← История

История · id 37380

فلسطين حتى لا تكون أندلسا أخرى

راغب السرجاني

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة فلسطين_ المؤامرة مؤامرات أعداء الله على الإسلام وأهله كثيرة، وكل مؤامرة لها خطورتها على المسلمين، لكن أشد هذه المؤامرات خطورة على الإسلام وأهله المؤامرة الفكرية ثم المؤامرة الأخلاقية، فإن تأثر المسلمين بأفكار الغرب وأخلاقه أحد أسباب انهزام المسلمين نفسياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فلابد من تصحيح المفهوم الإسلامي وحل قضايانا بسرعة قبل الزيادة في الألم، واستفحال سيطرة الكفر وأهله علينا.

стр. 2

علاقة احتلال فلسطين باحتلال الأندلس أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإنه في يوم ٢/ربيع الأول/ ٨٩٧هـ الموافق ٢/ ١/١٤٩٢م، وقع أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك الأندلس من المسلمين معاهدة الاستسلام، وذلك بعد قتل انتفاضة المسلمين التي قامت في ربوع غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وخرج أبو عبد الله الصغير من مدينة غرناطة، ووقف على تل من التلال القريبة من قصر الحمراء -قصر الحكم في غرناطة- وهو يبكي وينتحب، قالت له أمه عائشة الحرة: أجل! فلتبك كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال. وخرج المسلمون بذلك خروجاً نهائياً من الأندلس بعد أن حكمت بالإسلام ثمانية قرون، غير أن الأيام تحمل معها مفاجآت كثيرة، فتلك البلاد التي حكمت بالإسلام هذه المدة الطويلة لا يعيش فيها الآن من المسلمين إلا حوالي مائة ألف مسلم فقط، وهي بذلك تكون من أقل دول العالم احتضاناً للمسلمين، وهو درس لا بد أن يفقهه المسلمون. وكأني ألحظ في وجوه الحاضرين دهشة وتساؤلات، أشعر أن الزملاء يقولون: يا دكتور! أنت نسيت مجموعة المحاضرات الخاصة بفلسطين وإلا ماذا؟ ما هي حكاية الكلام عن الأندلس؟ أبداً والله لم أنس، ولن أنسى قضية فلسطين، ولكن العلاقة وثيقة جداً بين قضية فلسطين الحالية وبين الأندلس الماضية. من جديد ألحظ دهشة في العيون تظهر -سبحان الله- مع تباعد الزمان، وتباعد المكان، فإن العلاقة وثيقة بين الأندلس وبين فلسطين!! نعم، وثيقة وسنرى الرباط بينهما بعد قليل. ملحوظة في غاية الأهمية لتاريخ الأندلس، لماذا لم يعد للإسلام ذكر في هذه البلاد إلا من آثار قديمة، وبعض المساجد التي حولت إلى كنائس، بينما احتلت بلاد إسلامية كثيرة غير بلاد الأندلس، ومع ذلك لم يخرج منها الإسلام، احتلت مصر والجزائر وسوريا والسودان وليبيا والعراق، ومعظم بلاد العالم الإسلامي، لكن البلاد ما زالت مسلمة بعد الاحتلال الطويل، أما أسبانيا فالوضع فيها مختلف، لماذا؟ ذلك أن الاحتلال الأسباني للممالك الإسلامية في الأندلس كان احتلالاً استيطانياً إحلالياً سرطانياً، بمعنى: أن الأسبان ما كانوا يدخلون مدينة إسلامية إلا ويقتلون أهلها جميعاً، مذابح جماعية في كل مكان، أو يطردونهم خارج البلاد، وهكذا مع الوقت يتحول سكان البلد المسلمون إلى شهداء أو لاجئين، ثم يأتون بالأسبان من كل مكان يستوطنون هذه البلاد، وهكذا مع مرور الوقت أصبح سكان الأندلس كلهم من الأسبان، وليسوا من المسلمين، واختفى المسلمون بالكلية من ساحة الأندلس. يا ترى كيف كان حال المسلمين حول بلاد الأندلس في البلاد المجاورة في تونس، في الجزائر، في المغرب، في مصر، في الشام؟ كيف كان حال المسلمين وقت سقوط الأندلس؟ كان المسلمون في فرقة شديدة وضعف، ولاشك أنهم فكروا مع هذا الضعف في استعادة بلاد الأندلس، ولكنهم لم يستطيعوا هذا؛ لضعف قوتهم، ومن المؤكد أن اللاجئين الذين خرجوا من بلاد الأندلس بعد السقوط فكروا يوماً ما في العودة، ولكن لم يستطيعوا؛ لضعف إمكانياتهم وقلة حيلتهم، وهكذا مر شهر وشهران، وعام وعامان، وقرن وقرنان، بل خمسة قرون، وضاعت الأندلس -أسبانيا والبرتغال- من ذاكرة المسلمين. من من المسلمين الآن يفكر في استعادة بلاد الأندلس؟ الأندلس الآن عبارة عن دولتين، تربطهما مع كل بلاد المسلمين علاقات حميمة، كان المؤرخون قديماً عندما يتحدثون عن الأندلس بعد سقوطها يقولون: أعادها الله للمسلمين، كما يتحدث مؤرخ فيقول: فتح طارق بن زياد ﵀ بلاد الأندلس -أعادها الله للمسلمين- في سنة ٩٢هـ؛ ذلك لأنها كانت دائماً في الذاكرة، أما مع تقادم العهد فقد اختفت كلمة: أعادها الله للمسلمين، اختفت من أفواه المؤرخين. انظروا إلى زيارة قام بها سفير مغربي للأندلس بعد سقوطها بأكثر من مائة عام، هذا السفير اسمه الغزال الفاسي ﵀، سفير سلطان المغرب إلى ملك أسبانيا كارلوس الثالث، زار في هذه السفارة مسجد قرطبة الجامع العظيم، فقال عنه: وهو من أعظم مساجد الدنيا في الطول والعرض والعلو، ومنذ عبرنا هذا المسجد لم تفتر لنا عبرة مما شهدنا من عظمته، وتذكرنا ما كان عليه في عهد الإسلام، وما قرئ فيه من العلوم وتليت فيه من الآيات، وأقيمت به من الصلوات، وقد تخيل في الفكر أن حيطان

стр. 3

تباين الآراء في كيفية حل قضية فلسطين عندما تسأل المفكرين من أبناء الأمة المخلصين، أو تسأل عموم الناس، تكون الإجابات متباينة ومختلفة، وكثير منها جميل ورائع. هناك من يقول: إن الجهاد هو الحل الوحيد، وعلى الفلسطينيين أن يستمروا في مقاومتهم، وعلى الحكومات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أن تفتح الأبواب لجهاد اليهود. وهناك من يقول: على العرب أن يتحدوا جميعاً في كلمتهم، ويقفوا أمام اليهود وقفة واحدة في مفاوضة واحدة، بدلاً من التشرذم في لقاءات متفرقة. وهناك من يقول: على السلطة الفلسطينية أن تضع يدها في يد الفصائل المختلفة داخل فلسطين، وأن يتعاونوا على طرد اليهود بدلاً من تركيز السلطة على تحجيم قوة المقاومين للاحتلال. هناك من يقول: لا بد من وقف التطبيع، وقطع العلاقات مع اليهود سواء كانت علاقات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو ثقافية أو غيرها من العلاقات. هناك من يقول: لا بد من الضغط على مصالح الدول الغربية، وتوحيد الكلمة في اجتماعات الأمم المتحدة، والمحافل الدولية وغير ذلك. هناك من يقول: لا بد من تمويل المقاومة الفلسطينية بالسلاح الحقيقي، بدلاً من الحجارة؛ ليستكملوا جهدهم بصورة أكبر وأشد. هناك من يقول: لا بد من السعي لمحاكمة شارون كمجرم حرب، وفتح ملفات صبرا وشاتيلا، وهذا جميل، ولكن هذا يوحي بأن من كان قبله كانوا من الملائكة، سواء باراك أو نتنياهو أو رابين أو بيجن أو جلدا مائير أو غيرهم، كما نسي الناس أن شارون انتخب من عموم اليهود بأعلى نسبة إجماع من سنوات. حلول كثيرة جداً يذكرها المفكرون، ويشعر بها عموم الناس، لكن سبحان الله!! جميع هذه الحلول تتفق في شيء واحد، تتفق في أنه ليس في مقدور الشعوب أن تقوم بها، أنا لا أخاطب الحكومات والهيئات الرسمية في هذه المجموعة من المحاضرات، أنا أخاطب عموم المسلمين الغيورين على القضية، أخاطب الدكتور، والمهندس، والمحامي، ورجل الأعمال، أخاطب النجار، والحداد، والسواق، والحلاق، وأستاذ الجامعة، كما أخاطب الرجل البسيط الذي لا يحسن القراءة والكتابة، ولكن يتألم لفلسطين، أخاطب عموم الناس الذين ليس في أيديهم قرار تسيير الجيوش، ولا قطع العلاقات، ولا غلق السفارات، ولا وقف التطبيع، ولا محاكمة شارون، ولا وحدة قادة المسلمين. الرجل البسيط العادي الذي لا ينتمي إلى حزب من الأحزاب ولا إلى هيئة من الهيئات، ماذا يفعل لفلسطين؟ بمعنى مختصر ما هو دوري ودورك في قضية فلسطين؟ فمن أجل أن تنام في الليل مستريحاً تقول: يا رب! تألمت لما يحدث هناك، ففعلت ما في وسعي، ترى ما هو وسعك؟ وما هي طاقتك؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه في هذه السلسلة من المحاضرات إن شاء الله. مع ملاحظة أن الخطاب لأهل فلسطين سيكون مختلفاً بالكلية هذا الخطاب الذي أتحدث به الآن هو لمن لا يملك أن يجاهد في هذه الأراضي المقدسة، وإلا فلا شيء يعدل الجهاد ضد اليهود.

стр. 4

دراسة المؤامرة الضخمة على الإسلام وأهله إذا أردنا أن نتحدث عن دور المسلمين عموماً في حل قضية فلسطين حلاً على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا بد من دراسة المؤامرة الضخمة الكبيرة المرتبة والخطيرة التي تدبر للإسلام وأهله، وتدبر بالتبعية لفلسطين، مؤامرة ذات جذور قديمة وطرق عديدة، وهي ذات المؤامرة التي حيكت للمسلمين على مدار العصور، منذ بعثة رسول الله ﷺ وإلى الآن وحتى يوم القيامة، وعلى المسلمين أن ينتبهوا قبل أن أشير إلى هذه المؤامرة، أود فقط أن أشير إلى أنه ليس كل ما يصيب المسلمين يكون ناتجاً بالإجمال عن مؤامرة، فكثيراً ما يصاب المسلمون نتيجة تقصيرهم وإهمالهم لواجباتهم، فهي أشياء تكون مدبرة، لكن لضعف المسلمين تفلح هذه التدبيرات في إتيان مفعولها. مثلاً رجل يضيع صلاة الفجر كل يوم، نعم هناك جزء من المؤامرة أن يسهر حتى الساعة الثانية أو الثالثة، ثم ينام قرب الفجر فيضيع صلاة الفجر، فهو ولا شك في ذلك مخطئ، وعليه جانب كبير من التقصير، لكن ليست هي المؤامرة وحدها، مع أنني أعتقد أنه من الصعب جداً أن تفلح مؤامرة في دحر المسلمين أو هزيمتهم، إلا إذا كان المسلمون ضعفاء، نعم، لا ينصر الكافرون على المسلمين إلا بضعف المسلمين، وسيأتي إن شاء الله تفصيل لذلك في نهاية المحاضرات، لكن هذا لا يمنع من دراسة المؤامرة التي دبرها أعداء المسلمين بعناية، ولا بد للمسلمين أن يحذروا، هذه المؤامرة متنوعة ومتعددة، مؤامرة في كل المجالات، وهي مع ذلك متزامنة. مؤامرة على سبيل المثال سياسية عن طريق المفاوضات، والسفارات، والأحلاف، والهيئات، والقرارات، هناك مؤامرة عسكرية عن طريق الجيوش والصواريخ والطائرات والبوارج وإف١٦ وأباتشي وغيرها، مؤامرة اقتصادية عن طريق الحصار الاقتصادي وفرض القيود الاقتصادية، وتحديد سلع معينة للإنتاج، وتبوير الأراضي، مؤامرة تفريقية يفرقون فيها بين أقطار المسلمين عن طريق مؤامرات بين الشعوب، فلا تجد بلداً إلا وتختلف مع جارتها على الحدود والأفكار، مؤامرة أخلاقية عن طريق تمييع أخلاق المسلمين بالإعلام والدش والإنترنت والتلفزيون والصحف الصفراء والخضراء والبيضاء، كل أنواع الصحف، مؤامرة فكرية عن طريق تغيير أفكار المسلمين، وتبديل المعايير الصحيحة، وقلب الموازين العادلة، كل هذه المؤامرات مجتمعة وتجري في وقت واحد متزامن، وكل هذه المؤامرات خطيرة وقاتلة.

стр. 5

المؤامرة الأخلاقية والفكرية وخطورتهما على المجتمعات يا ترى ما هي أخطر مؤامرة في هذه المؤامرات جميعاً؟ الواحد قد يقول: إذا لم يكن كل هذه المؤامرات خطيرة، فلماذا تحديد أي المؤامرات أخطر أو أقل خطورة مادمنا سندافع عنها جميعاً؟ لكن انظر، إذا همشت مؤامرة من المؤامرات، وقللت من قيمتها؛ ضاعت الأولويات عند المسلمين، فيصرفون الأوقات الكثيرة في رد كيد المؤامرات الضعيفة، ويتركون ما هو أشد؛ ولذلك يجب أن يبحث المسلمون عن أخطر المؤامرات، ويوجهوا إليها طاقتهم مع عدم إغفال الرد على المؤامرات الأخرى. نرجع هكذا مرة أخرى، وكل واحد يحاول أن يختبر نفسه، أي المؤامرات أشد على المسلمين؟ أتراها المؤامرة السياسية، أم العسكرية، أم الاقتصادية، أم التفريقية بين الشعوب والأفراد، أم الأخلاقية، أم الفكرية؟ كثير من الناس من الممكن أن يختار المؤامرة العسكرية؛ لأنها تبيد أعداداً كبيرة من البشر في وقت سريع، كلنا نجعل في بالنا قصف الأباتشي، وقتل العشرات أو المئات رقم يلفت الأنظار. وبعض الناس قد يختار المؤامرة السياسية التي تضيع الحقوق، وتضحك على الشعوب، وتقنع الشعوب أنها أخذت حقها وقد ضاع منها كل شيء. وقد يختارون المؤامرة الاقتصادية التي تجوع الأمم وتقتل الأفراد، لكن مع خطورة هذه المؤامرات جميعاً فإن أخطرها على الإطلاق هي المؤامرة الفكرية متبوعة بالمؤامرة الأخلاقية، وأنا أعلم أن الجميع يعلم خطورة المؤامرة الأخلاقية على الأمة الإسلامية، إلا أن المؤامرة الفكرية أشد وأنكى في المسلمين، يا ترى ما هو الفرق بين المؤامرة الفكرية والمؤامرة الأخلاقية؟ وما هو الذي يجعل المؤامرة الفكرية أشد، مع كون المؤامرة الأخلاقية من أبشع الأشياء أو المؤامرات التي يمكن أن توجه إلى قلب الأمة الإسلامية؟ سأعطيكم أمثلة على ذلك: السيدة التي تخرج بلا حجاب، وعلتها في ذلك أنها ترى نفسها أجمل بدون حجاب، أو تسعى للزواج، أو لا تجد القدرة على التغيير، أو مكسوفة من صديقتها، هذه المرأة تعاني من مشكلة أخلاقية، فهي تعلم أين الحق وتتبع غيره لضعف في نفسها، بينما السيدة التي تخرج بلا حجاب؛ لأنها ترى أن الحجاب موضة قديمة كما يقولون، ولباسه رجعية وتخلف وجمود، هذه المرأة تعاني من مشكلة فكرية. أي المشكلتين أخطر: الرجل الذي يأخذ رشوة، ويقول: آخذها لأن ظروفي صعبة، ولولا الظروف الصعبة لم أفعل ذلك. اللهم سامحني؟ هذا الرجل يعاني من مشكلة أخلاقية، بينما الرجل الذي يقول: لا، هذه ليست رشوة، هذه إكرامية، أو هذا حق مكتسب نتيجة مجهود معين فعلته، ويبدأ في تقنين الرشوة، هذه مشكلة فكرية. كذلك في أمور العبادات، الرجل الذي لا يصوم ويقول: والله أنا أجوع بسرعة، أو أنا لا أعرف أن أركز وأنا صائم، أو لا أستطيع أن أترك السجائر، أو أن أصحابي كلهم ليسوا بصائمين؟ فهذا رجل طبعاً عنده مشكلة أخلاقية خطيرة، لكن الرجل الذي يقول: إن الصيام هذا يقلل الإنتاج، أو إن الصيام فعل خطأ قد يؤخرنا إلى الوراء. تستغربون هذا الكلام، لكن هذا الكلام حصل، وقاله زعيم أمة عربية، زعيم توفاه الله، كان يقول: إن الصيام يقلل الإنتاج، ويضعف من الطاقة؛ ولذلك ينصح شعبه ألا يصوم، إي والله كان يقول ذلك. أو يقول: إن الصيام شرع لأجل الشعور بالفقراء وأنا أشعر بهم، فلماذا الصيام؟! هذا الرجل وأمثاله يعانون من مشكلة فكرية خطيرة جداً، حتى الفقهاء يقولون: إنه من ترك الصيام وهو يقدر عليه تكاسلاً فهو فاسق، أما من تركه إنكاراً له فهو كافر. أيضاً في قضية فلسطين قد يقول شخص: أنا أعرف كل الذي يحصل في فلسطين، وبودي أن أساعد، لكنني أرى كذا وكذا من الأمور، فلن أساعدهم، وربنا غفور رحيم، هذا الرجل له دور، لكنه لا يريد أن يقوم بهذا الدور، فهذه مشكلة أخلاقية، فهو رجل لا يوجد فيه نخوة، ولا يوجد فيه شهامة أو حمية لهذا الدين، لكن هناك رجل ثانٍ يقول: ما لنا ولفلسطين، نحن نعيش في بلد وفلسطين بلد ثانٍ، فهذا الرجل الأخير يعاني من مشكلة فكرية. إذاً المؤامرة الفكرية أعمق وأخطر من المؤامرة الأخلاقية وكلاهما خطير، المؤامرة الفكرية تقلب الباطل حقاً، وتقلب الحق باطلاً، فقد يقاتل المرء حتى الموت من أجل قضية خاطئة، ولو عبث العابثون بفكرك لضاعت حياتك وراء أهداف باطلة لا تساوي في ميزان الله ولا في ميزان الإسلام شيئاً، انظر إلى قول الله في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، سبحان الله! وشخص ينشر فساداً وإباحية وفسقاً ومجوناً ويشجع أفلام العري، ويسمح بظهور النساء شبه عاريات، ثم يظن أنه يقاتل من أجل تنوير الشعوب وتحرير الفكر، ومن أجل توسيع المدارك، بل قد يضحي من أجل ذلك بوقته، وصحته، ومجهوده وماله، هؤلاء هم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]. هذه مشك

стр. 6

دور الأمة كأفراد في قضية فلسطين نطرح هذا الأمر جانباً، ونعرض سؤالاً ذكرناه من قبل: ما هو دور الأمة كأفراد في قضية فلسطين؟ أول شيء يخطر على الذهن هو التبرع بالمال، والحق أن التبرع بالمال هام جداً، وهو يسهم بالقدر الأكبر في مجابهة المؤامرة الاقتصادية والعسكرية، وهذا شيء طيب جداً، لكن الحق أيضاً أن المال على أهميته ليس هو أهم الأشياء التي يحتاجها أهل فلسطين، بل يحتاجون أشياء كثيرة غيره وقبله، والآن سأقول هذه الأشياء مجملة ثم نفصل فيها تدريجياً إن شاء الله. الأمر الأول: الذي تحتاجه القضية الفلسطينية هو تحريك القضية بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة، بمعنى الدفاع ضد المؤامرة الفكرية. الأمر الثاني: الدعاء لأهل فلسطين بالثبات والنصر، والدعاء على من ظلمهم بالهلكة والاستئصال، طبعاً بعض الناس قد يستغربون لماذا قدمت فهم القضية على الدعاء؟ أليس من الممكن أن تدعو بشيء لا يرضى عنه الله ، أو تدعو بشيء ليس في مصلحة القضية؟ ألم تسمع حديث رسول الله ﷺ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً: نكثر الدعاء -أي: نكثر من الدعاء- قال ﷺ : الله أكثر)، هذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. فنحن قد ندعو بشيء فيه إثم يخص قضية فلسطين، مثلاً رجل يذهب ليبيع أرضه فتدعو له بالتوفيق، طبعاً هذا لا يستقيم، رجل يذهب ليقضي على من يجاهد في سبيل الله فتدعو له بالتوفيق، أيضاً هذا لا يستقيم، ذكرني هذا بحديث جاء في الصحيفة مع راقصة تقول: والله أنا بعد كل رقصة أدعو الله أن يوفقني في الرقصة الجديدة، فهي كذا تدعو الله، لكن الله لا يستجيب لهذا الإثم وهذه المعصية. أو كالذي يأخذ رشوة ويخاف أن يراه أحد، فيقول: اللهم استر، فهو يدعو الله أن يستره وهو يأخذ الرشوة ويرتكب المنكر ويفعل الفاحشة، إذاً: لا بد أن نفهم القضية أولاً ثم ندعو بالدعاء المناسب. إذاً: نرجع نحصي وسائل المساعدة إجمالاً ثم نفصل: أولاً: تحريك القضية بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة. ثانياً: الدعاء لأهل فلسطين، وعلى اليهود ومن عاونهم. ثالثاً: قتل الانهزامية في نفوس المسلمين. كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يعتقدون أنه من المستحيل أن يهزم المسلمون اليهود، أو أن يستطيعوا أن يتحركوا قيد أنملة في القضية في هذه الآونة، فهذا إحباط شديد ويأس عند كثير من المسلمين، فدورنا في هذه الفترة أن نقتل هذه الانهزامية وأن نعلي من همة المسلمين وبأسهم. رابعاً: التبرع بالمال، وسيأتي حديث طويل عنه إن شاء الله. خامساً: المقاطعة الاقتصادية لكل ما هو يهودي أو من دولة تساعد اليهود. سادساً: إصلاح النفس والمجتمع. فالخمسة الأمور الأولى هي لحل القضية في هذا الوقت الراهن، والأمر السادس إصلاح النفس والمجتمع هو إصلاح القضية على المدى البعيد، إصلاح الأصل الذي بسببه هزم المسلمون، يقول عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في وصيته الجامعة لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه: إنكم لا تنصرون على عدوكم بقوة العدة والعتاد، ولكن تنصرون عليه بطاعتكم لربكم، ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العدة والعتاد. نعم الأصل الذي أدى إلى كل هذا الانهيار في مقاومة المسلمين، وأدى إلى انتصار ثلاثة ملايين أو أربعة ملايين، أو خمسة ملايين من اليهود في فلسطين على مليار وثلث مليار في أرض واسعة وبقاع مترامية الأطراف هو ضعف العلاقة مع الله ، وبعد الناس عن الطاعة وعن الكتاب الكريم والسنة المطهرة. فهذه وسائل ستة -وغيرها كثير- نفصل فيها إن شاء الله الواحدة تلو الأخرى في هذه المجموعة من المحاضرات.

стр. 7

تحريك قضية فلسطين بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة أولاً: تحريك القضية بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة. هذه الجملة تشتمل على ثلاثة مقاطع، تحريك القضية المقطع الأول، بالمفاهيم الصحيحة المقطع الثاني، وبسرعة المقطع الثالث.

стр. 8

تحريك القضية تحريك القضية سبحان الله!! الله حركها لنا، تذكرون أن قضية فلسطين قد خمدت فترة من الزمان بعد معاهدة أوسلو حوالي سبع سنوات كاملة، لكن الله حركها بزيارة شارون للمسجد الأقصى في ٢٨/ ٩/٢٠٠٠م، وهو حدث مع عظمه أهون من أحداث سابقة كثيرة، هناك أحداث كثيرة جداً غير زيارة شارون لم يتحرك لها المسلمون هذا التحرك، هناك قتل للمسلمين وتدمير وتشريد، هناك مذابح مثل مذبحة صبرا وشاتيلا لم يتحرك لها المسلمون مثلما تحركوا لزيارة شارون وهي أهون من قتل المسلمين، لما زار شارون المسجد الأقصى، هذه الحركة للقضية فَعَّلها ، ولابد أن نشكر هذه النعمة، نعمة تحريك القضية، وشكر النعمة يكون باستمرار تحريك القضية. فدورك أنت عندما تقابل شخصاً تكلمه عن قضية فلسطين، تتحدث في كل الدوائر المتاحة: دائرة البيت، دائرة الأهل والأقارب، دائرة الأصدقاء، دائرة العمل، كذلك بعض الدوائر السطحية التي تلتقي بها قدراً دون ترتيب، كأن تكون منتظراً في عيادة الطبيب، أو تكون جالساً فتتحدث مع الناس العاديين عن هذا الموضوع، أو راكباً (تاكسي) وتتحدث مع سائق التاكسي في هذا الموضوع، أو راكباً قطاراً أو حافلة، فتتحدث مع جارك في المقعد في هذا الموضوع. وبعض الناس لهم دوائر أوسع، فمن الممكن أن تكتب مقالاً في جريدة أو حتى خطاباً إلى بريد إحدى الصحف، أو تكتب مقالاً في مجلة حائط في مدرسة أو جامعة، أو تخطب خطبة في مسجد إن تيسر لك هذا الأمر، أو على الأقل توعز لخطيب بخطبة عن فلسطين، يذكر الناس فيها بالمفاهيم الصحيحة لقضية فلسطين، ومن الممكن أن تنظم ندوة، أو تشكل صالوناً ثقافياً، وتأتي بشخص يتكلم فيه عن القضية. وقد تكلمنا من قبل في السيرة عن دور أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه لما ذهب إلى مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه، وكان ذلك في المدينة، فقد كان مصعب بن عمير هو القارئ الذي يعلم الناس، وأسعد بن زرارة ﵁ كان يتعلم من مصعب بن عمير، ولا يملك القدرة على الخطابة التي يملكها مصعب بن عمير، فكان أسعد بن زرارة يهيئ المجالس لـ مصعب بن عمير ويدله على الرجال الذين يتوسم فيهم الخير، ولو سمعوا الدعوة لآمنوا بها واتبعوها، ولاتبع الدعوة بإيمانهم أفراد كثر، وهكذا كان لـ أسعد بن زرارة دور كبير مع أنه لم يكن يتكلم هو بذاته كما يتكلم مصعب بن عمير ﵃ أجمعين. هناك وسائل أخرى لتحريك القضية كالمظاهرات السلمية، إذ تعتبر وسيلة من وسائل التحريك، ولابد أن يكون لها سمت مختلف عن سمت البلاد الغربية الفاسدة التي ليس لها ضوابط من الأخلاق والشرع، فليس من اللائق أن تشكل مظاهرة من أجل تحريك قضية فلسطين، فتقوم بتكسير المحلات والإفساد في الأرض، أو بسباب لا يليق بالمسلم: (ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)، لكن بوسائل متعددة في إطار الأخلاق الإسلامية الشريفة لتحريك قضية فلسطين. المقطع الثاني في الجملة: هو المفاهيم الصحيحة، أؤجله لأنه سيطول بنا.

стр. 9

ضرورة استغلال الوقت في تحريك القضية المقطع الثالث: وبسرعة. نقول: تحريك القضية بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة، ماذا نقصد بقولنا: بسرعة؟ هناك أناس اشتهرت على ألسنتهم كلمة فيها نوع من الهروب. يقولون: الزمن جزء من العلاج، يعني: مع مرور الوقت ستحل القضية، وهذا يا إخوة! مخالف تماماً للواقع، فالوقت ليس في صالحنا كأفراد في الكيان الإسلامي الواسع المترامي الأطراف، وليس في صالح القضية الفلسطينية. هو ليس في مصلحة القضية الفلسطينية؛ لأنه مع مرور الوقت يزداد الألم الفلسطيني، وتزداد القوة اليهودية، ويزداد التبجح اليهودي، ومع مرور الوقت يزيد عدد الشهداء وهذا في حد ذاته ليس خسارة حقيقة، كما سيأتي الحديث بالتفصيل إن شاء الله، لأنهم فازوا بالشهادة، ولكن الخسارة الحقيقة هي استمرار الظلم دون رادع، استمرار قتل الأبرياء دون رادع، ومع مرور الوقت تهدم المنازل الواحد تلو الآخر، وتجرف الأراضي، ويتزايد عدد من لا مأوى لهم، وبذلك تزيد أوراق الضغط اليهودية. مع مرور الوقت يزداد تعذيب الأفراد بل الأطفال، واقرءوا مقالاً في جريدة الحياة اللندنية بتاريخ ١٩/ ٧/٢٠٠١م عن التقرير الذي أعدته المحامية السويدية برجيتا عن حجم الإرهاب الفظيع الذي تمارسه المحاكم الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين، وعن الأعمال الوحشية التي لا تصدق في السجون الإسرائيلية، وبحكم القانون للضغط على أهالي الطفل، وذلك يشمل السجن لفترات طويلة، والجلد، والصعق بالكهرباء، والتقييد للأطفال، وما خفي كان أعظم. مع مرور الوقت تزداد المستوطنات، وتزداد الهجرة اليهودية للأراضي الفلسطينية، ويزداد الإحلال اليهودي للشعب الفلسطيني. مع مرور الوقت يتناقص الغذاء والدواء والكساء لغلق كل المعابر والحدود، وبذلك يموت الشعب جوعاً ومرضاً. مع مرور الوقت يزداد عدد اللاجئين والمشردين والفاقدين للمأوى. مع مرور الوقت يزداد التجرؤ اليهودي على المسلمين، فنسمع عن أشياء جديدة ما كنا نسمع عنها في القضية من قبل، نسمع عن حركات اغتيال متكررة لقادة بعينهم، نسمع عن عمليات اختطاف لأفراد بعينهم من عقر دارهم، نسمع عن ضرب للبيوت بالمروحيات والطائرات الأباتشي والأف١٦، بل نسمع عن حديث على الملأ يناقش: هل نقتل زعماء السلطة أم نتركهم هكذا؟ تبجح يهودي صارخ، ورعاية أمريكية وعالمية لهذا الإجرام، حتى إن نائب الرئيس الأمريكي شين يصرح بمنتهى الوقاحة بأنه لا يرى بأساً في عمليات الاغتيال ما دام هؤلاء الأفراد قنابل بشرية موقوتة. مع مرور الوقت يحدث شيء خطير اسمه إلف المأساة. يتعود المسلمون على منظر دماء الشهداء، ومنظر الجرحى بالمئات والآلاف، ومنظر الأمهات الثكالى، ومنظر الأطفال الباكية المشردة، يتعودون على منظر الهدم والتجريف والظلم والإبادة، فلا تتحرك القلوب كما كانت تتحرك، ولا تذرف الدموع كما كانت تذرف، ولا تتأثر المشاعر كما كانت تتأثر، الناس لا تشعر بقيمة الشمس؛ لأنها ألفت أن تراها كل يوم، الناس لا تشعر بجريمة ترك الصلاة؛ لأنها ألفت تركها كل يوم وهكذا، نحن نريد للقضية أن تحل قبل أن تحدث كل هذه الأمور، وقبل أن نألف مأساة فلسطين. إذاً: الوقت ليس علاجاً وليس مصلحة لقضية فلسطين، كما أن مرور الوقت ليس في صالحنا كأفراد، فالموت يا إخوة! يأتي بغتة، ومن مات قامت قيامته، وسيأتي والله يوم عسير نسأل فيه جميعاً ماذا فعلنا لفلسطين؟ يوم تقترب فيه الشمس من الرءوس، ويشتد فيه الزحام وتزل فيه الأقدام، ولا ينفعنا إلا العمل الصالح، سنسأل: ماذا فعلنا لهؤلاء الذين يقتلون صباح مساء على بعد أميال منك؟ ماذا فعلنا لأرض تغتصب، ودماء تراق، وحرمات تنتهك؟ ماذا فعلنا لتلك المساجد الطاهرة التي تشكو إلى ربها؟ يا ترى! ماذا سنعمل لو متنا في هذا الوقت، وسئلنا عن هذه الأشياء؟ أليس الأفضل أن نجهز إجابة لهذا الوقت وبسرعة؟ يا ترى! لو عرفت أن عصابة تدبر لقتل وسرقة جارك ألا تفعل شيئاً، ألا تتحرك، ألا تأخذك حمية؟ فما بالك لو كان تدبيراً لقتل أمة وسرقة شعب؟ يا ترى! إذا كنت ماشياً في الشارع، ومعك ابنك عمره ٨ سنوات أو ١٠ سنوات، فجاء يهودي وأطلق رصاصة استقرت في قلبه أو في رأسه، فسقط بين يديك وسالت دماؤه وأنت لا تملك علاجاً حتى مات أمام عينيك، فترفع رأسك فتجد أكثر من مليار مسلم يشاهدون ولا يتحركون، ألا ترفع يدك إلى السماء تدعو على من شاهد ولم يتحرك، وتدعو على من سمع ولم يعقل، وتدعو على من قرأ ولم يفقه؟ يا ترى! لو وضعت أموالك كلها في بيت أثثته بتعب وكد وعرق وجهد، ثم جاءت دبابة فأضاعت جهد السنين، وهدمت أحلام المستقبل، فخرجت تحمل من بقي من أولادك مهرولاً؛ هرباً من حطام بيتك وقد اشتعلت به النيران، فإذا بك تعلم أن أكثر من مليار مسلم يشاهدون ولا يتحركون، ألا ترفع يدك إلى لسماء تشكو إلى خالقك ظلم القريب والبعيد، وتشكو ظلم العدو والصديق؟ يا أخي! ضع نفسك في مكانهم، أليس هؤلاء من المسلمين المشتركين معك في عقيدة واحدة؟ أليسوا من البشر الذين لهم أحلام كأحلامك، وآمال كآمالك، وآلام كآلامك، أم أننا لنو

стр. 10

مفهوم الأمة الإسلامية أنا أريد يا إخوة! في هذه المحاضرات أن أرسخ في الذهن مفهوم الأمة الإسلامية، فالأمة الإسلامية ليست مجموعة من الدول، تربطها علاقات سياسية واقتصادية وثقافية طيبة، لا، الأمة الإسلامية شيء آخر، الأمة الإسلامية كيان واحد وجسد واحد وروح واحدة: (مثل المسلمين في توادهم، وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى). تدبر قوله ﷺ ، يقول: (مثل المسلمين في توادهم) يقول: المسلمين لا يقول: المصريين، ولا السوريين، ولا الباكستانيين أبداً، الرابطة التي تجمعنا جميعاً هي الإسلام وليس محل الميلاد، هذا هو الرباط الحقيقي، هذا هو الرباط الاختياري، المرء يختار عقيدته ودينه، لا يختار محل ميلاده، فالأفغاني المسلم الملتزم بدينه وقواعد الإسلام والذي يعيش على بعد آلاف الأميال مني أقرب إلي من الجار في نفس المنزل إذا كان على غير المنهج الصحيح. أترانا لو ربطنا علاقتنا على كوننا فقط ولدنا على أرض واحدة، أيكون هذا رباطاً صحيحاً؟ ألمجرد أنه ولد على أرض مجاورة أصبح أخاً لي تقياً كان أو عربيداً، مؤمناً كان أو فاسقاً، مسلماً كان أو يهودياً؟ المسلمون يا إخوة جسد واحد، جسد يده في السودان ومصر والجزائر والمغرب، ورجله في سوريا ونيجيريا وباكستان والعراق، كبده في السنغال ومالي واليمن وقطر، عينه في الشيشان وكشمير والأردن وأندونيسيا، أذنه في البوسنة وتركيا والكويت والنيجر، قلبه في مكة والمدينة والقدس، (حسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، ليس معقولاً أن يكون القلب مريضاً، وتكون العينان مشغولتين برؤية الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وفي لهو كامل عن القلب، ليس معقولاً أن يكون الكبد متهالكاً، وتكون الأذن مشغولة بسماع النكات والألحان والمباريات والمشاكل التافهة، ليس معقولاً أن تكون الرجل مقطوعة، وتكون اليدان مشغولتين بعد الأموال وكنز الذهب والفضة، (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً). أعداء المسلمين يريدون أن يرسخوا في أذهاننا حدوداً ليست بين الأراضي فقط، ولكن بين القلوب والعقول أيضاً، سياسة استعمارية مشهورة جداً، فرق تسد، وهذه المؤامرة التفريقية التي تكلمنا عليها في بداية الدروس، فقد أدخلوا في روع المسلمين أن يعتز كل بلد بقوميته، حتى يعتز الجزائري بنفسه، ويعتبر نفسه غريباً عن المصري، ويعتز الأردني بنفسه ويعتبر نفسه غريباً عن التركي وهكذا. أدخلوا الفرقة في قلوب المسلمين حتى أصبح المسلم في بلد إذا ساعد مسلماًَ في بلد آخر يعتبر ذلك تفضلاً منه ومنةً على الآخرين، أبداً يا إخوة! هذه والله حقوق وليست فضائل، كالذي يدفع زكاته للفقير هذا لا يجب أن يمن على الفقير بزكاته، فالزكاة حق مكتسب وشرعي للفقير، والله قسم الأرزاق، فجعل الناس بين غني يعطي، وبين فقير يأخذ، كذلك قسم الله الابتلاءات على بلاد المسلمين، هذا بلد ابتلي باليهودي فعليه أن يقاوم، وهذا بلد ابتلي بالأمن والمال والرخاء فعليه أن يساعد لا تفضلاً منه بل واجباً عليه وامتحاناً له. وبهذا المفهوم مفهوم الجسد الواحد تستطيع أن تفهم حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الطبراني: (لا يقفن أحدكم موقفاً يضرب فيه رجل ظلماً، فإن اللعنة على من حضره، حين لم يدفعوا عنه)، ونحن والله في هذا الوقت لا توجد عندنا حجة، نرى ضرب الفلسطينيين بالرصاص والصواريخ والقنابل على شاشات التلفاز والإنترنت والصحف، نراه حال وقوعه فلا عذر لنا، الوقت يا أخي! ليس في صالحنا، الموت يأتي بغتة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. ثم يا أخي! أنت لا تنصر إخوانك في فلسطين بدافع المسئولية فقط، إنه والله لأجر عظيم وثوابٌ جزيل، ولا أقول: جنة بل جنان: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة). إذاً: على كل المسلمين عرباً كانوا أو غير عرب، قريبين من فلسطين أو بعيدين عنها، في بلد إسلامي أو في غيره من بلاد العالم غير المسلمة، عليهم جميعاً أن يحركوا قضية فلسطين وبسرعة، ولكن عليهم أن يحرصوا أن يحركوها بالمفاهيم الصحيحة، على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ترى ما هي هذه المفاهيم الصحيحة التي نريد أن ترسخ في أذهان المسلمين؟ هذا

стр. 11

سلسلة فلسطين_ فلسطين إسلامية فلسطين أرض إسلامية، وهي تشكل بقعة مقدسة للأمة الإسلامية، فقد ميزها الله بمميزات على سائر البقاع، لكن هذه المميزات ليست سبباً رئيسياً لتحريرها من أيدي اليهود، إذ إن السبب الرئيسي لتحريرها هو أنها إسلامية، وهذه المميزات التي أعطاها الله لها حوافز تزيد محبة المسلمين لها.

стр. 12

إحساس المسلم بفلسطين إحساس نابع من القلب أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلنا من الذين حفظوا للقرآن حرمته، وممن عظموا منزلته، وممن تأدبوا بآدابه، وممن التزموا بأحكامه، وممن حللوا حلاله، وممن حرموا حرامه، وممن عمل بمحكمه، وممن آمن بمتشابهه. اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، وعلماً نافعاً، ولساناً ذاكراً، وبدناً على البلاء صابراً. آمين آمين، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: مع الحلقة الثانية من حلقات قضية فلسطين، تحدثنا في الحلقة الأولى عن ربط قضية فلسطين بالأندلس، وعن خطورة قضية فلسطين، وعن المؤامرات الكثيرة التي تحاك لأمة المسلمين، وبالتبعية لفلسطين، وعن دور الأمة إجمالاً في حل قضية فلسطين، وعن المؤامرة الفكرية التي ذكرنا خطورتها على الأمة الإسلامية، وتحدثنا أيضاً عن مفهوم الأمة الإسلامية، وعن الدور الأول تجاه قضية فلسطين، وهو تحريك القضية بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة. قبل الحديث عن هذا الدور الكبير، دور تحريك القضية بالمفاهيم وبسرعة، أجيب عن سؤال جاء من أخ بخصوص الحلقة السابقة. أخ يسأل ويقول: تعليقاً على أن المسلمين كالجسد الواحد، وأنه ليس من المعقول أن يشتكي القلب أو اليد، وتظل العين لاهية برؤية المباريات والمشاكل التافهة والمسلسلات وما إلى ذلك هل تطلب منا أن نعيش في كآبة مستمرة تضامناً مع أهل فلسطين؟ الجواب الحق أنا لم أقل: أنك ستعيش في كآبة تضامناً مع أهل فلسطين، أنا لا أطلب منك تمثيل الحزن أو تعمد البعد عن أماكن الفرح إمعاناً في الكآبة، لكن ما ذكرته هو أن هذا شعور ذاتي لا يحتاج من الإنسان أن يبذل له مجهوداً، شعور الجسد الواحد، إذا أصيب قلبك فهل تدعي العين الألم؟ أو تدعي القدم الألم؟ أم أنها فعلاً تشعر بالألم دون ادعاء؟ لو مات إنسان عزيز عليك، هل تحتاج إلى بذل مجهود لفصل نفسك عن أماكن اللهو، أم أن هذا شعور ذاتي تلقائي نتيجة الحزن الحقيقي؟! ما أريده هو أن تحس بالقضية إحساساً صادقاً، وساعتها سيأتي الحزن بشكل طبيعي، بل سيتبع الحزن عمل إيجابي، يبغي التغيير والإصلاح، وأضرب مثالاً يوضح الصورة: موقف مشهور جداً في التاريخ، موقف صلاح الدين الأيوبي ﵀، عندما روي أمامه حديث عن رسول الله ﷺ ، وكان في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ يضحك، فكان الرواة لهذا الحديث يضحكون عندما يذكرون ضحك رسول الله ﷺ ، فلما روي هذا الحديث أمام صلاح الدين الأيوبي لم يضحك، فسألوا عن ذلك فقال: كيف أضحك والأقصى أسير في أيدي الصليبيين؟ هو لا يستطيع أن يضحك؛ لأنه يحس فعلاً بالقضية، هو لا يفتعل الحزن تضامناً مع المشردين من أهل فلسطين، ولا يدعي الألم احتراماً لمشاعر الآخرين، ولكنه بالفعل يعاني كما يعانون، ويتألم كما يتألمون، هو جزء لا يتجزأ من الجسد الواحد، ولا بد أن يشعر بشعوره، ويتألم لآلامه، ويحزن لأحزانه، ويفرح لأفراحه دون تكلف ولا افتعال، فأنت إن أدركت القضية على حقيقتها، وأن لك دوراً فيها دخل الحزن في قلبك مؤكداً لا افتعال فيه ولا تكلف، هذا ما أريده، ولا أريد منك أن تفتعل الحزن لقضية فلسطين.

стр. 13

تحديد هدف ما لا بد أن يكون وفق منهجية صحيحة في المحاضرة السابقة تحدثنا عن الدور الأول عن أهمية تحريك القضية وبسرعة، ووقفنا عند ذكر المفاهيم الصحيحة لقضية فلسطين، اليوم نبدأ في الحديث عن بعض هذه المفاهيم الهامة، الحق أن سوء الفهم لهذه المعاني أو المفاهيم قد يؤدي بنا إلى انحراف خطير بعيد تماماً عن جادة الطريق، سوء الفهم لهذه المعاني يعني انسياقاً وراء المؤامرة الفكرية. المفهوم الأول الذي نريد أن نناقشه في هذه المحاضرة هو تحديد الهدف، هل يستقيم أن تكون مسافراً فتعد العدة للسفر من سيارة ومتاع وأموال وميعاد وتجهيز وترتيب، ثم تأتي يوم السفر وتكتشف أنك لا تدري إلى أين تسافر، ما هي الوجهة! ما هو الهدف! هذا بالطبع لا يستقيم؛ لأن إعدادك لمدينة مجاورة غير الإعداد لمدينة بعيدة، فسفرك إلى الإسكندرية ليس مثل سفرك إلى أسوان، وليس مثل سفرك إلى مكة، وليس مثل سفرك إلى لندن، أو سفرك إلى أي مكان، كل مكان يتطلب إعداداً خاصاً، تحديد الهدف، وتحديد الوجهة. أترجم هذا الكلام إلى السؤال لماذا نحرر فلسطين؟ وهذا سؤال في غاية الأهمية. ما هي الدوافع وراء الحركة، وبذل الجهد والعرق والمال والنفس؟ مهم جداً أن نجيب باستفاضة عن هذا السؤال، وأن نفرغ له وقتاً وجهداً؛ لأن المؤامرة الفكرية التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة أول ما تضرب ستضرب الأهداف والدوافع، وهذا قد يحبط العمل. لماذا نحرر فلسطين؟ سأعرض لكم إجابات أعرف أنها تخطر في بال كثير من المسلمين، إجابات كثيرة متعددة، ولكني أشعر أن إجابة واحدة في هذه الإجابات تعد هي الإجابة الصحيحة. سأعرض هذه الإجابات الواحدة تلو الأخرى، وعلى المستمعين أن يحاولوا أن يلتقطوا من بينها إجابة يعتقدون أنها هي الإجابة الصحيحة. الإجابة الأولى: هل لأنها عربية ونحن عرب؟ الإجابة الثانية: هل لأنها القدس المدينة المقدسة المباركة؟ الإجابة الثالثة: هل لأن بها المسجد الأقصى مسرى رسول الله ﷺ ، وأولى القبلتين وثالث الحرمين؟ الإجابة الرابعة: هل لحل مشكلة اللاجئين المشردين في بقاع العالم المختلفة؟ الإجابة الخامسة: هل لوقف نزيف دماء الفلسطينيين؟ الإجابة السادسة: هل لأنها فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام قديماً في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه؟ هذه ستة اختيارات، اختر من بينها واحدة، فكل الإجابات قد يصلح للإجابة، لكن ما هي أصح الإجابات على سؤال خطير: لماذا نحرر فلسطين؟ أنا أريد من الذي يسمع يحاول التفكير معي، نحن نعمل دراسة عن الدور الذي من الممكن أن نؤديه نحو قضية فلسطين، إن لم نفهم فعلاً لماذا نحرر فلسطين، سنخسر معظم الطريق، وسنتكسر، وستضعف الشوكة لا محالة. أعود وأذكركم مرة أخرى، هل لأنها عربية؟ هل لأن بها القدس؟ هل لأن بها المسجد الأقصى؟ هل لحل مشكلة اللاجئين؟ هل لوقف نزيف الدماء؟ أم هل لأنها فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام قديماً في عهد عمر بن الخطاب ﵁؟ أشعر أن قسماً كبيراً من الحضور مع كل إجابة من الإجابات، الجميع مقسمون بين هذه الإجابات، الاختلاف كبير؛ لأن الإعلان يشرح لنا في كل يوم هدفاً لتحرير فلسطين، مرة بالحديث عن كونها عربية، مرة من أجل القدس، مرة من أجل المسجد الأقصى، مرة من أجل إسلامية البلاد، وهكذا اختلف المسلمون كثيراً في الهدف الذي من أجله نحرر فلسطين، الحقيقة أنا من كل هذه الإجابات أختار الإجابة الأخيرة؛ لأنها فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام قديماً في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.

стр. 14

موقف الشرع الإسلامي من فتح بلاد فلسطين وغيرها تذكرون عندما تحدثنا عن فتح بلاد الشام فتحت بلاد فلسطين في سنة ١٣هـ وأتم الفتح في سنة ١٨هـ، ومنذ ذلك الحين أصبحت فلسطين قطراً إسلامياً. يعني: أنا أحرر فلسطين ببساطة؛ لأنها إسلامية في المقام الأول، هذا بلا شك عليه تعليقات كثيرة: أولاً: ما موقف الشرع الإسلامي؟ نحن الآن مختلفون، أعلم أن الكثير يقولون: نحررها؛ لأنها عربية، وآخرين: لأن بها القدس، وآخرين: لأن بها المسجد الأقصى وهكذا اختلفنا، نرجع إلى حديث رسول الله ﷺ الذي ذكرناه في المحاضرة السابقة، يقول ﷺ : (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). فالآن نحن اختلفنا ما بين إسلامية وعربية ووقف لنزيف الدماء وقضية القدس وغيرها، تعالوا نرجع إلى سنة نبينا ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تعالوا نرجع إلى الشرع الإسلامي وإلى الفقه الإسلامي، هناك باب كبير جداً في الفقه اسمه باب الأرض المغنومة، الأرض التي دخلها المسلمون بالفتح الإسلامي، ما هو موقفنا من هذه الأرض كأرض فلسطين أو كغيرها من الأراضي التي دخلها المسلمون فاتحين؟ فالأرض التي دخلها المسلمون فتحاً أو صلحاً وقف إسلامي، وعلى هذا اجتماع فقهاء المسلمين، لكن اختلفوا اختلافاً يسيراً في كيفية تصرف الحاكم المسلم في هذه الأرض المغنومة، فـ أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل ﵏ جميعاً اتفقوا على أنه يجوز أن يفعل في الأرض المفتوحة أحد أمرين: إما أن يوزع أربعة أخماسها على الفاتحين ويضم الخمس الباقي إلى خزانة الدولة، كما قسم رسول الله ﷺ بعض أراضي خيبر. والرأي الثاني: أن يضمها كلها إلى بيت مال المسلمين، ولا يوزع منها شيئاً على الفاتحين، وذلك ليستفيد منها المسلمون إلى يوم القيامة، ولا تبقى حكراً على مجموعة الفاتحين الأوائل، ومرجعهم في هذا الأمر الأخير إلى عمر بن الخطاب ﵁، روى البخاري عن أسلم مولى عمر قال: قال عمر ﵁: أما والذي نفسي بيده! لولا أن أترك آخر الناس بياناً -أي: فقراء- ليس لهم من شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ولكن أتركها خزانة لهم يقتسمونها. فالإمام مالك لا يرى إلا هذا الرأي الأخير فقط، رأي عمر بن الخطاب بأن الأرض تكون لبيت مال المسلمين، ولا تقسم على الفاتحين. إذاً: الأرض التي فتحت بالإسلام، أصبحت ملكاً للمسلمين، ملكاً أبدياً لا تغيير له ولا تبديل، هذه الحقيقة الفقهية سيترتب عليها أشياء كثيرة هامة: أولاً: هل فتح المسلمون أرض فلسطين كلها، أم فتحوا جزءاً منها؟ فتحوها كلها. هذا معلوم. إذاً: أصبحت أرض فلسطين أرضاً إسلامية خالصة منذ أن فتحت ابتداءً من سنة ١٣هـ إلى سنة ١٨هـ، فكل أرض فلسطين من البحر إلى النهر كما يقولون، أي: من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، ومن لبنان في الشمال إلى رفح وخليج العقبة في الجنوب، أعلم أن هذا في نظر الكثيرين كلام عجيب، وأنه أحلام وأوهام، لكنه شرع الله ، وأبداً ما كان شرع الله أوهاماً ولا أحلاماً. ثانياً: يزداد العجب مع هذا الفقه عندما تنظر حولك في بلاد العالم بحثاً عن البلاد التي فتحت بالإسلام، فأصبحت بحكم الشرع الإسلامي بلاداً إسلامية. على سبيل المثال: بلاد الأندلس -إسبانيا والبرتغال- ونحن تكلمنا كثيراً في محاضرات سابقة عن فتح أسبانيا والبرتغال، هذه البلاد حكمت بالإسلام، ثم دارت الدورة وجاءت الدولة لغير المسلمين وانتزعت من أيدي المسلمين بالنصارى، وضاع الحكم الإسلامي هناك، لكن هذا الضياع للحكم الإسلامي في هذه البلاد لم يلغ إسلامية هذه البلاد، بل ستظل إسلامية إلى يوم القيامة. فمن شرع الله أنه إذا دخل الإسلام بلداً فلا يجب أن يخرج منها أبداً، بل وعليه أن يسعى للدخول إلى غيرها، هذه هي الرسالة الخاتمة، والمسلمون هم جند الله الناشرون لها، والمدافعون عنها، والشهداء في سبيلها؛ حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. إن الله خلق العباد لغاية، قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فهؤلاء الذين يعيشون في بلاد أخرى غير بلاد المسلمين لا يعبدون الله ، ولا يؤدون ما خلقهم الله لأجله، وبذلك وجب على المسلمين أن ينطلقوا إليهم يعلمونهم هذا الدين، ويدخلونه في بلادهم، ويزيلون الطغمة الحاكمة التي تبعدهم عن شرع الله ، وعن رسالته الخاتمة للبشرية، رسالة رسول الله ﷺ . كنت أقول هذه المعلومات أمام رجل صديق فقال: يا أخي! وما شأنك أنت؟ اتركه يعبد ما يشاء، ويسجد لمن يشاء. لا حول ولا قوة إلا بالله العل

стр. 15

موقف الشرع الإسلامي من أرض إسلامية احتلها الكفار لو احتل جزء من الأرض الإسلامية ماذا يكون الوضع؟ اجتمع فقهاء المسلمين على أنه يتعين الجهاد في سبيل الله لتحرير أي جزء محتل من بلاد المسلمين، ولو كان شبراً واحداً، يتعين الجهاد يا إخوة! أي: يصبح فرض عين كالصلاة والصيام في رمضان والزكاة. والفروض بصفة عامة إما فرض عين وإما فرض كفاية، ومعنى فرض عين: يتعين على الفرد المسلم أن يقوم به بنفسه، ولا يسقط بإقامة البعض له مثل الصلاة المفروضة، فلا يصح أن يصلي أحد بالنيابة عن الآخر، وكذلك الزكاة إن كان يمتلك الزكاة الذي وجب عليه نصاب وحال عليه الحول، وإذا لم يقم به الفرد المسلم أثم واستحق عقاباً من الله . أما فرض الكفاية: فهي الفروض التي تجب على بعض الناس دون البعض الآخر، ولو فعلوها وسدوا العجز لسقط الإثم عن الجميع، ولو لم يفعلها أحد أثم جميع المسلمين، كالأذان مثلاً، فإنه لا يجب على كل المسلمين أن يقوموا عند وقت الأذان ويؤذنون، وإنما يكفي المسلمين أن يقوم رجل ويؤذن للصلاة. كذلك صلاة الجنازة، ورد الشبهات عن الإسلام مثلاً، ومثل بعض الأمور التي تتصل بإصلاح النظام المعيشي، مثل الزراعة والطب والصناعة والهندسة، كثير من الأمور يكفي أن يكون فيها بعض المسلمين يقومون بها حتى يسقط الإثم عن بقية المسلمين. وبالنسبة للجهاد هو في الأصل فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين وحصلت بهم الكفاية سقط الإثم عن بقية المسلمين؛ لحديث رسول الله ﷺ الذي رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثاً إلى بني لحيان فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما). إذاً: الجهاد في الأصل فرض كفاية، لكنه يتعين فيصبح مثل الصلاة المفروضة وصيام رمضان في أمور ثلاثة: أولاً: أن يحضر المكلف صف القتال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]. ثانياً: إذا استنفر الحاكم أحداً من المكلفين، فمثلاً لو كان هناك خلافة إسلامية وكان هناك جهاد في بلاد الشام والحاكم استنفر رجالاً من اليمن تعين عليهم أن يتحركوا وللجهاد؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا). ثالثاًً: إذا احتل العدو جزءاً من أرض المسلمين، -وهذا شبيه جداً بالموقف الذي نحن بصدده الآن في فلسطين- فإنه يتعين على أهل البلد المحتل أن يخرجوا جميعاً للقتال إن كان دفع العدو لا يتحقق إلا بخروجهم جميعاً، فإن لم يكفوا عاونهم الأقرب فالأقرب من بلاد المسلمين، ولو أتى ذلك على مسلمي الأرض جميعاً. يقول أبو حنيفة ﵀: فإن غلب العدو على بلد من بلاد المسلمين أو ناحية من نواحيها ففرض عين -أي: الجهاد- فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن مولاه، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه، والغريم بغير إذن دائنه. ثم يقول: امرأة سبيت من الشرق وجب على أهل المغرب تخليصها. فسبحان الله! نفس الكلمات يا إخوة! تتكرر، ولكن بصيغ مختلفة في فقه المالكية والشافعية والحنابلة، فهذا أمر مجمع عليه، أنه إذا احتل جزء من أرض المسلمين ولو جزء يسير؛ وجب على المسلمين وتعين عليهم أن يحرروه. إذا: ً أي بلد فتح بالإسلام قتالاً أو صلحاً أصبح بلداً إسلامياً، وتعين على المسلمين تحريره إن احتل شبر منه، فلسطين أو غير فلسطين من البلاد الإسلامية المحتلة. لكن هناك أولويات، فليس من المعقول أن يكون الموقف ساخناً جداً في فلسطين والشيشان وكشمير، ونحن نقوم بتجميع الجيوش، ونذهب لتحرير إسبانيا مثلاً أو فرنسا أو اليونان، فلا بد أن يكون هناك أولويات عند المسلمين في القضايا الحادة الساخنة، مثل قضية فلسطين أو الشيشان أو كشمير أو البوسنة والهرسك أو كوسوفا، توجه إليها الجيوش وتوجه إليها الطاقات، ويوجه إليها الجهد. فقد يقول قائل: هذا كلام جميل، لكن ينافي الحلول الواقعية التي ذكرتها في البداية، ونحن قلنا في البداية: إننا نتحدث مع الطبيب والمهندس والنجار والسباك والحداد، ونتحدث مع عموم الأمة، ولا نتحدث مع من بيده أن يخرج الجيوش ويجهز الطاقات للحروب، فهل هذا فيه تعارض مع ما ذكرناه في بداية المحاضرات؟ الجواب أولاً: نحن نتحدث عن مفاهيم أساسية: حتى تعمل لا بد أن تفهم أولاً، ولا بد أن تعرف حقوقك حتى تستطيع أن تقاتل من أجلها، وهذه المحاضرات يا إخوة! سيسمعها أحد رجلين، إما في داخل فلسطين وإما في خارج فلسطين، فلو كان السامع في داخل فلسطين ولديه الفرصة للجهاد لا بد أن يعلم أنه قد تعين عليه الجهاد، ولا بد أن يعلم حدود حقوقه التي لا يجوز له التنازل عنها، ولو كان السامع لهذه المحاضرات خارج بلاد فلسطين فعليه أن يعين على هذا الجهاد. روى البخاري و

стр. 16

بيان أهداف شريعة الحق وأهداف شريعة الباطل سؤال قد يطرح: هذا المنطلق للأراضي الإسلامية المحتلة بهذا الإدراك الشامل والمفهوم الواسع يتعارض مع ما يسمى بالشرعية الدولة، فإن الشرعية الدولية الآن فرضت حدوداً في كل دولة، فلا يجوز أن تعبر حسب قولهم. الجواب هناك نوعان من الشرعية في العالم، هناك شريعة الحق، وشريعة الباطل، واصطلح المبطلون في هذا العصر على تسمية شريعة الباطل بالشرعية الدولية، فالشرعية الدولية هي شريعة الغاب القوي فيها يأكل الضعيف، ولا فرق في الشرعية الدولية بين صاحب الحق وبين مغتصب الحق، المهم من هو الأقوى، ولا فرق في الشرعية الدولية بين الظلم والعدل، المهم من الأقوى، ولا فرق في الشرعية الدولية بين الرحمة والقسوة، المهم من الأقوى. فالشرعية الدولية منعت دخول التطعيمات ولبن الأطفال للعراق إلى أن مات عشرات الألوف من الأطفال، الشرعية الدولية أجازت ضرب المدنيين في العراق والبنية التحتية غير العسكرية: محطات الكهرباء، المصانع، المدارس، المستشفيات، الشرعية الدولية أجازت ضرب مصنع الأدوية الوحيد في السودان؛ لأنها أعلنت تطبيق شرع الله ولو جزئياً في بعض الولايات، الشرعية الدولية أعطت كشمير للهند مع علمهم بغالبيتها المسلمة، الشرعية الدولية تركت الصين تأكل المسلمين في تركمانستان الشرقية، ولعلكم سمعتم بعشرات المسلمين الذين أعدموا قريباً، وأذاعت الخبر الـ BBC، وجاء الخبر في الديلي تلغراف البريطانية، أنه أعدم عشرات من المسلمين بعد أن أجبروا على أن يحتسوا الخمر في وجبتهم الأخيرة، وداروا بهم في كل بلاد تركمانستان حتى يكونوا عبرة لغيرهم، فالشرعية الدولية تركت الصين تأكل المسلمين ولم تحرك صاروخاً في اتجاه الصين، الشرعية الدولية تركت الصرب تذبح وتغتصب بالبوسنة والهرسك وكوسوفا، وبعد ذلك بتسع سنين يحاكمون ميلوسوفيتش، وكأنه انتصار كبير للعدالة الدولية! فالشرعية الدولية يا إخوة! ما هي إلا اصطلاح اجتمع عليه مجرمو الحرب في العالم؛ لتنفيذ رغبات الدول القوية. قل لي بالله عليك! لماذا هذا الشكل المتباين بين موقف أمريكا تجاه الكويت عند احتلال العراق لها، وبين موقف أمريكا من اليهود في فلسطين، والذين ظلموا في الكويت هم مسلمون، والذين ظلموا في فلسطين مسلمون أيضاً، فهذا احتلال ظالم وهذا احتلال ظالم. فلماذا تحركت الشرعية الدولية ولم يستطع بوش الأب أن ينام حزناً على مصائب المسلمين في الكويت، إلا عندما جمع أهل الأرض جميعاً بما فيهم المسلمين لتحرير الكويت، وهنا تحرك غالب المسلمين بشهامة لتحرير الكويت، وأخرج المصحف وقرأ العلماء: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]. لماذا ينام بوش الأب وكلينتون ثم بوش الابن ملء جفونهم! واحتلال إسرائيل لفلسطين مستمر بصورة أبشع بكثير من احتلال العراق للكويت؟! ثم أين شهامة المسلمين الذين تحركوا لنجدة الكويت؟ أين شهامتهم وجيوشهم في قضية فلسطين؟ لماذا لم يخرجوا المصحف، ولماذا سكت العلماء الذين روجوا لتحرير الكويت؟! أليس في المصحف آيات تحض على نجدة أهل فلسطين وعلى قتال اليهود؟! لماذا فرضت الشرعية الدولية في الكويت تحرك نصف مليون جندي وآلة عسكرية ضخمة جداً؟! ولماذا لم تفرض الشرعية الدولية في فلسطين إلا طاولة مفاوضة وأربعة أو خمسة كراسي حولها؟! فالشرعية الدولية اصطلاح لا يعرف حقاً ولا باطلاً، لا يعرف إلا القوة. أما شريعة الحق -شريعة الله- فهي أمر مختلف تماماً، هي شرعية تقوم في الأساس على احترام خالق هذا الكون، شرعية تعرف الحق كما عرفه مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وتعرف الباطل كذلك كما عرفه مالك الملك ذو الجلال والإكرام، شرعية تقوم على أساس نشر العدل المطلق والرحمة المطلقة بين الخلق، شرعية تريد الخير للعالمين والرحمة لهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. والصراع قديم جداً بين الشرعية الدولية لأهل الباطل وبين الشرعية الإسلامية لأهل الحق، فقد اصطلح أهل مكة من الأشراف الكافرين على أن يعبدوا أصناماً من دون الله، يعني: قرار الأمم المتحدة في مكة زمان رسول الله ﷺ أن يعبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فهل هذا الاجتماع يعطي هذه العبادة صورة الحق؟ اصطلح أهل مكة من الأشراف الكافرين على أن يعذبوا المسلمين ويصادروا أموالهم وديارهم، وهي عملية تجميد أموال كما نسمع، اصطلحوا على أن يفرضوا آراءهم بسلاحهم، فهل هذا التعذيب حق؟ اصطلح أهل مكة من الأشراف الكافرين على أن يحاصروا المسلمين في شعب أبي طالب ثلاث سنوات كاملة، فهل كان هذا الحصار حقاً؟ اصطلح أهل مكة من الأشراف الكافرين على أن يقتلوا رسول الله ﷺ قبل حادثة الهجرة ل

стр. 17

تصحيح المفهوم حول السبب الدافع لتحرير فلسطين نراجع الاختيارات التي كنا قد طرحناها تحت السؤال لماذا نحرر فلسطين؟ الاختيار الأول: هل لأنها عربية؟ الاختيار الثاني: هل لأن بها القدس؟ الاختيار الثالث: هل لأن بها المسجد الأقصى؟ الاختيار الرابع: هل لحل مشكلة اللاجئين؟ الاختيار الخامس: هل لوقف نزيف الدماء؟ الاختيار السادس: هل لأنها فتحت بالإسلام فأصبحت أرضاً إسلامية؟! واخترنا الإجابة الأخيرة، واستنتجنا من ذلك بأن بلاد فلسطين بكاملها إسلامية، ولذلك نحررها، ولكن ما عيوب الإجابات الأخرى أم أنها صحيحة؟ تعالوا بنا نفصلها واحدة واحدة ونرى هل الإجابة سليمة أم غير سليمة؟

стр. 18

تحرير فلسطين لكون القدس فيها نأخذ مثلاً إجابة أن بها القدس، هل نحرر فلسطين لأن بها القدس؟ القدس طبعاً مدينة شريفة ومباركة، وذات قيمة هامة جداً عند المسلمين، تأخذ موقعها المتميز مباشرة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفوق القيمة الدينية العالية فهي ثغر قديم من ثغور الإسلام، وأرض جهاد دائم، وأهلها في رباط إلى يوم القيامة، لكن الحقيقة أن شيئاً خطيراً سيحدث إذا قلنا: إننا نحرر فلسطين من أجل القدس، فإنه سيأتي العدو عند لحظة من لحظات المساومة ويقول لك: خذ القدس واترك كذا وكذا من أرض فلسطين؛ ولذلك فالعدو نفسه سيعلي جداً من قيمة القدس في إعلامه وسفاراته ومفاوضاته حتى إذا سمح لك بأخذها فتح لك الطريق لتسلم غيرها بسهولة، والأمم المتحدة من شدة خبثها أنها لما قامت بمؤامرة تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧م فصلت القدس لوحدها وجعلتها تحت رعاية دولية، وبذلك رفعت من قيمتها جداً عند المساومة، فيأتي الفلسطيني المفاوض ويقول: لا بد أن آخذ القدس، سأقيم دولة فلسطينية عاصمتها القدس، فيوافقونه بعد جدال، ثم يكتشف وكأنه قد فقد بصره ساعة المفاوضات أنه لم يأخذ إلا ٢٢% فقط من الأرض فيها القدس، وسلم ٧٨% من الأرض خالصة لليهود، ثم يكتشف أيضاً كارثة أخرى بعد أيام أو شهور أن ٦٠% من الضفة الغربية فيها مستوطنات يهودية، وفي النهاية يجد نفسه لا يملك إلا ١٠% أو أقل مهلهلة تماماً، لكن الحمد لله معه القدس!! ونحن متفقون أن أرض فلسطين بأكملها إسلامية محتلة واجبة التحرير، وهذا الذي كان المفاوضون ينادون به من قبل، نأخذ أرض فلسطين بأكملها، لكن سبحان الله! إنها المؤامرة، فهناك أناس يدبرون، وأناس لا يمانعون في الوقوع في المؤامرة، ثم هناك مرحلة أخطر في المساومات، فإنه عندما يشاهد ضعفاً أكبر في صف المفاوضين يبدأ بالمفاوضة في تقسيم القدس فتصبح هناك قدس شرقية وقدس غربية. والله أذكر عنواناً رئيساً في صحيفة عربية مشهورة يقول: لا تفريط في القدس الشرقية. والغربية؟ هل الغربية أصبحت ملك اليهود؟! وبقية فلسطين يجوز فيها التفريط؟! ثم بعد ذلك مرحلة أخطر وأخطر في المفاوضات، وهو ما تم في أوسلو في المفاوضات السرية، والتي ظهرت في الصحف بعدها بشهور، أن اليهود اتفقوا مع أبي مازن المفاوض الفلسطيني البارز على إنشاء أحياء جديدة في شرق مدينة القدس يطلقون عليها اسم القدس، ويأخذ اليهود مدينة القدس الأصلية، ويسمونها أورشليم، بينما يأخذ الفلسطينيون الأحياء الجديدة ويسمونها القدس، وحينذاك الحمد لله إسرائيل أخذت أورشليم، وفلسطين صارت عاصمتها القدس، والحمد لله سيأخذ الفلسطينيون مدينة في شرق القدس، وشيء طيب أنهم لم يعملوها في بلد أخرى، في الأردن أو في لبنان ويسمونها القدس. إذاً: شيء خطير جداً أن أقول: أنا أحرر فلسطين من أجل القدس، لكن أنا أحرر فلسطين من أجل فلسطين؛ لذلك أنادي أن تظهر دائماً الدعاية لفلسطين تحت عنوان فلسطين وليس القدس، مثلاً تقول: فلسطين إسلامية، ولا تقول: القدس إسلامية، تقول: فلسطين لنا، ولا تقول: القدس لنا، تقول: لا تفريط في فلسطين، ولا تقول: لا تفريط في القدس، وهكذا.

стр. 19

تحرير فلسطين لكون المسجد الأقصى فيها الأخطر والأخطر والأخطر، أن نقول: إننا نحرر فلسطين من أجل الأقصى، وهذا كلام سيستغرب منه الكثيرون، لكن لنحلل هذا المنطلق: أولاً: ستتطور المساومة والفصال إلى حد خطير، سيقولون: لا مساس بالمقدسات الإسلامية، الأقصى وقبة الصخرة؛ ولذلك نعطيك الأقصى وقبة الصخرة ونأخذ فلسطين والقدس، ثم مرحلة أخرى من المساومات، يقولون: لضمان الأمان أكثر نجعل الأقصى تحت حماية دولية وليس تحت حماية المسلمين، فيفقد المسلمون ملكيتهم للأقصى ويصبحون زواراً له، نعم يزورونه بحرية كما يزورون مسجد قرطبة في إسبانيا اليوم، ثم مرحلة جديدة بعد ذلك، هكذا خطوة خطوة، وهي إعطاء الأقصى ولكن بدون جدار واحد فقط من جدرانه، يدعون أن هذا الجدار هو حائط المبكى وبقايا هيكل سليمان ﵇، ثم خطوة أخرى خطيرة جداً عندما يلاحظون موت الشارع الإسلامي، وهي هدم الأقصى وإقامة هيكل سليمان ﵇، ولكن من الممكن أن تحدث ثورة في العالم الإسلامي، فيقولون لهم: لماذا تثورون؟ سنعطيكم قبة الصخرة. وقبة الصخرة يا إخوة! أقل شرفاً من الأقصى، فيقولون: لماذا لا نقنع المسلمين أن المسجد الأقصى هو قبة الصخرة؟ فينشرون دعاية فيها أن قبة الصخرة الصفراء المشهورة وكأنها المسجد الأقصى، وكثير جداً من المسلمين كانوا يظنون أن هذه القبة الصفراء الذهبية المشهورة هي قبة الأقصى إلى وقت قريب، لكن الحمد لله مؤخراً بدأ بعض المسلمين يعلم أن الأقصى الحقيقي غير قبة الصخرة الصفراء المشهورة. إذاً: عندما نقول: نحن نحرر فلسطين لأن فيها الأقصى، فإنهم سيساومون على الأقصى الذي تريده، ويأخذون بقية البلاد، وليس هذا فقط، بل هناك أمور أخرى لا تقل خطورةً بالنسبة لفهم القضية، نحن قلنا: إنهم سيساوموننا على كل شيء ويعطوننا الأقصى، هذا لو أعطونا. ثانياً: هل الأقصى كبناء أغلى في القيمة، أم دماء المسلمين الذين يعيشون في مدن قد تبعد كثيراً عن الأقصى، في رام الله والخليل وغزة ونابلس وغيرها، حتى في غير فلسطين؟ أنا لن أتطوع بالإجابة ولكن أترك الإجابة إلى معلمي ومعلم الأجيال ومرشدي ومرشد العالمين رسول الله ﷺ . روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده! لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك، ماله ودمه وإن نظن به إلا خيراً). وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه نظر يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. سبحان الله! المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة، والكعبة بلا شك أعظم شرفاً من الأقصى. إذاً: خطأ كبير في الفهم ألا يتحرك المسلمون لقتل الأبرياء من الفلسطينيين بينما ينتفضون لزيارة شارون إلى الأقصى. أقول: جميل ولا شك أن ينتفض المسلمون لدخول شارون الأقصى، ولكن لا بد أن يكون رد الفعل أشد وأعنف عند المسلمين إذا قتل مسلم من مسلمي فلسطين، فما بالك بالمئات من أهل فلسطين؟! خطأ كبير في الفهم أن يهتم المسلمون وينتفضوا لحفر نفق تحت الأقصى، ولا يهتمون ولا ينتفضون لذبح ثلاثة آلاف من المسلمين في صبرا وشاتيلا، وما تحركوا إلا على استحياء بعد أن فتحت الموضوع إذاعة الـ BBC البريطانية بعد ١٩ عاماً من الحديث، ساعتها بدأنا نتكلم ونرفع قضايا في بلجيكا وغيرها، لكي نرجع حق المسلمين الذين ذبحوا منذ ١٩ عاماً. فدماء المسلمين غالية جداً، وإن هدم الأقصى فسيتجدد بناؤه إن شاء الله، لكن لو أريق دم المسلم من يعيده إلى أسرته في الدنيا، حرمة كبيرة وذنب عظيم أن يقتل المسلم ولا ينتفض المسلمون، بل إن الرسول ﷺ يسمو بدم المسلم سمواً أعلى من الكعبة والأقصى، بل والدنيا جميعاً، فيقول في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق)، هذا الحديث رواه أيضاً النسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. فلا بد من ترتيب الأولويات، دماء المسلمين تأتي قبل مقدسات المباني. إذاً: اعتقاد المسلمين أننا نحرر فلسطين فقط لكونها تحتوي على المسجد الأقصى ينطوي عليه خطران كما ذكرنا: الخطر الأول: المساومة على الأقصى في مقابل بقية فلسطين. والخطر الثاني: تعظيم قيمة الأقصى أكثر من دماء المسلمين. والخطر الثالث: هو هل يلزم وجود مكان مقدس في البلد كالأقصى أو الكعبة حتى يتحرك المسلمون لتحريرها؟ هل تضعف حمية المسلمين عن مساعدة أهل الشيشان؛ لأنهم لا يمتلكون أقصى في بلادهم؟ هل لا تتفطر قلوب المسلمين على نساء البوسنة المغتصبات؛ لأنهن لا يمتلكن كعبة في بلادهن؟ هل لا تغلي

стр. 20

تحرير فلسطين لأنها مسرى رسول الله ﷺ من الأشياء التي خص الله بها فلسطين كونها مسرى رسول الله ﷺ ، فلا بد أن نسأل أنفسنا: لماذا ذهب رسول الله ﷺ في رحلته العظيمة إلى السماء إلى القدس أولاً، كان من الممكن أن يأتي الله له بالأنبياء يصلون معه في مكة وهي أشرف بلا شك، أو يصلي بهم في السماء، ولكن سبحان الله! في ذلك إيحاءات كثيرة: أولاً: تسلم الرسول ﷺ لقيادة البشرية من مركز القيادة القديم وآخر عهده أنبياء اليهود. ثانياً: إلقاء حب هذا المكان بصورة أكبر في قلوب المؤمنين. ثالثاً: جعل الله الأقصى القبلة الأولى للمسلمين، وظلت كذلك ستة عشر أو سبعة عشر شهراً في المدينة المنورة، كما جاء في رواية البخاري، ثم حولت القبلة بعد ذلك إلى الكعبة، فكان الأقصى هو أولى القبلتين، وبذلك يضاف شيء جديد بالإضافة إلى كونه مسرى رسول الله ﷺ ، فيزداد المسلمون حباً له ولمحله القدس وفلسطين، والعلاقة بين القدس والكعبة وثيقة، فغير المسرى والقبلة هو التالي مباشرة في البناء على الأرض للكعبة. أخرج الإمام مسلم ﵀ عن أبي ذر ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع على الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركت الصلاة فصل). ولهذه الميزات العظيمة جعل الله له مزية رابعة خاصة جداً، فالمسلم قد يشد الرحال من بعيد ليأتي ويصلي في المسجد الأقصى، فهذه مزية خاصة ليست إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى، وذلك كما جاء في البخاري: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)، فلا يجوز لأحد أن يسافر من بلد إلى بلد -حتى ولو كان في نفس القطر- ليذهب ويصلي في مسجد ما، إلا في هذه المساجد الثلاثة. المزية الخامسة: يخبر ﷺ أن أجر الصلاة فيه إلى خمسمائة صلاة، وهذه أيضاً مزية بالنسبة لغيره من المساجد. المزية السادسة: يبارك الله في الأرض التي تحيط بالأقصى، وهي أرض فلسطين، وأرض الشام بصفة عامة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١]. ويقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الطبراني وصححه الألباني: (الشام أرض المحشر والمنشر). المزية السابعة: أكثر من ذلك أن الله لا يبارك فقط في الأرض إلى يوم القيامة، بل يبارك في ساكني فلسطين أيضاً إلى يوم القيامة، روى الطبراني وصححه الألباني: أن رسول الله ﷺ قال: (عليكم بالشام، فإنها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من خلقه). وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، على من يغزوهم قاهرين، لا يضرهم من ناوءهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قيل: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس). كل هذه الأمور ترفع جداً من قيمة فلسطين، لكن كما ذكرنا ليست هي المبرر الأول لتحرير فلسطين، بل المبرر الأول كون الأرض إسلامية، وهذه الميزات حوافز زائدة على المبرر الأول، وذلك كما تنقذ طفلاً من الموت فهذا واجب، لكن أن يكون الطفل ولدك هذا يضاف إلى كونه واجباً، فهو شيء فطري لا يستطيع الإنسان أن يتخلى عنه إلا أصحاب النفوس الخبيثة جداً. سؤال مهم: لماذا يعطي الله كل هذه المزايا لهذه الأرض، فيزيد حب المسلمين لها ويتحركون إليها أسرع مما يتحركون إلى غيرها، لماذا لم يجعل مثلاً المسجد الأقصى في الجزائر، فيسارع المسلمون إلى الجزائر إذا احتلت، أو في مصر فيبادر المسلمون إليها، أو في غيرها من البلاد، لماذا فلسطين بالذات؟ الجواب لا أعتقد أن السبب فقط في كونها أرض ديانات سابقة ورسالات عديدة، ولكن أعتقد أن الله لما كان يعلم بسابق علمه للأحداث أن هذه البقعة من الأرض ستظل مكاناً لصراع دائم مستمر بين قوى الأرض المختلفة وبين المسلمين أراد أن يزيدها محبة في القلب؛ لأنه سوف يتكرر القتال فيها مرات ومرات، فقد أتاها الصليبيون من أبعد النقاط عنها في العالم المعمور وقت ذاك، واحتلوها ٢٠٠ سنة كاملة، وكان من الممكن أن ينسى المسلمون القضية لتقادم الزمان، لكن أبداً ما نسيها المسلمون، ثم جاء اليهود من الشتات والتيه الحديث من كل بلاد العال

стр. 21

سلسلة فلسطين_ مفاهيم خاطئة تحرير فلسطين ليس واجباً علينا لأنها أرض عربية، ولا نحررها من أجل إيقاف نزيف الدماء، أو من أجل حل مشكلة اللاجئين، إنما نحررها لأنها أرض إسلامية فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام، وفيها المسجد الأقصى، وهذا هو المعيار الصحيح الذي ينتصر به المسلمون على اليهود.

стр. 22

السعي إلى تحرير فلسطين من منطلق العروبة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلنا لا نؤمن إلا بك، ولا نعبد إلا أنت، ولا نخلص إلا لك، ولا نتوكل إلا عليك، ولا نتوجه إلا إليك، ولا نجاهد إلا فيك، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]. آمين آمين. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: فمع المحاضرة الثالثة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين وعرضنا في المحاضرة السابقة سؤالاً هاماً هو: لماذا نحرر فلسطين؟ في محاولة لتحديد الهدف الذي من أجله تتحرك الطاقات والعقول والأيادي، لماذا نحرر فلسطين؟ ما هي الدوافع وما هي النيات وما هي الحقوق وما هو الطريق؟ وتحدثنا عن ستة اختيارات أو محاور يعتقد في صحة كل منها مجموعة من المسلمين، فصلنا في ثلاثة اختيارات في المرة السابقة الاختيار الأول: هل لأنها إسلامية؟ وقد اخترنا هذا التوجه، ووضحنا أسباب اختياره. الاختيار الثاني: نحررها لأن فيها القدس، وتحدثنا عن سلبيات هذا الاختيار وعن إيجابياته، وخلصنا أنه مع أهمية القدس إلا أننا لا نحرر فلسطين فقط من أجل القدس، ولكن من أجل كل فلسطين، بل إن الحديث عن القدس فقط قد يؤثر سلباً على قضية فلسطين. الاختيار الثالث: نحررها لأن بها الأقصى الشريف، وتحدثنا أيضاً عن السلبيات والإيجابيات في هذا الاختيار بتفصيل كبير يرجع له في مكانه، وبقيت لنا ثلاثة اختيارات لم نتحدث عنها ويعتقد في صحتها طائفة كبيرة من المسلمين. في محاضرة اليوم نتحدث عن هذه الاختيارات الثلاثة الباقية، الاختيار الأول الذي نتحدث عنه اليوم هو الاختيار الرابع من الاختيارات المطروحة في المحاضرة السابقة، وهو: هل نحرر فلسطين لكونها عربية ونحن عرب. ولعل هذا الاختيار هو الأكثر شيوعاً عند عموم المقاتلين من أجل القضية الفلسطينية، وهو الاختيار الذي تتولاه معظم دوائر الإعلام العربية، ومعظم الهيئات الرسمية في مختلف بلاد العالم العربي. والحق أني أرى أن هذا الاختيار هو منطلق خطير يغير كثيراً من الفهم الصحيح للقضية، ويضعف كثيراً من أوراق الضغط عندنا، بل ويتمشى تماماً مع المؤامرة الفكرية التي يتولاها الغرب والشرق ومن خدع بقولهم من المسلمين حتى لو كان هؤلاء المطالبون يطالبون بكامل فلسطين، ولكن من منطلق أنها عربية فهذا شيء غريب، مع أنه يمكن أن نأخذ كل فلسطين تحت هذا المنطلق، إلا أن هذا الأمر سيؤدي إلى كارثة كبيرة بأرض فلسطين، ونتذكر هنا ما قلناه في المحاضرة الأولى من أن بعض أخطاء الفهم قد تسقط الأمم. تعالوا بنا نرى ما هي عيوب الاختيار الذي نحن بصدده الآن.

стр. 23

القتال تحت راية العروبة بدلاً من راية الإسلام أولاً: يقولون: إن فلسطين عربية؛ لأنه كان يعيش فيها قبل دخول اليهود فلسطين قبائل كنعان العربية؛ ولذا فهي عربية؛ ومن أجل ذلك ندافع عنها، وهم بذلك يربطون ملكية البلد بمن عاش فيها أولاً، وهذا مبدأ غير إسلامي كما ذكرنا في الدرس السابق، فإننا ذكرنا أن البلاد تصبح ملكاً للمسلمين بفتحهم إياها سواء كان ساكنوها من قبل عرباً أو غير عرب، مصر الآن دولة عربية، هل سكنها العرب أولاً ولذا فهي عربية، أم من الممكن أن يقوم القبط الآن ويقولوا: هذه بلادنا وعشنا فيها قبل المسلمين؟ وهذا صحيح، نعم. عاشوا فيها قبل المسلمين، لكن منذ أن فتحت بالإسلام أصبحت البلاد الإسلامية. الجزائر الآن دولة عربية، هل سكنها العرب أولاً، أم أنها كانت مسكونة بالبربر وهم ليسوا من العرب، هل فتح المسلمون بلاد فارس؛ لأنه كانت لهم جذور عربية في فارس؟ هل فتحوا بلاد الأندلس؛ لأنه كانت لهم جذور عربية في الأندلس؟ إذاً: لا يجب أن يجرنا اليهود إلى جدالات جانبية لإخراجنا عن المنهج السليم، فيأتي اليهود ويزورون التاريخ، ونظل في جدال كبير ورجوع للحفريات، فمن آخر ما سمعت أن شارون أعلن أنهم وجدوا آثاراً في الجولان تدل على أن اليهود سكنوا هذه البلاد قبل العرب، طبعاً هم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، وتعالوا إذاً ندخل في جدل عقيم وطويل وحفريات مزورة وخروج عن شرع الله . لأننا نجر مع اليهود إلى جدالات خارج المنهج، فلو كان الأمر بهذه الطريقة فلنأت لنخرج الاستراليين من أستراليا مثلاً، ومن المعروف أن أهل أستراليا الحاليين ليسوا هم الأهل الأصليين، وأيضاً نخرج روسيا من الشيشان، فالجميع يعترف أن أهل الشيشان سكنوا في بلاد الشيشان قبل روسيا، بل فلنخرج الأمريكان أنفسهم من بلاد أمريكا، ونعطيها للهنود الحمر الذين لا ينكر الأمريكان أنهم سكنوا البلاد قبلهم. إذاً: ليس هناك داعٍ لأن نمشي مع اليهود في هذا الطريق، فهم قوم تمرسوا على الجدال وعلى تغييب الحق، وتمرسوا على إنكار الحقيقة ولو كانت مثل ضوء الشمس.

стр. 24

عدم تشرفنا بالانتماء إلى كنعان الوثني العربي ثانياً: هل يحرر المسلمون فلسطين لأن كنعان كان يسكن فيها أولاً؟ تعالوا بنا نفكر بهدوء، هل نتشرف بانتمائنا إلى كنعان؟ إن قبائل كنعان هذه كانت قبائل وثنية عربية تعيش في أرض فلسطين منذ قديم الزمان، وهم -أي: اليهود- يقولون: إن داود وسليمان ﵉ كانا يعيشان في هذه البلاد، ومن قبلهما يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم جميعهاً أفضل الصلاة والتسليم، والحق أقول: نعم. كان كنعان يعيش قبل هؤلاء الأنبياء في فلسطين، لكن ألا يشرفني الانتماء إلى هؤلاء الأنبياء المرسلين عن الانتماء إلى كنعان، فإن بيننا وبين هؤلاء الأنبياء أخوة العقيدة والإيمان بالله، بينما بيني وبين كنعان كره في الله، أكرهه لأنه كان يسجد لصنم من دون الله. وهكذا يكون الأساس الذي يبني عليه المسلم علاقاته، الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، لا نفعل مثلما فعل كاتب مصري مشهور، يكتب عموداً ثابتاً في صحيفة مشهورة من أن اليهود من طبعهم الغدر وإنكار الجميل، حتى إن موسى ﵊ -والكلام للمؤلف- قد قتل المصري وهرب، ولم يراع حق المصريين الذين ربوه وأطعموه وحملوه فوق رءوسهم. يعني: هذا المؤلف يطعن طعناً مباشراً في نبي من أنبياء الله لأنه إسرائيلي. سبحان الله! هذا النبي من أولي العزم من الرسل، ولا يجوز أبداً أبداً أن يدفعنا كرهنا لليهود أن نكره أنبياءهم الذين هم رسل الله، هذا خطأ كبير جداً في الفهم، وأقل ما يوصف به فعل هذا المفكر أن هذا سوء أدب مع الأنبياء, ونسأل الله أن يكون قد ارتكبه عن جهل، وإلا فالعواقب خطيرة، بل خطيرة جداً. وسؤال يهمس في أذنك: أيهما أشرف لك أن تنتمي إلى أبي جهل العربي القرشي الكافر أم إلى بلال الحبشي المؤمن وليس بعربي؟ أيهما أشرف لك أن تنتمي إلى أبي لهب العربي القرشي الكافر، أم إلى طارق بن زياد البربري المؤمن وليس بعربي؟ أيهما أشرف لك أن تنتمي إلى الوليد بن المغيرة العربي القرشي الكافر، أم إلى صلاح الدين الأيوبي الكردي المؤمن وليس بعربي؟ طبعاً نحن لدينا خلفية أن صلاح الدين عربي؛ لأن الفيلم المشهور الذي عرضوه ويتكلم عن صلاح الدين الأيوبي جاءوا به وفيه كلمة مزورة على لسان صلاح الدين الأيوبي، أنه يقول: نحن العرب فعلنا كذا وكذا. والأصل أننا نحن المسلمون. أيهما أشرف لك أن تنتمي إلى أمية بن خلف العربي القرشي الكافر، أم إلى محمد الفاتح التركي فاتح القسطنطينية المؤمن وليس بعربي؟ أيهما أشرف لك أن تنتمي إلى النضر بن الحارث العربي القرشي الكافر أم إلى قطز المملوكي الشركسي المؤمن وليس بعربي؟ نعم، الآن اكتشفنا أن كثيراً من رموزنا الإسلامية العظيمة ليست بعربية، فنحن يا إخوة! لا نحرر فلسطين لكونها سكنت بـ كنعان الوثني أولاً، نحن نحررها لأنها بكاملها قطر إسلامي فتح بالإسلام كما ذكرنا.

стр. 25

نسيان المسلمين البلاد الإسلامية المحتلة غير العربية ثالثاً: من خطورة تكرار أن فلسطين عربية نسيان المسلمين البلاد الإسلامية المحتلة غير العربية، ونسيانهم هموم المسلمين غير العرب حتى وإن كانوا في بلاد غير محتلة، فالمسلمون في جمهوريات الإتحاد السوفييتي المحررة يحتاجون إلى عون المسلمين من العرب وغيرهم، مع العلم أن إسرائيل هي أول دولة ذهبت وأقامت علاقات وثيقة مع هذه الدول الإسلامية، والمسلمون في غياب عظيم عن هذا الدور الكبير، تخيلوا إسرائيل أول بلد يقيم علاقات مع تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان وطاجاكستان وكل هذه البلاد، ثروات ضخمة جداً في هذه البلاد وطاقات بشرية كبيرة جداً فيها؛ ولهذا أقامت معها إسرائيل هذه العلاقات ولم يتحرك لها المسلمون. كذلك المسلمون في بلاد أفريقيا يحتاجون إلى المسلمين في بلاد العرب، والمسلمون الأمريكيون والأوربيون يحتاجون إلى المسلمين في بلاد العرب، فالذي يجمعنا بهم هو رباط العقيدة وليس رباط العنصر والعرق.

стр. 26

فقدان الوحدة مع مليار مسلم غير عربي رابعاً: بمناداتنا بعروبة فلسطين تحذف ببساطة قوة مليار مسلم مساعد ومعين، فهو شيء شديد الحساسية يدخل في قلوب غير العرب عندما تتحدث عن عروبتك وكأنهم مسلمون من الدرجة الثانية، نلاحظ في بلاد العالم الغربي حيث تعيش جاليات مسلمة من شتى البقاع أموراً عجباً، تجد المسلمين مقسمين إلى مجموعات منفصلة بحسب العنصر، بل وقد يتنافسون فيما بينهم تنافساً يخل بالعلاقة بينهم، بل وقد يتصارعون في هذه الغربة، تجد على سبيل المثال تجمعاً عربياً ومجموعة باكستانية ومجموعة تركية، وهكذا بحسب العرق والعنصر. والله أذكر حديثاً مع باكستاني قال: إن في قلبه ألماً شديداً لإحساسه أن العرب ينظرون إليهم نظرة دونية، مع شدة العاطفة الإسلامية في قلوب الباكستانيين وفي قلوب الهنود وفي قلوب الأندونيسيين وفي قلوب الماليزيين، يقول: في قلوبنا عاطفة إسلامية شديدة، ويقول: ومع أنه قد خرج منا وممن حولنا من البلاد غير العربية البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه والبيهقي والغزالي والسرخسي والنيسابوري، كل هؤلاء وغيرهم كثير خرجوا من هذه البلاد غير العربية إلا أن العرب ينظرون إلينا نظرة دونية، ففي قلبه ألم شديد جداً. ولو نظرت في صلاة الفجر فإنك تجد نسبة الحضور في صلاة الفجر في هذه البلاد الغربية أكثر من ٧٠% أو ٧٥% من الجاليات الباكستانية والهندية والماليزية وغير العربية بصفة عامة. فهذه عاطفة كبيرة جداً، ونحن ببساطة حين نقول: نحن عرب ونحرر فلسطين لكونها عربية -نحذف كل هؤلاء من صف المسلمين ومن صف القوة المواجهة لإسرائيل ببساطة، بهذه الكلمة تحذف مائتي مليون أندونيسي، وتحذف مائة مليون باكستاني ومائة مليون بنغلاديشي ومائة مليون نيجيري وثمانين مليون تركي ومائة مليون هندي وغيرهم كثير. يا أخي! وسع مداركك وانظر ماذا أراد الله لك وتبتغي غيره، انظر إلى الأمر من منظور سياسي وعسكري واقتصادي، انظر إليه من باب المصالح؛ هل من المصلحة أن تواجه إسرائيل وأنت تبلغ من العدد مائتي مليون، أم من المصلحة أن تواجهها وأنت تبلغ من العدد مليار مسلم ومائتين أو ثلاثمائة مليون؟ فرق ضخم جداً، تخيل معي بدلاً من الجامعة العربية كيان آخر اسمه الجامعة الإسلامية، كما كان يريد السلطان عبد الحميد الثاني ﵀, آخر السلاطين المحترمين في الخلافة العثمانية. تخيل معي جامعة تكون قراراتها ليست لمجرد التنفيس عن الشعوب الإسلامية، ولكن أخذ قرارات واقعية مؤثرة تغير من مسار الشعوب تبعاً لمصلحة الشعوب، جامعة إسلامية موحدة تجمع بين طياتها طاقة بشرية هائلة وفيها تكنولوجيا ماليزيا وأندونيسيا، وفيها بترول الخليج والقوقاز، وفيها مزارع السودان والعراق، وفيها مناجم أفريقيا وفيها وصواريخ إيران، وفيها نووية باكستان ويورانيوم كازاخستان، وفيها قناة السويس وباب المندب ومضيق البسفور في تركيا. يا أخي! اعرف إمكانيات الأمة الإسلامية، ولا داعي لعنجهية العنصر والقومية والقبلية.

стр. 27

فقدان عنصر قوة العقيدة الإسلامية خامساً: إن أخطر الآثار على المناداة بعروبة فلسطين هي تغير الغاية من القتال، وفقدان العنصر الحقيقي للنصر وهو قوة العقيدة الإسلامية، وطبق هذا الكلام معي على قضية فلسطين، فالسلطة العلمانية لا تربط منهجها بالله وبرسوله الكريم ﷺ ، بل تربطه فقط بالآباء والأجداد وكأن لسان حالهم يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، هذه السلطة العلمانية تشعر أن قوتها قوة ذاتية في أفرادها، وليس في كونها تعمل لله ، بينما السلطة الإسلامية تشعر أن قوتها مستمدة من الله الخالق وليس من غيره من المخلوقات، وإن شعرت السلطة العلمانية بضعف وذل تلجأ إلى عموم البشر الأقوياء في نظرها، ولا تنظر إلى الدستور الصحيح الذي يحدد طريقة السير وطريقة الحياة، تلجأ إلى غيرها ممن يعتزون بآبائهم مثلما تعتز هي بآبائها، بل وقد تحارب من ينادون بإسلامية المنهج وإسلامية الطريق، قد تلجأ السلطة العلمانية إلى روسيا باعتبارها صديقاً قديماً، وتنسى أنهم لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وتنسى أن روسيا لما واجهت مشكلة مع إخوان الفلسطينيين في الشيشان ما كان لها حل إلا القتل والإبادة، فكيف ترجو منها تأييداً في فلسطين لذات القوم الذين تقاتلهم في الشيشان؟! وقد تلجأ إلى بريطانيا وفرنسا، وتنسى أن بريطانيا هي التي زرعت إسرائيل في فلسطين بتأييد فرنسي كما سيأتي في تاريخ فلسطين، وتنسى أن طائرات بريطانيا ما زالت تقصف إخوانهم في العراق، بل وقد تلجأ وفي سفه شديد إلى أمريكا، مع علمها أنها المؤيد الأول والداعم والمستمر لكل ما تفعله إسرائيل، فإذا بحكام هذه السلطة يرسلون الرسائل إلى رؤساء أمريكا يطلبون منهم أن يوقفوا عنف إسرائيل، سبحان الله! بل والعجب العجاب أنهم قد يلجئون إلى إسرائيل ذاتها بتنسيقات أمنية وترتيبات عجيبة يدفع ثمنها الإسلاميون من أهل فلسطين، وهكذا يبحثون عن عزتهم في مناهج كثيرة وقوى متعددة، ولا يفكرون ما داموا ينطلقون من مبدأ عنصري وهو العروبة فقط في الذهاب إلى المنهج الإسلامي: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، ولو ذهبوا أحياناً إلى المنهج الإسلامي فإنه يكون على سبيل الاضطرار لا الرغبة، أحياناً يطلقون الإسلاميين لإرهاب العدو لا اقتناعاً بمنهجهم، أحياناً يزورون باكستان أو إيران لعلها تفعل ما لم يفعله أبناء العمومة من العرب اضطراراً غير مقصود لا يغني عند الله شيئاً. فإلى هؤلاء الذين يعتزون بعروبتهم بديلاً عن إسلاميتهم أنقل إليهم قولاً لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو قول مشهور: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، وإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، إن كنتم تشعرون بذل فاعلموا أنكم قد ابتغيتم العزة في غير موضعها، فنصر المسلمين يا إخوة! يستمد من نصر الله لهم، ونصر الله لهم يستمد من نصرهم لله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وكيف ننصر الله؟ ننصره بتطبيق شرعه، نصره بطاعة أوامره، ننصره باجتناب نواهيه، ننصره بالالتزام بطريق نبيه ﷺ ، ننصره بالبعد عن العنصرية والفرقة. خبر قرأته في صحيفة أمريكية والله ظننته خبراً كيدياً وما ظننت أنه خبر صحيح حتى تيقنت من بعض الفلسطينيين هناك، تهنئة أمريكية للسلطة هناك في فلسطين بإنشاء أكبر مصدر من مصادر الاقتصاد الفلسطيني هناك، يا ترى! ما هو أكبر مصدر سيمد الدولة الفلسطينية الناشئة؟ ما هو المصدر الذي سيمدها بالمال والطاقة؟ المصدر هو إنشاء أكبر نادٍ للقمار في الشرق الأوسط في أريحا، نعم، والله يا إخوة! ولا حول ولا قوة إلا بالله، أكبر نادٍ للقمار، ولما سئلوا عن ذلك قالوا: إن القمار محرم في إسرائيل، لا يوجد نوادي قمار هناك في إسرائيل؛ ولذلك أنشئوا هذا النادي في أريحا، حتى يخدعوا اليهود، يجعلونهم يأتون إلى أريحا ليصرفوا نقودهم هناك، ويصبح المصدر الرئيسي للدخل الفلسطيني من القمار. فهذا منهج علماني بعيد تماماً عن أسباب النصر الحقيقية للمسلمين، كما أن معظم المطلوبين من قبل إسرائيل بتهمة أنهم يرهبون إسرائيل عاشوا شهوراً وسنوات في سجون السلطة العربية في فلسطين. شيء خطير جداً إلغاء إسلامية القضية وجعلها قضية عربية عنصرية فقط، والله شاهدت ملصقاً يوزع في المكتبات الإسلامية وهو عجيب جداً حيث إنه مكتوب عليه: القدس عربية، القدس عربية، يعني: أولاً: تكلمنا في الدرس السابق عن قضية القدس وفلسطين والفرق بينهما فهو يعني: صغر القضية جداً وجعلها القدس، ثم لم يقل إسلامية أيضاً، ضيع الوجهة أصبحت القدس عربية، وأشد من هذا أنك عندما تنظر إلى هذا الملصق تجد أنه قد رسم عليه قبة الصخرة ولم يرسم عليه المسجد الأقصى.

стр. 28

اعتماد اليهود على المنطلق الديني في سعيهم لإنشاء دولتهم وهذه النقطة تحدثنا عنها في الدرس السابق وما فيها من تمييع تام للقضية؛ وهدر كامل لأسباب القوة. إسرائيل كانت في منتهى الذكاء أن ضربت على هذا الوتر لما قامت، وأطلقت على نفسها اسماً قومياً عنصرياً إسرائيل وهو يعقوب ﵊، وهو منهم ومن أمثالهم بريء، وكأن كل الدولة تقوم على أكتاف أولاد إسرائيل، مع أن معظم اليهود في إسرائيل ليسوا من أبناء يعقوب ولا حتى من الأسباط، بل هم من الذين دخلوا اليهودية في أوروبا الشرقية وأفريقيا بعد ذلك. اليهود ثلاث طوائف ضخمة جداً، منشئوا الدولة اليهودية والذين يسيطرون على أعلى وأهم المناصب حتى الآن هم من طائفة يهودية تسمى الإشكانيزيين، والإشكانيزيون هؤلاء في اللغة العبرية تعني: الألماني؛ لأنهم كانوا يعيشون زماناً طويلاً يتكلمون لغة مكونة من خليط من الألمانية والعبرية، عاشوا في ألمانيا وشرق أوروبا وروسيا، وهم جميعاً من سلالات قبائل الخزر الوثنية الذين كانوا يسكنون في تلك المناطق، واعتنقوا اليهودية في القرن العاشر الميلادي يعني: في زمن حديث جداً، ولا يمتون بأي صلة عرقية لبني إسرائيل، ويطلق عليهم أحياناً اليهود الغربيون، هل تعلمون كم يمثلون هؤلاء من اليهود في العالم؟ قرابة ٨٠%، ٨٠% من يهود العالم ليسوا من أصل إسرائيل، ومنهم معظم يهود الولايات المتحدة الأمريكية الذين هاجروا إليها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن هؤلاء خرج معظم زعماء الحركة الصهيونية وقادة إسرائيل الآن. المجموعة الثانية من اليهود: هم اليهود الشرقيون، يطلقون عليهم اسم السفرديين، وهم الذين عاشوا فترات طويلة في بلاد المسلمين، سواء في الأندلس أو في شمال أفريقيا أو في مصر أو تركيا أو إيران، وهؤلاء يتكلمون إما العربية وإما لغة أخرى تعرف باسم اللدينو خليط بين العبرية والأسبانية، ولذلك سموا بالسفرديين، والسفردي بمعنى: أسباني، وهؤلاء معظم أبناء اليهود الذين شتتهم الرومان من فلسطين. المجموعة الثالثة: هي يهود الفلاشا المشهورة، وهم اليهود الذين يعيشون في أفريقيا وبالذات في أثيوبيا، إذاً: معظم يهود العالم ليسوا من أبناء إسرائيل، كما أنه ليس كل أبناء إسرائيل ظلوا على يهوديتهم، فكثير من أبناء إسرائيل دخلوا النصرانية على مدار عشرين قرناً سابقة، وكثير منهم أيضاً دخلوا الإسلام على مدار أربعة عشر قرناً سابقة، وهؤلاء النصارى أو المسلمون وإن كانوا من أبناء إسرائيل إلا أن اليهود لا يدينون لهم بأي ولاء، بل على العكس يكنون لهم كل الكراهية والبغض. إذاً: ما الشيء الذي جمع شتات اليهود من كل بلاد العالم؟ ما هو الشيء الذي ضم كل العنصريات المختلفة الأوربية والروسية والأفريقية، والعنصريات التي أصلاً من بني إسرائيل؟ هذا الشيء هو الديانة اليهودية وليس العنصرية الإسرائيلية. يعني: كلمة إسرائيل لا تمثل حقيقة الدولة، والتسمية الصحيحة المناسبة لهذه الدولة هي دولة اليهود، وهذه التسمية كانت تطرح في أروقة الأمم المتحدة قبل قيام إسرائيل (جيويش استيت) أو دولة اليهود، ومع ذلك لما قامت في سنة ثمانية وأربعين سمت نفسها إسرائيل؛ وذلك لأنها لو أطلقت على نفسها الدولة اليهودية كان بالتبعية أن يطلق على من حولها الدولة الإسلامية، وهذا شيء بالغ الخطورة على إسرائيل، فهي لا تريد استثارة النوازع الدينية عند المسلمين، فيصبح الإسلام في مقابلة اليهودية، ويفقه المسلمون المعركة كما فقهها رسول الله ﷺ ، فهم يعلمون مواطن القوة في جيش المسلمين، والمسلمون لا يعلمون مواطن القوة في جيشهم، هم يريدون أن يفهم المسلمون المعركة على أنها حرب بين عنصرين بين أبناء إسرائيل وبين أبناء يعرب العربي، فتصبح إسرائيل في مقابلة العرب، ويصبح الصراع اسمه الصراع العربي الإسرائيلي، وليس الصراع الإسلامي اليهودي. وشتان. وبالتأكيد فإن اليهود قد قرءوا جيداً تاريخ المسلمين، وعلموا أن لحظات الانتفاضة الحقيقة والنصر المبين للمسلمين لا تكون إلا تحت راية الإسلام، أما غيرها من الرايات فلا يتحقق تحته نصر، فقال اليهود: فليحاربنا المسلمون تحت أي راية، فسوف ننتصر عليهم. تحت راية العروبة أو تحت راية الاشتراكية أو تحت راية الرأسمالية أو تحت راية الفلسطينية أو الفرعونية أو الفينيقية أو أي راية، إن ذلك ليس مهماً، المهم عندهم عدم وجود راية الإسلام، انظر إلى كلام بن غوريون أول رئيس لإسرائيل: نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات، نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلاً، وبدأ يتململ من جديد. كذلك شيمون بيريز في مؤتمر انتخابه كان يقول: لا يمكن أبداً أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه، ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه، نسأل الله أن يخيب ظنه، ولن يغمد الإسلام سيفه أبداً. إذاً: القتال تحت راية العروبة بدلاً من راية الإسلام شيء خطير لما ذكرناه أولاً؛ لأنه لا يهمنا من عاش فيها أولاً، المهم متى فتحت؟ ثانياً: لأننا لا يشرفنا

стр. 29

جعل قضية إعادة اللاجئين القضية المحورية والهدف الأساسي الاختيار الخامس وهو أمر يقاتل من أجله بعض المسلمين، ولكن ليس بالأمر المنتشر، فبعض المسلمين يقاتل فقط من أجل إعادة اللاجئين إلى أرض فلسطين. فأقول: إن هذا هو ما تريده إسرائيل تماماً، أن تجعل القضية قضية لاجئين، وهنا تتدخل إسرائيل وتعرض حلولاً بتعويض اللاجئين مالاً وإسكانهم في مكان خارج فلسطين، يعني مثلاً: في الأردن أو في لبنان أو في مصر أو في ليبيا أو في أي مكان، وقد عرض بالفعل هذا من قبل، وليس هذا بجديد. كان موشى ديان يتعجب قائلاً: يريدون إعادة اللاجئين إلى إسرائيل وهي تبلغ من المساحة ٢٨ ألف كيلو متر مربع فقط -يقصد بذلك مساحة كل فلسطين- وعندهم من الأرض ما تبلغ مساحته أكثر من ١٤ مليون كيلو متر مربع. إشارة إلى مساحة الدول العربية المحيطة، وهو بذلك يريد أن يضيع القضية، ويشير إلى أن القضية ليست قضية أرض، إنما القضية قضية أناس لا يجدون مكاناً يسكنون فيه، فنحن سنسكنهم في أماكن أفضل من الأماكن التي سكنوا فيها من قبل، فتجد أنه بسهولة شديدة جداً يستطيع الفلسطينيون أن يهاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويحصلوا هناك على الجنسية الأمريكية، فيعيشون هناك في أمريكا ويتركوا أرض فلسطين. إذاً: هناك طرح إسرائيلي بعرض مال أو بدل أو تعويض للاجئين على أن يتركوا أرض فلسطين. البديل الآخر: أن يعودوا إلى فلسطين تحت الحكم اليهودي، وبذلك يصبحون مثل عرب إسرائيل الآن، وهم مجموعة من العرب مضطهدة تحت حكم اليهود، يعاملون بعنصرية واضحة وسيطرة كاملة، ولو سمح لهم برفع صوت فلن يكون إلا من خلال الأحزاب اليهودية الليكود أو العمل، ولو زاد الصوت عن حده لابد أن يكون العقاب إما قطع اللسان أو قطع العنق. هذا بلا شك تضييع كبير جداً لمفهوم القضية الصحيح، وهو أن يعود اللاجئون إلى الأرض حاكمين وليسوا محكومين بالحكم اليهودي، فلا يعيشون تحت وطأة اليهود هناك فيما يسمى بإسرائيل. إذاً: هذا الطرح غير مقبول بالمرة، ومع ذلك يردده بعض الناس، لكن لا نقبله لا شرعاً ولا عقلاً.

стр. 30

جعل قضية إنقاذ الفلسطينيين من الإبادة هي القضية الأساسية الاختيار السادس والأخير: هل نحرر فلسطين لوقف نزيف الدماء؟ كثير من المسلمين يتحرك لحل قضية فلسطين بنية وقف نزيف الدماء، وهذا ولا شك هدف نبيل وعظيم وكريم، وقد تحدثنا من قبل عن حرمة دماء المسلمين، وأنها أغلى من الأقصى الشريف، ولكن ما الثمن الذي سيدفع لإنقاذ الدماء الطاهرة والأرواح الزكية؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أسأل سؤالاً آخر: ما هي الأهداف التي من أجلها شرعت القوانين في الإسلام؟ وضعت الشريعة الإسلامية لحفظ خمسة أمور مرتبة بحسب الأهمية: الدين النفس النسل المال العقل. فأول هذه الأشياء الدين، ويبذل كل شيء للحفاظ على الدين، حتى النفس تبذل للحفاظ على الدين؛ ولذلك شرع الله الجهاد في سبيله، وحض الإسلام على التضحية بالنفس والمال من أجل حفظ الدين نشره وتعليمه، ثم النفس مقدمة على النسل؛ لذلك إن كانت حياة الأم مهددة بالخطر يضحى بالنسل من أجل الحفاظ على النفس، والنفس أيضاً مقدمة على المال؛ لذلك يبذل المال كله للحفاظ على نفس المؤمن، كذلك النفس مقدمة على العقل، فإن كاد الرجل أن يهلك عطشاً جاز له أن يشرب خمراً مع أن هذا سيذهب عقله لكن النفس مقدمة. إذاً: النفس مقدمة على كل هذه الأشياء، لكن ليست مقدمة على الدين، فلا يضحى بالدين من أجل النفس؛ لأن الدين هو المقصد الأول للشريعة. وفي قضية فلسطين ذكرنا أن تحرير أرض فلسطين فرض عين على المسلمين، فرض عين على المسلمين، نعم؛ لأنها أرض فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام، ثم احتلت من قبل اليهود؛ لتحكم بشرع غير شرع الإسلام، وبدين محرف وبقوانين علمانية وبتغييب للدين، وكون تحرير أرض فلسطين يأخذ هذا المنطلق يجعل هذا التحرير جزءاً من الدين. إذاً: إضاعة أرض فلسطين هي إضاعة للدين ومن أجل حفظ أرض فلسطين -أي: حفظ الدين- يبذل كل شيء حتى النفس، بل من أجل حفظ أشبار من أرض فلسطين تبذل النفس، فالدفاع عما تملك جزء من الدين، ومع أن المال مؤخر عن النفس لا يكون ذلك إلا عندما تنفقه مختاراً، لكن إذا أخذ رجل مالك عنوة شرع لك الله أن تقاتل دون مالك وقد تبذل النفس؛ لأن احتلال المال أو سرقة المال أصبحت تضييع للدين. روى الترمذي والإمام أحمد عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)، هذا للدفاع عن شيء تملكه، فما بالك بالدفاع عن أرض إسلامية محتلة؟ هذا أمر ليس لك أن تتركه ولست مخيراً في ذلك، بل هذا قد فرض فرضاً عينياً على كل أهل فلسطين، وإن لم يقفوا فرض على أمة المسلمين جميعاً. نرجع للسؤال الأول: كثير من المسلمين يتحركون لإنقاذ دماء فلسطين ترى ما هو الثمن الذي سيدفع لإنقاذ هذه الدماء؟ إن كنت ستدفع مالاً لإنقاذه فهذا مقبول، وإن كنت ستدفع عقلاً وفكراً ومجهوداً لإنقاذه فهذا أيضاً مقبول، وإن كنت ستبذل نفسك من أجل نفسه فهذا مقبول وهو من باب الإيثار، لكن أن تبذل أرضاً ولو شبراً من أرض المسلمين لإنقاذ الأرواح فهذا ليس بمقبول؛ لأن بذل الأرض تضييع للدين، وبذل النفس حفظ للدين. إذاً: لا يستقيم أبداً أن أحرك بسرعة مفاوضات السلام كما يقولون لإنقاذ أرواح الفلسطينيين الأبرياء في مقابل إعطاء ٨٠% من أرض فلسطين لليهود، نعم يا إخوة! منتهى أحلام المفاوضين الفلسطينيين أن يحصلوا على ٢٢% من أرض فلسطين، ويعترفون بعد ذلك لإسرائيل بـ٧٨% من الأرض، وهذا في حال لو وافقت إسرائيل على ذلك، إذاً: نخرج بقاعدة من هذا الحوار وهي: يقدم الدين على كل شيء، ومن أجله يبذل الغالي والثمين وإن كان نفساً أو مالاً، غير أن لنا تعليقات أخرى على قضية دماء الفلسطينيين في الانتفاضة.

стр. 31

تعليقات على قضية دماء الفلسطينيين في الانتفاضة

стр. 32

تحرير أرض فلسطين لا يكون إلا ببذل الدماء الزكية أولاً: قد يقول قائل: أليس هناك طريقة لتحرير فلسطين من غير الدماء الكثيرة التي تبذل؟ وسبحان الله! الإجابة بمنتهى الأسف: لا، لا يمكن، سنة من سنن الله في الأرض أن الشعوب لا تحرر إلا بالدماء والتضحيات والبذل والعطاء، كل الشعوب حتى الشعوب غير الإسلامية، فيتنام لم تحرر من العدوان الأمريكي إلا بعد أن بذل شعب فيتنام دماءه من أجل تحرير أرضه، وهم ليسوا أصلاً على ملة من الملل، ولا يرجون أجراً ولا ثواباً، لكن ثمن الحرية عظيم، ولا يمكن أبداً أن يأخذ الناس حقوقهم من الطواغيت والجبابرة والمحتلين حول طاولة مفاوضات، فلو قعد الفيتناميون مع الأمريكان ألف سنة حول طاولة المفاوضات ما خرج الأمريكان من أرضهم، ولو قعد الليبيون مع الإيطاليين ألف سنة حول طاولة مفاوضات ما خرج الإيطاليون من ليبيا، ولو قعد الجزائريون مع الفرنسيين ألف سنة حول طاولة المفاوضات ما خرج الفرنسيون وهكذا. فلماذا ستشذ فلسطين عن القاعدة؟! لماذا يعتقد المفاوضون الفلسطينيون أن إسرائيل سوف تعطيهم حقاً حول طاولة مفاوضات، مع أنهم يعلمون أن اليهود أخس وأنذل ألف مرة من المحتلين السابقين سواء كانوا أمريكاناً أو إنجليزاً أو إيطاليين، وقد يقول قائل: مصر أخذت أرضها بالسلام، وأخذت سيناء بالسلام. سأقول له أيضاً: لا، فإن مصر بذلت الدماء الزكية في أكتوبر سنة ١٩٧٣م وبذلك حركت الأمور خطوة، كما أن الجزء الذي حررته مصر بالسلاح تستطيع أن تدافع عنه بالسلاح، أما الجزء الذي أخذته مصر بالسلام في كامب ديفيد للأسف جزء ضعيف وهزيل، وليس فيه جيش مصري يدافع عنه، وهذا من العيوب الخطيرة في كامب ديفيد، وسيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله في محاضرة لاحقة. ليس معنى هذا: أننا ضد السلام بل على العكس: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]، لكن لا يكون الدين أبداً ثمناً للسلام، ولابد للسلام أن يرد الحقوق كاملة لأصحابها، وأول الحقوق هو حق الله .

стр. 33

شهداء فلسطين لن يعدموا الأجر من الله التعليق الثاني على قضية الدماء في فلسطين: نقول: هل ضاعت الدماء التي بذلت في انتفاضة تهدف إلى تحرير فلسطين؟ أبداً والله، نحن لا نقول: ضاعت بل نقول: فازت، يا إخوة! إنها الشهادة، فلا تعتقد أبداً أن هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد خسروا أرواحهم، وماتوا في عز شبابهم، وضاعت أحلامهم وآمالهم لا، إن هؤلاء بدءوا حياتهم بموتهم، وعجل لهم من الكرامة والفضل بمجرد موتهم ما يعجز عنه البيان، والحسابات عند الله يا إخوة! مختلفة تماماً عن حسابات البشر، لكن كثيراً من البشر ينظر إلى النتائج، والله ينظر إلى الأعمال والنيات ولا ينظر إلى النتائج، فكثير من الصحابة الصادقين ماتوا قبل أن يروا نصراً أو تمكيناً، ومع ذلك هم في أعلى عليين، فلم يحرم من الأجر ياسر وسمية ﵄ والدا عمار بن ياسر، وقد قتلا في فترة مكة دون نصر ولا تمكين، ومع ذلك يمر عليهم رسول الله ﷺ ويقول: (صبراً آل ياسر! فإن موعدكم الجنة)، كذلك خبيب بن عدي ومصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب وسعد بن الربيع وغيرهم، هؤلاء استشهدوا في أحد دون أن يشاهدوا دولة الإسلام قائمة، لكن ما ضاع أجرهم، فحسابات الله مختلفة تماماً عن حسابات البشر. رجل أنفق عاماً كاملاً لدعوة زميله إلى الصلاة وفعل الخيرات وترك المنكرات، ثم أبى ذلك الزميل إلا أن يستمر في شهواته -هل ضاع على الداعي هذا المجهود؟ أبداً والله ما ضاع؛ ذلك لأن الله يحاسب على العمل والنية، ولا يحاسب على النتيجة، فشهداء أحد يشبههم شهداء فلسطين الآن، فقد بذلوا أرواحهم دون نصر مادي ملحوظ، ومع ذلك اسمع إلى حديث رسول الله ﷺ . روى مسلم في صحيحه عن مسروق ﵀ قال: (سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم إطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)، فهل تريد أن تحرم شباب فلسطين من هذا الأجر والنعيم؟ يؤكد المعنى السابق حديث رسول الله ﷺ في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا، إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة). روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أعلمت أن الله أحيا أباك فقال له: تمن؟ فقال له: أرد إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون). روى البخاري عن جابر قال: (لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لم ينه، فقال النبي ﷺ : لا تبكه. ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعت). إذاً: ملخص التعليقات التي ذكرناها على قضية وقف نزيف الدماء: أن هذه الدماء غالية جداً ولكن أولاً: الشعوب لا تحرر إلا ببذل الدماء، ثانياً: الدماء التي بذلت دماء طاهرة بذلت في سبيل الله ففازت بالنعيم، والله يحاسب على الأعمال والنيات، ولا يحاسب على النتائج.

стр. 34

شهداء فلسطين أعدادهم قليلة بالنسبة لمقاييس تغيير الأمم تعليق ثالث على بذل الدماء في فلسطين: كم من الشهداء سقط حتى الآن في أرض فلسطين؟ سبعمائة شهيد ثمانمائة شهيد ألف شهيد، فهذه يا إخوة أرقام لا تمثل شيء في مقاييس تغيير الأمم، وعلى سبيل المثال لا الحصر في مذبحة صبرا وشاتيلا قتل من المسلمين الفلسطينيين أكثر من ثلاثة آلاف في يوم واحد، وثورة سنة ١٩٣٧م -كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله في الحديث عن تاريخ فلسطين- استشهد فيها من أهل فلسطين ١٢ ألف مسلم ولم يحن الوقت، الطريق طويل، ١٢ ألف مسلم في سنة ١٩٣٧م قد لا نعلم عنهم شيئاً، لكن الله يعلمهم. مليون شهيد بذلوا في الجزائر لتحرر، ومليون شهيد بذلوا في أفغانستان لتحرر من روسيا كما تعلمون، ثم انظروا كم من القتلى يموتون دون هدف، مائة ألف قتلوا في زلزال الهند المدمر، ثمانون ألفاً من المدنيين قتلوا في هيروشيما على يد الأمريكان كما تعلمون في سنة ١٩٤٥م وبعدها بثلاثة أيام قتل ثمانون ألفاً من المدنيين، في مدينة ناجازاكي، مع أن إمبراطور اليابان كان قد اتخذ قرار للاستسلام قبل ضرب أمريكا اليابان بهذه القنابل، كما أن اليابان لما ضربت أمريكا لم تضرب إلا أهدافاً عسكرية، كذلك مائتان وخمسون ألف مدني ولاجئ في مدينة برزبن تم حرقهم بقنابل فسفورية في ليلة واحدة في يوم ١٣ فبراير سنة ١٩٤٥م، وذلك بقصف الطائرات الأمريكية والإنجليزية المتحضرة. مليونا شخص ماتوا في السودان من سنة ١٩٧٣م إلى سنة ٢٠٠١ نتيجة الحرب الأهلية والمجاعة والفيضانات، ٢٢ مليون قتيل بالإيدز، هذا غير ٣٧ مليون حامل للمرض، مع أن عمر الإيدز في الأرض لا يزيد على ٢٠ سنة، خمسة ملايين منهم ماتوا في العام السابق فقط، أمريكا قتلت ٢٠ مليوناً من الهنود الحمر؛ ليستوطنوا بعد ذلك في أمريكا هل تعرفون قدر ضحايا الحرب العالمية الثانية، وكانت حرباً بلا هدف نبيل، قتل في أقل تقدير في الحرب العالمية الثانية ٥٠ مليوناً من البشر، وبعض التقديرات تقول: قتل في الحرب العالمية الثانية ٦٥ مليوناً، وتعرفون طبعاً قضية نقل العبيد من أفريقيا إلى أمريكا التي قامت بها فرنسا وإنجلترا، وكانت لعملية النقل ضحايا ماتوا جراء هذا النقل، بلغ عددهم في أقل تقدير ١٠٠ مليون من البشر. لذلك لما أرادوا إثارة هذه القضية في أحد المؤتمرات رفضت فرنسا وإنجلترا والدول الغربية وأمريكا أن يدفعوا تعويضات لمائة مليون، وهابوا أن يكشفوا عن هذه الفضائح أمام العالم المتحضر، والكلام هذا ليس قديماً، بل هو من مائة وخمسين سنة أو مائتي سنة، مع أن فرنسا تسمى بلد الحرية والمساواة والنور كما يتحدثون عنها، هي التي قامت مع إنجلترا بهذا القتل البشع لمائة مليون من البشر في أفريقيا، فهذه أرقام ضخمة جداً كما ذكرنا، ورقم ألف لا يعني شيئاً أبداً في تغيير الأمم، لكنهم جميعاً يموتون في غاية نبيلة في أرض فلسطين.

стр. 35

اليقين الكامل أن العمر لا يزيد ولا ينقص عما قدره الله رابعاً: عند المسلمين يقين كامل أن العمر لا يزيد ولا ينقص عما قدره الله ، وأن الأجل محتوم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، محمد الدرة الطفل الشهيد الذي استشهد وهو يبلغ من العمر ١٢ عاماً في مشهد مأساوي مؤثر للغاية، هذا الغلام لو لم يخرج من بيته لمات في داخل بيته، ولكن الله قدر سبباً معيناً لموته فخرج لهذا السبب: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، لكن انظر إلى فضل الله وكرمه، لو مات هذا الغلام في بيته لحزن عليه أبواه وإخوته فقط وإلى أجل محدود، أما باستشهاده بهذه الصورة فقد أحيا أمة، كاملة من أندونيسيا إلى المغرب وسيظل المؤرخون يؤرخون بموته بعد ذلك. فانظر إلى الفضل والكرم من رب العالمين لما شرع لنا الجهاد في سبيله. إذاً: نوجز الحديث السابق كله في أن السبب الرئيسي الذي من أجله نحرر فلسطين هو لأن فلسطين أرض إسلامية، أمر بتحريرها، وتحرير كل أرض إسلامية أخرى محتلة؛ ولا نحررها لكونها تحتوي في داخلها على القدس أو الأقصى فقط وإن كان هذا قد زادها شرفاً وعزاً، ولا نحررها لكونها عربية مع أن اللغة العربية قد زادتها قيمة وقدراً، ولا نحررها لمشكلة اللاجئين مع أن هذا أمر مهم، عليهم أن يعودوا حاكمين إلى البلاد، ولا نحررها لوقف نزيف الدماء وإن كانت هذه الدماء غالية وثمينة وطاهرة، ولا نحررها لأن فلاناً أمر أو فلاناً نصح أو فلاناً أشار، ولكن نحررها سمعاً لربنا وطاعة له، وامتثالاً لكتابه، وتطبيقاً لشرعه، نحررها أملاً في جنة الرحمن وهرباً من النيران. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 36

سلسلة فلسطين_ إسرائيل الكبرى مفهوم إسرائيل الكبرى مقولة تظهرها كثير من وسائل الإعلام، يقصد بها تملك اليهود معظم الأراضي الإسلامية، فاليهود يملكون مكراً وخططاً خبيثة في تسيير مصالحهم وتحقيقها، وهذا هو دأبهم في كل الأزمان، يتجلى ذلك في جعلهم فلسطين وطناً لهم.

стр. 37

مفهوم إسرائيل الكبرى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تجعل إلى النار مآلنا، واجعل الجنة هي دارنا ومستقرنا. آمين آمين. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع المحاضرة الرابعة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين، وكنا قد تحدثنا في الحلقات الثلاث السابقة عن المؤامرة الضخمة التي تحاك ضد أمة الإسلام، وبالتبعية لفلسطين، وتحدثنا عن دور عموم الشعوب في هذه القضية، وذكرنا أن الدور الأول والأساسي هو تصحيح المفاهيم الخاصة بقضية فلسطين، وتحريك القضية بهذه المفاهيم وبسرعة. ثم أتبعنا ذلك بالحديث عن المفهوم الأول الهام: وهو لماذا نحرر فلسطين؟ وخلصنا إلى أن تحرير فلسطين يرجع إلى أنها أرض إسلامية فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام، ولا نحررها لاعتبارات أخرى كثيرة ذكرناها في موضعها. واليوم نتحدث عن مفهوم آخر أيضاً شديد الأهمية، وهو مفهوم إسرائيل الكبرى، يعني: ماذا تعني إسرائيل الكبرى؟ هناك مقولة تظهرها كثير من وسائل الإعلام، بل وتظهرها وسائل إعلام إسرائيل ذاتها، هذه المقولة هي: أن هناك ما يسمى بإسرائيل الكبرى، إسرائيل الصغرى هي فلسطين، أما إسرائيل الكبرى في زعمهم فهي فلسطين بكاملها بما فيها الضفة الغربية وغزة والأردن بكاملها ولبنان بكاملها، وسوريا بكاملها، وجزء كبير جداً من العراق يصل في بعض الخرائط الإسرائيلية إلى الفرات، وفي بعضها إلى دجلة، كذلك مصر حتى الفرع الغربي من النيل -يعني: أرض دلتا النيل كلها داخلة في أرض إسرائيل الكبرى، كذلك شمال السعودية حتى المدينة المنورة، بل في بعض الكتابات اليهودية يوضح اليهود أنهم يطمعون في أن تمتد حدودهم إلى حوالي (١١٢) كيلو متراً جنوب المدينة المنورة -خيب الله ظنونهم- وبعض الخرائط أيضاً تضم جنوب تركيا إلى هذه الخريطة الواسعة.

стр. 38

شواهد توضح مفهوم إسرائيل الكبرى هل فعلاً قضية إسرائيل الكبرى هذه قضية تفكر فيها إسرائيل؟ أم أنها أسطورة ذكرت في بعض الكتب أو ذكرت في بعض الصحف أو المجلات؟ الحق أن هناك إشارات كثيرة تشير إلى أن إسرائيل تفكر فعلاً في موضوع إسرائيل الكبرى، على سبيل المثال: هناك خريطة كبيرة معلقة على باب الكنيست وحدود هذه الخريطة من دجلة في العراق إلى النيل في مصر، معلقة في منتهى الوضوح على باب الكنيست، كما أن في ظهر عملة الشيكل الإسرائيلية خريطة من دجلة إلى النيل. أيضاً: هناك أمر ثالث من الشواهد أو الإشارات وهو أن علم إسرائيل يحمل خطين أزرقين بينهما نجمة داود، الخط الأول منهما إشارة إلى نهر دجلة أو الفرات، والخط الآخر يشير إلى نهر النيل، لكن هذا الكلام ليس فقط بالإشارات، بل هم يصرحون به أحياناً، فمن أبسط الأمثلة على ذلك: مذكرات تيودور هرتزل، هذا رجل له باع كبير جداً في إنشاء الدولة اليهودية في داخل أرض فلسطين، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل، ذكر تيودور هرتزل في مذكراته: أن حدود إسرائيل الكبرى التي ينوي أن يقيمها هناك في أرض فلسطين تمتد من نهر دجلة إلى نهر النيل في مصر، حتى إنه كان في حيرة من أمره، يقول: هذه هي الحدود التي بين الشرق والغرب، فأين الحدود الشمالية الجنوبية، وذكر في مذكراته أنه التقى مع راهب إنجليزي وتناقشا سوياً في هذا الأمر، وخلص إلى أن الحدود الشمالية تصل إلى جبال في جنوب تركيا، وتصل في الجنوب إلى المدينة المنورة حيث كانت قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير في المدينة المنورة في زمان رسول الله ﷺ . وهناك رجل اسمه روتشلد وهو من أثرى أثرياء اليهود وكان يعيش في زمن تيودور هرتزل في أوائل القرن العشرين، عثروا في خزانته على خريطة كتب عليها مملكة إسرائيل، وهي أيضاً تضم نفس الحدود التي تحدث عنها تيودور هرتزل من قبل. بل خطاب بن غوريون نفسه، وهو أول رئيس لإسرائيل، عندما كونت دولة إسرائيل في سنة ١٩٤٨م خطب وقال: إن خريطة فلسطين الحالية إنما هي خريطة الانتداب وللشعب اليهودي خريطة أخرى يجب على شباب اليهود أن يحققوها وهي خريطة التوراة التي جاء فيها: وهبتك يا إسرائيل! ما بين دجلة والنيل. إذاً: هم يصرحون بهذا الأمر ويعلنونه، وليس مجرد خواطر أو أفكار يرهبون بها الناس.

стр. 39

شواهد علمية تثبت تحرك الصهاينة لتكوين إسرائيل الكبرى ترى هل هناك شواهد عملية تثبت تحركهم في هذا الاتجاه، أم أن هذه مجرد دعاية ضخمة جداً لإرهاب الدول المحيطة بإسرائيل؟ الحق أن هناك شواهد كثيرة تشير أنهم فعلاً يسيرون في هذا الاتجاه. الشاهد الأول: تأسيس دولة إسرائيل في داخل فلسطين، والحق أن هذا الأمر من أكبر الشواهد على أنهم يسيرون بالفعل في اتجاه إنشاء إسرائيل الكبرى، وهي خطوة في منتهى الصعوبة، ولكنها تمت على مدار خمسين سنة كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله. ثانياً: حرب سنة ١٩٦٧م، ففي هذه السنة تقدمت إسرائيل من حدود فلسطين إلى قطاع غزة وإلى الضفة الغربية، وبذلك استحوذت على كل فلسطين، ثم تجاوزت ذلك إلى سيناء في مصر وإلى الجولان في سوريا، وهي أجزاء داخلة في حدود إسرائيل الكبرى، يعني: بدأت تأخذ بالفعل خطوات عملية لتكوين ما يسمى بإسرائيل الكبرى، بل إن موشي ديان وزير الدفاع في ذلك الوقت أعلن بمنتهى الوضوح أنه لما احتل اليهود القدس في سنة ١٩٦٧م أصبح الطريق مفتوحاً إلى يثرب وإلى بابل هكذا قال، ثم قال أيضاً لما احتلت سيناء: لقد حررنا سيناء، وكأن سيناء أصلاً كانت ملكاً لليهود، ثم حررت بعد أن احتلها المصريون فترة من الزمان. ثالثاً: في سنة ١٩٨٢م وقعت حرب احتلال لبنان، فلبنان داخلة أيضاً في حدود إسرائيل الكبرى، فقد انطلق اليهود من داخل فلسطين لاحتلال لبنان حتى وصلوا إلى حدود بيروت واستقروا هناك لمدة ١٩ سنة، ولم يخرجوا إلا رغماً عن أنوفهم كما سيأتي إن شاء الله في تفصيل تاريخ إسرائيل الحديث. رابعاً: حرب الخليج ذاتها هي إشارة كبيرة إلى ما تنوي أن تفعله إسرائيل في المنطقة، نزول هذه القوات الضخمة جداً للأمريكان في هذه المنطقة، والتي تعتبر في خريطة إسرائيل هي الحدود الجنوبية لدولة إسرائيل بالقرب من منطقة العراق، تدمير القوة العسكرية في دولة العراق، وهي الدولة التي يدخل كثير من أرضها داخل حدود إسرائيل الكبرى، واستقرار الجيوش الأمريكية في هذا المكان، كل هذه إشارات إلى تأمين هذه الحدود الشرقية لمملكة إسرائيل الكبرى.

стр. 40

تقسيم مملكة إسرائيل الكبرى إلى دوائر أنا أتخيل شكل إسرائيل الكبرى عبارة عن دوائر، كل دائرة أوسع من الدائرة التي قبلها، فالدائرة الصغرى هي أرض فلسطين ذاتها، وهذه الدائرة قد استطاع اليهود أن يسيطروا على معظمها، وبقيت بعض المناطق في الضفة الغربية وفي غزة، وهم يسعون إلى احتلالها وضمها وقد فعلوا ذلك من قبل في سنة ١٩٦٧م. والدائرة الثانية هي الدائرة المحيطة الأوسع، دائرة مصر والأردن وسوريا ولبنان، وهذه الدائرة قد حاولوا من قبل أن يدخلوها بالسلاح، ولكنهم فشلوا وخرجوا من مصر سنة ١٩٧٣م ثم بعد ذلك كانت المعاهدة، وإن كان هناك سلبيات كثيرة كما سيأتي في الحديث عن المعاهدة، وخرجوا أيضاً من لبنان سنة ٢٠٠٠م، ومن أجل تحقيق حدود هذه الدائرة من جديد بدأت إسرائيل في محاولة إنشاء علاقات طيبة في داخل هذه البلاد عن طريق أمريكا، وهم يحاولون بذلك القضاء على روح العداء لإسرائيل عند هذه الشعوب، فتصبح شعوباً صديقة، ومع مرور الوقت يحدث الأمان لإسرائيل، ثم يغدر اليهود كعادتهم ويهجمون حين لا يتوقع أحد الهجوم. إذاً: هذه الدائرة التالية لأرض فلسطين وقد تضم إليها دولة السعودية، فهي أيضاً على علاقات طيبة مع أمريكا، والعلاقة طيبة جداً كما سيأتي بين أمريكا وإسرائيل، بل هي أكثر من أن تكون طيبة، فهناك أمور أخرى نؤجل الحديث عنها إلى محاضرة لاحقة. الدائرة التي تتبع هذه الدائرة الملاصقة لدولة فلسطين هي دائرة تضم دولة العراق. وشاهدنا ما حدث في العراق في حرب الخليج، كذلك هناك دائرة تضم دولة السودان، وهناك مساعدات ضخمة جداً لـ جون قرنق بجنوب السودان للسيطرة على هذه المنطقة، ومنع المد الإسلامي من النزول إلى وسط أفريقيا، أيضاً هذه الدائرة الواسعة تضم ليبيا وعليها حصار اقتصادي ضخم من أمريكا، تضم أيضاً هذه الدائرة تركيا في الشمال، وهناك علاقات قوية جداً بين إسرائيل وتركيا، يعني: هناك ثلاث دوائر تقريباً، دائرة صغيرة حولها دائرة أوسع ثم دائرة أوسع مطلقاً، وكل هذه الدوائر تعمل فيها إسرائيل، سواء عن طريق العساكر، أو عن طريق المفاوضات، أو عن طريق الضغوط والحصار، لكن المهم أن هناك نشاطاً مستمراً في كل بلد من هذه البلاد على مدار السنوات لتحقيق ما يسمى بإسرائيل الكبرى. وأيضاً كل دولة موجودة في هذه المنطقة توقع على معاهدة لمنع نشر الأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو أسلحة التدمير الشامل كما يقولون، إلا دولة إسرائيل لا توقع عليها، هكذا في منتهى الوضوح والصراحة، فإسرائيل تملك هذا السلاح ولا يتحرك أحد في العالم لأجل ذلك، أو لا تتحرك الأمم المتحدة المزعومة لإرغام إسرائيل كما أرغمت الآخرين على توقيع هذه المعاهدة، إذا كان هذا السلاح محرماً فعلاً على شعوب العالم فلا بد أيضاً من أن يحرم على دولة إسرائيل، لكن هذا لا يتم، وتوقيع الجميع على فقدان السلاح الأكبر في هذا الزمن وعدم توقيع اليهود فيه أيضاً إشارة إلى التفوق العسكري الملموس لهذه الدولة في هذا المحيط الواسع الذي سوف يصبح لاحقاً في ظنهم دولة إسرائيل الكبرى، ونسأل الله أن يخيب ظنونهم.
следующие страницы →