Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السيطرة على الاقتصاد في فلسطين
أما المحور الثالث في الخطة اليهودية الإنجليزية فهو: السيطرة على الاقتصاد في فلسطين.
طبعاً الأموال اليهودية لا حصر لها كما هو معلوم، فحدث استقطاب عالمي لرءوس الأموال اليهودية؛ لتأتي وتقيم المشاريع في فلسطين، وهذه المشاريع الاقتصادية أجنبية، وإعطاء تسهيلات لإنعاش الاقتصاد -كما يقولون- كانت أحد الأسباب المباشرة لتمكين اليهود من احتلال فلسطين، فلنحذر أن يتكرر ذلك في قطر آخر، فقد حدث هذا النوع من الاحتلال الاقتصادي في فلسطين، بالإضافة إلى الاحتلال العسكري.
وإن رسول الله ﷺ كان يعلم خطورة هذا الاحتلال الاقتصادي؛ لأجل هذا عندما دخل المدينة المنورة وآخى بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وعلم أنه قد أصبحت له دولة، بدأ يؤمن وضع الدولة الاقتصادي، سبحان الله! دين متكامل شامل: اقتصاد سياسة اجتماع جهاد صلاة رياضة سياحة قضاء، كل نواحي الحياة وفروعها.
دين عجيب: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، دين محكم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، دين قيم عظيم، نعتز ونفتخر ونسعد بالانتماء إليه.
كان رسول الله ﷺ في أوائل أيامه في المدينة يسعى إلى تأمين الوضع الاقتصادي، أمن الماء أولاً، فأمر بشراء بئر رومة، وكان يملكه يهودي.
واضح أن الصراع قديم جداً مع اليهود.
ثانياً: أمر ببناء سوق خاص بالمسلمين؛ حتى يستغني به عن أسواق اليهود، فقد كان اليهود يسيطرون على تجارة المدينة من خلال سوق بني قينقاع، فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ أمر بالبحث عن مكان لسوق المسلمين، وجرت أكثر من محاولة للبحث، ولم يصلوا إلى مكان مناسب إلا بعد جهد جهيد، روى الطبراني وابن ماجه عن أبي أسيد ﵁: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي! إني قد رأيت موضعاً للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى! فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركضه برجله ثم قال: نعم، هذا سوقكم، فلا ينتقصن، ولا يضربن عليه خراج)، وشجع المسلمين على التجارة فظهر التجار، وشجع على الزراعة فظهر الزراع، وشجع على الصناعة فظهر الصناع، وشجع الناس جميعاً على العمل مهما كان العمل بسيطاً ما دام شريفاً، روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لئن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه).
وبذلك تحولت المدينة المنورة إلى خلية نحل، الكل يعمل لتقوية الاقتصاد الإسلامي، ولتحريره من سيطرة اليهود في المدينة، وهم في ذلك كله يبتغون وجه الله تعالى.
سبحان الله! ما أسعدهم.
أما الوضع في فلسطين فهو مختلف تماماً، اليهود سيطروا على معظم الاقتصاد في فلسطين، ولم تكن إنجلترا سلبية، بل ساعدت اليهود بسن قوانين تمكن لهم ذلك، من هذه القوانين: أولاً: رفع الضرائب والجمارك على المنتجات المستوردة شبيهة المنتجات اليهودية؛ حتى تسوق المنتجات اليهودية.
ثانياً: تخفيض الضرائب جداً على المواد الخام المستوردة التي يحتاجها اليهود في صناعتهم.
ثالثاً: تسليم اليهود المشاريع الضخمة المؤثرة -والمفروض أن هذه المشاريع تكون ملكاً للدولة- مثل شركات الكهرباء، واستغلال أملاح ومعادن البحر الميت.
أضرب لذلك مثالاً سريعاً يوضح وضع مدينة القدس الاقتصادي؛ حتى نتخيل السيطرة اليهودية على فلسطين: القدس كان فيها تسعة عشر مصرفاً، لليهود من هذه المصارف أربعة عشر مصرفاً.
القدس كان فيها اثنان وأربعون شركة لبيع أدوات البناء، لليهود منها ثلاثون شركة.
القدس كان فيها اثنان وستون شركة لشراء الأرض، اليهود لهم في هذه الشركات ستون شركة.
القدس كان فيها ست شركات آلات زراعية، لليهود خمس منها.
القدس كان فيها خمس وخمسون شركة للمقاولات الهندسية، لليهود منها أربعة وخمسون.
القدس كان فيها خمس وستون شركة طباعة، كلها لليهود.
ست عشرة شركة أدوية وأملاح ومعادن كلها لليهود.
طبعاً الوضع الاقتصادي المتردي للفلسطينيين والمتفوق لليهود كان من الدعامات الأساسية لتمكين اليهود من الاحتلال لفلسطين.
إذاً: تحدثنا إلى الآن عن ثلاثة محاور رئيسية استخدمها اليهود للسيطرة على فلسطين وتهويدها: محور التهجير، ومحور الأرض، ومحور السيطرة على الاقتصاد في فلسطين.
стр. 72
سيطرة اليهود على التعليم والإعلام في فلسطين
بقي لنا المحور الرابع والخطير جداً، ألا وهو: التعليم والإعلام، وهما من أنجح الوسائل لتربية شعب أو لهدمه، فالتعليم والإعلام هما السلاحان الرئيسان للمؤامرة الفكرية، والتي ذكرنا خطورتها في أول محاضرة في هذه المجموعة.
فاليهود لم يكونوا يسيطرون على الإعلام في فلسطين فقط، بل كانوا يسيطرون على الإعلام في العالم، وكم من المرات يستخدمونه لإثبات حقوق باطلة، ولإلغاء حقوق صحيحة، وأنا سأتحدث عن إعلام اليهود في محاضرة لاحقة إن شاء الله في نفس المجموعة، لكن أود هنا أن أشير بسرعة إلى بعض النقاط في قضية التعليم اليهودي في فلسطين: أولاً: الاهتمام بالتعليم كان مبكراً جداً، لدرجة أنه في سنة ١٩٢١م -يعني: بعد أقل من أربع سنوات من دخول الإنجليز إلى فلسطين- جاء ونستون تشرشل بنفسه -وكان آنذاك وزير المستعمرات البريطاني- من إنجلترا ليضع حجر الأساس للجامعة العبرية فوق جبل الزيتون.
ثانياً: أنشأ اليهود دائرة تعليم خاصة بهم دون الفلسطينيين يكون التدريس فيها بالعبرية، فمن أيام تيودور هرتزل واليهود يحرصون على تعليم الناس العبرية كلغة أولى وأساسية، ليس فقط لتجميع الناس حول لغة واحدة، ولكن أيضاً لإدخال الاعتزاز بهذه اللغة وهذا الدين وهذه الأرض التي تتكلم بلغة موحدة.
فإن قيل: يا يهود! يمكن أن تكون لغة الطفل الإنجليزية ليست جيدة.
يقولون: ليس بمهم، المهم العبرية.
وإن قيل: يا يهود! هذا الولد قد لا يقدر أن يسافر للخارج لبعثة أو خلافه، يقولون: ليس بمهم، سيتعلم ذلك عندما يسافر.
وإن قيل: يا يهود! هذا الولد قد لا يجد عملاً عندما يكبر، وكل الفرص موجودة للذي يعرف كيف يتحدث الإنجليزية.
يقولون: ليس بمهم، خوفاً من أن يضعف الولد في العبرية أو يحب اللغة الإنجليزية أكثر من العبرية، أو لا يعرف كيف يقرأ التوراة.
لن أزيد في التكلم عن هذا واللبيب بالإشارة يفهم.
ثالثاً: اليهود في مدارسهم بدءوا يزرعون في قلوب أبنائهم الكراهية للفلسطينيين، ويثبتون في عقيدتهم أن الفلسطينيين معتدون إرهابيون، يريدون أن يخرجوكم من أرضكم بإرهابهم، فماذا تأمرون؟ يذكر لي أحد الإخوة من فلسطين أن اليهود كانوا يوزعون على الأطفال في المدارس شوكولاتة مرة جداً، ويقولون لهم: هذه جاءتكم من جاركم الفلسطيني، فيأكلها الأطفال فيجدونها مرة، فيعلمون أنه لا يأتيهم من أهل فلسطين إلا المرارة، مع أن بعض البلاد الإسلامية حذفت من مناهجها للأطفال الآيات والأحاديث التي تحض على قتال اليهود، وحذفت الغزوات النبوية ضد اليهود؛ حتى ترسخ في اليهود أنهم أصدقاء، وأبى الله ذلك والمؤمنون: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].
المهم أن هذه هي المحاور الأربعة الرئيسية التي استخدمها اليهود كي يقوموا بتهويد فلسطين، من سنة ١٩١٨م إلى سنة ١٩٤٨م.
стр. 73
موقف الفلسطينيين في أرض فلسطين من عملية التهويد
سؤال في غاية الأهمية: ما هو موقف الفلسطينيين في أرض فلسطين من عملية التهويد البشعة التي قام بها اليهود بمساعدة إنجلترا؟ كما ذكرنا أنه في بادئ الأمر في أول سنة أو سنتين كانت هناك غفلة كبيرة جداً في الشعب، ولعلكم تذكرون البيان المضحك الذي ألقته الجمعية الإسلامية المسيحية بمناسبة مرور عام على احتلال فلسطين، لكن ما لبثت بحمد الله أن أدركت طائفة كبيرة من الشعب أن القوة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن الإنجليز ما هم إلا أصحاب مصالح، وأن اليهود إن تركوا بلا رادع فسيأكلون الأرض ومن عليها، وأن النصر لا يستورد من خارج البلاد، وأن البلاد المحيطة بهم في سبات عميق، وأن الحق لا بد له من قوة تحميه، وأن الله ينصر من ينصره، ويخذل من يبعد عنه ويناوئه، لما أدركوا هذه الحقائق الواضحة كالشمس في كبد السماء؛ قاموا ولم يقعدوا، وبدأت الثورات في كل أرض فلسطين، وظهرت أمثلة عظيمة من الرجال.
стр. 74
الثورات الفلسطينية التي قادها مفتي القدس الحسيني
كانت الثورات تحدث بصورة منتظمة، سنة ١٩١٩م وسنة ١٩٢٠م وسنة ١٩٢١م، وثورة البراق المشهورة سنة ١٩٢٩م وقاد هذه الثورات الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس، والذي غير كلية من أفكاره القومية بعد أن رأى واقع الإنجليز واليهود، وما حدث للخلافة في تركيا، وبعد ظهور أوراق المؤامرة للجميع، وأصبح الرجل - أمين الحسيني - من رموز فلسطين الثائرة.
وهو الذي ظل ينظم المسيرات، ويعقد المؤتمرات خارج وداخل فلسطين، ولكن مع كل هذا النشاط إلا أن طابع الثورات كان سلمياً إلى حد كبير، ولفترة طويلة، من سنة ١٩١٩م إلى سنة ١٩٣١م عندما هرب المفتي من البلاد؛ لمطاردة الإنجليز له، واستقر في لبنان.
بل إن الأمر كان لا يخلو أحياناً من مجاملات للإنجليز في الكلام والمؤتمرات؛ على أمل أن يستيقظ عدلهم، وهيهات! فعدل الإنجليز لم يكن نائماً، بل كان ميتاً، والموتى لا يعودون إلى يوم القيامة.
стр. 75
شخصية عز الدين القسام وجهاده على أرض فلسطين
لكن طابع الثورات تغير كثيراً، وبدأت تأخذ مأخذ الجد، وتطبع بطابع الجهاد الأصيل؛ لما ظهرت شخصية عظيمة في أرض فلسطين جددت للأمة أمر دينها، وهو عز الدين القسام ﵀.
بطل مسلم، وعالم جليل، ومجاهد في سبيل الله، ورائد من رواد الكفاح ضد الاستعمار، رجل عجيب ﵀.
ولد في سوريا -وليس في فلسطين- سنة ١٨٧١م، ودرس في منارة مصر في الأزهر الشريف، وعاد إلى سوريا فوجد الاحتلال الفرنسي قد بدأ، فقاومه ببسالة حتى حكم عليه بالإعدام، وهرب إلى فلسطين، وهناك قام بالمقاومة ضد الإنجليز واليهود، سبحان الله! كل أرض المسلمين أرضه، وكل أعداء المسلمين أعداؤه.
نشأ عز الدين القسام ﵀ في بيت بسيط جداً في سوريا، يعيش هو وأبوه وأمه وإخوته الكثر في غرفة واحدة، بل في ركن من أركانها، وتعيش في الركن الآخر من ذات الحجرة بقرة يمتلكونها، ومع ذلك فمن هذا المكان المتواضع خرجت شخصية عظيمة جليلة كشخصية عز الدين القسام ﵀.
وصل إلى أرض فلسطين في سنة ١٩٢٢م؛ هرباً من حكم الإعدام الفرنسي، وهنا في فلسطين بدأ في أناة وصبر يكون جيلاً جديداً يؤمن بالجهاد طريقاً للتحرير، وظل ثلاث سنوات يعلم ويربي، وينظم ويرتب، وعمل خلال هذه السنوات الثلاث مدرساً وخطيباً، واتصل بكل طوائف الشعب الفلسطيني، وأعطى انطباعاً مختلفاً تماماً عن العلماء، فلم يكن يهتم بتزيين المساجد، والاحتفال بالموالد والأعياد، والحديث في الفرعيات، بل كان يدعوهم إلى التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإلى الحب في الله والبغض في الله، وإلى الجهاد في سبيل الله، وكان يعلمهم أن الحقوق تؤخذ ولا تمنح.
ثم في سنة ١٩٢٥م كون جماعة سرية مسلحة لتحرير فلسطين، وجعل فيها اختصاصات متعددة، ما بين فدائية عسكرية، وتعليمية إرشادية، وتمويلية اقتصادية، وسياسية تفاوضية، وجماهيرية تفاعلية، واجتماعية تعاونية؛ جماعة متكاملة شاملة.
ووصل عدد المنضمين إلى جماعة القسام في سنة ١٩٣٠م إلى أكثر من ألف رجل، قسمهم عز الدين القسام إلى مجموعات صغيرة، كل مجموعة مكونة من خمسة أفراد عليهم رجل، وذلك على نسق مجموعات الأرقم بن أبي الأرقم، أو مجموعات بيعة العقبة الثانية لرسول الله ﷺ ، وأخذ أعوان القسام يتزايدون، ورغب البعض في إعلان الثورة المسلحة مبكراً، لكن عز الدين القسام كان قد استفاد من تجربة التسرع في سوريا، فلم يسمح بذلك، بل صبر حتى يأتي المناخ المناسب لإعلان الثورة المسلحة، وتطوير الجهاد في فلسطين، من مجرد مظاهرات ومؤتمرات، إلى سلاح ودماء وشهداء.
وقد هيأ الله المناخ المناسب بين سنتي (١٩٣٣) م و (١٩٣٥) م، وذلك لما تزايدت الهجرة اليهودية في سنة (١٩٣٣) م، فقد هاجر ٣٠٠٠٠ يهودي إلى فلسطين، وفي سنة (١٩٣٥) م هاجر ستون ألف يهودي إلى فلسطين.
لما تزايدت الهجرة اليهودية، وشعر عموم أهل فلسطين بالخطر، وأيقن الشيخ عز الدين القسام أنه لو قام الآن لقام معه كثير من أهل فلسطين من غير جماعته، وهنا أعلن الثورة المسلحة في أكتوبر سنة (١٩٣٥) م، وبدأ القتال بالسلاح في أماكن مختلفة من شمال فلسطين، وبالذات في حيفا، حيث كان يسكن الشيخ القسام ﵀، وكان الهدف استعادة دوائر الحكومة، ومراكز الشرطة والميناء، وإعلان حكومة وطنية، وبدأ الشعب يعيش حلاوة الجهاد، واشترك الشيخ عز الدين القسام بنفسه في القتال، وكان يبلغ من العمر أربعة وستين عاماً، وسبحان الله! بعد أقل من شهر، وفي عشرين نوفمبر سنة ١٩٣٥م لقي الشيخ المجاهد عز الدين القسام ما كان يتمنى، وما عاش لأجله، لقي الشهادة في سبيل الله صابراً محتسباً، حاملاً لسلاحه، رافعاً لرأسه، معلماً لأمته، استشهد في موقعة قرب جنين بأيدي الإنجليز، فاضت روحه الطاهرة ﵀، فظن الإنجليز واليهود أن الثورة قد أخمدت بموت قائدها، وظنوا أن هذه كانت النهاية لكتائب عز الدين القسام ﵀، لكن خاب ظنهم، وبار مكرهم، وجعل كيدهم في نحورهم.
يخطئ من يظن أنه جاهد أياماً فقط ثم مات، بل جاهد سنوات وسنوات، كان يربي الشعب، ويعدل من مساره، والتربية جهاد وأي جهاد.
كان استشهاد البطل المجاهد عز الدين القسام شرارة أشعلت الجهاد في قلوب الفلسطينيين، لم تكن النهاية أبداً، بل كانت البداية التي أيقظت الشعب المسلم، نقل القسام ﵀ القضية من دور الكلام إلى دور العمل، وفتح بالقضية باب الجد، ودق بيده المضرجة بالدماء باب المجد، مات ولكن لم تمت كلماته: ليبع أحدكم كل شيء يملكه وليشتر السلاح، ومن ساعتها والشيخ القسام رمز لم ينس، ولن ينسى في تاريخ فلسطين والمسلمين.
وحمل الراية من بعده الشيخ فرحان السعدي، ودعا إلى الجهاد المسلح ضد الإنجليز واليهود، وتمكن الإنجليز من ا
стр. 76
سلسلة فلسطين_ جريمة التقسيم
من حكمة الله في عباده أن يبتليهم؛ ليمحص المؤمنين ويمحق الكافرين، ومن ذلك ما ظهر جلياً في الحرب العالمية الثانية وبعد انتهائها من أحزان على المسلمين في قضيتهم الكبرى فلسطين، فقد تآمر المتآمرون في هذا العقد على بيعها أو تقسيمها، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 77
ملخص مراحل إقامة دولة يهود في فلسطين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، ربنا اجعلنا لك شكّارين، لك ذكّارين، لك رهّابين، لك مطواعين، إليك مخبتين أوّاهين منيبين، ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم قلوبنا.
آمين آمين.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
أما بعد: فمع المحاضرة السابعة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين.
وتحدثنا في المحاضرات الثلاث السابقة عن المراحل التي قام اليهود بتنفيذها لإقامة دولتهم في فلسطين، وذكرنا منها ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة الفكرة والخطة، وبدأت منذ مؤتمر بال أو قبله بقليل، واستمرت حتى وضعوا أيديهم في يد بريطانيا.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة التأسيس، وفيها تعاونت بريطانيا مع اليهود في إسقاط الخلافة العثمانية عن طريق خلع السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، وعن طريق حزب الاتحاد والترقي العلماني، ومصطفى كمال أتاتورك والشريف حسين وغير ذلك من الأمور، إلى أن دخلت إنجلترا إلى أرض فلسطين محتلة لها، وفارضة سيطرتها على كل أرجائها.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة التهويد، وفيها سعى اليهود يعاونهم أصدقاؤهم من الإنجليز في تحويل فلسطين من دولة إسلامية إلى دولة يهودية، وذلك عن طريق أربعة محاور كما ذكرنا في المحاضرة السابقة: أولاً: زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وحققوها بنجاح كبير.
ثانياً: محاولة شراء الأراضي الفلسطينية، وكان نجاحهم في ذلك نجاحاً طفيفاً محدوداً.
ثالثاً: السيطرة على الاقتصاد في فلسطين، وبرعوا في هذا المجال تحت رعاية الإنجليز.
رابعاً: الاهتمام بالتعليم اليهودي والعبري والإعلام الصهيوني، ونشر أفكار التمسك باليهودية والاعتزاز بها مع زرع الكراهية في قلوب الأطفال اليهود لأهل فلسطين.
لم يسكت الفلسطينيون على هذه العملية التهويدية الإحلالية البشعة، ولكن قاموا جميعاً يقاومون الطغاة من الإنجليز واليهود ابتداءً من سنة ١٩١٩م وإلى سنة ١٩٤٨م حيث قامت دولة إسرائيل.
стр. 78
مراحل المقاومة الفلسطينية
نستطيع أن نقسم مراحل المقاومة الفلسطينية إلى مرحلتين رئيسيتين: المرحلة الأولى: وهي مرحلة المظاهرات والمسيرات والمؤتمرات.
واستمرت من سنة ١٩١٩م وإلى سنة ١٩٣٥م أي: حوالي ١٦ سنة، قاد المقاومة في هذه الفترة المفتي الشيخ أمين الحسيني ﵀، وتلاه آخرون حتى سنة ١٩٣٥م كانت هذه المرحلة الأولى.
وفي سنة ١٩٣٥م انتقلت المقاومة الفلسطينية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، من مرحلة المظاهرات والخطابة إلى مرحلة الجهاد والشهادة.
المرحلة الثانية: مرحلة الجهاد والشهادة، وذلك تحت قيادة البطل الفذ الشيخ عز الدين القسام ﵀ الذي كان فعلاً عزّاً للدين ونصراً له، والذي ربى جيلاً عظيماً من المجاهدين الواعين الفاهمين لقضيتهم والمتحركين لها، والمضحين في سبيلها بالغالي والثمين.
استشهد ﵀ بعد قيامه بأيام، لكن أبداً ما ماتت الثورة بل زادت وتوهجت، وحمل الراية من بعده شيخ كبير طاعن في السن، لكنه يتحرك بعزيمة الشباب، الشيخ المجاهد فرحان السعدي والذي ما لبث أن أُعدم وهو في الثمانين من عمره، ثم تسلم الراية من بعدهم بطل جليل من أبطال فلسطين -وما أكثرهم- ذلك هو البطل عبد القادر الحسيني ﵀، والذي قاد حركة الجهاد المسلح في فلسطين ضد احتلال الإنجليز واليهود، وذلك بدءاً من سنة ١٩٣٦م إلى سنة ١٩٤٨م، أي: أنه ظل ١٢ عاماً رافعاً سلاحه معتزاً بجهاده، مضحياً بنفسه وماله وجهده ووقته، ما لانت له قناة، وما فترت له عزيمة، وما انحنى له رأس، وما انكسرت له شوكة، حتى لقي شهادة كريمة عظيمة في عام ١٩٤٨م.
صدق فيه وفيمن سبقه من رواد وفيمن تبعه من مجاهدين قول رسولنا الكريم ﷺ فيما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أنه ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، على من يغزوهم قاهرين، لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.
قيل: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس).
وأعطيكم في هذه المحاضرة مثالاً واحداً لجهاد عبد القادر الحسيني ﵀ ومن معه من أبطال فلسطين: ثورة عام ١٩٣٧م و١٩٣٨م و١٩٣٩م ثلاث سنوات متصلة لم تنقطع فيها الثورة، واسمعوا معي هذه الأرقام: في سنة ١٩٣٧م قام المجاهدون من أهل فلسطين بـ (٥٠٦) عملية فدائية، وفي سنة ١٩٣٨م قام المجاهدون من أهل فلسطين بـ (٥٧٠٨) عملية فدائية، وفي سنة ١٩٣٩م قام المجاهدون من أهل فلسطين بـ (٣٣١٥) عملية فدائية.
سبحان الله! أرقام ضخمة جداً، فالعمليات الفدائية التي تمت في الانتفاضة الأخيرة في سنة ٢٠٠٠م على عظمها لم تبلغ بعد معشار ذلك، ما زال أمامنا الكثير، تاريخ طويل وجهاد عظيم، وكفاح مرير، وعيون ساهرة، وشعوب صابرة، ودماء طاهرة.
بلغت خسائر بريطانيا في هذه العمليات عشرة آلاف قتيل، ومن اليهود مثلهم، فبلغ عدد الشهداء اثنا عشر ألف شهيد، واعتقل خمسون ألف معتقل، وحكم بالإعدام على ١٤٦ رجلاً، ودمر ٥٠٠٠ منزل.
ومع ذلك يا إخوة! ما زلنا في بداية الطريق، لا علم بغير عمل، ولا جهاد بغير تضحية، ولا نصر بغير صبر، ولا ليل بغير نهار.
هل سكتت إنجلترا عن هذه الصولات والجولات؟ ماذا تفعل إنجلترا أمام الصدور المفتوحة للرصاص المتمنية للموت المشتاقة إلى الجنة.
ماذا تفعل؟ سبحان الله!! ما زال في جعبتها أسلحة.
تلك الماكرة: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] استخدمت إنجلترا أسلوباً تقليدياً، لكنه فعّال، أسلوباً قديماً حديثاً، أسلوباً بسيطاً معقّداً، ما أسهل استخدامه وما أصعب مقاومته، أسلوب فرّق تسد، ماذا فعلت؟ انتبه واسمع واعتبر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، شجّعت بريطانيا بعض الفصائل الفلسطينية الموالية لها على تكوين ما يُعرف بفصائل السلام، بزعامة رجل اسمه فخري النشاشيبي.
نتيجة الانتفاضة الكبيرة ونتيجة فشل الإنجليز واليهود في قمعها، فكّروا في إنشاء فصائل السلام، مهمتها تسكين الشعب بوعده بالسلام مع بريطانيا واليهود، مهمتها وقف نزيف الدماء اليهودية والإنجليزية قبل الفلسطينية، مهمتها تمثيل الشعب في المحافل والمؤتمرات، مهمتها تعقب المجاهدين ودل البريطانيين عليهم، مهمتها جر المجاهدين إلى معارك جانبية، مهمتها وقف الانتفاضة والوعد بحكم تحت رعاية إنجليزية.
هكذا قامت فصائل السلام تدعو للسلام، وسبحان الله! نتحدث عن التاريخ وكأنا نراه رأي العين، ترى ماذا كانت حجتهم أولئك الذين حملوا السلاح باسم السلام، وضربوه في صدور إخوانهم، أو وضعوا أيديهم في يد عدوهم يدلونهم على المجاهدين؟ أتراهم يعتقدون أن خير فلسطين في موالاة عدوها؟ أم تراهم يعلمون الحق ويتبعون غيره؟ إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم تسارعوا إلى نصرة أعدائهم ظناً
стр. 79
الحرب العالمية الثانية وتعامل اليهود معها
في أواخر هذه المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها أعني مرحلة التهويد ابتلي العالم بأزمة مروعة عمت الأرض كلها، تلك هي الحرب العالمية الثانية، والتي بدأت في سنة ١٩٣٩م واستمرت إلى سنة ١٩٤٥م ست سنوات كاملة من الصراع بين معسكرين كبيرين في العالم: المعسكر الأول: هو معسكر الحلفاء، ويضم إنجلترا وفرنسا وأمريكا وروسيا.
المعسكر الثاني: هو معسكر دول المحور، ويضم ألمانيا وإيطاليا ثم اليابان.
وكانت حرباً دامية حقاً، فقد العالم فيها خمسين مليوناً من البشر في واحدة من أشد حروب العالم ضراوة، كانت للحرب تداعيات خطيرة على كل بلاد العالم، ليس المجال هنا أن نذكرها بالتفصيل، ولكن ما يهمنا هو انعكاسات هذه الحرب الضروس على الموقف في فلسطين، ترى كيف كان موقف اليهود؟ وكيف كان موقف العرب؟ وما أثر ذلك على قيام دولة إسرائيل داخل فلسطين الحبيبة؟ والحق أقول: إن اليهود أداروا أزمة الحرب العالمية الثانية كأحسن ما تدار الأزمات، حتى المصائب التي نزلت على اليهود أثناء الحرب استطاعوا أن يوظفوها لصالحهم، بينما لم يكن العرب على المستوى المطلوب في إدارة هذه الأزمة الطاغية، وأنا أقول: العرب ولا أقول: المسلمين؛ لأنه بانتهاء الخلافة العثمانية سقطت كل صبغة إسلامية للقضية على مستوى العالم الإسلامي أجمع، ولم يبق من ينادي بإسلامية القضية إلا أفراد معدودون وجماعات قليلة داخل وخارج فلسطين.
ترى كيف تعامل اليهود مع الحدث؟ أولاً: أعلنوا الانضمام فوراً إلى المعسكر البريطاني، وتبعاً لذلك بدءوا التدريب بشدة في معسكرات الإنجليز سواء في فلسطين أو خارج فلسطين، بل وطالبوا بإنشاء مصانع للسلاح داخل فلسطين؛ ليكونوا درعاً للإنجليز في المنطقة، وفعلاً أنشأت مصانع السلاح الحديثة داخل فلسطين، وكانت بعد ذلك نواة لتسليح إسرائيل بعد القيام في سنة ١٩٤٨م، فقد طلبوا جلب كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة وتحولت العصابات اليهودية إلى جيش مدرب يعلم كيف يتعامل مع الدبابات والمدرعات والصواريخ والطائرات، وهذا كله ولاشك أفاد في حرب ١٩٤٨م القادمة.
ثانياً: زيادة التهجير إلى فلسطين، فنظراً لواقع أوروبا المر، ولكثرة المشردين والمهددين بالقتل؛ فُتح باب الهجرة إلى فلسطين، وتزايد اليهود القادمون من كل مكان في أوروبا، وبالذات من ألمانيا وأوروبا الشرقية.
ثالثاً: قضية النازية، عندما أعلن اليهود انضمامهم إلى معسكر الحلفاء قام هتلر بمطاردة اليهود في فرنسا وألمانيا، وكما ذكرنا من قبل فإن اليهود في هذا الوقت الحرج لم يضيعوا الفرصة، بل إنهم كانوا يرشدون هتلر إلى أماكن اليهود المختبئين في نظير ترحيل اليهود المرموقين إلى فلسطين، غير أن اليهود استفادوا من قصة النازية وهتلر أكثر من ذلك، فضخموا في العالم جداً أرقام المذبوحين في سجون هتلر، وفي معسكرات الاعتقال الألمانية المشهورة، والحق أن هتلر قتل عدداً ضخماً جداً من اليهود يصل إلى مليون يهودي، لكن اليهود لم يكتفوا بهذا الرقم فرفعوه كذباً وزوراً إلى ستة ملايين قتيل يهودي، وهم بذلك يلفتون أنظار العالم إلى المأساة الضخمة، فيتحدث العالم عنهم، ولا يتحدث عن غيرهم، فكثير من الدول فقد مليوناً، لكن ليس كل الدول يفقد ستة ملايين، ليس هذا فقط، بل أطلقوا على عملية إبادة اليهود اسماً معاني أخرى ذات مغزى، فسموها الهولوكست، يعني: التضحية الدينية أو المقدسة، والتي تتمثل في تقديم قربان للآلهة، وكأنها لحظة مقدسة قُدّم فيها اليهود قرباناً للآلهة افتداء لأهل الأرض، وبذلك يجذبون مشاعر الخلق ناحيتهم، ويحركون قلوبهم إلى جانب عقولهم، واليهود من أكثر الناس استغلالاً للأحداث وتزويراً للتاريخ، كيف لا وهم لم يترددوا في تزوير التوراة كتاب الله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥].
زرت في واشنطن متحفاً ضخماً هائلاً اسمه متحف الهولوكست، أقامه اليهود في العاصمة الأمريكية، يصورون فيه القصة المأساوية التي عاشها اليهود أيام النازية في ألمانيا وأوروبا الشرقية وفرنسا، ويمدونه بالصور والتماثيل والكتيبات والأفلام والوثائق، وكان دخول المتحف هذا مجاناً، مع كل ما أُنفق عليه من أموال، ومع أنه في أغلى وأرقى منطقة في واشنطن، إلا أنهم لا يريدون من الداخلين مالاً، بل يريدون أن يشجعوا العالمين على دخوله، وعندما يتعاطفون معهم بعد ذلك سيأتي الربح آنذاك وفيراً، وأسفت جداً أني لم أشاهد متحفاً ولو بسيطاً يصور ما يحدث في فلسطين من حقائق ولا أريد أكاذيب، أو يصور ما يحدث في البوسنة أو في كوسوفا أو في الشيشان أو في أي بقعة إسلامية تنزف.
وما أكثرها! إذاً: اليهود في الحرب العالمية الثانية استفادوا من الأزمة الأشياء التالية: أولاً: بأنهم زودوا أنفسهم بالسلاح بعد انضمامهم إلى بريطانيا.
ثانياً: زادوا من التهجير اليهودي إلى فلسطين.
ثالثاً: استغلوا قصة تعذيب الألمان لهم في كسب ود العالم وعطفه.
ر
стр. 80
تعامل اليهود مع أمريكا وتحالفهم معها
إن اليهود ينظرون إلى كل هذه الأحداث المتلاحقة والمتسارعة، والتاريخ لا يجد وقتاً للتسجيل، فجلسوا مع إبليس يفكرون، مع من نعمل وإلى أي المعسكرات ننضم؟ الاتحاد السوفييتي وإن كان قوياً وله مستقبل على الساحة العالمية إلا أن اليهود يعلمون نظمه وقوانينه، فهم الذين ابتدعوها على يد إبليسهم كارل ماركس، وهم يعلمون أيضاً أن الشيوعية منهج، ولا تستقيم الحياة مع منهج يتعارض مع الفطرة، سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية العقائدية، فاليهود يتوقعون له سقوطاً بعد حين، وقد يكون الحين قريباً، واليهود لا يريدون أن يسندوا ظهورهم إلى بناء قد يتهالك، ثم ماذا يريد اليهود من الاتحاد السوفييتي أكثر من ذلك؟ فهم بالفعل يديرونه من وراء الستار.
أمريكا دولة واعدة على الساحة العالمية تتميز عن الاتحاد السوفييتي بأنها مفتوحة ومتحررة ورأسمالية، والمال اليهودي الغزير سيجد هناك أرضاً خصبة، هذه البلاد الرأسمالية تعبد المال، والمال مع اليهود، فستعبد أمريكا اليهود، وستكون أمريكا تابعاً لا متبوعاً، وستكون أمريكا أيضاً في حسابات اليهود أطول عمراً من الاتحاد السوفييتي؛ لأن فيها ديمقراطية والديمقراطية أكثر عدلاً من الشيوعية، وإن كان في كليهما أخطاء جسيمة.
إذاً: أمريكا اختيار مناسب، لكن تبقى مشكلة كبيرة، وهي إنجلترا ماذا يفعل اليهود معها، وهم يعلمون أنه لولا إنجلترا ما كان اليهود؟ إنجلترا هي التي ساعدت وأيدت ودبرت، هي التي زرعت اليهود في فلسطين، هي التي أسقطت الخلافة العثمانية، هي التي أمدت بالسلاح، هي التي درّبت في المعسكرات، اليهود يسبحون في عطايا إنجلترا، واذكروا كيف كان تيودور هرتزل وحيداً يطلب مستعمرة في القدس، والآن هم ستمائة ألف بعد أن وضعوا أيديهم في أيدي الإنجليز، ماذا يفعل اليهود مع إنجلترا؟ أتظنون أن اليهود يحفظون الجميل لإنجلترا؟ ما عهدنا ذلك في اليهود، اليهود لا يعرفون إلا المصلحة، اليهود باعوا اليهود إخوانهم وأبناءهم وعشيرتهم في أوروبا، باعوهم لـ هتلر في نظير مصلحتهم أفلا يبيعون إنجلترا؟ فلتذهب إنجلترا كما يقولون إلى الجحيم، ثم إن أمريكا هي وريثة إنجلترا وهي الامتداد الطبيعي لها، وبينهما روابط العرق والدين واللغة والفكر، ويبدو أن إنجلترا ستكون في المستقبل التابعة الذليلة لأمريكا، فلن تغضب إنجلترا كثيراً إذا استبدلت بسيدتها أمريكا.
أسرع اليهود وأداروا دفتهم إلى أمريكا، لقاءات ومفاوضات وتحالفات وقسم بالأيمان المغلظة بالوفاء المطلق والتعاون المستديم، وفي سرعة وخفة نقلوا مؤتمرهم السنوي الذي يُعقد في أوروبا -منذ سنة ١٨٩٧م- وللمرة الأولى في تاريخهم إلى نيويورك في سنة ١٩٤٢م يتزلّفون إلى الزعيم الجديد ومستقبلاً سيقودونه، أمريكا وجدتها فرصة جيدة جداً، فاليهود سيكونون الذراع الطولى لها في الشرق الأوسط، والدرع البشري الواقي في هذه المنطقة الملتهبة، وسيكون اليهود قاعدة متقدمة لأمريكا، ويبدو أنهم ولحداثتهم في القيادة لا يدركون أن من يربي الثعابين لا بد وأن يُلدغ منها، وستدور الأيام وسيركب اليهود على أكتاف أمريكا، يدلدلون أقدامهم، ويضعون أيديهم على أعين الأمريكان، ويسيرونهم أينما شاءوا وكيفما شاءوا، والأمريكان لا يعترضون، فهم قد فقدوا نعمة الإبصار، المهم أن المصالح تلاقت، وأُبرم العقد بين الطرفين وتصالحا على اغتيال فلسطين، وتصالحا أيضاً تصالحاً غير مُعلن على إلقاء بريطانيا جانباً، أو توضع في دار للمسنين فليس هناك متسع لها.
لاحظت هذا إنجلترا، لكنها غضت الطرف فالأيام دول، ومن الحكمة أن تتصرف بحجمها الجديد؛ لئلا تفقد سيداً من الأسياد قد لا يعوض.
اليهود ما اعتادوا على الرحمة وبدءوا يعاملون إنجلترا بصلف وغرور، فقد أسندوا ظهورهم إلى حائط جديد، واعترضت إنجلترا باستحياء، إذ قام اليهود بما لم يتخيله الإنجليز، قاموا بعدة اغتيالات للقيادات الإنجليزية في فلسطين، يعجّلون خروجهم بقتلهم سبحان الله!! أي خلق هؤلاء؟ طراز قبيح ما مر في التاريخ مثله، ولن يتكرر في التاريخ مثله، هؤلاء هم اليهود مع أصدقائهم، فكيف بهم مع أعدائهم؟ كان هذا هو موقف اليهود أيام الحرب العالمية الثانية، استفادوا أكبر استفادة ممكنة مع أن الناظر نظرة سطحية قد يشعر أنهم قد خسروا الضحايا في ألمانيا وأوروبا، لكنهم خرجوا من الحرب العالمية الثانية بكل ما سبق ذكره وألخصه فيما يلي: ١ - سلاح ضخم جداً ليس فقط سلاح العصابات، ولكن سلاح الدول.
٢ - أعداد كبيرة من المهاجرين.
٣ - تعاطف عالمي بعد تفخيم الهولوكست في ألمانيا.
٤ - فيلق في الأمم المتحدة تمهيداً للاعتراف بدولة إسرائيل.
٥ - خرجوا بأمريكا وأداروا ظهرهم لإنجلترا.
стр. 81
موقف العرب من الأحداث في الحرب العالمية الثانية
ماذا كان موقف العرب في الحرب العالمية الثانية؟ اتجهوا إلى الدولة الصديقة إنجلترا، وساعدوها بمدها بالأفراد المتطوعين في حرب لا ناقة للمسلمين فيها ولا جمل، بل إنهم ضاعفوا من إنتاجهم الزراعي لكفاية جيوش الحلفاء، بل إن هؤلاء الحكام أتوا بعلماء أفتوا بأن الحرب مع الإنجليز ضد ألمانيا هو نوع من الجهاد في سبيل الله.
وأما الشعوب فقد اتجه هواها إلى ألمانيا على اعتقاد أن عدو عدو الأمة هو صديق للأمة، حتى إن بعض القيادات في فلسطين ذهبوا يطلبون مساعدة من ألمانيا لتحرير فلسطين، والواقع يا إخوة! أنه ليس من سنة الله أن ينصر المسلمون بالكافرين، ولو حدث نصر للمسلمين بجيش الكافرين فإنه يكون نصراً بلا شرف وفوزاً بلا عز، ولا بد أن الكافرين سيحصلون على ثمن، وقد يكون الثمن أغلى من النصر.
كان من المفروض ألا يضع العرب أيديهم في أيدي الإنجليز، فقد كانت فرصة طيبة لفرض الشروط ولتحرير البلاد ولجني أفضل الثمار في فلسطين، فإنجلترا مشغولة في الحرب مع الكبار، ولا تريد مشاكل في مناطق متعددة، لكن العرب كانوا قصيري النظر لا ينظرون إلا تحت أقدامهم لو كانوا ينظرون.
هذا ليس خللاً في الإسلام ولا في التشريع، فالعرب في هذا الوقت لم يكونوا يعرفون قرآناً ولا سنة، أما رسول الله ﷺ فقد كان دائم الاطلاع على أحوال العالم في زمانه، كان القرآن يتنزّل في مكة أيام التعذيب والتشريد والاضطهاد، يحكي عن حرب الفرس مع الروم، عمالقة الزمان وقتئذ، يلفت أنظار المسلمين إلى ما يدور هناك، والمسلمون لا يستطيعون الصلاة إلا سراً، لكن لا بد أن يتابع المسلمون الأحداث العالمية وإن كانت في ظاهرها بعيدة، فقد تؤثر بشكل أو بآخر على المسلمين.
ولما زاد الاضطهاد بمكة كان ﷺ يعلم ملوك الأرض وطبيعة الدول، أمر بالهجرة إلى الحبشة؛ لأنه يعلم أن هناك ملكاً لا يُظلم عنده أحد، ولم يرسلهم إلى فارس أو إلى الروم أو إلى الهند أو إلى السند؛ وذلك لأنه يعلم أن نظام الحكم ونوعية الحكام في هذه البلاد لا تصلح لإيواء المهاجرين، بينما في الحبشة تصلح.
اطّلاع كامل على أحوال العصر وتحرك مديّ على دراسة.
وفي غزوة الأحزاب والرجل لا يأمن على قضاء حاجته، والأحزاب جاءت من فوق المسلمين ومن أسفل منهم، ومع ذلك يبشرهم في هذا الوقت العصيب بفتح فارس والشام واليمن، يطلق أبصارهم نحو المستقبل بدلاً من أن ينظروا تحت أقدامهم، فيصطدموا بواقع لا يعلمونه ولا يتوقعونه.
وبعد فتح مكة يرسل رسائل إلى كل ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، قائد مطّلع على الأحداث، إيجابي في الأداء، عزيز في الطلب، يعلّم أمته أنها وجدت لا لتتبع الآخرين، بل لتُتّبع بالآخرين، لا لتنقاد للآخرين، بل لتقود الآخرين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
أما من سار على غير الطريق المستقيم ومن انحرف ولو درجة فلا يُرجى له وصول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
لكن الخلاصة على العموم: أن هذه الفترة العصيبة من تاريخ البشرية شهدت إعداداً مدروساً وعملاً حثيثاً، وجهداً مرتباً وممنهجاً من قِبل اليهود، بينما كان العرب يتخبطون في اتجاهات مختلفة دون هدف معروف أو غاية مطموحة، وانتهت الحرب العالمية الثانية، وبقيت سنوات معدودات؛ وتقام دولة إسرائيل في فلسطين، وفي كل عام من الأعوام المتبقية كانت هناك للمسلمين أحزان.
стр. 82
أهم الأحداث التي مرت بالعالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية
стр. 83
إنشاء الجامعة العربية برعاية بريطانية
في سنة ١٩٤٥م وهي أول سنة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تم إنشاء الجامعة العربية، أُنشئت بإيعاز من إنجلترا لـ مصطفى النحاس باشا، ولماذا تؤيد إنجلترا مثل هذا العمل التجميعي للعرب؟ إنجلترا تريد أن تترك لليهود دولة قبل أن ترحل من المنطقة وهي لا بد راحلة، فاليهود لن يقبلوا بوجودها، وأمريكا لن تقبل بوجودها، ومع ذلك فهي تريد أن تبقي على علاقاتها مع اليهود وأمريكا؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، لكن ما علاقة إنشاء الجامعة العربية بإقامة دولة اليهود؟ كان من المفروض أن يتبادر إلى الذهن أن الجامعة العربية ستكون معوّقة لدولة اليهود، فماذا كانت تريد إنجلترا؟ أولاً: كانت تريد جمع كل دول المنطقة في بوتقة واحدة تؤثر عليها من خلال أصدقائها المقربين، وبالذات ملك الأردن وملك مصر، فإذا نظرت إلى الدول المؤسسة للجامعة العربية تجدها جميعاً محيطة بفلسطين، بل إن هذه الدول المجموعة في الجامعة العربية هي الدول الداخلة في مخطط إسرائيل الكبرى باستثناء اليمن، كانت الدول المؤسسة للجامعة العربية مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية بالإضافة إلى اليمن، سبع دول محيطة بالدولة التي يرجى إنشاؤها بعد ذلك.
ثانياً: تريد إنجلترا قبل أن تغادر المنطقة أن تلغي من أذهان المسلمين تماماً فكرة التجمع على أساس الإسلام كما كان يفكر السلطان عبد الحميد الثاني في إنشاء الجامعة الإسلامية، فأرادت تجميعهم على هدف ورباط قومي هو العروبة في مقابل الدولة اليهودية، التي ستُعلن كما أشرنا من قبل اسماً قومياً هو إسرائيل، بدلاً من اسم ديني كدولة اليهود، وبذلك يظل الصراع صراع قوميات لا صراع ديانات.
وشتان! ثالثاً: تريد إنجلترا أيضاً أن يقوم كيان في المنطقة تكون من مهمته التنفيس عن الشعوب، وتفريغ الشحنات الغاضبة عن طريق أخذ بعض القرارات العنترية التي لا يتبعها عادة عمل، وبذلك تهدأ عاصفة الشعوب الثائرة.
رابعاً: وهذه من أخطر النقاط، إذ إن إنجلترا أيضاً أوعزت إلى أصدقائها بأن يجعلوا من ميثاق هذه الجامعة ألا ينضم إليها إلا الدول المستقلة فقط، ولست أدري ما هو تعريف الاستقلال في نظرهم، لكنهم اعتبروا مصر دولة مستقلة مع وجود الإنجليز فيها، واعتبروا الأردن والعراق واليمن دولاً مستقلة مع وجود الإنجليز فيها، واعتبروا سوريا ولبنان دولاً مستقلة مع وجود فرنسا فيها، أما الدول غير المستقلة التي لا يجوز أن تنضم إلى الجامعة العربية فهي فلسطين، وبذلك بتروا فلسطين من الكيان العربي باعتراف الجامعة العربية؛ تمهيداً لإقامة الدولة اليهودية على أرضها.
وإذا اعتقد أحد أن هذه الأفكار لم تكن واردة بكاملها في أذهان إنجلترا والمؤسسين لهذه الجامعة فإن الأيام القريبة جداً قد أثبتت صدق هذا التحليل.
стр. 84
بروز مشروع روزفلت لمنح اليهود وطناً قومياً على أرض فلسطين
حدث آخر حدث في سنة ١٩٤٥م بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما يسمى في التاريخ بمشروع روزفلت، وروزفلت هو الرئيس الأمريكي المنتصر، قدّم مشروعاً للملك عبد العزيز ملك السعودية آنذاك، يضع له في هذا المشروع حلاً لقضية فلسطين، هذا المشروع وإن لم ير النور إلا أنه يثبت ما حللناه سابقاً من أن أمريكا بدأت تتسلم ميراث إنجلترا في المنطقة، وبدأت تحمل على أكتافها مهمة إنشاء الدولة اليهودية، ماذا قدّم الرئيس الأمريكي روزفلت للملك عبد العزيز؟ عرض عليه أن يجعله زعيماً للعرب، يريد أن يكرر ما فعله الإنجليز مع الشريف حسين، وليست الزعامة فقط، بل ويعطيه عشرين مليون جنيه إسترليني على أن يساعد في ترحيل كل عربي فلسطيني، وإعلان فلسطين بكاملها وطناً لليهود، وقال روزفلت: إن القضية إنسانية في المقام الأول، حيث تتعلق بإنقاذ اليهود الذين لاقوا أهوالاً لا توصف على يد الألمان.
ومن الواضح طبعاً أن الرئيس روزفلت يتصرف بحماقة وسذاجة لا تتفق مع منصبه، ولكن يبدو أنه كان حديث عهد بسيادة، فلا يُدرك حكمة القول والفعل، المهم ماذا كان رد الملك عبد العزيز على هذا العرض الوقح من روزفلت؟ الحق أنه رد رداً قصيراً لطيفاً حكيماً مفحماً قال له: أعطوهم أملاك الألمان الذين اضطهدوهم.
وهذا في منتهى الذكاء إذا كانت فعلاً القضية إنسانية، وإذا كان فعلاً الألمان قد عذّبوا اليهود، وإذا كانت ألمانيا قد هُزمت وأُخذت كل أرضها لتوزع على الحلفاء، فلماذا لا تقتطعون قطعة من هذه الأرض الواسعة وتعطوها لليهود، أم أن وراء الأمور أمور، وانتهى مشروع روزفلت بذلك والحمد لله، لكنه أثبت أن أمريكا من سنة ١٩٤٥م وهي تسعى إلى تحقيق دولة لليهود في فلسطين.
стр. 85
تكوين لجنة أمريكية إنجليزية مشتركة أقرت مسألة البدء في تهجير اليهود إلى فلسطين
في سنة ١٩٤٦م قامت أمريكا بالاشتراك مع إنجلترا بتكوين لجنة لبحث مشكلة فلسطين، وللتوفيق بين الأفكار المتعارضة والمتضاربة للفلسطينيين واليهود، على غرار لجنة ميتشل سنة ٢٠٠١م وقامت هذه اللجنة الأنجلو أمريكية كما يسمونها بزيارة معسكرات اليهود الناجين من النازية في ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا، ثم زارت بعد ذلك فلسطين وشاهدت الوضع هناك وسمعت من هذا ومن ذاك، ثم أخذت قرارات أطلقوا عليها أنها قرارات عادلة وهي: ١ - تهجير مائة ألف يهودي على الفور من أوروبا إلى فلسطين، وإلا ستحدث كارثة إنسانية، وأهم شيء هو حقوق الإنسان.
٢ - طرح كل أرض فلسطين للبيع.
٣ - أن يكون حكم فلسطين دولياً يعني: للأمم المتحدة، أي: لأمريكا بمعنى: أنها لليهود، طبعاً كلام لا يستقيم ولا يُعقل ولا يقبل به أحد حتى اليهود، فقد اعترض اليهود وقالوا: لا نريد حكماً دولياً، بل نريد حكماً يهودياً سبحان الله! وهكذا لم تنسق قرارات هذه اللجنة إلا في جزئية تهجير اليهود، فقد بدأوا في تهجيرهم بالفعل إلى فلسطين تحت حماية الجيش الإنجليزي الذي ما زال مستقراً في فلسطين يسمع ويطيع لأوامر الأمريكان.
هذه اللجنة أثبتت بوضوح نوايا الأمريكان في قضية فلسطين، وسوف تحمل الأيام ظلماً أكبر وجوراً أعم من رائدة العدل والحرية في العالم أمريكا.
стр. 86
صدور مشروع الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين
وتأتي سنة ١٩٤٧م تحمل معها في أواخرها ظلماً جديداً خرج تحت عباءة الأمم المتحدة، ففي نوفمبر سنة ١٩٤٧م مشروع تقدمت به أمريكا وإنجلترا للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين، حلاً للمشكلة، إذ يُعطى اليهود جزءاً من الأرض يقيمون عليه دولة، ويُعطى الفلسطينيون جزءاً آخر، ولا أدري هل لو طالب المسلمون في أمريكا -وهم الآن حوالي ثمانية مليون- بأنه يُقطع لهم جزءاً من أمريكا ليُقام عليه دولة لهم، هل يسمع لهم أحد؟ هل لو حدث في أي مكان في العالم أن قمت بتهجير عدد كبير من البشر إلى مكان ما -تهجير الماليزيين مثلاً إلى أستراليا- أيحق لهم بعد فترة من الزمان ٣٠ أو ٤٠ سنة مثلاً أن يطلبوا قطعة من الأرض يقيمون عليها دولة؟ هذا ما حدث في فلسطين، هاجر إليها مجموعة من اليهود من شتات الأرض، وبعد سنوات معدودات طالبوا بدولة في هذا المكان، أيجوز في عرف المتحضرين هذا؟ هذا ما حدث في الأمم المتحدة، مشروع لتقسيم فلسطين بين اليهود وبين أهل فلسطين.
وليس هذا فقط، بل قد تجاوز الظلم الحدود، حيث جعل المشروع لليهود ٥٦.
٥% من أرض فلسطين، وجعل للفلسطينيين أصحاب البلد ٤٣% فقط من الأرض، وأُخرجت القدس من لعبة التقسيم، جُعل حكمها دولياً، وهي تمثل حوالي ٠٠.
٥% من أرض فلسطين، أي أن المشروع الظالم جعل لليهود أكثر مما جعل لأهل البلد.
وليس هذا فقط، ما زال للظلم ألوان أخرى، فلو نظرت إلى خريطة التقسيم لوجدت فيها أموراً عجيبة، تقسيم الدولتين في منتهى الغرابة، لم يقسّموها مثلاً إلى شمال وجنوب أو إلى شرق وغرب، كل دولة قطعة واحدة، ولكنهم فعلوا شيئاً غريباً جداً، وهو أنهم جعلوا الجزء الفلسطيني عبارة عن منطقتين منفصلتين: منطقة في الشرق هي الضفة الغربية لنهر الأردن، وجزءاً في الغرب وهو قطاع غزة وما حوله من مناطق، أما الجزء اليهودي فهو كالحلقة يحيط بكل جزء من أجزاء الفلسطينيين، وذلك كما هو واضح تمهيداً لإحكام القبضة على أهل البلد، حتى يكمل اليهود احتلال البلد في مرحلة لاحقة.
وليس هذا فقط، لا يزال في جعبة أمريكا خطايا أخرى، وهي أن أمريكا عرضت المشروع الظالم وبدأت عملية التصويت، وكان لا بد أن يحصل المشروع على ثلثي أصوات المجلس حتى تتم الموافقة عليه، وتم التصويت، ولم يحصل المشروع على ثلثي الأصوات وبالتالي لم يُقبل، واعترضت أمريكا وطالبت أن يُعاد التصويت بعد أيام قليلة، ووافقت الأمم المتحدة على إعادة التصويت، وقرروا أن يُعاد بعد أيام قلائل، وفي هذه الأيام بحثت أمريكا في أسماء الدول المعترضة كانت تحتاج إلى ثلاث دول حتى تصل إلى نسبة الثلثين، ووجدت ضالتها في الفلبين وهاييتي وليبيريا، فقامت بالضغط عليهم عن طريق رجال السياسة ورجال الاقتصاد، فعلى سبيل المثال: الذي ضغط على ليبيريا هو المليونير الأمريكي المشهور هاردي فايرستون صاحب مزارع المطاط في ليبيريا، وصاحب مصانع الإطارات المشهورة فايرستون، وتم التصويت للمرة الثانية بعد أيام، ورضخت الدول الثلاث للتهديد وتحققت النسبة المطلوبة، ووافقت الأمم المتحدة على مشروع السرقة المعروف بقرار رقم ١٨١ لسنة ١٩٤٧م، ويعلق وزير الدفاع الأمريكي آنذاك جيمس فورستل في مذكراته على هذا الموضوع فيقول: إن الطرق المستخدمة للضغط ولإكراه الأمم الأخرى في نطاق الأمم المتحدة كانت فضيحة.
وشهد شاهد من أهلها، وفوجئ العالم أجمع بما فيه العالم الإسلامي بالوجه القبيح لأمريكا، أما إنجلترا فيعرفون وجهها منذ زمن، واليهود معروفون بخسّتهم منذ أيام موسى ﵇، وأنا أرى أنه إن كان العالم قد فوجئ فإن العجب أن يفاجأ المسلمون، فإن الله قد نبّهنا إلى ذلك منذ مئات السنين فقال: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:١٠].
стр. 87
الموقف العربي والفلسطيني من قرار التقسيم
ترى ما هو الموقف في فلسطين بعد قرار التقسيم؟ تعالوا نحلل الأحداث ونستقي العبرة: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
الشعوب العربية تغلي، والقرار ظالم، والحكم جائر، ولا بد من حركة أو رد فعل، ماذا نفعل؟ قامت الجامعة العربية الناشئة وأخذت قرارات توافقت مع رغبات الشعوب، قلنا: حمداً لله فقد تجمع المسلمون أخيراً، أو قل: تجمع العرب فالرابطة كانت قومية، أخذت الجامعة العربية القرارات الآتية: أولاً: أصدروا مذكرات شديدة اللهجة إلى أمريكا وإنجلترا.
ثانياً: إقامة معسكرات لتدريب المتطوعين في قطن بالقرب من دمشق بسوريا يدربون الفلسطينيين فيه على القتال.
ثالثاً: تكوين جيش عربي أُطلق عليه جيش الإنقاذ، وضعوا عليه رجلاً اسمه فوزي القوقجي.
رابعاً: رصد مليون جنيه لأغراض الدفاع عن فلسطين.
وقد كانت قرارات قوية بحق، وبدءوا بالفعل في تدريب الفلسطينيين في قطن بسوريا، وبدءوا في تكوين جيش الإنقاذ، ولكن جاءت رسالة من بريطانيا إلى الجامعة العربية قالت فيها: إن بريطانيا تعتبر تسليح الفلسطينيين وتدريبهم في قطن عملاً غير ودي، فاجتمعت الجامعة العربية وتشاورت وتحاورت، ولعلها استخارت، ثم صدر قرار غلق معسكر قطن، وتسريح المتطوعين هناك، وسحب أسلحة المعسكر، والاكتفاء بتزويد جيش الإنقاذ، ولكن تحديد العدد، فاتفقوا على أن يكون قوامه (٧٧٠٠) جندي مع مده ببعض الأسلحة الرديئة، أما الأموال فقد جُمع شيء قليل منها، أو قل: وصل إلى فلسطين شيء قليل منها.
إذاً: الجامعة العربية نفّست عن الشعوب المتحمسة بقرارات عنترية، ثم جاءت الأوامر الإنجليزية لتهدئ من روع المتحمسين، ولتلقي جالوناً من الماء البارد على الجامعة العربية؛ لتسكّن من حرارة الخطباء والمتكلمين.
ماذا كان الموقف في فلسطين؟ عاد المفتي أمين الحسيني ﵀ من لبنان، وذكرنا من قبل أنه هرب إليها بعد مطاردة الإنجليز له، عاد إلى فلسطين وبدأ يقود الشعب إلى جهاد مسلح ضد اليهود، ومعه البطل عبد القادر الحسيني ﵀، واجتمع الناس على قيادة المفتي، وأراد المفتي أن يسعى إلى تأييد عربي، فأسرع إلى الكيان الجديد الجامعة العربية يعلن رغبته في تكوين حكومة فلسطينية وطنية تدعمها الجامعة العربية، ويكون المفتي على رأسها كما يريد الشعب هناك، وكان طلباً وجيهاً فلن تُحمى البلاد إلا بأهلها أساساً، لكن الجامعة العربية رفضت الطلب، ورفضت رئاسته دون تبرير واضح، بل إن الملك عبد الله ملك الأردن قال في لقاء مع ممثلة الوكالة اليهودية جولد مائير: إنه يعزم على أن يضم إلى مملكة الأردن الجزء المخصص للعرب في مشروع التقسيم، يعني: منطقة الضفة الغربية، ويعزم أيضاً على إقامة علاقات سلام وصداقة مع الدولة اليهودية، وختم كلامه بقوله: كلانا يواجه خصماً مشتركاً يقف عقبة في طريق خططنا، ذلك هو المفتي أمين الحسيني، وهذا كلام في منتهى الخطورة.
إذاً: النية كانت مبيتة على الموافقة على قرار التقسيم، والنية كانت مبيتة على الاعتراف بدولة اليهود، والنية كانت مبيتة لهضم الضفة الغربية داخل الأردن، والنية كانت مبيتة على تحجيم قوة المفتي والفلسطينيين، ولا أجد في الواقع في ألفاظ اللغة ما يناسب ذلك الموقف.
اليهود كعادتهم لن يضيعوا وقتاً، استغاثات ونداءات لأمريكا وإنجلترا ودول أخرى كثيرة، وانهمرت سفن الأسلحة من أمريكا وإنجلترا وأوروبا الشرقية، وتسارع الضباط من أمريكا وروسيا وتشيكوسلوفاكيا لتدريب اليهود على الأسلحة الجديدة، واستعدت العصابات اليهودية للقتال، وهي في مجموعها تبلغ كما ذكرنا (٧٠٠٠٠) جندي مسلح مدرب.
ما هو موقف الشعب الفلسطيني؟ سار الشعب بقيادة المفتي أمين الحسيني ومعه عبد القادر الحسيني رحمهما الله، وحمل السلاح وظهرت دعوة الجهاد بوضوح وجلاء، أما جيش الإنقاذ العربي بقيادة فوزي القوقجي كان جيشاً ضعيفاً جداً، وسلاحه ضعيف، وعدده قليل، ورفض التعاون مع المفتي ورجاله، حتى إن الدكتور عبد الله عزام ﵀ كان يقول في تاريخه لهذه الفترة: إن فوزي القوقجي هذا كان رجلاً تحوم حوله الشبهات.
إذاً: الشعب الفلسطيني تحرك للجهاد بسلاح بدائي لكن بروح عالية، وهذه الروح العالية دفعته لتحقيق انتصارات مبدئية، فانتصر في بعض المواقع مثل ظهر الحجة وعين باهل وشعفاص والدهيشة، وذلك بقيادة عبد القادر الحسيني غالباً، لكن فارق التسليح كان مهولاً بين اليهود والفلسطينيين، وكادت الكفة تميل في صف اليهود، لولا أن من الله على فلسطين بحدث جديد، فقد حرك الجهاد مشاعر كثيرة في قلوب أعداد عظيمة من المسلمين، في بلاد إسلامية محيطة بفلسطين، وبالذات في مصر وسوريا فسارع الشباب والشيوخ على حد سواء إلى طلب حمل السلاح، والعبور إلى أرض الشرف والكرامة والمجد أرض فلسطين، وظهرت
стр. 88
سلسلة فلسطين_ أمة لن تموت
مهما تعالت صرخات الثكالى وأنات الجرحى من المسلمين، ومهما تكالب أعداء الأمة على مقدساتها وحرماتها، وسيطروا على فلسطين وغيرها فإن العقبى للمسلمين والنصر للمجاهدين الصادقين، والتاريخ حافل بانتصارات المسلمين في مواقع كثيرة، وحافل بالعذاب النازل من الله على أعدائه في الدنيا والآخرة.
стр. 89
أهمية قتل الانهزامية والإحباط في حل قضية فلسطين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا أعداءً ولا حاسدين، اللهم إنا نسألك من كل خير خزائنه بيدك، ونعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك، اللهم اغفر لنا خطيئتنا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا، وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
آمين آمين.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
أما بعد: فمع المحاضرة التاسعة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين، وكنا قد ذكرنا في المحاضرة الأولى بعضاً من الوسائل الإيجابية والتي من الممكن أن نساعد بها إخواننا في فلسطين، ونسهم بها في رد كيد اليهود ومن عاونهم، تذكرون أن الوسيلة الأولى التي ذكرناها في هذا المضمار كانت: تحريك قضية فلسطين بالمفاهيم الصحيحة وبسرعة، وأفردنا لذلك ثمان محاضرات تحدثنا فيها عن بعض هذه المفاهيم.
واليوم نتحدث عن وسيلة أخرى من الوسائل الهامة جداً في حل قضية فلسطين وما شابهها، بل وفي حل قضية المسلمين في العالم أجمع، الناظر إلى بلاد المسلمين يجد أن كثيراً من أبناء المسلمين قد أصابهم الإحباط من واقع المسلمين، ويئسوا من أن تقوم لأمة الإسلام قائمة من جديد، وقنطوا من أن يواجهوا عدواً صارخ العداء مثل اليهود ومن معهم.
كثير من أبناء المسلمين يعتقدون أن سيادة المسلمين للعالم كانت تاريخاً، وأن المستقبل قد يكون للشرق أو للغرب، ولكن حتماً أو غالباً ليس للمسلمين، وأكثر هذه الطائفة تفاؤلاً يعتقد أنه لو كان الإسلام سيعود من جديد لصدارة الأمم فإن هذا سيكون بعد عمر مديد وأجل بعيد لا نراه نحن ولا أبناؤنا ولا حتى أحفادنا.
في هذا الجو من الإحباط واليأس يستحيل على المسلمين أن يفكروا في قضية فلسطين فضلاً عن أن يسهموا في حلها، ومن ثم فإن حديثنا اليوم يتناول الوسيلة الثانية من وسائل حل قضية فلسطين ألا وهي: قتل الانهزامية والإحباط في نفوس المسلمين.
وإنه لمن العجب حقاً أن تحبط أمة تملك كتاباً مثل القرآن! وسنة مثل سنة رسول الله ﷺ ! وإنه لمن العجب حقاً أن ييأس شعب له تاريخ مثل تاريخ المسلمين! وله رجال أمثال رجال المسلمين! وإنه لمن العجب حقاً أن قوماً يمتلكون مقدرات كمقدرات المسلمين! وكنوزاً مثل كنوز المسلمين! عجيب حقاً أن تقنط هذه الأمة، وقد قال ربها في كتابه: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، لكنها حقيقة مشاهدة وواقع لا ينكر، والواقع أن غياب الأمل وضياع الحلم وانحطاط الهدف كارثة مروّعة حلّت على المسلمين، ومصيبة مهولة لا يرجى في وجودها نجاة، لا بد أن الذي زرع اليأس في قلوب بعض المسلمين هو أمر تعاظم في النفوس الواهنة، وحدث أكبرته القلوب الضعيفة فخضعت حصول خضوعاً مذلاً، وركعت حين كان يرجى لها القيام.
стр. 90
أسباب الانهزامية في نفوس المسلمين
لا بد أن نقف وقفات ووقفات لنحلل وندرس ونفقه لماذا صرنا إلى ما صرنا إليه؟ وكيف السبيل لقيام وسيادة وصدارة ومجد، أما لماذا صرنا إلى هذا الوضع؟ فهذا يرجع إلى عوامل عديدة وتراكمات مختلفة:
стр. 91
الواقع الذي يعيشه المسلمون من هزائم متكررة
الواقع الذي يعيشه المسلمون من هزائم متكررة بدءاً من سقوط الخلافة العثمانية، ومن سقوط فلسطين وإعلان إسرائيل في (١٩٤٨م)، ومن هزيمة مرة في عام (١٩٥٦م) لولا أيزنهاور الأمريكي الذي جعل المسلمين يصورون الحدث وكأنه نصر، بل ويحتفلون به بعد ذلك.
ومروراً بعام (١٩٦٧م) وتدمير الجيش المصري والسوري، وضرب كل المطارات حتى المطارات الداخلية جداً: المنيا الأقصر الغردقة كانت هزيمة كبيرة، حتى نصر أكتوبر عام (١٩٧٣م) والذي كان نصراً مجيداً حقاً أتبع بثغرة مرة وبوقف لإطلاق النار، وبخسارة سريعة لمكاسب هائلة.
أما الواقع الذي يعيشه المسلمون من خيانات مستمرة شاهدنا طرفاً منها في تاريخ فلسطين، ونشاهد أطرافاً أخرى في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي.
الواقع الذي يعيشه المسلمون من إباحية في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، ومن سرقات واحتيالات، ومن هروب بمليارات من أموال المسلمين بينما يتضور بعضهم جوعاً، ومن انهيار للاقتصاد وديون متراكمة وإفلاسات مشهورة.
الواقع الذي يعيشه المسلمون من فرقة وتناحر وتشاحن، بين المسلمين وأحياناً بين الملتزمين من المسلمين، هذا الواقع يورث في نفوس كثير من المسلمين إحباطاً ويأساً، يشعرون معه أن القيام من جديد إن لم يكن صعباً فهو من دروب المستحيل.
هؤلاء الذين قنطوا لم يدركوا طبيعة هذا الدين، ولم يدركوا طبيعة هذه الأمة، ولم يدركوا طبيعة سنن الله في الأرض، فالله شاءت حكمته أن يجعل الأيام دولاً بين الناس: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فكما تعاني أمة المسلمين من القرح اليوم فقد كان هناك أيام عانى فيها الآخرون من القرح، بينما كانت أمة المسلمين في سلامة وعافية، كل الأمم تسود فترة وتتبع غيرها فترات، كل الأمم تقود زمناً وتنقاد لغيرها أزماناً، بل إن كل الأمم تعيش مرة وتموت وتندثر وتختفي مرات، إلا أمة واحدة قد تنقاد فترة من الفترات، وقد تتبع غيرها زماناً من الأزمان، لكنها لا تموت أبداً، تلك هي أمة الإسلام.
أين حضارة الرومان؟ لم يبق منها إلا أطلال وأبنية، أين حضارة الإغريق؟ لم يبق منها إلا فلسفة فارغة ومعابد وثنية، أين حضارة الفرس؟ ماتت ولم تترك ميراثاً، أين حضارة الفراعنة؟ بقيت منها جمادات وديار كديار عاد وثمود، وبقيت جثث محنطة وأوراق بالية، لكن أين الفراعنة؟ إما في بطون القبور، أو في جوف البحر حيث ينتظر جنود فرعون الساعة، أين التتار وجيوشهم؟ أين الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس؟ إنجلترا الآن تابع ذليل، أين الإمبراطورية الروسية القيصرية ثم الشيوعية؟ سقوط مروع وسيأخذ غيرهم دورات ثم يسقطون، وسيعلو نجمهم فترة ثم يحبطون: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩].
إلا أمة واحدة ما سقطت إلا وكان بعد السقوط قيام، وما ضعفت إلا وكان بعد الضعف قوة، وما ذلت إلا وكان بعد الذل عزاً، تلك هي أمة الإسلام.
طبيعة هذه الأمة أنها أمة شاهدة على غيرها من الأمم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، حتى الأمم الغابرة قبل أمة الإسلام نشهد عليها بما جاء في كتابنا القرآن، والأمم المعاصرة نشهد عليها بما رأيناه بأعيننا، وقومناه بمنهجنا وأحكامنا وشرعنا، وسنظل نشهد على الأمم إلى يوم القيامة، فنحن باقون ما دامت الحياة، وغيرنا لا شك مندثر وذاهب.
طبيعة هذه الأمة أنها تحمل الرسالة الخاتمة والكلمة الأخيرة من الله إلى خلقه، وليس هناك رسول بعد رسولنا ﷺ ، وليست هناك رسالة بعد الإسلام، فلا بد أن يحفظ الله المسلمين لأجل أهل الأرض جميعاً.
طبيعة هذه الأمة أنها الأمة الوحيدة التي كان من همها أن تعلم غيرها دون ثمن ولا أجر، بل قد يدفع المعلمون المسلمون مالاً ويبذلون جهداً وعرقاً ووقتاً بل ونفساً حتى يعلموا غيرهم، هل من الأمم من يفعل ذلك غير أمة الإسلام؟ ألم تكن الشعوب تغير على الشعوب لتأخذ خيرها، وتنهب أرضها وتقتل أهلها؟ بينما كان المسلمون يضحون بأرواحهم؛ ليستنقذوا الناس من جحيم الكفر والضلال إلى جنة الإيمان والهدى.
ألم يقل ربعي بن عامر قولاً ما تكرر في التاريخ على ألسنة المتحضرين من الأمم غير أمة الإسلام يوضح فيه الرسالة الإسلامية بإيجاز فيقول: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة؟ ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩] هذه طبيعة الأمة الإسلامية، بقاؤها هو خير الأرض، وذهابها فناء الأرض: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْ
стр. 92
دراسة الأعداء علوم الإسلام للتلبيس على المسلمين في دينهم
إذا كانت هذه هي طبيعة الأمة الإسلامية فلماذا الإحباط واليأس؟! يبدو لي أنه ليس الواقع فقط هو المسئول عن هذه الحالة من الإحباط، ولكن يبدو أن وراء الأمور أمور، يبدو أن هناك من يدبّر ويخطط ويكيد، حتى يزرع بذور اليأس في قلوب المسلمين، جزء من المؤامرة الفكرية التي تحدثنا عنها في أول محاضرة، من هم المتآمرون؟ وما هي وسائلهم؟ الحق أن هذه المؤامرة اشترك فيها الكثيرون، اشترك فيها المستشرقون: وهم طائفة من العلماء الأوربيين، أكل الغل قلوب معظمهم، وحرق الحقد صدور غالبيتهم، وأعمى الحسد بصائر جلهم، فجاءوا يتعلمون الإسلام ويدرسون تاريخه ورجاله ومناهجه لا ليهتدوا بهداه؛ ولكن ليطعنوا فيه وليلبسوا على المسلمين دينهم، انتشرت كتبهم وعمت أفكارهم وطغى تحليلهم، وباتوا شوكة حامية في حلق المسلمين.
стр. 93
افتتان المسلمين بالغرب وتتبعهم سننه
تبع هؤلاء المستشرقين طائفة أخرى يحلو لي أن أسميها طائفة المستغربين: وهم من أبناء المسلمين الذين فتنوا بالغرب وتاقت نفوسهم إليهم، واستغل الغرب الفرصة، ومدوا إليهم أيديهم وصنعوهم على أعينهم، ودسوا في عقولهم أفكارهم، ثم أعادوهم إلى أوطانهم يحبطون أبناءهم ويشككونهم في دينهم، ويقنطونهم من القيام إلا باتباع الغرب، حتى إن بعضهم كان يقول: إن بلادنا لن تتقدم إلا إذا نقلت ما في لندن وباريس بحلوه ومره، وبحسنه وسيئه وبمعروفه ومنكره، هكذا هو، عالم ويلبس لباس العلماء، ثم يطعن في الدين طعناً.
ألم يذهب أحدهم -وهو من أبناء الأزهر الحافظين للقرآن- إلى فرنسا فتعلم هناك، ثم عاد إلى بلاد المسلمين يعلم تلامذته أن ينقدوا القرآن الكريم، فهذه آية قوية وهذه آية ضعيفة؟! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، وكان يقول لتلامذته: ليس معنى أن القرآن ذكر وجود إبراهيم وإسماعيل أن هذا أمراً حقيقياً، لا بد من برهان مادي.
وكان يقول لتلامذته: إن الآيات المدنية أكثر نضجاً من المكية، وكأن هذا من تراكم الخبرة تعالى الله عما يصفون، وكان يكتب كتباً عن الصحابة وبالذات في زمن الفتنة، فيطعن في كل من استطاع بلا خجل ولا تورع، ثم إذا به يترقى في المناصب حتى يصبح وزيراً للتعليم يربي ويعلم ملايين التلاميذ، وهكذا أصبح الشيخ الأزهري من دعاة العلمانية والإحباط، والأزهر منه براء.
стр. 94
دور المستعمرين وبعض حكام المسلمين في إشاعة الإحباط في نفوس المسلمين
اشترك أيضاً في مؤامرة الإحباط المستعمرون الذين جثموا على صدر الأمة عشرات السنين، أذاقوها من العذاب ألواناً، في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان وليبيا والجزائر وتونس والمغرب واليمن والسودان والعراق والكويت.
واشترك في المؤامرة أيضاً بعض الحكام الذين أقنعوا شعوبهم أنهم لا طاقة لهم اليوم بجالوت وجنوده.
ماذا فعلت هذه الطوائف المختلفة من المتآمرين؟ فعلوا جرائم عدة: أولاً: جريمة تزوير التاريخ، وهي جريمة بشعة لا يتسع المجال للخوض في تفصيلاتها، وسأفرد لها إن شاء الله محاضرة خاصة، كذبوا وزوروا والتقطوا الضعيف والموضوع، وأعرضوا عن الصحيح والحسن، ونقبوا عن المصائب، ولا بد أن في تاريخ كل أمة مصائب، وتركوا الأمجاد والفضائل، وركزوا على الجوانب السياسية لمشكلاتها، وأغفلوا الجوانب الأخلاقية والعلمية والمعمارية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والأدبية، أساءوا التأويل عن عمد، وطعنوا في الشرفاء عن قصد، فخرج التاريخ إلينا ممسوحاً مشوهاً يستحي منه الكثير، ويتناساه الأكثر، واقتنع معظم المسلمين بأنه إذا كان السابقون الأولون على هذه الشاكلة فكيف يرجى خير ممن لحق؟! إن جريمة تزوير التاريخ جريمة كبرى، وهناك جريمة أخرى ألا وهي تشويه الواقع، فكما طمسوا تاريخ المسلمين المشرق فليطمسوا واقعهم وحاضرهم، فليشترك المربون والإعلاميون من المستغربين في تغييب الأمة، وتحبيط الشعب، وليساعد الإعلام الغربي في هذه المهمة، فيسمي الأشياء بغير أسمائها، فليكن الالتزام بالإسلام مرادفاً للإرهاب، وليكن الحجاب مرادفاً للتزمت، وليكن تطبيق الشرع مرادفاً للرجعية والجمود والتخلف.
إذا أجرم مسلم في الغرب قالوا: أجرم مسلم، وإذا أجرم نصراني ذكروه باسمه لا بدينه، كما في حادث تفجير أوكلاهوما المشهور في أمريكا قالوا: فعلها المسلمون، فلما تبيّن أن الذي فعلها نصراني قالوا: فعلها فلان باسمه.
إذا أساء مسلم قالوا: أساء مسلم، وإذا نبغ مسلم في علمه قالوا: نبغ مصري أو سوري أو باكستاني ووصفوه بقوميته.
وآه من تصوير الملتزمين بالإسلام في وسائل الإعلام، كم من المرات يأتون بالشيخ أو (المأذون) في صورة هزلية مضحكة، كم من المرات يأتون بالمسلمين في الأفلام التي يطلقون عليها إسلامية في صورة عجيبة، ينظرون نظرات حالمة وأبصارهم معلقة في السماء، ويبتسمون في بلاهة ويتحركون ببطء شديد، سبحان الله! وكأن الإنسان إذا أسلم لا بد أن يتخلف عقلياً بهذه الصورة، كم من المرات يأتون بمن التزم طريق الإسلام ينقلب من الحديث بالعامية إلى الحديث بالعربية الفصحى ولكن في تنطع وتقعر شديدين، ومن حوله من الناس لا يفهمونه وينظرون إليه مستنكرين، سبحان الله! مع أن اللغة العربية هي أرقى لغات العالم أجمع.
جريمة كبرى إلى جانب جريمة تزوير التاريخ، تلك هي جريمة تشويه الواقع.
جريمة ثالثة: تعظيم الغرب، فبعد أن كسر رموزك الإسلامية في التاريخ والواقع؛ رفع لك من قيمة الغرب حتى لا يبقى أمامك خيار إلا الاتباع الذليل والتقليد الأعمى، عظموا سلاح الغرب، ومدنية الغرب، وأخلاق الغرب، وعقل الغرب، وأدب الغرب، وفن الغرب، بل وعظّموا لغة الغرب حتى افتتن المسلمون، وأصبح الرجل يحرص على تعليم الإنجليزية لابنه أكثر من حرصه على العربية، وحتى ابتلينا بما أطلقوا عليه مدارس إسلامية للغات بحجة أننا يجب أن نعلم أبناءنا لغة الغرب لندعوهم إلى الإسلام، أتتعلمها على حساب لغتك؟ وبحجة أن الأعمال المرموقة لا بد لها من لغة أجنبيه جيدة، هل على حساب لغة القرآن؟! وحتى لو أتيت لابنك بمعلم للعربية في البيت سيظل الطفل معظماً للغة الأولى في مدرسته.
ففي فرنسا لو خاطبت رجلاً بالإنجليزية ما رد عليك إلا متأسفاً لاعتزازه بلغته، في ألمانيا كذلك إذا أردت أن تعيش هناك فلا حديث إلا بالألمانية، ولقد ذهبت إلى المركز الثقافي الأسباني أبحث عن بعض الصور الخاصة بتاريخ المسلمين في الأندلس فما وجدت عندهم كتاباً واحداً بالإنجليزية فضلاً عن العربية، وعندما قلت لهم: إن اللغة الأسبانية محدودة جداً في مصر فعليهم أن يأتوا بكتب مترجمة حتى نفهمها، قالوا: من أراد أن يعرف عنا شيئاً فليتعلم لغتنا، هكذا يعتزون بلغتهم المحدودة، جريمة تعظيم الغرب أدت إلى صد الطموح عند الشباب، وضعف الهمم وهوان العزم، فيصبح أمل الشاب المسلم في الحياة أن يلقي بوطنه وأهله وراء ظهره، وينطلق إلى بلاد الغرب إلى أمريكا وأوروبا؛ ليعيش في جنة الله في أرضه.
стр. 95
وسائل معينة على تجاوز الإحباط والتخلص من الانهزامية
стр. 96
الإيمان الصادق بموعود الله لعباده المؤمنين
نتيجة هذه الجرائم والمؤامرات أحبط كثير من المسلمين إحباطاً شديداً ورضخوا للواقع، وقنعوا بالسير في ذيل الحضارة الغربية.
مع ضخامة المؤامرة وبشاعة الكيد فإني أعود من جديد وأتعجب: كيف يمكن أن تحبط أمة تمسك في يديها بكتاب القرآن؟! ألم تسمعوا إلى قوله : ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، يا إخوتي وأحبابي! كل ما ذكرناه من جرائم ومكائد ومؤامرات وتزوير وتشويه وخيانات وعمالات ونفاق وكذب، كل هذا يدخل تحت كلمة: ((ويمكرون))، خذ الجانب الآخر من المقابلة: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فالله يا إخوة! يقابل مكرهم بمكره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
أيها المسلمون! إن كان أصابكم شيء من الإحباط؛ فلكونكم لم تفهموا المعركة على حقيقتها، ولم تدركوا الصدام بكامل أبعاده، هي ليست حرباً بين المسلمين والكافرين وإن كان ظاهرها كذلك، إنما هي في حقيقتها حرب بين الله وبين من مرق عن طريقه وكفر بعبادته، وارتضى غيره حكماً وقبل غير كتابه شرعاً، هي حرب بين الله وبين طرف صغير حقير من مخلوقاته سبحانه، لكن الله من رحمته بالمؤمنين ومن كرمه عليهم منّ عليهم بأن جعلهم جنده وحزبه وأولياءه، فالمؤمنون يقفون أمام الكافرين ملتزمين بمنهج ربهم في وقوفهم، وكما أمرهم يفعلون لا يترددون ولا يفرون، واثقين بوعده راغبين في جنته، راهبين لناره، مخلصين له، معتمدين عليه، لاجئين إليه، إن فعلوا ذلك كان هو سبحانه جلت قدرته وتعاظمت أسماؤه المدافع عنهم، الحامي لهم المؤيد لقوتهم، الناصر لجيشهم، الناشر لفكرتهم، المنتقم من عدوهم.
واسمعوا وأنصتوا لقوله حتى تفهموا حقيقة المعركة: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥٠ - ٥١].
أيها المسلمون المعتزون بإسلامهم! هل تعلمون لمن تعملون؟ وإلى أي ركن تأوون؟ إنكم تعملون لله، وتأوون إلى ركن شديد سبحانه، إذا جلس المتآمرون في جنح الظلام يدبرون ويخططون هل هم بعيدون عن عينه سبحانه؟ ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]، أو إذا أطلق المتآمرون صاروخاً أو رصاصة أتسقط بغير علمه سبحانه؟! إذا كان يعلم بسقوط أوراق الشجر عبر الزمان والمكان فكيف بسقوط الصواريخ؟! ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٥٩ - ٦٧].
أ
стр. 97
التصديق بما جاء عن النبي من المبشرات لهذه الأمة
انظروا إلى هذه الصورة الرائعة الجلية في غزوة بني النضير، يقول : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر:٢]، أنتم أيها المؤمنون المقاتلون المجاهدون! لما رأيتم مناعة الحصون وبأسها ظننتم أن اليهود لن يهزموا: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا﴾ [الحشر:٢]، أي: اليهود، ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢]، ماذا حدث؟ ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر:٢]، ثم ما هي الغاية؟ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، الغاية من القصة أن نعتبر، القرآن ليس تأريخاً لما سبق، القرآن كتاب عظيم ينبض بالحياة ويهدي إلى صراط مستقيم.
أيها المسلمون المعتزون برسولهم ﷺ ! ألم تسمعوا إلى قول رسولكم وحبيبكم محمد ﷺ ، وهو يقول في الحديث الذي رواه الإمام مسلم ﵀: عن ثوبان ﵁: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)؟ نعم يا إخوة! سيبلغ ملك المسلمين مشارق الأرض ومغاربها بكل ما تحمله الكلمة من معاني.
ألم تسمعوا إلى قول مرشدكم وقدوتكم محمد ﷺ ، وهو يقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان وصححه الألباني: عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر - يعني: الإسلام - ما بلغ الليل والنهار)، أي: كل الأرض؟ وأي جزء في الأرض لا يبلغه الليل والنهار؟ (ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين)، والمدر: الحجر أي: بيوت المدن، والوبر: هو الشعر أي: بيوت البادية، فكل بيوت الأرض مدناً وباديةً سيدخلها الإسلام: (إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)، وعود من الصادق المصدوق ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
بل اسمع وتأمل: روى الإمام أحمد وصححه الألباني: عن أبي قبيل ﵀ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق.
قال: فأخرج منه كتاباً.
قال: فقال عبد الله: (بينما نحن حول رسول الله نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل)، أي: قسطنطينية تفتح أولاً، والقسطنطينية: هي عاصمة الدولة الرومانية الشرقية آنذاك وهي اسطنبول الآن، ورومية هي روما، وكانت عاصمة الدولة الرومانية الغربية، وكانت هاتان المدينتان معاقل النصرانية في العالم.
ويفهم من الحديث: أن الصحابة كانوا يعلمون منه ﷺ أن كلتا المدينتين ستفتحان، لكن يسألون أي المدينتين تفتح أولاً، فبشر ﷺ بفتح القسطنطينية أولاً وقد كان، وتحققت البشارة النبوية بعد أكثر من ٨٠٠ سنة، وبالضبط في ٢٠ جمادى الأولى سنة (٨٥٧هـ) على يد الفتى العثماني المجاهد: محمد الفاتح ﵀، وستحدث البشارة الثانية لا محالة، وسيدخل الإسلام روما عاصمة إيطاليا.
ولي على هذا الأمر تعليقان: التعليق الأول: إن بعض العلماء يعتقد أن فتح رومية -أو روما- سيكون بالدعوة إلى الإسلام وبإنشاء المراكز الإسلامية والمساجد فقط، والحق أن الحديث لم يشر إلى ذلك، وأرى أن قصر تفسير فتح رومية على الدعوة دون الجهاد هو نوع من الهزيمة النفسية، إذ هو لا يتخيل أنه بالإمكان أن يحرك المسلمون جيشاً لإيطاليا، فلتكن الدعوة إذاً هي التفسير للحديث، لكن سياق الحديث يوحي بأن الفتح سيكون جهاداً، وسياق الواقع كذلك يوحي بذلك، فقد فتحت القسطنطينية بعد حلقات متتالية من الجهاد المضني المستمر، وقد تفتح رومية بطريقة مشابهة؛ ولذلك جمعت مع القسطنطينية في حديث واحد: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
التعليق الثاني: إن محمد الفاتح ﵀ كان يعد العدة ويجهز الجيوش فعلاً لفتح رومية؛ وذلك لاستكمال تحقيق البشارة النبوية، لكنه لم يوفق لذلك، وقد تعجبون مني حين أقول: إنني قد سعدت وحمدت الله
стр. 98
قراءة التاريخ تبعث الأمل في قلوب المسلمين
وتعالوا نقلب صفحات قلائل، بعد وفاة الرسول ﷺ ارتد الجزيرة العربية بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: المدينة ومكة والطائف وقرية هجر بالبحرين، ولم تكن الردة كما يعتقد البعض بمنع الزكاة فقط، بل ارتد كثيرون عن الإسلام بالكلية، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم، ومنهم من قتل المسلمين، بل إن منهم من ادعى النبوة وليسوا بالقليلين، وعم الكفر جزيرة العرب، وأيس بعض الصحابة، فكان الموقف أشد مما نحن فيه الآن ألف مرة، حتى قال بعضهم: يا خليفة رسول الله! لا طاقة لنا بحرب العرب جميعاً.
الزم بيتك وأغلق بابك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
ظنوا أنه لا أمل في القيام، لكن الله منّ على المسلمين بـ أبي بكر الصديق ﵁ الذي قام كالأسد الهصور يردد قولة لو قالها المسلمون لسادوا الدنيا جميعاً، قال: أينقص الدين وأنا حي؟! أينقص الدين وأنا حي؟! أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي، وقام وقام معه المسلمون.
فما هو إلا عام من الجهاد والقتال والنزال، حتى أشرقت الأرض من جديد بنور ربها، وأسلمت الجزيرة العربية بكاملها، بل وأخذ أبو بكر الصديق قرارً أحسب أنه أعجب القرارات في التاريخ وهو: إخراج جيشين من جزيرة العرب جيش لفتح بلاد فارس، وجيش لفتح بلاد الروم، عجباً عجباً لك أيها الجبل! دولتان تقتسمان العالم ودولة صغيرة خارجة من حرب أهلية مدمرة! لكنه يا إخوة! موعود صادق: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ويفتح الله له الدولتين، وتكون انتصارات بلا هزائم، وتمكين بلا ضعف، وأمن بلا خوف.
أسمعتم يا إخوتي! عن ملوك الطوائف؟ أرأيتم كيف قسمت بلاد الأندلس إلى أكثر من عشرين دويلة صغيرة متناحرة مع أختها؟ أرأيتم العمالة والخيانة والخزي والعار؟ أرأيتم السفه والمجون؟ ثم أرأيتم ما شابه ذلك في بلاد المغرب والجزائر والسنغال وموريتانيا في قبائل البربر؟ أرأيتم الزنا كيف فشا؟ والخمور كيف انتشرت؟ أرأيتم السلب والنهب كيف طغى على الأرض؟ ثم جاء رجل واحد يدعى الشيخ: عبد الله بن ياسين يدعو إلى الله على بصيرة، ويربي ويعلم ويجاهد ويصابر، فإذا الرجل رجلان، والرجلان أربعة، والأربعة ألف وألفان وعشرة آلاف، وإذا البلاد تفتح والإسلام ينتشر ودولة المرابطين تقوم، وإذا رجلين وكأنهما ملكان يوسف بن تاشفين وأبو بكر بن عمر يعلمان ويربيان ويجاهدان ويصابران، فإذا بالدولة تتسع، والخير يعم، ويدخل في الإسلام ثلث أفريقيا، ويصبح الجيش ١٠٠.
٠٠٠ فارس في الشمال، و ٥٠٠.
٠٠٠ جندي في الجنوب، وإذا بالجيوش تعبر إلى الأندلس فتعيد البسمة إلى شفاه المسلمين، وتشفي صدور قوم مؤمنين وتذهب غيظ قلوبهم، وتذل الشرك وأهله، وتعز الإسلام وحزبه، وتنصر في الزلاّقة بـ ٣٠.
٠٠٠، يهلكون ٦٠.
٠٠٠ من القوط الأسبان، أرأيتم كيف تكون طاقة الإسلام؟ أرأيتم كيف يكون رجال الإسلام؟ أرأيتم كيف يكون شرع الإسلام؟ ولماذا نذهب بعيداً؟ هل أتاكم نبأ فلسطين؟ لماذا الجزع من احتلال دام ٥٠ سنة؟ ألم تسمعوا عن حملات الصليبيين التسع البشعة؟ ألم تعلموا أنهم مكثوا في أرض فلسطين محتلين لها مائتين من السنين، وفي بيت المقدس ٩٢ سنة، ألم تقرءوا أنهم قتلوا في بيت المقدس ٧٠.
٠٠٠ من المسلمين؟ وكانوا يسيرون في دماء المسلمين إلى ركبهم، ثم ألم تر كيف فعل ربك بالصليبيين؟ دارت دورتهم في التاريخ وانتهت دولتهم البشعة القذرة، وقام رجال متوضئون متطهرون، قارئون لكتابهم، خاشعون في صلاتهم، حاملون لسيوفهم معتمدون على ربهم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، قام رجال أمثال: عماد الدين زنكي ونور الدين محمود الشهيد وصلاح الدين الأيوبي، قاموا يحرصون على الموت فوهبت لهم الحياة، قاموا يتزينون للجنة، فتزينت الجنة لهم، قاموا مع الله فكان الله معهم، صدقهم الله وعده، ونصر عباده، وأعز جنوده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا هو سبحانه فكانت حطين وكان ما بعد حطين، وكانت أياماً تشرف التاريخ بتدوينها.
стр. 99
الصحوة الإسلامية المعاصرة وانتشار الإسلام في ربوع الأرض ودورهما في إزالة الإحباط
ولماذا نقلب في التاريخ فقط؟ أليس في واقعنا ما يشهد لوعد ربنا بالتحقيق؟ نعم.
والله١ رأينا وسمعنا ونحن على ذلك من الشاهدين، واعقدوا معي مقارنة بين واقعنا الآن وواقعنا منذ أربعين سنة، وهي ليست في عمر الأمم بشيء، أرأيتم الصلاة في المساجد؟ أرأيتم زوّار المساجد وعمارها من هم؟ وكيف أعدادهم؟ كنا في القديم لا نشاهد إلا أرباب المعاشات وقليل ما هم، أما الآن فالمساجد أكثر من أن تحصى، وعمارها كذلك جلهم من الشباب والأطفال، ألا ينبئ ذلك بمستقبل لهذا الدين؟ أرأيتم الحج والعمرة؟ ملايين! من المسلمين في كل عام من كل حدب وصوب؟ أعلمتم أنه أصبح من المستحيل أن تجد الكعبة خالية من الزوار والطوّاف، أرأيتم اشتياق الرجال والنساء والشيوخ والشباب إلى الحج والعمرة؟ أرأيتم الحجاب وانتشاره؟ في الستينات في الجامعة المصرية لم يكن هناك إلا فتاة واحدة محجبة فقط، ثم دارت الأيام فإذا دخلتم الجامعة الآن ونظرتم إلى النصف المملوء من الكوب بروح التفاؤل وجدتم الآلاف من الفتيات مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات، أما إذا نظرتم إلى نصف الكوب الفارغ فسيدخل في روعكم ما نحن بصدد دفعه، أرأيتم إلى الانتخابات في النقابات والاتحادات وغيرها؟ ألم تلمسوا تعاطفاً وحباً وتضامناً مع من رفع الإسلام شعاراً واتخذه منهجاً وإماماً؟ ألم تشاهدوا بأعينكم كيف يختار المسلمون المسلمين دون أن يعرفوا أشخاصهم لا لشيء إلا لأنهم فقط يعتزون بإسلامهم؟ أرأيتم معارض الكتاب؟ ألم تلحظوا أن أكثر الكتب مبيعاً هي الكتب الإسلامية؟ وأن أشد الأجنحة زحاماً هي الأجنحة الإسلامية؟ وأن أكبر الدور إنتاجاً هي الدور الإسلامية؟ بل أرأيتم كيف أن كل الفئات على اختلاف توجهاتها تحاول الآن أن تلعب بورقة الإسلام حتى وإن كانوا لا يرغبونه؟ وذلك لعلمهم بأن هوى الناس وميلهم أصبح للشرع والإسلام.
نعم.
والله! رأينا رأينا أحزاباً علمانية تعلن في برامجها أطروحات إسلامية، رأينا بنوكاً ربوية تفتح فروعاً للمعاملات الإسلامية، رأينا محلات لتصفيف الشعر للنساء تفتح أقساماً للمحجبات، رأينا برامج تلفزيونية ما كانت تحادث إلا فنانين وفنانات، وراقصين وراقصات، بدأت تروّج لبرامجها باستضافة علماء المسلمين، رأينا كل ذلك وغيره، وسوف تحمل الأيام المزيد.
ثم تعال يا أخي! ندقق النظرة ونوسع المدارك ونخرج للساحة العالمية! ألم تسمع إلى نصر الأفغان على الروس: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٤ - ٦]؟ إياك إياك أن تظن أن الروس هزموا لجبال أفغانستان الوعرة، بل هزموا لأن الله هزمهم، وردوا لأن الله ردهم عندما رأى من أهلها رجالاً أمثال الجبال أو أقوى من الجبال.
ألم تشاهدوا جنود إسرائيل يرقصون طرباً ويهللون فرحاً؛ لأنهم فروا كالجرذان وهربوا كالقطيع بمقاومة شعبية قادها حزب الله في بلد صغير كلبنان خرج من حروب أهلية إلى أزمات اقتصادية؟ ألم تشاهدوا كيف احتلت جمهوريات إسلامية بقيصرية روسية ثم بشيوعية بلشفية ما يزيد على ٣٠٠ عام، قهر وتعذيب وتشريد وتذبيح، حمل المصحف جريمة يعاقب عليها القانون، الإيمان بالله ينكرونه، والإيمان برسوله يجحدونه، ثم تمر السنوات ويولي الليل وتشرق الشمس، فإذا بشعوب ما زالت مسلمة، وبقلوب ما زالت مؤمنة، وبأيد ما زالت متوضئة، وجباه ما زالت ساجدة، فعل من هذا؟ إنه فعل الله الذي وعد: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
ثم تعال معي يا أخي! أبعد من ذلك.
أرأيت أمريكا كيف كان بها بضعة آلاف مسلم في الستينات، ثم هم الآن ٨.
٠٠٠.
٠٠٠ مسلم؟! والله يا إخوة! رأيت في مدينة شقة كانت تستخدم مسجداً في السبعينات فإذا بالأيام تمر فرأيت في المدينة عشرة مساجد، أرأيت الجاليات الإسلامية في الغرب؟ أسمعت عن مدارسها؟ عن مساجدها؟ عن مراكزها؟ عن جرائدها؟ عن مؤتمراتها؟ عن شركاتها؟ أعلمت يا أخي! أن دين الإسلام هو أسرع الأديان نمواً في العالم الآن؟ أعلمت أن موقعاً إسلامياً على الإنترنت يدخله يومياً مليونان من الزائرين، منهم مليون في أمريكا وحدها؟ أليس هذا فتحاً ونصراً وعزاً وأملاً؟
стр. 100
النظر في مصير أهل الكفر وما يصيبهم من عذاب الله الدنيوي
يا إخواني ويا أحبابي! من تقاتلون وأي الأقوام تحاربون؟ أليسوا اليهود ومن عاونهم؟ أليسوا الذين قال عنهم ربنا: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران:١١٢]؟ أليسوا الذين قال عنهم ربنا: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؟ أليسوا الذين قال عنهم ربنا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦]؟ هؤلاء هم اليهود: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٣ - ١٥]، إن كان اليهود أو كانت الأرض جميعاً معهم أتخشونهم؟ أتخشون كثرتهم وأحزابهم وتجمعهم؟ ألم يخاطبهم الله وأمثالهم بقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]؟ أتخشون عدتهم؟ ألم يقل ربنا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٢]؟ أتخشون أموالهم؟ ألم يقل ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]؟ أتخشون عقولهم وجوارحهم؟ ألم يصفهم ربنا بقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
هل تظنون أيها الإخوة المسلمون! أن حياة هؤلاء نصر بلا هزيمة وعز بلا ذل؟ شاهدنا أمريكا المتكبرة تخرج مهرولة ومولولة من فيتنام التي لا ترى على الخارطة بـ ٥٩.
٠٠٠ ألف قتيل.
وشاهدناها مرة ثانية ومرة ثالثة تخرج بنفس الهرولة والولولة من الصومال ولبنان، شاهدنا مفاعل تشرنوبل المحكم ينفجر ويلوث الآلاف من الأفدنة، شاهدنا صاروخاً أسموه تشالنجر أو المتحدي قالوا عنه: إنهم بلغوا فيه حد الكمال، تعالى الله عما يشركون: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، انفجر الصاروخ الكامل بعد ثوان معدودات من إطلاقه وأمام أعينهم؛ ليزيد من حسرتهم.
شاهدنا فيضاناً يغرق مدينة في ساعتين، مدينة نيوأورليانز في أمريكا في مايو سنة (١٩٩٥م): ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]، شاهدنا عاصفة ثلجية تدفن السيارات تماماً وتغلق الشوارع وتوقف الحياة ثلاثة أيام متصلة في نيويورك المدينة العصرية الحديثة.
شاهدنا إعصاراً يحمل سيارات النقل الضخمة ويقذف بها فوق المنازل، شاهدنا ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر تقلع الشجر في الغابات، وتمحو الحياة في لحظات، شاهدنا ذلك ولكن يا للحسرة! لم نشاهد هناك مدّكراً، شاهدنا مجتمعاً مهلهلاً مفككاً منحطاً يعيش على الرذيلة ولا يهتم بالفضيحة، أهواؤه تسيره ورغباته تحركه وشهواته تسيطر عليه وتدمره.
انظروا معي إلى هذه الأرقام تصف حال المراهقين الأمريكان الذين لم يبلغوا بعد ثمانية عشر عاماً من العمر والذين سيحكمون بلادهم بعد عشر سنوات: ٥٥% من هؤلاء الشباب ارتكبوا جريمة الزنا، ترتفع النسبة إلى ٨٠% في المدن الكبرى، وتنخفض إلى ٣٣% في المناطق الريفية، أي: أن أشرف مناطق أمريكا يرتكب فيها الزنا بنسبة ٣٣%، هذا تحت الثامنة عشرة من العمر.
فإذا صعدنا فوق ذلك قاربت النسبة ٩٠%، ٣٥٠.
٠٠٠ حالة حمل بدون زواج كل عام لبنات أصغر من ثمانية عشر عاماً، وهذا عدد أقل بكثير من الحقيقي، وذلك لكثرة الإجهاض.
٢٤% من العائلات الأمريكية ليس فيها أب؛ إما لأن الأم لا تعرف الأب؛ لأنها ارتكبت الزنا مع أكثر من رجل؛ وإما بسبب الطلاق، و٤٠% من الشباب المراهق يجربون المخدرات، أما الخمور فحدث ولا حرج، الرقم أكبر من أن يحصى، الجرائم زادت في مدينة دالاس الأمريكية بنسبة ٧٠% في عام واحد.
السبب الثالث للوفاة في المراهقين هو الانتحار، الانتحار هو السبب الثالث للوفاة في المراهقين الذين سيحكمون أمريكا بعد ذلك، أمريكا وحدها تسجل ٣٢.
٠٠٠ حالة انتحار كل عام.
المرض بالقمار
стр. 101
استنشاق رياح النصر بصبر المسلمين وثباتهم
أخي وحبيبي ورفيقي في طريق الله! أتشك في نصر على قوم كهؤلاء؟! أتشك في نصر على جيش غالبيته من الزناة والشواذ؟! أتشك في نصر على جيش أشرب في قلبه حب الخمور والمنكرات؟! أخي وحبيبي ورفيقي في طريق الله! ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧]، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال:٥٩].
أخي! يا من تظن أن النصر قد تأخر.
اعلم أن النصر لا يأتي إلا بعد أشد لحظات المجاهدة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠]، أي: ظن أقوامهم الكفار أن الرسل قد كذبوا: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، في هذه اللحظة التي ظن فيها الجميع الرسول وقومه أن الأمر قد وصل إلى نهايته في التكذيب والظلم والإعراض والشك، في هذه اللحظة التي وصل فيها الأذى للدعاة مداه، وقد ثبت الدعاة على مبادئهم، هنا في هذه اللحظة فقط جاءهم نصرنا، اسمع أيضاً إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤]، ماذا حدث للذين من قبلكم؟ ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، في هذه اللحظة التي بلغ فيها السيل الزبى، وبلغ الصبر نهايته، في هذه اللحظة المجيدة يقول سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
نعم.
﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، ألم تلاحظ في السيرة النبوية أن أشد لحظات الابتلاء للمؤمنين كانت في غزوة الأحزاب حيث وصفها ربنا بقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]، ألم تلحظ أنه بعد غزوة الأحزاب دخل المسلمون في فتح يتلوه فتح؟ بعد أشد لحظات المجاهدة جاءت الحديبية ثم مكة ثم الطائف ثم جزيرة العرب بكاملها، أمجاد تعقبها أمجاد، وأيام نصر وفرح وتمكين.
أخي! يا من تظن أن النصر قد تأخر.
اعلم أن الأدب مع الله يقتضي عدم استعجاله، وأن حكمة الله البالغة اقتضت أن يختبر أحبابه وأصفياءه، وأن النصر يأتي في وقت يعلم الله فيه أن خير المؤمنين أصبح في النصر وليس في انتظار النصر.
يروي البخاري: عن خباب بن الأرت ﵁ أنه قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟) ألم شديد وإيذاء عظيم، جلد وحرق وخنق وشنق، قال رسول الله ﷺ : (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، سبحان الله! تستعجلون بعد كل هذا التعذيب في مكة، كان خباب بن الأرت يستعجل؟ نعم.
ما زال هناك أشياء أخرى، ما زال هناك ترك للمال وترك للأهل وترك للديار، ما زال هناك صراع ونزال، ما زال هناك جهاد وشهادة.
أخي! يا من تظن أن النصر قد تأخر.
اعلم أن النصر لا يأتي إلا بيقين لا يساوره شك ولا تخالطه ريبة: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥]، أرأيت صحابة رسول الله ﷺ كيف كانوا في الأحزاب لا يأمنون على شيء؟ كيف كانوا محاصرين ومهددين؟ ثم هم يستمعون إلى بشرى رسول الله ﷺ بأمور تفوق الخيال، فإذا هم مصدقون وبالبشرى موقنون، انظروا كيف يحكي البراء ﵁: (أن الرسول ﷺ كان يضرب الحجر ويقول: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال: الله أكبر! أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر! أعطيت
стр. 102
سلسلة فلسطين_ الجهاد بالمال
حث الله سبحانه على الإنفاق في سبيله، وجعل ذلك من أبواب الجهاد فيه، فإن للمنفق عند الله أجراً عظيماً؛ وما ذلك إلا لأن الإنسان جبل على حبه للمال، فهو بإنفاقه يثبت حبه لله ولرسوله، والإنفاق نتيجته المباشرة هي الجنة، وقد سطر الصحابة ﵃ أروع النماذج في الإنفاق في سبيل الله لنصرة دينه، ولنا فيهم أسوة حسنة.
стр. 103
المال بين فطرة الإنسان بالشح فيه ووجوب إنفاقه في وجوهه
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم والقسوة، والغفلة والعيلة، والذلة والمسكنة، ونعوذ بك يا ربنا! من الفقر والكفر والفسوق، والشقاق والنفاق، والسمعة والرياء، اللهم إنا نعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
أما بعد: فمع المحاضرة العاشرة من المحاضرات المتعلقة بقضية فلسطين، وذكرنا في المحاضرات السابقة وسيلتين هامتين في نصرة القضية الفلسطينية، ذكرنا وسيلة تصحيح المفاهيم، وذكرنا وسيلة قتل الهزيمة النفسية والإحباط عند المسلمين، وكلامنا السابق وإن كان ظاهره كلاماً إلا أنه ينطوي عليه عمل كبير، فالمخطئ في فهم القضية لا يعمل لها، أو قد يعمل بطريقة تؤخّرها وتعطّلها، أو على أكثر تقدير فإنه قد يعالج جزئيات ويترك جزئيات أهم، ثم هو إن فهمها بطريقة صحيحة سليمة، لكن أصيب بداء الإحباط وهو داء قاتل ومرض عضال فإنه لن يتحرك، ويصبح كالفلاسفة في كل وادٍ يهيمون، يقولون ما لا يفعلون، يقبلون بالتنظير والتفكير، فإذا جاءوا إلى ميدان العمل ظهر فشلهم وبطلت نظرياتهم، والمسلم ليس كذلك، فهم القضية لا بد أن يتبع بتحريك لها، ستسألون عن علمكم والله، ستسألون عن علمكم.
روى الترمذي والطبراني رحمهما الله: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه).
ففهم قضية فلسطين لا بد كما ذكرنا أن يتبع بتحريك لها وبتفهيم لمن حولك، وبحركة دءوبة لا سكون فيها، وبتعب وكد لا راحة فيهما، وكذلك قتل الهزيمة النفسية، إن كنت قد تشبعت بالأمل، وتمكن اليقين بالنصر من قلبك، وسرت روح العزيمة في كل أوصالك؛ فانقل هذا إلى غيرك، وابعث الأمل في نفوس اليائسين، ومد يدك إليهم، وحرك عزائمهم، وكن لهم شعلة لا تنطفئ، وشجرة لا تذبل، ونهراً عذباً سلسبيلاً لا يتوقف عن السريان، بذاك يتحول الفهم والأمل إلى حركة وعمل.
إن كلماتنا تظل صوراً باهتة وأجساداً هامدة لا حراك فيها، حتى إذا عملنا من أجلها ومتنا في سبيلها دبت فيها الحياة، فصارت كياناً هائلاً متحركاً يصلح ما أفسده الناس، ويبني ما هدمه الناس، ويعمّر ما دمّره الناس؛ بذاك يصبح الفهم والأمل سلاحين ماضيين نافذين يحملهما المؤمن في حياته وإلى أن يموت، بل إنه والله لا يموت، فإذا كان الجسد قد كتبت عليه الوفاة فإن الفكرة قد تعيش إلى يوم القيامة، يجني المؤمن من ثوابها وفضلها وخيرها وهو هناك راقد في قبره.
روى الإمام مسلم ﵀: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، فإذا أدركت أن الفهم والأمل وسيلتان ناجحتان ناجعتان في حل قضية فلسطين، وحل قضايا المسلمين قاطبة، فهاك وسيلة ثالثة ناجعة ناجحة أيضاً ستصلح حالهم، وتصلح حالك قبلهم، وستسعد قلوبهم، وتسعد قلبك معهم، تعالوا ندخل الأرض المقدسة التي كتب الله لنا، نأخذ لقطات من هناك، وأترك لفطنتكم وحصافتكم تحديد اسم الوسيلة الثالثة.
اللقطة الأولى: رجل يعول عشرة يعمل خارج مدينته، يخرج كل يوم إلى عمله فإذا بالمعابر مغلقة، والمدينة محاصرة، فيعود إلى أهله خالي الوفاض.
اللقطة الثانية: شيخ يملك متجراً لا يستطيع أن يفتحه إلا قليلاً، فالحالة الأمنية حرجة جداً، أبناء يهود يعيثون في الأرض فساداً، وإن فتحه يوماً ما اشترى منه إلا القليل، فالمال قد قل في الأيدي، والفقر قد عم الأرض.
اللقطة الثالثة: خمس عائلات بالأمس قصف منزلهم وبدد متاعهم وضاعت أملاكهم، وهم يبحثون عن مأوى، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
اللقطة الرابعة: عائلة مكونة من أب يتجاوز الستين، وتسعة أبناء أكبرهم في السادسة والعشرين، الأب لا يعمل، والابن يعول، خرج الابن في مسيرة غاضبة يحمل حجراً يواجه يهود، فإذا به يتلقى رصاصة في صدره فيلقى ربه، وتفقد العائلة عائلها.
وهاك لقطة خامسة: رجال من أمتنا مجاهدون صابرون، باعوا أرواحهم لله واشتروا الجنة، يريدون سلاحاً أقوى من الحجر، لكن في هذه الظروف ارتفع ثمن السلاح وقلت مصادره، وقد لا يشتري إلا من يهودي بأضعاف أضعاف ثمنه
стр. 104
الحكمة في كون حب المال فطرة في الإنسان
حب المال متغلغل تماماً في النفس البشرية، مسيطر تماماً على جنباتها، لماذا يا إخوة؟! لماذا يخلق الله جلت قدرته وتعاظمت حكمته الإنسان على هذه الجبلة؟ لماذا يفطره على هذه الفطرة؟ ما الحكمة الربانية الجليلة وراء ذلك؟ هذا ما أسميه بفلسفة الابتلاء، الله بقدرته وحكمته ذرأ في النفس أموراً متأصلة فيها، وعظم جداً في حبها، وهنا لما علم أنك أصبحت تحبها حباً جمّاً ولا تطيق لها فراقاً، طلب منك أن تعطيها في سبيله وتنفقها من أجله؛ حتى تثبت أنك تقدم حب الله على حب شيء مؤصّل عميق في الفطرة، وهذا دليل الصدق في حب الله، فلو طلب الله من الخلق دفع شيء بسيط زهيد لنجح في الاختبار الصادقون والكاذبون، والأمر ليس تمثيلية هزلية، الاختبار حقيقي وجاد، بل هو عسير وشاق؛ ولكونه عسيراً وشاقاً فإن المكافأة سخية، والجائزة عظيمة، بل هي أعظم من أن يتخيلها البشر أو تخطر على أذهانهم، إنها الجنة التي لو أدركتم حقيقتها لذبتم اشتياقاً إليها، ولما طابت لكم حياة على الأرض، لو أدركتم حقيقتها ما خاطرتم بها ولو كان الثمن خزائن الأرض وكنوز الدنيا بأسرها.
ترجمة هذا: أنك تجد في نفسك حباً فطرياً وميلاً غريزياً للمال، ثم يطلب الله منك أن تنفقه في سبيله، هنا لا بد أن تعقد مقارنة سريعة حتمية في داخلك: أيهما تحب أكثر المال أم الله؟ نعم يا إخوة! هذه هي الحقيقة بكاملها: المال أم الله؟ كل إنسان يقول بلسانه: أختار الله على ما سواه، لكن لا بد أن يصدق العمل قول اللسان، وإلا فما معنى الاختبار؟ ترجمة هذا أيضاً: أنك تجد في نفسك حباً فطرياً للآباء والأبناء والأزواج والعشيرة، ثم يأتي موقف إما أن ترضي فيه الأحباب، وإما أن ترضي فيه الله، وعليك أن تعقد مقارنة سريعة: الأحباب أم الله؟ وتذكر أن الإجابة ستكون بالفعل لا بالقول، الأمر جد خطير والقضية مصيرية في حياة الإنسان: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة:٢٤]، انتبهنا إلى المقارنة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤].
فالجهاد جزء من حب الله ورسوله لكن ماذا يذكر في هذا المقام؛ حتى يلفت النظر إلى قضية الفعل لا القول؟ لا يكفي أن تقول: أحب الله أكثر، لا بد من الجهاد في سبيله وبذل هذه الأشياء الثمانية المذكورة في الآية، وماذا يحدث لو لم تفعل؟ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
стр. 105
وسائل التحفيز على الإنفاق
أنا في هذه المحاضرة أريد أن أحفزكم إلى معاكسة فطرتكم، ومخالفة ميلكم، ومقاومة غريزتكم، وهو أمر كما ترون من الصعوبة بمكان؛ ولكوني أعلم أني أضعف من أن أحفزكم بقولي فقد آثرت أن أحفزكم بقول العليم ببواطنكم الخبير بخفايا نفوسكم، القدير على تصريف قلوبكم.
أذكر لكم طريقة الله في التحفيز على الإنفاق، وهي طريقة عجيبة فريدة معجزة جديرة بأن تدرس بعمق وتفقه وعناية، طريقة تختلف كثيراً عن طريقته في التحفيز على أمور الخير الأخرى، طريقة تشعرك فعلاً أن قضية إنفاق المال قضية محورية في مسألة الابتلاء والاختبار، بل هي قضية محورية في إثبات صدق إيمان العبد؛ ولكونه يعلم سبحانه أن إخراج المال شاق وعسير، نوَّع في طريقته، وعلم رسوله الكريم ﷺ وسائل فريدة لهذا الأمر.
стр. 106
القناعة بأن الجنة نتيجة مباشرة لإنفاق المال
تعالوا نشرب حتى نرتوي من آيات الله ومن حديث حبيبه وحبيبنا محمد ﷺ .
أولاً: جعل الجنة نتيجة مباشرة لإنفاق المال، فعلى سبيل المثال يقول : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، أول صفة تذكر للمتقين: (الذين ينفقون في السراء والضراء)، يقول ابن كثير ﵀: أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال.
ويبدو فعلاً يا إخوة! أننا نعاني من قصور شديد في فهم كنه الجنة، فالجنة كلمة كان لها فعل عجيب في نفوس الصحابة، فكانوا يستعذبون العذاب في سبيلها، ويستمتعون بالموت من أجلها، الجنة كثيراً ما تتردد على أسماعنا فلا تحدث في قلوبنا ما كانت تحدثه في قلوبهم، ولا بد أن نقف مع أنفسنا لحظات فنسألها: لماذا لا تحدث كلمة الجنة في قلوبنا ما كانت تحدث في قلوب السابقين؟ هذه الآية نفسها سمعها -كما سمعناها الآن- عمير بن الحمام ﵁ وأرضاه في غزوة بدر، فماذا فعلت فيه؟ روى الإمام مسلم ﵀: عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري ﵁: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟! -الكلمة أصابت قلبه يا إخوة لا أذنه- قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها)، ﷺ .
فهذه بشرى من الصادق المصدوق ﷺ ، (فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن -ليتقوى على المعركة- ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة)، حياة طويلة جداً، وما هي إلا دقائق تفصله عن الجنة.
قال أنس بن مالك: (فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل)، موعده الجنة يا إخوة! فكيف يصبر على الحياة؟! بل تعالوا إلى ما هو في رأيي أشد موقفاً.
بيعة العقبة الثانية موقف هائل.
روى الإمام أحمد ﵀: عن جابر ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟)، فتعالوا لنرى بنود بيعة العقبة الثانية ونرى كم هي صعبة وعسيرة وشاقة، يقول رسول الله ﷺ : (على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم)، شروط قاسية وخطيرة، وعهد غليظ ومؤكد، وهنا قبل أن يبايعوا كما في رواية ابن إسحاق: يقول العباس بن عبادة بن نضلة ﵁ وأرضاه لقومه ينبههم إلى خطورة البيعة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف.
انتبه إلى نهكة الأموال وقتل الأشراف، انظروا إلى المال والنفس وكونهما ركيزتين أساسيتين لابتلاء المؤمن.
قالوا: فما لنا بذلك يا سول الله! إن نحن وفينا بذلك؟! يا ترى ما هو الثمن لكل هذه التضحيات النادرة والأحمال الثقيلة، والتبعات العظيمة؟ واسمعوا وانتبهوا يا إخوة! لما قاله ﷺ ، قال كلمة واحدة، قال: (الجنة)، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
يا إخوة! اقرءوا تاريخ الإسلام هل في الدنيا مثل هذا الموقف، باعوا كل شيء باعوا كل شيء يملكونه من نفس ومال وراحة وأمن وأهل وديار، واشتروا شيئاً واحداً ألا وهو الجنة، نزلت الكلمة برداً وسلاماً على الأنصار، فاطمأنت القلوب وخشعت الأبصار وسكنت الجوارح، الجنة وما أدراك ما الجنة! روى الإمام مسلم ﵀: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس من
стр. 107
الجمع بين الإنفاق في سبيل الله وبين الصلاة
غير ذلك: الوسيلة الثانية من التحفيز: الجمع بين الإنفاق في سبيل الله وبين الصلاة، كثيراً ما جمع الله بينهما في قرآنه ، ومن المعروف أن الصلاة عماد الدين، فيأخذ الإنفاق في سبيل الله من القلب حيزاً يقترب من حيز الصلاة، مثل قوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، صفات أساسية مجبول عليها الإنسان: الهلع، والجزع، والمنع أي: البخل، ثم ما هو الاستثناء؟ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٣]، إذاً الصلاة أول شيء ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
وانظر إلى فقه أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ذاك الرجل الذي لا تنقضي عجائبه، لما حدثت الردة وكان من المرتدين من ارتد فقط بمنع الزكاة، وكان بعض الصحابة يرى أنهم ما داموا قد شهدوا أنه لا إلا الله وأن محمداً رسول الله فلا يقاتلون، ولفقه الصديق ﵁ -وهو يعلم أن الجميع متفقون على أن منكر الصلاة كافر- لاحظ أن الله قد جمع بين الزكاة أو الإنفاق وبين الصلاة في مواضع كثيرة جداً في القرآن الكريم، فقال قولته الحكيمة: لا أفرّق بين شيئين جمعهما الله.
ومن هنا نعلم أنه إذا كان حكم إنكار الصلاة كفر والله قد جمع بين الصلاة والزكاة كثيراً.
إذاً: إنكار الزكاة كفر.
المهم عندنا أن نفهم أن هذا الجمع بين الصلاة والإنفاق لم يتكرر بين الصلاة وشيء آخر؛ مما يحفز المؤمن على الاهتمام والتدريب على عملية الإنفاق.
стр. 108
التحذير من التسويف والتأجيل
الوسيلة الثالثة من وسائل التحفيز: التحذير من التسويف والتأجيل.
وهذه آفة خطيرة، فالشيطان لا يأتي الصالحين ويقول لهم: لا تدفعوا أموالكم لفلسطين، ولكن يأتي ويقول: فلتدفع غداً أو بعد غد، أو فلتدفع بعد أن تشتري كذا وكذا، أو فلتدفع بعد أن يأتي لك مبلغ كذا وكذا.
إذاً: الشيطان يستعمل وسيلة التسويف ولا شك أنها فعّالة، استمع إلى قوله تعالى يحفزك على الإنفاق: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون:١٠]، سبحان الله! المال مال الله ثم نحن نسوف، قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].
إذاً: لو خطر على ذهنك الآن أن تدفع شيئاً لأهلك في فلسطين فأخرجه الساعة ولو قبل أن تنتهي المحاضرة، حدد الآن بينك وبين نفسك أو بينك وبين الله رقماً ستدفعه اليوم، إن لم تكن تحتفظ به في جيبك الآن لا تسوف، وإن جاءك الموت قبل أن تصل إلى بيتك ومالك فستؤجر بنيتك.
تصدق فقد تكون هذه الصدقة هي المرجّحة لكفة الحسنات، فتسعد سعادة لا شقاء بعدها.
стр. 109
مضاعفة الحسنات للمتصدقين
الوسيلة الرابعة من وسائل التحفيز: مضاعفة الحسنات بشكل فريد، فإننا في كل أمور الخير قد اعتدنا أن تضاعف الحسنات إلى عشر أمثالها كما في قوله مثلاً: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠]، أما في الإنفاق فالأمر مختلف؛ ذلك لأن الإنسان جبل كما ذكرنا على حب المال، ويحتاج إلى دوافع كبيرة ومحفزات عظيمة؛ ولذلك يزيد الله في أجر الإنفاق أكثر من أمور الخير الأخرى، فقد ضاعف الله أجر الصدقة إلى سبعمائة، انظر إلى قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]، فهذا والله يا إخوة! مشروع اقتصادي هائل، فلو أنفقت ألف جنيه لأهل فلسطين كان المردود عليك ما يوازي سبعمائة ألف جنيه، فقد توافق على أن تضع ألف جنيه في مشروع دنيوي يعود عليك بألفين مثلاً، ولا تضعها في مشروع رباني يعود عليك بسبعمائة ألف؟ مع أن المشروع الأول الدنيوي غير مضمون، والمشروع الثاني الرباني مضمون لا شك فيه، إذاً: فكر واحمد الله أنك ما زلت حياً وما زالت أمامك الفرصة للاستثمار.
روى الإمام أحمد والترمذي وصححه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل جبل أحد)، سبحان الله!
стр. 110
الإخلاف على المنفق في ماله وزيادته
الوسيلة الخامسة من وسائل التحفيز: قد يقول شخص: الحسنات الأخروية شيء عظيم، لكن إذا أنفقت على أهل فلسطين فسأحتاج أنا إلى من ينفق علي، فهذه وجهة نظر منه، إذ يعتقد أن ماله سينتهي بإنفاقه في سبيل الله، لكن الله يطمئنه بالتعويض في الدنيا قبل الآخرة: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، نعم.
هو يخلفه في الدنيا قبل الآخرة.
بل اسمع إلى الحديث العجيب الذي يدل على التحفيز الرباني بالتعويض.
روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (قال تعالى: أَنفق يا ابن آدم أُنفق عليك)، سبحان الله! إذا أنفقت على أهل فلسطين أنفق الله علي! والله رضيت بك يا ربي! منفقاً علي.
следующие страницы →