← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37381

كن صحابيا

راغب السرجاني

Полный текст (142 стр.). Показаны 106–142 · переход к 111.

стр. 106

من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها مسئولية أمام الله تعالى المفهوم الثاني: مفهوم في منتهى الخطورة، ألا وهو: أن الأخوة مسئولية، وليست مجرد كلمة تقال أو إحساس يشعر به الإنسان، الأخوة ليست أخذاً بلا عطاء، وليست مصالح تقضى لك كلما ازدادت معارفك، وليست قوة في سلطانك كلما ازدادت علاقاتك، يعني: أنت عندما يكون لك معرفة في رئاسة الحي تستطيع أن تحصل على ترخيص، ولو عندك معرفة في المرور تستطيع الحصول على الرخصة لو كانت مسحوبة منك، ولو عندك معرفة في وزارة التربية والتعليم تستطيع أن تدخل طفلاً قبل السن القانوني، ليس هذا هو المقصود من الأخوة ومن كثرة المعارف، إنما الأخوة تبعات ومسئولية، وهذا على العكس من المفهوم السائد عند كثير من الناس، فالأخوة تضحية وبذل وعطاء وإنفاق، إنفاق بلا مردود أو بلا طلب مردود، الأخوة إيثار على النفس، الأخوة حب خالص من القلب لا يراد به إلا وجه الله تعالى.

стр. 107

الحقوق الأخوية أمر إلهي يترتب عليه ثواب الدنيا والآخرة وتعالوا بنا نرى كيف أن الرسول ﷺ غرس في فهم الصحابة معنى الأخوة، أو معنى الحب في الله، أو معنى أنك تعيش في مجتمع متعاون مع إخوانك، ففي الحديث اللطيف الذي أتى بروايات كثيرة، وكلها في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم. ففي رواية البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى عليه صدقة) والسلامى: هو العظم أو المفصل، وهناك حديث آخر يبين أن عدد المفاصل في الجسم ٣٦٠ مفصلاً، يعني: عليك كل يوم ٣٦٠ صدقة، ثم بين النبي ﷺ الصدقة فقال: (كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة)، أي: تساعد الرجل في أن يصعد على دابته، أو تحمل متاعه وترفعه فوق الدابة، ثم يقول: (والكلمة الطيبة صدقة)، وهذه الكلمة الطيبة صادرة لشخص وليست صادرة هكذا للهوى، فأنت تكلم إنساناً لا جماداً، ثم قال: (وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة)، وهذا عمل من الأعمال الفردية، والمراد بذلك: أنه ذاهب إلى صلاة الجماعة، يعني: ذاهب يلتقي بالمسلمين، (ودل الطريق صدقة) أي: تدل التائه على الطريق الذي يريده. فهذه هي روايات الحديث عند البخاري. وهناك روايات أخرى غيرها، ففي رواية يقول: (يعدل بين الاثنين صدقة)، أي: تصلح بين اثنين متخاصمين صدقة، وفي رواية: (ويميط الأذى عن الطريق صدقة)، أي: تبعد الأذى عن طريق الناس صدقة، وفي رواية: (يعين ذا الحاجة الملهوف)، وفي رواية: (فليعمل المعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)، أيضاً هذا خير تعمله في الناس، أو شر تكفه عن الناس، وفي رواية: (تسليمه على من لقي صدقة)، وفي رواية: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي رواية: (وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة) يعني: تدل الرجل الأعمى على طريقه أو تمسكه بيده وتأخذه إلى المكان الذي يسأل عليه صدقة، فكأن عينيك أصبحت بصراً له، وفي رواية: (وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة). فهذه أعمال خيرٍ قالها الرسول ﷺ مرة في مجلس، ومرة في مجلس آخر، والمهم أن الصدقة الحقيقية التي يمكن أن تدفعها عن أعضائك وعن النعم التي أعطاك إياها ربنا جل وعلا هي أن تساعد غيرك، وأن تشعر بمسئوليتك تجاه الناس الذين تعيش معهم، أو المجتمع الذي تعيش بداخله، أو الأمة التي تعيش فيها، وعند ذلك تخيل مجتمعاً يفقه الأخوة بهذه الصورة، على أنها اختبار وامتحان وبذل وعطاء ومجهود، وهذا فعلاً ما فقهه الصحابة من أن الأخوة مسئولية، وليست منافع ومصالح، أو أن معارفي كثيرة فسأستطيع أن أكسب كثيراً، لا، إنما المراد أنك ستشتغل للمسلمين كثيراً، وستضحي من أجلهم كثيراً، حتى يشفق عليك مَنْ ليس له إخوان يتعب من أجلهم.

стр. 108

إعانة المسلم وكشف كربته سبب لإعانة الله للعبد وكشف كربته يوم القيامة وهذا المعنى قد ذكره الصحابي الجليل: النعمان بن مقرن ﵁ وأرضاه في خطبته المشهورة في موقعة نهاوند: ولا يكل أحدكم قرنه إلى أخيه -كلمة في منتهى الصعوبة- أي: لا أحد يرمي مسئوليته على أخيه الذي بجواره، وإنما كل واحد يحمل مسئوليته، بل لو استطاع أن يحمل مسئولية أخيه فليفعل، ثم قال: كلمة في منتهى الخطورة: فإن الكلب يدافع عن صاحبه. سبحان الله! الكلب يدافع عن صاحبه، فلماذا لا يدافع المؤمن عن أخيه المؤمن؟! صعب جداً أن يتدنى المؤمن إلى درجة أقل من الحيوان، فالحيوان يدافع عن صاحبه، والمؤمن لا يدافع عن إخوانه، هذا هو مفهوم المسئولية عند النعمان بن مقرن صاحب رسول الله ﷺ . وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) فالجزاء من جنس العمل، بل الجزاء عظيم على هذا العمل، فإذا كنت أنت الذي تنفس عن مؤمن كربة فربنا بنفسه هو الذي سينفس عنك يوم القيامة، وإذا كنت تيسر على معسر فربنا أيضاً هو الذي سييسر عليك في الدنيا وفي الآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ثم ذكر النبي ﷺ جملة في منتهى الجمال هي ملخص لكل ما فات: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، أي: ما دام أنك تساعد إخوانك فإن الله سيساعدك، وعلى قدر ما تعطي لإخوانك المسلمين يعطيك الله ويكون في عونك، وتخيل لو أن عندك مسألة أو قضية أو مشكلة في حياتك فإن الله يجعل لك من ذلك مخرجاً، ولذلك كان الصحابة باذلين حياتهم كلها لنفع الآخرين ولمساعدة الآخرين وللتضحية من أجل الآخرين، لأنهم علموا المردود لذلك، وأن ربهم هو الذي سيعوضهم وليس البشر.

стр. 109

حرص الأشعريين على مواساة بعضهم ومدح النبي لهم ولنتأمل في قبيلة الأشعريين التي منها أبو موسى الأشعري ﵁، هذه القبيلة كان لها عادة جميلة جداً، والرسول ﵊ علق على هذه العادة وشكرها. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو) أي: فني زادهم، وطعامهم في الغزو (أو قل طعام عيالهم بالمدينة) سواء كانوا في سفر أو في غزو، أو حتى وهم في المدينة مع بعضهم البعض، ماذا يعملون؟ (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد)، أي: جمعوا كل الأكل من كل البيوت، أو جمعوا كل الأكل الذي معهم السفر (ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) أي: أن كل واحد يأخذ نصيباً مساوياً للآخر، لكن قد يقول قائل: ما ذنبي أنا؟ لقد بقيت أجمع الطعام يومين وثلاثة وشهر وشهرين وجاري هذا لم يجمع شيئاً، فلماذا أتحمل أنا المسئولية؟ أيضاً: أنا صاحب عيال وزوجة، ولا أدري ماذا سيحدث غداً؟ لا، فقد كانوا يضعون الأكل في إناء واحد، ثم يقسمونه بينهم بالسوية، ولا يبقى هناك فضل لأحد على أحد، يعني: لا أحد يعرف من الذي كان أكله كثير ومن الذي كان أكله قليل، وهذا منتهى الإخلاص، وانظروا الرسول ﷺ يعلق على هذا فيقول: (فهم مني وأنا منهم) أي: أن الأشعريين من رسول الله ﷺ وهو منهم، وهذه منقبة عظيمة لهم، مع أن الأشعريين من اليمن، يعني: أنها قبيلة بعيدة جداً عن رسول الله ﷺ ، لكن الفعل يرقى بهم إلى أن يكونوا من رسول الله ﷺ وهو منهم ﷺ .

стр. 110

فهم عثمان بن عفان لمفهوم الأخوة وتطبيقه له وذكر أيضاً ابن عباس ﵄: أن الناس قحطوا في زمن أبي بكر وحصل قحط شديد، وفي هذا الوقت جاءت قافلة لـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فجاء التجار يريدون شراءها في هذا القحط الشديد، فسألهم عثمان: كم تربحونني؟ قالوا: في العشرة اثنا عشر، يعني: مقابل كل عشرة دراهم سنعطيك اثني عشر درهماً، قال: قد زادني غيركم، يعني: أنا أتاجر مع آخر وقد زادني على هذا الربح، فقالوا: في العشرة خمسة عشر، وهذا ربح عظيم جداً، ففي مقابل كل عشرة سيكون مكسب خمسة عشر، قال: قد زادني، قالوا: من الذي زادك؟ ونحن تجار المدينة، ولا يوجد أحد آخر غيرنا، فقال: الله ، زادني بكل درهم عشرة، فهل لديكم مزيد على ذلك؟ ثم قال: اللهم إني وهبتها لفقراء المدينة بلا ثمن وحساب، وتبرع بكل القافلة لفقراء المدينة، لأنه فهم معنى الأخوة، ولو كان رجلاً آخر ليس عنده مشاعر الأخوة في الله لأعطى زكاته ٢. ٥ %، ثم لا دخل له بعد ذلك، لكن الصحابي الجليل عثمان بن عفان فقه معنى الأخوة في الله، وأنها مسئولية وتضحية وبذل وعطاء لفقراء المسلمين، بل ولعموم المسلمين ولأمة الإسلام، فهذه هي حياة عثمان بن عفان ﵁، فهذه هي حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم.

стр. 111

فهم معاذ وسلمان لحقيقة الأخوة وتطبيقهما لها لم تكن مسئوليتهم تنحصر في المسئولية المادية فقط، بل كان الصحابي يعين أخاه على طاعة الله . ففي البخاري أن معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه كان يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة. فليس كله عمل، وليس كله شغل، وليس كله مادة، وليس كله انغماس في الدنيا، وإنما مساعدة على طاعة الله ، وهذا هو المعنى الذي ذكره الله على لسان موسى ﵊ في سورة طه فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢]، لماذا كل هذا؟ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤]، فالمؤمن يتعاون مع أخيه، وأخوه يعينه في يوم من الأيام، وكل واحد يتبادل مع أخيه منفعة المعاونة على الطاعة، وهذا هو العون الحقيقي، ولذا لم يقل الصحابي سلبياً أبداً في تعليم إخوانه الخير الذي عرفه. ففي البخاري عن وهب بن عبد الله ﵁ وأرضاه أنه قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، وهي المؤاخاة التي حصلت في المدينة المنورة بعد الهجرة فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة أي: رثة الهيئة، وهذا كان قبل فرض الحجاب فقال لها: ما شأنك؟ أي لماذا تعملين بنفسك هكذا؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، يعني: أن أخاه أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار وليس له حاجة في أهل بيته، فلا حاجة لأن تتزين، فهي تعيش حياتها بهذا التبذل أو بهذه الهيئة الرثة، وعندما سمع سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه هذا الكلام عرف أن هذا البيت على شفى حفرة، فقرر أن يكون إيجابياً فينصح أخاه. يقول الراوي وهب بن عبد الله ﵁ يقول: فجاء أبو الدرداء، يعني: أن سلمان دخل البيت وأتاه أبو الدرداء فصنع له طعاماً، أي أن أبا الدرداء صنع لـ سلمان طعاماً، فقال له سلمان: كل، أي: كل معي، قال: فإني صائم، وأبو الدرداء كان يسرد الصوم قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل استحياء من ضيفه، ولأنه صيام تطوع، قال: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم أي: يصلي صلاة الليل، قال له سلمان: نم، فنام قليلاً، ولم يستطع أن ينام، لأنه متعود على القيام، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، فقام مرة أخرى لكي يصلي فقال له سلمان: نم، ومرة أخرى أمره بالنوم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن أي: لما كان آخر جزء من الليل قال له سلمان: تعال نصلي القيام، فصليا، فقال له سلمان بعد أن أكملوا الصلاة - فـ سلمان يعلمه درساً في منتهى الرقي- إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، وفي رواية الترمذي قال: وإن لضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فكل واحد لابد أن يأخذ حقه، ولا ينفع أن تعطي الوقت كله لطاعة ربنا -على عظم هذا الأمر- ثم تترك أهلك من غير رعاية، أو تترك نفسك من غير رعاية، أو تترك ضيفك من غير رعاية، وكأن هذا الكلام لم يعجب أبا الدرداء، ولم يكن مقتنعاً، فهو يريد أن يعتكف طول حياته ليعبد ربه ، فذهب إلى الرسول ﷺ يشكو سلمان، وذكر له كل هذه القصة، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان صدق سلمان، فأقر النبي ﷺ سلمان على هذا التعليم اللطيف الذي عمله مع أبي الدرداء ﵃ أجمعين. والشاهد أن سلمان الفارسي ﵁ أعطى من وقته يوماً وليلة ليعلم أخاه درساً ينفعه، ولكي يحافظ له على بيته، وهذا من سلمان شيء في منتهى الروعة، وذلك أن الإنسان يوقف شغله ويوقف حياته ويوقف نظامه كله من أجل أنه يحافظ على بيت أخيه، أما أن يرى الأخ أو يسمع بمشاكل طاحنة في بيت أخيه وحياته لا تسير بصورة طبيعية، ثم لا يتدخل لحلها فليست بأخوة، فالأخوة مسئولية، ولذلك لو اضطررت لأن تقطع حياتك يوماً وليلة من أجل أن تسافر إلى أخيك، أو تدخل مع أخيك في قضية من القضايا تحلها له فافعل.

стр. 112

ابن عباس وقيامه بحق الأخوة طلباً لثواب الله وأخرج الطبراني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح، عن ابن عباس ﵄: أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لضرورة شديدة، فما بالك إذا كان معتكفاً في مسجد رسول الله ﷺ . فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس إلى جنبه، وكان يظهر على الرجل الكآبة والحزن، فقال له ابن عباس ﵄: يا فلان أراك مكتئباً حزيناً، وفي هذا ينبغي للمسلم أن يطمئن على أحوال إخوانه وإن لم يتكلموا، قال: نعم، يا ابن عم رسول الله ﷺ لفلان علي حق وحان أجله وليس معي ما يقضيه، أي: إن هناك ديناً علي، وليس معي ما يقضيه، فقال له ابن عباس ﵄: إن أحببت أن أكلمه لك، فـ ابن عباس هنا يعمل شيئاً إيجابياً لينفع صاحبه، فهو لا يستطيع أن يساعده بالإنفاق، لكن يمكن أن يكلم الرجل الذي عنده دين فيصبر عليه قليلاً، فقال الرجل: نعم، لأنه مضطر لذلك، فخرج ابن عباس ﵄ من اعتكافه ليقضي حاجة الرجل، فقال الرجل: أنسيت ما كنت فيه، أي: أنت في اعتكاف فكيف تخرج؟ فقال ابن عباس ﵄: سمعت صاحب هذا القبر -هذا الكلام كان بعد موت الرسول ﷺ يقول: (من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين) يعني: ظل مجتهداً في حاجته حتى قضاها، لأن الاعتكاف يعود نفعه على الفرد، وخدمة الآخرين تعود على المجتمع بأسره.

стр. 113

السعي في حاجات المسلمين كالجهاد والصيام والقيام في الأجر ولذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: (الساعي على الأرملة والمسكين)، وهذا أمر قد يتساهل فيه بعض الناس، فقد يعطيهم نقوداً قليلة في السنة مرة واحدة ويكفي، لا، ثم بين الجزاء فقال: (كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل). فتأمل تعظيم الناس لأمر الجهاد في سبيل الله -وهو أمر عظيم حقاً- وتعظيمهم للصيام والقيام، لكن ما مقدار ما يُعظِّم الناس السعي على الأرملة والسعي على المسكين! والسعي على الأرملة أو المسكين ليس فقط بأن تعطيهم بعض النقود كل سنة مرة، لا، فالساعي متكفل بالمسكين من أول ما يولد إلى أن يدخله الجامعة، وكذلك ينفق على الأرملة إلى أن يكبر عيالها، وهذا هو المجتمع المسلم الذي بني على أسس راسخة متينة. وهذا لم يكن كلاماً فقط، بل كان أفعالاً متكررة في حياة الصحابة، وانظروا إلى موقف الرسول ﷺ عندما جاءه نعي جعفر، قال النبي ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) لأن أهل جعفر عندهم مصيبة الموت، فقد مات جعفر ﵁ (فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)، فانظر إلى الرفق والفقه والرحمة، وهذا على عكس ما هو منتشر في كثير من البلاد، حيث أن أهل الميت يصنعون طعاماً للناس التي تأتي إليهم، فتجتمع عليهم مصائب عدة: مصيبة الموت، ومصيبة الإنفاق ومصيبة التجهيز والتحضير واستقبال الناس، وهذا كله مخالف للسنة، فالأخوة مسئولية وبذل وعطاء، وليس المقصود أنك تذهب فتكسب من أخيك أو تستفيد من أخيك وانتهى الأمر.

стр. 114

من نصر مسلماً أو ذب عن عرضه نصره الله في موطن يحتاج فيه إلى نصرته أيضاً: الصحابي لم يكن يقبل أن يقال في حق أخيه وهو غائب كلمة قدح أو جرح، وإنما لابد أن يرد عنه في غيبته، وأن يدفع عنه. فقد روى أبو داود وأحمد عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري ﵄ أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : (ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته)، وفي المقابل (وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته)، هذا هو أحد المفاهيم التي ترسخت عند الصحابة. وفي البخاري ومسلم عن كعب بن مالك ﵁ وأرضاه أحد المخلفين في غزوة تبوك أنه قال: (إن رسول الله ﷺ لما علم بغيابه في الغزوة قال: ما فعل كعب؟)، اطمئناناً منه ﷺ على أصحابه، فهو يسأل لماذا لم يأت كعب معنا؟ فقال رجل من بني سلمة -بكسر اللام- يا رسول الله! حبسه برداه أي: حبسته ثيابه، ونظره في عطفيه يعني: في حسن وبهاء الثوب الذي عليه، والمراد من ذلك: أن الدنيا قد شغلته عن القدوم إلى الغزوة. فرد عليه معاذ بن جبل ﵁ قائلاً: (بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً)، والشاهد أن معاذاً دافع عن أخيه كعب، وإن كان كعب متخلفاً عن أهم غزوة في حياة المؤمنين، لكن معاذاً عذر أخاه حتى يعرف سبب تخلفه عن هذه الغزوة هذه هي الأخوة الحقيقية وهذا هو المعنى الذي فهمه الصحابة عن الأخوة. كذلك: لما وقع الناس في عائشة أم المؤمنين ﵂ في حادثة الإفك المشهورة قالت أم أيوب لزوجها أبي أيوب الأنصاري ﵄: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم، وذلك الكذب، وتأمل كيف يدافع عن عائشة وهو جالس في بيته ولا أحد يراه، ثم قال كلمة شديدة لامرأته أكنتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب، يعني: أكنت تفعلين هذا الفعل الذي يقوله الناس على السيدة عائشة ﵂؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فـ عائشة والله خير منك، فهكذا قال أبو أيوب الأنصاري مدافعاً عن السيدة عائشة في غياب كل الناس، وهو قاعد مع امرأته فقط، ولذا كان من حق السيدة عائشة ﵂ على أبي أيوب الأنصاري أن يدافع عنها في غيبتها، وبهذا فعلاً تُحفظ حرمة المؤمنين وحرمة المؤمنات من السوء. والخلاصة: أن الأخوة مسئولية وتضحية، ولن نستطيع أن نستفيض بذكر كل الروايات التي أتت في هذا الموضوع؛ لأن هذا يعني أننا سنتكلم عن حياة الصحابة من أولها إلى آخرها، لنرى مدى عملهم من أجل إخوانهم ومن أجل أخواتهم.

стр. 115

من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها تكون لكل مؤمن المفهوم الثالث: أن الأخوة لكل من آمن بالله العظيم رباً، وبرسوله الكريم ﷺ نبياً، وبدين الإسلام ديناً. فهي لمن قرب ولمن بعد، وهي لمن كان عربياً أو كان أعجمياً، لمن كان حديث الإسلام أو سابقاً بالإيمان، لمن تعرف ولمن لا تعرف، فهي لكل واحد من المسلمين ممن يستحق كل حقوق الأخوة، حتى وإن كنت لا تعرفه قبل ذلك، وهذا شمول رائع في مفهوم الأخوة. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ (يطرق الباب على رسول الله ﷺ في دار الأرقم يوم أن أسلم)، يطرقه وله تاريخ طويل ومؤلم مع المسلمين، تعذيب وإيذاء ومعاداة وكراهية، وفي آخر لحظة من لحظات كفره أراد قتل الرسول ﷺ ، وإذا به يطرق الباب فيقول حمزة بن عبد المطلب ﵁: افتحوا له الباب، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، ثم دخل عمر وآمن بالله . فانظر مقدار ما حصل في حياة الصحابة، وكيف تحولت الكراهية الشديدة في قلوب المؤمنين التي كانت لـ عمر بن الخطاب إلى حب لـ عمر ﵁، وكيف رضوا أن يخرجوا خلف عمر بن الخطاب وخلف حمزة بن عبد المطلب ﵄ في صفين إلى الكعبة، وهو لا يزال قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يحاربهم، وكيف أن قلوبهم تغيرت وتحولت، فهذه هي معجزة هذا الدين, وأصبح عمر أخاً لكل المسلمين يدافع عنهم ويدافعون عنه. وهذه هي الأمة التي رضي الله عنها، والتي أنعم عليها بهذه النعمة، أي: نعمة الأخوة، ولذا فقد استفاد عمر ﵁ وأرضاه من هذا الدرس الذي فعله معه المؤمنون، وذلك عندما رأى المؤمنين كلهم يحبونه -رغم ما فعله بهم- بمجرد أنه أطلق كلمة الإيمان، وأصبح مقياس الحب والكره في قلب عمر مربوطاً بالإيمان. وهذا مثال آخر: فعند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: في إسلام ثمامة بن أثال ﵁، وثمامة بن أثال أسلم في أواخر حياة الرسول ﷺ ، وذلك بعد حياة طويلة من محاربة الرسول ﷺ ، فيروي أبو هريرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد كان -يقصد ثمامة بن أثال - والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنه في عيني الآن أعظم من الجبل، أي: بعد أن آمن بالله رباً اختلفت النظرة، وأصبح له كل حقوق الأخوة، وأولها الحب والبغض في الله. وانظر أكثر فقد تحدث هذه العاطفة الأخوية الراقية مع مؤمن لم تره من قبل مطلقاً، فتشعر بهذه العاطفة القوية تجاهه، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، والرجل هذا لا أحد يعرفه، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد يعني: أنا فقير معدم لا أجد شيئاً آكله، وليس معي نقود لأشتري طعاماً فأرسل ﷺ إلى نسائه يطلب أكلاً لهذا الرجل فلم يجد عندهن شيئاً فهذا بيت رئيس المدينة المنورة، وزعيم الأمة الإسلامية في زمانه، ورغم ذلك لا يوجد في بيته طعام يكفي رجلاً واحداً فقط، ورغم ذلك لم ينس الرسول ﷺ القضية، وقال: أنا ليس معي شيء، ولا أستطيع أن أعطي. لا، بل شعر بحقيقة الأخوة ولم يتركه، ثم قال: (ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله) فيطلب من الصحابة أن يضيف أحدهم هذا الرجل، والجزاء يرحمه الله، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله ودخل على امرأته -لوحده في المرة الأولى- فقال لها: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئاً يعني: أي شيء عندك أعطيه إياه، فقالت المرأة -مفاجأة قاسية-: والله ما عندي إلا قوت الصبية يعني: ليس عندي أكل الذي يكفي الأطفال فقط، حتى أنا وأنت لا طعام لنا، فقال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم فالرجل أيضاً لم ييأس، فقال لامرأته: عندما يأتي وقت عشاء الأطفال اجعليهم ينامون، ونطعم ضيف رسول الله ﷺ ، وليس فقط ذلك، بل قال: وأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، حتى يشعر الضيف أن الطعام كثير، وأننا نأكل معه، وحتى لا يشعر أيضاً بالحرج، وفعلاً ناما جائعين، قال: ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، أي: أن المرأة وافقت زوجها في ذلك، (ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ في اليوم الثاني فقال له الرسول ﷺ : لقد عجب الله ، صنيعكما بضيفكما الليلة)، فكان ذلك أمراً عظيماً من هذا الصحابي، ولمن؟ لشخص لا يعرفه وأصابه الجهد، وهذا هو مفهوم الأخوة عند الصحابة، وليس مهماً أن تعرف الإنسان، بل المهم أن هذا الإنسان مؤمن بالله ، ولذا فإنه من أجل هذه الأخوة دون سابق معرفة فإن الله عز وج

стр. 116

من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها تورث السعادة في الدنيا والآخرة المفهوم الرابع: أن الأخوة في الله نعمة من الله نسعد بها في دنيانا وكذلك نسعد بها في آخرتنا، فالمسلم عندما يؤاخي أخاه في الله لا من أجل الثواب في الآخرة فقط، بل من أجل الحصول على السعادة في الدنيا، لأنه أن يكون أهل الأرض جميعاً يتصارعون على الدنيا ولا يجدون هذه السعادة التي يحس بها المسلم مع أخيه المسلم، وانظر إلى قول الله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، فهذه نعمة واضحة أمامك، ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فنعمة الأخوة في الله لا تعدلها أموال الأرض جميعاً ولا نعيم الدنيا كلها، وهذه ليست مبالغة أقولها، بل هذا كلام ربنا ، واسمع إلى كلامه في كتابه إذ يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، فهذه نعمة واحدة فقط، ولو أنفقت كل ما في الأرض لن تستطيع أن تعملها، فهي أغلى من كل ما في الأرض، ولا يدرك فضلها وقيمتها إلا الذي فقدها، لذا فإن أمم الأرض جميعاً تحسد المسلمين على هذه المنة العظيمة، والعجب أن كل من في الأرض يضحي من أجل إخوانه إلا المسلمين، قال الله في حق اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، وقال في حق النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٤]، لكن أمة الإسلام شيء آخر، فهي تعيش في نعمة وسعادة في الدنيا بسبب هذه الأخوة، فكيف يمكن أن نفقد هذه السعادة! وكيف يمكن أن نضحي بهذه الأخوة! ليس ممكناً أبداً لمؤمن فاهم عاقل أن يضحي بهذه السعادة ويطلب أي نعيم في الدنيا أو أي مال في الدنيا في نظير هذه الأخوة، إن أعلى معدلات الاكتئاب النفسي التي توجد عند الرجال والنساء أو الأطفال الذين يعانون من الوحدة في البلاد التي يقولون عنها بأنها راقية عالية جداً، وراجعوا إحصائيات الاكتئاب النفسي الموجودة في أمريكا وإنجلترا والسويد والدنمارك وغيرها من البلاد التي يقولون عنها بأنها بلاد راقية جداً، وكل ذلك بسبب أنه ليس فيها أخوة، وليس فيها من يسأل عن الآخر، فالابن عندما يكبر قليلاً ويصل إلى السادسة عشرة أو السابعة عشرة يترك بيت أبيه وأمه ولا يسأل عنهم أبداً، والكبار قد يضعوهم في دار مسنين ولا يسأل أحد عنهم، فتخيل مجتمعاً بهذه الصورة، وعلى النقيض تخيل مجتمعاً إسلامياً بالصورة التي ذكرناها، سعادة ما بعدها سعادة، فهذه نعمة الإسلام الكبرى، أعني: نعمت الأخوة في الله، ولذلك كان من المستحيل أن يضحي الصحابة بهذه السعادة من أجل أي شيء في الدنيا مهما كان كبيراً في أعين الناس. والخلاصة: مفاهيم الصحابة عن الأخوة، وهكذا تعاملوا مع هذه المسألة الهامة في بناء الأمة الإسلامية، ففهموا أن الأخوة طريق للجنة، وأن الأخوة مسئولية لكل مؤمن مهما بعد أو قرب، عرفوه أم لم يعرفوه، وأن الأخوة تورث السعادة في الدنيا وفي الآخرة. وأختم حديثي بالحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: (حقت -وفي رواية: وجبت- محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتجالسين في). أسال الله حبه وحب من أحبه وحب عمل يقربنا إلى حبه، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 117

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والدعوة إن من أشرف وأعظم الأعمال التي يقوم بها المؤمن الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي وظيفة الأنبياء والمرسلين الأولى، ولا يستقيم أمر هذه الأمة إلا بنشر الدعوة بين الناس، وقد نقل لنا التاريخ صفحات بيضاء من حياة الصحابة في التضحية بالنفس والمال من أجل هذه الدعوة المباركة.

стр. 118

أهمية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس مجموعة: كن صحابياً، والذي سيكون بعنوان: الصحابة والدعوة. إن الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أشرف الأعمال التي يقوم بها المؤمن، فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، أي: أن كلمة الدعوة ستظل هي أحسن من كل الكلمات التي يمكن أن تنطق بها، هذه الكلمة العظيمة -كلمة الدعوة- هي وظيفة الأنبياء الأولى، يقول الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، لماذا؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، أي: ليوضح وليبلغ لهم، ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤]، فالهداية بيد الله ، لكن لا بد أن تقام الحجة على العبد، ولا بد أن تصل الدعوة إلى العبد، والذي يوصل الدعوة إلى العباد هم الأنبياء، ثم بعد آخر الأنبياء محمد ﷺ يوصل الدعوة إلى الناس أتباعه، أي: المؤمنون بهذا الدين، والمسلمون به إسلاماً حقيقياً صادقاً، فهم الذين يتحركون بدعوة الأنبياء، لأنه ليس هناك نبي بعد رسول الله ﷺ ، ولا بد أن يحمل المؤمنون الصادقون هذه المهمة العظيمة التي كان يحملها رسول الله ﷺ ومن سبقه من أنبياء الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، ويقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]، وغيرها من الآيات الكثيرة على هذا المنوال، وعلى هذا المعنى: فالذي يبين للناس الحلال والحرام، والذي يعرف الناس المعروف ويأمرهم به، والذي يبين للناس المنكر وينهاهم عنه، هو الذي يعمل بعمل الأنبياء، لذلك جعل الله صفة الدعوة أو صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لكل من حمل لقب مؤمن، فما دام وصفك مؤمناً فلا بد أن تكون داعية إلى الله ، وإذا أردت أن تستثمر صفة الإيمان لا بد من الدعوة إلى الله ، يقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. لاحظ تقديم صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مع أن من المعلوم أن الصلاة هي عمود الدين، بل هي أعظم شيء في هذا الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، ومع ذلك يقدم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أمر الصلاة، وكذلك الزكاة التي هي من أحكام الإسلام الأساسية، قد قدّم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها، لأن الله يريد أن يربي المؤمنين على أن لا يعيشوا لأنفسهم فقط، فلا ينفع أن تجلس تصلي وتزكي وتعمل أعمالاً فردية بينك وبين نفسك، وليس لك اتصال بالناس، أو شأن بالآخرين، لأنك إذا شعرت بعظم هذه الرسالة لا بد أن تنقلها إلى غيرك، فهذه هي الغاية من هذه الأمة ومن هذه الرسالة، فلا يكفي أنك تستوعبها فقط، بل لا بد بعد هذا الاستيعاب أن تنتقل بهذه الرسالة إلى من حولك من الناس ومن البشر، سواء كانوا من المسلمين أو كانوا من غير المسلمين. ثم لاحظ التعليق الرباني اللطيف والجميل جداً على هذه الآيات فيقول: ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١]، أي: أولئك الذين يتصفون بهذه الصفات، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله الكريم ﷺ سيرحمهم الله ؛ لأنهم رحموا عباد الله ، والجزاء من جنس العمل، ولأنهم لما رأوا الناس تتجه إلى هاوية سحيقة، تتجه إلى النيران، تتجه إلى البعد عن الله ، تتجه إلى المعيشة الضنك، ما استراحوا إلا بعد أن أوضحوا لهم طريق الدعوة، وطريق الإسلام، وطريق الله ، لذا كان لا بد أن يرحمهم الله ويهديهم طريقهم، ويدخلهم الجنة و

стр. 119

عظم أجر الدعوة إلى الله تعالى لا شك أن المسلمين جميعاً يفقهون قيمة الدعوة، وقيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن نحن في هذه المجموعة نريد أن نتعرف على نظرة الصحابة لقضية الدعوة إلى الله ، لقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف تكون صحابياً في دعوتك؟ وكيف تكون صحابياً في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر؟ إنها قضية في غاية الأهمية، وأنا أعتبر هذا الدرس من أهم الدروس في هذه المجموعة، لأنه ليس هناك أمة يمكن أن تبنى من غير دعوة، نعم قد يوجد أفراد عظماء جداً من غير دعوة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لكن هو في حاله ومشغول بنفسه، فلا ينشر هذا الكلام إلى من حوله، لذا كان من المستحيل أن تقوم أمة بغير نشر الدعوة بين الناس وبين عموم المسلمين وغير المسلمين، وممكن أن يقوم فرد واحد، لكن أمه مكونة من أفراد كثيرين ومجتمع هائل من البشر، لا بد أن تصل الدعوة للناس جميعاً، وتعالوا بنا لنرى كيف كان الصحابة يفكرون في قضية الدعوة؟ وكيف جعلوها قضية أساسية تماماً في حياتهم؟ إنه ليس من الممكن أن تقرأ في سيرة أي صحابي إلا وتجد الدعوة ركناً أساسياً من أركان حياته، وليس من الممكن أن تجد عنده يوماً أو يومان أو عشرة أو عشرين أو سنة أو سنتين من حياته من غير دعوة، وإنما كل حياته موجهه إلى تعليم الآخرين، وكل حياته موجهة إلى دعوة الآخرين للإيمان بالله وطاعته وطاعة رسوله الكريم ﷺ . إن الشيء المهم جداً في نظرة الصحابة إلى الدعوة أنهم كانوا يعلمون أن المستفيد الأول من عملية الدعوة هو الداعية نفسه لا المدعو، فالرجل الذي يقوم الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو المستفيد الأول من الدعوة، وحتى ولو لم يستفد الشخص الذي دعاه ولم يسمع كلامه، فالداعية مستفيد أيضاً على كل الأحوال، فكما أنه يصلي ويصوم ويزكي ويجاهد في سبيل الله، ويقوم بأنواع الخير المختلفة، ويطلب من الله ثواب هذا العمل، فهو أيضاً يطلب ثواب هذه الدعوة من الله ، وثواب الدعوة لا يمكن لعقل أن يتخيله، لأنه يمكن أن تتخيل ثواب الصلاة أو ثواب الزكاة أو ثواب الإخلاص في سبيل الله، وقد أخبرنا ربنا كثيراً عن هذه الطاعات وثوابها في كتابه الكريم، وكذلك نبينا محمد ﷺ في السنة، لكن ثواب الدعوة لا يمكن أن تتخيله؛ لأن الرسول ﷺ قال كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، فإذا دعوت شخصاً إلى الخير وعلمته الصلاة، وبدأ يصلي بعد أن دعوته إلى الله ، فكل الصلوات التي يصليها هذا الرجل والتي تخفى عليك تماماً هي في ميزان حسناتك، وسواء عاش عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مائة سنة، فكل السنوات التي يعيشها ويصلي فيها فرضاً أم نفلاً في الليل أو في النهار يحصل لك من الأجر مثل أجره تماماً، وإذا علم الرجل أولاده الصلاة، فكل صلوات أولاده في ميزان حسناتك أنت أيضاً، وإذا علم جيرانه الصلاة، فكل صلوات جيرانه في ميزان حسناتك أنت أيضاً، ثم بعد ذلك لو أصبح -الذي علمته الصلاة- داعية إلى الله في بلد آخر وفي أي زمان وفي أي مكان فكل الناس الذين سيدعوهم إلى هذا الأمر في ميزان حسناتك، وممكن أن هذه الدائرة ستظل تعمل بعد أن تموت بسنوات طويلة، بل قد تظل تعمل حتى قيام الساعة. وهذا شيء عظيم أن تصل إليك حسنات من أناس لم ترهم ولم تعرفهم ولم تعش في زمانهم، وأعظم من ذلك أن هذا الأمر يستمر إلى قيام الساعة، ونحن الآن على مدى كل هذه السنين نضيف حسنات لمن دعوا هذه الأمة إلى هذا الخير الذي نحن عليه، كـ أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة والتابعين، وكذلك الناس الذين حملوا هذه الرسالة وأوصلوها إلينا، فكم من الخير يمكن أن يكون في أمر هذه الدعوة إلى الله ؟! لأجل ذلك كان يضحي الداعية بعمره كله، لكن لا يضحي بأمر الدعوة أبداً إلى الله ، ولأجل ذلك كان يبذل النفس والروح والوقت والعرق والمجهود وأي شيء آخر، لكن لا يمكن أن يضحي بقضية الدعوة؛ لأن ثوابها لا يمكن أن يتخيله أحد أبداً، ومن هنا نستطيع أن نفهم كلام ربنا : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، من أحسن من هذا؟ مستحيل مهما قلت وعددت من الأعمال الصالحة: الذاكر لله ، والقائم يصلي، والقارئ للقرآن، وغيرها من الأعمال الفاضلة جداً، لكن تبقى قيمة الدعوة أعلى وأعظم، لأن الداعية لا يعمل هذه الأشياء فقط، بل يجعل غيره يعملها، وهذا فضل عظيم وكبير.

стр. 120

عقوبة ترك الدعوة إلى الله وعلى الناحية الأخرى لو لم نقم بالدعوة، ماذا ستكون النتيجة؟ ليس مجرد أنه لا يوجد حسنات فقط بل ستكون النتيجة صعبة جداً، فسيُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر في منتهى المشقة على العبد وعلى الأمة؛ ويدل على ذلك: الحديث الذي رواه الترمذي ﵀ وقال: حسن. عن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده!)، وعندما يقسم الرسول ﷺ فهو يقصد شيئاً مهماً جداً؛ مع أننا نصدقه، لكن هو يريد أن يعمق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينا، فيقسم على أهمية هذا الأمر فيقول: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه)، وفي رواية: (عقاباً منه)، إما هكذا وإما هكذا، إما أن تدعوا إلى الله ، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وإما أن يبعث الله عليكم عذاباً منه، وبعد ذلك: (ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)، عندما تجد ربنا يؤخر إجابة دعوتك مرة ومرتين وعشرة ولديك أزمات كثيرة لم تحل، وأنت رافع يديك إلى الله ، يمكن أن تكون هذه هي المشكلة المعيقة للإجابة، يمكن أن تكون هذه هي المشكلة الكبيرة التي هي عند كثير منا أنهم يعبدون ربنا ، لكن ليس لهم شأن بالناس، فجاره يكون بعيداً عن الله وليس له شأن به، وزميله في العمل بعيد عن ربنا وليس له شأن به، حتى أحياناً أن زوجته وأولاده وأمه وأباه وإخوانه بعيدون عن ربنا ، ومع ذلك ليس له شأن بهم! فهل أنت عايش لنفسك فقط؟! إن هذه ليست حياة وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط، فالصحابة كانوا يعيشون لأهل الأرض أجمعين، وليس فقط لأنفسهم وأولادهم وزوجاتهم وإخوانهم وقبيلتهم وعشيرتهم. روى الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان وحسنه الألباني عن عائشة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء) يعني: همه وأحزنه شيء، (فتوضأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات فسمعته يقول:) أي: بدأ يخاطب الناس في المسجد بخطبة شديدة قال فيها: (يا أيها الناس! إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر)، وبعد ذلك يهدد تهديداً في منتهى الخطورة. فيقول: (من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم). أليس من الممكن أن إهمال المسلمين لقضية الدعوة هو السبب في حالة الانهيار الكبير الذي وصلت إليه الأمة اليوم؟ والذي نراه أمام أعيننا من أزمات طاحنة في الأمة الإسلامية في كل مكان، وتأخير النصر عنا، ونحن ندعو ربنا ، ويجوز أن يكون عندنا مشاكل أخرى هي التي تؤخر النصر، فقد تكون في مرحلة الإعداد، -يجوز أن يكون هناك تقصير- أو في عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من الممكن أن يؤخر قيام أمة، بل ويستأصل أمة بكاملها، لأنها لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، وهذه كانت أول مشكلة وقعت في بني إسرائيل، حيث أن المؤمنين لم يقوموا بواجبهم على الوجه الأكمل، فكانت الهلكة لبني إسرائيل جمعياً، وتعالوا لنرى وصف رسول الله ﷺ لأمر بني إسرائيل وكيف سقطوا؟ يقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل)، أي: أول مشكلة ظهرت في بني إسرائيل، وكان بعدها الهلكة واللعنة لهم، (كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك)، أي: يأتي الرجل المؤمن فيرى رجلاً يقوم بمعصية ما، فيقول له: يا أخي اتق الله فإن هذا لا يحل لك أن تفعله، فيجده مرة يسرق، ومرة يزني، ومرة يقتل، ومرة يعمل كذا أو كذا من الموبقات والمعاصي، وينهاه عن هذا الفعل ويقول له: لا تعمل هذا، فإنه لا يحل لك في دينك، (ثم يلقاه من الغد) أي: يأتي اليوم الثاني ويمشي المؤمن من جوار العاصي، (فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده) يعني: يأتي في اليوم الثاني ويلقاه على نفس المعصية والجرم الذي كان يقوم به، والذي نهاه عنه الرجل المؤمن قبل ذلك، ثم بعد ذلك تجد الرجل المؤمن الذي كان داعية إلى الله لا يمتنع عن أن يأكل معه ويشرب معه ويقعد معه، وكأن شيئاً لم يكن، وليس هناك ثمة مشكلة، فهو نهاه مرة عن المنكر وأمره بالمعروف، ثم بعد ذلك نسي، وعاشت هذه الأمة -بني إسرائيل- بهذه الطريقة، فماذا حصل عندما تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال رسول الله ﷺ : (فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بب

стр. 121

إصلاح الأوضاع من مهام هذه الأمة إن هذه الأمة لا تُهلك بكاملها، ولا يستأصلها الله بأجمعها؛ لأنها الأمة التي تحمل الرسالة الباقية إلى الخلق أجمعين وذلك إلى يوم القيامة، ولكن من الممكن أن تستبدل -كلمة في منتهى الخطورة- فالله يستبدل جيلاً بجيل آخر، فيذهب جيل فاسد ويأتي جيل صالح، وكذلك يذهب فرد فاسد ويجيء فرد صالح، وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم من المسلمين أيضاً، لكن من المسلمين الذين فهموا دينهم جيداً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، أي: أن الأمة التي لم تستوف شروط الخيرية ستستبدل بأمة مسلمة ثانية، وذلك مثلما استبدل ربنا أمماً كثيرة من الأمم الإسلامية السابقة، فدول إسلامية قامت ودول إسلامية سقطت، وهذا السقوط كان متبوعاً بقيام أمة تحافظ على شروط الخيرية، وأهم شروط الخيرية لهذه الأمة التي ذكرها الله في كتابه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ومن أول صفات هذه الأمة الخيرية: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وتأمل هنا: مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من الإيمان بالله ، لكن الله قدمه لكي يُعظِّم قيمته، ولكي تعرف أنه من غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -حتى لو كنت تعمل عبادات كثيرة جداً- لا خيرية لهذه الأمة أبداً. إن من مهام هذه الأمة إصلاح الأوضاع على وجه الأرض بكاملها، وليس فقط في بلاد المسلمين فحسب، بل من واجب هذه الأمة أن تُعِّلم كل الأرض، سواء الذين يعيشون في الصين، أو الذين يعيشون في روسيا، أو الذين يعيشون في أوروبا، أو في أمريكا واستراليا، أو الذين يعيشون في الجزر النائية في أعماق المحيطات، فواجب عليك أن توصل لهم هذا الدين وتعلمهم وتصبر على أذاهم إن حاربوك أو رفضوك فهذا هو واجبك، وأنت لا تتفضل عليهم بذلك، لأنك من أمة الخيرية المأمورة بذلك، وإذا كنت لا تريد أن تكون من خير الأمم فاترك أمر الدعوة، لكن لا تقول: أنا خير أمة أخرجت للناس. يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه -يصف أمة الإسلام- كما جاء في صحيح البخاري: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. ويقصد بذلك: الفتوحات الإسلامية التي كان أول همها تعليم الناس، ودعوة الناس إلى الله ، وكان هناك أناس كثيرون جداً يكرهون الفتوحات الإسلامية، فغزت جيوش المسلمين هذه الأمم، وكانت ترفض دخول الجيوش الإسلامية إليها، لكن مع مرور الوقت دخل الناس في الإسلام، ويمكن أنها دخلت في بدية الإسلام، لأن الإسلام دين عظيم وكبير ومهيمن على الأرض في ذلك الزمن، لكن بعد ذلك اكتشفوا عظمة هذا الدين، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأصبحوا من أهل الجنة، وكان من الممكن أن يدخلوا النار لو بقوا طول عمرهم يعبدون النار أو يعبدون المسيح أو يعبدون الشجر أو الحشرات كما كان يحصل في الهند، وقد كانوا عبدوا كل شيء إلا الله ، فكان واجب المسلمين أن يعلموهم ويدلوهم على الطريق الحق. وانظر كم من خير؟! تأتون بهم بالسلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهذا هو سبب خيرية هذه الأمة، ليس لأنها أمة تقيم العدل في إطار توليها فقط، وفي إطار حدودها فقط، وتترك العالم من حولها يعبد ما شاء، ويعيش كما يشاء، ويظلم كما يشاء، ويسرق كما يشاء، ويعصي ربنا كما يشاء، لا، فهذه ليست مهمة أمة الإسلام، وإنما مهمة أمة الإسلام أنها تعلم جميع الناس الخير. يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل)، أي: الناس الذين آمنوا بدين الله بعد حرب طويلة، فالمسلمون قد حاربوا أناساً كثيرين، وأسروا أناساً كثيرين، وهؤلاء الأسرى بعد أن جاءوا إلى بلاد الإسلام، ورأوا الإسلام على حقيقته أحبوا هذا الدين، ودخلوا في دين الإسلام، ودخلوا الجنة بعد ذلك، ولم يكونوا يريدون ذلك، لكن أمة الإسلام كانت هي السبب في دخولهم الجنة، وهذا فضل كبير جداً، لذلك قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 122

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيذان بفساد الأرض الصحابة كانوا يفهمون هذه الحقائق جيداً، وكانوا يعرفون أنه إذا لم يحصل دعوة، ليس فقط سيخسر الداعية والمدعو، بل المجتمع كله سيخسر، وكذلك فهموا هذا الحديث الرائع للنبي ﷺ عندما ضرب مثالاً للناس بيِّن فيه حال تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أو تلك التي لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر. فقد روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة) أي: أن هناك أناساًَ ركبوا سفينة ثم أقرعوا فيما بينهم، فصار بعضهم في أعلى السفينة والآخرين في أسفل السفينة، ثم قال النبي ﷺ : (فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم) فالماء موجود عند الناس الذين كانوا في أعلى السفينة، والذين في أسفلها كلما أرادوا أن يشربوا لا بد أن يصعدوا إلى أعلى السفينة ويمشون من جوارهم، فقد يزعجونهم وهم نائمون، أو وهم مستيقظون، وفي كل وقت أزعجوهم، فعملوا لهم نوعاً من القلق، فأحبوا أن يحلوا هذا الموضوع بحسن نية، فقالوا: (لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا) يعني: يخرمون في السفينة خرماً من الأسفل حتى يشربون منه! فهم يفكرون في حدود تفكيرهم ونيتهم سليمة، لأنهم لا يريدون أن يضروا الناس الذين في الأعلى، فسيخرمون خرماً في أسفل السفينة ويشربون من ماء البحر مباشرةً، فيقول ﷺ : (فإن يتركوهم -الناس الذين في الأعلى- وما أرادوا هلكوا جميعاً)، أي: عندما تغرق السفينة سيغرق الذين في الأعلى والأسفل وليس الأسفل فقط، ثم قال ﷺ : (وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)، فكل السفينة ستنجو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما كان يريد أن يوضحه النبي ﷺ للصحابة، والصحابة قد استوعبوه تماماً، وبدءوا يتحركون في حياتهم بهذا المفهوم. إذاً: تولد عن هذه المشاعر التي دخلت في نفوس الصحابة إحساس عميق جداً، ألا وهو: إذا كنت مؤمناً لا بد أن تدعو غيرك إلى الخير، وأن تدعو غيرك إلى الإسلام، وأن تدعو غيرك إلى الله ، وليس مجرد تكثير حسنات وتثقيل ميزان فقط، وإن كان هذا شيئاً مهماً جداً، لكن الأمر أعظم من ذلك، إنها وظيفة إجبارية، فلا ينفع أن لا تصلي وأن لا تزكي، بل لا بد أن تصلي ولا بد أن تزكي، وكذلك لا بد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لأن بدونها ستفسد الأفراد وتفسد الأمة، بل وتفسد الأرض بكاملها، ولذلك كان هناك شيء مهم جداً في الدين اسمه: (فتوح إسلامية) فتوح فارس، فتوح الروم، فتوح شمال أفريقيا، فتوح الأندلس، فتوح الهند، وكل منطقة فتحت بالإسلام كان الغرض الأساسي أنك تعلم الناس الدين، والصحابة كانوا يرون هذا الشيء واجباً عليهم، وليس مجرد فضل من فضائل الأعمال.

стр. 123

فهم الصحابة لأهمية دور المسلم في الدعوة إلى الله

стр. 124

موقف ربعي بن عامر مع رستم قائد الفرس تأمل لكلام ربعي بن عامر ﵁ وأرضاه -من صحابة رسول لله ﷺ الذين فتحوا فارس- وهو يكلم رستم -بفتح الراء وإسكان السين، وليس بضم الراء كما هو مشهور، فهو لفظ أعجمي عند الفارسيين وأتى بعد ذلك إلى العرب- كلاماً يدل على الفهم الدقيق لمهمة المسلم في هذه الحياة، فيقول: (لقد ابتعثنا الله)، وكلمة: (ابتعثنا) تدل على أنه ابتعثنا مثل الرسل، فالله كلفنا بمهمة كان الرسل مكلفين بها، وبما أنه لم يعد هناك أنبياء ورسل، فنحن الذين نتحمل هذه المهمة إلى يوم القيامة. ثم قال: (لنخرج العباد) أي: أن كل العباد في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف الأزمنة والأمكنة مسئولية في رقبة كل المسلمين. ثم قال: (من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد)، فأهل فارس لم يكونوا يعبدون كسرى، وأهل الروم لم يكونوا يعبدون قيصر، لكن كان هؤلاء الزعماء كسرى وقيصر ومن كان على شاكلتهم يشرع لقومه، ويضع قوانين مخالفة لما أمر الله به، فهذا التشريع هو عبادة لهم، فلما أتى الإسلام أمر الله المسلمين أن ينتقلوا إلى هؤلاء ليعلموهم أن الله قال كذا وكذا وكذا، وأن الحكم لله ، وأن الأمر بيد الله ، وأن الناس أجمعين لا بد أن يسيروا على ما أمر به الله ، ويبتعدوا عن ما نهى الله عنه، هذه هي العبادة الحقيقية، والمسلمون لهم مهمة في منتهى الوضوح، وهي: إخراج العباد من عبادة العباد، -سواء كانت عبادة حسية أو كانت طاعة مخالفة لما أمر الله به- إلى عبادة رب العباد. وقوله: (ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، هذه هي مهمة المسلمين التي كان يفهمها الصحابي الجليل الذي خاطب رستم في موقعة القادسية، وكان يفهمها كل الصحابة، وهذا هو الفهم الذي نريد أن نزرعه بداخلنا. وهناك شيء آخر مهم جداً في قضية الدعوة عند الصحابة، ألا وهو: أنهم لم يكن عندهم يأس أبداً من قضية الدعوة، فتدعو الإنسان مرة وثانية وثالثة وعشرة وعشرين ومائة ولا تيأس، لأنه ليس هناك جهد ضائع كما يقولون، ولا أحد يقول: لا تضع وقتك مع فلان، فهذا لن يهتدي أبداً ف (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وأجرك ستأخذه في كلا الحالتين، سواء استجاب هذا المدعو لله أو لم يستجب، فأجرك واقع على الله ما دام أن الكلام قد خرج من فمك، وما دام أنك أخذت بكل الأسباب التي تستطيع أن تصل بها الكلمة إلى قلب ذلك المدعو، وبعد ذلك: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. إذاً: كل الناس بلا استثناء سندعوهم إلى الله ، وكل المسلمين البعيدين عن طريق الله سيُدعون إلى الله ، وكل اليهود والنصارى والمشركين والمجوس والهنود سيُدعون إلى الله ، وهذه هي مهمة المسلمين جميعاً.

стр. 125

المواقف الدعوية للصديق ﵁ وانظروا إلى الصحابة كيف كانوا يتعاملون مع قضية الدعوة، فانظروا مثلاً إلى أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ونحن قد تكلمنا بالتفصيل عن أبي بكر الصديق في مجموعة الصديق، وتكلمنا عنه في مجموعة السيرة، فلن نفصل الآن في دعوة الصديق، فـ الصديق قد قضى حياته كلها على قضية الدعوة، فهو من أول يوم آمن بالله تحرك بهذه الدعوة، ومن أول ما شعر بحلاوة هذا الدين أراد أن ينقل هذه الحلاوة إلى كل من يعرف، حمية عظيمة جداً لنشر هذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن عمره في الإسلام كثيراً، بل كان عمره ساعات وبدأ يتحرك، ففي أول يوم يأتى بـ عثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف، وهؤلاء الخمسة أصبحوا من أعظم علماء المسلمين، ومجاهدي المسلمين، وصحابة رسول الله ﷺ ، والذين حملوا الدين على أكتافهم، وعلموا أهل الأرض الدين، ولم يتوقف في اليوم الثاني، بل أتى بـ أبي عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون والأرقم بن أبي الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكل هؤلاء جميعاً في ميزان الصديق، فعندما يقوم أحدهم بعمل الخير فإن أبا بكر يحصل على مثل أجر هذا الخير. وانظروا إلى عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه عندما تبرع بتجهيز جيش العسرة، وعندما بنى مسجد رسول الله ﷺ ، وعندما اشترى بئر رومة، فإن أبا بكر يأخذ مثله من الحسنات، وهذا شيء لا يمكن أن تتخيله. وأيضاً الزبير بن العوام عندما حارب وجاهد ودافع عن دين الله في شمال مصر وفي الشام وفي العراق وهنا وهناك، وعندما يربي ابنه عبد الله بن الزبير على الخير، وعندما يقوم بأي عمل من أعمال الخير، فإن الصديق يأخذ مثلها من الحسنات. وتأمل معي أجر هؤلاء الرجال الذين أسلموا على يد أبي بكر، وتخيل أنه أعتق عبيداً بكميات كبيرة، وصرف كل ماله على إعتاق العبيد، وكانت أمنيته أن يجمع المسلمين، وبعض الناس اليوم عنده هواية جمع الطوابع، وجمع التحف وغيرها، بينما الصديق ﵁ وأرضاه كان فاهماً للدنيا جيداً، وكان فاهماً لرسالته في الأرض تماماً: (ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد). وانظر إلى بلال وهو يعبد إلهاً غير الله ، فيذهب الصديق ويدعوه إلى الله ، فيؤمن بلال، ويعذب، وبعد ذلك يدفع قيمته الصديق ﵁، لكي يستنقذ بلالاً من العذاب، وهو مع ذلك لا يرجو منه جزاءً ولا شكوراً، وإنما يرجو وجه الله . وعامر بن فهيرة يعتقه أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، ويدخله في دين الله ، والزنيرة وابنتها ﵅، وكثير من الصحابيات، وكثير من المعذبين والمعذبات في أرض مكة، وكثير من العبيد أدخلهم الصديق ﵁ وأرضاه في دين الإسلام ثم أعتقهم. فأي خير وأي عظمة لهذا الرجل؟! وكل ذلك ببركة الدعوة إلى الله ، وأدخل جميع عائلته إلى الإسلام، فأدخل زوجته أم رومان ﵂، وأدخل أولاده أسماء وعبد الله، وأما السيدة عائشة فولدت في الإسلام، وبعد ذلك أدخل أمه وابنه الأكبر عبد الرحمن، مع أنه تأخر ولكنه دخل في الإسلام، وكذلك أبوه تأخر في الدخول في الإسلام، لكنه أسلم بعد ذلك. فخير عظيم جداً لهذا الرجل، لذلك لو وزن إيمان الصديق بإيمان الأمة لرجح إيمان الصديق، لأن كل الأمة عندما تعمل تضيف حسنات إلى الصديق ﵁، فأي واحد منا الآن يعمل فهو يعمل من خلال دعوة الصديق في البداية، فهو يعطي حسنات للصديق، يعني: أنت الآن لو قمت وصليت ركعتين لله، فـ الصديق يأخذ ثواباً مثل ثوابك، وكذلك لو دفعت مبلغاً في سبيل الله، أو جاهدت في فلسطين، أو في الشيشان، أو أي عالم كتب كتاباً أو سجل شريطًا أو علم معلومة، فهل أنت متخيل حجم الثواب؟! فهذه هي الدعوة إلى الله ، وهذا هو الصديق، وهؤلاء هم صحابة رسول الله ﷺ .

стр. 126

الموقف الدعوي للطفيل بن عمرو مع دوس مثال آخر: الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فإن قصة إسلامه قصة لطيفة، والمجال لا يتسع لذكر القصة بكاملها، لكن أنا سأقف على موقف في آخر هذه القصة، ألا وهو: أنه بعد إسلامه مباشرة، وبعد أن سمع من الرسول آيات قليلة جداً، وصار مؤمناً بالله ، وقال: فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن ولا أمراً أعدل منه. يعني: من كلام الله ، ثم قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، ثم قال: يا نبي الله! وانظر هنا فـ الطفيل بن عمرو الدوسي ليس من أهل مكة، وإنما هو من قبيلة دوس في اليمن، فيقول: يا نبي الله! إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام. وتأمل إلى الطفيل، فهو ﵁ لم يكن يعرف في الإسلام شيئاً، وأنا على يقين من أن أي واحد في الحضور، أو أي واحد يسمع هذا الكلام عنده علم أكثر من الذي كان عند الطفيل بن عمرو الدوسي عندما قال هذا الكلام، فهو ﵁ سمع كلمات في الإسلام وبعض الآيات، ونحن قد قرأنا القرآن مرات ومرات، وقرأنا أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وعرفنا الصلاة والصوم والزكاة وأحكام كثيرة، فهل تحركنا مثلما تحرك الطفيل بن عمرو الدوسي؟ فرق كبير جداً بين الطفيل بن عمرو الدوسي بعلمه المحدود في ذلك الوقت، ولكن الحمية العالية جداً لنشر هذا الدين، وبين من عنده علم عظيم وكبير، ولكن لا ينقله ولا يتحرك به إلى من حوله من الناس، فرق عظيم جداً بمجرد أن شعر الطفيل بن عمرو الدوسي بحلاوة هذا الدين، فهو ﵁ يريد أن ينقلها إلى أهله وإلى أحبابه وإلى عشيرته وإلى الناس أجمعين، ولا تتحمل نفسه أن ينفرد بهذا الخير وحده، ولكن يريد أن يدعو الآخرين إلى ما علمه من هذا الدين، يريد أن يعرف الناس أمر الإسلام، وسبحان الله ما أسلم إلا منذ دقائق، لكن أصبح داعية، وفقه حقيقة الدعوة وأهميتها وقيمتها في هذا الدين. يقول الطفيل ﵁: فلما نزلت -أي: وصلت بلادي- أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، فاستغرب أبوه وقال: ولم أي بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ ، يعني: أن ديني غير دينكم الآن. والطفيل ﵁ كان سيداً ومطاعاً في قومه، وكان له رأي وحكمة، وأبوه كان يعظم من قدره، ولذلك لما وجد ابنه يقول له: إليك عني، لا أنا منك ولا أنت مني، قال أبوه مباشرة: ديني دينك، ودخل معه في دين الإسلام، فاغتسل ولبس ثيابه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومعلوم أن هذه الطريقة ليست الطريقة المثلى للدعوة؛ لأن فيها نوعاً من الحدة الكبيرة والقسوة الشديدة، لكن الحمد لله جاءت بنتيجة، فلما رأى النتيجة مع والده جرب نفس الأسلوب مع زوجته، فجاءت إليه امرأته فقال لها: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت: ولم بأبي أنت وأمي؟! قال: قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، فأسلمت. ثم خرج إلى قومه وقال لهم: إليكم عني، لست منكم ولستم مني، لكن قومه لم يستجيبوا له ورفضوا الدخول في الإسلام، وذلك لأن في طريقته معهم حدة فلم تنفع أن تكون هذه طريقة دعوة، لأنه كان ما يزال علمه في الدعوة قليل، وما زال تعليم الإسلام عنده ضعيفاً، لذلك رفضت الناس الدعوة، وجلس يدعو بهذه الحدة والناس ترفض ذلك، فرجع إلى رسول الله ﷺ في مكة، وقال: (يا رسول الله! إن دوساً عصت وأبت، فادع الله عليها). كلمة قالها من قلبه ﵁، وهو الذي كان يحب العشيرة ويحب قبيلة دوس، لكن بمجرد أن عرف حلاوة هذا الدين أراد أن ينقلها لقومه، ولما رفض قومه هذه الدعوة انقطعت الرابطة القلبية بينه وبين هؤلاء، وأصبحت الرابطة القلبية التي تربط بين الطفيل وبين الناس هي رابطة الإيمان بالله ، وهو الذي منذ أيام يتمنى أن يدعوهم إلى الخير الذي هو عليه لحبه لهم، فلما أبوا الإيمان وأصروا على الكفر أصبح يكرههم في الله، إلى درجة أنه يطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو عليهم، فرفع رسول الله ﷺ يده وظن الناس أنه سيدعو عليهم وقالوا: هلكت دوس؛ لكن الرسول ﷺ الرحمة المهداة، والحريص على كل نفس، والحريص على كل البشر، سواء كان يعرفه أو لم يعرفه، رآه أو لم يره مطلقاً في حياته، يحرص على قوم الطفيل أكثر من حرص الطفيل نفسه على قومه، فرفع الرسول ﷺ يديه وقال: (اللهم! اهد دوساً وأت بهم، ثم قال للطيفل: ارجع إلى قومك فادعهم)، وبعد ذلك قال له كلمة في منتهى الرحمة: (وارفق بهم)، والظاهر أن الطفيل قد حكى له ماذا عمل مع والده ومع زوجته، فرأى الرسول ﷺ أن هذه الطريقة لا تنفع مع بقية القوم، فقال: (وارفق بهم)، والرفق بالناس أي: الرحمة بهم، حتى تص

стр. 127

موقف علي ﵁ يوم خيبر لذلك لم يترك الصحابة ﵃ وأرضاهم أمر الدعوة إلى الله تعالى حتى في أحلك الظروف، كالحروب مع أعدائهم، فهم يحاربون وأمامهم العدو، والعدو حريص على قتلهم، والصحابي حريص على أن يدخله في دين الله ، وهذا النهج الأخلاقي الرفيع تعلموه من رسول الله ﷺ . ففي يوم خيبر يقول النبي ﷺ لسيدنا علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم)، وهذا في ميدان المعركة مع اليهود، وبعد إجلاء بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من المدينة، وبعد خيانات كثيرة جداً منهم، والنبي ﷺ لا يزال يدعوهم إلى الإسلام ثم يقول له ﷺ : (فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وحمر النعم هي: إبل عظيمة جداً كانت تتفاخر بها العرب، فهم كانوا يعظمون جداً من هداية إنسان واحد، يعني: لو ذهبت إلى حصن خيبر وفيه آلاف اليهود فآمن منهم واحد فقط خير عظيم جداً، وفي رواية: (خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت) يعني: شيء في منتهى العظمة، بل أعظم من الدنيا بأسرها أن يهدي الله بك رجلاً واحداً، فما بالك لو عشرة أو عشرين أو مائة أو ألف أو آلاف الملايين، فلذلك كان الصحابة لا يفوتون فرصة من غير دعوة إلى الله .

стр. 128

موقف خالد بن الوليد ﵁ يوم اليرموك وسأذكر مثالاً أخيراً في هذه المحاضرة لـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه في موقف من أعجب المواقف في التاريخ الإسلامي، هذا الموقف في موقعة اليرموك وقد كانت بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وأبي عبيدة بن الجراح ﵃ أجمعين. تقول الرواية: خرج قائد روماني اسمه جرجة -بفتح الجيم والراء وفتح الجيم الثانية- مكتوب اسمه هكذا في الكتب الإسلامية القديمة، وقد تكون تحريفاً لكلمة جورج، فوقف القائد بين الصفين، وفي ذلك الوقت كان الجيش الإسلامي يقف في ناحية، والجيش الروماني يقف في الناحية الأخرى وبينهم فراغ، وكان في أول اللقاء يحصل مبارزة أو نوع من النزال الفردي، وهو نوع من إظهار القوة، فخرج هذا القائد الروماني ونادى وقال: ليخرج إلي خالد بن الوليد، وكان من الممكن أن يقول خالد بن الوليد: إن هذه مكيدة ومؤامرة، لكنه ﵁ ما كان يتردد أبداً عن طلب للقتال أو النزال، فخرج ﵁ وهو قائد الجيش، (فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما) يعني: أنهم وقفوا أمام بعض حتى التصقت الدواب ببعضها البعض، (وقد أمن أحدهما صاحبه)، يعني: أن كل واحد منهم قال للآخر: أنا لا أريد قتالاً، وإنما نريد أن نتكلم ونتفاهم ونتحاور ونتناقش في وسط أرض القتال، وكل واحد منهم رافعاً ترسه أمام صدره لكي يحمي نفسه من خيانة الطرف الآخر، فقال جرجة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني؛ فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله. يعني: أنا أستحلفك بالله أن لا تخون الأمانة ولا تكذب، وإنما قل الصدق. ثم قال: (هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟) سؤال في منتهى الغرابة، أي: يا ترى هل أنزل الله على نبيك سيفاً وأنت أخذت هذا السيف، فلا تقاتل به أحداً إلا انتصرت؟ ومعلوم أن انتصارات خالد بن الوليد كانت انتصارات مذهلة، والرومان كانوا لا يتخيلون أن رجلاً ينتصر بهذه الصورة، سواء في بلاد فارس أو في بلاد الروم، وانتصارات وراء انتصارات، وبأعداد وعدة قليلة جداً على جيوش هائلة جداً، فـ جرجة الروماني مستغرب جداً فيستحلفه بالله، هل هو يقاتل بسيف غير سيوف أهل الأرض، بسيف رباني وليس سيفاً طبيعياً ولذلك ينتصر؟ فقال خالد بن الوليد: لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ وانتبه لرد خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، فهو رد في منتهى البراعة والحكمة والفقه لقضية الدعوة، ولأنه شعر أن جرجة هذا يتكلم بلسان غريب عن قومه، وفي قلبه نوع من الميل إلى الإسلام، وفي قلبه نوع من الشك فيما عليه الرومان من دين، وعنده نوع من التفاؤل، ونوع من الطموح، فسيدنا خالد بن الوليد يكلمه كلاماً في منتهى الروعة، وفي أرض اليرموك، والجيوش مصطفة عن ناحيتين، هذا جيش الرومان أمامه وهذا جيش المسلمين خلفه. قال سيدنا خالد: (إن الله بعث فينا نبيه ﷺ فدعانا، فنفرنا عنه ونأينا منه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله)، فيقول له هذا الكلام، لأن تاريخه مثل تاريخه، ومثلما هو الآن يحارب الإسلام، فهو قد حارب الإسلام من قبل، ولكن الله غيَّره وممكن أن يغيِّر جرجة، ونقله هذه النقلة العظيمة حتى أصبح رجلاً منصوراً متبعاً لكلام الله ، وممكن أن يغيِّر جرجة أيضاً حتى وإن كان يحارب المسلمين سنين وسنين. يقول: (ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا، فهدانا به فتابعناه، فقال ﷺ : أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين، ودعا لي بالنصر)، فهذا هو سبب النصر، وليس مهارة مني ولا شطارة ولا حرفة. ثم قال: (فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. قال جرجة: صدقتني)، أي: أن الكلام فيه صدق، ودخل الكلام قلب جرجة، لأنه كان عنده النية والطموح لأن يُسلم، فدخل الكلام في قلبه وقال: صدقتني. ثم أعاد عليه جرجة وقال: يا خالد! أخبرني إلام تدعو؟ قال خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله. قال جرجة: (فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بحرب ثم نقاتله. قال جرجة: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟) وهنا أصبح ظن سيدنا خالد في محله، فالرجل فعلاً كان يفكر في الإسلام والكلام قد دخل في قلبه. قال خالد: (منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا)، أ

стр. 129

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والتوبة فطر الله الخلق جميعاً على الخطأ والزلل، ودعاهم سبحانه إلى التوبة والإنابة عند إحداثهم للذنب أو المعصية، وجعل لنا قدوة ونبراساً في الرعيل الأول من الصحابة، فقد تميزوا بسمات عظيمة للتوبة، فقد كانوا يتوبون من قريب، ولا يسوغون للذنب أو يجادلون عنه، ويعظمون الذنب مهما صغر، لأنهم عرفوا لله قدره، وأتبعوا السيئة بالحسنة، ولم يقنطوا من رحمة الله .

стр. 130

الصحابة بشر وليسوا نماذج أسطورية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس مجموعة: كن صحابياً، وسيكون حديثنا -بمشيئة الله تعالى- عن الصحابة والتوبة، فالصحابة هم أفضل الأجيال على الإطلاق، جاء ذلك تصريحاً في حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، والأحاديث في هذا الأمر أكثر من أن تحصى، أثبتت الخيرية لهذا الجيل، وأنه أفضل من كل أجيال الأرض، ومع ذلك فالصحابة بشر ليسوا بمعصومين من الخطأ، بل كانوا أحياناً يخطئون أخطاء كبيرة جداً، والإنسان فعلاً قد لا يتخيل أن الصحابي يمكن أن يخطئ مثل هذا الخطأ، لكن حدث ذلك، لأنهم بشر، لكن كانوا يتوبون من هذه الأخطاء. والحقيقة أنه قد أخطأ بعض الناس في المبالغة الشديدة في أحوال الصحابة، ونقلوا عنهم القصص العجيبة الضعيفة جداً، بل أحياناً والموضوعة، والتي تظهرهم بصورة ملائكية، وترفعهم فوق صور البشر، والصحابة لا يحتاجون إلى المبالغة حتى يعظموا، وإنما يكفي أن تنقل الصورة الحقيقة عنهم، وفي هذا كل التعظيم لهذا الجيل، لأنه كان جيلاً فريداً وعظيماً ومتميزاً، لكن المبالغة فيه خسارة كبيرة جداً، لأنها تصيب اللاحقين باليأس من إمكانية الوصول إلى مثل هذه الصورة الفريدة. وسأذكر هنا حكاية جاءت في أحد الكتب، لرجل ليس بصحابي، تقول هذه القصة: رأيت بدوياً بمكة يقول: كنت بالبادية، وإذا بغلام حاف مكشوف الرأس، ليس معه زاد ولا ركوة ولا عصا، فقلت في نفسي: أدرك هذا الفتى، فإن كان جائعاً أطعمته، وإن كان عطشان أسقيته، فبادرت إليه حتى ما بقي بيني وبينه إلا مقدار ذراع، فذهب عني حتى غاب عن عيني، وهذا أول شيء، فالغلام الصغير قد طار، قال: فقلت: هذا شيطان، فإذا به ينادي فيقول: لا، بل سكران، أي: أن هذا الغلام يرد عليه من بعيد فيقول له: لا، بل سكران، قال: فنادينه يا هذا، وسألته بالذي بعث محمداً ﷺ بالحق إلا وقف، فقال: أتعبتني وأتعبت نفسك، فقلت له: رأيتك وحدك فأردت خدمتك، فقال: من يكن الله معه كيف يكون وحده! فقلت له: ما أرى معك زاداً! فقال لي: إذا جعت -تأمل هذه المبالغة غير المقبولة- فذكره زادي، وإن عطشت فمشاهدته سؤالي ومرادي، يعني: أن الرجل لا يأكل ولا يشرب، فقلت له: أنا جائع فأطعمني، أي: إذا كنت لا تجوع فتأكل فأنا جائع فأطعمني! فقال: أولم تؤمن بكرامة الأولياء، فقلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، قال: فضرب بيده الأرض وكانت أرض رمل، ثم قبض قبضة منها وقال: كل يا مخدوع، فإذا به سويق ألذ ما يكون، والسويق هو: الدقيق الناعم، أي: أنه لقي خبزاً طعمه لذيذ جداً، فقلت: ما ألذه، فقال لي: في البادية عند الأولياء من هذا كثير، يعني: أن هناك أناساً في الصحراء عندهم من هذا الخبز الكثير، فقلت له: اسقني، فركض برجله الأرض فإذا بعين تنبع من الأرض، عين من عسل وماء، جنة على الأرض!! فجلست لأشرب، ثم رفعت رأسي فلم أره، أي: أنه قد اختفى مرة أخرى، فلم أدر كيف غاب؟ ولا إلى أين ذهب؟ فأنا أخدم الفقراء من ذلك اليوم إلى الآن لعلي أرى مثل ذلك الولي!! فهذه الحكاية وما شابهها فوق أنها واضحة الافتراء، لها أثر سلبي كبير على طرق التربية والتوجيه، والناس من المستحيل أن تصل إلى مثل هذه الأساطير، فيصيبها نوع من الإحباط، ونحن عند ذلك سنتعامل مع نوعيات ليست من البشر، فليس من الممكن تقليدها، لأننا لم نفهمها ونعرفها، لكن لو فهمنا أن الصحابي بشر يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب، يمكن أن يختار الأولى أو خلاف الأولى، حسب الموقف والظرف الذي هو فيه، وساعتئذ نستطيع أن نقلدها، وهنا قد نتساءل، فنقول: أيمكن أن أيحدث هذا مع غلام ولا يحدث ذلك مع أكابر الصحابة؟! فهل إذا أراد أبو بكر -مثلاً- ﵁ أن يأكل يقبض من الرمل قبضة فإذا هي خبز ولحم؟! وهل إذا أراد ابن الخطاب ﵁ وأرضاه أن يشرب أن يضرب الأرض برجليه من أجل يطلع منها عسل وماء؟! وهل إذا أراد عثمان ﵁ أن ينتقل من مكان إلى مكان لبس طاقية الإخفاء وطار كما طار ذلك الغلام!؟ ثم ذهب إلى مكان لا يراه الناس ولا يعرفونه!! فهذا منهج عجيب جداً في التلقي، وأسلوب مبتدع في التربية، ووسيلة من وسائل التعجيز للناس، وليس من ورائها أي حقيقة. والمعلوم أن الصحابة كانوا بشراً، فإذا أرادوا الأكل بحثوا عنه وجدوا في طلبه، ثم اجتهدوا في طبخه وإعداده، ثم أكلوا بعد ذلك، وإذا أرادوا الشرب حفروا الآبار، وإذا سافروا حملوا معهم ال

стр. 131

الشروط الأساسية للتوبة من المعلوم أن شروط التوبة عند كل البشر ثلاثة، وهذا في حق الله تعالى، فلو أن إنساناً أخطأ في حق الله ، وذلك بأن ترك الصلاة فترة من الزمن لزمه ثلاثة أمور حتى يتوب إلى الله : الأول: أن يقلع فوراً عن المعصية، فيرجع فيصلي مرة أخرى. الثاني: أن يندم على فعل ذلك، أي: بأن يكون هناك حزن وبكاء شديد، وألم في النفس. الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً، وهذا العزم لا بد أن يكون عزماً صادقاً، لأن الله مطلع على القلوب. أما إذا كان هذا الذنب متعلق بحق آدمي فإنه يضاف إليه شرط رابع، ألا وهو: أن ترجع الحقوق إلى أصحابها، فلو سرقت مالاً لزمك رده، أو شهدت شهادة الزور لزمك أن تكذب نفسك أمام القضاء، أو أخطأت في حق إنسان لزمك أن تذهب إليه فتستسمحه وتطلب العفو منه.

стр. 132

التوبة من قريب من السمات الأساسية للتوبة عند الصحابة رضوان الله عليهم لكن التوبة في حق الصحابة كانت تتميز بصفات وسمات رائعة فوق هذه الصفات الأساسية، يعني: زيادة على هذه الثلاثة الأشياء التي هي في حق الله ، والشرط الرابع الذي يتعلق بما بين الآدميين من حقوق، فالأشياء هذه كانوا يعملونها كلها، لكن فوق هذا كان هناك سمات واضحة جداً لتوبة هؤلاء الناس، وسنذكر خمس سمات بمشيئة الله تعالى: السمة الأولى: التوبة من قريب، يعني: أنه لم يكن هناك إصرار على المعصية عند الصحابة، فإذا ضعف الصحابي فارتكب ذنباً رجع سريعاً وعاد إلى رشده وتاب إلى الله ، وهذا كان مما يوجب لهم المغفرة الكاملة من الله ، يقول ابن عباس ﵄: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، وهناك مثل لطيف قاله الإمام الغزالي ﵀ في إحياء علوم الدين: إن قطرات الماء الصغيرة إن وقعت على حجر بصورة متتالية، وعلى فترة طويلة من الزمن، نقطة نقطة، فإنها تؤثر في الحجر وتترك فيه خرماً، بينما لو جمعت كل هذه القطرات التي هي نازلة على مدار السنة والسنتين والثلاث ثم سكبتها مرة واحدة على الحجر فإنها لا تؤثر فيه شيئاً. إذاً لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، لذلك فإن الله يفتح باب التوبة باستمرار لكل البشر؛ حتى يعودوا إليه في الوقت الذي يذنبون فيه، ولا تؤجل توبتك إلى رمضان أو إلى الحج، أو إلى أن تبلغ في السن مبلغاً كبيراً، لا، فباب التوبة مفتوح في كل وقت. روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) يعني: الليل كله فرصة لمسيء النهار ليتوب، والنهار كل فرصة لتوبة مسيء الليل، حتى العلامة الأخيرة لقيام الساعة. لذلك فإن الصحابة كانوا يعلمون أن التوبة المتقبلة حقاً هي التي يسرع بها الإنسان المخطئ إلى الله ، وذلك امتثالاً لقوله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧]، قال قتادة ﵀: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون كل ذنب هو جهالة، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، أي: بسرعة فلا يؤجلون التوبة، ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٧ - ١٨]. إذاً أول سمة من سمات التوبة عند الصحابة أنهم كانوا يتوبون من قريب، فهم يقعون في أخطاء، وقد تكون هذه الأخطاء جسيمة، لكنهم يعودون سريعاً إلى الله ، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب كل العيب أن نصر على هذا الخطأ.

стр. 133

مسارعة أبي لبابة إلى التوبة بعد إفشائه لسر رسول الله عند بني قريظة تعالوا لنرى موقفاً يوضح لنا هذه الصورة السريعة في التوبة إلى الله : قصة أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁ وأرضاه، وذلك عندما خانت ونقضت بنو قريظة العهد مع رسول الله ﷺ -في غزوة الخندق- قرر أن يذهب إليها ويحاصرها، وبالفعل حاصر بني قريظة خمسة وعشرين ليلة متصلة حتى أصابهم اليأس والفزع، فطلبت بنو قريظة من رسول الله ﷺ أن يرسل إليهم رجلاً ليتفاوض معهم، بل واختاروا هم أبا لبابة بن عبد المنذر ﵁ وأرضاه، لأنه كان حليفاً لهم في الجاهلية، وهو من قبيلة الأوس من الأنصار، ولظنهم أنه سيشفق عليهم ويرحمهم، بل وسيشفع لهم عند النبي ﷺ . بينما الرسول ﷺ كان قد عزم على أن يقتل بني قريظة جميعاً؛ لأنهم أقدموا على خيانة عظيمة جداً، إذ كانوا سيدخلون قريشاً إلى المدينة ليستأصلوا كل من فيها، فكان الجزاء من جنس العمل، لكن عندما طلبوا أبا لبابة من أجل أن يذهب إليهم للتفاوض معهم نبهه الرسول ألا يخبرهم بقراره لأنهم لو عرفوا القرار فإنهم لن يفتحوا الأسوار وسيضطر المسلمون لمحاصرتهم لفترة طويلة، ومعلوم أن حصون بني قريظة كانت حصوناً كبيرة جداً، وفيها الغذاء والماء، ويمكن أن يطول الحصار شهراً وشهرين، بل شهوراً، فذهب أبو لبابة رضي الله عه وأرضاه إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وأخذت النساء والصبيان في البكاء، فرق لهم عندما رأى ذلك الموقف، فقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد ﷺ ، فقال: نعم، لكنه أشار إلى حلقه، يعني: أن جزاءهم الذبح، وكأنه يقول لهم: إن الرسول ﷺ عازم على ذبحكم، وهنا أفشى سر الرسول ﷺ ، وخان العهد مع رسول الله ﷺ ، وهذه جريمة كبرى جداً، وتأمل هنا أيضاً: فهذا الرجل من الأنصار، ومن الصحابة الثابتين في الإسلام، والعظماء في التاريخ الإسلامي، وله تاريخ فيما سبق وفيما لحق، لكن سبحان الله فإن النفس ضعيفة، فهو قد أخطأ في لحظة ووقع فيما قد لا يقع فيه كثير من المسلمين. يقول أبو لبابة ﵁: فوالله مازالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وهنا عرف أنه قد أذنب ذنباً كبير جداً، لكن ما هو الحل؟ التوبة من قريب، فانطلق أبو لبابة ﵁ مباشرة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ ، بل ذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله وربط نفسه في عمود من أعمدة المسجد وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، يعني: أنه ربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وقرر أنه لا يفك نفسه حتى يفكه رسول الله ﷺ بنفسه، وكان من الممكن أن يكتم هذا الخبر، لأنه لا أحد يعرف هذا الأمر غير اليهود، لكنه عرف أنه قد ارتكب ذنباً عظيماً، وأنه لابد عليه أن يتوب من هذا الذنب، ولأنه علم أن فرصته في التوبة هي في الدنيا، ولو مات قبل أن يتوب الله عليه لذهبت الفرصة، ولذلك قيل أنه قد نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. وعندما وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ ، وعلم أن أبا لبابة قد عمل هذا العمل، وأنه ﵁ قد ربط نفسه في إحدى سواري المسجد، وأقسم على أن لا يبرح هذا المكان حتى يتوب الله عليه، ومع هذا العقاب الشديد لم يفكر ﵁ أبداً في صورته أمام الناس، ولم يشغله ذلك، في هذا الوقت الذي أصبح مفضوح الذنب أمام الناس، بل ولم يكن همه صورته حتى أمام رسول الله ﷺ ، ولم يكن يهمه الآن الأعمال التي انقطع عنها، بل كان همه الأعظم أن يتوب الله عليه، ولذلك قال الرسول ﷺ لما وصله خبره: (أما إنه لو جاءني لاستغفرت له)، رحمة مهداة ﷺ ، أي: لو كان جاء إليَّ قبل أن يربط نفسه لسامحته ولاستغفرت له، لكن مادام أقسم أنه لن يفك نفسه حتى يتوب الله عليه، فلن أستطيع أن أذهب إليه حتى تنزل التوبة من الله ، يقول ﷺ : (فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه)، يعني: ما دام أنه ربط نفسه، وقد ظل أبو لبابة محبوساً بالقيد لمدة ستة أيام متوالية، وامرأته في وقت كل صلاة تفك القيد عنه حتى يصلي، ثم تقوم بإعادة القيد عليه ألم شديد في النفس، وأوبة سريعة إلى الله ، وتوبة صادقة من ذنب كبير، وبعد مضي الستة الأيام نزلت توبة الله على أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁ وأرضاه، نزلت التوبة على رسول الله صلى عليه وسلم وهو في بيت أم المؤمنين أم سلمة ﵂، تقول أم سل

стр. 134

مسارعة عمار بن ياسر إلى التوبة بعدما نال من النبي إثر تعذيب كفار قريش له وهذا مثال آخر: عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه، وقصته معروفة مع المشركين، وذلك عندما سلط عليه المشركون أشد أنواع التعذيب في مكة، ولم يكن ذلك العذاب له وحده، بل لكل العائلة، لأبيه ولأمه، فقد وضعوا الصخر الملتهب على صدره، وضربوه ضرباً شديداً، وقاموا بقتل والديه أمامه، ياسر وزوجته سمية ﵄، وطلبوا منه أن يسب رسول الله ﷺ ، وأمام هذا القهر والتعذيب والإكراه الحقيقي، والقتل الفعلي الذي حدث لأعز الناس لديه بعد رسول الله ﷺ ، وأمام الألم الرهيب الذي كان يحس به في كل ذرة من جسده، قال ما أراده الكفار منه، وسب محمداً ﷺ ، سبه بلسانه مع أن قلبه لا يُقِّدم عليه أحداً من خلق الله ولا حتى نفسه التي بين جنبيه، ومع أن الموقف سليم شرعاً، يعني: لو أن أحدنا تعرض للتعذيب والإكراه ليقول هذه الكلمة لجاز له ذلك ما دام القلب مطمئناً بالإيمان، لكن هو ﵁ لم يكن يعلم أن هذا الموقف سليم شرعاً، فحسب أن هذا العمل كان خطأ، وإن كان ليس خطأ في حق الشرع، فجاء مسرعاً باكياً معتذراً تائباً لمجرد أن تركه الكفار، فشكى حاله للنبي ﷺ وهو يبكي ويعتذر إليه مما فعل، وقال له: قد قلت فيك كذا وكذا، فقال الرحيم الحكيم ﷺ الرحيم: (كيف تجد قلبك، قال عمار: أجده مطمئناً بالإيمان، فقال النبي ﷺ : إن عادوا فعد، فأنزل الله قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] إلى آخر الآيات). لذلك فإن قضية التوبة من قريب قضية في منتهى الخطورة بالنسبة للمؤمنين، لأن مرتكب الذنب حال ارتكابه يكون على خطر عظيم، وتأمل هذا الحديث المخوف الذي ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). يعني: لا يسرق سرقة والناس تنظر إليه ولا تكلمه، لأنه صاحب سلطان وقهر، لا يكون مؤمناً، وليس المقصود أنه ﷺ يكفر المؤمن بهذه المعاصي وإنما المراد أن إيمانه ينتقص انتقاصاً شديداً، فيتذبذب إلى الحد الذي قد يخرجه بعد ذلك من الإيمان إلى الكفر. وفي الحديث أيضاً الذي رواه البيهقي وابن حبان وصححه، عن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أنه قال: قال ﷺ : (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث)، وفي آخر الحديث قال: (وإنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه) فالمعصية الكبيرة التي يصر عليها الإنسان مرة ومرتين وثلاث، يكون بها متذبذب الإيمان، ويوشك أحدهما أن يخرج الآخر، إما أن المعصية تخرج الإيمان بالكلية فيصير الإنسان كافراً، وإما العكس، فموقف خطير جداً، نعم ارتكاب المعاصي ليس مكفراً في حد ذاته، لكنه قد يقود إلى الكفر، وبالذات لو باغت الموت إنساناً وهو يرتكب المعصية، ولذلك فكثيراً ما نسمع عمن مات وهو يشرب الخمر، أو مات وهو يزني، أو مات وهو يسرق أو يقتل، أو ما إلى ذلك من الموبقات، وفي كل هذه الأحوال يكون على خطر عظيم، روى الإمام مسلم ﵀ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يبعث كل عبد على ما مات عليه)، فجرم عظيم أن يموت الإنسان على معصية ثم يبعث عليها، من أجل ذلك فإن قضية التوبة من قريب قضية في منتهى الأهمية، والصحابة كانوا فاهمين جداً، لهذه السمة أو الصفة.

стр. 135

عدم تبرير الذنب من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم السمة الثانية: عدم تبرير الذنب والجدل فيه، أي: عند الذنب يلزمك الإسراع إلى التوبة من غير جدال، ولا تقول: لا والله ما غلطت، لأن كثيراً من الناس لا يريد أن يظهر بمظهر المذنب أمام الناس، فهذا الصنف لا يفقه أهمية دور النصيحة لإصلاح الفرد والمجتمع، والمسلم مرآة أخيه، فلو أن شخصاً قال لك: إنك أذنبت ذنباً. ففكر في الذنب بدل أن تجادل وتقول في نفسك: هل أنا حقاً أذنبت أم لا؟ وتبقى تبرئ نفسك أمام الناس، لا، فالصحابة لم يكونوا هكذا، لكن نجد كثيراً بعض الناس يبررون لجرائم خطيرة وكبيرة، فيبرر الاختلاس -مثلاً- من أموال الدولة، ويبرر الظلم الذي يوقعه على خلق الله ، ويبرر السباب والشتائم والقذف والغيبة، ويبرر كل جريمة وإن عظمت، ويبرر كل معصية وإن كانت مثل ضوء الشمس، والصحابة لم يكونوا كذلك، أي: لم يكونوا يجادلون في ذنوبهم أبداً، ولم يكونوا يبررون معاصيهم، إلا بالتبرير الذي كانوا يعتقدونه أحياناً، لكن لو ظهر لهم الحق اتبعوه مباشرة دون تردد، والصحابة كانوا يرحبون بمن يهدي لهم عيوبهم، ويجلون من يوضح لهم أخطاءهم، فخير أن يبصرك أي إنسان بعيبك وذنبك، فيكون عندك لتتوب من الذنب، بدل أن تستمر فيه اليوم والاثنين والشهر والشهرين، بل والعمر كله، فكان الأفضل والأحسن النصح بالتوبة، أمَّا أن كل إنسان يترك الآخر على هواه إلى أن يلقى العقاب من الله فخطأ، لأنه ربما قد يموت وليس هناك وقت للرجعة فيتوب.

стр. 136

إعتاق أبي مسعود الأنصاري لغلامه بعدما ضربه وتأمل كيف كان الصحابة يتعاملون مع الذنب عندما يعرفوه من أحدهم، ففي مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتاً يقول: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ ، فهنا في هذا الوقت حصل ذنب، فقد كان الرجل يضرب غلاماً له، والرسول ﷺ قاله له: (لله أقدر عليك منك عليه) أي: يحذره، فقال أبو مسعود الأنصاري ﵁ وأرضاه عند ذلك: هو حر لوجه الله يا رسول الله، فأعتق الغلام، ولم يقل له: والله إن الغلام عمل كذا وكذا، وأنت لا تعرف ذلك يا رسول الله، وأنا قد رأيت ذلك منه، والبارحة قد عمل أيضاً كذا، ويمكن أن يذكر له مبررات كثيرة جداً، وقد تكون بعض هذه المبررات صحيحة، لكنه عرف أنه قد تجاوز، وعند اكتشافه لذلك لم يتردد لحظة في التوبة إلى الله ، ولم يجادل دقيقة واحدة، ثم قال له ﷺ : (أما لو لم تفعل للفحتك النار)، وفي رواية (لمستك النار)، يعني: كان خطأً يستحق العقاب الشديد من الله ، لكن الإنسان مجرد أن تاب إلى الله تاب الله عليه، وهذا هو المقصود.

стр. 137

مسارعة أبي بكر إلى استرضاء بلال وسلمان وصهيب وانظر إلى موقف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه عند الإمام مسلم وأحمد عن عائذ بن عمرو ﵁: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر -وسلمان وصهيب وبلال كانوا من الموالي، وإنما أعتقوا بعد الإسلام- وكان ذلك بعد صلح الحديبية في زمن الهدنة، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، يعني: نحن كنا نتمنى أن نرى السيوف تقطع في رقبة عدو الله، فقال راوي الحديث عائذ بن عمرو: فقال أبو بكر ﵁ وكان واقفاً بجوارهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، وبدأ يلوم الثلاثة الضعفاء الذين قالوا هذه الكلمات، وأتى أبو بكر النبي ﷺ وأخبره، فقال له ﷺ : (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم)، أي: قد تكون أغضبتهم، ثم قال ﷺ : (ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)، لمكانة وقدر بلال وسلمان وصهيب عند الله . فالرسول ﷺ يقدر موقف الصحابة الثلاثة الضعفاء عندما رأوا رأس الكفر يمشي أمامهم، وتذكروا كل ما فعل بهم في أرض مكة، وأنهم الآن يسكنون في المدينة؛ لأنهم شردوا من ديارهم بمكة، وكل هذا بسبب أهل الكفر الذين يحاربونهم ويصدونهم عن دينهم، ففي هذا الوقت قالوا هذه الكلمات جراء المعاناة الشديدة التي كان يعاني منها هؤلاء الصحابة في مكة، فالرسول يقدر موقفهم، ويقدر القهر والتعذيب والبطش والطرد والحرب المستمرة التي كانت من قريش، فيقدر كل هذا، وتأمل ماذا عمل أبو بكر ﵁؟ هل كان يمتلك المبررات؟ وهل كان يمتلك الوسيلة التي يمكن أن يرد فيها على رسول الله ﷺ ؟ كل هذا لا، ورغم ذلك كان باستطاعة أبي بكر أن يذكر بعض المبررات، ومنها: أولاً: أن هذا زمن هدنة، ولا داعي لإثارة أمور قد تثير الحرب بين الطرفين. ثانياً: أن هذا سيد قريش، ويرجى إسلامه، ولو أسلم لأسلمت قريش من ورائه، لكن بهذه الكلمات قد يكون ذلك سبباً في نفرته من الإسلام. ثالثاً: أنه لا داعي لسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله بغير علم. رابعاً: الدعوة بالتي هي أحسن. وأسباب ومبررات كثيرة كان باستطاعة أبي بكر -وهو لا تنقصه حجة ولا بلاغة- أن يذكرها لرسول الله ﷺ ، ومع ذلك فقد أعرض عن كل هذه المبررات، ولم يفكر إلا في الذنب الذي أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله: (لعلك أغضبتهم، ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) ثم أسرع أبو بكر ﵁ إلى إخوته سلمان وصهيب وبلال وقال لهم: يا إخوتاه أأغضبتكم؟ خوف من الذنب، ورجل كـ أبي بكر ﵁ وأرضاه صفحته بيضاء تماماً، وأي خدش فيها يؤذيه، من أجل هذا ذهب سريعاً إلى إخوانه ليتجنب هذا الذنب الذي وقع منه، أو احتمال الذنب الذي وقع منه، فرد عليه واحد منهم فقال: لا، ثم قال: يغفر الله لك يا أخي. فالشاهد من القصة أن أبا بكر الصديق ﵁ كان عنده من المبررات الكافية التي يدافع بها عن نفسه، ويحسن صورته وهيئته أمام رسول الله ﷺ ، وأمام الثلاثة الضعفاء، وأمام المجتمع المسلم بأكمله، لكنه ﵁ ما أراد كل ذلك، وإنما أراد أن يتوب من الذنب، وذلك بعد أن اتضح له أنه ذنب.

стр. 138

توبة أسامة بعد قتل الرجل الذي نطق بكلمة التوحيد وهذا موقف آخر لأحد الصحابة نرى منه أنهم ما كانوا يجادلون في الذنب، إلا فقط في تبرير الموقف الفعلي الذي كان فيه، لكن لما يتضح له أنه ذنب يسرع بالتوبة، هذا الموقف لـ أسامة بن زيد ﵄، كما عند البخاري ومسلم وغيرهما أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة- مكان- فأدركت رجلا، وفي رواية: فكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان من أشد الناس حماية لهم، يعني: أن هذا الرجل عندما يهجم مع المشركين على جيش المسلمين يكون من أشد الناس ضرراً بالمسلمين، وعندما يرجع وينسحب جيش المشركين يكون من أشد الناس حماية لهذا الجيش. وفي رواية أخرى: أنه قتل عدداً كبيراً من المسلمين، يعني: أنه كان رجلاً شديد السطوة، وشديد القوة على الإسلام والمسلمين، يقول أسامة: فغشيته أنا ورجل من الأنصار، أي: استحكمنا منه ولم يبق لنا إلا قتله، فقال: لا إله إلا الله، وانظر إلى الموقف، فقد كان في منتهى الوضوح في عيون كل المشاهدين للحدث، فسيدنا أسامة بن زيد يجري وراءه من أول القتال حتى أمسك به هو والأنصاري، ووضعوه أمامهم من أجل أن يقتلوه، والرجل إلى هذه اللحظة كان شديداً جداً على المسلمين، وقد قتل عدداً كبيراً من المسلمين، فقتله أسامة وكف عنه الأنصاري عندما سمع منه كلمة: لا إله إلا الله، يقول أسامة: فوقع في نفسي من ذلك، وخفت لو أني عملت ذنباً، فذكرته للنبي ﷺ فقال: (أقال لا إله إلا الله وقتلته! فقال أسامة: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح)، يقول المبرر الحقيقي الذي عنده، وفي رواية: (يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وفلاناً، وسمى له نفراً، وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقال ﷺ : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها متعوذاً أم لا)، وفي رواية: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة). وهنا أسامة بن زيد ﵁ لم يكرر التبرير عندما وضح له بالفعل أنه لم يشق عن قلبه، ولأنه لا يعلم خفايا القلوب إلا الله ، واحتمال أنه قالها فعلاً من قلبه، لكن الشواهد كلها تشير إلى غلبة الظن من أن الرجل قال الكلمة خوفاً من السلاح، وكل هذا يبقى ظناً ولا سبيل إلى التيقن من صدق الرجل أو كذبه، وعند ذلك قال أسامة مباشرة: يا رسول الله استغفر لي. ولم يعمد إلى افتعال جدل طويل ومناقشات ومحاورات، وإنما اعتراف بالخطأ، ثم قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أسلم قبل ذلك، أي: يا ليتني أسلمت هذا اليوم، حتى لا يكون في صحيفتي هذه الجريمة الكبرى، فلم يجلس يبرر فيها، مع أنه كما نرى كل الملابسات تقول: إن الغالب على الظن أن الرجل قال الكلمة خوفاً من السلاح، لكن لا أحد كشف لنا عن قلبه.

стр. 139

توبة أسامة بعد شفاعته في المرأة المخزومية كذلك: أسامة بن زيد عندما ذهب إلى رسول الله ﷺ ليشفع في المخزومية التي سرقت، وذلك حتى لا تقطع يدها -وبنو بني مخزوم قبيلة قوية وشريفة- قال له رسول الله ﷺ وهو غاضب: (أتكلمني في حد من حدود الله). ولم يأت أسامة بن زيد ﵁ بالمبررات ويقول: إن هذه المرأة من عائلة كبيرة، وسيحدث مشاكل في المجتمع المسلم، وهذه أول مرة لها، لا، كل هذا الكلام لم يفكر فيه، بل قال: استغفر لي يا رسول الله، فمباشرة عرف أنه قد أخطأ، فلا جدال، ولا محاورات ولا مناقشات، ولذا فإن المستفيد من ذلك هو الشخص المخطئ، لأنه هو الذي سيتوب من الذنب، ولأنه الذي كان سيحاسب عليه، فالله رحمه بأن يسر له من ينصحه في الله، ويقول له: أنت أخطأت، ومن أجل هذا نريد أن نوسع صدورنا عند النصيحة، لما يأتيك أحد ويقول لك: إنك مخطئ، ففكر في الذنب ولا تفكر بصورتك أمام هذا الرجل، بل تب بسرعة لعل الله أن يقبض روحك وأنت تائب خير لك من أن يقبضها وأنت على معصية.

стр. 140

تعظيم الذنب وإن صغر من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم السمة الثالثة: تعظيم الذنب وإن صغر، وهذا عكس ما يفعله كثير من الناس، فمعظم الناس تهون الذنب مهما عظم، لكن الصحابة كانوا يعظمون الذنب مهما صغر، وانظر لقول عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه في صحيح البخاري: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه -فالمؤمن يتخيل الذنب كالجبل الذي سيقع عليه، فكيف سيكون حاله! - وإن الفاجر يرى ذنوبه كالذباب مر على أنفه فعمل به هكذا، وأشار بيده فوق أنفه. يعني: أبعده وطيره بيده. وتأمل أيضاً قول أنس بن مالك ﵁ عند البخاري وكيف كان مفهومه عن الذنب: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر -يعني: أنتم ترونها بسيطة جداً- وإن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عيه وسلم من الموبقات، أي: من المهلكات، وهذا أمر مهول جداً، ففرق واضح بين جيل الصحابة والجيل الذي لحق بهم كما يقول أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، فهم كانوا يفرقون بين عظم الذنب وصغره بحسب قوة الإيمان، إذاً ما بالكم بالأجيال التي تلت؟! وكلام أنس بن مالك هذا كان للجيل الذي تلا جيل رسول الله ﷺ مباشرة، وعليه فلا وصول إلى ما وصل إليه هؤلاء إلا بالاهتمام بالتوبة من كل ذنب مهما صغر. وقال بلال بن سعد ﵀: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. وموقف آخر لـ أبي بكر الصديق ﵁ مع ربيعة بن كعب ﵁ عندما قال في حقه كلمة شعر أنه قد أغضبه بها، يعني: أن الصديق أغضب ربيعة بن كعب بكلمة بسيطة، فطلب منه الصديق أن يردها عليه، وانظر هنا: فقد كان الصديق الوزير الأول لرسول الله ﷺ وساعده الأيمن، بينما ربيعة بن كعب هو خادم رسول الله ﷺ ، ففرق كبير وبون شاسع بين الاثنين، لكن الصديق شعر أنه قد عمل جريمة لدرجة أنه يطلب من خادم رسول الله ﷺ أن يرد عليه الكلمة التي قالها في حقه، فأبى عليه ربيعة، ورفض أن يسب أو يشتم، أو يقول كلمة فيها نوع من الخطأ، أو فيها نوع من التعدي على الصديق ﵁ وأرضاه، وهو المتربي في بيت النبوة، فذهب أبو بكر -تخيل- يشتكي ربيعة عند رسول الله ﷺ فأقر ربيعة على رفضه وقال له: (قل له: يغفر الله لك، يغفر الله لك يا أبا بكر)، فقال ربيعة: يغفر الله لك يا أبا بكر، فولى أبو بكر وهو يبكي، إحساس منه أنه لم يكفر الذنب الذي عمله، وحساسية مفرطة لأي ذنب مهما صغر. وروى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه)، والذهب محرم على الرجال، ثم قال الرسول ﷺ : (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)، ثم قيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك وانتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ ، فالذنب ليس بذنب كبير، وليس من الكبائر، والرجل لعله قد يكون جاهلاً بالحكم، وكان بإمكانه أن يأخذه ليبيعه أو يعطيه لزوجته أو يدخره لزمن، لكن إحساس الرجل بعظم الذنب جعله يزهد في الخاتم، وحجة الصحابة في هذا الإحساس المفرط لقضية الذنب: حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب) أي: الذنوب البسيطة التي يستحقرها الإنسان لصغرها في ظنه، ثم قال: (فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه).

стр. 141

إتباع السيئة الحسنة من السمات الأساسية لتوبة الصحابة ﵃ السمة الرابعة: اتباع السيئة بالحسنة، أي: محاولة معادلة السيئة بحسنة بعدها، فيبطل أثر السيئ، وإلى هذا المعنى أشار رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. عن أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اتق الله حيثما كنت)، نصيحة في منتهى العظمة من رسول الله ﷺ إلى أبي ذر وإلى الأمة جميعاً، ثم قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس)، وكان هذا المعنى واضحاً جداً في حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فبمجرد ما الإنسان يذنب ذنباً يحاول أن يتبع الذنب بحسنة، بحيث يعادل هذه السيئة بالحسنة. وانظر الموقف الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها)، وفي رواية (أصبت منها قبلة)، يعني: أنه ارتكب معها شيئاً لا يستوجب الحد، فشعر الرجل أنه فعل جريمة كبيرة جداً فقال للنبي: فهأنذا فاقضي في ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، لكن الرجل من داخله يريد أن يتخلص من الذنب الذي عليه، قال راوي الحديث عبد الله بن مسعود: فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، أي: لم يرد عليه النبي ﷺ بشيء، ولم يأت الوحي بعد في ذلك، فقام الرجل فانطلق، والرجل مهموم لم يعرف كيف يتخلص من الذنب، فأتبعه النبي ﷺ رجلاً ودعاه، أي: أمره بالرجوع إليه مرة أخرى، وتلا عليه آية تعالج مشكلته ومشكلة وموقف الذين يفعلون مثله، أو أي ذنب من الذنوب قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [هود:١١٤]، أي: أكثر من النوافل، وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، أي: صل قيام الليل، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، فهذا شيء عظيم جداً، فقال رجل من القوم. قيل أنه معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، (يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة)، أي: لكل واحد يرتكب ذنباً، فيبادر لعمل المعروف، حتى يكفر عنه ذنبه الذي عمله. وهذا كعب بن مالك ﵁ وأرضاه عندما تاب من أمر التخلف عن الجهاد في سبيل الله ، ونزلت توبته بصريح القرآن، إلا أن كعب بن مالك ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، علامة على صدق التوبة الشديدة، فهو يريد أن يتخلص من المال الذي أقعده، ولكن رسول الله ﷺ قال له: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)، فقال كعب: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وتصدق بكل ماله عدا هذا السهم، وتخيل واحداً دفع كل ماله من أجل أن يتخلص من ذنب واحد، إحساس عظيم جداً؛ لأنه فعلاً يريد أن يتوب إلى الله . وأبو لبابة ﵁ وأرضاه عندما تاب الله عليه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر ديار قومي، وفي رواية: أهجر هذه الدار التي أصبت فيها الذنب وأساكنك، يعني: أنه سيترك المكان الذي كان يعيش فيه، وكان بعيداً عن المدينة المنورة، ويأتي يعيش بجوار الرسول ﷺ في المدينة، وأيضاً شيء آخر وأني أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، أي: سأتبرع بكل مالي في سبيل الله، لكن الرسول ﷺ الرحيم بأمته وبـ أبي لبابة، والعارف باحتياجات الحياة قال: (يجزئ عنك الثلث)، أي: يكفي أن تتبرع بثلث مالك فقط، وهذا بحد ذاته كثير جداً، وهنا أقر الرسول ﷺ مبدأ التصدق لتكفير الذنوب، وفعل الخير بصفة عامة لمحو السيئات. وموقف آخر لـ عمر بن الخطاب ﵁ عندما وقف يجادل الرسول ﷺ في الحديبية، ونحن نعرف الجدال الطويل الذي دار بينه وبين الرسول في قضية صلح الحديبية، قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق خوفاً من الذي صنعته مع النبي ﷺ يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً، وفي رواية لـ ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب قال: لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً، يعني: أنه عمل كثيراً من الطاعات حتى يكفر عن ذنبه الذي عمله. والخلاصة: أن هذه

стр. 142

عدم القنوط من رحمة الله تعالى من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم السمة الخامسة: عدم القنوط من رحمة الله تعالى مهما عظم الذنب، فلا يكون هناك يأس أبداً من رحمة الله ، للحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم)، وفي رواية أحمد (حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض)، لا أحد أذنب بهذا المقدار الكبير من الذنوب، إذاً: فكل الذنوب يتوب الله عليها. روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة)، أي: نحن عملنا جرائم كثيرة جداً في الجاهلية، فهل إذا دخلنا في الإسلام يعفو الله عنا؟ قال: فنزل قول الله في سورة الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]، ثم يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فكل هذه السيئات السابقة تبدل إلى حسنات بمجرد التوبة ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وقال ابن عباس: ونزل أيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. وروى البزار والطبراني بإسناد جيد عن أبي طويل شطب الممدود ﵁ وأرضاه: (أنه أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا فعلها -والحاجة: الأمر الصغير، والداجة: الأمر الكبير- فهل لذلك من توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ : فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ : تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهن لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال رسول الله: نعم، فقال الرجل: الله أكبر فما زال يكبر حتى توارى) فخير عظيم بأن تمحى كل الذنوب السابقة، وليس فقط تمحى الخطايا بل تتحول إلى حسنات. وثواب من الله ، فأمر مهم جداً أن الإنسان لا يقنط من رحمة الله ، وخاصة أن الله دعا إلى التوبة من لا يتخيل الناس أبداً أن تقبل توبته عند الله . قال ابن عباس ﵄: دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، فقال الله لهؤلاء: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، فبعد كل هذه الجرائم العظيمة جداً يدعوهم إلى التوبة وإلى الاستغفار. كما دعا الله كفار بدر إلى التوبة فقال: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، ودعا الله أصحاب الأخدود إلى التوبة وذلك بعد ما أحرقوا المؤمنين، فقد أحرقوا سكان قرية بكاملها ليست لهم جريمة إلا أن قالوا: ربنا الله، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] يعني: لو تابوا لغفر الله لهم، ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، ودعا الله فرعون إلى التوبة بعد أن قال كلمته الفاجرة ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وبعد أن قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وبعد هذه السلسلة الكبيرة من القتل للأطفال والاستحياء للنساء قال الله في حقه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فأمر الله نبيه موسى وهارون بالتودد إليه في الكلام، لعله أن يؤمن ويرجع إلى ربه ، ﴿