← Тараджим

Тараджим · id 37379

الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق

راغب السرجاني

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فتنة الردة بعد موت النبي ﷺ ومع كل هذه الفتن لم تكن هذه هي الفتن الوحيدة الموجودة في هذه الفترة، بل كان هناك فتن أخرى عظيمة وخطيرة، فالأعداد المهولة التي دخلت في الإسلام حديثاً لم تتلق تربية كافية في محضن الرسول ﷺ ، بل إن كثيراً منهم دخل الإسلام طمعاً في المال والثراء، كطائفة المؤلفة قلوبهم، فقد ألف رسول الله ﷺ قلوبهم بالمال والغنائم حتى يدخلوا في الإسلام. وتعالوا نراجع بعض الأرقام: كان فتح مكة سنة (٨) من الهجرة، فتح مكة (١٠. ٠٠٠) مؤمن بقيادة الرسول ﷺ ، وبعدها بقليل كانت حنين والطائف، وكانت الغنائم وفيرة جداً، وأعطى رسول الله ﷺ رءوس القوم، وأعطى عوام الناس، وأعطى وأعطى حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، ذكر ذلك ربنا في كتابه الكريم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]. وبعد فتح مكة بحوالي سنة واحدة فقط كانت غزوة تبوك سنة (٩) من الهجرة، وكان جيش المسلمين (٣٠. ٠٠٠) مسلم غير المنافقين الذين تخلفوا عن الغزو، فتضاعف الرقم من سنة (٨) هـ إلى (٩) هـ ثلاث مرات، وهو تضاعف كبير في هذه الفترة الوجيزة. وأعجب من ذلك في حجة الوداع سنة (١٠) من الهجرة بعد غزوة تبوك بسنة واحدة حدث تضاعف مهول في عدد المسلمين، حيث حج مع رسول الله ﷺ أكثر من (١٠٠. ٠٠٠) مسلم، هذا غير عشرات الآلاف من الذين دخلوا الإسلام في قبائلهم البعيدة عن المدينة ولم يسعدوا برؤية الرسول ﷺ . هذه الآلاف المؤلفة من المسلمين الذين ارتبطوا بالإسلام فقط منذ شهور ولم يسمعوا من رسول الله ﷺ إلا الكلمات القليلات، وبعضهم لم يره أصلاً، وبعضهم دخل لأجل المال، وبعضهم دخل لأجل الخوف من القوة الإسلامية الناشئة، وكلهم حديث عهد بجاهلية وإشراك. هذه العوامل جميعاً وغيرها جعلتهم على خطر عظيم وبالذات إذا وصل إليهم نبأ وفاة الرسول ﷺ . ترى ماذا سيكون رد فعلهم؟ أتراهم يتشككون في أمر الرسالة؟ أتراهم يعتقدون أن الخروج عن جماعة المسلمين أصبح أمراً ميسوراً؟ أتراهم يرتدون على أعقابهم ويعودون إلى جاهليتهم وشركهم؟ كل هذه الاحتمالات واردة، ولا شك أن الصحابة في المدينة كانوا يفكرون في هؤلاء القوم، ويتسمعون أخبارهم، ويخافون من ردتهم عن الإسلام، هذه المشاعر المتزاحمة من قلق وخوف وتربص وحيرة زادت الأزمة في المدينة تفجراً واضطراباً، ولا شك أن هذا زاد من ظلمة المدينة بعد غياب النور المبين محمد ﷺ . إنها فتنة مظلمة أخرى تحيط بالصحابة، فتنة الردة الفعلية لبني حنيفة ولأهل اليمن، وقد جاءت الأنباء قبل وفاة رسول الله ﷺ بظهور من يدعي النبوة في هذه البلاد، فقد ظهر مسيلمة الكذاب في بني حنيفة في اليمامة شرق الجزيرة، وظهر في اليمن الأسود العنسي، وتبع هذا وذاك آلاف مؤلفة قبلية وعصبية وجهل وشك وكبر وسفه، تبع مسيلمة وحده ما يزيد على، (٤٠٠٠٠) مرتد، هؤلاء كانوا مع مسيلمة الكذاب قبل وفاة رسول الله ﷺ ، وهؤلاء مرتدون بالفعل، ومن المؤكد أنهم يتربصون بالمدينة الدوائر، ومن أدرى الصحابة أنهم لا يعدون العدة لغزو المدينة ولاستئصال الإسلام من جذورة، فهذا خطر داهم، لا شك أن الصحابة كانوا يترقبونه.

стр. 72

الفتن التي كانت تحيط بالمدينة النبوية بعد موت النبي ﷺ أضف إلى هذا كثرة المنافقين بالمدينة المنورة، فإنه منذ أقل من عامين كانت هناك أعداد ضخمة من المنافقين يسكنون المدينة أيام تبوك، ولا شك أنهم يتزايدون مع زيادة قوة الإسلام، ولا شك أنهم ينتظرون الفرصة للانقلاب على الإسلام والمسلمين، وقد أرادوا قتل الرسول ﷺ قبل ذلك ولكنهم فشلوا، وهاهو رسول الله ﷺ قد مات، وهذه مصيبة عظيمة، ولا شك أن سعادتهم بهذه المصيبة كبيرة، قال : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]. فيا ترى ماذا سيفعل المنافقون؟ سؤال يتردد في أذهان الصحابة ولا شك. ثم هل هذا هو كل الشر الذي يتربص بالمدينة؟ أبداً، فكم من الأعداء يتربص؟ وكم من الكارهين يترقب؟ فالفرس دولة عظمى مجاورة، وقد كان بين رسول الله ﷺ وبين ملكها كسرى مراسلات يعرض فيها رسول الله ﷺ عليه الإسلام، لكن أبى كسرى فارس، بل ومزق رسالة رسول الله ﷺ . ثم إن رسول الله ﷺ قد ضم إلى دولة المسلمين قبل أن يموت منطقة اليمن وكانت تتبع دولة فارس، ثم إن رسول الله ﷺ فوق ذلك أدخل في الإسلام حكام اليمن الفارسيين وانتزع من كسرى فارس هذه المنطقة وأهلها، فيا ترى ماذا سيفعل كسرى فارس بعد هذه المصيبة التي حلت على المسلمين؟ أتراه يعيد الكرة في احتلال اليمن؟ أم يفكر فيما هو أبعد من ذلك ويغزو المدينة ومكة؟ أسئلة بلا إجابة. وهكذا الروم الدولة العظمى الأخرى على الساحة العالمية في ذلك الزمن كانت تحتل كامل الشام وآسيا الصغرى، بالإضافة إلى شرق أوروبا بكاملة إنها دولة ضخمة مهولة على رأسها قيصر الروم هرقل، ودولة الروم العظمى لها تاريخ مع دولة الإسلام الناشئة في المدينة. وقد أرسل رسول الله ﷺ رسالة إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وهرقل مال قلبه إلى الإسلام لكن منعه قومه ودفعوه إلى الكفر برسول الله ﷺ ، وليس هذا فقط، بل دفعوه أيضاً إلى تحريض قبائل غسان العربية في الشام على المسلمين ومن ثم قتل بعض رسل المسلمين المبعوث إلى تلك المناطق، وغرق بذلك هرقل في مستنقع الكفر، وهكذا بطانة السوء ومن رضي ببطانة السوء. ونتيجة هذا الإعراض عن الرسالة وهذا التحرش بالمسلمين نتجت موقعتان بين المسلمين والروم، نتجت معركة مؤتة في سنة (٨) من الهجرة، وهذه كانت معركة عجيبة ثبت فيها المسلمون بثلاثة آلاف مقاتل أمام (٢٠٠. ٠٠٠) من الروم المقاتلين، وقتل من المسلمين زعماؤهم الثلاثة. ثم استطاع خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه بتكتيك رائع أن ينسحب بجيشه دون هزيمة من الروم، بل إن التحليل الصادق للمعركة يثبت فرار الروم وخشيتهم من الجيش الإسلامي، وما حدث من فرار لبعض المسلمين حتى وصلوا إلى المدينة لم يكن إلا من طائفة محدودة. لكن بصرف النظر عن أي شيء فقد تراءى للروم ثبات المسلمين وخطورتهم، وعلموا أن بأسهم شديد وقتالهم شرس. ومرت سنة واحدة على مؤتة وجاء ما هو أعظم، فحشد المسلمون ثلاثين ألفاً من المقاتلين الأشداء في غزوة تبوك العظيمة سنة (٩) من الهجرة، ومع قلة إمكانيات المسلمين المادية من سلاح ومؤنة إلا أن معنويات الجيش كانت مرتفعة جداً، وتحركت الجموع الإسلامية إلى مسافات بعيدة جداً عن المدينة دونما وجل ولا خوف، وفر الجيش الروماني وأعوانه من نصارى الشام العرب أمام الجيش الإسلامي. ولا شك أيضاً أن الرومان قد سمعوا بأنباء بعث أسامة بن زيد ﵄ والذي جهزه رسول الله ﷺ قبل وفاته بقليل حتى يغزو الشام ويقاتل الروم والقبائل المناصرة لها، ولا شك أنهم يعلمون أن الجيش الإسلامي ما زال رابضاً في المدينة بعد خبر وفاة رسول الله ﷺ ، فماذا سيكون رد فعل الرومان والقبائل المتحالفة معهم أمام هذا الحدث؟ أتراهم يستغلون الفرصة ويهاجمون المدينة حيث إن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؟ هل يستغلون انشغال المسلمين بالمصيبة الكبيرة ويحالفون عدداً أكبر من القبائل ويحاصرون الجيش الإسلامي في المدينة قبل خروجه؟ أم تراهم سينقلبون على القبائل المسلمة في شمال الجزيرة العربية؟ لا شك أن الروم سيتربصون بالمسلمين، وجذور العلاقة توحي بأن ذلك سيكون قريباً، فكيف يتعامل المسلمون مع هذا التوقع؟ سؤال يحتاج إلى إجابة. واليهود ماذا سيكون رد فعلهم بعد أن يعلموا بخبر وفاة رسول الله ﷺ ؟ إن جذور العداء تاريخية مع اليهود، ومن أول يوم سمعوا فيه بأمر الرسالة وهم يكيدون لها، وحاولوا من قبل قتل رسول الله ﷺ ، وقلوبهم تغلي بالحقد على المسلمين، وكراهيتهم للإسلام والمسلمين ثابتة في كتاب الله، وستظل الكراهية موجودة بين الفريقين إلى يوم القيامة،

стр. 73

أهمية سرعة اختيار خليفة بعد موت النبي ﷺ في هذا الموقف المعقد والمتشابك والمدينة المنورة كالسفينة الصغيرة في بحر لجي هائج تتلاطمها الأمواج العاتية وقد مات قبطانها، في هذا الموقف الرهيب الفريد أين النجاة؟ أين النجاة؟ بتحليل الموقف نجد أنه لا نجاة إلا باختيار سريع وسريع جداً لخليفة يخلف رسول الله ﷺ في حكم الدولة الإسلامية، وفقدان الخلافة أو ضياع الخلافة كارثة مهولة، فالخلافة والخليفة كالخيط ينتظم حبات العقد في عقد واحد جميل، وبغير هذا الخيط ستضيع الحبات لا محالة، ولا يشفع للحبات هنا كونها جميلة أو براقة، كذلك أمة الإسلام إذا غاب منصب الخلافة فلن يجتمع المسلمون وإن كانوا صالحين، بل سيكونون فرقة هنا وفرقة هناك، وقبيلة هنا وقبيلة هناك، ودولة هنا ودولة هناك، وستظل الفرقة في غياب الخلافة، وهذه هي مصيبتنا العظمى في زماننا الآن، فقد غابت الخلافة وآخرها كانت الخلافة العثمانية، فتفرق المسلمون، حتى وإن كانت الخلافة ضعيفة فهي واجبة؛ فالاجتماع على ضعف خير من التفرق على قوة، وهذا أمر عام في كل حياة المسلمين، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل كانت البركة والقوة، وإذا تفرقوا كان الفشل والضعف. ورسول الله ﷺ يلفت النظر إلى ذلك حتى في أدق الأمور، روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم). والصحابة الكرام أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء وخير القرون في هذه الأمة يفقهون هذه الحقائق بوضوح، ويعلمون مدى الخطورة المنتظرة لأي تأخير في اختيار هذا الخليفة مهما كان اسمه. لذلك قام الصحابة الكرام بمشروع أحسبه من أرقى وأجل المشاريع الحضارية في التاريخ، إنه مشروع اختيار الخليفة والقائد والربان للسفينة في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ مع كل الأحزان والهموم والآلام، إذ لابد أن تسير الحياة ولا تتوقف لموت بشر أو زعيم وإن كان رسول الله ﷺ ، إنه فقه واسع وعلم غزير، فماذا حدث في هذا اليوم (١٢) من ربيع الأول من (١١هـ)؟

стр. 74

ذكر بعض فضائل الأنصار اجتمع الأنصار أوسهم وخزرجهم لاختيار خليفة للمسلمين من بينهم، اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وسقيفة بني ساعدة هي الدار التي اعتادوا أن يعقدوا فيها اجتماعاتهم الهامة، فرأى الأنصار أن الخليفة لابد أن يكون منهم؛ لاعتبارات كثيرة، ولذلك سارعوا إلى هذا الاجتماع الطارئ. هذا الموقف لابد وأنه سيثير أسئلة كثيرة في الذهن، وقد تسأل هذه الأسئلة بحسن نية؛ وذلك للمعرفة والفقه والاستفادة، وقد تسأل بسوء نية؛ للطعن والكيد والنيل من الصحابة ومن دولة الإسلام. يبرز من هذه الأسئلة في هذا الموقف سؤالان هامان ركز عليهما المستشرقون وأتباعهم من العلمانيين سواء من أبناء الغرب أو الشرق أو من أبناء المسلمين، هذان السؤالان الغرض منهما الطعن في الأنصار، وسيتبع السؤالان لا محالة بأسئلة أخرى للطعن في المهاجرين وبقية الصحابة. السؤال الأول: كيف تحرك الأنصار لاختيار خليفة في نفس يوم وفاة رسول الله ﷺ ؟ أليس في قلوبهم حزن على نبيهم؟ يقول المستشرقون: إن الأنصار أرادوا الدنيا ورغبوا فيها وحرصوا عليها فتسارعوا إليها، ولم يردعهم المصاب الفادح الذي ألم بهم، وهذا السؤال أيضاً قد يتردد في أذهان بعض المؤمنين. السؤال الثاني: لماذا أراد الأنصار الاستئثار بالخلافة دون المهاجرين، وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة لترشيح رجل منهم؟ والحقيقة قبل أن نخوض في الإجابة عن هذين السؤالين الهامين جداً أود أن أقدم بتعريف للأنصار، فمن هم الأنصار؟ يبدو أن كثيراً من المسلمين لا يدركون قيمة الأنصار، والأنصار طائفة من المؤمنين اتصفت بصفات عجيبة، ومرت بمراحل تربوية معينة أنتجت في النهاية جيلاً من الرجال والنساء والأطفال من المستحيل أن يتكرروا في التاريخ بهذه الصورة، وفعلاً الأنصار ظاهرة فريدة؛ اتصفوا بصفات خاصة ظلت ملازمة لهم منذ أن أصبحوا أنصاراً، ومروا بهذه الصفات بكل مواقفهم، إلى أن انتهى الأنصار من المدينة، فالأنصار نسمة رقيقة حانية أقبلت على دولة الإسلام فأصابت من بركتها وخيرها على الأمة، ثم مضت النسمة ولم تأخذ شيئاً لنفسها، سبحان الله! الأنصار قدموا وقدموا وقدموا ولم يأخذوا شيئاً، وكلما جاءت الفرصة ليأخذوا يجعل الله أمراً آخر فيخرجون بلا شيء، يخرجون راضين بلا سخط ولا ضجر وكأن الله أراد أن يدخر لهم كامل الأجر، ولا يعجل لهم شيئاً في دنياهم، إنهم الأنصار وما أدراك ما الأنصار؟ روى البخاري عن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)، هذا حديث يلخص كل المسألة. فلابد أن يعرف المسلمون قدر الأنصار قبل أن يخوضوا في أعراضهم، فالقضية قضية إيمان ونفاق، وقضية حب الله لعبد وبغض الله لعبد آخر، فالحذر الحذر من أي شبهة تغير على المؤمنين قلوبهم. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار). وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: اللهم أنتم من أحب الناس إلي) قالها ثلاثاً. وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ للأنصار: (موعدكم الحوض)، وغير ذلك كثير من الأحاديث، وسيأتي -إن شاء الله- في أثناء المحاضرات أحاديث أخرى في حقهم. هذا الحب العظيم من رسول الله ﷺ للأنصار ومن الأنصار لرسول الله ﷺ جعل الصحابة جميعاً يجلون الأنصار ويقدرون قيمتهم، روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر فكان يخدمني، وجرير بن عبد الله من أشراف قبيلة بجيلة ومن أعلام العرب، وكان له شأن كبير في الجزيرة قبل وبعد الإسلام، وفوق هذا فهو أسن وأكبر كثيراً من أنس بن مالك، هذا كله دفع أنس بن مالك أن يستنكر، ويستغرب، فقال أنس: لا تفعل، أي: كيف تخدمني؟ فقال جرير: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته. وأنس من الأنصار، فإذاً: يخدمه جرير الشريف ﵃ أجمعين، هكذا هو وضع الأنصار وهذه هي قيمة الأنصار وسط الصحابة. هذا التكريم والتبجيل من رسول الله ﷺ ومن الصحابة للأنصار لم يأت من فراغ، وإنما أتى لنوايا صادقة من الأنصار وأعمال متواصلة وأخلاق حسنة، ولو نظرت إلى تاريخ الأنصار وإلى حال الأنصار لوجدت صفة أساسية تمثل ركيزة في بناء الأنصاري، فكل أنصار

стр. 75

الرد على من طعن على الأنصار في سرعة اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم ونعود إلى السؤالين اللذين طرحناهما بخصوص ذهاب الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم. السؤال الأول: كيف أسرعوا إلى ذلك ولم ينظروا إلى مصيبة وفاة رسول الله ﷺ ؟ يقول المستشرقون: إنهم لم يحزنوا حزناً كافياً، ولذلك ألهتهم الدنيا عن المصاب الفادح. وللرد على هذه الشبهة نقول: أولاً: المستشرقون لا يدركون هذه الخلفية التي ذكرناها عن طبيعة الأنصار، أو لعلهم يدركونها ويتجاهلونها عن قصد وعمد، فرسول الله ﷺ نزههم عن طلب الدنيا، بل نزههم عن ذلك ربهم بقرآن باقٍ إلى يوم القيامة، فإذا تغير منهم رجل أو رجلان فمن المستحيل أن يتغيروا جميعاً أو أن يجتمعوا على حب الدنيا. ثانياً: المستشرقون لا يفقهون معنى الصبر الجميل، ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج:٥]، الصبر الذي لا شكوى فيه، الصبر عند الصدمة الأولى. روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه ﷺ ، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فصبر الأنصار ﵃ كان صبراً جميلاً صبراً عند الصدمة الأولى، وكما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، هذا ما يفهم في ضوء سيرتهم ﵃ وأرضاهم. ثالثاً: هل يمنع هذا من كون قلوبهم تتفطر حزناً على رسول الله ﷺ ؟ هل هناك تعارض بين الحزن وبين العمل؟ لا تعارض أبداً، فالمسلم الإيجابي مهما حزن فإن ذلك لا يقعده عن العمل الواجب، فالحزن الذي يقعد الناس عن العمل حزن غير مرغوب فيه. وتعالوا نفكر قليلاً مع الأنصار، ترى لو انتظر الأنصار يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين حتى تهدأ عواطف الحزن وتعود الحياة إلى طبيعتها ماذا ستكون النتيجة؟ ماذا لو هجم الفرس أو الروم على بلاد المسلمين؟ من سيتخذ قرار الحرب من عدمه؟ من سيجهز الجيوش ويعد العدة ويستنفر الناس؟ ماذا يحدث لو هجم المرتدون على المدينة؟ وقبائل عبس وذبيان على بعد أميال من المدينة وإسلامهم حديث، وردتهم متوقعة. وماذا يحدث لو هجم مسيلمة الكذاب بجحافلة المرتدة على المدينة؟ من سيتخذ قرار الحرب ضدهم؟ وماذا لو نقض اليهود عهدهم! أيحاربون أم يوادعون؟ أتكون لهم شروط جديدة؟ أيكون لهم عهد جديد؟ ثم ماذا سيحدث لو أخرج المنافقون في المدينة رجلاً منهم وبايعوه على الخلافة، وبايعته قبيلته وقبائل أخرى؟ ماذا سيكون رد فعل الصحابة؟ أينكرون بيعته ويحاربونه وتحدث الفتنة العظمى والبلية الكبرى، أم يتركون منافقاً يترأسهم؟ وماذا لو اختارت كل قبيلة من القبائل المختلفة التي تكون دولة الإسلام الآن زعيماً لها من أبنائها وتفرق المسلمون أحزاباً وشيعا؟ من يجمع؟ ومن يوحد؟ بالتفكير السليم والمنطقي والموضوعي نجد أن إسراع الإنصار إلى اختيار الخليفة برغم المصيبة الكبيرة بوفاة رسول الله ﷺ هو فضيلة تحسب للأنصار وليس نقصاً أو عيباً، لقد وصلوا في إيجابيتهم إلى درجة من الصعب أن تتكرر في غيرهم من الأجيال. لكن السؤال الأصعب والذي يحتار فيه كثير من المسلمين فضلاً عن غير المسلمين هو: لماذا أسرع الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم وليس من المهاجرين؟ تعالوا نفكر مع الأنصار. أولاً: حتى نفهم موقف الأنصار تعالوا نسمي الأشياء بالمصطلحات الحديثة من أجل أن ندرك أبعاد الموقف بكاملة، الأنصار في مصطلح العصر الحديث هم أهل البلد الأصليون، فقد كانت المدينة كأنها دولة مستقلة يعيش فيها الأوس والخزرج، وذلك قبل قدوم رسول الله ﷺ . ثم اضطهد المهاجرون في بلدهم مكة وهي أيضاً دولة مستقلة أخرى بجوار المدينة المنورة، وضيق على المهاجرين فاضطروا إلى ترك مكة واللجوء إلى المدينة المنورة، أي: أن التعريف الحديث للمهاجرين هو أنهم مجموعة من اللاجئين السياسيين في دولة المدينة المنورة، والمدينة كدولة كريمة سخية عادلة استقبلت اللاجئين أو المهاجرين خير استقبال وأكرمتهم وأعطت لهم ومنحتهم كل حقوق المواطن الأصلي في البلد، ومرت الأيام ولم تفرض عليهم أبداً قيوداً تعوق من حياتهم، بل على العكس، كثيراً ما آثرتهم على أهل البلاد الأصليين. ثم مرت أيام أخرى ومات قائد المدينة المنورة وزعيمها النبي محمد ﷺ وحان وقت تولية زعيم جديد على المدينة، فهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من أهلها الأصليين أم من اللاجئين إليها؟ وهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من الذين قدموا كل شيء لأجل من قدم إليهم، أم يقدم الذي جاء طريداً من بلده فاستقبل في بلد آخر؟ لو هاجر مجموعة من الفلسطنيين مثلاً إلى أمر

стр. 76

سلسلة الصديق_ يوم السقيفة يوم السقيفة من الأيام المشهورة في التاريخ؛ إذ اجتمع فيه الأنصار ﵃ لاختيار خليفة منهم، وفيه تم حضور ثلاثة من المهاجرين، بينوا للأنصار أن الخليفة لا بد أن يكون من قريش، فاختاروا أبا بكر الصديق، وبايعوه ﵃.

стр. 77

بعض فضائل سعد بن عبادة ﵁ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد: فمع الدرس السابع من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، في الحلقة السابقة تحدثنا عن المصيبة الكبرى والبلية العظمى التي عصفت بالمدينة المنورة، وكادت أن تطيش بعقول الصحابة لولا أن الله من على المسلمين بـ الصديق ﵁ وأرضاه، تلك المصيبة هي وفاة الرسول ﷺ . وفصلنا في الفتن المتعددة التي مرت بالمسلمين بعد وفاته ﷺ ، وكانت هلكة المدينة محققة إذا لم ينتخب خليفة لها في أسرع وقت. وذكرنا إسراع الأنصار ﵃ أجمعين بالذهاب إلى سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة اعتقاداً منهم أن هذا حق لهم لا ينازعهم فيه أحد، وذكرنا مبرراتهم في ذلك، ثم ختمنا الحلقة السابقة بوصول نبأ اجتماع الأنصار في السقيفة إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ﵃ وأرضاهم فذهب ثلاثتهم إلى السقيفة. في هذه الأثناء وقبل وصول المهاجرين إلى السقيفة كان الأنصار قد خطوا خطوات هامة في عملية اختيار الخليفة، فاجتمع الأنصار أوسهم وخزرجهم على اختيار الصحابي الجليل سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه زعيماً للمسلمين وخليفة لرسول الله ﷺ ، وسعد بن عبادة هو زعيم الخزرج، ومع ذلك أيده كل الأوس، وهذه لا شك فضيلة إيمانية عالية. فمنذ سنوات قليلة وقبل قدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة كانت الحروب على أشدها بين الأوس والخزرج وآخرها يوم بعاث، والذي حدثت فيه مقتلة عظيمة جداً بين الطرفين: الأوس والخزرج، لكن الآن تغيرت النفوس وتركت حظوظها، وما عادت تفكر إلا في مصلحة هذا الدين، ولم يجد الأوس حرجاً في أن يقدموا زعيم الخزرج للخلافة، وأن يقفوا جميعاً وراءه، ولم يطرحوا اسماً أوسياً بديلاً، بل قبلوا به دونما أدنى جدل. إذاً: الرجل المرشح الأول للخلافة في نظر الأنصار هو سعد بن عبادة، وسعد بن عبادة ﵁ وأرضاه أهل لكل خير، ولو كان الخليفة من الأنصار فسيكون اختيار سعد بن عبادة اختياراً موفقاً لا ريب فيه. وتعالوا نتعرف على المرشح الأول للخلافة من قبل الأنصار سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه. للأسف كثير منا لا يعرف سعد بن عبادة أو يعرفه بصورة مشوهة، فمن هو سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه؟ إنه الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه سيد الخزرج، وأحد النقباء يوم العقبة الثانية، ففي يوم العقبة الثانية وضع رسول الله ﷺ على الأنصار اثني عشر نقيباً كان منهم سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، وكان شريفاً في قومه، وكان يجير للمطعم بن عدي قوافله المارة بالمدينة، وذلك قبل الإسلام، فهو عريق في الشرف ﵁ وأضاه. وكان ممن شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وله مواقف مشهورة في الغزوات ولا سيما في الخندق حيث رفض إعطاء غطفان ثمار المدينة، ونزل رسول الله ﷺ على رأيه في ذلك. وكان رسول الله ﷺ يجله ويقدره ويكثر من زيارته؛ وذلك لمكانته بين الأنصار ﵃. يروي قيس بن سعد بن عبادة ﵄: (أن رسول الله ﷺ زارهم في بيتهم فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال قيس: فرد أبي رداً خفياً) يعني: أن سعد بن عبادة رد السلام لكن بصوت منخفض فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بصوت لا يسمعه رسول الله ﷺ ، قال قيس: فقلت لأبي: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟ فقال: اتركه حتى يكثر علينا من السلام. فالرسول ﵊ يقول: (السلام عليكم ورحمة الله) وسيدنا سعد بن عبادة يريد أن يسمع (السلام عليكم) كثيراً من رسول الله ﷺ ، فقال: (اتركه حتى يكثر علينا من السلام، فقال ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فظن الرسول ﵊ أنه لا أحد بالبيت فرجع، فتبعه سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً؛ لتكثر علينا م

стр. 78

اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لمبايعة سعد بن عبادة وتعالوا نرجع إلى سقيفة بني ساعدة: اختار الأنصار سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه وكان مريضاً ﵁ وأرضاه وجلس وهو مزمل بثوبه، يعني: متغطياً بثوبه، ولا يكاد يسمع صوته، فأراد أن يتكلم بعد اختياره؛ لأنهم فعلاً اختاروه، ولكن لا زالت البيعة لم تتم، فلم يقدر على إسماع القوم جميعاً فكان يبلغ عنه ابنه الكلام ويتحدث ابنه إلى الناس، فقال سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: يا معشر الأنصار! ونلاحظ في كلمته أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة لا زالوا لم يدخلوا، ولا أحد من المهاجرين موجود في السقيفة في هذه الخطبة. قال: يا معشر الأنصار! لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب. ونلاحظ هنا أنه يرفع من شأن الأنصار فوق كل القبائل العربية بما فيها قبائل مكة وقريش. ثم فسر سبب ذلك في خطبته فقال: إن محمداً ﷺ لبث بضع عشر سنة في قومه -يعني: أنه قعد ثلاث عشرة سنة في مكة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان- فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ﷺ ، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به، حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة. وانظر إلى كلام سيدنا سعد بن عبادة كم هو لطيف. يقول: حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وهنا ينسب سعد بن عبادة الفضل إلى الله ، ثم يكمل ويقول: وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه وأثقلهم على عدوه من غيركم. وطبعاً! كلام سعد بن عبادة كلام صحيح وكلام حقيقي، فالمهاجرون في بدر كانوا اثنين وثمانين أو ثلاثة وثمانين، لكن الأنصار كانوا مائتين وواحداً وثلاثين، وهكذا في كل المشاهد كان الأنصار دائماً أعدادهم أكثر بكثير من أعداد المهاجرين. ثم يكمل سعد بن عبادة خطبته فيقول: حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً. يعني: أن العرب جميعاً سلموا القيادة للمسلمين بفضل الأنصار. قال: حتى أثخن الله لرسوله بكم الأرض ودانت له بأسيافكم العرب. وهنا سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه كأنه يشير إلى اعتقاده الراسخ أن العرب ستستهدف الأنصار بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأن الأنصار هم الذين أرغموا العرب على الاتباع. ثم ختم سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه خطبته بكلمة جميلة فقال: ثم توفى الله رسوله ﷺ وهو عنكم راض وبكم قرير العين. ومع قصر الخطبة في كلماتها إلا أنها كانت تحمل معاني عميقة كثيرة، ويمكن القول إجمالاً: إن سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه ذكر مفاخر الأنصار وأفضالهم وحب الرسول ﷺ لهم ووضع الأنصار بالنسبة للعرب، ذكر كل ذلك لهدفين رئيسين فيما يبدو لي: الهدف الأول: رفع الحالة المعنوية للأنصار، فهناك مصاب فادح وهو أنه لا يزال الرسول ﵊ لم يدفن بعد، فنفى ﵁ وأرضاه عنهم الإحباط واليأس، ودعاهم لاستمرار المسيرة كما بدءوها والثبات على أمر هذا الدين. الهدف الثاني الواضح: التدليل على أحقية الأنصار في الخلافة فيما يبدو لهم؛ من حيث إنهم هم الذين نصروا وآووا وقاتلوا العرب ومكنوا للدين. هكذا، هذه كانت خطبة سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه في أول اجتماع السقيفة. وإجمالاً: الخطبة تعبر عن حكمة الصحابي الجليل سعد بن عبادة ﵁، ورضي الله عن الأنصار والمهاجرين وسائر الصحابة أجمعين.

стр. 79

وصول الصديق وعمر وأبي عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة وتفاصيل ما جرى فيها بعد انتهاء هذه الخطبة الموجزة دخل الصديق أبو بكر ﵁ وأرضاه ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ﵄، ورآهم الأنصار، ويبدو أنهم كانوا لا يتوقعون ظهور المهاجرين الآن، وظهور المهاجرين في هذا الوقت قد يعطل البيعة، فالأنصار استقروا على سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه لكنه لم يبايع بعد، والأمر عرضة للنقاش الجديد والجدل، والذين دخلوا من المهاجرين ليسوا رجالاً عاديين، فقد دخل الصديق أبو بكر ﵁ وأرضاه الوزير الأول لرسول الله ﷺ وثاني اثنين والصاحب القريب إلى رسول الله ﷺ ، ومعه عمر بن الخطاب الوزير الثاني لرسول ﷺ والملهم المحدث الفاروق، ومعه أيضاً أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وإن صح القول فهو في مقام الوزير الثالث لرسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﵊ كان كثير الاستشارة له والاعتماد عليه في أمور كثيرة، فالسيدة عائشة -كما جاء في صحيح مسلم - عندما سئلت: (من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟ فقالت: أبو بكر. قيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. قيل لها: ثم من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح). وأبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه مات في سنة ثمانية عشر هجرية، ولا شك أنه لو كان حياً لكان من الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا من بينهم خليفة للمسلمين بعد وفاة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. إذاً: الثلاثة الذين دخلوا على الأنصار هم أصحاب الرأي والمشورة من الصحابة، ولا شك أنهم يمثلون الآن رأي المهاجرين. إذاً: هنا في هذا الوقت من الممكن أن تحدث مواجهة، فالأنصار يريدون سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه والمهاجرون لم يفصحوا بعد عن رأيهم، لكن لعل لهم رأياً آخر، وهنا حدثت لحظة هدوء وترقب، فيا ترى ماذا سيقول المهاجرون؟ أيقرون بخلافة سعد بن عبادة الأنصاري أم يرشحون خليفة غيره؟ أترك لكم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يصور لكم الموقف كما جاء في صحيح البخاري ومسلم. يقول عمر: فانطلقنا حتى إذا أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة. يعني: أنهم قد وضعوه في مكان في صدر المجلس فلفت نظر ابن الخطاب ﵁ وأرضاه، ولعله أدرك أنه قد رشح بالفعل للخلافة. يقول عمر: قلت: ما له؟ قالوا: يوعك. وفي رواية: وجع يوعك، يعني: مريض. فلما جلسنا قليلاً قام خطيبهم. يعني: خطيب الأنصار، وهنا حدثت لحظة أكيد من الصمت، ثم أدرك الأنصار أن وجود هؤلاء المهاجرين الثلاثة قد يغير من الأمور ويحدث ما لا يريدونه، فقام خطيب الأنصار يريد أن ينهي المسألة قبل أن يتكلم المهاجرون، وخطيب الأنصار هذا لا نعرف اسمه، ولم يشر إلى اسمه في الروايات الصحيحة، وإن كان ابن حجر العسقلاني يقول في فتح الباري: إنه من المحتمل أن يكون ثابت بن قيس ﵁ وأرضاه، فهو الذي كان يطلق عليه خطيب الأنصار، والله أعلم بحقيقة الأمر. المهم أنه وقف خطيب الأنصار وأراد أن يتكلم كلاماً فصلاً كما في رواية البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أنه تشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط. وفي رواية: رهط منا. وهذه بوادر مشكلة، فالخطيب الأنصاري يذكر أن الأنصار هم كتيبة الإسلام وأنصار الله بينما المهاجرون رهط، أي: عدد قليل. وفي رواية: رهط منا، أي: عدد قليل بالنسبة لنا، وكأنه توقع أن المهاجرين سيريدون الخلافة، فأسرع يبطل حجة المهاجرين بأنهم أعداد قليلة بالنسبة للأنصار. وطبعاً الأنصاري يقصد المهاجرين قبل فتح مكة الذين هاجروا إلى المدينة المنورة والذين يعيشون في المدينة الآن، وإلا فلو اعتبر أعداد القرشيين في مكة والذين أسلموا بعد الفتح فسيكونون أضعاف أضعاف الأنصار. المهم أن الخطيب الأنصاري ذكر هذا الكلام كتلميح إلى أن الخلافة يجب أن تكون في العدد الأكبر الذي نصر الإسلام في كل المشاهد والمواقع بنسبة دائماً ما تكون أكبر من المهاجرين. هذا كان من باب التلميح، ثم إنه بعد ذلك صرح الخطيب الأنصاري بعد ذلك وقال: وقد دفت دافة من قومكم -يعني: جاءت مجموعة قليلة من المهاجرين- فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، أي: يستثنونا من الخلافة في بلادنا، ثم سكت الأ

стр. 80

اتفاق المهاجرين والأنصار في السقيفة على اختيار خليفة من المهاجرين وتعالوا نرجع ثانية لموقف الصحابة بعد الكلمات الأخيرة لـ عمر بن الخطاب وللحباب بن المنذر ﵄، هذا الموقف المتأزم كيف يحل؟ وهذا الصوت المرتفع كيف ينخفض؟ وهذا الصدر الضيق كيف ينشرح؟ تعالوا نرى. إذا كان حديث العقل والحجة والبرهان يقسي القلب أحياناً فليكن حديث الوجدان والروح، فتكلم أبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه الرجل الرصين الهادئ أمين الأمة، وقال جملة من سطر واحد نزلت بالسكينة على السقيفة في لحظة، وأول ما قالها الجو هدأ والناس ارتاحت والغضب راح والمناقشة مرت في طريق ثاني. قال: يا معشر الأنصار! إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير. إنها كلمة في منتهى الغرابة، إنها كلمات قليلة لكن نزلت على الأنصار فزلزلت كيانهم وهزت مشاعرهم هزاً عنيفاً، أطلق الأمين أبو عبيدة سهماً استقر في قلوب الأنصار قلباً قلباً، الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين قالوا: يا رسول الله! اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، والذين قال فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] الأنصار الذين قالوا: يا رسول الله! خذ لنفسك ولربك ما أحببت. وقالوا: يا رسول الله! نبايعك على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله. إنها ذكريات رائعة خالدة، وهم الذين قالوا: (فما لنا بذلك يا رسول الله! إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه) أفاق الأنصار ﵃ أجمعين على حقيقتهم العجيبة: أن الله خلقهم ليعطوا ويعطوا ويعطوا، وهم أصحاب النسمة الرقيقة الحانية التي تأتي بالخير ولا تأخذ شيئاً. فارتفع بهم أبو عبيدة بجملته الموفقة من مواقع البشر والأرض إلى مصاف الملائكة والسماء، وتذكروا البيعة الخالدة، وتذكروا الهجرة، وتذكروا النصرة، وتذكروا الجهاد والشهادة، وتذكروا إخواناً قدموا أرواحهم وسبقوا صادقين ما بدلوا وما غيروا، تذكروا سعد بن معاذ، وتذكروا أسعد بن زرارة، وتذكروا سعد بن الربيع، وتذكروا أنصاراً عاشوا أنصاراً وماتوا أنصاراً، وتذكروا رسول الله ﷺ الحبيب الذي ما فارقوه إلا منذ قليل، الذي ما زال نائماً على سريره لم يدفن بعد، الذي ما زال حياً في قلوبهم وسيظل كذلك حتى يموتون، فانهمرت دموع الأنصار، وقام بشير بن سعد ﵁ الأنصاري الخزرجي مسرعاً ملبياً لنداء أبي عبيدة وكان ممن شهد العقبة الثانية، وكان شيخاً كبيراً، قام فقال: يا معشر الأنصار! إنا والله! لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضاء ربنا وطاعة نبينا والفتح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً، فإن الله ولي النعمة وولي المنة علينا بذلك، ألا إن محمداً ﷺ من قريش وقومه أحق به وأولى، ولا يراني الله أنازعهم في هذا الأمر أبداً، فاتقوا الله! ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم. وسبحان الله! تغير خط الحوار في السقيفة بالكلية، وبدأت نفوس الجميع تهدأ، وظهر واضحاً أن حجة المهاجرين أصبحت أعلى، لكن ما كان الأنصار ليقتنعوا لولا أن قلوبهم مؤمنة، ولولا أن غايتهم الجنة. ثم قام أسيد بن حضير ﵁ زعيم الأوس ودعا إلى أن يترك الأنصار الأمر ويبايعوا المهاجرين، ولعله أراد أن يقوي حجة المهاجرين فقال: إنه يخشى أن يحدث الخلاف مستقبلاً بين الأوس والخزرج إن تولى أحد الفريقين الخلافة، ولذلك فهو يؤيد المهاجرين. ولما رأى الصديق ﵁ وأرضاه أن نفوس الناس قد بدأت تطيب باختيار الخليفة من المهاجرين أراد أن يضيف حجة تقوي من شأن هذا الاختيار وتزكيه، والحق أنها حجة تدل على ذكاء الصديق وسعة اطلاعه على كتاب الله ، فقال الصديق ﵁: إن الله سمانا الصادقين وسماكم المفلحين، وذلك إشارة لقوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] هذا وصف المهاجرين في القرآن الكريم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] وهذا هو وصف الأنصار في القرآن الكريم. ثم انظر إلى الاستنباط الذي قاله الصديق ﵁ وأرضاه، قال

стр. 81

سلسلة الصديق_ استخلاف الصديق لاختيار الخليفة طرق في الإسلام، ومن أهم تلك الطرق اختيار الأصلح ومبايعته من أهل الحل والعقد، وقد كان اختيار أبي بكر الصديق ﵁ كذلك، فقد اختاره الصحابة وبايعوه ليتمثلوا بذلك أول صورة تطبيقية في اختيار الخليفة.

стр. 82

حديث: (الأئمة من قريش) وأثره يوم السقيفة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم اغفر لنا خطيئتنا وجهلنا، وإسرافنا في أمرنا، وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس الصديق ﵁ وأرضاه. في الدرس السابق تحدثنا عما دار في سقيفة بني ساعدة، وكيف رشح الأنصار للخلافة رجلاً منهم هو الصحابي الجليل: سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، وذلك اعتقاداً منهم أن الخلافة يجب أن تكون فيهم. وذكرنا كيف دخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ﵃ أجمعين إلى السقيفة، وكيف عرضوا طرحاً جديداً في هذا الأمر، وهو: ترشيح رجل من المهاجرين، وكانت حجة المهاجرين في ذلك الأمر: أن العرب جميعاً لن تسمع وتطيع إلا لرجل من قريش؛ لكون الرسول ﷺ منهم، ولكونهم أوسط العرب داراً ونسباً. والعرب في المعتاد لا يألفون أن يتأمر عليهم رجل من خارج قبيلتهم، لكنهم قد يقبلون برجل من قريش لمكانتها القديمة في النفوس، والتي زادت ولاشك بخروج الرسول ﷺ فيهم. ودارت نقاشات وجدالات طويلة بين المهاجرين والأنصار، وكانت الحجة أقوى وأظهر في صف المهاجرين، ولم ترجح الكفة بكاملها في صف المهاجرين إلا عندما لمس أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة قلوب الأنصار، وذكرهم بتاريخهم المجيد، وأنهم دائماً كان يؤوونه وينصرونه، فلا داعي أن يكونوا أول من يبدلون ويغيرون. وذكرنا في الدرس السابق الاستجابة العظيمة من الأنصار لنداء أبي عبيدة ﵁ وأرضاه، وكيف أنهم بدءوا يتسابقون إلى الموافقة على ترشيح رجل من المهاجرين، وقام أكثر من صحابي من الأنصار يؤيد هذا التوجه. كل هذا الموقف حصل وسعد بن عبادة ﵁ وأرضاه جالس لا يتكلم، ولاشك أنه كان عنده صراع داخلي عنيف بين رأي الأنصار ورأي المهاجرين، ووجد فجأة أن الأمور تصير في اتجاه ترشيح رجل من المهاجرين، وبرغم هذا لم يعترض ولا بكلمة واحدة إلى هذه اللحظة سعد بن عبادة، ولم يتكلم كلمة واحدة منذ دخول المهاجرين، ومع ذلك فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه الرجل الخبير المحنك كان يرقبه ويشعر بالصراع الذي بداخله، وهو صراع طبيعي جداً، صراع لرجل كان مشرحاً لخلافة الدولة بكاملها منذ ساعة واحدة فقط، فإذا بغيره يرشح. وهنا أراد الصديق ﵁ أن يلقي بالحجة البينة الظاهرة، والتي لا تبقي شكاً في قلب أحد، والتي تريح في نفس الوقت قلب سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، فقال الصديق ﵁ وأرضاه يخاطب سعد بن عبادة بذاته: لقد علمت يا سعد! أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد، يعني: هناك حديث للرسول ﵊ قاله في وجود أبي بكر وفي وجود سعد بن عبادة، وهنا أبو بكر يذكر سعد بن عبادة ﵄ بالحديث. وواضح أن سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه نسي هذا الحديث، إما لبعد الفترة، وإما لعدم فقه الحديث، وإما للحزن على رسول الله ﷺ أو للمرض، أو لغيره من الأسباب. قال الصديق ﵁ وأرضاه: لقد علمت يا سعد! أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: (قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم)، وهذا قانون وضعه ﷺ (قريش ولاة هذا الأمر) قانون صريح جداً، ورغم كل المحادثات والمجادلات والحوارات التي حدثت في السقيفة ومع كل هذا الجدال رد سعد بن عبادة على أبي بكر الصديق بكلمة عجيبة، وفي بساطة غريبة فقال: صدقت، أنتم الأمراء ونحن الوزراء، هكذا في بساطة، فالكلمة الوحيدة التي قالها سعد بن عبادة منذ دخل المهاجرون إلى السقيفة إلى هذه اللحظة هي: صدقت، أنتم الأمراء ونحن الوزراء هكذا قالها في بساطة، وهكذا سعد بن عبادة رأس الأنصار وكبيرهم وزعيمهم والمرشح الأول للخلافة قطع بخلافة قريش دون الأنصار. هذا الحدث لابد أن نقف أمامه وقفة طويلة؛ لأنه حدث فريد، فتعالوا نحلل هذا الموقف العجيب في التاريخ الإسلامي، ونحاول أن نخرج منه بعض الدروس: أولاً: الحديث الذي ذكره الصديق ﵁ وأرضاه هو تشريع واضح من رسول الله ﷺ ، والأمر الذي فيه تشريع ليس فيه اجتهاد، وهذا

стр. 83

موقف سعد بن عبادة ﵁ من استخلاف الصديق وهنا تعليق آخر هام على الحوار القصير جداً الذي دار بين أبي بكر الصديق وسعد بن عبادة ﵄: موقف سعد بن عبادة ﵁ حق، وهذا الموقف من أعظم المواقف في التاريخ على الإطلاق، ومن الواضح أننا لم نعط للموقف حقه، ولم نعط لـ سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه حقه، ولم نعط للأنصار حقهم، فكيف يغفل المسلمون عن حدث مثل هذا فلا يتعلمونه ولا يعلمونه؟ وكيف لا يظهرونه وغيره من المواقف الخالدة جداً جداً في التاريخ الإسلامي؟! فهذا رجل سيد في قومه كبير في عائلته يقف وحوله الفرسان والجنود والأنصار والعشيرة، ويقف في سقيفته وليس سقيفة الأنصار، بل سقيفته هو شخصيًا، سقيفة بني ساعدة، فهو سعد بن عبادة الساعدي الخزرجي، وأين السقيفة؟ في بلده المدينة المنورة، وقد رشحه قومه للخلافة والرئاسة والزعامة، وليس على شركة أو مسجد أو نادي أو حزب، بل رشحوه على أمة وعلى دولة، وسعد بن عبادة ﵁ يتمتع بذكاء وفطنة وحسن إدارة، وتأييد شعبي حقيقي في بلده. يقف هذا الرجل الممكن أمام رجل لاجئ سياسي ولجأ إليه، وإلى بلده، يقف هذا الرجل بعد أن فر من قومه فآواه، هذا الرجل الممكن آواه وأكرمه ونصره وأعطاه، يقف هذا الرجل اللاجئ بين رجلين مهاجرين من بلده فقط، وهما أيضاً لاجئان إلى هذه البلد، يقف الثلاثة الرجال في بحر من الأنصار، فإذا بالرجل اللاجئ يقول له: قريش ولاة هذا الأمر، هكذا بسهولة ينزع الأمر الذي كان قد وكل إليه، ويعطيه إلى غيره! فماذا يكون رد فعل السيد والزعيم؟! يقول في بساطة شديدة: صدقت، أنتم الأمراء ونحن الوزراء، لا جادل، ولا أخذ الحديث على محمل معين أو محمل آخر، بل قال: صدقت، أنتم الأمراء ونحن الوزراء، فأي نفس طاهرة؟ وأي روح زكية؟ وأي رجل وقاف عند كتاب الله وعند حديث رسول الله ﷺ ؟ وكم من الدماء حقنت ولو شاء هذا الرجل لسالت أنهاراً في شوارع المدينة؟! وكم من الأرواح لو شاء هذا الرجل لقتلت بالآلاف؟! فأي فتنة قمعت؟ وأي وحدة بين المسلمين حدثت؟! إنها آثار مجيدة ونتائج هائلة لموقف واحد وقفه الصحابي الجليل سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، وقفه لله، وكان بيده أن يقف الموقف لنفسه، لكنه ما فعل. فأين الدنيا في عين الأنصار كما اتهمهم المستشرقون وأذنابهم؟ ولو كانت الدنيا كما يدعون هي الباعث لهم على الاجتماع في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول ﷺ أكانت تقنعهم هذه الكلمات؟ أكانوا يقفون ويرضخون لحديث رواه في ساعتها رجل واحد فيصبح في نظرهم مستفيداً من نتائجه؟ والمستشرقون الذين طعنوا في الأنصار أحد رجلين: إما رجل جاهل لا يعرف معنى القلوب المؤمنة، والنفوس المخلصة، يقيس الأحداث بمقياس العصر الحديث الذي طغت فيه المادية على الناس، والذي كثرت فيه المؤامرات والدس والكيد والغش والنفاق والخداع. والرجل الآخر هو رجل حاقد موتور، رأى ديناً قيماً ورجالاً أخياراً، وتاريخاً ناصعاً خالداً نادرًا، فأكل الحقد قلبه، فرأى الحق وأغمض عينيه عنه، وعلم الصواب وخالفه، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل:٧٢]. هؤلاء المستشرقون -جهالاً كانوا أو حاقدين- قد فعلوا في التاريخ ما فعلوا، وقد يكون عندهم ما يبرر جرائمهم، لكن أين المسلمون؟ أتراه عدلاً أن نترك هذا الكنز الثمين من القيم والأخلاق والروائع، ونذهب لدراسة تاريخ أوروبا أو تاريخ الفراعنة أو تاريخ الحضارة في الصين أو الهند؟ أتراه من الحكمة أن نترك أعداءنا يعبثون بتاريخنا، ونسلم لهم الرقاب، ونتبعهم دون سؤال ولا استفسار؟ أتراه صحيحاً أن ينشغل علماء المسلمين عن دراسة تاريخنا وشرحه وتبسيطه للشباب في هذا الزمن الذي زادت فيه الهجمة الصليبية الشرسة على ديننا وأوطاننا؟ أليس خيراً لنا وللبشرية أن نستمتع بدراسة روائعنا التاريخية وأصولنا الدينية؟ فأي أمة أعظم من أمة الإسلام؟ وأي تاريخ أنقى من هذا التاريخ؟ والله! لا أجده.

стр. 84

سبب عدم استشهاد الصديق بحديث: (الأئمة من قريش) في سقيفة بني ساعدة من أول المناقشة وهنا تعليق ثالث على موقف الصديق ﵁ وأرضاه: إذا كان الصديق ﵁ وأرضاه يعرف هذا الحديث القاطع: (ولاة الأمر من قريش) وهو في منتهى الوضوح فلماذا لم يذكره في أول المناقشة؟ يعني: لو قاله فإنه سيقطع تماماً باب الجدل من بدايته، هكذا نظن. والحق أن هذا من حكمة الصديق ﵁ وأرضاه، ومن فطنته، ومن توفيق الله له، فلو ذكر هذا الحديث ولم يقدم له بالبراهين الساطعة والأدلة الدامغة والحجة العقلية في كون قريش أقدر على إدارة الأمور في دولة الإسلام، وأن العرب سيكونون أكثر طوعاً لقريش لو ذكر الحديث دون أن يفعل ذلك فقد يرفض الأنصار الانصياع له، وستقع الكارثة والله! فمن الحكمة ألا تطلب أمراً عسيراً من رجل إلا بعد أن تهيئه نفسياً، لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، واقدر للأمر قدره، وخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وراعوا حالتهم النفسية والمزاجية. والأنصار مهيئون نفسياً لتولي السلطة، وأدلتهم العقلية قوية، وحجتهم المنطقية مقبولة، ويخشى عليهم ألا ينصاعوا بهدوء لأمر الله ولرسوله. إذاً: لابد من معالجة الأمر بحكمة، والتدرج في إيصال الحكم، حتى إذا ما عرض الحكم عليهم قبلوه دون تردد، واتبعوه دون شك، إنه فقه راق وحكمة رائعة، هذا هو الصديق الذي عرفناه ﵁ وأرضاه.

стр. 85

الرد على المستشرقين الذين يتهمون الصديق بوضع حديث: (الأئمة من قريش) وهنا تعليق رابع على كلام الصديق ﵁ وأرضاه: هناك شبهة تافهة أثارها بعض المستشرقين وهي: أن هذا الحديث قد يكون من اختلاق الصديق؛ لكي يرجح كفة المهاجرين في النقاش الدائر في سقيفة بني ساعدة، وطبعاً واضح أن المستشرقين لم يفتقروا إلى العلم والفقه فقط، بل يفتقرون أيضاً إلى الأدب، وواضح أنهم لا يعلمون شيئاً عن الصديق ولا عن الصحابة، ولا عن عدالة الصحابة ﵃ أجمعين. ثم ألم يرو الحديث من طرق أخرى كثيرة غير طريق الصديق ﵁ وأرضاه، وعن طريق بعض الأنصار أيضاً، وجاءت في كتب الصحاح والسنن في أكثر من موضع؟ ثم هل كان يسكت الأنصار إذا شكوا في الأمر؟ أكانت تعوزهم الحجة أو القوة؟ أكانوا يتركون ملكاً لحديث مشكوك فيه؟ فماذا قال المستشرقون؟ قالوا: الأنصار استحوا من أبي بكر، فنقول لهم: ألم تقولوا عنهم منذ قليل: إنهم طلاب دنيا وسلطان، أيستحيي طالب الدنيا من أن يقول لرجل يأخذ ملكه: هات الدليل على صدق ما تقول؟ أليس انصياع الأنصار التام دليلاً على نبل أخلاقهم وقيمهم من ناحية، ودليلاً على ارتفاع الصديق ﵁ وأرضاه فوق مستوى الشبهات من ناحية أخرى؟ هذا والله! أراه حقاً لا ريب فيه، لكن ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].

стр. 86

تفاصيل بيعة الصديق ﵁ استقر الصحابة في حوارهم كما ذكرنا على أن الخلافة ستكون في قريش، وهذه خطوة عظيمة وهامة جداً للوصول إلى الخليفة، لكن ما زال هناك خطوات وخطوات، فقريش قبيلة عريقة ملأى بالبطون الشريفة، ففي أي بطن ستكون الخلافة؟ ثم إن المهاجرين كثيرون، والرجال الذين يستطيعون إدارة الأمة أكثر مما يتخيل الإنسان، وكل رجل من المهاجرين أمة، فمن من هؤلاء سيتولى هذه الخلافة؟ ممكن نتخيل أن الأمر سيكون صعباً جداً، يعني: أن المهاجرين كثر، وكلهم على درجة عظيمة جداً من الفضل، لكن تعالوا ننظر ما الذي حصل في السقيفة؟ قام الصديق ﵁ وأرضاه وقال لـ عمر بن الخطاب ﵄ ببساطة شديدة: ابسط يدك نبايع لك، الصديق يريد أن يبايع عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه على الخلافة، فقال عمر: أنت أفضل مني، قال أبو بكر: أنت أقوى مني، قال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك. سبحان الله! أي مجتمع هذا الذي ينفر فيه كل رجل من الإمارة؟ نحن نرى والله! إخوة ملتزمين متمسكين بالدين وهم المفروض أن يكونوا فاهمين الدين لكن نراهم يتقاتلون على إمامة مسجد، وعلى إمامة صلاة، فماذا سيعملون لو كانت إمامة أمة؟! فتقدم أبو عبيدة بن الجراح الأمين ﵁ وأرضاه وقال: لا ينبغي لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يكون فوقك يا أبا بكر! أنت صاحب الغار مع رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين، وأمرك رسول الله ﷺ حين اشتكى، وصليت بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، وسبحان الله! أبو عبيدة بن الجراح كلامه قليل لكنه رجل موفق إذا تحدث أصاب الهدف بكلمات معدودات. وهنا عمر أخذ زمام الكلام من أبي عبيدة ورآها فرصة يبعد عن نفسه الخلافة فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر للصلاة؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم من قدمه رسول الله ﷺ ؟ قالوا جميعاً: لا أحد، معاذ الله أن نتقدم على أبي بكر! هذا كما رواه النسائي والحاكم. وهنا وثب عمر بن الخطاب لما سمع هذه الكلمات من أبي عبيدة ﵁ وأرضاه، والفاروق واضح جداً أنه فاروق بين أمور كثيرة وأمور أخرى، فأخذ بيد أبي بكر الصديق في حسم واضح للمشكلة وبايع الصديق على الخلافة، وطلب البيعة له من الحضور، فماذا حدث؟ قام أسيد بن حصير -أنصاري- وبشير بن سعد ﵁ -أنصاري- قاما يستبقان للبيعة، ووثب - كما يقول الرواة - أهل السقيفة يبتدرون البيعة، فبايع الحباب بن المنذر ﵁، وبايع ثابت بن قيس ﵁ وأرضاه، وبايع زيد بن ثابت، وبايع كل الأنصار في السقيفة ما عدا رجل واحد فقط معذور وهو سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه؛ وحتى لا يذهب الذهن بعيداً ليعلم أن سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه بايع بعد أيام قلائل من يوم السقيفة، وما منعه من البيعة في اليوم الأول إلا حراجة الموقف، فقد كان في بادئ هذا اليوم مبايعاً للخلافة قبل مبايعة أبي بكر بوقت قصير، كما أنه كان لا يستطيع حراكاً لمرضه، ويحسب له أنه أخذ الموضوع في هدوء يحسد عليه، ولم يتكلم بكلمة واحدة، ولم يظهر منه في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه أي اعتراض على إمارته، بل أنه خرج بإذنه إلى الشام مجاهداً حيث استشهد هناك. وهكذا في يوم السقيفة تمت البيعة لـ أبي بكر الصديق بإجماع قلما يتكرر في التاريخ، وبآداب من المستحيل أن توجد في أمة غير أمة الإسلام، هذا هو تاريخ المسلمين، هذا هو تاريخنا، انظروا الناس الذين حولكم، وانظروا كل بلاد العالم كيف يكون الصراع فيها على السلطة، وآخر ما سمعت أنه سقط نصف مليون قتيل في صراعات السلطة في أنغولا، ونحن نرى الذي يحصل في فنزويلا مثلاً، والذي يحصل في الصومال، والذي يحصل في راوندا، والذي يحصل في معظم بلاد العالم، وانظروا الذي يحصل حتى في البلاد التي يطلقون عليها بلاداً حضارية متقدمة، أليست البرامج الانتخابية تشمل في الأساس محورين رئيسين: المحور الأول: شكر في الذات، واستعراض للقدرات، وهكذا المحور الثاني: محاولة التعريض والسب والفضيحة بالنسبة للطرف الآخر، حيث يبحث كل مرشح عن عيوب غيره ليبرزها للناس، ويسجل بها نقاطاً لصالحه. ثم ألا تسمعون يا إخوة! عن تزييف وتزوير ودس ومكيدة؟ ألا تسمعون عن قهر وتعذيب وظلم وبهتان؟! فقارن بين ما رأيت في سقيفة بني ساعدة وبين ما ترى في أي سقيفة في العالم اليوم، وستدرك لا محالة عظمة هذا الدين، ورقي هذا ال

стр. 87

وقفة مع ما ذكر بخصوص يوم السقيفة ونقف وقفة مع بعض التعليقات التي ذكرت بخصوص هذا اليوم: أولاً: جاءت رواية عجيبة في الطبري أعجب بها المستشرقون أيما إعجاب وأظهروها في تاريخهم، ويرددها وراءهم المعجبون بالمستشرقين، والحق أن الطبري ﵀ مع أنه كان عالماً جليلاً وإماماً عظيماً ما كان ينظر كثيراً إلى الروايات التي يذكرها في كتابه، وهو بنفسه اعترف بذلك في مقدمته لكتابه المشهور: تاريخ الأمم والملوك. فهمه كان الجمع وليس التحقيق، وعلى علماء الرجال والحديث والرواية أن يبحثوا في صحة ما جاء في كتابه. الرواية هذه تقول: إن سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه قال بعد مبايعة الصديق ﵁ وأرضاه: لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي، فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولا يفيض بإفاضتهم، يعني: في الحج لا يفيض بإفاضتهم. وطبعاً هذه الرواية باطلة تماماً من الأساس، فابحث عن إسناد هذه الرواية ستجد في إسنادها رجلاً اسمه: لوط بن يحيى، وهو شيعي معروف صاحب هوى كثير الكذب متروك، قال عنه الذهبي ﵀: إخباري تالف لا يوثق به، ولم ينقل عنه أحد إلا الشيعة، لا يؤخذ بقوله ألبتة، وبالذات في القضايا الخلافية، وفي أمور الفتن. وهذه الرواية سنداً لا تصح بالمرة، كما أنها متناً أيضاً لا تصح، إذ كيف يمكن أن نتخيل أن سعد بن عبادة الصحابي الجليل الذي في رقبته بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة كيف نتخيل أنه ممكن أن يقول هذا الكلام؟ كيف يمكن أن نتخيل أن هذا الكلام يقال في المدينة المنورة، ولا يخاطب فيه الصحابة أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه الحاكم في ذلك الوقت؟ هذا الكلام في غاية الخطورة، فـ سعد بن عبادة ليس رجلاً عادياً في المدينة المنورة، بل سعد بن عبادة سيد الأنصار لو قال مثل هذا الكلام لأحدث فتنة لا محالة في المدينة، وليس ممكناً أن يقول مثل هذا الكلام ويمر الموقف دون تعليق. لو كان هذا الموقف فعلاً حقيقياً لذكرته كتب السيرة الموثقة، فلم نجد في كتاب سيرة ولا كتاب سنن ولا كتاب صحاح هذا الأمر بالكلية. إذاً: هذا واضح فيه الاختلاق سواء في السند أو سواء في المتن.

стр. 88

الرد على من طعن في خلافة الصديق بسبب غضب علي والزبير والقضية الثانية هي: مسألة غضب علي والزبير ﵄ يوم المبايعة، تذكر الرواية أن علياً والزبير ﵄ غضبا يوم المبايعة، والرواية رواية صحيحة فعلاً، فسيدنا علي وسيدنا الزبير غضبا يوم المبايعة فعلاً لكن لماذا غضبا؟ أشاع الحاقدون أن هذا كان بسبب اختيار أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وكانا -في ظن هؤلاء الحاقدين- يريان أن غيره أفضل. وطبعاً المقصود بغيره سيدنا علي بن أبي طالب، هكذا جاء في الرواية. لكن بالرجوع إلى نفس الرواية التي ذكرت غضبهما نجد أنها قد فسرت الغضب على محمل آخر، ومحمل مقبول، لكن المغرضين أخذوا ما يناسبهم من الرواية، وتركوا بقيتها. روى الحاكم وموسى بن عقبة في مغازيه بسند صحيح -كما صححه ابن كثير ﵀ عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قال: قال الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ﵄: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي. وهذا كلام في منتهى الوضوح، والغضب لم يكن لأن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه تولى الخلافة، بل الغضب كان لأن المشورة في اختيار الخليفة تمت في غيابهما، وطبعاً هذا أمر مفهوم ومقبول؛ لأنهما كانا من أهم الصحابة، بل من الطبيعي أن يغضب بقية المهاجرين لهذا الأمر؛ لأنهم جميعاً لم يحضروا هذا الحدث الهام، ولاشك أن كثيراً منهم من أهل الرأي والمشورة، وكان ينبغي لهم أن يكونوا حضوراً في هذا الحدث الهام، حدث اختيار الخليفة، ولا يكتفى بثلاثة فقط من المهاجرين، هذا عذرهم، لكن تعال ننظر إلى الجانب الثاني. في الجانب الآخر: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة كانوا معذورين في هذا الأمر، كانوا معذورين في أن كل المهاجرين غابوا عن الحدث، فنحن رأينا الأحداث التي تمت، ورأينا كيف أن أبا بكر الصديق وعمر كانا في بيت رسول الله ﷺ وقت اجتماع الأنصار وجاء إليهما رجل فأخبرهما بالخبر، فقاما إلى الأنصار على غير إعداد ولا تحضير، وهما ذاهبان في الطريق رأيا سيدنا أبا عبيدة بن الجراح فأخذاه معهما على غير اتفاق، وذهبوا جميعاً إلى السقيفة. وهناك في السقيفة -كما رأينا أيضاً- تسارعت الأحداث بشدة، وكان يخشى إن لم يتم اختيار خليفة في ذلك الوقت أن تحدث فتنة في المدينة، وأن يكثر القيل والقال والخلاف والتفرق، ونحن رأينا الذي حصل، ويمكن أن يكون القصد منه استثناء المهاجرين من الحضور، لكن الذي حصل سرعة التقاء الأنصار، ونحن ذكرنا ما يبرر هذه السرعة التي أدت إلى هذه النتيجة العاجلة. ويبدو أن بعض المهاجرين أيضاً غير الزبير وغير علي كانوا يجدون في أنفسهم، يعني: كانوا غاضبين لهذا السبب الذي ذكره علي بن أبي طالب والزبير بن العوام. والصديق يقوم ثاني يوم يخطب في المهاجرين، وكلام الصديق ﵁ وأرضاه يطيب خاطر المهاجرين، روى موسى بن عقبة والحاكم بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: خطب أبو بكر الصديق ﵁ في المهاجرين فقال: ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، لقد قلدت أمراً عظيماً ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله، يقول عبد الرحمن بن عوف: فقبل المهاجرون مقالته. والمهاجرون لا يحتاجون لهذه المقالة حتى يطمئنوا لـ أبي بكر؛ فهم يعرفون صدق الصديق وزهده ومكانته وقدره وإيمانه، ولو أخذت آراءهم جميعاً ما اختاروا غير الصديق ﵁ وأرضاه، لكن الصديق رجل يريد أن يقطع الشك باليقين، ويقتل الفتنة في مهدها، ويسترضي أصحابه مع كونه لم يكن مخطئاً في استثنائهم، بل كان مضطراً. وبهذا وضح لنا أن إسراع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة لم يكن اجتهاداً مصيباً منهم، فها هي آثار ورواسب ذلك حدثت في نفوس المهاجرين، مع أن الخليفة أبا بكر منهم فكيف لو كان من غيرهم؟ نعود ونؤكد أن هذه الرواسب لم تكن لأمور قبلية أو عصبية أو اعتراض على الاختيار، ولكن المهاجرين وجدوا في أنفسهم؛ لاستبعاد رأيهم في هذه القضية الخطيرة.

стр. 89

موقف عمر بن الخطاب يوم السقيفة هذا الموقف من الأنصار ﵃ أجمعين هو الذي حدا بـ عمر بن الخطاب ﵁ أن يقول عبارتين في وقتين مختلفين، ولا يفهم ذلك إلا من اطلع على كل هذه الظروف: العبارة الأولى: قالها يوم السقيفة، وبعد مبايعة أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. قال رجل من الأنصار لـ عمر بن الخطاب: قتلتم سعداً والله! يقصد: قتلتم سعد بن عبادة سيد الأنصار باختياركم غيره، فقال عمر بن الخطاب: قتل الله سعداً! قتل الله سعداً! وهذه رواية صحيحة في البخاري، هذه الكلمة من عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كما قال ابن حجر هي دعاء على سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه. ولاشك أن هذه الكلمة تعبر تعبيراً واضحاً عما يجيش في صدر عمر بن الخطاب من أسى وحزن وغضب من اجتماع الأنصار بمفردهم؛ ذلك أنه كان يخشى الفتنة التي كان من الممكن أن تحدث لو اختاروا زعيماً ليس على رغبة المهاجرين. وروى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه تفسيراً لهذا الموقف فيقول: أما والله! ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أرفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما نبايعهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون الفساد. وهذا منتهى الوضوح، وقد يحمل كلام عمر بن الخطاب أيضاً على محمل آخر، وهو: أنه يقول: قتل الله سعداً بأخذ الإمارة منه، لسنا نحن الذين قتلناه، بل إن التشريع الذي قاله رسول الله ﷺ في الولاية هو وحي من الله وليس لنا ولا لأحد فيه يد. فكأن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول للأنصاري: إنك إن كنت تعتبر أن سحب الخلافة من سعد بن عبادة قتلاً فإن الذي فعله هو الله . وسواء كان هذا المعنى أو غيره فليس معنى ذلك أنه كان بين سعد وعمر ﵄ شقاق أو كراهية أبداً، وإنما عمر بن الخطاب غضب من سعد في موقف من مواقف حياته العديدة، كما يغضب رجل من رجل أو يختلف رجل مع رجل، وهذا شيء طبيعي جداً، وهذا حتمي أن يحدث بين المؤمنين، لكن ليس معناه أن يحدث هجران بين المسلمين أكثر من ثلاث، وهذا مما لم ينقل عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة أو عن عمر بن الخطاب والحباب بن المنذر أو غيرهم. وليس من الطبيعي ولا الفطري أن يتعايش الناس دون اختلاف في الرأي، أو غضب من بعض الأفعال، أو حتى خروج لبعض الكلمات التي لا يرضى عنها قائلها، فهذا أمر وارد في حق البشر أجمعين، لكن المهم هو عدم التمادي في هذه الأمور، والمهم أيضاً: العودة سريعاً إلى الاجتماع بعد الاختلاف. والعبارة الثانية التي قالها عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه جاءت في رواية البخاري ومسلم: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في أيام إمارته على المسلمين خطب في الناس فقال: بلغني أن فلاناً منكم - وليس هناك تبين من هو هذا الشخص- يقول: لو مات عمر بايعت فلاناً، يعني: أنه سيبايع طلحة بن عبيد الله دون مشورة أحد، فهو في رأيه أحق الناس بالخلافة بعد عمر، هكذا يقول الرجل. يقول سيدنا عمر: فلا يغترن امرئ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت، يعني: فجأة، وعمر ﵁ يريد أن يحذر من يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فجأة دون ترتيب ومع ذلك تمت ونجحت، وبويع لـ أبي بكر، فما المانع إن مات عمر أن نبايع رجلاً آخر فجأة، ويتم له الأمر؟! فسيدنا عمر يصحح المفاهيم لهذه الأمة فيقول: ألا وإنها -يعني: بيعة الصديق - قد كانت كذلك -يعني: كانت فلتة- إلا أن الله وقى شرها. وهذه عبارة في غاية الأهمية. وسيدنا عمر بن الخطاب يقصد أن عملية البيعة الفجائية كان من الممكن أن يتبعها شر عظيم، ولابد أن تعقد الشورى بين كل الأطراف الذين يستعان برأيهم في هذه الأمور. وبيعة الصديق الفجائية كان من الممكن ألا تقر من عامة المسلمين، لولا أن المبايع هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ولذا سيدنا عمر بن الخطاب خائف، فلو تخيلنا أن المهاجرين انقسموا على أنفسهم بعد وفاة عمر بن الخطاب فاختار بعضهم طلحة مثلاً، واختار بعضهم علياً مثلاً، واختار بعضهم عثمان مثلاً

стр. 90

سر إجماع الصحابة على بيعة الصديق وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا هذا الإجماع العجيب على الصديق ﵁ وأرضاه؟ يبدو والله! أننا مهما قلنا ومهما شرحنا ومهما ذكرنا من مواقف وأحداث فإننا لن نوفي هذا الرجل حقه، فنحن لو كنا نقارنه بأناس عاديين لكان يسيراً أن نفقه هذا الاجتماع من الصحابة على صعوبة هذا الاجتماع، لكنه ﵁ يقارن برجال أعلام أفذاذ عباقرة لم يوجد في التاريخ جيل مثلهم، فكل رجل منهم أمة، وخذ كتب السيرة والتاريخ واقرأ، اقرأ -مثلاً- حياة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وما فعله للإسلام والمسلمين منذ أسلم وحتى مات، اقرأ عن علمه وعدله وفقهه وورعه وتقواه. واقرأ -مثلاً- عن عثمان بن عفان ﵁ وما قدمه في حياة طويلة، واقرأ عن كرمه وعن زهده وعن أخلاقه. واقرأ -مثلاً- عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وعن تاريخه المجيد، وفضله العظيم، وكلامه الحكيم، واقرأ عن قوته وحكمته وحلمه وشجاعته، وذكائه. واقرأ عن غيرهم من الصحابة، اقرأ عن الزبير وعن طلحة وعن أبي عبيدة وعن سعيد بن زيد وعن عبد الرحمن بن عوف وعن سعد بن أبي وقاص، فكل اسم من هؤلاء ستجد له ذكريات كثيرة من الإيمان والجهاد والبذل والمروءة. واقرأ عن حمزة وعن مصعب وعن سلمان وعن حذيفة وعن صهيب وعن بلال وعن خالد اقرأ عنهم وعن عشرات معهم، وعن مئات معهم، بل وعن آلاف معهم، واقرأ عن عظماء وعلماء المسلمين في كل عصر وفي كل مكان، اقرأ عنهم جميعاً، واعلم أن كل من سبق ذكره لو جمعوا في كفة والصديق في كفة لرجح بهم الصديق، فأي فضل؟ وأي قدر؟ وأي عظمة؟ وأي مكانة؟ روى الإمام أحمد ﵀ بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي توزنون بها، فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فوزنت بهم فرجحت، ثم جيء بـ أبي بكر فوزن بهم فوزن، ثم جيء بـ عمر فوزن فوزن، ثم جيء بـ عثمان فوزن بهم، ثم رفعت) أي: رفعت الموازين. ويبدو أيضاً أننا لا نعطي القدر الكافي لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه ولـ عثمان ﵁ وأرضاه، ونسأل الله أن ييسر لنا الحديث عنهم بشيء من التفصيل لاحقاً إن شاء الله رب العالمين. لكن نعود إلى أبي بكر الصديق ﵁، فهناك أحاديث كثيرة جداً تذكر فضل الصديق ﵁ وأرضاه، وهي أكثر من أن تحصر في هذه الدقائق القليلة، وحتى لا أبخسه حقه أتحدث عنها في الدرس القادم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 91

سلسلة الصديق_ شروط الاستخلاف لاختيار الخليفة شروط لا بد من توافرها فيه، وهي شروط مهمة، وقد توافرت كلها في الصديق الأكبر أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه.

стр. 92

بعض الأحاديث الواردة في فضائل أبي بكر الصديق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين. اللهم إنا نسألك من كل خير خزائنه بيدك، ونعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، وقد تكلمنا في الدرس السابق عن اختيار الصديق ﵁ وأرضاه؛ ليكون خليفة للمسلمين، وذكرنا في الدرس السابق ما تم من بيعة الصحابة جميعاً بغير استثناء، فبايع المهاجرون وبايع الأنصار وبايع أيضاً علي بن أبي طالب في اليوم الثاني، وبايع الزبير بن العوام أيضاً في اليوم الثاني، وبايع سعد بن عبادة بعد عدة أيام، وهكذا أجمع المسلمون إجماعاً لا شبيه له في تاريخ أمة من الأمم على رجل واحد، أجمعوا على الصديق ﵁ وأرضاه. وذكرنا في الدرس السابق أنه مما يرفع قدر الصديق إلى أعلى الدرجات أنه كان يقارن بمجموعة من العمالقة الأفذاذ يقارن بجيل السابقين، ومع ذلك فمن الواضح أن الصحابة جميعاً كانوا مهيئين نفسياً لقبول أبي بكر زعيماً عليهم، واضح أنه حتى في حياة الرسول ﷺ كان الصديق بارزاً في المكانة وسابقاً في الفضل، وكان الناس جميعاً يضعونه في مكان مختلف عن بقية الصحابة، ولذلك سهل عليهم ترشيحه وانتخابه ومبايعته بهذه الصورة غير المتكررة. وتعالوا بنا نرى تعليقات الصحابة على هذه الشخصية الفريدة في التاريخ الإسلامي. وتعالوا بنا أيضاً نرى تعليقات الرسول ﷺ على هذا الرجل. وبعد أن نرى هذه التعليقات سنعرف أنه كان طبيعياً جداً أن يجتمع الصحابة على اختيار الصديق ﵁ وأرضاه هذا الاجتماع الفريد. روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃ أجمعين). وفي رواية الطبراني زاد: (فيعلم بذلك النبي ﷺ ولا ينكره). وروى البخاري عن عبيد الله بن عمر قال: كنا لا نعدل بـ أبي بكر أحداً، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم. وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: (كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ ونحن متوافرون -يعني: ونحن كثرة- نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت). وأخرج الإمام أحمد ﵀ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر). والذهبي ﵀ يعلق على هذا الحديث فيقول: هذا متواتر عن علي ﵁، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم، والرافضة هم طائفة من الشيعة رفضت خلافة أبي بكر وعمر ﵄. وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، وكلمة (أحبنا إلى رسول الله ﷺ ليست استنتاجاً من سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه بل الرسول ﷺ صرح بها من قبل، فقد روى البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه قال: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، قلت: ثم من؟ فعد رجالاً). وروى الطبراني عن عمار بن ياسر ﵁ قال: من فضل على أبي بكر وعمر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أزرى على المهاجرين والأنصار، أي: انتقص من المهاجرين والأنصار. وروى البخاري عن

стр. 93

الرد على من يطعن في خلافة الصديق بزعم أن غيره أصلح وهنا سؤال هام؟ يقول بعض العلمانيين والمتشككين: آمنا بفضل الصديق ومكانته وإيمانه وتقواه لكن ليس بالضرورة أن يكون المؤمن التقي الورع هو أصلح الناس للخلافة، فرسول الله ﷺ لم يعط الإمارة لأناس لا يشك أحد في تقواهم وورعهم؛ لأنهم لا يصلحون للقيادة والإمارة، فمثلاً: لم يعط الإمارة لـ أبي ذر، وقال له: (إنك امرؤ ضعيف)، بينما ولى عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه على وجوه الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر في سرية ذات السلاسل، ولاه لأنه أبصر بالحرب، يعني: يقولون: قد يكون هناك من هو أبصر بالخلافة من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ونحن وإن كنا نعلم أن هذا الطرح من المتشككين طرح جدلي؛ لأن الأيام أثبتت بعد ذلك كفاءة الصديق كخليفة وكقائد، أثبتت تفوقه على غيره في كل الأمور، إلا أننا نسير معهم فيما قالوه، ونقارع -كما يقولون- الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فنقول لهم: ما هي شروط الخليفة في الإسلام؟

стр. 94

شروط الخليفة في الإسلام وتوافرها في الصديق

стр. 95

الإسلام والبلوغ والذكورة الشرط الأول يتفق فيه كل الصحابة وهو: الإسلام، فلا يجوز لدولة إسلامية غالب سكانها من المسلمين أن يكون الحاكم نصرانياً أو يهودياً مثلاً، ولكن للأسف في بعض البلاد الإسلامية التي غالب سكانها من المسلمين يحكمها نصراني، مثل نيجيريا، فإن ٩٠% من السكان مسلمون، ومع ذلك الحاكم نصراني ولا حول ولا قوة إلا بالله. الشرط الثاني: البلوغ، وهذا أيضاً متحقق في كل الصحابة المرشحين للخلافة. الشرط الثالث: الذكورة، فلابد أن يتولى أمور المسلمين -وبالذات إمامة البلد والقيادة الأولى فيها- رجل، وبعض البلدان الإسلامية يُجعل على رئاستها امرأة، فلعلهم يفتقرون إلى رجل تتوافر فيه شروط الإمام. فشرط الذكورة يتوافر في كل المرشحين للخلافة في زمان الصحابة. وهذه الشروط والشروط التي ستأتي بعد ذلك ليست من كلامي، بل هذه الشروط جاءت في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي ﵀ وجاءت في كتاب أحكام القرآن للقرطبي ﵀، واتفق عليها عامة علماء المسلمين.

стр. 96

العدالة إذاً: هذه شروط ثلاثة: الإسلام والبلوغ والذكورة، ولا يتفاضل فيها أحد من الصحابة على أحد، ثم يأتي شرط هام، شرط العدالة: الصحابة جميعاً عدول باتفاق العلماء، والعلماء يعرفون العدالة فيقولون: العدالة هي ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، وانتبه لكلمة (ملازمة)، فملازمة التقوى والمروءة يعني: أن يكون في حالة مستديمة من التقوى والمروءة، والتقوى وإن كانت من الأعمال التي تحتاج إلى توافق بين الظاهر والباطن وبين السر والعلن إلا أن التقوى التي يبنى عليها شرط العدالة هي التي يراها الناس فقط، يعني: لا نختار الخليفة على أساس القلب؛ فليس لأحد أن يطلع على قلب أحد، ومن هذا المنطلق فإن تعريف التقوى المطلوب في الخليفة هو: اجتناب الأعمال السيئة من الشرك والفسق والبدعة، فلا يأتي بأي عمل من أعمال الشرك، ولابد أن يجتنب الأمور التي يتهم صاحبها بالفسق، يعني: لا ينفع أن يكون لا يصلي، ولا ينفع أن يكون لا يدفع الزكاة، ولا ينفع أن يكون لا يصوم رمضان، ولا ينفع أيضاً أن يكون فاعلاً للكبائر الأخرى مثل شرب الخمر أو الزنا أو المجاهرة بفحش القول أو العمل أو القتل بغير حق أو الاستهزاء بالدين. أيضاً لابد أن يجتنب البدعة، فضلاً عن أن يدعو إليها، فلابد أن يتصف بالتقوى والمروءة. والمروءة يعرفها العلماء: أنها التنزه عن الخسائس والنقائص التي قد تكون مباحة، يعني: ممكن أن تكون حلالاً لكن لا تصح في حق الخليفة، هذه أيضاً ترتبط بالشرع وترتبط بالعرف، فمثلاً: كثرة المزاح وضياع الهيبة هذه أشياء تسقط مروءة الرجل وإن كان صادقاً في مزاحه، وطبعاً الموضوع فيه تفصيل كبير ليس المجال الآن لشرح هذا التفصيل. فشرط العدالة يقتضي أن يكون الخليفة تقياً صاحب مروءة، وإن كنا قد ذكرنا أن الصحابة كلهم عدول من هذه الوجهة إلا أنه من الواضح والمعلوم أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه هو أكثرهم عدالة وأعظهم تقوى وأشدهم مروءة؛ لما سبق من الأحاديث، ولشهادة رسول الله ﷺ له بالإيمان والصحبة والدرجة العالية في الجنة. ثم تأتي بعد هذا الشرط شروط في غاية الأهمية، هذه الشروط تحتاج منا إلى بعض البحث في أحوال الصحابة؛ لنرى من هو أصلح الناس على ضوء هذه الشروط لتولي الخلافة، والشروط المتبقية ثلاثة: الشرط الأول: الشجاعة والقوة والنجدة. الشرط الثاني: العلم والدراية بأمور الفقه والدين والحياة بصفة عامة. الشرط الثالث: حسن الرأي وحسن الإدارة والحكمة في المفاضلة بين الأمور. وهناك شرط رابع تكلمنا عليه قبل، وهو شرط أن يكون من قريش، وهذا الشرط استثنى الأنصار كما ذكرنا وفصلنا فيه في الدرس السابق. تعالوا بنا نتعرف على هذه الشروط الثلاثة وأين موقع الصديق منها:

стр. 97

الشجاعة أولاً: شرط الشجاعة والقوة والنجدة؛ لابد لخليفة المسلمين أن يكون شجاعاً قوياً وإلا ضاعت هيبة البلاد، فقرار الحرب يحتاج إلى رجل شجاع لا يهاب الموت، بل يطلبه، فإذا تردد الخليفة في نفسه ساعة أو ساعتين أو يوماً أو يومين فقد تضيع البلاد نتيجة التردد والجبن، فأين الصديق ﵁ وأرضاه في صفة الشجاعة؟ روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵀ قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ هذا الموقف العصيب فيه محاولة لقتل رسول الله ﷺ ، فأتى أبو بكر الصديق دون غيره من الصحابة ودافع عن رسول الله ﷺ في موقف من أشد المواقف خطورة على حياة الرسول وعلى حياة الصديق نفسه، فإذا انتهكت حرمة الدين أو حرمة رسول الله ﷺ فإن الصديق لا ينظر لنفسه أبداً. وتعالوا بنا نرى هذه الرواية اللطيفة التي رواها البزار في مسنده، وذكرها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند شرحه للحديث السابق، هذه الرواية: عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: أخبروني من أشجع الناس؟ وفي ذلك الوقت كان علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، قالوا: أنت؟ قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني من أشجع الناس؟ يعني: أنا شجاع لكن هناك من هو أكثر شجاعة مني، فقال الناس: لا نعلم، فمن؟ قال علي: أبو بكر، شيء غريب جداً، من كل الصحابة اختار أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه ليكون أكثر الناس شجاعة في رأي علي بن أبي طالب، فبدأ علي بن أبي طالب ﵁ يفسر لهم قال: إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ ؛ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله! ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس، ولقد رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلتله وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً؟ يقول سيدنا علي: فوالله! ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟ ثم رفع علي ﵁ وأرضاه بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ فوالله! لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون. يعني: لأن ذاك رجل يكتم إيمانه، أي: مؤمن آل فرعون، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨]، والصديق أعلن إيمانه. فـ الصديق ﵁ وأرضاه شهد مع رسول الله ﷺ كل المشاهد والغزوات بما في ذلك أحد وحنين، حيث فر معظم القوم، ولم يبق معه إلا القليل، وكان أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه من هؤلاء القليل. وهنا شيء مهم: شرط الشجاعة في الخليفة يقصد به الشجاعة في القلب والتي تؤدي إلى قرار شجاع غير متردد، وليس بالضرورة أن يكون صاحب الرأي الشجاع هو أمهر الناس في القتال أو هو أقواهم جسداً، ولكن المراد أن يأخذ القرار الشجاع المناسب في الموقف حتى وإن كان على حساب حياته، ولا يشترط في الخليفة أن يقاتل بنفسه حتى يشترط أن يكون أمهر الناس وأقواهم جسداً، وإن كان أبو بكر كان يقاتل بنفسه أحياناً ﵁ وأرضاه وهو خليفة إذا تطلب الأمر ذلك، ففي حروب الردة خرج في حرب عبس وذبيان بنفسه لما غزوا المدينة المنورة، فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وإن كان رجلاً نحيلاً ضعيفاً في بنيته إلا أنه كان أشجع الصحابة، كما في قرار حروب الردة وقرار فتح فارس والروم. نعم هناك من الصحابة من هو أقوى منه جسداً وهناك من هو أمهر منه حرباً ورمياً لكن هذا لا يشترط في الخليفة، إنما يشترط في قائد الجيوش أو الممارس للقتال، لذلك ولى رسول الله ﷺ عمرو بن العاص على أبي بكر في موقعة ذات السلاسل؛ لأن عمرو بن العاص في هذه الجزئية يتفوق، لكن في شمول معنى القيادة

стр. 98

العلم هذا بالنسبة لشرط الشجاعة، وأما بالنسبة لشرط العلم فكيف كان حال الصديق؟ الصديق ﵁ وأرضاه كان أعلم الصحابة. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله ﵎ خير عبداً) والرسول ﷺ لم يحدد هذا العبد في الحديث، وقال: (خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله تعالى، فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، يقول أبو سعيد الخدري: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير) يعني: لماذا أبو بكر يبكي؟ فالرسول ﵊ يقول: (إن عبداً خير)، فلماذا يبكي، يقول أبو سعيد: (فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا) فكان أبو بكر هو الوحيد الذي فهم أن الرسول ﷺ يقصد نفسه في هذا الحديث. وكان الصديق لعلمه الغزير يفتي في وجود الرسول ﷺ ، يعني: يكون الرسول ﷺ موجوداً ويفتي الصديق في حضرته، وكانت هذه الخاصية له أساساً وأحياناً لـ عمر بن الخطاب ﵄ وليس لغيرهما، سئل عبد الله بن عمر ﵄: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر وعمر ﵄ وما أعلم غيرهما. وتعالوا بنا نرى القصة التي حدثت في زمن الرسول ﷺ ، روى البخاري ﵀ عن أبي قتادة ﵁ وأرضاه قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله، يعني: يريد أن يأخذه على غرة، حتى يقتله غدراً، قال: فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فضربت يده فقطعتها، ثم يكمل أبو قتادة الموقف فيقول: ثم أخذني -أي: هذا الرجل المشرك الذي قطعت يده- فضمني ضماً شديداً حتى تخوفت، ويبدو أنه كان رجلاً شديداً وقوياً، قال: فضمني ضماً شديداً حتى تخوفت، يعني: خفت على نفسي أن أموت، قال: ثم ترك ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم. وطبعاً هذا كان في أول يوم حنين، قال: فإذا بـ عمر بن الخطاب في الناس ﵁ فقلت له: ما شأن الناس؟ ما الذي حدث؟ لماذا يهربون؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ ، ثم انتصروا، يعني: انتصر المسلمون وهزم المشركون، قال: وبعد الموقعة قال رسول الله ﷺ : (من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه) يعني: من يأتي بشاهد على أنه قتل قتيلاً يأخذ هذا السلب الذي للقتيل، قال: فقمت لألتمس بينة قتيلي فلم أر أحداً يشهد لي، فجلست، يعني: لم أتكلم، قال: ثم بدا لي، يعني: قلت: وما المانع أن أتكلم، قال: فذكرت أمره لرسول الله ﷺ ، فقال رجل من جلسائه: صدق، يعني: أنا شاهد على هذا الأمر، وسلبه عندي، فأرضه مني، يعني: هناك رجل آخر من المسلمين اعترف أن السلب معه، لكنه يريد أن يأخذه أو يرضيه أبو قتادة بشيء، يعني: السلب هذا عندما أعيده لك تدفع لي أي شيء. وهنا قام الصديق ﵁ وأرضاه، وطبعاً لم يطلب أحد منه الكلام، لكنه قام, وكل هذا الكلام أمام الرسول ﷺ ، فهنا قام الصديق ﵁ وأرضاه وقال في حمية: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش -يعني: طائراً ضعيفاً- ويدع أسداً من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ ، يعني: يستنكر الصديق ﵁ وأرضاه أن يأخذ الرجل من السلب شيئاً وإن كان معه ولكن يعطى لـ أبي قتادة كاملاً، فقال النبي ﷺ : (صدق فأعطه). فصدق رسول الله ﷺ على فتوى الصديق ﵁ وأرضاه وهو في حضرته. قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى: إن أهل السنة اتفقوا على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد. فلماذا هذا العلم الغزير عند الصديق ﵁ وأرضاه؟ لعل سبب هذا العلم الغزير وتفوقه على الصحابة هو ملازمته للنبي ﷺ أكثر من غيره، فقد كان يجتمع به ليلاً ونهاراً وسفراً وحضراً وما أكثر الأحاديث التي ذكر فيها أن رسول الله ﷺ خرج هو وأبو بكر، أو دخل هو وأبو بكر، أو جلس هو وأبو بكر هكذا. وأيضاً هناك أدلة أخرى كثيرة ع

стр. 99

حسن الرأي إذا قال أحد الناس: نعم، إنه كان عالماً أو كان أعلمهم، لكن قد يفوقه آخرون في حسن الرأي وفي استغلال العلم الذي يعلمه. فإننا نرد على ذلك بأن نقول: إن الصديق كان أعظم الصحابة رأياً وأحكمهم في التصرف، فإن الرسول ﷺ كان دائم الاستشارة للصديق ﵁ وأرضاه، وكان أحياناً يستشيره بمفرده وأحياناً يستشيره مع الصحابة، وكان يميل إلى رأيه دائماً ﷺ ، وظهر ذلك واضحاً في استشارته في أمر قتال المشركين في بدر، وظهر في أمر الأسارى في بدر، وظهر في الحديبية بشكل عجيب لما توافقت كلمات رسول الله ﷺ ورأيه مع كلمات ورأي أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه. أخرج الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم ﵁ والطبراني عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما). وظهر من حسن الرأي للصديق ﵁ وأرضاه في أيام خلافته ما يعجز البيان عن وصفه، فهناك تفصيلات كثيرة سنتحدث عنها -إن شاء الله- في حلقات حروب الردة، وفي حلقات فتوح فارس والعراق، وفي حلقات فتوح الشام، ونشرح فيها آراء الصديق السديدة واختياراته الحكيمة، ولا يخفى علينا جميعاً ما في حسن اختياره لـ عمر بن الخطاب كخليفة من بعده ما أصلح للأمة أمرها وقوى من شأنها، فالرجل فعلاً يا إخوة مسدد الرأي وعظيم الحكمة، ومن العسير حقاً أن تبحث له عن خطأ في رأي أو في حكم أو في قضية. روى الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل ﵁: (أن النبي ﷺ لما أراد أن يسرح معاذاً إلى اليمن استشار ناساً من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه، فقال النبي ﷺ : ما ترى يا معاذ؟ قال معاذ: أرى ما قال أبو بكر، فقال النبي ﷺ : إن الله يكره فوق سمائه أن يُخطأ أبو بكر). وروى ذلك أيضاً ابن أبي أسامة في مسنده بلفظ: (إن الله يكره في السماء أن يُخطأ أبو بكر الصديق في الأرض). وأخرج ذلك الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يكره أن يُخطأ أبو بكر). قال السيوطي: رجاله ثقات. واستدل ابن القيم ﵀ على فضل الصديق بهذا الحديث، وأضاف أن الرسول ﷺ لم يخطئ أبا بكر أبداً في حياته إلا مرات قليلة، وهذه المرات كانت في تعبير الرؤيا، وليست في حكم من الأحكام، يعني: في رؤيا عرضت للصديق ففسرها الصديق فبعض التفسيرات للصديق كانت خاطئة. قال ابن القيم: إن المقصود بالتخطيء في الحديث الشريف الذي لا يرضاه الله هو تخطيء البشر العاديين من غير رسول الله ﷺ لـ أبي بكر الصديق، لكن ليس هناك أحد من البشر يعرف يخطئ الصديق في حكم من الأحكام. فأي رجل هذا؟ ومع هذا العلم الغزير والرأي الحكيم إلا أن الصديق ﵁ كان دائم الاستشارة لأصحابه، ولم يكن يعتد برأيه أبداً حتى في قضايا حروب الردة وإنفاذ بعث أسامة بن زيد ﵄، وطبعاً نحن نعرف أن هذا كان رأي الصديق وأصر عليه ونفذه، وإن كان هو صاحب الرأي إلا أنه لم يفعله إلا بعد إقناع الصحابة برأيه، وعلموا جميعاً أن الحق مع الصديق ﵁ وأرضاه. وعن ميمون بن مهران ﵀ قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه نفر كلهم يذكر عن رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا ﷺ ، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله ﷺ جمع رءوس الناس وخيارهم

стр. 100

سلسلة الصديق_ الاستخلاف بين التصريح والتلميح كان أبو بكر الصديق ﵁ أحب الناس إلى النبي ﷺ ، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة فيها الإشارة والتلميح إلى استخلاف الصديق ﵁، ولم يأت استخلافه صريحاً عن النبي ﷺ .

стр. 101

بعض الأدلة التي تشير إلى خلافة الصديق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على ذكرك، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس العاشر من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، في الدرس السابق تحدثنا عن المبررات التي من أجلها أجمع الصحابة هذا الإجماع الفريد على اختيار الصديق خليفة للمسلمين، وذكرنا أنه ﵁ كان أفضل الصحابة على الإطلاق بشهادة الرسول ﷺ وبشهادة جميع الصحابة، وذكرنا شروط الخليفة في الإسلام، وكيف أنها تواترت أعظم ما تكون في الصديق ﵁ وأرضاه. وذكرنا كيف فاق غيره في الشجاعة، وكيف فاق غيره في العلم، وكيف فاق غيره في حسن الرأي، وكيف فاق غيره في العدالة وهكذا. وكان الصديق ﵁ وأرضاه بحق هو الرجل المناسب في المكان المناسب. إذاً: كما ذكرنا في الدرس السابق فإن العقل والحكمة والمنطق كل ذلك كان يؤيد اختيار الصديق دون غيره من الصحابة ليكون خليفة المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، وفوق كل ما سبق فإنه كانت هناك رغبة حقيقية من رسول الله ﷺ في استخلاف الصديق ﵁ وأرضاه. وظهرت هذه الرغبة في أحاديث كثيرة، وفي مواقف متعددة، من ذلك: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر)، والصحابة كانت تفتح لهم أبواب إلى المسجد النبوي الشريف، فالرسول ﵊ أمر أن تسد جميع الأبواب إلا باب أبي بكر فقط. قال العلماء: هذه إشارة إلى الخلافة؛ لأنه يخرج منه إلى الصلاة بالمسلمين كما كان يفعل ﷺ يخرج من بيته للصلاة بالمسلمين، وكذلك سيفعل أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وقد ورد لفظ آخر يزيد الأمر وضوحاً وهو: (سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر)، أخرج هذا اللفظ الترمذي عن عائشة ﵂ والطبراني عن معاوية والبزار عن أنس ﵃ أجمعين. وأخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول: الموت، فقال ﷺ : إن لم تجديني فأتي أبا بكر). قال الشافعي تعليقاً على هذا الحديث: في هذا الحديث الدليل على أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. وفي حديث آخر أخرجه الحاكم وصححه عن أنس ﵁ قال: (بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن سله: إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ فأتيته فسألته فقال: إلى أبي بكر). هذا الحديث يكاد يكون صريحاً؛ لأن الذي يأخذ الصدقات هو الخليفة. وأيضاً أخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ في مرضه -أي: في مرض الموت الأخير-: ادعي لي أبا بكر وأخاك - عبد الرحمن - حتى أكتب كتاباً؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن) أي: أخاف أن يطالب بالخلافة أحد من المسلمين، (ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، فهذا فيه تصريح أشد من رسول ﷺ . يقول ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة: هذا قد يعتبر نصاً جلياً في استخلاف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه. لكن لماذا لم يكتب رسول الله ﷺ كتاباً؟ القصة هذه توضحها رواية أخرى جاءت في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀، روى أحمد وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه

стр. 102

بعض آراء العلماء في أحقية الصديق بالخلافة ومن ألطف التعليقات على قضية إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه المسلمين بالصلاة في أثناء مرض رسول الله ﷺ ما رواه ابن عدي ﵀ عن أبي بكر بن عياش ﵀ -وأبو بكر بن عياش من العلماء في زمان الخليفة العباسي هارون الرشيد ﵀ قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر بن عياش! كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ يعني: يظهر أنه كانت هناك بعض الأمور الغامضة في ذهن الرشيد، فيريد أن يتأكد، فقال: أبو بكر بن عياش ﵀: يا أمير المؤمنين! سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون، فقال الرشيد: والله! ما زدتني إلا غماً يعني: أنا لم أكن فاهماً ولكنني بعد سؤالك لم أفهم أكثر، فقال أبو بكر بن عياش: يا أمير المؤمنين: (مرض النبي ﷺ ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال: يا رسول الله! من يصلي بالناس؟ قال: مر أبا بكر يصلي بالناس، فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله ﷺ لسكوت الله أي: لو أن الله يريد غير أبي بكر لأخبر رسوله عن طريق الوحي، ولكن اختيار رسول الله ﷺ لـ أبي بكر كان اختياراً يرضي الله ، وسكت المؤمنون بعد ذلك لسكوت رسول الله ﷺ ، فأعجب ذلك الرشيد ﵀ وقال: بارك الله فيك. وأيضاً من التعليقات اللطيفة ما علق به أبو الحسن الأشعري ﵀ على مسألة تقديم رسول الله ﷺ لـ أبي بكر الصديق في الصلاة حيث قال: وتقديمه له -أي: تقديم الرسول ﵊ لـ أبي بكر - أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، لماذا الأشعري يقول هذا الكلام؟ لأن الصحابة جميعاً علموا هذا الأمر وقبلوا أبا بكر إماماً لهم، وتواتر ذلك عنهم، ثم قال الأشعري ﵀: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم؛ لما ثبت في الحديث المتفق على صحته بين العلماء: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) أي: إسلاماً. هذا لفظ الإمام مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ وأرضاه، وفي رواية أخرى: (أكبرهم سناً) بدلاً من (أقدمهم سلماً). ويعلق ابن كثير ﵀ على كلام الأشعري ﵀ فيقول: مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، فانظروا كلام العلماء على غيرهم من العلماء، يقول: هذا الكلام من الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه. يعني: اجتمعت فيه قراءة القرآن والعلم بالسنة والقدم في الهجرة والقدم في الإسلام والسن الكبير بين المرشحين للخلافة، فرضي الله عن الصديق ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين. وتعالوا بنا نرى أيضاً بعض التعليقات اللطيفة من الصحابة والعلماء على استخلاف الصديق ﵁ وأرضاه، تعالوا بنا نرى رأي عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود قال عنه رسول الله ﷺ كما رواه الترمذي وحسنه وكذلك رواه الإمام أحمد بن حنبل وصححه الألباني عن حذيفة ﵁ قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر)، وهذه إشارة واضحة إلى الاستخلاف أيضاً. ثم قال: (واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه). قال ابن مسعود فيما رواه الحاكم وصححه: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. يقصد اجتماع المسلمين الصالحين على أمر، فإذا اجتمعوا على أمر ورأوه حسناً فهو عند الله حسن، ويقول سيدنا عبد الله بن مسعود: وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ. ثم يقول عبد الله بن مسعود: وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر. يعني: أن استخلاف أبي بكر الصديق ليس فقط حسناً عند المسلمين بل هو حسن عند الله كذلك. وأخرج البيهقي عن الشافعي ﵀ أ

стр. 103

آراء العلماء حول الآيات والأحاديث التي تشير إلى استخلاف الصديق انقسم العلماء في رأيهم حول هذه الآيات وحول هذه الأحاديث إلى فريقين: وفي الحقيقة الفريقان ليس بينهما خلاف كبير، فالكل يتفق على أن الرسول ﷺ كان يرغب في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه، ولكن الخلاف بينهما في: هل كان ذلك بالنص الجلي الصريح أم بالنص الخفي والإشارة؟ فبعض العلماء مثل ابن حزم الظاهري ﵀ قالوا: إن الرسول ﷺ استخلف أبا بكر بالنص الصريح الجلي، واستشهدوا بأحاديث مثل حديث المرأة التي قال لها رسول الله ﷺ : (إن لم تجديني فأتي أبا بكر)، وبقوله ﷺ لـ عائشة: (ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، وبحديث الرؤيا التي على القليب، ورؤيا الأنبياء حق، وغير ذلك من الأحاديث. أما الطائفة الأخرى من العلماء فقالت: إن استخلاف الرسول ﷺ لـ أبي بكر الصديق كان بالإشارة والنص الخفي، وليس تصريحاً، وينسب هذا القول إلى الحسن البصري وأحمد بن حنبل وابن تيمية وطائفة كبيرة من أهل الحديث. وهذا هو الرأي الغالب؛ فإن رسول الله ﷺ كان من الممكن أن يصرح فيقول: إذا مت فليكن أبو بكر من بعدي، هكذا بوضوح، فالأمر ليس أمراً ثانوياً في حياة المسلمين حتى يتعمد رسول الله ﷺ الحديث بهذا الأسلوب غير المباشر. إذاً: كانت هناك حكمة نبوية من أن الرسول ﷺ لم يصرح بالاستخلاف، وترك الأمر بمجرد الإشارة، وكان هناك رضا من الله على هذا التلميح دون التصريح؛ لأن كل أمور الرسول ﷺ كانت عن طريق الوحي، فكيف بهذا الأمر الخطير؟ يؤكد على أن الرسول ﷺ لم يستخلف تصريحاً ما جاء في كلام عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عند وفاته، روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال عمر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، -يعني: أبا بكر - وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، يعني: رسول الله ﷺ ، يعني: أن الرسول ﵊ في رأي سيدنا عمر لم يستخلف. ويؤكد على هذا أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن السيدة عائشة ﵂ وأرضاها أنها سئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟ وهذا واضح في أنه لم يستخلف، فقالت: أبو بكر إلى آخر الحديث.

стр. 104

سبب عدم تصريح النبي ﷺ باستخلاف الصديق فإذا كان الحق أنه ﷺ لم يستخلف تصريحاً فلماذا لم يصرح ﷺ بالاستخلاف واكتفى بالإشارة فقط؟ ولماذا لم يأمر الرسول ﷺ المسلمين أمراً مباشراً بتعيين أبي بكر خليفة؟ وما هي الحكمة في ترك المسلمين دون تصريح باسم الخليفة. وطبعاً الحكمة الإلهية الكاملة وراء هذا الحدث لا يعلمها إلا الله ، ولكننا نجتهد في فهم هذا الموقف وفق المعطيات التي معنا، والذي يبدو لي أن الرسول ﷺ لم يرد أن يصرح بذلك حتى يترك المسلمين يدبرون أمرهم في غيابه ﷺ ، فالمسلمون بعد هذه اللحظة التي فارق فيها رسول الله ﷺ الحياة سيكون عليهم أن يديروا شئونهم بأنفسهم، لا يتلقون وحياً، وليس لهم عصمة. فماذا يحدث لو اختار لهم رسول الله ﷺ الخليفة الآن بوضوح؟ كانت النتيجة أنه لن يكون هناك الحوار الذي دار وحدث في سقيفة بني ساعدة، طيب ما الفائدة من هذا الحوار؟ لقد تعلم المسلمون في هذا الوقت المبكر وعلموا المسلمين من بعدهم كيف يتم اختيار الخليفة؟ وكيف يكون أسلوب الحوار في مثل هذه المواقف؟ وكيف يمكن قبول وجهات النظر المختلفة؟ وما هي الحدود التي لا ينبغي تجاوزها؟ وهي حدود الشرع، وما الذي يجب أن تكون عليه النفوس حتى يتم اختيار الخليفة بطريقة سليمة؟ وما هي صفات الخليفة المنتخب؟ وما هي مقومات الصديق التي جعلته يتقدم غيره؟ ماذا يحدث لو أن الرسول ﷺ اختار لهم أبا بكر بالتصريح؟ ما الذي كان سيحدث؟ كان أبو بكر الصديق سيتولى أمور المسلمين إلى أجل ثم يموت، فماذا يفعل المسلمون بعد موته؟ يعني: أن المشكلة ستتأخر فقط؟ وكيف يختارون الخليفة الجديد وليس بين أيديهم رسول يختار لهم؟ الصحابة اكتمل نموهم رضوان الله عليهم أجمعين، وحان الآن وقت الفطام عن الوحي وعن العصمة، وآن لهم أن ينطلقوا في الحياة بالكتاب والسنة دون رسول حي بين أظهرهم، فإذا كان سيكتب على المسلمين أن يختاروا في يوم من الأيام خليفة بمفردهم فليكن هذا الجيل الراقي الرائع التقي الورع العاقل الحكيم من الصحابة هو الذي يختار؛ حتى يعطي القدوة والمثل لمن بعده من الناس. هذا أول أمر يبدو لي في عدم تصريح الرسول ﵊ في استخلاف أبي بكر. الأمر الثاني الذي ألاحظه: هو أنه لو فرض رسول الله ﷺ أبا بكر على المسلمين فرضاً بالتصريح لكان لازماً عليهم أن يقبلوا به حتى وإن لم ترض نفوس بعض المسلمين به، فماذا ستكون النتيجة؟ في زمان رسول الله ﷺ كان القوم يخضعون لكلامه عند الاختلاف؛ وذلك لمكانته العظيمة ﷺ في قلوب الناس، ولعلمهم بالوحي الذي ينزل عليه، ولليقين الذي في قلوبهم من أنه معصوم ﷺ . أما الآن فإذا تولى أمورهم رجل منهم وليس برسول فمن الطبيعي جداً أن يحدث اختلاف في الرأي لا يفصل بوحي ولا بعصمة، وهنا سيقول الناس عن الخليفة: هو رجل ونحن رجال، وله رأي ولنا آراء، ففرض رجل من المسلمين على المسلمين دون اختيارهم سوف يسبب ضعفاً في مكانته لا محالة، أما الخليفة الذي ينتخب انتخاباً حقيقياً من شعبه وأتباعه فإنه يعطى قوة لا مثيل لها، والجميع يرضى به، والجميع يجتمع لرأيه، بل والجميع سيبحث عن المبررات لأفعاله، وسيفترض فيه حسن النوايا عند اختلاف الآراء والتباس الأمور، بل وقد يفتديه الجميع بأرواحهم، وكيف لا وهم الذين أتوا به حقيقة إلى هذا المكان؟ إذاً: الانتخاب الحقيقي الذي قام به المسلمون لـ أبي بكر الصديق أعطى له قوة حقيقية وقدرة واضحة على إدارة أمور البلاد، وأعطى له شرعية ما كانت لتكسر لحدث طارئ أو ظرف عابر مهما تعاظم هذا الحدث ومهما تغير هذا الظرف. ونحن رأينا هذا الأمر في حياة الصديق أكثر من مرة؛ فكم من الأمور التي فعلها والقرارات التي أخذها كان من الممكن ألا تلقى هوى في قلوب الناس أو اقتناعاً في عقولهم، ولكن لكونهم اختاروه على علم وعلى بصيرة وثقة في إمكانياته وإيماناً بقدراته فإنهم كانوا ينصاعون لرأيه دون ثورة أو ضجر أو تقصير في الاتباع. الأمر الثالث الهام: هو كون رسول الله ﷺ لم يفرض أبا بكر فرضاً على الأمة؛ لأنه ﷺ يريد أن يرسي قاعدة الانتخاب بين المسلمين، فإنه لو عين خليفة تصريحاً من ورائه لكانت سنة قد تطبق على عموم الأمة بعد ذلك، ولا يبقى أمام كل جيل إلا أن يقبل باستخلاف الخليفة مهما كان، ورسول الله ﷺ يعلم أن هذا الجيل الذي معه هو خير القرون وأنه ستأتي أجيال كثيرة أقل منه في القدر والكفاءة، فلو جعل الأمر في يد رجل واحد يستخلف رجلاً آخر لدخلت عوامل الهوى وعوامل الجهل وعوامل عدم الدراية في الاختيار، ولدفعت الأمة بكاملها الثمن، فهو ﷺ بعدم استخلافه ق

стр. 105

معنى الأحاديث التي تشير إلى استخلاف الصديق وهنا وقفة و السؤال هل كانت كل هذه الإشارات والمواقف والأحاديث من رسول الله ﷺ فقط لحفظ حق الصديق ﵁ وأرضاه في الخلافة، أم أن مصلحة المسلمين الفعلية تقتضي في المقام الأول أن يكون الصديق هو الخليفة؟ والإجابة على هذا الأمر هي: أن الأمرين معاً كانا مقصودين: الأمر الأول: حفظ حق الصديق ﵁ وأرضاه؛ لفضله ومكانته وقدراته وكفاءاته، ولا يجب أن يولى غيره في وجوده. الأمر الثاني وهو الهام جداً: أن مصلحة المسلمين الفعلية كانت في استخلاف الصديق ﵁ وأرضاه دون غيره من الناس. فكان اختيار الصديق خليفة بعد رسول الله ﷺ رحمة بالأمة ومصلحة كبرى لها؛ وذلك لأسباب عديدة أذكر منها ثلاثة: أولاً: تحتاج الأمة أن تسير في نظام هو أشبه ما يكون بحياة رسول الله ﷺ ؛ لأن التغيير في نمط الحياة في الإدارة والمعاملة قد يؤدي بالأمة إلى هاوية خطيرة، فحتى إن كان الشرع يسمح بآراء متعددة في قضية معينة فإن الانتقال من حياة معينة إلى حياة مختلفة يسبب الاضطراب عند الناس والتخبط وعدم توقع خطوات المستقبل، فـ الصديق ﵁ وأرضاه لطول صحبته لرسول الله ﷺ ولقدم العشرة من أول ما نزلت الرسالة على الرسول ﷺ ومروراً بفترة مكة والهجرة وكل المشاهد والغزوات في المدينة لكل هذا كان يعرف كل دقائق حياة رسول الله ﷺ ، وكان كثير الدخول عليه في بيته. وبالذات أن ابنته السيدة عائشة ﵂ هي إحدى زوجات رسول الله ﷺ ، وكان حب الرسول ﷺ سبباً في كثرة اللقاءات بينهما، حتى إنه كثيراً ما كان يذهب لرسول الله ﷺ بعد العشاء ليتبادل معه الرأي والمشورة في أمور كثيرة، هذا الاختلاط الكبير برسول الله ﷺ أطلع الصديق ﵁ وأرضاه على أمور كثيرة ما اطلع عليها غيره. ولذلك فقد كان يعلم ما لا يعلمه كثير من الصحابة الأجلاء، وفوق هذا الاطلاع على حياة الرسول ﵊ فإن الصديق قد تميز برغبة شديدة في اتباع خطوات رسول الله ﷺ واقتفاء آثاره قدر الوسع، ونحن تكلمنا في درس كامل عن اتباع الصديق ﵁ وأرضاه لخطوات رسول الله ﷺ . إذاً: الصديق امتلك الرغبة في الاتباع، وامتلك العلم الذي يؤدي هذه الرغبة، ومن ثم كانت حياته ﵁ وأرضاه تطبيقاً كاملاً لما أراده الرسول ﷺ ، ولاشك أن هذا كان رحمة بالأمة. الأمر الثاني: كان اختيار الصديق ﵁ وأرضاه خليفة للأمة فيه مصلحة كبيرة أخرى وهي أن الأمة قد خرجت من مصيبة هائلة وكارثة مروعة وهي مصيبة وفاة رسول الله ﷺ وكارثة انقطاع الوحي، فتحتاج الأمة في هذه المصيبة إلى الرحمة لا الشدة، وإلى الرفق لا العنف، ومن أرحم بالأمة بعد رسولها ﷺ من الصديق ﵁ وأرضاه؟ لا نقول نحن ذلك بل قاله الرسول ﷺ ، روى الإمام أحمد والترمذي وأبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)، فرحمة الله بهذه الأمة اقتضت أن يتولى أمورها أرحمها وهو الصديق ﵁ وأرضاه. الأمر الثالث: كانت مصلحة المسلمين تقتضي أيضاً أن يتولى أمورها أشد الناس ثباتاً وأرسخهم قدماً فمن المؤكد أن الدولة ستواجه أهوالاً عظاماً وتحديات جسيمة، ومن المؤكد أن كثيراً من التجمعات والأفراد سيطمعون في الأمة الإسلامية بعد وفاة رسولها ﷺ ، فمن يقود السفينة في الأمواج المتلاطمة؟ ومن أشد الصحابة ثباتاً وعزيمة؟ ومن أكثرهم يقيناً في وعد الله بالنصر؟ ومن أعظم الصحابة غيرة على الدين؟ إنه الصديق ولاشك في ذلك. فقد ظهر ثباته من أول يوم مات فيه رسول الله ﷺ ، وظل ثابتاً في كل المواقف والمشاهد والأهوال، وظل ثابتاً في الردة، وظل ثابتاً أمام فارس، وظل ثابتاً أمام الروم، ما لانت له عزيمة وما اهتز له جفن. روى البيهقي بسند صحيح -كما ذكر ابن كثير ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: والله! الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر استخلف ما عبد الله، ثم قالها الثانية، ثم قالها الثالثة، يعني: كرر نفس الجملة ثلاث مرات، فقيل له: مه يا أبا هريرة؟! ومه كلمة تقال للزجر عن الشيء، يعني: أكثرت، وكفاك ما قلته، إنه لقول عجيب، فأخذ أبو هر

стр. 106

سلسلة الصديق_ شبهات حول استخلاف الصديق جمع أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه خصال الخير كلها، لذا كان أحق الناس وأجدرهم بالخلافة بعد موت النبي ﷺ ، إلا أن الحاقدين على الإسلام حاولوا الطعن في الإسلام بالطعن في الصديق واستخلافه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

стр. 107

الصديق هو الرجل الأمثل للخلافة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين، ونسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس الصديق ﵁ وأرضاه، وما زلنا نتحدث عن الحدث الهام الذي تم في ذات اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وهو انتخاب أبي بكر الصديق ﵁ خليفة للمسلمين، ذكرنا في الدرس السابق رغبة الرسول ﷺ في استخلاف الصديق ﵁، وإن كان لمح بذلك تلميحاً قوياً، وأعرض عن التصريح المباشر، وذكرنا أسباب ذلك. وذكرنا أيضاً في الدرس السابق أن الصديق ﵁ وأرضاه جمع كل مقومات الخلافة، وكان أكثر المستحقين لهذا المنصب الخطير في الأمة الإسلامية، فقد كان الصديق ﵁ وأرضاه بحق أفضل الصحابة على الإطلاق، وتوافرت فيه كل شروط الخليفة في أعلى درجاتها، وحاز رضا وموافقة الرسول ﷺ ، وكان استخلافه بحق رحمة وخيراً لأمة الإسلام، ومع كل هذا فقد كثرت الشبهات التي أثارها بعض الشيعة والمستشرقون حول هذا الاستخلاف، وذكروا أنه قد يكون هناك من هو أحق من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه بهذا الأمر.

стр. 108

شبهة أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة من أبي بكر نحن في هذا الدرس سنخصصه بكامله لعرض الشبهات وللرد عليها، ونبتدئ بسؤال هام: إذا لم يكن الصديق ﵁ فمن غيره يكون خليفة للمسلمين؟ وهذا السؤال ليس مجرد طرح نظري لأسماء أخرى، بل هذا سؤال لأن هناك طوائف مختلفة من المتشككين في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه، فقد طرحت أسماء أخرى للطعن في خلافة الصديق ﵁، ولتشويه الصورة الجميلة للجيل الأول، ولأهداف أخرى كثيرة. وكثير من المستشرقين فعل ذلك، وسار على نهجهم بعض المستغربين من أبناء المسلمين، وكثير من طوائف الشيعة أيضاً فعلت ذلك، ولم يطعنوا في خلافة الصديق فقط، بل طعنوا أيضاً في خلافة عمر وعثمان ﵃ أجمعين، وتكاد تنحصر الأسماء المرشحة في شخصين: الأول هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، والثاني: هو سعد بن عبادة ﵁، وقد يفكر البعض في عمر بن الخطاب ﵁. أما سعد بن عبادة ﵁ زعيم الخزرج فقد تحدثنا عن تفصيلات موقفه، ولماذا كان مرشحاً للخلافة، وكيف نزل الأنصار عن رأيهم بترشيحه، وعادوا بعد ذلك إلى ترشيح أبي بكر الصديق ﵁، وكيف بايعوا جميعاً بما فيهم سعد بن عبادة ﵁. أما عمر بن الخطاب ﵁ فلم يطرح اسمه حقيقة من أحد، اللهم إلا من أبي بكر الصديق نفسه يوم السقيفة لما رشحه للخلافة، حيث قال: أنت أقوى مني. فقال عمر: قوتي مع فضلك، والجميع يعلم أن أبا بكر مقدم على عمر، وعمر نفسه كان يقول: والله! لئن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. كما أن الشدة المعروفة عند عمر ﵁ وأرضاه لم تكن مناسبة للأمة وهي خارجة من المصيبة الكبيرة وهي وفاة رسول الله ﷺ . إذاً: يبقى اسم واحد هو محل كلام ونقاش وجدال، وهو البطل الإسلامي العظيم علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. هذا الصحابي الجليل أشاع كثير من الشيعة أنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق ﵁، والمستشرقون أعجبتهم الفكرة وذكروها في كتبهم على أساس أن الخلافة حق منهوب من علي بن أبي طالب ﵁. وهذا الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ظهر في أواخر أيام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه عند اتساع رقعة الإسلام، ودخول الكثير من المغرضين في دين الله، وبدايات الفتنة، ومحاولات هؤلاء المغرضين هدم الإسلام من جذوره وأصوله، حيث دخل في دين الله كثير من اليهود والمجوس الذين أرادوا أن يقسموا الدولة الإسلامية إلى طائفتين متناحرتين، ومن الناحية الثانية أرادوا أن يطعنوا في رموز الصحابة جميعاً. وقد يكون عبد الله بن سبأ اليهودي هو أول من أشاع بين الناس فكرة التشيع لـ علي بن أبي طالب وأنه أولى بالخلافة، وليس من عثمان فقط، بل ومن أبي بكر وعمر ﵃ أجمعين، وكان لـ عبد الله بن سبأ أعوان من قبائل شتى كلها كانت تنقم على الإسلام لأسباب مختلفة، وكثير منهم من أرض فارس من الأقوام الذين أكل الحقد قلوبهم لانهيار دولتهم على أيدي المسلمين، وكان يقود المسلمين أبو بكر ثم عمر ﵄، وما زالت إلى الآن هذه المغالاة في علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وأكثر طوائف الشيعة اعتدالاً ترى شرعية خلافة الصديق وعمر على سبيل جواز إمامة المفضول للفاضل، أي: أنهم يزعمون أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، لكن يجوز أن يتولى الخلافة الأقل فضلاً في رأيهم. هذا الفكر المتشيع لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لا يقتصر على طوائف الشيعة فقط، بل كما ذكرنا أعجبت الفكرة المستشرقون فذكروها في كتبهم، وأفردوا لها البحوث والتحليلات، وانتقل هذا الفكر إلى طائفة من المسلمين المحسوبين على أهل السنة المتعلمين على أيدي هؤلاء الغربيين، وقد قرأت في هذا الموضوع كتابات يقشعر منها البدن، ويكاد المرء يصاب بالغثيان من أولئك الذين يطعنون في صحابة رسول الله ﷺ بهذه الصورة، وما زال هذا الفكر يدرس إلى الآن في جامعات إسلامية وغربية كثيرة. وهنا سؤال يأتي على الذهن: لماذا اختار عبد الله بن سبأ اليهودي أو غيره ممن ابتدع هذه الفكرة علي بن أبي طالب رضي الله

стр. 109

الرد على فرية أن النبي ﷺ أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة وهناك نقطة أخرى خطيرة: لا شك أن الذين أشاعوا هذه القضية كانوا يعلمون أن حجتهم ليست بالقوية، فهم يطلبون خلافة لـ علي بن أبي طالب ﵁ على أساس القبلية والقرابة، وهذه مؤهلات غير مقبولة في الشرع، فماذا يفعلون حتى يثبتوا خلافة في غير موضعها؟ لقد بحثوا عن مصداقية أخرى لهذا الأمر، فوجدوها في فرية أخرى ابتدعوها ابتداعاً، تلك الفرية هي الادعاء بأن الرسول ﷺ قد أوصى لـ علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة من بعده، فعملوا موضوع الوصية المشهور، ونشرت طوائف كثيرة من الشيعة هذه الإشاعة، وأعجبت المستشرقون والعلمانيون حتى درسوها في المدارس والجامعات؛ حتى يوهموا الدارسين أن المخالفات الشرعية بين الصحابة كانت مبكرة جداً، فبمجرد أن مات الرسول ﵊ بدأ الصحابة يخالفون، هكذا أرادوا. وللأسف وجدت مثل هذه المناهج رواجاً، وما زالت تدرس وبشدة في أكثر من جامعة مسلمة، ووجدت أيضاً كتب كثيرة تتبنى هذا الفكر مع كونه مغايراً للحقيقة تماماً. وللرد على هذه الإشاعة أو الشبهة (شبهة أن الرسول ﷺ قد أوصى لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بالخلافة) نقول: أولاً: لم يرد بهذه الوصية نقل صحيح، فكل الروايات التي ذكرت هذه الوصية روايات في غاية الضعف، بل هي موضوعة من الأصل، يعني: أنها مؤلفة، ونحن كمسلمين حريصون على ديننا فيجب أن نحرص على أن ننقل الصحيح فقط من الروايات، وبالذات في هذه القضايا الشائكة وهذه الأمور التي يطعن بسببها في صحابي أو أكثر، ومن أراد أن يخرج علينا بفكرة الوصاية فعليه أن يأتي بالدليل الصحيح، وإلا فما أسهل الكلام! النقطة الثانية: إذا كانت هناك وصية معلومة من رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب ﵁، للزم أن نفترض أن الصحابة جميعاً اتفقوا على مخالفتها، وطبعاً مخالفة وصية كهذه ستكون مخالفة واضحة صريحة للشرع، فيلزم هنا مرة ثانية أن نتهم الصحابة جميعاً بالمخالفة الشرعية للإسلام، وهذا أمر خطير لا يعقله عاقل. وكيف يمكن أن جيلاً بأكمله يتفق على خلافة رجل وإنكار خلافة رجل آخر، مع وجود الوصية بغير ذلك؟ مع العلم أن أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ كلاهما من قريش، يعني: لا مجال لترجيح واحد على الآخر إن كانت هناك وصية بذلك، وكيف يتفق الأنصار مع القرشيين على علي بن أبي طالب؟ ولماذا الأنصار يختارون سيدنا أبا بكر ولا يختارون سيدنا علياً ويتفقون مع القرشيين على ذلك؟ هذه تساؤلات لا رد عليها عند طوائف الشيعة التي تتبنى فكرة الوصية لـ علي بن أبي طالب، ولن يستطيعوا أن يخرجوا من هذا المأزق إلا بأمر عجيب. ففسقوا وأحياناً كفروا كل جيل الصحابة إلا مجموعة تعد على أصابع اليدين، وهذا من المستحيل أن يستساغ عقلاً فضلاً عن غياب النقل الصحيح بذلك. هذا الموقف في غاية الخطورة، وترتبت عليه نتائج خطيرة، فإن هذه الطوائف الشيعية المتجاوزة قالت: إن كان هؤلاء الصحابة بدلوا وغيروا في أمر خطير كهذا، فكيف يقبل منهم بقية الأمور؟ لذلك قالوا: يجب ألا ينقلوا عنهم حديثاً ولا ديناً ولا تشريعاً ولا فقهاً، فحرموا أنفسهم وأتباعهم من آلاف الأحاديث التي نقلت عن طريق هؤلاء الصحابة. فقالوا: لا نأخذ عن عائشة، ولا نأخذ عن أبي هريرة، ولا نأخذ عن عمر بن الخطاب، ولا نأخذ عن عبد الله بن عمر، ولا نأخذ عن عبد الله بن عمرو، ولا نأخذ عن كل الأنصار. إذاً: أين الدين؟ وأين الشرع الذي تتبعون؟! لا يأخذون إلا ما جاء عن طريق علي بن أبي طالب وعدد محدود جداً لا يزيد عن العشرة من صحابة رسول الله ﷺ ، وينقلون عنهم بواسطة طرقهم الخاصة التي هي في غالبها ضعيفة، بينما يعرضون كلية عن كل الطرق التي قبلها علماء السنة المسلمين؛ لأنهم كما يقولون: نقلوا عن الصحابة الذين تآمروا -في زعمهم- على علي بن أبي طالب ﵁. فهؤلاء لا يعترفون بـ البخاري ولا بـ مسلم ولا بسنن أبي داود، ولا بـ الترمذي، ولا بـ النسائي، ولا بـ ابن ماجه، ولا بالإمام أحمد ولا يعترفون بكل أئمة الحديث عند المسلمين. وهذه كارثة وهاوية سحيقة، وضرب للدين في أصوله. النقطة الثالثة: إذا كان هناك فعلاً وصية لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلماذا لم يصرح بها علي بن أبي طالب أو حتى يكتفي بالإشارة أو بالتلميح؟ ألا يعد علي بن أبي طالب هنا كاتماً لما أوصاه به رسول الله ﷺ ؟! وإذا كانت هناك وصية لأحد فكتمها فإنه يعد

стр. 110

الرد على شبهة أن بعث النبي ﷺ علياً بسورة براءة فيه إشارة إلى استخلافه وهذه شبهة جديدة قالوها في هذا المضمار أيضاً، قالوا: لقد أرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ بصورة براءة، ليقرأها على الناس في الحج، ويقطع بها عهود المسلمين معهم، وفي ذلك -كما زعموا- إشارة إلى استخلاف علي بن أبي طالب ﵁. ومن المعروف أن أمير الحج في هذا الموسم كان أبا بكر الصديق ﵁، فقالوا: لو لم يكن يقصد أن يستخلف علياً لجعل أبا بكر هو الذي يقطع العهود. وسبحان الله! ما أسخف هذه الشبهة! وما أتفهها! أولاً: نزلت سورة براءة بعد خروج أبي بكر بوفد الحج، وكان أبو بكر هو الأمير، فلما نزلت السورة أرسل رسول الله ﷺ رجلاً من رجاله لم يكن في الحج وهو علي بن أبي طالب، أرسله بالسورة حتى يصل بها إلى الناس المجتمعة في الحج. ثانياً: من عادة العرب أن الذي ينقض عهد رجل لابد أن يكون من قبيلته، فلكي يقطع عهد رسول الله ﷺ لابد أن يكون القاطع لهذا العهد من قبيلته، وهو علي بن أبي طالب. والحديث هنا في موسم الحج ليس للمسلمين فقط؛ حتى يكلف الرسول ﷺ أبا بكر ولا ينظر إلى تقاليد العرب في نقض العهود، بل إن الحديث المقصود موجه إلى المشركين في الأساس، ولابد أن يصله إليهم بالصورة التي يقبلونها دون جدال ولا نقاش. ثالثاً: لقد تعلق المغرضون بإشارة خفية في إرسال علي بن أبي طالب وأغفلوا أمراً جلياً واضحاً في ذات القصة، وهو أن علي بن أبي طالب لما جاء إلى أبي بكر الصديق ﵁ في مكة قال له أبو بكر الصديق: أمير أم مأمور؟ فقال علي بن أبي طالب: بل مأمور. فكيف يعتقدون في استخلاف المأمور علي بن أبي طالب ويتركون الأمير أبا بكر الذي يعلم الناس أمور حجهم، والذي يقود الجميع بما فيهم علي بن أبي طالب نفسه؟!! فمن الواضح أن هذه القصة حجة عليهم لا لهم، ولكن: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
следующие страницы →