لكم للزيادة عليها حسب ما رأيتم، وأسأل الله أن ينفعنا وينفعكم بما علمناه من حياة هذا الرجل الجبل، ومن دراسة هذا الحدث الجليل، حدث استخلاف الصديق ﵁ وأرضاه، وقصة سقيفة بني ساعدة.
أعددت لكم من هذه الدروس والتعليقات عشرة دروس:
стр. 119
فلاح الأمة ونجاحها في اتباع الكتاب والسنة
الدرس الأول: لا فلاح ولا نجاح لهذه الأمة في الدنيا والآخرة إلا باتباع القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ ، قال : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩] وهذا تحذير واضح عن التفريط في أي جزئية من جزئيات الشرع الإسلامي.
وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذا النهج ولم يخالفوا، ولذلك سبقوا ونجحوا.
ولا معنى لاتباع القرآن دون اتباع السنة، فالصحابة ما كانوا يفرقون بين حكم جاء في كتاب الله وحكم جاء في سنة رسول الله ﷺ ، فما دام قد صح عن رسول الله ﷺ فمن المؤكد أنه لن يتعارض مع القرآن، ومن المؤكد أنه سيكون وحياً من الله ، قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
فالسنة مفصلة لما أجمله القرآن الكريم، والسنة مقيدة لما أطلقه القرآن الكريم، والسنة شارحة لما خفي عن الناس من أحكام القرآن الكريم، بل وأحياناً تأتي في السنة أحكام ليست في كتاب الله ، والمسلمون مأمورون باتباعها كاتباع القرآن الكريم تماماً بتمام.
وعلى سبيل المثال رأينا في هذه المجموعة اتباع الصديق ﵁ وأرضاه لكل أفعال الرسول ﷺ ، رأينا اتباعاً دقيقاً في كل خطوة، ورأينا إنفاذ بعث أسامة بن زيد ﵄ مع تعارضه مع عقول بعض الصحابة، لكن إذا أمر به الرسول ﷺ فلابد أن الخير سيكون في تنفيذه، ورأينا اتباعه لأمره في صلح الحديبية مع اختلاف حسابات البشر عن رؤية الرسول ﷺ ، ثم رأينا بعد ذلك كيف كان الخير في ذلك الأمر.
ورأينا في السقيفة كيف انصاع الأنصار لحديث رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش) وهو ليس من القرآن، لكن الصحابة ما كانوا يفرقون بين قرآن ولا سنة، فالقرآن والسنة مصدران متكاملان للتشريع، ولو ترك المسلمون أحدهما فإنهم سيضلون لا محالة.
جاء في موطأ الإمام مالك أن رسول الله ﷺ قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه محمد ﷺ .
стр. 120
شمول الدين الإسلامي
الدرس الثاني في هذه المجموعة: أن هذا الدين ليس -كما يعتقد البعض- صلاة وصياماً وإيماناً بالله واليوم الآخر فقط، بل الإسلام دين متكامل يهتم بكل جزئية من جزئيات الحياة صغرت أو كبرت فالإسلام فيه شمول عجيب، لا يفسر إلا بكون هذا الدين نزل من لدن عزيز حكيم، وأنه دين يختلف كلية عن تشريعات الأرض والبشر، قال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
جاء في صحيح مسلم أنه دار بين أحد المشركين وبين سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه حوار، وجاء فيه تعجُب المشرك من أن الرسول ﷺ علم المسلمين كل شيء حتى دخول الخلاء! هكذا يقول المشرك لـ سلمان الفارسي، وفعلاً الرسول ﷺ علمهم العقيدة والعبادة والمعاملات بينهم وبين بعضهم، وبينهم وبين الآخرين، وعلمهم القتال، وعلمهم السياسة، وعلمهم التجارة وعلمهم كل فن من فنون الحياة، ثم هو يعلمهم كل شيء في أدق دقائق حياتهم، يعلمهم كيف يكون الرجل في بيته، وكيف يتعامل مع زوجته وأولاده؟ وكيف يتعامل مع والديه وإخوانه وخدّامه؟ وكيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وكيف يغتسل؟ وكيف ينظّف نفسه؟ وكيف يهتم بجسده وهيئته؟ كل هذا أمر لافت للنظر جداً، وقد خاب قوم وخسروا حين قصروا الدين على بعض العبادات فقط وقالوا: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله!! فنقول: أبداً، بل كل شيء في حياتنا يجب أن يكون لله ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ففي هذه المجموعة رأينا كيف اجتمع الصحابة في نضوج كامل ووعي دقيق يدبرون أمر دولتهم ويختارون زعيمهم على طريقة الكتاب والسنة، ويسمعون له ويطيعون بشرط اتباع الكتاب والسنة، ويديرون حياتهم بكاملها في ضوء الكتاب والسنة، هؤلاء الأطهار الذين اشتُهروا بطول القيام والصيام والذكر وقراءة القرآن وجدناهم يحكمون دولتهم، ثم يحكمون الأرض بعد ذلك في حكمة واقتدار، ورأينا هذا الرجل العجيب الصديق ﵁ وأرضاه الذي كان معتاداً على الصيام وعلى عيادة المرضى وعلى شهود الجنائز وعلى إطعام الفقراء رأيناه يقف على المنبر بعد وفاة رسول الله ﷺ وبعد أن بايعه الناس يخطب خطبة متوازنة رائعة بليغة حكيمة، يرسم فيها بوضوح خطوط سياسته وبرنامجه في الحكم.
ثم وجدناه بعد ذلك يعقد مجالس الحرب، ويسير الجيوش، ويفتح البلدان، ويجمع الخراج، وجدناه يضع الخطط العجيبة والتدابير المحكمة في حروبه مع المرتدين، ثم مع فارس والروم بعد ذلك.
وجدناه يهتم ببيت المال وتفيض الخيرات في زمانه على الناس مع كونه في معارك هائلة منذ أن تولى الخلافة وحتى مات، لكنه ترك اقتصاد بلده منتعشاً عظيماً متفوقاً على غيره.
وجدناه مع كل هذا التفوق في مجالات السياسة والحرب والاقتصاد والدعوة والمراسلات والوفود وجدناه لا ينسى أحداً من رعيته.
وجدناه ينزل بنفسه ليرعى العجوز العمياء في بيتها، ويكنس حجرتها ويعد طعامها.
وجدناه يحلب الشاة للضعفاء.
وجدناه ما زال عائداً للمريض متّبعاً للجنازة واصلاً للرحم، مهتماً بأولاده وزوجاته، عطوفاً حنوناً على خدمه فأي شمول؟ وأي كمال؟ وإن كنا رأينا في هذه المجموعة أن الصديق رجل عظيم فأعظم منه ذلك الدين الذي صنع من الصديق صدّيقاً، وأعظم معجزات الإسلام هي بناء الرجال وبناء الأمم، وفي أزمان قياسية ها هي القبائل البدوية المتفرقة والمشتتة والمتحاربة تكون في سنوات معدودات دولة حضارية عظيمة تحكم الأرض بقوانين السماء.
فشمول الإسلام وكماله درس لا يُنسى من دروس التاريخ الإسلامي، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
стр. 121
الشورى في حياة المسلمين
الدرس الثالث والهام في هذه المجموعة: هو قضية الشورى في حياة المسلمين.
والشورى ليست أمراً جانبياً في حياة المسلمين، ولما وصف الله عباده المؤمنين في كتابه كان من صفاتهم الرئيسية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨].
وقد رأينا كيف اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة في اجتماع من اجتماعات الشورى الرائعة يقارعون الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، والدليل بالدليل فإذا اجتمعوا على رأي واتفقوا عليه كان هذا الرأي هو رأي الجماعة الذي لا يُتّبع غيره ولا يُعلن سواه.
وما سمعنا عن رجل خرج من السقيفة وقال: لقد اتفقوا على كذا وكذا بينما كان رأيي كذا وكذا، أو قال: رأيي كان صواباً ولم يأخذوا به.
فالمسلمون بعد الشورى لا يحدثون جيوباً داخلية داخل صفهم، وما سمعنا عن رجل خرج من السقيفة يقول رأياً مخالفاً لما اتفق عليه المسلمون بعد الشورى، وهذا هو عين الصواب.
وأيضاً هناك نقطة أخرى هامة جداً في موضوع الشورى وهي: أن الشورى لا تكون في الأحكام التي جاءت من الله أو من رسوله الكريم ﷺ ، وهذا فرق هائل بين الديمقراطية والشورى.
فالديمقراطية كنظام يقوم على احترام آراء الأغلبية لا شك أنه نظام طيب بهذه النقطة، ويُعتبر من أفضل نظم الحكم في العالم الآن، لكن هناك فارق خطير بينها وبين الشورى وهو المرجعية، فنحن في شرعنا نرجع دائماً إلى الكتاب والسنة، وهم في الديمقراطية يرجعون إلى حكم الشعب فقط، ونحن في شرعنا لا يجوز أن يجتمع الشعب على ما يخالف حكم الله ولا حكم رسوله، وقد رأينا في السقيفة أن الأنصار تم استثناؤهم بالكامل من الترشيح للخلافة لقول رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش)، مع أن الأنصار كانوا يملكون من الحجج والأدلة والبراهين ما يكفي للنقاش والجدال، بل والصراع لشهور وسنوات، ولكن إذا كان الله قال أو إذا كان الرسول ﷺ قال فلا مجال إلا للطاعة، ولا مكان للشورى في هذا الرأي.
إذاً: درس الشورى في هذه المجموعة من أعظم الدروس المستفادة.
стр. 122
اتباع الشرع سعادة في الدنيا والآخرة
الدرس الرابع: هو أن اتباع الشرع لا يضمن سعادة في الآخرة فقط بل يضمن أيضاً سعادة في الدنيا.
فأي الشعوب أسعد: الشعب الذي تتصارع فيه الفرق المختلفة على سلطة وحكم وسيطرة، أم هذا الشعب الذي رأيناه في المدينة المنورة وهو يخرج مطمئناً راضياً سعيداً بالاختيار مع أنهم يمرون بكارثة ضخمة وهي وفاة رسول الله ﷺ وانقطاع الوحي؟ فاتباع الشرع يورث في القلب اطمئناناً إلى جوار الله ، وإلى دفاع الله عن المؤمنين، وهذا ولا شك يورث في القلب سعادة.
واتباع الشرع يزرع في القلب الرضا بما قسمه الله ، والرضا بما حكم الله ، والرضا بما أمر به الله ، وهذا الرضا لا شك يورث في القلوب سعادة.
واتباع الشرع يرسّخ مشاعر الأخوة والألفة والمودة بين المسلمين، ولا شك أن هذا المجتمع المتحاب في الله مجتمع سعيد.
واتباع الشرع يكون سبباً في أن تحل البركة؛ البركة في المال، والبركة في الأرض، والبركة في الجيش، والبركة في الأولاد، والبركة في كل الأعمال، فتجد بركات كثيرة تنهمر على الأمة المتمسكة بكتاب ربها وسنة نبيها محمد ﷺ ، قال : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
أخي في الله! لو رأيت انهياراً في الاقتصاد، وضعفاً في الجيوش، وانحلالاً في الأولاد، وبواراً في الأرض، واحتقاراً من كل صغير وكبير، ومن كل قليل وكثير فاعلم أن هذا عقاب من الله ، قال : ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
فطريق النجاح والرفعة والقوة والصدارة في الدنيا واضح ومعروف، قال : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠] ماذا يحدث لو عدنا إلى ربنا واستغفرناه على ذنوبنا وتمسكنا بشرعنا؟ هل سيدخلنا ربنا الجنة ويمتعنا في الآخرة فقط؟ لا، بل هناك شيء أقرب وجائزة سريعة، قال : ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١١ - ١٢] كل هذا في الدنيا، وفوقه وأعظم منه نعيم الآخرة، فما أكرمه من إله! وما أحكمه من شرع!
стр. 123
اختيار الله لصحابة نبيه ﷺ
الدرس الخامس: هو أن الله كما اختار نبيه محمد ﷺ للرسالة فقد اختار هذا الجيل الذي عاصره للصحبة، وعلى قدر هذا الاصطفاء الجليل يجب أن يكون تقديرنا لهذا الجيل، وليس أبداً كما يقول بعض من قل أدبهم وانعدم حياؤهم: هم رجال ونحن رجال! فهم جيل اختاره الله لحمل الأمانة ولتوصيل الرسالة، ولتعليم الأمة ولنشر الدين، فكما اختار الله جبريل ﵇ لينزل بالرسالة على محمد ﷺ ، واختار الرسول ﷺ ليبلغ الناس بما أراده الله فإنه اختار هؤلاء الأصحاب لكي يسمعوا ويفهموا ويستوعبوا ويتحركوا بهذه الكلمات وهذه الأفعال التي نقلوها عن الرسول الكريم ﷺ ، فخرج هذا الجيل كأرقى ما تكون الأجيال، وصُنع هذا الجيل على عين الله ، فهم ليسوا كغيرهم من البشر.
روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) والمد: ملء الكفين، فلو أن أحدنا ينفق مثل جبل أحد من الذهب فإنه لا يساوي إنفاق أحد الصحابة مثل ملء الكفين فقط، هذا قدرهم وهذه مكانتهم.
وقال الله تعالى في حقهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وطبعاً ليس من المعقول أننا في هذه العجالة سنوفي حق الصحابة، ولكن إن شاء الله أننا سنخصص محاضرة كاملة في ذكر فضل الصحابة، وسنذكرها في مجموعة الفتنة الكبرى بإذن الله، وأسأل الله أن يعيننا على ذلك.
стр. 124
بيان كون الصديق أعظم الأمة بعد النبي ﷺ
الدرس السادس: هو أن الصديق ﵁ وأرضاه هو أعظم رجال هذه الأمة على الإطلاق بعد نبيها محمد ﷺ ، بل هو أعظم أهل الأرض جميعاً بعد الأنبياء، ومن الواضح أننا لم نوف حقه بعد.
ومن الواضح أيضاً أن جل المسلمين لا يعرفون كثيراً عن حياة الصديق ﵁ وأرضاه، وقد يكون ذلك لقصر مدة حكمه ﵁، ولكن هذا ليس مبرراً أبداً لغفلتنا عن سيرة حياة هذا العملاق.
وقد تعرضنا في هذه المجموعة لجوانب محدودة في حياته ﵁، ولكنا رأينا فيها العجب، فكيف بنا بعد أن نعلم خطواته في حروب الردة وفارس والشام؟ لا شك أن دراسة تاريخ الصديق وأمثاله من عظماء المسلمين ستضرب أروع القدوات لنا ولأبنائنا من بعدنا، وخاصة أننا في زمان لا تعدو فيه قدوة كثير من أبنائنا على أن تكون لمطرب شرقي أو غربي، أو لكاتب علماني، أو لرجل لا يملك من مقومات النباهة إلا المال.
فماذا يعرف أبناؤنا عن الصديق؟ وماذا يعرفون عن عمر وعن عثمان وعن علي ﵃ أجمعين؟ وماذا يعرفون عن حمزة وعن خالد وعن القعقاع وعن الزبير؟ وماذا يعرفون عن موسى بن نصير وعن يوسف بن تاشفين وعن نور الدين محمود وعن صلاح الدين الأيوبي؟ لا يكفي هنا أن يعرف اسمه وسطراً عن حياته أبداً، بل نريد معرفة كاملة لمناهج هؤلاء في حياتهم، وكيف وصلوا إلى أعلى درجات المجد في الدنيا؟ ونسأل الله أن يكونوا جميعاً من أهل الجنة، ولا شك أن تاريخ هؤلاء الأبطال سيكون خير معين لنا على إصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا.
стр. 125
أهمية دراسة التاريخ الإسلامي
الدرس السابع: دراسة التاريخ بصفة عامة والتاريخ الإسلامي بصفة خاصة تعتبر من الأساليب التي يتحتم على المسلمين أن يأخذوا بها إذا أرادوا القيام من جديد، وإذا رغبوا في إصلاح ما فسد من أحوالنا.
وكما ذكرنا من قبل فإن الله جعل قريباً من ثلث كتابه العظيم القرآن قصصاً وتاريخاً، ولا شك أن هذا هو الأسلوب الأمثل لتربية الناس، ولابد أن تشتمل مناهجنا التربوية على جوانب ضخمة من التاريخ، فثلث المناهج يجب أن يكون تاريخاً، ولابد أن نقدمه بصورة شيّقة لطيفة يقبلها الصغير والكبير، ويقبلها الرجل والمرأة، ويقبلها المتخصص والعامي.
ولابد أيضاً أن ندرس التاريخ بأسلوب هادف يقوم بالأساس على استخلاص العبرة وعلى تربية الشعوب، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] فلا يكفي أن نسرد الأحداث سرداً، بل لابد من تحليل كل نقطة، ولابد من استعراض تفاصيل كل موقف، ولابد من الوقوف على المسببات والنتائج، ولابد من ربط التاريخ في أي فترة من فتراته بسيرة الرسول ﷺ وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ولابد أيضاً من ربط التاريخ بواقعنا المعاصر، فعندها يصبح التاريخ حياً ينبض يُصبح التاريخ دليلاً يقود إلى المستقبل، ويُصبح التاريخ واقياً من الوقوع في الزلات والعثرات، ويُصبح أيضاً دافعاً للقيام بعد النكبات والسقطات.
هذا هو التاريخ الذي نريده، ولا نريد أن نقف في التاريخ على توافه الأمور وسفاسفها، بل نريد التاريخ الذي ينبني عليه عمل، ويستخرج منه عبرة، ويُهتدى بدراسته إلى طريق.
стр. 126
سنة الله في وجود أعداء للدين إلى قيام الساعة
الدرس الثامن: أنه سيظل لهذا الدين أعداء إلى أن تقوم الساعة، وهذه سنة من سنن الله ، وسيظل الصراع بين الحق والباطل، وسيظل التزييف والتزوير والتحريف والتبديل من أقوى أسلحة الباطل، ولا يُعذر المسلمون الصادقون بالجهل في مثل هذه المواطن.
وهذه حرب صريحة معلنة ولا بد من الاستعداد لها، فكما زوروا وحرّفوا لابد أن يوجد من يصحح ويعدل، فتشويه الإسلام يحدث من أول أيام البعثة النبوية الشريفة، فقد قال الكافرون على رسولنا الكريم ﷺ أقوالاً ما كانوا هم أنفسهم يصدّقونها، قالوا: ساحر، وقالوا: كاهن، وقالوا: شاعر، وقالوا: مجنون، لكن كان التوضيح والتعديل والتبيين مسايراً لهذا التزوير، بل ومتفوقاً عليه، فوقف الإسلام على قدميه، ومرت الأيام ودارت دورات التاريخ وظهر من يطعن في نزاهة الصحابة وفي أصول الدين، ظهرت فرق كثيرة ضالة أشاعت أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، وتصدى لها من المسلمين علماء أجلاء دافعوا عن الدين، ودافعوا عن رجاله، ثم ظهرت حركة الوضع في الأحاديث النبوية والافتراء على رسول الله ﷺ ، وتعمّد الكذب عليه فظهر علماء الجرح والتعديل، وظهر علم الرجال، ونخلوا الأحاديث نخلاً فصححوا الصحيح، وحسّنوا الحسن، وضعّفوا الضعيف، واستبان المسلمون بذلك أمرهم، واهتدوا إلى الصراط المستقيم.
ثم ها هي حملة الاستشراق وحملة العلمانية وحملة الجهّال الذين يتكلمون في الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ها هي تتناول تاريخ الإسلام ورجال الإسلام ودين الإسلام بكل ما هو قبيح وشنيع، ولابد للمسلمين الصادقين من وقفة كوقفة أسلافهم، فالدفاع عن تاريخ الإسلام وعن رجال الإسلام دفاع عن الدين، وعلى قدر جهد وفكر وإنفاق وإعداد المحاربين لهذا الدين لا بد أن يكون جهد المسلمين أو يزيد، ليس هذا هو جهد العلماء فقط، بل هو جهد الآباء والمدرسين وأساتذة الجامعات وأئمة المساجد والدعاة إلى الله ، والمتعلمين بصفة عامة، قال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية)، وقال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب مبلّغ أوعى من سامع)، وقال: (من كان عنده علم فليظهره، ومن وصل إليه علم فليصل به إلى غيره)، قال : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
стр. 127
عظم مقام الخلافة
الدرس التاسع: أن مقام الخلافة مقام عظيم.
رأينا اهتمام الصحابة بأمر الخلافة بصورة لا يتخيلها العقل، فمصيبة موت رسول الله ﷺ هي أعظم مصيبة مرت بهم وبأمة الإسلام، ومع ذلك فإن هذه المصيبة على فداحتها لم تثنهم عن اختيار الخليفة في نفس اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، وقد سئل سعيد بن زيد ﵁: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله ﷺ ؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة.
فانظر إلى فهم سيدنا سعيد بن زيد ﵁ وقوله: كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة.
فالفرقة من أشد عوامل انهيار الأمم، وإنها طامة كبرى أن تتفرق الأمة الإسلامية إلى أكثر من ستين جزءاً، فمنذ أن أسقط الغرب واليهود الخلافة العثمانية وهم يزرعون في أعماقنا عن طريق التعليم والإعلام أن التجمع الأمثل للناس لا يكون إلا على أساس القوميات: عربي وكردي وبربري وباكستاني وغيره، ثم العرب: مصري وسوري وسعودي وأردني وفلسطيني وهكذا، والأصل الذي نسيه المسلمون أن التجمع في الإسلام لا يكون إلا على الإسلام.
وقد رأينا في هذه المجموعة كيف تجمع المسلمون من قبائل شتى ومناطق مختلفة على رباط واحد فقط، وهو رباط العقيدة والإسلام، مع أنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية، وقريبي عهد بقبلية، لكن لا تصلح هذه الأمة بغير هذا، ونحن مع أننا مكثنا قروناً نتجمع على الإسلام إذا بنا نُصاب بغزو فكري في سنوات معدودات فيُهدم في داخلنا صرح بناه الأقدمون بجهد وعرق ودماء.
روى الإمام مسلم والنسائي وأحمد عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه -واللفظ هنا لـ مسلم - قال: قال رسول الله ﷺ : (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية).
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: إنه مات على صفة أهل الجاهلية من حيث هم فوضى لا إمام لهم، فأهل الجاهلية هكذا فوضى لا إمام لهم.
ثم قال رسول الله ﷺ : (ومن قاتل تحت راية عمّية) (أو عُمّية) والروايتان صحيحتان، قال أحمد بن حنبل ﵀ يفسّر كلمة عمّية أو عُمّية: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، أي: الرجل الذي لا يدري لأي سبب يقاتل ولأي هدف يقاتل، ثم يكمل رسول الله ﷺ فيقول: (ومن قاتل تحت راية عمّية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية) أي: أن القتال للقومية والعصبية والعائلة والقبيلة وليس للإسلام ما الذي سوف يحدث لمن يقاتل من أجل هذا؟ قال رسول الله ﷺ : (فقُتل فقتلة جاهلية) نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يجمع المسلمين تحت راية واحدة راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 128
دور التربية في بناء الأمم والشعوب
الدرس العاشر والأخير: دور التربية في بناء الأمم والشعوب.
لا أعتقد أن أحداً من الممكن أن يقبل بما حدث في السقيفة إلا إذا كان على درجة عالية راقية من التربية، فالجهد الضخم الذي بذله رسول الله ﷺ في تربية هذا الجيل سواء في فترة مكة أو في المدينة لم يصبح هباء منثوراً بموته ﷺ أبداً، فمعجزة هذا الدين هي بناء الرجال، وليس من السهل أبداً أن يتنازل رجل مثل سعد بن عبادة عن الخلافة وهو يقف في عشيرته وسقيفته ومدينته، وليس من السهل أن يفزع الفاروق من الخلافة فيبعدها عنه إلى الصديق ﵁، وليس من السهل أن يتمنى الصديق ﵁ أن لو حمل الأمر رجل غيره وكفاه تبعات الأمانة الثقيلة، وليس من السهل أن يتسابق الأنصار على بيعة قرشي، وليس من السهل أن يقبل أهل المدينة جميعاً وأهل الإسلام جميعاً برجل واحد دون اعتراض ولا تمرد.
هذا كله نتاج تربية، ولن يأتي هذا من فراغ ولن ينزل عليهم الورع فجأة.
وإذا أردنا أن نكون مثلهم فلابد من تربية جيل يعرف قيمة الدنيا ويزهد فيها، ويعلم قيمة الآخرة ويرغب فيها، لابد من تربية جيل يقدم رضا الله على هوى نفسه، ويستجيب لشرع الله وإن تعارض مع مصلحته ورأيه، ولابد من تربية جيل يتنازل لأخيه عن أشياء يعتقد أنها قد تكون من حقه لا يتنازل عن ذلك إلا لله، ولا يرغب من وراء ذلك إلا رضا الله وجنته.
إن رُبي هذا الجيل فسيصبح أمر الخلافة والصدارة والمجد أمراً يسيراً إن شاء الله، وإنه ليسير على من يسره الله عليه.
كانت هذه دروساً عشرة أسأل الله أن ينفعني وينفعكم بها، وأن يجعلها في ميزان حسناتنا أجمعين.
وختاماً: فوداعاً يا صديق! ووداعاً يا خير الناس! بعد رسول الله ﷺ .
وداعاً يا صاحب! وداعاً يا خليفة! فكم من اللحظات السعيدة مرت علي وأنا أقرأ عن الصديق! وكم من الأيام والليالي مرت كدقائق قليلة وأنا أعيش معه في مكة والمدينة! وأكاد أجزم أني أراه وأعرفه، ووالله! يا صديق! إني أحُبك في الله، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً معك في الفردوس الأعلى مع حبيبك وحبيبنا محمد ﷺ .
стр. 129
كلام علي بن أبي طالب في أبي بكر الصديق ﵄
وأختم كلامنا بكلام قاله علي بن أبي طالب ﵁ يوم مات الصديق ﵁، يوم ارتجت المدينة لفراقه، ويوم أن أقبل علي بن أبي طالب ﵁ إلى بيت الصديق مسرعاً باكياً مسترجعاً، ووقف والناس حوله يقول: رحمك الله يا أبا بكر! كنت إلف رسول الله، وأنيسه ومستراحه، وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم يقيناً، وأشدهم لله يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناءً في دين الله، وأحوطهم على رسول الله ﷺ ، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله ﷺ هدياً وسمتاً، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه فجزاك الله عن الإسلام أفضل الجزاء، صدّقت رسول الله ﷺ حين كذّبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سمّاك الله في تنزيله صدّيقاً، فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]، وآسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين عنه قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين، صاحبه في الغار، والمنزّل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسنت الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ وهنوا، وكنت -كما قال رسول الله ﷺ ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله تعالى، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس، كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، الغريب والبعيد عندك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم، شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله فسبقت والله! سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك إتعاباً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمره، والله! لن يُصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبداً، كنت للدين عزاً وحرزاً وكهفاً، فألحقك الله بنبيك محمد ﷺ ، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.