← История

История · id 37380

فلسطين حتى لا تكون أندلسا أخرى

راغب السرجاني

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سلسلة فلسطين_ إسرائيل الكبرى مفهوم إسرائيل الكبرى مقولة تظهرها كثير من وسائل الإعلام، يقصد بها تملك اليهود معظم الأراضي الإسلامية، فاليهود يملكون مكراً وخططاً خبيثة في تسيير مصالحهم وتحقيقها، وهذا هو دأبهم في كل الأزمان، يتجلى ذلك في جعلهم فلسطين وطناً لهم.

стр. 37

مفهوم إسرائيل الكبرى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تجعل إلى النار مآلنا، واجعل الجنة هي دارنا ومستقرنا. آمين آمين. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فمع المحاضرة الرابعة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين، وكنا قد تحدثنا في الحلقات الثلاث السابقة عن المؤامرة الضخمة التي تحاك ضد أمة الإسلام، وبالتبعية لفلسطين، وتحدثنا عن دور عموم الشعوب في هذه القضية، وذكرنا أن الدور الأول والأساسي هو تصحيح المفاهيم الخاصة بقضية فلسطين، وتحريك القضية بهذه المفاهيم وبسرعة. ثم أتبعنا ذلك بالحديث عن المفهوم الأول الهام: وهو لماذا نحرر فلسطين؟ وخلصنا إلى أن تحرير فلسطين يرجع إلى أنها أرض إسلامية فتحت بالإسلام وحكمت بالإسلام، ولا نحررها لاعتبارات أخرى كثيرة ذكرناها في موضعها. واليوم نتحدث عن مفهوم آخر أيضاً شديد الأهمية، وهو مفهوم إسرائيل الكبرى، يعني: ماذا تعني إسرائيل الكبرى؟ هناك مقولة تظهرها كثير من وسائل الإعلام، بل وتظهرها وسائل إعلام إسرائيل ذاتها، هذه المقولة هي: أن هناك ما يسمى بإسرائيل الكبرى، إسرائيل الصغرى هي فلسطين، أما إسرائيل الكبرى في زعمهم فهي فلسطين بكاملها بما فيها الضفة الغربية وغزة والأردن بكاملها ولبنان بكاملها، وسوريا بكاملها، وجزء كبير جداً من العراق يصل في بعض الخرائط الإسرائيلية إلى الفرات، وفي بعضها إلى دجلة، كذلك مصر حتى الفرع الغربي من النيل -يعني: أرض دلتا النيل كلها داخلة في أرض إسرائيل الكبرى، كذلك شمال السعودية حتى المدينة المنورة، بل في بعض الكتابات اليهودية يوضح اليهود أنهم يطمعون في أن تمتد حدودهم إلى حوالي (١١٢) كيلو متراً جنوب المدينة المنورة -خيب الله ظنونهم- وبعض الخرائط أيضاً تضم جنوب تركيا إلى هذه الخريطة الواسعة.

стр. 38

شواهد توضح مفهوم إسرائيل الكبرى هل فعلاً قضية إسرائيل الكبرى هذه قضية تفكر فيها إسرائيل؟ أم أنها أسطورة ذكرت في بعض الكتب أو ذكرت في بعض الصحف أو المجلات؟ الحق أن هناك إشارات كثيرة تشير إلى أن إسرائيل تفكر فعلاً في موضوع إسرائيل الكبرى، على سبيل المثال: هناك خريطة كبيرة معلقة على باب الكنيست وحدود هذه الخريطة من دجلة في العراق إلى النيل في مصر، معلقة في منتهى الوضوح على باب الكنيست، كما أن في ظهر عملة الشيكل الإسرائيلية خريطة من دجلة إلى النيل. أيضاً: هناك أمر ثالث من الشواهد أو الإشارات وهو أن علم إسرائيل يحمل خطين أزرقين بينهما نجمة داود، الخط الأول منهما إشارة إلى نهر دجلة أو الفرات، والخط الآخر يشير إلى نهر النيل، لكن هذا الكلام ليس فقط بالإشارات، بل هم يصرحون به أحياناً، فمن أبسط الأمثلة على ذلك: مذكرات تيودور هرتزل، هذا رجل له باع كبير جداً في إنشاء الدولة اليهودية في داخل أرض فلسطين، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل، ذكر تيودور هرتزل في مذكراته: أن حدود إسرائيل الكبرى التي ينوي أن يقيمها هناك في أرض فلسطين تمتد من نهر دجلة إلى نهر النيل في مصر، حتى إنه كان في حيرة من أمره، يقول: هذه هي الحدود التي بين الشرق والغرب، فأين الحدود الشمالية الجنوبية، وذكر في مذكراته أنه التقى مع راهب إنجليزي وتناقشا سوياً في هذا الأمر، وخلص إلى أن الحدود الشمالية تصل إلى جبال في جنوب تركيا، وتصل في الجنوب إلى المدينة المنورة حيث كانت قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير في المدينة المنورة في زمان رسول الله ﷺ . وهناك رجل اسمه روتشلد وهو من أثرى أثرياء اليهود وكان يعيش في زمن تيودور هرتزل في أوائل القرن العشرين، عثروا في خزانته على خريطة كتب عليها مملكة إسرائيل، وهي أيضاً تضم نفس الحدود التي تحدث عنها تيودور هرتزل من قبل. بل خطاب بن غوريون نفسه، وهو أول رئيس لإسرائيل، عندما كونت دولة إسرائيل في سنة ١٩٤٨م خطب وقال: إن خريطة فلسطين الحالية إنما هي خريطة الانتداب وللشعب اليهودي خريطة أخرى يجب على شباب اليهود أن يحققوها وهي خريطة التوراة التي جاء فيها: وهبتك يا إسرائيل! ما بين دجلة والنيل. إذاً: هم يصرحون بهذا الأمر ويعلنونه، وليس مجرد خواطر أو أفكار يرهبون بها الناس.

стр. 39

شواهد علمية تثبت تحرك الصهاينة لتكوين إسرائيل الكبرى ترى هل هناك شواهد عملية تثبت تحركهم في هذا الاتجاه، أم أن هذه مجرد دعاية ضخمة جداً لإرهاب الدول المحيطة بإسرائيل؟ الحق أن هناك شواهد كثيرة تشير أنهم فعلاً يسيرون في هذا الاتجاه. الشاهد الأول: تأسيس دولة إسرائيل في داخل فلسطين، والحق أن هذا الأمر من أكبر الشواهد على أنهم يسيرون بالفعل في اتجاه إنشاء إسرائيل الكبرى، وهي خطوة في منتهى الصعوبة، ولكنها تمت على مدار خمسين سنة كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله. ثانياً: حرب سنة ١٩٦٧م، ففي هذه السنة تقدمت إسرائيل من حدود فلسطين إلى قطاع غزة وإلى الضفة الغربية، وبذلك استحوذت على كل فلسطين، ثم تجاوزت ذلك إلى سيناء في مصر وإلى الجولان في سوريا، وهي أجزاء داخلة في حدود إسرائيل الكبرى، يعني: بدأت تأخذ بالفعل خطوات عملية لتكوين ما يسمى بإسرائيل الكبرى، بل إن موشي ديان وزير الدفاع في ذلك الوقت أعلن بمنتهى الوضوح أنه لما احتل اليهود القدس في سنة ١٩٦٧م أصبح الطريق مفتوحاً إلى يثرب وإلى بابل هكذا قال، ثم قال أيضاً لما احتلت سيناء: لقد حررنا سيناء، وكأن سيناء أصلاً كانت ملكاً لليهود، ثم حررت بعد أن احتلها المصريون فترة من الزمان. ثالثاً: في سنة ١٩٨٢م وقعت حرب احتلال لبنان، فلبنان داخلة أيضاً في حدود إسرائيل الكبرى، فقد انطلق اليهود من داخل فلسطين لاحتلال لبنان حتى وصلوا إلى حدود بيروت واستقروا هناك لمدة ١٩ سنة، ولم يخرجوا إلا رغماً عن أنوفهم كما سيأتي إن شاء الله في تفصيل تاريخ إسرائيل الحديث. رابعاً: حرب الخليج ذاتها هي إشارة كبيرة إلى ما تنوي أن تفعله إسرائيل في المنطقة، نزول هذه القوات الضخمة جداً للأمريكان في هذه المنطقة، والتي تعتبر في خريطة إسرائيل هي الحدود الجنوبية لدولة إسرائيل بالقرب من منطقة العراق، تدمير القوة العسكرية في دولة العراق، وهي الدولة التي يدخل كثير من أرضها داخل حدود إسرائيل الكبرى، واستقرار الجيوش الأمريكية في هذا المكان، كل هذه إشارات إلى تأمين هذه الحدود الشرقية لمملكة إسرائيل الكبرى.

стр. 40

تقسيم مملكة إسرائيل الكبرى إلى دوائر أنا أتخيل شكل إسرائيل الكبرى عبارة عن دوائر، كل دائرة أوسع من الدائرة التي قبلها، فالدائرة الصغرى هي أرض فلسطين ذاتها، وهذه الدائرة قد استطاع اليهود أن يسيطروا على معظمها، وبقيت بعض المناطق في الضفة الغربية وفي غزة، وهم يسعون إلى احتلالها وضمها وقد فعلوا ذلك من قبل في سنة ١٩٦٧م. والدائرة الثانية هي الدائرة المحيطة الأوسع، دائرة مصر والأردن وسوريا ولبنان، وهذه الدائرة قد حاولوا من قبل أن يدخلوها بالسلاح، ولكنهم فشلوا وخرجوا من مصر سنة ١٩٧٣م ثم بعد ذلك كانت المعاهدة، وإن كان هناك سلبيات كثيرة كما سيأتي في الحديث عن المعاهدة، وخرجوا أيضاً من لبنان سنة ٢٠٠٠م، ومن أجل تحقيق حدود هذه الدائرة من جديد بدأت إسرائيل في محاولة إنشاء علاقات طيبة في داخل هذه البلاد عن طريق أمريكا، وهم يحاولون بذلك القضاء على روح العداء لإسرائيل عند هذه الشعوب، فتصبح شعوباً صديقة، ومع مرور الوقت يحدث الأمان لإسرائيل، ثم يغدر اليهود كعادتهم ويهجمون حين لا يتوقع أحد الهجوم. إذاً: هذه الدائرة التالية لأرض فلسطين وقد تضم إليها دولة السعودية، فهي أيضاً على علاقات طيبة مع أمريكا، والعلاقة طيبة جداً كما سيأتي بين أمريكا وإسرائيل، بل هي أكثر من أن تكون طيبة، فهناك أمور أخرى نؤجل الحديث عنها إلى محاضرة لاحقة. الدائرة التي تتبع هذه الدائرة الملاصقة لدولة فلسطين هي دائرة تضم دولة العراق. وشاهدنا ما حدث في العراق في حرب الخليج، كذلك هناك دائرة تضم دولة السودان، وهناك مساعدات ضخمة جداً لـ جون قرنق بجنوب السودان للسيطرة على هذه المنطقة، ومنع المد الإسلامي من النزول إلى وسط أفريقيا، أيضاً هذه الدائرة الواسعة تضم ليبيا وعليها حصار اقتصادي ضخم من أمريكا، تضم أيضاً هذه الدائرة تركيا في الشمال، وهناك علاقات قوية جداً بين إسرائيل وتركيا، يعني: هناك ثلاث دوائر تقريباً، دائرة صغيرة حولها دائرة أوسع ثم دائرة أوسع مطلقاً، وكل هذه الدوائر تعمل فيها إسرائيل، سواء عن طريق العساكر، أو عن طريق المفاوضات، أو عن طريق الضغوط والحصار، لكن المهم أن هناك نشاطاً مستمراً في كل بلد من هذه البلاد على مدار السنوات لتحقيق ما يسمى بإسرائيل الكبرى. وأيضاً كل دولة موجودة في هذه المنطقة توقع على معاهدة لمنع نشر الأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو أسلحة التدمير الشامل كما يقولون، إلا دولة إسرائيل لا توقع عليها، هكذا في منتهى الوضوح والصراحة، فإسرائيل تملك هذا السلاح ولا يتحرك أحد في العالم لأجل ذلك، أو لا تتحرك الأمم المتحدة المزعومة لإرغام إسرائيل كما أرغمت الآخرين على توقيع هذه المعاهدة، إذا كان هذا السلاح محرماً فعلاً على شعوب العالم فلا بد أيضاً من أن يحرم على دولة إسرائيل، لكن هذا لا يتم، وتوقيع الجميع على فقدان السلاح الأكبر في هذا الزمن وعدم توقيع اليهود فيه أيضاً إشارة إلى التفوق العسكري الملموس لهذه الدولة في هذا المحيط الواسع الذي سوف يصبح لاحقاً في ظنهم دولة إسرائيل الكبرى، ونسأل الله أن يخيب ظنونهم.

стр. 41

أهمية معرفة مفهوم إسرائيل الكبرى لماذا من المهم أن نعرف قصة إسرائيل الكبرى؟ لماذا من المهم أن نعرف إن كان هذا حقيقة أم مجرد أسطورة لا يسعى إليها أحد ولكنها مجرد خيال؟ أولاً: معرفة ما في رأس العدو يحدد طريقة تحركه والخطوات التي من المتوقع أن يخطوها، وما يمكن أن يتنازل عنه، وما لا يمكن أن يتنازل عنه. ثانياً: أن تعلم خطورة القضية، وأنه لا يمكن فيها الانتظار، فالقضية ليست قضية فلسطين فقط، ولكنها خطة شيطانية لتدمير أكثر من قطر إسلامي، وأنا على يقين من أنه لو مكن لليهود من احتلال البلاد الداخلة تحت مسمى إسرائيل الكبرى فإنهم سوف ينشرون خريطة أخرى توسع أملاك اليهود، وتذكر آيات في التوراة تضم بها ليبيا أو السودان أو بقية السعودية أو اليمن أو إيران أو غيرها من البلاد: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]. ثالثاً: بمعرفة هذا المخطط سيسهل عليك أن تشعر بمشاعر الفلسطينيين، وما هم فيه من ألم ومصاب، فكونك تعلم أن الخطر قريب جداً منك يجعلك تتحرك بحمية وبسرعة، فلو عرفت مثلاً أن مدينة من مدن العالم بها وباء الكوليرا فإنك قد تتعاطف تعاطفاً وجدانياً أو مادياً مع هذه المدينة، ولكن إلى حد معين، أما إذا علمت أن الكوليرا في المدينة المجاورة، وأنه من الطبيعي جداً ومن السهل جداً ومن المتوقع جداً أن تكون في مدينتك بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين -فإن استعدادك سيكون مختلفاً بالكلية، أيضاً لما تعلم أنه في تخطيط إسرائيل أن تكون في بلادك بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين سيكون رد فعلك مختلفاً بالكلية من حيث مساعدتك لأناس يعيشون في بلد ما يحاربون اليهود. رابعاً: استراتيجياً ومن منطلق الأخوة والدين هل من المصلحة أن تكون الحدود الملاصقة لك مباشرة هي حدود دولة قوية يهودية نووية مسلحة بكل أنواع الأسلحة الحديثة، وفي قلبها كراهية معلومة لك، أم أن تكون حدودك مع دولة مسلمة شقيقة إن حدث خلاف بينك وبينها فإنه مهما تعاظم فإنه يكون إلى حدود، ومهما تباينت المواقف تبقى الشعوب يربطها رباط واحد وهو الإسلام؟ إذاً: قضية إسرائيل الكبرى قضية يدبر لها في خفاء وإعلان، بل لعلي لا أكون مبالغاً إن قلت: إن الجزء الأكبر والأهم والأصعب قد حدث بالفعل، وهو تأسيس دولة إسرائيل في داخل فلسطين، وهم على الجزء المتبقي أقدر إلا أن يمن الله على المسلمين بتوبة وطاعة وعمل وجهاد.

стр. 42

تاريخ إنشاء دولة إسرائيل المزعومة تعالوا نرى تاريخ إنشاء دولة إسرائيل المزعومة، تعالوا أريكم العجب العجاب، تعالوا نرى كيف أن رجلاً يتبعه بعض الرجال أفلح في سنوات معدودات أن يغير من تاريخ المنطقة، بل ويغير من تاريخ العالم، هذا الرجل كما ذكرناه من قبل في أول المحاضرة هو تيودور هرتزل أول زعماء الصهيونية الذين سعوا إلى تكوين دولة في داخل أرض فلسطين. من هو تيودور هرتزل؟ هو يهودي مجري يعمل في صحيفة في النمسا من مواليد سنة ١٨٦٠م، ففي سنة ١٨٩٥م -كان عمره حينها ٣٥ سنة- ألّف كتاباً سمّاه: كتاب الدولة اليهودية، وفي هذا الكتاب طرح فكرة إنشاء دولة لليهود في العالم، وكان اليهود في ذلك الزمن مشتتين في كل بقاع الأرض، يهود في روسيا، في انجلترا، في فرنسا، في ألمانيا، في شرق أوروبا، في الحبشة، في أمريكا، في البلاد العربية، في أماكن كثيرة جداً مشتتون تماماً، ويعاملون باضطهاد ملحوظ في معظم بلاد العالم، إلا في الدولة العثمانية، فإنهم لم يجدوا أماناً إلا في دولة المسلمين، لكن هناك معاناة ضخمة جداً في كل بقاع الأرض لليهود. ومعلوم أن كل الناس في الأرض يكرهون اليهود كراهية غريبة جداً متأصلة في قلوبهم وهذا من أفعالهم، فقد كتب الله عليهم الذلة والمسكنة، فهم يحاولون أن يتذللوا للناس ويتمسكنوا لهم حتى يمكن لهم في الأرض، فإن مكن لهم في مكان أذاقوا الناس الويلات وقاموا بالمؤامرات والمكائد، وخططوا لأشياء كثيرة في الخفاء، هذه الأشياء جعلت الكراهية لهم تدب في قلوب الجميع، حتى الأمريكان الذين هم أكثر الناس مساعدة لليهود، لو أخذت أمريكياً وكلمته في قضية اليهود، فإذا اطمأن أنه لا يسمع حديثه أحد فإنه سيبدأ يتحدث عن اليهود حديثاً غريباً جداً مما يجعلك تظن أنه ليس أمريكياً، يسب ويلعن كل ما هو يهودي، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣]، فالنصارى يعتقدون اعتقاداً جازماً -وهذا الاعتقاد بالطبع خاطئ- أن اليهود قتلوا المسيح، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، لكن الحق أن اليهود حاولوا أن يقتلوا المسيح ﵇، ولكن الله رفعه، فهناك كراهية شديدة جداً في قلوب المسيحيين لليهود، وتاريخ المسيحيين مليء بكثير جداً من الكراهية لليهود، وكثير جداً من الخلافات والثورات من اليهود على المسيحيين، ومن المسيحيين على اليهود، لكن اجتماع المصالح كما سيأتي جمع بينهم في هذه الآونة بين الأمريكان واليهود. تيودور هرتزل لما وجد هذا التشتت وهذا الاضطراب والضياع في اليهود فكر في إنشاء دولة يهودية، لكنه كان محتاراً في أي مكان من الأرض ينشئ هذه الدولة، فبدأ تيودور هرتزل يفكر في الأماكن المتاحة التي من الممكن أن ينشئ فيها هذه الدولة، فكر في أماكن كثيرة وأحد هذه الأماكن كان فلسطين، لكن كان هناك خيارات كثيرة أخرى مطروحة، وانظروا إلى فعل هذا الرجل، فإني ذكرت هذا المثال لكي يتعلم المسلمون كيف يتحركون لقضيتهم، هذا الرجل كان علمانياً أصلاً، أي: ليس يهودياً ولا يؤمن بهذه اليهودية، كل ما يريد هو تكوين دولة علمانية صهيونية سياسية لليهود، لكن ليس له ارتباط وثيق بالتوراة كما سيأتي، هذا الرجل بذل مجهوداً يعجز عن بذله كثير من المسلمين مع أنهم يرجون جنة ويخافون ناراً، وهو لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً، فقد فكر على سبيل المثال في ليبيا، وكانت ليبيا في ذلك الوقت منفصلة عن الدولة العثمانية، وهي أقرب البلاد إلى إيطاليا، إذ إن إيطاليا في شمال ليبيا بعد البحر الأبيض المتوسط، فذهب تيودور هرتزل من النمسا إلى إيطاليا، وقابل ملك إيطاليا هناك، وطلب منه أن يساعده في تكوين دولة يهودية في أرض ليبيا، على أن يمنح بعد ذلك تسهيلات كثيرة للإيطاليين في أرض ليبيا كما يريد، لكن ملك إيطاليا فكر في الموضوع ورفض، ولم يدرك تيودور هرتزل في ذلك الوقت أن لإيطاليا أطماعاً كثيرة في ليبيا، فإنه بعد ذلك بسنوات أتت إيطاليا واحتلت ليبيا في سنة ١٩١١م كما تعلمون. لم ييأس تيودور هرتزل ففكر في موزمبيق، وانظروا إلى أي حد تفكيره، كان تفكيره في أشياء بعيدة جداً عن أرض فلسطين، المهم مكان يضم اليهود ويجعل لهم دولة، وكانت موزمبيق في ذلك الوقت مستعمرة برتغالية، فذهب إلى ملك البرتغال، وطلب منه أن يساعده في إنشاء دولة يهودية في موزمبيق، وكان ملك البرتغال قد اضمحل ملكه في العالم، وكانت مملكة البرتغال في يوم من الأيام لها مستعمرات كثيرة جداً في كل أراضي العالم، ولم يبق لها إلا مستعمرات قليلة، منها موزمبيق وبعض المستعمرات في أمريكا الجنوبية، فرفض وقال له: لم أعد أملك شيئاً. ففكر في أوغندا، وأوغندا في ذلك الوقت كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، فذهب إلى الإنجليز، وطلب منهم أن يساعدوه في إنشاء دولة في أوغن

стр. 43

أهمية فلسطين بالنسبة لإسرائيل لماذا اختار اليهود أرض فلسطين لإنشاء دولتهم؟ السبب الأول: لكونها أرض المثوى لداود وسليمان ﵉، وأرض الميعاد لليهود كما جاء في توراتهم؛ ولذلك فالفكرة دينية وعقائدية، لكننا نقول: إن تيودور هرتزل شخص علماني لا يتمسك أبداً باليهودية، حتى إنه في مذكراته يقول: عندما كنا في مؤتمر بال في سويسرا كنت أضطر إلى الذهاب إلى المعبد اليهودي حتى لا يشك فيّ رجال الدين الموجودون هناك في سويسرا، فما أهمية أن تعلن القضية من منطلق ديني، ولماذا القضية هامة جداً لـ تيودور هرتزل ولمن معه من المؤسسين لدولة إسرائيل؟ أولاً: من السهل أن يقنعوا اليهود في كل بقاع الأرض أن يتجهوا إلى هذه البقعة، خذ عندك مثلاً: رجل يعيش في فرنسا أو في أمريكا أو في انجلترا ظروفاً معيشية طيبة وعنده مال، فلماذا يترك هذه البلاد ويتجه إلى مكان آخر حتى يعيش فيه؟ لا بد أن يحرك عواطفه بشيء ما، هذا الشيء هو العقيدة اليهودية حتى وإن كان المتحدثون بها غير مقتنعين بهذه العقيدة، فقالوا: الدين هذا وسيلة طيبة جداً لتحريك اليهود أنفسهم من أجل أن يذهبوا إلى أرض فلسطين. الشيء الآخر: لما نأتي ونكلم النصارى أو نكلم المسلمين أو نكلم أي أحد في الأرض يكون لنا مرجعية لا نستطيع أن نغير فيها وهذا كلام الله الذي يقوله لنا في الكتاب. لا أستطيع أن أغير، الله قال لنا: من النيل إلى الفرات. لا أستطيع أن أغير، والله قال لنا: نرجع إلى أرض الميعاد. لا أستطيع أن أغير، فأنا مضطر لهذا الأمر، هكذا يقول تيودور هرتزل ومن معه: مرجعية إلى الله . إذاً: الأمر الديني هذا جعل لفلسطين موقعاً خاصاً عند اليهود. الأمر الثاني: أن فلسطين مركز لكل قوى العالم، وطريق للالتقاء بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وهي بذلك تعتبر مركزاً استراتيجياً هاماً للسيطرة على العالم، وهو حلم يهودي قديم. ثالثاً: كونها في مكان متوسط يسهل على الجميع القدوم من أي مكان للهجرة بعكس الأرجنتين وموزمبيق وأوغندا البلاد البعيدة. رابعاً: المناخ المعتدل في أرض فلسطين أيضاً يسهل للمهاجرين من أي مكان أن يأتوا إلى فلسطين سواءً من روسيا الباردة جداً أو من أوروبا وأمريكا الباردة نسبياً، أو من دول الشرق الأوسط المعتدلة الحرارة، أو من الحبشة الحارة وهكذا، فهو بلد يناسب كل التوجهات.

стр. 44

الخطط العملية المهمة لجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود كانت فلسطين في ذلك الوقت يعيش فيها فقط ٤٥٠٠ يهودي موزعين في كل أرض فلسطين، فكيف نمكن من قيام دولة في هذا المكان وليس لنا فيها إلا ٤٥٠٠ رجل فقط؟ فأخذوا بعض القرارات المهمة لتنفيذ هذه الخطة الشيطانية. القرار الأول: تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن الوسائل التي تشجع اليهود على الذهاب إلى فلسطين أمر الدين. فقد ذكرنا أن الدين كان العامل الأساسي لاختيار أرض فلسطين لتكون وطناً لليهود، لكن كيف تصل هذه الفكرة لكل يهود الأرض؟ فليس من المعقول أن نذهب لكل يهودي ونسر له في أذنه أننا نريد وطناً في فلسطين لا، ففكروا في أمر برعوا فيه ألا وهو الإعلام، فذهبوا إلى أشهر جريدة في لندن واشتروها بالمال شراءً كاملاً، وأطلقوا عليها بعد ذلك: (جيوش كرنكل) أو أخبار اليهود أو أنباء اليهود، وأنشئوا جريدة أخرى أطلقوا عليها: (فويس أوف جاكوب) أو صوت يعقوب، وبدءوا في هذه الجرائد -وغيرها كثير- ينشرون هذه الفكرة الدينية ويشجعون اليهود على التفكير في أرض الميعاد، بل ويبثون فيهم روح الاضطهاد، وأنهم مشتتون في بقاع الأرض وعليهم أن يجتمعوا. لكن الدين وحده ليس عاملاً كافياً عند كل اليهود، فهناك عامل مهم جداً يؤثر في معظم اليهود في الأرض وهو عامل المال، فأنشئوا بنكاً خاصاً لهذا الأمر، فالمؤتمر الذي كان في بال في سويسرا أتبع مباشرة بإنشاء بنك كبير، موّله روتشلد أثرى أثرياء اليهود في ذلك الوقت، كان رأس ماله ٢. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه إسترليني، ولم يجدوا أنها كافية، فرفعوها إلى ٥. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه إسترليني، وهذه مبالغ ضخمة جداً في ذلك الزمن، فنحن نتكلم عن أكثر من مائة عام سبقت، إذاً: هذه أول طريقة استخدموها لتحقيق الهدف وهي تشجيع الهجرة إلى أرض فلسطين. الأمر الثاني: تنظيم يهود العالم كافة وربطهم سوياً، لا بد أن نجمع كل اليهود في رابطة واحدة يفكرون سوياً كل عام، وفكروا في أن يكرروا هذه المؤتمر في كل عام مرة، وبالفعل من سنة ١٨٩٧م والمؤتمر يتكرر في كل عام، يجتمع حكماء اليهود من كل بلاد الأرض، ويتفقون سوياً على الخطوات التالية لإنشاء دولة لهم في فلسطين. الأمر الثاني: الجمعيات السرية، جمعيات الماسونية اليهودية المشهورة، فكروا في إنشاء فروع كثيرة له في كل بلاد العالم، لكن قالوا: لو أنشأنا فروعاً، وأطلقنا عليها الماسونية اليهودية لن يشترك فيها كبار البلد، ومحركو السياسة في هذه البلاد، فأطلقوا عليها أسماءً أخرى، مثلاً: أندية الروتاري هي في الأصل فروع من الماسونية، وأندية الليونز مشهورة جداً وكثيرة في بلاد العالم الغربي والشرقي والإسلامي على حد سواء. الأمر الثالث الذي فعلوه لينظموا يهود العالم بجانب المؤتمرات والجمعيات السرية: أمر اللغة. وانظر إلى حكمة اليهود في ذلك، بدءوا يعلمون اليهود في كل بقاع الأرض اللغة العبرية، فيهود روسيا ويهود إنجلترا وكل اليهود لابد أن يتكلموا العبرية، فليتعلموا العبرية بجانب لغتهم الأصلية في بلادهم، حتى إذا اجتمعوا بعد ذلك في فلسطين إن استطاعوا تحدثوا جميعاً وتفاهموا ليكونوا دولة واحدة. إذاً: القرار الأول لمؤتمر بال: تشجيع الهجرة إلى فلسطين، القرار الثاني: تنظيم يهود العالم كافة عن طريق المؤتمرات والجمعيات السرية واللغة. الأمر الثالث وهو في غاية الأهمية: السعي إلى الاعتراف الدولي في العالم، كل هؤلاء اليهود ليس لهم أي شيء يجمعهم، وليس لهم أي كيان معلن، وليس لهم أي هيئة رسمية، فكيف يأخذون اعتراف العالم، لا بد من تثبيت أركان هذه الدولة، وجعلها دولة قوية لها باع في الأرض في ذلك الزمن، يا ترى! ما هي الدول المطروحة على الساحة في ذلك الزمن في أواخر التاسع عشر؟ أول دولة خطرت على أذهانهم هي إنجلترا، فقد ذهبوا إلى إنجلترا وفكروا أن يستعينوا بها في إقامة دولة لهم في فلسطين، مع أن إنجلترا لا تحكم فلسطين في ذلك الوقت، فلسطين كانت تابعة للدولة العثمانية، لكن إنجلترا قوة عظمى في ذلك الزمن، وتحاول أن تسيطر على العالم، ولها ممتلكات في كل بقاع الأرض، فوافقت إنجلترا على مساعدة اليهود في تكوين بلد لهم في داخل أرض فلسطين.

стр. 45

أسباب موافقة إنجلترا على مساعدة اليهود لماذا توافق إنجلترا على مساعدة اليهود؟ ما هي وسائل الضغط التي يملكها اليهود حتى يؤثروا في دولة عظمى كبرى مثل إنجلترا في ذلك الزمان، وحتى تهتم بأمر هؤلاء المشتتين المشردين المكروهين من إنجلترا شخصياً؟ أولاً: عرض تيودور هرتزل على زعماء إنجلترا التحالف معهم في هذه البلاد بعد أن تحالف أعداء إنجلترا مع أصدقاء في هذه المنطقة نفسها، فروسيا في منطقة الشرق الأوسط تحالفت مع الأرثوذوكس الفلسطينيين النصارى في ذلك المكان، طبعاً روسيا في ذلك الزمن كانت قيصرية أرثوذوكسية متشددة جداً، فتحالفت مع الأرثوذكس في بلاد الشرق الأوسط، وبذلك استطاعت أن تنفذ إلى هذه البلاد، وفرنسا تحالفت مع الموارنة وبالذات في لبنان، أما إنجلترا فلم تجد لها حليفاً في هذه المنطقة، فقال تيودور هرتزل: سنكون نحن حلفاء لكم في هذه المنطقة يداً طولى وخادماً مطيعاً. الأمر الثاني غير المحالفة بينهم وبين إنجلترا: الأموال اليهودية من أكبر وسائل الضغط على إنجلترا، فأكبر بنك موجود في إنجلترا في ذلك الزمن هو بنك روتشلد، كان هذا البنك مشهوراً باسم روتشلد، هذا الرجل يهودي ومن أشد الناس حماسة لفكرة إنشاء دولة لهم في فلسطين، وكان هذا البنك من أكبر الدعائم الاقتصادية في داخل إنجلترا، ولكي تعرفوا حجم البنك اليهودي وقيمته في ذلك الزمن: لما طرحت أسهم قناة السويس للبيع، طرحها الخديوي إسماعيل، وذلك لما أفلس واستدان حتى ينشئ قصوراً لافتتاح قناة السويس، فطرح أسهم قناة السويس للبيع، فتنافست إنجلترا وفرنسا على شراء هذه الأسهم، وكان الخديوي إسماعيل يريد نقوداً لتسديد الديون، فأراد أن يبيع قناة السويس لتسديد هذه الديون. والعجيب أن إنجلترا وفرنسا الدولتين الكبريتين اللتين تحكمان العالم في ذلك الوقت لم يكن لديهما المال السائل الكافي لشراء قناة السويس، فأسرعت إنجلترا مباشرة كحكومة إلى روتشلد، وأقرضها مالاً سائلاً يكفي لشراء قناة السويس، حكومة دولة عظمى تقترض من رجل يهودي يعيش في إنجلترا. إذاً: هذا تأثير ضخم جداً يقوم به اليهود عن طريق هذا المال. إذاً: الأمر الأول: أنهم يشجعون إنجلترا على أن يكونوا حليفاً لها هناك في فلسطين. الأمر الثاني: يلوحون بالمال اليهودي الوفير لمساعدة إنجلترا. الأمر الثالث: أقنعوا إنجلترا أنه بإنشاء دولة لليهود في داخل أرض فلسطين يؤمّنون لإنجلترا طريقاً إلى مستعمرات الهند، والهند في ذلك الوقت كانت مستعمرة إنجليزية والطريق لها طويل وبعيد، فاليهود سيؤمّنون طريقاً عبر فلسطين، ثم ينشئون طريقاً حديدياً من فلسطين إلى الخليج العربي، ثم بعد ذلك تنتقل البضائع والجنود وغير ذلك من فلسطين إلى الهند، وبالتالي يسهلون لإنجلترا الطريق إلى مستعمرة من أكبر المستعمرات الإنجليزية في ذلك الوقت. الأمر الرابع: فلسطين استراتيجياً مكان رائع، فهو مدخل الشرق وقريب من قناة السويس ومضيق الدردنيل في الشمال عند تركيا، فبالسيطرة على هذا المكان وإنشاء دولة مرتكزة لإنجلترا في هذه المنطقة يعيش فيها أعوان وحلفاء يسيطر الإنجليز مستقبلاً على قناة السويس، وبالتالي على البحر الأحمر وعلى مضيق الدردنيل أو البسفور وبالتالي على البحر الأسود، أي: سيطرة على كل المنطقة. الأمر الخامس: قاله هرتزل في مقولة له مع وزير خارجية بريطانيا، قال: من أجل أوروبا سوف نبني هناك حاجزاً في مواجهة آسيا، وسنكون حراس المقدمة للحضارة ضد البربرية -يقصد بذلك: المسلمين- أي: يقول لهم: أنا سأكون خط الدفاع الأول لكم، فأول ضربة يتلقاها الغرب ستتلقاها إسرائيل، ثم بعد ذلك تصل الضربات إليكم، والحقيقة هذا واقع، فإسرائيل زرعت في هذا المكان لتتلقى ضربات المسلمين وتشغل المسلمين بحربها، وهناك إنجلترا وفرنسا وأمريكا وغيرهم يتحكمون عن بعد في أمن إسرائيل، وإسرائيل تواجه في مقابل إنشاء دولة لهم وكانوا قبل ذلك في الشتات. إذاً: إنجلترا عندها دوافع قوية وكثيرة لإنشاء دولة لليهود في داخل أرض فلسطين، ولا بد أن تسعى جاهدة لتحقيق مصالحها الشخصية أولاً، ثم لتحقيق مصالح اليهود الغير متعارضة بالمرة مع مصالح الإنجليز، هذا كان موقف اليهود من إنجلترا، وذكرنا أن إنجلترا كانت دولة عظمى في ذلك الزمن، تسيطر على بقاع كثيرة، وتغير من موازين الأرض في ذلك الوقت.

стр. 46

محاولات ثيودور هرتزل لإقناع دول عظمى أخرى في إنشاء دولة لليهود في فلسطين كانت الدولة الثانية الكبرى العظمى في ذلك الزمن ألمانيا، وكانت على خلاف عميق مع إنجلترا، وبعد قليل كما تعلمون ستقوم الحرب العالمية الأولى، وستكون ألمانيا في فريق، وإنجلترا في فريق آخر، ومع ذلك ذهب تيودور هرتزل إلى ألمانيا يطلب منهم أن يساعدوهم في إنشاء دولة يهودية في فلسطين. سبحان الله! يتصرف في ناحيتين، يتكلم مع إنجلترا ومع عدو إنجلترا، والذي ينجح أولاً في تحريك القضية هو الذي يسير معه تيودور هرتزل، لا يوجد لهذا الرجل أي مبادئ، كل ما يحكمه فقط المصالح، وقد استغل تيودور هرتزل العلاقات الطيبة بين ألمانيا في ذلك الوقت وبين الدولة العثمانية، وعرض على الألمان أن يساعدوه في إنشاء الدولة اليهودية، وقابل قيصر ألمانيا في فلسطين، فقيصر ألمانيا كان يزور فلسطين، فذهب تيودور هرتزل إلى فلسطين وقابل قيصر ألمانيا، وعرض عليه الفكرة، لكن لم يجد حماساً كافياً من قيصر ألمانيا؛ وذلك لأنه كان يعيش عنده هناك في ألمانيا أعداد ضخمة من اليهود، وهو يكرههم كراهية شديدة كما ذكرنا وهو في نفس الوقت يريد إخراجهم، ويخشى أنه إن ساعد اليهود يشعرون أنهم تحت حمايته فلن يتركوا ألمانيا أبداً، لكن جاء بعد ذلك هتلر، ونفذ الذي كان قيصر ألمانيا يفكر فيه. إذاً: لم يفلح تيودور هرتزل في علاقاته مع ألمانيا وإن كان سعى لها. كانت الدولة الثالثة المتمكنة في الأرض في ذلك الوقت هي دولة روسيا، ودولة روسيا هذه عجيبة جداً، فقد كانت من أشد الدول اضطهادًا لليهود، ففي كل يوم في روسيا في ذلك الوقت يقتل عشرات من اليهود اضطهاداً؛ وذلك لأن روسيا في ذلك الوقت أرثوذوكسية متشددة يكرهون اليهود بشدة، وكان فيها ٧. ٠٠٠. ٠٠٠ يهودي، وكان تعداد سكان روسيا في ذلك الوقت ١٣٦. ٠٠٠. ٠٠٠ روسي. أراد تيودور هرتزل مقابلة وزير المالية الروسي وكان اسمه ويت، وهو من أشد الناس كراهية لليهود، ومع ذلك بذل تيودور هرتزل مجهوداً ضخماً جداً في أن يقابله، وبالفعل قابله ودار بينهما حوار عجيب. فقد طلب تيودور هرتزل من وزير المالية الروسي أن يخلصه من يهود روسيا، قال له: ساعدني في أن أخلصك من الذين تكرههم، ساعدني في أن أضع هؤلاء الذين تكرههم في أرض فلسطين، وأخلصك من كل اليهود الذين أنت تكرههم. انظر كيف يفكر تيودور هرتزل، في كل بلد يسعى إلى تحقيق مصلحة ما، ويضرب على وتر ما. لكن وزير المالية الروسي رد عليه قائلاً: أنا في الحقيقة رأيي ألا أهجر اليهود، بل رأيي أن أغرق كل اليهود في البحر الأسود، وأتخلص منهم تماماً، فلا يبقى في روسيا ولا في فلسطين ولا في أي مكان في العالم يهود، لكن للأسف اليهود يملكون ٥٠% من اقتصاد روسيا، ولن نستطيع أن نغرقهم، أي: لن أستطيع أن أساعدك في هذا الموضوع. ولم ييأس تيودور هرتزل من هذه المقابلة الجافة جداً من وزير المالية الروسي، بل أخذ يضرب على وتر آخر، فقال له: إن جنداً من الأتراك المسلمين يحرسون قبر المسيح ﵇ في فلسطين، يعني: أنتم أرثوذوكس ومتشددون وتتركون المسيح ﵇ يحرس بجند من المسلمين؟! لكن وزير المالية الروسي قال له: ربما يكون الأمر أكثر سوءاً لو كان اليهود هم حراسه، يعني: المسلمون أرحم من اليهود. ولم ييأس تيودور هرتزل، بل أخذ يقول له: أنا أريد منك بعض التشجيع على الهجرة، ليس كامل التشجيع، فقال: نحن نشجع اليهود على الهجرة بركلات الأقدام، فقال: لا أريد هذا النوع من التشجيع، ولكن بطلب من السلطان عبد الحميد أن يسمح لهم بشركة امتياز في فلسطين، وأن تفرض ضرائب على اليهود هناك في روسيا، والسبب العجيب في ذلك أنه يريد أن يضيق عليهم الخناق في روسيا فيجعلون يرغبون في الهجرة، ويعطي تسهيلات لهم حتى يتركوا هذه البلاد، ولا يبقى في روسيا إلا أهل الاقتصاد والمال! رفض وزير المالية الروسي كل هذه الاقتراحات، وطرد تيودور هرتزل وأعلن رفضه بالكلية كل هذه المطالب، بل بعدها بشهور قليلة أقام مذبحة ضخمة جداً لليهود هناك في أرض روسيا، ومن ساعتها واليهود يدبرون لقلب نظام الحكم في روسيا لأنها لم تقف معهم، إلى أن أفلحوا في ذلك في سنة ١٩١٧م بعد حوالي ١٧ أو ١٨ سنة من هذا اللقاء الذي تم بين تيودور هرتزل وبين وزير المالية، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. إذاً: كانت الدول العظمى آنذاك ثلاثة دول: إنجلترا، وألمانيا، وروسيا، وكانت فرنسا دولة قوية، لكن كانت مصالحها تتماشى مع مصالح إنجلترا!

стр. 47

موقف الدولة العثمانية من اليهود بصفة عامة الدولة الرابعة هي الدولة العثمانية، وهي دولة في غاية الأهمية؛ لأنها هي الدولة التي تمتلك فلسطين، الأرض التي يريد أن يقيم فيها اليهود دولة. يا ترى! ما هو موقف الدولة العثمانية من اليهود بصفة عامة؟ أولاً: الدولة العثمانية ضمت اليهود المشردين في العالم، وبالذات بعد سقوط الأندلس، فقد كانت الأندلس يعيش فيها أعداد كبيرة من اليهود تحت الحماية الإسلامية، ولما سيطر النصارى على هذه البلاد بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس، طردوا جميع المسلمين، وطردوا جميع اليهود، وأقاموا محاكم التفتيش للمسلمين ولليهود، وتخلصوا منهم بالكلية، وتشتت اليهود في بقاع الأرض، ولم يجدوا مكاناً يضمهم إلا عند الدولة العثمانية، فعاشوا في بلد في تركيا تسمى بلدة سالونيك، عاشوا فيها فترات طويلة من الزمان، وكونوا ما يعرف في التاريخ باسم يهود الدونمة، وهؤلاء لهم دور كبير في إنشاء دولة إسرائيل داخل فلسطين كما سيأتي. إذاً: الدولة العثمانية قدمت في البداية يداً كريمة إلى اليهود، لكنهم أبداً ما رعوا حقاً ولا جميلاً. الأمر الثاني: بدأ اليهود الذين يعيشون في الدولة العثمانية مع مرور الوقت يتقدمون بطلبات متكررة لشراء أرض في فلسطين، وللسماح لهم بالهجرة إليها، لكن رفضت تماماً وكان أشهرها المحاولة التي تمت في سنة ١٨٧٦م -يعني: قبل مؤتمر بال بعشرين سنة- بواسطة حاييم جورديلا أحد أثرياء الصهيونيين في ذلك الوقت، لكن كل هذه المحاولات رفضت، بل لما شعرت الدولة العثمانية أن اليهود يريدون أن يستوطنوا في هذه البلاد عينوا رجلاً شديداً اسمه رءوف باشا حاكماً على القدس، وأرسلوا قوات كثيرة تبحث دائماً عن اليهود المقيمين هناك بطريقة غير قانونية، ويطردونهم خارج فلسطين؛ ليعيشوا في أي مكان في الدولة الإسلامية تحت رعاية الدولة العثمانية؛ لكونهم يعلمون أنهم -أي: اليهود- يريدون أن ينشئوا دولة في هذا المكان. في سنة ١٨٨٨م قبل مؤتمر بال بتسع سنوات أصدرت الدولة العثمانية قوانين جديدة نصت على ضرورة أن يحمل الأجانب الذين يرغبون في زيارة فلسطين جوازات سفر توضح عقيدة حامليها أول مرة، سواء النصرانية أو اليهودية أو غيرها، حتى لا يتسرب اليهود باسم رعايا البلاد الأخرى، كما رفضت السلطات العثمانية في ميناء يافا السماح بدخول اليهود الذين لا يحملون سمات دخول، بل حتى الزيارات التي كانت تعطى أحياناً لليهود كانت تعطى لفترة محدودة ولأغراض دينية فقط، وكانوا يوقعون على تعهد بمغادرة البلاد بسرعة، وبلغ الأمر حدة أن الدولة العثمانية منعت نائب القنصل الإنجليزي في أنطاكية من دخول فلسطين ما لم يقم بالتعهد المطلوب وهو مغادرة البلاد بسرعة، وهو رجل كبير في القنصلية البريطانية، منعته الدولة العثمانية لأنه كان يهودياً؛ مما أدى إلى توتر شديد في العلاقات بين الدولة العثمانية وبريطانيا.

стр. 48

مقابلة ثيودور هرتزل للسلطان عبد الحميد الثاني والعروض التي قدمها له في هذا الجو المتوتر تماماً والعصبي تماماً بين إنجلترا والدولة العثمانية، وبين اليهود والدولة العثمانية لم ييأس تيودور هرتزل من أن يقابل سلطان المسلمين في هذا الوقت عبد الحميد الثاني ﵀، فمع كل هذه الأمور إلا أنه ذهب ليقابله ويعرض عليه عرضاً عجيباً. يقول تيودور هرتزل في مذكراته: أنه ذهب بنفسه إلى السلطان عبد الحميد الثاني وحاول مرة وثانية وثالثة أن يقابله، حتى نجح في الأخيرة وعرض عليه عروضاً، انظر معي إلى عروض تيودور هرتزل على السلطان عبد الحميد الثاني ﵀؛ حتى تعلم عظمة هذا الرجل السلطان عبد الحميد الثاني، وحتى تعلم أيضاً مدى ثراء اليهود في ذلك الوقت. العرض الأول: مائة وخمسون مليون ليرة إنجليزية رشوة خاصة للسلطان عبد الحميد الثاني. العرض الثاني: سداد جميع ديون الدولة العثمانية البالغة ثلاثة وثلاثين مليون ليرة إنجليزية ذهبية. العرض الثالث: بناء أسطول لحماية الإمبراطورية العثمانية بتكاليف قدرها مائة وعشرون مليون فرنك ذهبي. العرض الرابع: تقديم قرض بخمسة وثلاثين مليون ليرة ذهبية دون فوائد لإنعاش مالية الدولة. العرض الخامس: بناء جامعة عثمانية إسلامية في القدس. العرض السادس: تهدئة الأوضاع في الغرب حول قضية اضطهاد العثمانيين للأرمن والتي أثيرت في فرنسا وإنجلترا، فرنسا وإنجلترا ادعتا أن الدولة العثمانية اضطهدت الأرمن، والحق أن الأرمن النصارى ثاروا على الدولة العثمانية التي تملك هذه البلاد في ذلك الوقت، لكن أشيع في فرنسا وإنجلترا أن الدولة العثمانية تضطهد الأرمن؛ حتى يكون هذا ذريعة لدخول الجيوش الإنجليزية والفرنسية لاحتلال الدولة العثمانية بهدف الدفاع عن الأرمن النصارى، فعرض عليه تيودور هرتزل أنه سيهدئ له قضية الأرمن في إنجلترا وفرنسا وأنه على ذلك قادر. ستة عروض ضخمة يسيل لها لعاب أي رجل من حكام الأرض في ذلك الوقت، لكن السلطان عبد الحميد رجل صالح وقليل ما هم، نظر السلطان عبد الحميد من أعلى إلى كل هذه العروض وقال: على تيودور هرتزل ألا يتقدم خطوة واحدة أخرى في هذا الشأن، لا أستطيع بيع بوصة واحدة من البلد؛ لأنه ليس ملكي بل ملك شعبي، لقد أوجد هذه الإمبراطورية وغزاها بدمه، وسنغطيها مرة أخرى بدمائنا قبل أن نسمح بتمزيقها، يستطيع اليهود أن يوفروا ملايينهم حين تقسم الإمبراطورية، قد يأخذون فلسطين مقابل لا شيء، لكن لن تقسم إلا على جثثنا؛ لأنني لن أسمح أبداً بتشريحنا ونحن أحياء. الله أكبر! هكذا كان رد السلطان عبد الحميد الثاني على تيودور هرتزل ثم طرده وطلب تيودور هرتزل مرة أخرى أن يقابله، فرفض رفضاً تاماً وأغلق باب اليهود تماماً. ولا بد أنه سيكون لليهود شأن مع السلطان عبد الحميد الثاني ﵀. أذكر مقولة قالها تيودور هرتزل بعد هذا الرفض وسجلها في مذكراته وعرضها في مؤتمرهم بعد ذلك على اليهود، قال: في حال استمرار رفض السلطان عبد الحميد للمطالب الصهيونية فإن تحطيم الإمبراطورية العثمانية شرط أساسي لإقامة حكومة صهيونية في فلسطين. يعني: بعد هذا اللقاء قرر تيودور هرتزل ومن معه في مؤتمراته أن يسقطوا السلطان عبد الحميد الثاني. إذاً: نلخص ما سبق. أن اليهود بدءوا ينظرون إلى قوى الأرض في ذلك الزمان، فوضعوا أيديهم في أيدي إنجلترا، وفشلوا أن يتعاهدوا مع ألمانيا، وفشلوا أيضاً أن يتعاهدوا مع روسيا، ولكن روسيا ردت رداً شديداً عليهم ففكروا في قلب نظام الحكم هناك، وأيضاً جوبهوا بمجابهة عنيفة شديدة من الخلافة العثمانية ففكروا أيضاً في قلب نظام الحكم في الخلافة العثمانية، يا ترى! كيف تحرك اليهود لتنفيذ هذه المخططات الخبيثة الكبيرة جداً وهم لم يكن لهم دولة في ذلك الزمن؟ يا ترى! كيف سعوا لإسقاط الدولة العثمانية؟ ويا ترى! كيف سعوا لإسقاط الدولة الروسية القيصرية؟ ويا ترى! كيف نفذت إنجلترا مخططات اليهود؟ هذا ما نتداوله وغيره إن شاء الله في المحاضرة القادمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 49

سلسلة فلسطين_ اغتيال الخلافة إن سقوط الخلافة العثمانية أمر يوضح لنا مدى مكر أعداء الإسلام بالإسلام وأهله خاصة اليهود، فقد سقطت الخلافة العثمانية، وكان من أهم تداعيات سقوطها احتلال فلسطين من قبل الإنجليز وتسليمها لليهود، وذاق المسلمون بعد سقوط الخلافة ويلات، وعاشوا محناً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

стр. 50

مقدمة تلخص مفهوم إسرائيل الكبرى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، حرباً لأعدائك سلماً لأوليائك، نحب بحبك من أطاعك ونعادي ونجاهد من خالفك، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، مقبلين غير مدبرين، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: فمع المحاضرة الخامسة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين. وتحدثنا في المحاضرة الرابعة عن مفهوم هام من المفاهيم الخاصة بقضية فلسطين، وهو مفهوم إسرائيل الكبرى، وذكرنا بعض الشواهد والقرائن والأقوال والأفعال التي تثبت أن هذا الفكر فكر حقيقي في أذهان اليهود، وأن الخطر عظيم، وأن الخطب جلل، وأنه إن لم يفق المسلمون فإن العواقب ستكون وخيمة جداً. وطفنا بكم في ذهن زعيم الصهيونية تيودور هرتزل، وكيف بزغت في ذهنه فكرة إنشاء دولة يهودية، وكيف بذل من أجلها مجهوداً ضخماً، وسافر وحاور وناور، ورغب أحياناً ورهب أحياناً أخرى، ووصل هو وشركاؤه في النهاية إلى فكرة إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٠]، نعم فكر في عملية قرصنة عجيبة، أن يخرج شعباً من أرضه ليستبدله بشعب آخر. وذكرنا في المحاضرة السابقة مؤتمر بال، وما انبثق عنه من مخططات محكمة لإرساء دعائم الدولة اليهودية من تشجيع للهجرة، وتنظيم لليهود، وسعي وراء الاعتراف الدولي. وأشرنا أيضاً إلى موقفه مع الإنجليز، وكيف اختارهم واختاروه لتنفيذ مصالح مشتركة. وأشرنا أيضاً إلى موقفه من ألمانيا، وكيف فتر القيصر الألماني عن مساعدته، ثم فصلنا الموقف المتشدد للقيصرية الروسية ورفضها التام لمساعدة اليهود، ومسارعتها إلى ذبحهم وتشريدهم واضطهادهم في روسيا. وختمنا بموقف الدولة العثمانية الرائع حيال محاولة تيودور هرتزل مع السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، وكيف رفض السلطان المسلم بشموخ وعزة العروض اليهودية المغرية، وأصبح من الواضح أن الخلافة العثمانية بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ تقف سداً منيعاً أمام الأطماع الصهيونية، ومن ثم فكر اليهود في هدم هذا السد المنيع. وقبل أن أدخل في تفصيل الكيفية التي حاول بها اليهود هدم الخلافة العثمانية أجيب عن سؤالين خاصين بالحلقة السابقة.

стр. 51

الفرق بين اليهودية والصهيونية السؤال الأول: ما الفرق بين اليهودية والصهيونية، في الحلقة السابقة ذكرنا كثيراً اليهودية، وأحياناً نذكر الصهيونية؟ الجواب اليهودية: هي دين من عند الله ، ولهذا الدين أنبياء كثر وأتباع كثر، وأنزل الله على موسى ﵇ كتاب التوراة، وهو كتاب سماوي نؤمن أنه منزل من عند الله ، لكن المشكلة الكبيرة أن هذه التوراة حرفت تماماً، وبدل فيها الكثير، ومن ثم أصبح من المستحيل معرفة ما جاء في التوراة إلا ما ذكر رسول الله ﷺ أنه جاء في التوراة كذا أو كذا، واليهود الذين يدينون باليهودية مشتتون في بقاع كثيرة من الأرض، وابتلي المسلمون مؤخراً بتجمع بعضهم في فلسطين. أما الصهيونية: فهي حركة سياسية تهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتأخذ اسمها من جبل صهيون المقدس عند اليهود والموجود في فلسطين، والصهيوني: هو الذي يرغب في العودة إلى جبل صهيون أرض الميعاد حتى يقيم فيها دولة، ويرى المتطرفون من اليهود الصهاينة أنه لا يكفي مساعدة اليهود في الرجوع إلى فلسطين حتى تكون صهيونياً، بل لا بد من العودة بنفسك إلى فلسطين حتى تنال هذا اللقب، وكانت جولدا مائير تقول: ليس اليهودي الفرنسي واليهودي الأمريكي واليهودي الإنجليزي بصهيوني، إلا بعد أن يحزم حقائبه ويذهب إلى إسرائيل، ومن ثم فجميع اليهود الذين يستوطنون في فلسطين صهاينة، وكثير من اليهود الذين يعيشون خارج فلسطين لا يطلق عليهم صهاينة، حتى ولو كانوا يساعدونهم بالمال والرأي. ولذلك فمن الممكن أن تقول: إن كل الصهاينة يهود، وليس كل اليهود صهاينة.

стр. 52

اكتفاء هرتزل بمستوطنة صغيرة على أرض فلسطين مقابل كل العروض التي قدمها للخليفة العثماني السؤال الثاني: ما هو المقابل الذي كان يريده تيودور هرتزل من السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ نظير هذه العروض المغرية والمتعددة، هل طلب فلسطين بكاملها، أم طلب القدس، أم طلب جزءاً من فلسطين؟ الجواب إن الإجابة عن هذا السؤال توضح مدى ذكاء وإخلاص وعظمة السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، وفي نفس الوقت فهي تثبت أيضاً لـ تيودور هرتزل الدهاء والمكر والحيلة، تيودور هرتزل لم يطلب في مقابل هذه العروض المغرية إلا طلبين فقط: أولاً: مستعمرة صغيرة خارج القدس يستوطن فيها اليهود. ثانياً: السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين. فهو لم يطلب فلسطين بكاملها، ولا جزءاً منها، ولكنه طلب مستعمرة صغيرة فقط خارج القدس حتى يسهل على السلطان عبد الحميد الموافقة. كما طلب أن يسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، فقد كانت الخلافة العثمانية كما ذكرنا في الحلقة السابقة لا تسمح بذلك أبداً، مع العلم أن اليهود كانت لهم حرية الحركة داخل كل أملاك الخلافة العثمانية الواسعة الضخمة؛ وذلك لأن السلطان عبد الحميد ﵀ لم يكن يخشى أن يقيم اليهود دولة في تركيا أو في سوريا أو في الحجاز، ولكنه كان يخشى أو يتوقع أن يقيم اليهود دولتهم في فلسطين. أيضاً لم يكن السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ يمنع اليهود من زيارة فلسطين للأغراض الدينية، ولكن يجب أن تكون الزيارة مؤقتة ومحددة بوقت ومكان معينين. إذاً: لم يفلح ذكاء تيودور هرتزل أمام إخلاص وذكاء السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، ورفض بيع فلسطين أو جزء منها ولو كان جزءاً بسيطاً. نعم، بيعت بعد ذلك لليهود، لكن البيع لم يسجل في صحيفة السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، بل سجل وما زال يسجل في صحائف آخرين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 53

تاريخ يهود حافل بالمؤامرات والدسائس نعود إلى موقف اليهود من هذا الجبل السلطان عبد الحميد الثاني ومن الخلافة العثمانية الجامعة للمسلمين، تعالوا نرى تخطيط اليهود، وهم قوم اشتهروا في كل تاريخهم بالدس والمؤامرة والتدبير والمكر: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]. أولاً: حاولوا في البداية أخذ الطريق الأسرع في مؤامرات متعددة لاغتيال السلطان عبد الحميد الثاني، لكن بحمد الله فشلت، وهنا علم اليهود أن هذا الطريق السريع قد يغير من السلطان، لكن لا يغير من واقع الدولة وسياستها، فبدءوا في طريق آخر ولا شك أن هذا الطريق الذي سلكوه هو طريق ناجح، فقد قوض أركان الخلافة في سنوات معدودات سبحان الله!! ولكن قبل الحديث عن هذا الطريق الخبيث، دعونا نترك السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ ونترك تيودور هرتزل والإنجليز وفلسطين، ونسبح في أعماق التاريخ مئات السنين، نعود إلى أرقى عهود البشرية على الإطلاق، نعود إلى عهد قدوتنا رسول الله ﷺ . بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة، وبعد المؤاخاة المشهورة بين الأوس والخزرج على ما كان بينهم من خلاف وشقاق وقتال قبل قدوم رسول الله ﷺ ، وبعد الائتلاف والمودة والرحمة، عاشت المدينة المنورة لحظات سعيدة بل لعلها أسعد اللحظات التي مرت بالأرض، وكيف لا والرسول ﷺ بين أظهرهم وقد صفيت القلوب من الغل والحسد؟ لحظات سعيدة مرت على المدينة المنورة. غير أنه مع هذا الفضل الكبير كان هناك في المدينة تعساء، من هم؟ اليهود نعم. اليهود كانوا تعساء، أكل الغيظ قلوبهم، ونهش الحسد عقولهم، وأعمى الغل أبصارهم، وهم يشاهدون المدينة تجتمع بعد فرقة، وتتحد بعد اختلاف، وتتحاب بعد كراهية. فماذا هم فاعلون؟ اسمع وتدبر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، والتاريخ يتكرر مع شاس بن قيس، شاس بن قيس هذا هو شيخ يهودي كبير في السن، مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، فوجدهم يتكلمون ويتسامرون، وقد توطدت بينهم وشائج الأخوة فراعه ذلك، وزاد غيظه وحنقه على المسلمين، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة في هذه البلاد - يقصد الأوس والخزرج- لا والله! ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، انظر إلى رأي شاس بن قيس، لا قرار لليهود إذا اجتمع الأوس والخزرج وهو اعتقاد صحيح، هكذا أدرك شاس بن قيس عليه لعنة الله وأدرك من بعده اليهود مثل ما أدرك شاس بن قيس أن اجتماع المسلمين فيه هلكة لليهود. فأمر شاس بن قيس فتى من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم واجلس بينهم، ثم ذكرهم يوم بعاث -يوم تقابل فيه الأوس مع الخزرج وكان فيه قتلى كثر- قال شاس بن قيس: ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله من صراع وتشاحن بين الفريقين، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من الأشعار، ففعل الفتى. ماذا كان رد فعل صحابة رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج؟ لاحظوا يا إخوة أننا نتكلم عن الصفوة نتكلم عن الأنصار الأوائل. فتكلم القوم عند ذلك، وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، فتقاولا -يعني: تصارعا- ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعة -أي: نرجع الحرب من جديد- فغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الحرة -مكان اعتاد الأوس مع الخزرج القتال فيه- السلاح السلاح، فخرجوا إليها، سبحان الله!! كارثة عظيمة، وخطر كبير، وخطأ فادح. فهذا ما كنا نتحدث عنه في المحاضرة الثالثة لو تذكرون، هذه هي القومية والقبلية والعنصرية، هذا هو الفارق بين رباط العنصر وبين رباط الإسلام، لما كانوا مجتمعين على الإسلام كانت القلوب متحابة، والأيدي متصافحة، أما الآن وقد قبلوا بانتمائهم إلى آبائهم الأوس والخزرج فقد تنافرت القلوب وتعاركت الأيدي. قام رسول الله ﷺ مسرعاً، وخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم فقال: (يا معشر المسلمين! الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع عنكم الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم؟). انظروا يا إخوة! إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم). ما هي دعوى الجاهلية؟ هل سجدوا لصنم؟ أو ذبحوا لغير الله؟ أبداً، إنهم فقط تفاخروا بآبائهم، وتقاتلوا على أساس عنصريتهم وقبليتهم، فسماها رسول الله ﷺ جاهلية. ثم كيف كان العلاج من سيد البشر والخلق أجمعين ﷺ ؟ أولاً: ذكرهم بالرباط الذي يربط الناس جميعاً في هذا الكيان الجديد، فقال: (يا معشر المسلمين!)، ولم يقل: يا معشر الأوس

стр. 54

الأساليب التي انتهجها اليهود في سعيهم لتقويض بناء دولة الخلافة العثمانية هيا بنا الآن نعود من جديد إلى ما كنا عليه، هيا بنا نعود إلى السلطان عبد الحميد الثاني وإلى تيودور هرتزل وإلى اليهود وإلى أواخر أيام الخلافة العثمانية، ولننظر ماذا فعل شاس بن قيس الجديد تيودور هرتزل حتى يسقط الكيان الضخم للخلافة العثمانية؟

стр. 55

إثارة الجمعيات الماسونية العنصرية والقبلية بين الأتراك والعرب كما أرسل شاس بن قيس فتى من يهود يزرع الفتنة بين الأنصار أرسل تيودور هرتزل أوامر إلى الجمعيات الماسونية السرية الموجودة في تركيا تحت ستار جمعيات خدمة البيئة والمجتمع وجمعيات الروتاري واللاينز وغيرها أن يفعلوا نفس الشيء، وشاركت في المؤامرة الكبرى قنصليات غربية كثيرة أشهرها إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والنمسا، ذهبوا إلى مجموعة من الشباب المتحرر الانتهازي الطامح إلى الحكم الطامع في الملك، وبدءوا يزرعون الفتنة في قلوبهم زرعاً، ويقتلعون منها الإسلام اقتلاعاً. بدءوا يشجعونهم على الخروج عن المألوف ونبذ الواقع، والبعد عن العنصريات الداعية إلى التخلف -يقصدون عنصريات العرب- أدخلوا في أذهانهم: لماذا تشغلون أنفسكم بالعرب؟ لماذا المشاكل في العراق وسوريا وفلسطين ومصر والحجاز واليمن؟ لماذا معاداة القوى العظمى في العالم إنجلترا وفرنسا وروسيا وإيطاليا؟ لماذا السباحة ضد التيار؟ ثم أي العناصر أشرف هل أنتم أيها الأشراف الفاتحون العظماء القدراء البشوات والبكوات؛ أم أولئك العرب البدو والرحل؟ اتركوهم لشأنهم وانشغلوا بأنفسكم، انطلقوا إلى تحديث تركيا، انطلقوا إلى الحضارة الغربية، انطلقوا إلى التحرر من قيود التخلف والرجعية والجمود، وهم بذلك يقصدون الإسلام ولكنهم كانوا أذكى من أن يصرحوا بذلك. وهكذا بدءوا يتحدثون إليهم بحديث الشيطان، يدعون إلى فرقة بين المسلمين على أساس العنصر والقبلية، أتراك وعرب، ردة حديثة إلى جاهلية قديمة، دعوى الجاهلية كما سماها سيد الخلق أجمعين ﷺ ، تسلطوا عليهم بهذه الأقوال، وكيد الشيطان وإن كان ضعيفاً على المؤمنين إلا أنه كان عظيماً وكبيراً على الذين يتولونه والذين هم به مؤمنون. وبدءوا يلمعون في هؤلاء الأفراد ويعظمونهم، ويرفعون من قدرهم، ويضعون صورهم في الصحف والمجلات العالمية، ويغدقون عليم بالجوائز القيمة، والتقديرات الدولية، وكان التركيز كبيراً على ضباط الجيش التركي بالذات، فالتأثير عليهم قد يؤثر على الخلافة بأكملها، ووجد هؤلاء أنفسهم في يوم وليلة بعد أن كان لا يسمع عنهم أحد ملء السمع والبصر، في كل يوم يقابلون سفيراً أو وزيراً أو ملكاً غربياً، وزاد الترغيب عندما وعدوا بحكم تركيا إن هم تخلصوا من العرب، واكتفوا بالأتراك فقط، وسال لعاب المخدوعين. فقد وعدوا بجزء من الدنيا فباعوا الدين بكامله، وقالوا: ماذا نفعل؟ وجاءت التوجيهات: أنشئوا ما يسمى جمعية الاتحاد والترقي، تهدف في ظاهرها إلى إعلاء شأن الأمة وخدمتها ورعاية مصالحها، ضموا إليها من استطعتم من رجال الجيش والحكم والمال والفكر، أعلنوا المبادئ الثلاثة الآتية: حرية، عدالة، مساواة. عظموا من القومية التركية، وذكروهم بآبائهم وأجدادهم الأتراك دون العرب، ارفعوا من قيمة الغرب ورجاله وإعلامه وحضارته، انتقدوا بهدوء أفعال السلطان ولا مانع أيضاً من انتقاد الإسلام ولكن بحذر. وهكذا أسست الجمعية العلمانية المشهورة جمعية الاتحاد والترقي، هل اكتفى شاس بن قيس الجديد تيودور هرتزل بذلك؟ أبداً ذهب إلى الجناح الآخر ليستكمل المؤامرة بإحكام، وليضيق الخناق على دولة المسلمين، ذهب إلى العرب، وفعل عن طريق الجمعيات السرية والقنصليات الغربية والعملاء والأتباع ما فعله مع الأتراك، وذهبت الجمعيات تحدث العرب المخدوعين: أنتم أيها العرب! أصحاب الشرف والمجد، أنتم يا أبناء الصحابة! ويا سلالة قريش! أنتم أيها الأشراف العظماء! ما لكم والأتراك، أولئك الذين احتلوا بلادكم ونهبوا ثرواتكم، وبددوا طاقاتكم وحكموا آباءكم وأجدادكم، أتريدون أن تتركوا لهم أبناءكم وأرضكم؟ ما لكم والأتراك، أولئك الذين لا يحسنون لغة، ولا يفقهون ديناً، ما لكم والأتراك، أولئك الذين ظلموا وتجبروا وتكبروا. وهكذا سبحان الله!! وجدوا آذاناً صاغية ولا عقول، وانتشرت أفكار القومية والعنصرية المفرقة في أرجاء العالم الإسلامي بأسره، ووقف تيودور هرتزل يتفرج بسعادة، ويصفق للمختلفين ويعين المتصارعين وعمت الفتنة الأرض، ولكن سبحان الله! أبى الله أن يريه نتائج مؤامرته، فمات وهو في ٤٤ من عمره، ودخل قبره وقامت قيامته، ولقي ما هو مناسب لعقيدته وعمله، كان ذلك في سنة ١٩٠٤م. لكن الحق أنه قد أرسى دعائم قوية لأفكاره ومعتقداته وخططه ما تبدلت كثيراً بموته وخلفه على زعامة الصهيونية حاييم وايزمن من زعماء اليهود المشهورين.

стр. 56

تغذية الثورات ضد السلطان عبد الحميد والسعي إلى عزله حاول السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ أن يدعو الناس إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ بالالتفاف حول رابطة الإسلام لا رابطة العنصر، فدعا إلى إنشاء ما يسمى بالجامعة الإسلامية، كيان كبير ضخم يضم كل البلاد الإسلامية في العالم تحت رعاية الخلافة العثمانية، يتبادل فيها المسلمون الرأي والعون. لكن اعترضوا عليه، وازداد الموقف سوءاً، سواء في تركيا أو في بلاد العالم الإسلامي، وبدأت جمعية الاتحاد والترقي تشيع في الناس أن السلطان عبد الحميد هو سبب التخلف والرجعية، وأن أخطاءه كثيرة وأفعاله ذميمة، لكن لم يطعنوا في الخلافة بل قالوا: من الأنسب أن يعزل ويأتي غيره. فعلوا ذلك مدعمين بكل القنصليات الغربية القوية، وانساق الشعب وراءهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. لا شك أن الكلمات التي ألقاها رسول الله ﷺ لتهدئة الوضع في المدينة المنورة بعد حادثة شاس بن قيس وقعت في تربة طيبة فأنبتت نباتاً حسناً، ولو كان حديث رسول الله ﷺ لأناس قد ملأت الدنيا قلوبهم وعقولهم وتحكمت الأهواء بأفعالهم وأقوالهم ما سمع أحد نصحه، وما ارعوى أحد بكلامه ﷺ ، إذاً: في حادثة شاس بن قيس الأولى كان الشعب مهيأً تربوياً لتقبل نصح وإرشاد الدين؛ ولذلك لم تنجح معه الفتنة، بينما من الواضح في قصة شاس بن قيس الجديد أن الشعوب الإسلامية لم تكن مهيأة لاستقبال قول الله وقول رسوله الكريم ﷺ ، لاشك أن الشعوب كانت مضللة، فالشعوب المبصرة لا تخدع بالغوغاء، والشعوب المتعلمة لا ترضى بديلاً عن دينها وقيمها، والشعوب الذكية لا تسمع لصوت أعدائها، فهذه الأخطاء التربوية القاتلة لا شك أنها من تراكمات السنين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]. بعد أن تشبع المسلمون بالأفكار الانفصالية قامت ثورات عدة على السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، أشهرها ثورة في عام (١٩٠٨) م، ثم ثروة أخرى في عام (١٩٠٩) م، هذه الثورة الأخيرة طالبت بعزله، مؤيدة برجال حزب الاتحاد والترقي الكبراء الذين صنعوا على عين الغرب، ومؤيدة بقنصليات غربية وبشعب مقيد، ولقد كانت للثورة ما أرادت، وعزل السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ في سنة (١٩٠٩) م. وولي الأمر من بعده محمد الخامس السلطان العثماني الضعيف، وأصبحت مقاليد الحكم الرئيسة في يد حزب الاتحاد والترقي، بل إن شئت فقل: في يد الإنجليز والفرنسيين، بل وفي يد اليهود، فقد تدخل اليهود بعد ذلك في حزب الاتحاد والترقي، ووصلوا إلى حدود بعيدة لدرجة أن الوفد الذي سلم السلطان عبد الحميد الثاني خطاب عزله كان مكوناً من ثلاثة رجال أحدهم كان يهودياً اسمه قره صو، انظر إلى السخرية والاستهزاء، سلطان المسلمين يتسلم قرار عزله على يد يهودي. بل تفاقم الأمر بعد ذلك من تعاون واضح صريح بين حزب الاتحاد والترقي وبين اليهود لدرجة أن السفير البريطاني في تركيا قال لوزير خارجيته في سنة (١٩١٠) م -يعني: بعد عام واحد فقط من عزل السلطان عبد الحميد - إن لجنة الاتحاد والترقي تبدي في تشكيلها الداخلي تحالفاً تركياً يهودياً مزدوجاً، وتأكيداً على ذلك فإن حزب الاتحاد والترقي قد أخذ قرارات جديدة وسن قوانين عديدة، ومن أوائل هذه القرارات والقوانين إلغاء الحضر المفروض على اليهود في دخول فلسطين، والسماح لهم بالهجرة، وعزل حكام فلسطين العثمانيين الذين كانوا معروفين بكرههم لليهود، وتولية آخرين يتفهمون السياسية الجديدة. وفتحت أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وانحدرت الأمة في طريق الهاوية.

стр. 57

الزج بدولة الخلافة في الحرب العالمية الأولى تلاحقت الأحداث بسرعة، وتزامنت هذه الأحداث المتلاحقة في الخلافة العثمانية مع أحداث عالمية خطيرة، حديث بدأت نذر الحرب العالمية الأولى تظهر، وتحالفت إنجلترا وفرنسا وروسيا ضد ألمانيا، ثم دخلت إيطاليا في التحالف الإنجليزي على وعد إطلاق يد إيطاليا في ليبيا، ووجدت جمعية الاتحاد والترقي فرصة سانحة، أو قل: وجد اليهود الفرصة سانحة للإجهاز على الخلافة العثمانية، فدفعوها دفعاً للدخول إلى الحرب العالمية الأولى، وأخذت جمعية الاتحاد والترقي القرار بالانضمام إلى معسكر ألمانيا ضد إنجلترا وفرنسا وروسيا وإيطاليا، كل هذا وما زال هناك خليفة يحكم في الظاهر، بينما تدار الأمور في الخفاء بأيدي اليهود عن طريق جمعية الاتحاد والترقي، وبدأت الحرب العالمية الأولى في سنة (١٩١٤) م واستمرت إلى سنة (١٩١٨) م.

стр. 58

الأسس التي ساعدت على إنشاء دولة لليهود في فلسطين وضعت السنوات الأربع التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى علامات بارزة وأسساً قوية لإنشاء دولة اليهود في داخل فلسطين.

стр. 59

توالي الهزائم على الخلافة العثمانية أولاً: توالت الهزائم على الخلافة الإسلامية العثمانية بعد أن تولى قيادتها العلمانيون الأتراك، وانشغلت بنفسها تماماً وكانت الهزائم شديدة في كل الجبهات. في منطقة البلقان وشرق أوروبا تأثرت الخلافة العثمانية جداً بتحالف صربيا وبلغاريا واليونان والجبل الأسود، واستطاعوا هزيمتها والاستقلال عنها، مع العلم أن هذه الدول جميعاً كانت مجرد ولايات في الخلافة العثمانية، وبدأ الجيش الروسي يأكل آسيا الوسطى، ويسيطر على القوقاز. وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا يهاجمون تركيا، وإيطاليا تفترس ليبيا، وهكذا جرى تحطيم الخلافة العثمانية التي تحمي فلسطين. ومع ذلك فقد وجهت الخلافة العثمانية ثلاثة جيوش لحماية منطقة الشام وفلسطين، ولا يتسع المجال طبعاً لذكر تداعيات هذه الهزائم وتفصيلاتها، وسنفرد لها حديثاً آخر إن شاء الله في وقت لاحق، لكن المهم أن انهيار الخلافة العثمانية كان نذيراً ببدء ضياع فلسطين.

стр. 60

اتفاقية الشريف حسين حاكم مكة مع مكماهون الإنجليزي ثانياً: مع كل هذه الكوارث إلا أن الأيام تحمل للمسلمين آلاماً أشد وجروحاً أعمق، فقد وقعت كارثة جديدة كبيرة، وهي اتفاقية الشريف حسين حاكم مكة العربي وليس التركي مع مكماهون الزعيم الإنجليزي، الشريف حسين عنده نوازع قومية عربية استقلالية، والحرب دائرة بين الخلافة العثمانية وإنجلترا، وهو يمثل معارضة ضد النظام الإسلامي الحاكم، فلماذا لا يضع الإنجليز أيديهم في يده؛ ليتعاونوا في هدف واحد وهو إسقاط النظام الحاكم المسلم، وتقاسم الكعكة بعد ذلك، والكعكة بكاملها إسلامية؟ اتفاقية الشريف حسين مع مكماهون الإنجليزي تمت بتدبير من ضابط المخابرات الإنجليزي الجنسية اليهودي الديانة لورانس، وهو ضابط مشهور جداً في تاريخنا، وتمت الاتفاقية في سنة (١٩١٥) م، وفيها عرضت إنجلترا على الشريف حسين وعوداً ضخمة جداً: ١ - إنشاء مملكة للعرب يكون الشريف حسين ملكاً عليها، هذه المملكة تضم الحجاز، والعراق، وسوريا، والأردن وعاصمتها مكة المكرمة زادها الله تكريماً وتعظيماً: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]. ٢ - استثناء بعض الأماكن في المملكة لا تعطى، ولا ندري هل ذكر سبب الاستثناء في الاتفاقية أم لا؟ ولكن الأيام وضحت لماذا تم الاستثناء؟ استثناء الإسكندرونة من سوريا؛ لأنها سوف تهدى إلى تركيا وحزب الاتحاد والترقي نظير المساعدة في إهلاك الخلافة العثمانية، كذلك لبنان تستثنى؛ لأنها ستحول إلى دولة موارنة تحت رعاية فرنسية، فلسطين المسلمة تستثنى أيضاًَ لا تدخل في المملكة العربية؛ لأنها تجهز لتكون وطناً لليهود. ٣ - التعاون الاقتصادي بين المملكة العربية التي سوف تقوم، والمملكة البريطانية، يعني إنجلترا ستصنع والمملكة العربية تشتري. ٤ - تعاون عسكري بين المملكتين. وطبعاً التعاون العسكري يعني: الحماية الإنجليزية للمملكة العربية في نظير حماية المصالح الإنجليزية في المنطقة الإسلامية، وإلا لا يتخيل أحد أنه لو حدث هجوم على لندن مثلاً أن يتحرك الشريف حسين بقواته لنجدة الإنجليز هناك. هذه العروض السخية من الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية في مقابل أن يحمل الشريف حسين سيفه ومدفعه، ويأخذ أحبابه وأصحابه وأهله وجيشه وقومه ويضرب الخلافة العثمانية الإسلامية في ظهرها، بينما الخلافة العثمانية تحارب في الغرب والشمال أوروبا الشرقية وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وتحارب في الشرق روسيا القيصرية، يأتي الشريف ويطعن في الجنوب ويضرب الجيش التركي المسلم في الشام وفلسطين. لكن لا يجب طبعاً أن يخرج في صورة الخارج عن النظام، والراغب في هدم الكيان والساعي إلى نصرة الصليبيين لا. فلنطلق على هذا الخروج اسمًا جميلاً حضارياً: الثورة العربية الكبرى، ثورة -كما يقولون- على الظلم والاستبداد واحتلال الأتراك للعرب. وتحركت الجيوش العربية بقيادة الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى الشام لحرب الجيوش العثمانية المسلمة، وفي ذات الوقت تحركت الجيوش الإنجليزية والفرنسية لتساعد الثورة العربية الكبرى على زعمهم، إذاً في أيام الحرب العالمية الأولى حدثت أمور خطيرة، كما ذكرنا: أولاً: تدمير القوة العسكرية العثمانية في أوروبا وآسيا. ثانياً: معاهدة الشريف حسين مع مكماهون.

стр. 61

معاهدة سايكس بيكو المشهورة سنة ١٩١٦م ثالثاً: أمر جديد خطير بعد معاهدة الشريف حسين مع مكماهون، وكانت قد أثبتت هذه المعاهدة أن الإنجليز يتعاملون بدهاء شديد مع المسلمين، ويضربون على أوتار حساسة، بينما المسلمون غافلون عن أسباب قوتهم، لكن الإنجليز أثبتوا أنهم لا يتمتعون فقط بقدر عظيم من الدهاء، بل يتمتعون أيضاً بقدر أكبر من الخسة والنذالة والكذب والخداع، فبعد هذه الاتفاقية المشبوهة مع الشريف وبعد تحرك الجيوش العربية لضرب الجيوش العثمانية المسلمة، فعل الإنجليز فعلاً آخر أشد وأبشع ما هو؟ هذا الشيء يعرف في التاريخ باسم معاهدة سايكس بيكو المشهورة سنة (١٩١٦) م، بعد شهور قليلة من معاهدة الشريف حسين مع مكماهون تمت معاهدة سايكس بيكو في بطرسبرج بروسيا بين إنجلترا وفرنسا، مثل فيها إنجلترا مارك سايكس المندوب الثاني لشئون الشرق الأدنى، ومثل فيها فرنسا جورج بيكو قنصل فرنسا السابق في بيروت، واتفق الطرفان على تقسيم أملاك الخلافة العثمانية بينهما بعد أن يتم النصر عليها. فاتفقوا على أن تفرض إنجلترا حمايتها واحتلالها على العراق والأردن، وتفرض فرنسا حمايتها واحتلالها على سوريا ولبنان، بينما تصبح لفلسطين إدارة دولية باستشارة روسيا. وهكذا قسم الإنجليز والفرنسيون البلاد التي وعدت إنجلترا بإعطائها الشريف حسين. كانت معاهدة سايكس بيكو سرية غير معلنة، لكن روسيا سربت أخبارها، ولما وصلت الأخبار إلى الشريف حسين انزعج بشدة، وتحدث مع الإنجليز فقالوا له بمنتهى الثقة: لن يحدث شيء من هذا، ونحن على وعدنا معك، فما كان منه إلا أن اطمأن واستراح، إذ كيف يمكن أن يتخيل أن تخونه الدولة الصديقة إنجلترا؟ ونسي قول الله : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠]. ونسي قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:١٠].

стр. 62

الحرب العالمية الأولى وما حملت معها من الكوارث على الخلافة العثمانية رابعاً: في سنة ١٩١٧م في أيام الحرب العالمية الأولى حدث معها كوارث جديدة كثيرة على المسلمين عددت منها أربعاً: الكارثة الأولى: وعد بلفور، وبلفور هذا هو وزير خارجية بريطانيا آنذاك، ووعده هذا عبارة عن خطاب أرسله إلى اللورد اليهودي روتشلد الممول اليهودي المشهور مؤرخاً بتاريخ ٢/ ١١/١٩١٧م، وهو مجرد خطاب لا يحمل أي صبغة قانونية، ومع ذلك أصبح الأصل الرئيسي الذي يعتمد عليه اليهود في إقامة دولتهم. قال بلفور في وعده: إن الحكومة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وسوف تبذل خير مساعيها لتسهيل بلوغ هذه الغاية. ثم انظروا إلى التحذير الرحيم من بلفور: وليكن معلوماً أنه لا يسمح بإجراء شيء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين الآن. ما أعظم الرحمة الإنجليزية!! لا يمكن أبداً أن يضروا المدنيين والحقوق الدينية، وإنما سيرسلون البوارج لتدمر، والطائرات لتقصف، والمدافع لتدك، والجنود لتقتل وتذبح، لكن سيرسلون معها الغذاء والدواء والكساء رحمة، كل هذا من منظور الشيطان. ثم انظر إلى تضليلهم عندما قالوا: للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، هذه الطوائف غير اليهودية هم أصحاب البلد الأصليين الآن، وهي تمثل ٩٢% من سكان فلسطين، مع أن كلمة طوائف تعطي انطباعاً أنهم أقلية، لكنه خداع اللفظ وغياب الضمير. وفي هذا التوقيت الذي صدر فيه ما يسمى بوعد بلفور لم تكن إنجلترا تملك شيئاً في المنطقة، ولم تكن جيوشها قد دخلت فلسطين بعد، ومع ذلك وعدوا اليهود بها، وهكذا صدق عليهم قول القائل: أعطى بلفور ما لا يملك لمن لا يستحق. وافقت فرنسا على وعد بلفور مباشرة في سنة ١٩١٨م بعد الوعد بثلاثة شهور، ووافقت أمريكا عليه رسمياً في سنة ١٩٢٢م بعده بأربع سنوات. ومن الممكن أن يطرأ في ذهني سؤال، لماذا تعجلت بريطانيا بإعطاء وعد بلفور لليهود قبل دخول الجيوش البريطانية إلى فلسطين؟ الجيوش على الأبواب وأصبح الدخول وشيكاً جداً، والوعد ستكون له مصداقية أكبر لو كان الإنجليز يملكون البلاد، فلماذا تعجلوا في إعطائه قبل أن يدخلوا فلسطين؟ الواقع أن المصالح تحكم كل شيء في تصرفات هذه الدول الاستعمارية، فإنجلترا كانت تسابق الزمن؛ لأن أموراً أخرى سوف تحدث على الساحة قريباً، وهي تريد شراء ود اليهود إلى أقصى درجة. أولاً: في هذا التوقيت رأت إنجلترا أن ألمانيا والنمسا بدأتا تتقربان من اليهود أثناء الحرب، وبالذات من يهود روسيا التي تشترك مع الحلفاء إنجلترا وفرنسا ضدهما، فسيخسر الإنجليز اليهود في وقت حرج. ثانياً: الوضع في روسيا حرج جداً جداً، فهناك جمعيات سرية كثيرة جداً انتشرت، والأفكار الشيوعية بدأت تظهر بوضوح، وإمكانية حدوث انقلاب شيوعي في روسيا واردة في أي لحظة، والإنجليز يعلمون أن اليهود وراء ذلك كله، فإذا قامت الثورة الشيوعية فإنها ستسمع وتطيع لليهود، وبذلك قد يأمر اليهود بانسحاب روسيا من الحرب العالمية الأولى، وبذلك تضعف الجبهة الشرقية للحلفاء. ثالثاً: إنجلترا تعلم أن لليهود تأثيراً خاصاً على الأمريكان، وقد بلغ هذا التأثير مداه لما دفع اليهود الأمريكان للاشتراك في الحرب بالعالمية الأولى إلى جانب الحلفاء، ولا بد من مكافأة سريعة؛ كي تستمر أمريكا في القتال. رابعاً: إنجلترا ستدخل في فلسطين بعد أيام، ولا بد أن تضمن ولاء اليهود داخل أرض فلسطين، فقد يظن اليهود أن الإنجليز نسوا وعودهم القديمة، وأنهم سيأخذون فلسطين لهم، فأراد بلفور أن يؤكد لليهود في صراحة: أننا ما زلنا على العهد، وما زلنا على اتفاقنا القديم، والإنجليز يحتاجون إلى اليهود داخل أرض فلسطين، فهم يسهلون لهم الاحتلال، سواء بالمعلومات والتجسس أو بالقتال معهم ضد المسلمين. تبقى مشكلة واضحة بسيطة أمام الإنجليز وهي أن إصدار هذا الوعد في هذا التوقيت قد يغضب العرب الذين يضربون في ظهر الخلافة العثمانية، لكن ما لبث الإنجليز أن طردوا هذا الهاجس من أذهانهم، فإن لهم رجلاً من العرب سيتحدثون باسمهم ويقنعون شعوب العرب أن إنجلترا الدولة الصديقة لا تفعل ذلك إلا لمصلحتنا ولمصلحة البشرية جمعاء، كيف ذلك؟ لا نفهم. وقد كان ما توقعه الإنجليز، وكان لهم رجال قاموا بكل ما طلبوا منهم دون اعتراض ولا استفسار، إذاً: هذه كارثة أولى حدثت في سنة ١٩١٧م وعد بلفور. الكارثة الثانية: هي ظهور شخصية مقيتة جداً في التاريخ الإسلامي، هذه الشخصية كانت معولاً أساسياً لهدم الخلافة العثمانية، تلك هي شخصية الضابط مصطفى كمال الملقب بـ أتاتورك أو أبو الأتراك، مصطفى كمال أتاتورك كان قائد الجيش العثماني في منطقة فلسطين، وكان عضواً في جمعية الاتحاد والترقي مشبعاً بكل الأفكار العلمانية التي زرعها ال

стр. 63

الأسباب التي حالت دون دفاع الفلسطينيين عن فلسطين لعل رجلاً يسأل نفسه أين كان الفلسطينيون آنذاك؟ فهمنا أن الجيش التركي انسحب بعد خيانة مصطفى كمال أتاتورك، وفهمنا أن الجيش العربي يضرب في الدولة العثمانية في الشام، وقد خرجت فلسطين من بؤرة اهتمامه، لكن أين أهل البلد من الفلسطينيين؟ الواقع أن أهل البلد كانوا أحد رجلين: إما عاجز، وإما مخدوع، والعجز جاء من كون فلسطين لا تملك جيشاً ولا تملك حاكماً قائداً، فالخلافة العثمانية كانت تهتم اهتماماً كبيراً بهذه المنطقة لكونها مقدسة، فكان فيها حامية عثمانية كبيرة، وقد لاحظنا أنها أفردت لها جيشاً خاصاً كبيراً في الحرب العالمية الأولى، وكانت دائماً تعين عليها حاكماً تركياً كبيراً. والحق يا إخوة! إني أرى أن هذا كان خطأً كبيراً من الخلافة العثمانية، إذ كان من الواجب أن يكون قوام الجيش الحامي لفلسطين من أهل فلسطين أنفسهم، وأن يكون الوالي عليها من أهلها إن أمكن؛ وذلك لأنه فضلاً عن كونهم يعرفون أرضهم أكثر من غيرهم، فإن الإنسان يكون في قلبه حب فطري للمكان الذي ولد فيه، وهو أسرع الناس للدفاع عنه، لكن الوضع في فلسطين كان مختلفاً، فأهل البلد لا يملكون سلاحاً، ولم يتدربوا عليه إن وجد، ولا يملكون فكراً عسكرياً ولا تخطيطاً استراتيجياً، وهو خطأ لا بد أن يعلم، ولكن المشكلة الأكبر في فلسطين لم تكن كون الشعب عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، إنما المشكلة الحقيقة كانت في كون الشعب مخدوعاً بأفكار عجيبة وآراء غريبة كانت سبباً مباشراً في الاحتلال الإنجليزي لفلسطين، مؤامرة فكرية كبيرة كانت تخطط في فلسطين كما كانت تخطط في كل البلاد العربية والتركية. هذه الأفكار والآراء ببساطة شديدة هي القومية العربية، فكما كانت تنتشر في البلاد العربية فكرة القومية العربية، وفكرة الاستقلال عن الخلافة العثمانية، وفكرة التمسك بالآباء والأجداد دون الدين، كانت أيضاً هذه الأفكار تنتشر في فلسطين، وكانوا يحلمون بأن يقودهم الشريف حسين بدلاً من الخليفة العثماني. إنجلترا الشيطان الأوربي المحتل لعبت على هذا الوتر، فقد دخلت الجيوش البريطانية فلسطين موهمة أهل البلد أنها ما دخلت إلا لتحرر البلاد والعباد من بطش الأتراك الظالمين، ومن جيش الأتراك المحتل، ما دخلت إلا بدافع الشفقة عليهم والحرص على مصالحهم، ما دخلت إلا لتسلم فلسطين بعد ذلك إلى الشريف حسين لتصبح جزءاً من مملكة عربية موحدة. قالت لهم إنجلترا ذلك، فصدقوها وفتحوا لها الأبواب، ونسوا ما قاله وزير خارجية بريطانيا بلفور في وعده لليهود، ولم يمر عليه أكثر من أسبوعين، صدقوا إنجلترا وأفسحوا الطريق للمدرعات والجنود الإنجليز. ودخل اللنبي الجنرال الإنجليزي القدس وقال أول ما قال: الآن انتهت الحروب الصليبية. فالقضية في منتهى الوضوح عند الإنجليز. لا شك أن الشعب الفلسطيني كان يعاني من غفلة سياسية واضحة، ولا بد كي يُمكَّن الإنجليز أو اليهود أن يكون هناك أخطاء للمسلمين، فإنهم لا ينصرون علينا بقوتهم ولكن بضعفنا. أضرب مثلاً على هذه الغفلة: كونت في فلسطين في الأيام السابقة للاحتلال الانجليزي جمعية تضم كبار السياسيين في فلسطين من أهل فلسطين، حتى إنه كان فيها مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، وهو رجل اشتهر بالذكاء والحمية والإخلاص، لكنه خدع في البداية كما خدع الآخرون، كونت هذه الجمعية للتفكير في وضع فلسطين وشأنها، لكنها للأسف كونت على أساس قومي تماماً لا على أساس إسلامي، لدرجة أن اسمها كان الجمعية الإسلامية المسيحية. وكدليل على غفلة هذه الجمعية وقلة فقهها للأحداث، وقصر نظرها في رؤية المستقبل أصدرت هذه الجمعية بياناً بعد عام كامل من دخول الجيش الإنجليزي إلى فلسطين بمناسبة مرور عام على دخول إنجلترا فلسطين، أصدرت هذا البيان في ١٦/ ١١/١٩١٨م قالت فيه: في مثل هذا اليوم السعيد من السنة الماضية دخل الجيش البريطاني المظفر مدينة يافا رافعاً ألوية النصر؛ لتحريرنا نحن العرب من ظلم الأتراك، وقد أقمنا هذه الحفلة لنقدم لجلالة الملك -طبعاً ملك بريطانيا- وسعادة الجنرال اللنبي وسائر أمراء وأفراد الجيش المظفر مزيداً من التبريك، راجين من الله دوام نصره وتوفيقه لدولة بريطانيا العظمى الناصرة للأمم الضعيفة المظلومة. سبحان الله! من الغريب جداً أن يكون هذا البيان صادراً عن مجموعة من العقلاء الذين يقتنعون بأن حل القضية بيد الإنجليز، مع أن الإنجليز هم السند الرئيسي لليهود في ذلك الوقت، خاصة وأن ذلك البيان صدر بعد وعد بلفور، وإن كان يستغرب ذلك فما أشبه اليوم بالبارحة!! فكثير من العقلاء أو كل الذين يظنون أنفسهم عقلاء يعتقدون أن حل قضية فلسطين في يد أمريكا، وأنها كدولة عظمى ناصرة للأمم الضعيفة المظلومة سوف تأخذ بيد العرب والفلسطينيين إلى تسوية عادلة شاملة ولو على حساب اليهود. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. المهم أنه في فلسطين أدت الغفلة إلى سهولة د

стр. 64

سلسلة فلسطين_ تهويد فلسطين إن نيران العزة في النفوس قد تكبح، لكنها لا تنطفئ ما دام الإسلام هو المربي لها، فمهما أراد اليهود تهويد أرض فلسطين فإنها ستبقى إسلامية بوجود شعبها المسلم المناضل، صحيح أن التهويد جارٍ في فلسطين، لكن الجهاد مستمر إلى قيام الساعة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

стр. 65

انتهاء الحرب العالمية الأولى وتقسيم الدولة العثمانية إثر ذلك أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعل تدبيره تدميره، واجعل كيده في نحره؛ إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: فمع المحاضرة السادسة من المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين. وفي الحلقتين السابقتين تحدثنا عن بزوغ فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان الداعي لها هو تيودور هرتزل الزعيم الصهيوني المعروف، وتحدثنا عن جهوده في هذا المجال، بدءاً من (مؤتمر بال)، ومروراً بالمباحثات التي تمت بينه وبين كل من إنجلترا وألمانيا وروسيا، والخلافة العثمانية. وتعرضنا أيضاً لموقف السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ من مطامع اليهود، وكيف تصدى لها في ذكاء وإخلاص. ثم أشرنا إلى أن اليهود قرروا إقصاء السلطان عبد الحميد الثاني ﵀ عن الحكم، وتقويض أركان الخلافة، وكيف حاولوا اغتياله، وفشلت هذه المحاولات. ثم كيف سلكوا سبيل التفريق بين المسلمين على أساس العنصر، وكيف ساهموا في إنشاء الجمعية العلمانية المعروفة بجمعية الاتحاد والترقي، ثم كيف أقصي بالفعل الخليفة الجبل عبد الحميد الثاني ﵀. وتحدثنا أيضاً عن ظهور فكرة القومية العربية بإيعاز من اليهود والإنجليز أيضاً، وكيف ظهر الشريف حسين ينادي بمملكة للعرب، وذكرنا دخول الحرب العالمية الأولى وآثارها على المسلمين، وبالذات على فلسطين، وفصلنا في المعاهدة المشئومة معاهدة الشريف الحسين مع مكماهون الإنجليزي، وفيها يضرب الشريف حسين الخلافة العثمانية في ظهرها في مقابل وعد من إنجلترا بإقامة مملكة عربية يكون هو على رأسها. ثم ذكرنا ما فعلته إنجلترا في معاهدة (سايكس بيكو)، وكيف خانت عهودها كالمعتاد، وفصلنا بعد ذلك في الكوارث التي حلت على المسلمين في سنة ١٩١٧م، وعددنا منها أربعاً: أولاً: وعد بلفور. ثانياً: ظهور شخصية مصطفى كمال أتاتورك كقائد خائن لجيش العثمانيين في فلسطين. ثالثاً: احتلال الإنجليز لفلسطين، وغفلة أهلها عن نوايا الإنجليز. رابعاً: الثورة الشيوعية في روسيا، بما لها من آثار مدمرة. واليوم نستكمل معاً التنقيب عن الأسباب التي أدت إلى تمكين شعب خسيس مهين -كشعب اليهود- من أرض طاهرة مقدسة -كأرض فلسطين- ونستكمل معاً التقليب في صفحات التاريخ، نستخرج من بينها أنواراً تضيء لنا طريق المستقبل، فليس في الدنيا أحداث جديدة، ما حدث منذ زمن آدم وإبليس إلى ما يحدث إلى يوم القيامة واحد لا يختلف، وثابت لا يتغير، فقط تختلف الأسماء والأماكن، لكن صلب الأحداث واحد. ذلك أن لله سنناً لا تتغير ولا تتبدل، و ﴿لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]. اليوم نبدأ في الحديث من حيث انتهينا في المرة السابقة، فقد انتهت سنة ١٩١٧م، وقد حدثت فيها مصائب كثيرة كما نوهنا، وجاءت السنة التالية ١٩١٨م، وانتهت الحرب العالمية الأولى، وبدأت الأمور تتضح في المنطقة. إنجلترا وفرنسا وأمريكا وروسيا انتصروا على ألمانيا والخلافة العثمانية، وبدءوا جميعاً يقتسمون -كما قالوا: تركة الرجل المريض- تركة الخلافة العثمانية، وبدأ الإنجليز والفرنسيون في تطبيق معاهدة (سايكس بيكو)، وتقسيم المملكة العربية التي وعدوا بها الشريف حسين، فأخذت إنجلترا الأردن والعراق، وأخذت فرنسا سوريا ولبنان. كما طلبت إنجلترا من فرنسا إلغاء البند الخاص بفلسطين، حيث كان من المقرر أن تكون تحت حماية دولية مشتركة باستشارة روسيا، وأن تجعل فلسطين تحت الانتداب الإنجليزي فقط في مقابل أن تطلق إنجلترا يد فرنسا في الجزائر وتونس، ووافق الفرنسيون على ذلك، وأصبحت فلسطين محتلة رسمياً من الإنجليز، ولكي يستقر الوضع في فلسطين أعلنت إنجلترا أنها لا تحتل البلاد، ولكن فقط تجعل عليها انتداباً وإشرافاً إلى أجل، وهذا الأجل جعلته ثلاثين عاماً، فينتهي الانتداب الإنجليزي على فلسطين في الرابع عشر من مايو سنة ١٩٤٨م. ولكي تسهل إنجلترا مهمتها في تسليم فلسطين لليهود لم تجعل على فلسطين حاكماً منها كما كان معتاداً في مثل هذه الظروف، فإنجلترا كانت تحتل مصر مثلاً، وكان هناك خديوي أو ملك في الواجهة، وكذلك في غيرها من

стр. 66

صناعة الزعيم مصطفى كمال أتاتورك وإسقاط دولة الخلافة بريطانيا لا تهدأ أبداً، دسائس ومؤامرات على كل المستويات، توجهت إلى تركيا الجريحة ترسم خطوات النهاية، وصناعة الزعيم مصطفى كمال أتاتورك الذي تريد له أن يصعد على كرسي الحكم، وماذا يفعل بالخليفة؟ ومن هو مصطفى كمال أتاتورك حتى يستبدلوا الخليفة به؟ صناعة الزعيم تبدأ! إنجلترا تدبر معركة بين تركيا واليونان، وتدخل هي في صف اليونان، ويأتي مصطفى كمال أتاتورك ويحارب اليونان، ويحارب معها إنجلترا الدولة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، فينسحب الإنجليز أمام مصطفى كمال أتاتورك، ويهرب اليونانيون، وينتصر البطل المقدام مصطفى كمال أتاتورك في معركة هائلة كما صوروها. لكن -سبحان الله! - التاريخ يسجل هذه المعركة الهائلة لم يقتل فيها رجل واحد من الطرفين، التمثيلية لم تكن محبوكة، لكن أخبار الانتصار تنتشر في العالم بأسره، الصحافة اليهودية والإنجليزية تنشر أخبار الهزيمة الإنجليزية المرة، وأخبار البطل الجديد الذي أعاد لتركيا كرامتها، صور البطل في كل مكان، لقاءات مع كبار الساسة في العالم، ولا ينسون أن يلتقي بكبار رجال الدين الإسلامي؛ ويبدي في براعة حبه للإسلام وللمسلمين، ويضطر البطل أن يدخل المساجد ليظهر في الصورة وهو يصلي في خشوع، كما اضطر قبل ذلك تيودور هرتزل أن يدخل المعبد اليهودي تمثيلاً وتصنعاً، ويفتن به المسلمون، ويتمنون أن لو يتنازل فيتولى قيادتهم، حتى أن أحمد شوقي أمير الشعراء ظن فيه خيراً، وشبهه بـ خالد بن الوليد ﵁ حيث قال: الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب ثم دبرت مؤامرة أخرى: مؤتمر في الغرب، وثورات ومظاهرات وادعاءات وافتراءات، المهم صعد في النهاية البطل المغوار، حامي الإسلام والمسلمين، وهازم الإنجليز واليونانيين إلى كرسي الحكم. وأقصي السلطان عبد المجيد بن عبد العزيز السلطان العثماني في ذلك الوقت، وكان ذلك في سنة ١٩٢٤م في ٣ مارس، وأعلن مصطفى كمال أتاتورك استقلال تركيا، واعترفت به مباشرة إنجلترا، وتحسنت علاقاتها جداً مع الدولة التي كانت تحاربها منذ شهور معدودات، واستلم مصطفى كمال أتاتورك الحكم، وفعل ما لم يكن يستطيع الإنجليز أن يفعلوه في سنوات عديدة، انظروا ماذا فعل مصطفى كمال أتاتورك مؤيداً بحزبه العلماني الاتحاد والترقي؟! ألغى الخلافة الإسلامية، وهي أول مرة منذ عهد رسول الله ﷺ تلغى الخلافة الإسلامية، نعم. ضعفت الخلافة الإسلامية قبل ذلك كثيراً، لكنها بقيت رمزاً يلتف حوله المسلمون ليقوموا من جديد، أما الآن فقد ألغى الخلافة الإسلامية تماماً، وفصل تركيا بالكامل عن الدول الإسلامية الأخرى، وفصل الدين بالكلية عن الدولة، وحرم لبس الحجاب الإسلامي، وفرض الأزياء الأوروبية، وألغى لعدة سنوات الاحتفال بعيدي الفطر والأضحى، ومنع المسلمين من أداء فريضة الحج، وأغلق عدداً كبيراً من المساجد، وحول مسجد أيا صوفيا إلى كنيسة، ثم إلى مخزن بعد ذلك، ومنع تعدد الزوجات، وأباح زواج المسلمة بغير المسلم، وألغى عطلة الجمعة وجعلها الأحد، ومنع الأذان للصلاة باللغة العربية، وأصر على أن يكون الأذان باللغة التركية، وألغى الحروف العربية من الكتابة، واستبدلها باللاتينية، وألغى من الدستور التركي المادة التي تنص على أن دين الدولة الإسلام، ونص في الدستور على أن تركيا دولة علمانية، وألغى الشريعة الإسلامية تماماً، واستبدلها بالقانون الإيطالي والسويسري، وألغى منصب شيخ الإسلام، وأجبر أئمة الدين على ارتداء القبعة بدلاً من العمامة، وألغى التقويم الهجري، وأباح الردة عن الإسلام، وساوى بين الذكر والأنثى في الميراث، وأعدم أكثر من مائة وخمسين من علماء المسلمين، وألغى من اسمه كلمة: (مصطفى)، واكتفى بـ (كمال أتاتورك)، وأوصى في وصيته قبل موته ألا يصلى عليه. ولما مات احتار مقربوه هل يصلون عليه أم لا في ظل علمانية الدولة وفي ظل وصيته؟ وفي النهاية صلى عليه أحدهم منفرداً، وذهبوا به إلى قبره ليجد أعماله في انتظاره، ويا له من لقاء! وهكذا سقطت الخلافة العثمانية، وقامت الدول العلمانية، وضاعت هيبة الدين، وتُركت فلسطين لمصيرها لا يدافع عنها إلا قومها، أما من حولها من الزعماء فلم يتركوها فقط، بل ساهموا في تضييعها إسهاماً. هذه الزعامات -التي سادت آنذاك وكانت وبالاً على الأمة- صدق فيهم قول الشاعر -يتحدث عن الأمة الإسلامية وزعمائها فيقول-: عجيب أمرها حقاً إذ الدنيا بها تشقى وما زالت لهاوية بكل غبائها ترقى وساستها أرى القطرا ن من نياتهم أنقى ضلالات تراودهم وقد هاموا بها عشقا وصاروا طوع قبضتها عبيداً أدمنوا الرقا قلوباً لا تعي شيئاً وأرشد من بهم حمقا وبات الخرق متسعاً وما اسطاعوا له رتقا وتحسبهم على علم وهم في جهلهم حمقى وفي

стр. 67

ملخص للمراحل التمهيدية التي سبقت قيام دولة يهود إذاً: باختصار نراجع ونرتب ما سبق من أحداث تمهيداً لقيام دولة إسرائيل في فلسطين. الأمر مر بعدة مراحل: المرحلة الأولى -أسميها-: مرحلة الفكرة والخطة، وهي التي سعى فيها تيودور هرتزل إلى تحقيق فكرته، وعقد لأجلها فيها مؤتمر بال، واستقروا على اختيار فلسطين وطناً لليهود، واتفقوا على ثلاثة أشياء رئيسية: أولاً: التشجيع على الهجرة بالدين والإعلام والمال. ثانياً: تنظيم اليهود في العالم عن طريق المؤتمرات والجمعيات السرية واللغة العبرية. ثالثاً: السعي إلى اعتراف دولي، وذهبوا إلى إنجلترا وألمانيا وروسيا والخلافة العثمانية، ووجدوا تجاوباً من إنجلترا، وإعراضاً من كل من الخلافة العثمانية وروسيا. المرحلة الثانية -أسميها-: مرحلة التأسيس، وفيها برز دور إنجلترا المهم في مساعدة اليهود، وقام فيها اليهود أيضاً بمجهود وفير، وكانت الغاية في هذه المرحلة: أولاً: إسقاط السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، وصناعة زعيم عميل لليهود والإنجليز هو مصطفى كمال أتاتورك. ثانياً: احتلال إنجلترا لفلسطين ووعد بلفور. ثالثاً: تقوية فكرة القومية العربية، والقومية التركية، وفصل الشعوب الإسلامية عن بعضها البعض. رابعاً: احتلال الجزء الأكبر من الخلافة العثمانية عن طريق إنجلترا وفرنسا وإيطاليا؛ حتى يشغل كل قطر بمصائبه، وبالتالي تخرج فلسطين من بؤرة اهتمام المسلمين. خامساً: إسقاط الخلافة العثمانية المانع الرئيسي لقيام دولة يهودية في فلسطين. ساساً: إسقاط الحكم القيصري في روسيا، وقيام الحكم الشيوعي الموالي لليهود. نتيجة هذه الأمور: أصبحت فلسطين محتلة بإنجلترا صديقة اليهود، والدول الإسلامية المحيطة -بما فيها تركيا- لا تفكر بفلسطين، وخلا الطريق لليهود.

стр. 68

مرحلة التهويد يبدأ الآن بعد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين مرحلة جديدة أسميها: مرحلة التهويد. هذه المرحلة تبدأ من سنة ١٩١٨م، وتنتهي في سنة ١٩٤٨م عند إعلان دولة إسرائيل، يعني: حوالي ثلاثين سنة، مرحلة خطيرة تدخلها فلسطين في هذه الفترة. الجنرال اللنبي الحاكم البريطاني على فلسطين يستدعي رجلاً من بريطانيا؛ ليساعده في إدارة أمور فلسطين، فمن يستدعي؟ يستدعي رجلاً هو هربرت صموئيل، أول وزير يهودي في الحكومة الإنجليزية؛ ليضعا سوياً القوانين المناسبة في فلسطين، بمعنى آخر: أن اليهود قد جلسوا مع الإنجليز أمام الستار وليس خلف الستار؛ لوضع خطة تحويل فلسطين المسلمة إلى إسرائيل اليهودية، فماذا فعلوا؟ الحقيقة وضعوا قوانين كثيرة ونظماً عدة، وأنا لا أريد أن أخوض في كثرة التفريعات؛ فآثرت أن أضم هذه المخططات اليهودية الإنجليزية في أربعة محاور رئيسية تشمل معظم أركان المخطط البشع:

стр. 69

الهجرة اليهودية المبرمجة والانتقائية إلى فلسطين المحور الأولى: الهجرة اليهودية إلى فلسطين. والحقيقة يا إخوان! أن ما فعله اليهود بتهجير شعب من أماكن متفرقة في العالم إلى مكان معين لاستعماره، وإخراج أهله منه أو قتلهم؛ يعد جريمة عظمى لم تتكرر في التاريخ إلا في حوادث معدودة، على سبيل المثال: حدثت من قبل في الأندلس، لما طرد وذبح المسلمون على يد الصليبيين الأسبان، وتحولت بذلك الأندلس من مملكة إسلامية إلى دولتين صليبيتين: أسبانيا والبرتغال، وقد أشرنا إلى ذلك في بدء المحاضرات. حدث ذلك أيضاً في أمريكا: لما طرد الأمريكان الهنود الحمر، وذبحوا منهم عشرين مليوناً، حتى تصبح أمريكا دولة متحضرة على حساب الهنود الحمر. وحدث ذلك أيضاً في أستراليا، لما فعل الإنجليز نفس الشيء مع سكان البلد الأصليين، كما فعل الأمريكان مع الهنود الحمر، جريمة كبرى، وأخلاق منحدرة، وإنسانية منعدمة. أريد أن ألفت النظر إلى بعض الحقائق الهامة الخاصة بقضية تهجير اليهود إلى فلسطين: أولاً: مجموعة من الأرقام: عدد اليهود في فلسطين في زمن الخليفة عبد الحميد الثاني ﵀ -ذكرناه في المحاضرة الرابعة- ٤٥٠٠ يهودي، كان ذلك حتى عام ١٩٠٩م عند عزل الخليفة عبد الحميد الثاني. في الفترة التي تولى فيها حزب الاتحاد والترقي الحكم الفعلي -وإن كانت الصورة صورة خليفة رمزي- من سنة ١٩٠٩م إلى سنة ١٩١٧م عند دخول الإنجليز إلى فلسطين وصل تعداد اليهود في فلسطين إلى (٥٠٠٠٠) يهودي، تخيلوا! تضاعفوا عشر مرات، من أقل من خمسة إلى خمسين. ومن هنا نعرف قيمة الخليفة، وقيمة الخلافة، لكن لما تكون كل دولة قومية منفصلة؛ فهذه هي النتائج، هذا العدد الخمسون ألف يهودي كانوا يمثلون ٨% فقط من عدد السكان في أواخر سنة ١٩١٧م يعني: مع كل هذه الزيادة من (٤٥٠٠) إلى (٥٠٠٠٠) كانوا يمثلون ٨% من سكان فلسطين في سنة ١٩١٧م، عندما أعطى بلفور وعده كما ذكرنا من قبل. في هذه المرحلة الجديدة مرحلة التهويد من سنة ١٩١٨م إلى سنة ١٩٤٨م في غضون هذه الثلاثين سنة وصل تعداد اليهود في أوائل سنة ١٩٤٨م إلى (٦٠٠٠٠٠) يهودي، وهو رقم رهيب في بلد صغير كفلسطين، أي: يمثلون نسبة ٣٢% من سكان فلسطين. ففي كل سنة كانوا يهجرون أفراداً من اليهود، مثلاً: في سنة ١٩٢٠م هجروا (٨٠٠٠) يهودي، وفي سنة ١٩٢٤م سنة سقوط الخلافة هجروا (١٣٠٠٠) يهودي، وفي ١٩٢٥م بعد أن أعلنوا سقوط الخلافة رسمياً هجَّروا (٣٤٠٠٠) يهودي، وهكذا إلى سنة ١٩٤٨م، وبعد سنة ١٩٤٨م إلى يومنا هذا ما زالوا مستمرين في نفس السياسة الإحلالية لشعب فلسطين. ثانياً: نوعية المهجرين: معظم المهاجرين من اليهود كانوا من الشبان الذين ينضمون إلى معسكرات التدريب في بولونيا أو إيطاليا أو النمسا، أو دول أوروبا الشرقية، أي: أن طليعة المهاجرين كانت عبارة عن جيش مدرب. كان اليهود يرفضون هجرة المعاقين، أو من يحتاجون إلى إعانة اجتماعية، فاليهود لم يكن لهم اهتمام بيهود العالم إلا أولئك الذين يريدون الذهاب إلى فلسطين. يقول (بن غوريون): لو عرض عليَّ إنقاذ كل أطفال ألمانيا من اليهود إلى إنجلترا أو إنقاذ نصفهم إلى فلسطين لاخترت الحل الثاني، هكذا يقول. حتى نعرف طبيعة اليهود. بل كان اليهود يشجعون على الهجرة بأبشع الطرق المتخيلة وغير المتخيلة، فكانوا يتعاونون مع هتلر الزعيم النازي الدموي المشهور، أشد الناس كراهية لليهود، كيف كانوا يتعاونون معه؟ اسمع ولا تتعجب فهم يهود! كانوا يكشفون له عن أماكن اليهود في ألمانيا وفرنسا وبولندا؛ ليقتلهم في نظير ترحيل الشخصيات اليهودية المرموقة إلى فلسطين، مع العلم أن الراغبين في الذهاب إلى فلسطين كانوا أقل من ٥% في ألمانيا وفرنسا وبولندا؛ ولذلك قتل عدداً ضخماً من اليهود هناك، سبحان الله! ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]. خلاصة هذا الانتقاء في التهجير أنه جاء إلى فلسطين مجموعات خاصة من اليهود؛ لتضع الأساس الأول للكيان الصهيوني البغيض، وتأسست بذلك مجموعة من العصابات العسكرية المشهورة: (عصابة الهاجانا): وهي العصابة الرئيسة، بلغ عدد أفرادها في سنة ١٩٤٨م اثنين وستين ألف جندي، وأصبحت بعد ذلك نواة لجيش الدفاع الإسرائيلي. (عصابة أرغن) ستة آلاف مسلح. (عصابة شترن) ثلاثمائة مسلح. ثالثاً: موقف إنجلترا من المهاجرين اليهود: الإمداد بالسلاح الحديث بصورة مستمرة، التدريب في معسكرات الإنجليز، الإيواء في المستوطنات التي تبنى على أرض فلسطين، إهداء قطع من أرض فلسطين لهم لإقامة المشاريع، الدفاع عنهم والوقوف بجانبهم إذا هجم عليهم الإرهابيون -طبعاً يقصدون الفلسطينيين، أطلقوا على من يدافعون عن بلادهم: إرهابيون- هذا كان موقف إنجلترا من الهجرة اليهودية؛ هذا هو وضع إنجلترا في تاريخ فلسطين. أذكر أنني كنت أحدث صديقاً في مقاطعة المنتجات اليهودية والأمريكية مساعدة للانتفاضة الفلسطينية، وذكرت له شركة من الشركات الغربية الضخمة، وقلت له: لعل هذا يهودي، ف

стр. 70

بذل شتى الوسائل لامتلاك الأراضي الفلسطينية المحور المهم في عملية التهويد: هو الأرض، وأنا هنا أريد منكم التركيز بشدة؛ لأنني سأذكر أرقاماً في غاية الأهمية، وترد على شبهات في غاية الخطورة: اليهود حرصوا من بداية الأمر على امتلاك أرض في فلسطين، وكان تيودور هرتزل كما ذكرنا يريد أن يدفع أموالاً طائلة للخليفة عبد الحميد الثاني ﵀ نظير قطعة صغيرة من الأرض. إذاً: امتلاك الأرض كان هدفاً يهودياً هاماً لتهويد الأرض الفلسطينية، لنسمع هذه الأرقام: في عهد الخليفة والخلافة كان اليهود عددهم (٤٥٠٠) يهودي، وكانوا لا يملكون شيئاً في فلسطين؛ وذلك لأنه لم يكن مسموحاً لهم بالتملك هناك. بعد سقوط الخليفة عبد الحميد الثاني ﵀ في سنة ١٩٠٩م إلى سنة ١٩١٧م، وفي ظل حكومة الاتحاد والترقي، وعن طريق الرشوة للحكام العلمانيين تملك اليهود ٢% من مساحة أرض فلسطين، ومساحة فلسطين كاملة: (٢٦. ٠٠٠) كيلو متر مربع، يعني: أن مساحتها أقل من مساحة سيناء، انظر إلى هذه الأرقام. من سنة ١٩١٨م إلى سنة ١٩٤٨م في ثلاثين سنة كم النسبة المئوية للأرض التي امتلكها اليهود. في هذه الثلاثين سنة زادوا في العدد من ٨% إلى ٣٢%، واسمعوا إلى هذه الحقيقة الغريبة: مع هذه الزيادة الضخمة في أعداد اليهود، إلا أن ممتلكاتهم من الأرض لم تصل إلا إلى ٥. ٧% فقط من أرض فلسطين، يعني: في ثلاثين سنة لم يقدروا على ضم شيء إلى أملاكهم إلا ٣. ٧% في المائة فقط من أرض فلسطين؛ لأنه كان هناك ٢% منها مملوكة عن طريق حزب الاتحاد والترقي كما ذكرنا قبل دخول الإنجليز. وعند تحليل هذه النسبة ٣. ٧% التي امتلكها اليهود في ثلاثين سنة تجد الآتي: ١. ٢% إهداء من حكومة الانتداب البريطاني بدون ثمن. ١. ٥% بيع من عائلات نصرانية لبنانية وسورية، مثل عائلات سرسك، والمطران، وتيان، هذه العائلات كانت تمتلك أرضاً في فلسطين على سبيل الاستثمار، فلما رأت أن الدائرة تدور على الأرض الفلسطينية، وأن اليهود والإنجليز يتسلحون ويتمكنون، وأن ما لم تبعه اليوم سيؤخذ منك عنوة في الغد، باعوا أرضهم، ورجعوا إلى بلادهم. يتبقى ١% فقط من الأرض، وهو الذي باعه الفلسطينيون أصحاب البلد، ولا شك أن من الخطأ أن يبيع الفلسطينيون أرضهم، واعتبر فقهاء فلسطين ذلك خيانة، وصدرت فتاوى كثيرة بتحريم بيع الأرض لليهود، ابتداء بفتوى سنة ١٩٢٢م للحاج أمين الحسيني مفتي القدس، ومروراً بعدد كبير من الفتاوى في السنوات التالية. ومن هذا الشعب الذي ليس فيه خائنون؟ من هذا الشعب الذي ليس فيه مفرطون وأصحاب مصالح؟ ومع ذلك كانوا قليلين جداً في فلسطين، ١% فقط من الأرض بيعت على غير رغبة العموم، ومع ذلك انتشرت بين العالمين -بما فيهم المسلمين- فرية عظيمة وشبهة منكرة تقول: لقد باع الفلسطينيون أرضهم لليهود، وكان لهذه الفرية كان ترويج صهيوني وعربي. أما الصهاينة فقد روجوا لها حتى يثبتوا أنهم اشتروا الأرض فهي حقهم، ومن أخذ هذا الحق منهم فهو ظالم أو معتد أو إرهابي، وليس مستغرباً أن يشيع اليهود هذه الفرية، ولكن لماذا روج العرب لهذه الفرية سواء عن قصد أو عن جهل؟ لماذا أعجبت الناس حتى رددوها جميعاً في مجالسهم فلا تسأل أحداً إلا ووجدته يعلم عن يقين أنهم باعوا أرضهم؟ ذلك لأمر واضح، وهو إسكات الضمير، وتسكين النفس، وإراحة البال، وتطمين القلب، وتهدئة الجوارح، وتفريغ الوقت والجهد والمال والعرق في مشاكل أخرى كثيرة تملأ على الناس حياتهم. نعم يا إخوة! نحن نضحك على أنفسنا لأجل أن نستريح، العمل لفلسطين يحتاج إلى مجهود وطاقة وعمل، فالأيسر علي أن أقول: إنهم باعوا أرضهم بأنفسهم؛ فيستحقون ما يحل بهم. لكن الحق أن ١% فقط من الأرض هو الذي باعه الفلسطينيون، وذكرنا تحليل ذلك على لسان أهل فلسطين. ولو فرضنا أنهم باعوا أكثر من ذلك فهل يبيح ذلك ترك البلاد؟ وهل يملك الفلسطينيون حق حكم الله للأرض حتى يبيعوه؟ حتى لو باعوا أكثر من ذلك على المسلمين أن يحرروا هذه الأرض، فيقروا اليهود على ما أخذوه بيعاً وشراء ما داموا معاهدين دافعين للجزية، ويأخذون عنوة ما أخذه اليهود عنوة، ويحكمون البلاد بشرع الله بدلاً من شرع اليهود المحرف، حكم الله، ومن أحسن من الله حكماً؟ لا أحد، كلام الله، ومن أصدق من الله حديثاً؟ لا أحد. إذاً: تحدثنا عن محورين أساسيين في قضية تهويد فلسطين وهما: المحور الأول: الاهتمام بالتهجير. المحور الثاني: الاهتمام بشراء الأرض، وإن كانوا لم يفلحوا كثيراً في هذا المجال.

стр. 71

السيطرة على الاقتصاد في فلسطين أما المحور الثالث في الخطة اليهودية الإنجليزية فهو: السيطرة على الاقتصاد في فلسطين. طبعاً الأموال اليهودية لا حصر لها كما هو معلوم، فحدث استقطاب عالمي لرءوس الأموال اليهودية؛ لتأتي وتقيم المشاريع في فلسطين، وهذه المشاريع الاقتصادية أجنبية، وإعطاء تسهيلات لإنعاش الاقتصاد -كما يقولون- كانت أحد الأسباب المباشرة لتمكين اليهود من احتلال فلسطين، فلنحذر أن يتكرر ذلك في قطر آخر، فقد حدث هذا النوع من الاحتلال الاقتصادي في فلسطين، بالإضافة إلى الاحتلال العسكري. وإن رسول الله ﷺ كان يعلم خطورة هذا الاحتلال الاقتصادي؛ لأجل هذا عندما دخل المدينة المنورة وآخى بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وعلم أنه قد أصبحت له دولة، بدأ يؤمن وضع الدولة الاقتصادي، سبحان الله! دين متكامل شامل: اقتصاد سياسة اجتماع جهاد صلاة رياضة سياحة قضاء، كل نواحي الحياة وفروعها. دين عجيب: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، دين محكم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، دين قيم عظيم، نعتز ونفتخر ونسعد بالانتماء إليه. كان رسول الله ﷺ في أوائل أيامه في المدينة يسعى إلى تأمين الوضع الاقتصادي، أمن الماء أولاً، فأمر بشراء بئر رومة، وكان يملكه يهودي. واضح أن الصراع قديم جداً مع اليهود. ثانياً: أمر ببناء سوق خاص بالمسلمين؛ حتى يستغني به عن أسواق اليهود، فقد كان اليهود يسيطرون على تجارة المدينة من خلال سوق بني قينقاع، فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ أمر بالبحث عن مكان لسوق المسلمين، وجرت أكثر من محاولة للبحث، ولم يصلوا إلى مكان مناسب إلا بعد جهد جهيد، روى الطبراني وابن ماجه عن أبي أسيد ﵁: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي! إني قد رأيت موضعاً للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى! فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركضه برجله ثم قال: نعم، هذا سوقكم، فلا ينتقصن، ولا يضربن عليه خراج)، وشجع المسلمين على التجارة فظهر التجار، وشجع على الزراعة فظهر الزراع، وشجع على الصناعة فظهر الصناع، وشجع الناس جميعاً على العمل مهما كان العمل بسيطاً ما دام شريفاً، روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لئن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه). وبذلك تحولت المدينة المنورة إلى خلية نحل، الكل يعمل لتقوية الاقتصاد الإسلامي، ولتحريره من سيطرة اليهود في المدينة، وهم في ذلك كله يبتغون وجه الله تعالى. سبحان الله! ما أسعدهم. أما الوضع في فلسطين فهو مختلف تماماً، اليهود سيطروا على معظم الاقتصاد في فلسطين، ولم تكن إنجلترا سلبية، بل ساعدت اليهود بسن قوانين تمكن لهم ذلك، من هذه القوانين: أولاً: رفع الضرائب والجمارك على المنتجات المستوردة شبيهة المنتجات اليهودية؛ حتى تسوق المنتجات اليهودية. ثانياً: تخفيض الضرائب جداً على المواد الخام المستوردة التي يحتاجها اليهود في صناعتهم. ثالثاً: تسليم اليهود المشاريع الضخمة المؤثرة -والمفروض أن هذه المشاريع تكون ملكاً للدولة- مثل شركات الكهرباء، واستغلال أملاح ومعادن البحر الميت. أضرب لذلك مثالاً سريعاً يوضح وضع مدينة القدس الاقتصادي؛ حتى نتخيل السيطرة اليهودية على فلسطين: القدس كان فيها تسعة عشر مصرفاً، لليهود من هذه المصارف أربعة عشر مصرفاً. القدس كان فيها اثنان وأربعون شركة لبيع أدوات البناء، لليهود منها ثلاثون شركة. القدس كان فيها اثنان وستون شركة لشراء الأرض، اليهود لهم في هذه الشركات ستون شركة. القدس كان فيها ست شركات آلات زراعية، لليهود خمس منها. القدس كان فيها خمس وخمسون شركة للمقاولات الهندسية، لليهود منها أربعة وخمسون. القدس كان فيها خمس وستون شركة طباعة، كلها لليهود. ست عشرة شركة أدوية وأملاح ومعادن كلها لليهود. طبعاً الوضع الاقتصادي المتردي للفلسطينيين والمتفوق لليهود كان من الدعامات الأساسية لتمكين اليهود من الاحتلال لفلسطين. إذاً: تحدثنا إلى الآن عن ثلاثة محاور رئيسية استخدمها اليهود للسيطرة على فلسطين وتهويدها: محور التهجير، ومحور الأرض، ومحور السيطرة على الاقتصاد في فلسطين.

стр. 72

سيطرة اليهود على التعليم والإعلام في فلسطين بقي لنا المحور الرابع والخطير جداً، ألا وهو: التعليم والإعلام، وهما من أنجح الوسائل لتربية شعب أو لهدمه، فالتعليم والإعلام هما السلاحان الرئيسان للمؤامرة الفكرية، والتي ذكرنا خطورتها في أول محاضرة في هذه المجموعة. فاليهود لم يكونوا يسيطرون على الإعلام في فلسطين فقط، بل كانوا يسيطرون على الإعلام في العالم، وكم من المرات يستخدمونه لإثبات حقوق باطلة، ولإلغاء حقوق صحيحة، وأنا سأتحدث عن إعلام اليهود في محاضرة لاحقة إن شاء الله في نفس المجموعة، لكن أود هنا أن أشير بسرعة إلى بعض النقاط في قضية التعليم اليهودي في فلسطين: أولاً: الاهتمام بالتعليم كان مبكراً جداً، لدرجة أنه في سنة ١٩٢١م -يعني: بعد أقل من أربع سنوات من دخول الإنجليز إلى فلسطين- جاء ونستون تشرشل بنفسه -وكان آنذاك وزير المستعمرات البريطاني- من إنجلترا ليضع حجر الأساس للجامعة العبرية فوق جبل الزيتون. ثانياً: أنشأ اليهود دائرة تعليم خاصة بهم دون الفلسطينيين يكون التدريس فيها بالعبرية، فمن أيام تيودور هرتزل واليهود يحرصون على تعليم الناس العبرية كلغة أولى وأساسية، ليس فقط لتجميع الناس حول لغة واحدة، ولكن أيضاً لإدخال الاعتزاز بهذه اللغة وهذا الدين وهذه الأرض التي تتكلم بلغة موحدة. فإن قيل: يا يهود! يمكن أن تكون لغة الطفل الإنجليزية ليست جيدة. يقولون: ليس بمهم، المهم العبرية. وإن قيل: يا يهود! هذا الولد قد لا يقدر أن يسافر للخارج لبعثة أو خلافه، يقولون: ليس بمهم، سيتعلم ذلك عندما يسافر. وإن قيل: يا يهود! هذا الولد قد لا يجد عملاً عندما يكبر، وكل الفرص موجودة للذي يعرف كيف يتحدث الإنجليزية. يقولون: ليس بمهم، خوفاً من أن يضعف الولد في العبرية أو يحب اللغة الإنجليزية أكثر من العبرية، أو لا يعرف كيف يقرأ التوراة. لن أزيد في التكلم عن هذا واللبيب بالإشارة يفهم. ثالثاً: اليهود في مدارسهم بدءوا يزرعون في قلوب أبنائهم الكراهية للفلسطينيين، ويثبتون في عقيدتهم أن الفلسطينيين معتدون إرهابيون، يريدون أن يخرجوكم من أرضكم بإرهابهم، فماذا تأمرون؟ يذكر لي أحد الإخوة من فلسطين أن اليهود كانوا يوزعون على الأطفال في المدارس شوكولاتة مرة جداً، ويقولون لهم: هذه جاءتكم من جاركم الفلسطيني، فيأكلها الأطفال فيجدونها مرة، فيعلمون أنه لا يأتيهم من أهل فلسطين إلا المرارة، مع أن بعض البلاد الإسلامية حذفت من مناهجها للأطفال الآيات والأحاديث التي تحض على قتال اليهود، وحذفت الغزوات النبوية ضد اليهود؛ حتى ترسخ في اليهود أنهم أصدقاء، وأبى الله ذلك والمؤمنون: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]. المهم أن هذه هي المحاور الأربعة الرئيسية التي استخدمها اليهود كي يقوموا بتهويد فلسطين، من سنة ١٩١٨م إلى سنة ١٩٤٨م.

стр. 73

موقف الفلسطينيين في أرض فلسطين من عملية التهويد سؤال في غاية الأهمية: ما هو موقف الفلسطينيين في أرض فلسطين من عملية التهويد البشعة التي قام بها اليهود بمساعدة إنجلترا؟ كما ذكرنا أنه في بادئ الأمر في أول سنة أو سنتين كانت هناك غفلة كبيرة جداً في الشعب، ولعلكم تذكرون البيان المضحك الذي ألقته الجمعية الإسلامية المسيحية بمناسبة مرور عام على احتلال فلسطين، لكن ما لبثت بحمد الله أن أدركت طائفة كبيرة من الشعب أن القوة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن الإنجليز ما هم إلا أصحاب مصالح، وأن اليهود إن تركوا بلا رادع فسيأكلون الأرض ومن عليها، وأن النصر لا يستورد من خارج البلاد، وأن البلاد المحيطة بهم في سبات عميق، وأن الحق لا بد له من قوة تحميه، وأن الله ينصر من ينصره، ويخذل من يبعد عنه ويناوئه، لما أدركوا هذه الحقائق الواضحة كالشمس في كبد السماء؛ قاموا ولم يقعدوا، وبدأت الثورات في كل أرض فلسطين، وظهرت أمثلة عظيمة من الرجال.

стр. 74

الثورات الفلسطينية التي قادها مفتي القدس الحسيني كانت الثورات تحدث بصورة منتظمة، سنة ١٩١٩م وسنة ١٩٢٠م وسنة ١٩٢١م، وثورة البراق المشهورة سنة ١٩٢٩م وقاد هذه الثورات الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس، والذي غير كلية من أفكاره القومية بعد أن رأى واقع الإنجليز واليهود، وما حدث للخلافة في تركيا، وبعد ظهور أوراق المؤامرة للجميع، وأصبح الرجل - أمين الحسيني - من رموز فلسطين الثائرة. وهو الذي ظل ينظم المسيرات، ويعقد المؤتمرات خارج وداخل فلسطين، ولكن مع كل هذا النشاط إلا أن طابع الثورات كان سلمياً إلى حد كبير، ولفترة طويلة، من سنة ١٩١٩م إلى سنة ١٩٣١م عندما هرب المفتي من البلاد؛ لمطاردة الإنجليز له، واستقر في لبنان. بل إن الأمر كان لا يخلو أحياناً من مجاملات للإنجليز في الكلام والمؤتمرات؛ على أمل أن يستيقظ عدلهم، وهيهات! فعدل الإنجليز لم يكن نائماً، بل كان ميتاً، والموتى لا يعودون إلى يوم القيامة.

стр. 75

شخصية عز الدين القسام وجهاده على أرض فلسطين لكن طابع الثورات تغير كثيراً، وبدأت تأخذ مأخذ الجد، وتطبع بطابع الجهاد الأصيل؛ لما ظهرت شخصية عظيمة في أرض فلسطين جددت للأمة أمر دينها، وهو عز الدين القسام ﵀. بطل مسلم، وعالم جليل، ومجاهد في سبيل الله، ورائد من رواد الكفاح ضد الاستعمار، رجل عجيب ﵀. ولد في سوريا -وليس في فلسطين- سنة ١٨٧١م، ودرس في منارة مصر في الأزهر الشريف، وعاد إلى سوريا فوجد الاحتلال الفرنسي قد بدأ، فقاومه ببسالة حتى حكم عليه بالإعدام، وهرب إلى فلسطين، وهناك قام بالمقاومة ضد الإنجليز واليهود، سبحان الله! كل أرض المسلمين أرضه، وكل أعداء المسلمين أعداؤه. نشأ عز الدين القسام ﵀ في بيت بسيط جداً في سوريا، يعيش هو وأبوه وأمه وإخوته الكثر في غرفة واحدة، بل في ركن من أركانها، وتعيش في الركن الآخر من ذات الحجرة بقرة يمتلكونها، ومع ذلك فمن هذا المكان المتواضع خرجت شخصية عظيمة جليلة كشخصية عز الدين القسام ﵀. وصل إلى أرض فلسطين في سنة ١٩٢٢م؛ هرباً من حكم الإعدام الفرنسي، وهنا في فلسطين بدأ في أناة وصبر يكون جيلاً جديداً يؤمن بالجهاد طريقاً للتحرير، وظل ثلاث سنوات يعلم ويربي، وينظم ويرتب، وعمل خلال هذه السنوات الثلاث مدرساً وخطيباً، واتصل بكل طوائف الشعب الفلسطيني، وأعطى انطباعاً مختلفاً تماماً عن العلماء، فلم يكن يهتم بتزيين المساجد، والاحتفال بالموالد والأعياد، والحديث في الفرعيات، بل كان يدعوهم إلى التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإلى الحب في الله والبغض في الله، وإلى الجهاد في سبيل الله، وكان يعلمهم أن الحقوق تؤخذ ولا تمنح. ثم في سنة ١٩٢٥م كون جماعة سرية مسلحة لتحرير فلسطين، وجعل فيها اختصاصات متعددة، ما بين فدائية عسكرية، وتعليمية إرشادية، وتمويلية اقتصادية، وسياسية تفاوضية، وجماهيرية تفاعلية، واجتماعية تعاونية؛ جماعة متكاملة شاملة. ووصل عدد المنضمين إلى جماعة القسام في سنة ١٩٣٠م إلى أكثر من ألف رجل، قسمهم عز الدين القسام إلى مجموعات صغيرة، كل مجموعة مكونة من خمسة أفراد عليهم رجل، وذلك على نسق مجموعات الأرقم بن أبي الأرقم، أو مجموعات بيعة العقبة الثانية لرسول الله ﷺ ، وأخذ أعوان القسام يتزايدون، ورغب البعض في إعلان الثورة المسلحة مبكراً، لكن عز الدين القسام كان قد استفاد من تجربة التسرع في سوريا، فلم يسمح بذلك، بل صبر حتى يأتي المناخ المناسب لإعلان الثورة المسلحة، وتطوير الجهاد في فلسطين، من مجرد مظاهرات ومؤتمرات، إلى سلاح ودماء وشهداء. وقد هيأ الله المناخ المناسب بين سنتي (١٩٣٣) م و (١٩٣٥) م، وذلك لما تزايدت الهجرة اليهودية في سنة (١٩٣٣) م، فقد هاجر ٣٠٠٠٠ يهودي إلى فلسطين، وفي سنة (١٩٣٥) م هاجر ستون ألف يهودي إلى فلسطين. لما تزايدت الهجرة اليهودية، وشعر عموم أهل فلسطين بالخطر، وأيقن الشيخ عز الدين القسام أنه لو قام الآن لقام معه كثير من أهل فلسطين من غير جماعته، وهنا أعلن الثورة المسلحة في أكتوبر سنة (١٩٣٥) م، وبدأ القتال بالسلاح في أماكن مختلفة من شمال فلسطين، وبالذات في حيفا، حيث كان يسكن الشيخ القسام ﵀، وكان الهدف استعادة دوائر الحكومة، ومراكز الشرطة والميناء، وإعلان حكومة وطنية، وبدأ الشعب يعيش حلاوة الجهاد، واشترك الشيخ عز الدين القسام بنفسه في القتال، وكان يبلغ من العمر أربعة وستين عاماً، وسبحان الله! بعد أقل من شهر، وفي عشرين نوفمبر سنة ١٩٣٥م لقي الشيخ المجاهد عز الدين القسام ما كان يتمنى، وما عاش لأجله، لقي الشهادة في سبيل الله صابراً محتسباً، حاملاً لسلاحه، رافعاً لرأسه، معلماً لأمته، استشهد في موقعة قرب جنين بأيدي الإنجليز، فاضت روحه الطاهرة ﵀، فظن الإنجليز واليهود أن الثورة قد أخمدت بموت قائدها، وظنوا أن هذه كانت النهاية لكتائب عز الدين القسام ﵀، لكن خاب ظنهم، وبار مكرهم، وجعل كيدهم في نحورهم. يخطئ من يظن أنه جاهد أياماً فقط ثم مات، بل جاهد سنوات وسنوات، كان يربي الشعب، ويعدل من مساره، والتربية جهاد وأي جهاد. كان استشهاد البطل المجاهد عز الدين القسام شرارة أشعلت الجهاد في قلوب الفلسطينيين، لم تكن النهاية أبداً، بل كانت البداية التي أيقظت الشعب المسلم، نقل القسام ﵀ القضية من دور الكلام إلى دور العمل، وفتح بالقضية باب الجد، ودق بيده المضرجة بالدماء باب المجد، مات ولكن لم تمت كلماته: ليبع أحدكم كل شيء يملكه وليشتر السلاح، ومن ساعتها والشيخ القسام رمز لم ينس، ولن ينسى في تاريخ فلسطين والمسلمين. وحمل الراية من بعده الشيخ فرحان السعدي، ودعا إلى الجهاد المسلح ضد الإنجليز واليهود، وتمكن الإنجليز من ا
следующие страницы →