Полный текст (142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
موقف أبي عبيدة بن الجراح ﵁ من عزل خالد
ننتقل إلى موقف أبي عبيدة بن الجراح الذي عُين قائداً بدلاً من خالد بن الوليد ﵁، ولنرى موقف الزعيم الجديد للشام، فقد أصبح رئيساً لقطاع كبير من الدولة الإسلامية، فهو أمير الشام وما أدراك ما الشام؟ إنها من أغنى الولايات الإسلامية في ذلك الوقت بعد أن فُتحت، فعندما جاءه خطاب التعيين، ما الذي عمله مع هذا الخطاب المهم جداً؟ هذا الخطاب الذي معظم سكان الأرض يتمنى سطراً واحداً منه، فإن الإنسان ليتمنى أن يكون أميراً على شركة صغيرة أو على قطاع أو مصلحة، لكن ماذا كان حال أمير الشام؟ لقد كانت المفاجأة من أبي عبيدة بن الجراح أنه أخفى خطاب العزل لـ خالد بن الوليد، فهو لا يريد أن يكون زعيماً، ولم يُعلم خالد بن الوليد بذلك، ثم أتاه خطاباً آخر من عمر بن الخطاب.
لأن عمر بن الخطاب كان يعلم أن أبا عبيدة سيأخذ الخطاب ويخبئه ويرفض الإمارة، لكنه ﵁ خبأ الخطاب الثاني حتى انتهت المعركة بقيادة خالد، ووصل الخبر إلى خالد بن الوليد من طريق آخر، أي: أن هناك شخصاً آخر أخبر خالداً بعزل عمر بن الخطاب له، وهو لم يكن يعرف بعد أن أبا عبيدة تم تعيينه أميراً على الجيش، فذهب مسرعاً إلى أبي عبيدة ليلومه على ذلك، فقال أبو عبيدة لـ خالد بن الوليد: وما سلطان الدنيا أريد، وما للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع.
أي: ما ترى يا خالد من الملك والإمارة والسلطة سوف يذهب، وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله تعالى، سواء الحاكم والمحكوم، أو القائد والجندي، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه لا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة.
أي: فتنة الإمارة وفتنة الدنيا.
ثم قال: وأوقعهما في الخطيئة، لما يعرض له من الهلكة، إلا من عصم الله ، وقليل ما هم.
أي: أن القليل جداً من الأمراء الذين لا يقعون في الدنيا، فلماذا أطلب الإمارة إذا كانت خطرة على ديني، وسوف تصعّب عليّ امتحان الدنيا؟ مسكين فعلاً هذا الذي لا يفهم حقيقة الدنيا.
ثم قام أبو عبيدة وخطب في جيش المسلمين يعظّم من أمر خالد فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة)، فلا يظن ظان أن خالداً عُزل لنقص في دينه أو ضعف في رأيه، أبداً، فالرسول ﷺ بنفسه مدحه وسماه: سيف الله.
انظروا إلى عظمة أبي عبيدة بن الجراح عندما يقول هذا الكلام في هذا الموضع، يعظّم من القائد الذي عُزل وهو قد جُعل في مكانه، وليس أن يذكر سيئاته السابقة وأنه كان يعمل كذا وكذا، بل يعظم من أمر خالد وغير مسرور لتولي الإمارة، لماذا كل هذا؟ لأنه يعرف قيمة الدنيا، ولو أنه لم يعرفها لكان فرحاً جداً بأنه قد أصبح أميراً على الشام.
стр. 72
عظمة خالد بن الوليد ﵁ وموقفه من عزل عمر له
برزت عظمة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، هذا الرجل الذي كان في أعظم درجات الملك، وفي أعلى درجات التفوق والانتصار، فقد كان جيش المسلمين في الشام قبل أن يأتي خالد بن الوليد في أزمة خطيرة، ولم يستطع أن يحقق إلا نصراً يسيراً جداً، وظل شهوراً لا يستطيع أن ينتصر، بينما سيدنا خالد كان في العراق له انتصاراته الأولى والثانية والثالثة، ففكر سيدنا أبو بكر بنقل خالد من العراق لينقذ جيوش الشام، وعندما أتى خالد من العراق إلى الشام، وهو في طريقه إلى جيش الشام حقق خمسة انتصارات في الشام، وهذا قبل أن يقابل جيش الشام، وبعد أن قابل جيش الشام كانت موقعة اليرموك الخالدة، أي: أن سيدنا خالداً كان يعمل عملاً لا يستطيع أحد تصوره حتى الناس الذين يعيشون معه، سواء من الصحابة أو غيرهم، وهنا سيدنا أبو بكر يقول: أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد؟ فانظروا إلى خالد وهو في قمة هذا الانتصار يعزل، فماذا كان ردة فعله؟ إن خالداً في كل هذا الطريق وفي كل هذه الانتصارات لم يقل كلمة (أنا) مرة واحدة، بل كان دائماً ينسب الأمر إلى الله ، وتأمل إلى هذا الموقف في موقعة اليرموك لأحد الجنود المسلمين، إذ يقول بعد أن نظر إلى أعداد الروم الهائلة: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فسمعه خالد بن الوليد فقال له في ثقة شديدة، ثقة الرجل الواثق من ربه : اصمت أيها الرجل، بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بنصر الله ، وتقل الجنود بالخذلان لا بعدد الرجال، ووالله لوددت أن الأشقر -أي: فرسه- براء من توجعه وأنهم أُضعفوا في العدد.
أي: وددت أن يكون فرسي سليماً والرومان أربعمائة ألف.
فـ خالد بن الوليد عندما أتاه قرار العزل سلّم الراية بدون تردد إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال: ما عليّ أن أقاتل في سبيل الله قائداً أم جندياً.
أي: ما دام أن ذلك كله في سبيل الله فلا فرق بين أن أكون قائداً أم جندياً؛ لأنه في النهاية كله في سبيل الله، والغاية هي إرضاء الله ، سواء أرضاه في كرسي الحاكم، أو في كرسي المحكوم، أو في كرسي القائد، أو في كرسي الجندي، ففي النهاية أنت ترضي الله .
ثم قام يخطب في الجيش ويقول: بعث عليكم أمين هذه الأمة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) ولم يقل: بماذا فُضِّل عليّ؟ ولم يقل: ما الذي فعله أبو عبيدة قبل أن آتي من العراق؟ ولم يخبر أنه قد ظُلم بهذا القرار، مع أن كل الجيش كان يحبه حباً لا يوصف، لكن لو كان قال هذا الكلام لأحدث فتنة، لكنه لا يريد ذلك، ولماذا الفتنة؟ من أجل الدنيا، هو يعرف قيمة الدنيا، فهي لا تساوي عنده شيئاً.
فقد خاض ﵁ معارك كثيرة جداً، حتى قيل: إنها قد تجاوزت المائة، وانتصر فيها جميعاً دون هزيمة واحدة، وغنم غنائم شتى، وربح أموالاً عظيمة، ولم يترك بعد موته إلا فرساً وسلاحاً وغلاماً فقط من كل هذه الدنيا، بل وأمر بإرسالها إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وقال: اجعلوها عُدة في سبيل الله، لكن من يستطيع أن يحمل سيفه بعد موته؟ من يستطيع أن يركب خيله؟ أين ذهبت أمواله وغنائمه؟ لقد أنفقها جميعها في سبيل الله، فقد كان جواداً عظيم الجود، كريماً واسع الكرم، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا عجب فهو تلميذ نجيب لرسول الله ﷺ .
ما هو أكثر ما تمتع به خالد بن الوليد ﵁ في حياته؟ قال خالد بن الوليد: ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام أحب إليَّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية من المهاجرين، أصبّح فيها العدو.
فهذه هي متعته في الدنيا، وليست السلطة ولا الإمارة ولا الأموال ولا النساء، بل الجهاد في سبيل الله، وليس أي جهاد، بل الجهاد الصعب الخطير في البرد والليل والجيش القليل والعدو الكثير، فهذا هو خالد بن الوليد وهذه متعته.
وقال وهو على فراش الموت: لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني -أي: تمطر علي- ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار.
ثم قال كلمته المشهورة وهو يبكي: لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وها أنا أموت حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.
فهذه حياة عظيمة خالدة، أتظنون أن ضرب السيوف أو رمي السهام لم يكن يؤلم خالد بن الوليد؟ بل كان يؤلمه، لكنه فقه حقيقة الدنيا، وعلم أنها أيام قليلة يقضيها ثم يموت، علم أن الله إن كتب علي
стр. 73
سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والجنة
الجنة هي النعيم الذي لا ينفذ، وهي التي دندن حولها النبي ﷺ والصحابة أجمعون، فاشتاقت نفوسهم إلى هذا النعيم الدائم، وتفاعلوا معها أعظم التفاعل، فضربوا لنا أروع الأمثلة في ذلك، فقدموا أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل الوصول إلى ذلك.
стр. 74
الجنة والخلود فيها مطلب كل مسلم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان.
الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فحديثنا في هذه المحاضرة الثامنة من محاضرات: كن صحابياً، عن موضوع في غاية الأهمية في حياة كل مسلم.
وقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الصحابة والدنيا، وحديثنا في هذه المحاضرة سيكون عن الصحابة والآخرة، عن الصحابة والجنة.
في الحقيقة هذه نقطة محورية فعلاً في بناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم، والأمة الإسلامية بكاملها.
فيا ترى كيف فهم الصحابة حقيقة الجنة؟ وكيف كان تعاملهم مع حقيقة الجنة؟ عندما تدرس حياة الصحابة ستجد أن تفاعل الصحابة مع قضية الجنة مختلف جداً عن تفاعل معظم اللاحقين بعد ذلك، وأنا أعتقد أن هذا الاختلاف كان سبباً رئيساً من الأسباب التي أدت إلى أن جيل الصحابة وصل إلى هذه الدرجة السامية الرفيعة من الأخلاق، ومن الاعتقاد في الله ، ومن العمل في سبيل الله ، لذا كانت الجنة نقطة محورية في حياة كل الصحابة، لكن قد تجد أناساً كثيرين الآن من الذين لديهم علم كبير جداً من العلماء الأفاضل، ومن كبار الدعاة عندما يأتي ويتكلم عن الجنة تحس أنه يتكلم على شيء نظري، ولا تشعر في كلماته بالأحاسيس التي كان يشعر بها فالصحابي، فالصحابي حتى وإن كان بسيطاً في علمه، أو قليلاً في معلوماته، لكن عندما يعرف معلومة واحدة عن الجنة فإنها تبقى معه إلى أن يموت، حتى لو كان أعرابياً بسيطاً، وحتى لو كانت لغته ضعيفة مقارنة بكبار الصحابة، لكن كانوا يتأثرون بالجنة تأثراً قوياً جداً، وأنا أشعر أن هذا فارق جوهري؛ لذلك أتمنى أن يركز كل سامع لهذه المحاضرة مع هذه المعاني، وأن يعيش فيها معايشة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وأنا أعتقد أنه عندما تصبح الآخرة في أعيننا كما هي في أعين الصحابة ستتغير -ولا شك- مناهجنا في الحياة، وسنفكر بطريقة أخرى، وسنرتب أولوياتنا بطريقة أخرى، وسنسعد بطريقة مختلفة، وعلى أشياء ليست كالأشياء التي نسعد لها الآن، وسنحزن أيضاً بطريقة مختلفة، وعلى أشياء ليست كالتي نحزن عليها الآن.
فيا تُرى من منا يحزن الحزن الذي يقعده في الفراش عندما تفوته تكبيرة الإحرام مثلاً كما كان يحدث مع بعض الصحابة؟ ويا تُرى كم فينا من يحزن على فوات قيام الليل؟ أو على فوات صلاة الفجر الذي هو أصلاً فرض من الفروض؟ وكم واحداً لو فاتته صلاة الفجر واستيقظ وقد طلعت الشمس يبقى حزيناً طوال اليوم؛ لأنه فاتته صلاة مفروضة كان عليه أن يصليها في وقتها؟! ويا تُرى كم فينا من يحزن على أن أحد أصحابه بعيد عن الله تعالى، وأن ربنا لم يهده بعد، وهو يحبه حباً شديداً ويراه على ضلالته، ويراه بعيداً عن الطريق، فهل سيحزن عليه حزناً حقيقياً أم أن الأمر لا يهمه؟ مثلما أن الناس يسيرون في الشارع يعبدون الله أو لا يعبدونه لا فرق عندنا! ويا تُرى من منا يحزن أن فاتته معركة في سبيل الله، أو جهاد في سبيل الله؟ الناس الذين يأتيهم إعفاء من الجيش هذه الأيام يفرحون بينما الصحابة الذين يفوتهم الجهاد في سبيل الله يحزنون على ذلك.
وكم واحد منا حزين على فلسطين وعلى العراق وعلى كشمير وعلى الشيشان وعلى الصومال وعلى السودان وعلى غيرها من البلدان؟ إننا لو فهمنا ما معنى الجنة وما معنى النار مثلما فهم ذلك الصحابة؛ فإن كل شيء في حياتنا سيتغير تغييراً شاملاً، بل وكاملاً لمنظومة الحياة بكاملها.
وتعالوا لنرى كيف كان تفكير الصحابة في الجنة؟ وكيف كانوا من أهل الجنة وهم ما زالوا على وجه الأرض؟
стр. 75
اشتياق ربيعة بن كعب الأسلمي للجنة
فهذا ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه، له موقف يهزني فعلاً من الأعماق، حتى ولو تكررت قراءتي له فإنني سأقف مذهولاً أمام هذا العملاق ربيعة بن كعب ﵁ وأرضاه، مع أن كثيراً منا ربما لا يسمع عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه.
ربيعة بن كعب هو: خادم رسول الله ﷺ وشاب صغير جداً، فعمره دون العشرين، وهو من أهل الصفة، وخبرته في الحياة قصيرة، ليس أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا أي واحد من الكبار الذين نسمع عنهم، وإنما هو من عوام الصحابة.
وعلاوة على أنه صغير في السن، فهو من أهل الصفة، يعني: من الناس الفقراء جداً الذين ليس لهم بيوت، وإنما قد اتخذوا المسجد بيتاً، فيصرف عليهم أهل الخير في المدينة المنورة، وأيضاً ليس بمتزوج، بل إنه معدم لا يجد ما يسد رمقه في كل يوم، فلو كان أحدنا مكان ربيعة بن كعب ماذا كان سيتمنى؟ تخيل كم من الأحلام والآمال والأمنيات التي من الممكن أن تكون عند هذا الإنسان، لكن قبل ذلك اسمع معي هذه القصة التي وردت في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله جميعاً، يقول ربيعة بن كعب ﵁: (كنت أخدم رسول الله ﷺ ، وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع -طوال النهار هو شغال في خدمة النبي ﵊ حتى يصلي رسول الله ﷺ العشاء الآخرة -أي: صلاة العشاء- فأجلس ببابه إذا دخل بيته)، فالرسول بعد صلاة العشاء يذهب إلى بيته؛ لأن الحركة في المدينة المنورة تنتهي بعد العشاء بالنوم، لأجل يبتدئوا يومهم قبل الفجر بقيام الليل، ثم صلاة الفجر ويبتدئ اليوم بصورة طبيعية، ثم قال ﵁: (لعلها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة)، وانظر إلى أي درجة وصل التفاني في خدمة رسول الله ﷺ .
قال ربيعة: فما أزال أسمعه يقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله وبحمده، وفي رواية: الحمد لله رب العالمين، يعني: طيلة جلوسه وهو في ذكر ﷺ ، يقول ربيعة: حتى أمل؛ فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقد، إما أن أمل من طول القيام وأذهب إلى المسجد للنوم، أو أبقى في مكاني وأنام على باب بيت رسول الله ﷺ من طول المقام.
فالرسول ﵊ عندما رأى ربيعة وهو ذاهب وآت في خدمته، قال ربيعة: فقال لي يوماً -لما يرى من خفتي له وخدمتي إياه-: يا ربيعة! سلني أعطك، أي: اطلب يا ربيعة! تمن يا ربيعة! قل ماذا تريد؟ وتخيل نفسك مكان ربيعة ورسول الله ﷺ وهو رئيس المدينة المنورة ورئيس الدولة يقول لك: اطلب يا فلان! والذي تريده أنا سأحاول أن أوفره لك، سل يا فلان أعطك.
ثم انظر إلى فقره وحاجته الشديدة؛ لا يجد ما يأكل أو يشرب أو يلبس أو يتزوج، والرسول ﷺ يقول له -وهو رئيس الدولة بالمدينة المنورة-: اطلب يا ربيعة! ولنتأمل ربيعة بن كعب ﵁ وأرضاه على هذا العرض المغري من رسول الله ﷺ ، يقول ربيعة: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله! ثم أعلمك ذلك، يعني: أعطني فرصة لأفكر، يقول ربيعة: ففكرت في نفسي فعرفت.
وانتبه هنا وضع في ذهنك الخلفية التي صورتها لك لحالة ربيعة بن كعب الأسلمي من ناحية الإمكانيات المادية، ومن ناحية الوضع الاجتماعي في المدينة المنورة، يقول: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وتذكرون المحاضرة التي سبقت: الصحابة والدنيا، وانظر إلى هذا الشاب الصغير كيف أنه فاهم لحقيقة هذه الدنيا جيداً، يقول: فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقاً سيكفيني ويأتيني، أي: إن الله لن يتركني وسيكفيني ويأويني، يقول ربيعة: فقلت: أسال رسول الله ﷺ لآخرتي، إذا كانت الدنيا ستأتيني هكذا أو هكذا، والله قد كتب لي فيها شيئاً ما، فلماذا أسأله الدنيا؟ فتأمل ما مقدار ما يفكرون به، يقول: لو أن الله كتب لي رزق فسيأتيني، أو زوجة فستأتيني، أو بيتاً فسيأتيني، إذاً فلماذا لا أسأله عن الحاجات الصعبة على كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة، ألا وهي الجنة.
قال: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي؛ فإنه من الله بالمنزل الذي هو به، أي: هو رسول الله الذي إذا سأل الله تعالى استجاب له، ثم قال: فجئت، فقال رسول الله ﷺ : ما فعلت يا ربيعة! أي: هل فكرت في الطلب الذي تريده؟ يقول ربيعة: فقلت: نعم يا رسول الله! فقال:
стр. 76
اشتياق عمير بن الحمام للجنة
وموقف آخر لصحابي آخر: عمير بن الحمام ﵁ وأرضاه، وكلنا نعرف ذلك الموقف، وكلنا قد سمعنا به كثيراً، إنه موقف في منتهى الجمال والروعة: روى مسلم وأحمد عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال: يوم بدر قال رسول الله ﷺ ، وانظروا إلى الرسول ﷺ في يوم بدر وهو يشجع الصحابة على القتال في سبيل الله، قال لهم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، كلمات قد سمعناها مراراً، وسمعنا أيضاً الآية الكريمة مرات عديدة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، لكن -سبحان الله! - عمير بن الحمام الأنصاري ﵁ وأرضاه سمع هذه الكلمات وتدبرها جيداً، وجلس يفكر: جنة عرضها السماوات والأرض!! إنه شيء عظيم جداً، وكأنه أول مرة يسمع هذه الآية! فقال: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض، ما هذه العظمة!؟ رأى السماء والنجوم وتباعدها عن بعضها وعن الأرض، الجنة عرض السماوات والأرض، وكل الذي نراه من السماء هو سماء الدنيا فقط، وهناك أيضاً سبع سماوات أخرى!! فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال عمير: بخٍ بخٍ! كلمة تقال للتعظيم، يعني: معقول أنها بهذا الحجم، فالرسول خاف ألا يصدق ذلك، فقال رسول الله ﷺ : ما حملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله! أنا مصدق، لكن رجاء أن أكون من أهلها، فقال رسول الله ﷺ لما رأى الصدق في عمير بن الحمام ﵁ وأرضاه: فإنك من أهلها، وتأمل إلى عمير بن الحمام ﵁ وأرضاه فقد أخذ ما أراد، فهو طوال عمره يعيش لأجل هذا الأمر، لأجل أن يدخل الجنة، والرسول ﵊ يقول له: فإنك من أهلها، وهل هناك أحد سيدخل الجنة في الدنيا؟! لا، لابد من الموت، فهو عرف أن الفارق بينه وبين الجنة أن يموت، وبينما هو واقف بجانب رسول الله ﷺ يقول أنس بن مالك ﵁ راوي الحديث: فأخرج عمير تمرات من قرنه، أي: من الكيس الذي يوضع على الظهر وفيه الزاد، فكان ﵁ واقفاً طوال اليوم ولا يوجد لديه أكل، فأخذ من كيسه بعض التمر ليأكلها، قال: فجعل يأكل منهن أي: من التمر، ثم إن عمير بن الحمام ﵁ عمل عملاً غريباً جداً، فأخذ التمرات ورمى بهن، ثم قال: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة)، أي: هل سأنتظر دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث حتى آكل هذه التمرات وبعد ذلك أموت ثم أدخل الجنة؟ لا، فأنا مشتاق جداً إلى الجنة، ولا أستطيع أن أصبر دقيقة واحدة، فهل يا تُرى كان في فعل عمير بن الحمام تكلف.
لا والله أبداً، فهو الآن يعيش في الجنة فعلاً، والذي يفصل بينه وبين أن يكون في الجنة حقيقة الموت، لأن الإنسان إذا مات انتقل إلى القبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، ومجرد أن يموت فإن كل النعيم الذي سيراه في الجنة سيرى منه في القبر، ثم إلى النعيم الكثير والكبير والذي لا ينقطع بعد قيامه من قبره يوم يقوم الناس لرب العالمين.
يقول أنس: فرمى عمير بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل، أي: حتى استشهد، ونال الأمنية التي كان يتمناها، وانظر إلى بعض الناس ماذا يتمنون؟! أن الله يكتب لهم عمراً طويلاً، وأنهم يعيشون سنين وسنين، بينما عمير كان يتمنى فعلاً أن يموت، وصدق الله فصدقه الله .
стр. 77
قبول الصحابة لشروط بيعتي العقبة مقابل تبشيرهم بالجنة
وتعالوا بنا أيضاً لنرى بيعة العقبة الأولى -وقد تكلمنا عليها بالتفصيل في دروس السيرة- يقول عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه كما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنا عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء)، وذلك قبل أن يفرض الجهاد، لأن بيعة النساء كانت بيعة بدون جهاد، والجهاد إنما جاء في بيعة العقبة الثانية، وتعالوا لنرى الشروط التي اشترطها رسول الله ﷺ على عبادة بن الصامت ومن معه من أصحاب بيعة العقبة الأولى، يقول عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه: (بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف).
فهذه ستة شروط وأمور بايع النبي ﷺ عليها أصحابه، وهي شروط صعبة جداً، وأريد منكم أن تتخيلوا هؤلاء المبايعين الذين دخلوا في الإسلام الآن، ويملي عليهم النبي ﷺ كل هذه الشروط والقيود الشديدة، ومن أولها: عدم الإشراك بالله، وعدم السرقة إلى آخر ما أملاه عليهم ﵊، لكن ما هو الثمن إن وفَّوا بذلك؟ يقول النبي ﷺ : (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم).
فهل يا ترى تخلف أحد عن البيعة بعد هذه القيود الصعبة؟ لا، فكلهم قد بايعوا، نعم الشروط كانت صعبة لكن الثمن هو الجنة، فهذا هو المفهوم عن الجنة لدى الصحابة ﵃ وأرضاهم.
ولننظر في بيعة العقبة الثانية، فقد كانت أصعب وأصعب، فهذا جابر بن عبد الله ﵄ يحكي قصة بيعة العقبة الثانية كما جاءت في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فيقول ﵁ وعن أبيه: (قلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على)، وانتبه! فالرسول ﷺ يصعب عليهم الأمور أكثر وأكثر، أكثر من السنة الماضية، لأن هؤلاء هم الدعامة التي ستقوم عليها الحكومة الإسلامية بعد ذلك، ولا بد أن يكونوا فاهمين جيداً لتبعات الإيمان، ولا بد أن يفهموا بماذا سيضحون وماذا سيكسبون؟ فالرسول ﷺ يقول لهم الحقيقة بمنتهى الصراحة وبمنتهى الوضوح، قال: (تبايعوني على: السمع والطاعة)، تذكرون محاضرة: الصحابة والعمل، وتذكرون كلمة السمع والطاعة؟ حيث قالوا: (سمعنا وأطعنا)، وليس السمع والطاعة فقط، بل الأمر أصعب من ذلك: (السمع والطاعة في النشاط والكسل)، فالسمع والطاعة في النشاط ممكن، وخاصة عندما يكون الإنسان متحمساً جداً لعمل الخير، فقد تأتيه ساعات هو متحمس فيها للصلاة في المسجد، لكن عندما يكون كسلان أو مرهقاً من العمل أو غيره فإنه يؤدي صلاة الجماعة في المسجد جماعة، وهذا هو السمع والطاعة؛ لأنه أمرك بالصلاة في الجماعة في المسجد؛ فتصلي جماعة في المسجد.
أيضاً عندك حمية للجهاد في سبيل الله وأنت في منتهى النشاط، وفي أوقات أخرى قد يحصل لك فتور، لكن هذا الفتور ليس مبرراً لعدم الطاعة، وعليه فهذا هو المؤمن الذي يقدر على حمل مسئولية الأمة الإسلامية على كتفيه.
وهذا أول الشروط.
ثانياً: (وعلى النفقة في العسر واليسر)، في اليسر ممكنة، لا، أيضاً في العسر، فإذا كنت فقيراً أو محتاجاً، وعليك كذا وكذا من الأمور، لزمك النفقة في سبيل الله.
ثالثاً: (وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو أمر صعب أيضاً على النفس.
رابعاً: (وعلى أن تقولوا)، وفي رواية: (وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم)، وهذه في منتهى الصعوبة، لأن شدة المواجهة للدعاة في سبيل الله معروفة، لكن هذا ليس مبرراً لمنع الدعوة أو لوقفها.
خامساً: (وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم).
فهذه هي الشروط الخمسة، وهي شروط في منتهى الصعوبة، ويمكن أن يقال على فكر العامة أو الجهلة: هذه شروط تعجيز، وليس من الممكن لأحد يريد أن يستقطب الناس أن يأتي بهذه الشروط الصعبة، لكن هذه هي حقيقة الإسلام، فالإسلام دين يحتاج إلى تضحية، ويحتاج إلى مجهود، ويحتاج إلى أناس تدفع ولا تأخذ، لأن بعض الناس همها أن تأخذ في الأخير، أي: أنها تريد أي شيء في الدنيا لا في الجنة.
إذاً ما هو الثمن؟ وما جزاؤنا إذا عملنا كل هذه الشروط الصعبة وصرفنا كل حياتنا لله ؟ يقول ﷺ : (ولكم الجنة)، كلمة واحدة، فقط، فالشروط أكثر من أربعين كلمة، والثمن كلمة واحدة: (الجنة)، ثم اعلموا أننا سوف نكسب لو عرفنا قيمة الجنة، وعرفنا أن ما ندفعه هو القليل، أربعون كلمة أو مائة كلمة أو خمسة
стр. 78
خوف الصحابة من النار
إن مما يلفت النظر في الصحابة التوازن في حياتهم، فقد كانوا أيضاً يتفاعلون مع النار مثل تفاعلهم مع الجنة.
فهذا عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ وأرضاه عند خروجه إلى سرية مؤتة بكى ﵁ وأرضاه والناس يودعونه، فلما رآه الناس وهو يبكي ظنوا أنه خائف من الموت في الجهاد، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا -لا تظنوا أني أبكي لأجل الدنيا -لا صبابة بكم-ولا اشتياق لكم- ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار، يقول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١]، يعني: أن كل الناس ستمر فوق الصراط على النار، ثم يقول عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه: فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ يعني: أن الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، أي: ما يضمن لي أن أطلع منها، وأن أنجو منها والكل سيمر من فوقها.
لماذا تذكَّر هذه الآية الآن؟ لأنه ذاهب إلى الجهاد، ومن المحتمل أن يموت، وفعلاً فقد استشهد في سبيل الله في سرية مؤتة ﵁ وأرضاه، فهو ﵁ كان معايشاً للجنة والنار، فقد كان مشتاقاً إلى الجنة، وخائفاً من النار كأنه من أهل المعاصي، أو أهل النفاق أو أهل الشرك، مع أنه من أعظم الصحابة ﵁ وأرضاه.
ونحن لا بد لنا من الوقوف مع أنفسنا ونسألها: لماذا لا نتفاعل مع الجنة والنار كتفاعل الصحابة؟ نعم نحب الجنة ونخاف من النار، لكن هل قضية الجنة والنار تملأ علينا حياتنا كما كانت تملأ حياة الصحابة؟ هل نعايشها المعايشة التي كان يعايشها صحابة رسول الله ﷺ ؟ هل فعلاً نحن على هذه الحال التي كان عليها الصحابة ﵃ وأرضاهم؟ لماذا لا نعيش ما عاشه الصحابة؟ جلست أفكر في هذه القضية فقلت لنفسي: لعلنا لا نعرف الجنة التي عرفها الصحابة، يعني: ربما قد تكون مسألة نقص في المعلومات عن الجنة، لذا كان من المؤكد أن الذي يعرف تفصيلات الجنة سيشتاق إليها بصورة أكبر من الذي يعرفها إجمالاً، فيعرف أن الجنة شيء جميل، أو أن النار شيء صعب وخطير وغيرها من المعلومات إجمالاً، لكن الذي يعرف التفاصيل أكيد سيحس أكثر بالمعاني العظيمة عن الجنة.
стр. 79
حال آخر أهل الجنة دخولاً الجنة
وتعال لنسمع عن الجنة من رسول الله ﷺ ، وأنا قد احترت ماذا أقول من أحاديث الجنة؟ وعن ماذا أكلمكم؟ مئات من الأحاديث قد جاءت في وصف الجنة، ثم بعد تفكير قررت أن أذكر لكم أقل واحد في الجنة، ماذا سيكون نصيبه؟ وكل أهل الجنة بعد ذلك سيكونون أكثر منه، وتخيلوا معي ذلك.
روى الإمام مسلم ﵀ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -يصف حال آخر أهل الجنة دخولاً الجنة-: (آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة)، أي: وهو خارج من النار يمشي قليلاً ويقع قليلاً، والنار تسفعه قليلاً، (فإذا ما جاوزها التفت إليها)، فهو خرج من النار إلى مكان بين الجنة والنار، فلما نجا من النار نظر إلى هيئتها، قال: (تبارك الذي نجاني منك)، ثم يقول كلمة غريبة جداً: (لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين)، يظن أن النجاة من النار والوقوف في هذا المكان بين الجنة والنار أعظم نعمة على كل الخلق، ولا يعرف أن في الجنة قبله أناساً يعيشون في الجنة من سنين طويلة يتنعمون في نعيم الجنة: (يقول رسول الله ﷺ : فترفع له شجرة -يرى من بعيد شجرة- فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة، لأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب! ويعاهده ألا يسأله غيرها)، هو الآن نجا من النار، ورأى شجرة رفعت له من بعيد، فيريد أن يجلس في ظلها، ثم يقول رسول الله ﷺ : (وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه)، فهو رأى شجرة في منتهى الجمال.
قال ﷺ : (فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها)، ويجلس على هذه الحال فترة، ثم ماذا؟ (ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى؛ فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها)، وكان قال قبل قليل: لن أسأل مرة أخرى، لكن ابن آدم دائماً يريد الأكثر، فيقول الله : (يا ابن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها!)، وكل لحظة تطلب جديداً، (فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة)، أصبح الآن قريباً من الجنة، (ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين؛ فيقول: أي رب! أدنني من هذه؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها لا أسألك غيرها؛ فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب! هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها)، الآن أصبح قريباً من الشجرة الثالثة التي على باب الجنة، (فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة)، أي: أنه قد قرب من الجنة جداً، فسمع النعيم والسرور فيها، فيشتاق لهذا النعيم والسرور، فيطلب من ربه أن يدخله الجنة، يقول: (أي رب! أدخلنيها؛ فيقول الله : يا ابن آدم! ما يصريني منك؟)، أي: ما الذي يقطع مسألتك عني؟ والصري هو: القطع، والمعنى: متى تكف عن السؤال؟ وكلما تأخذ شيئاً تطلب آخر! ثم يقول الله : (أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها)، أي: ليس الدنيا فقط، بل ضعفها، الدنيا ومثلها معها! هذه الدنيا التي تكلمنا عنها في الدرس الماضي، هذه الدنيا الضخمة والواسعة بما فيها من أموال وأراض وغيرها سيأخذ هذا كله، ومثلها معها.
فالرجل الآن نجا من النار، ومن شجرة إلى شجرة، ويريد فقط أن يدخل الجنة، لكن لم يصدق ما هو فيه، فيقول: (أتستهزئ مني وأنت رب العالمين!)، فضحك ابن مسعود ﵁ وأرضاه راوي الحديث ثم قال للناس الجالسين حوله: ألا تسألوني مم أضحك؟! فقالوا: مم تضحك؟! قال: (هكذا ضحك رسول الله ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين، فيقول الله : إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)، ! وهناك زيادة لهذا الرجل، ففي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة! فيقول: أي رب! وكيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم)، أي: أنه يرى أن الجنة ملأى، ويرى أن كل مكان في الجنة مشغول، ويرى أن الناس قد دخلوا الجنة من سنين، وكل واحد قد أخذ مكانه، أما أنا فماذا سيبقى لي؟ (فيقال له: أترضى أن يكون ل
стр. 80
وصف نعيم أعلى أهل الجنة منزلة وقدر سعة الجنة
ثم سأل موسى ﵇ فقال: (فأعلاهم منزلة؟!)، أي: إذا كان هذا أقل واحد فكيف أعلاهم منزلة؟ (قال: أولئك الذين أردت.
غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال ﷺ : ومصداقه في كتاب الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
وسأذكر لكم شيئاً غريباً جداً -وفكروا فيه- ألا وهو: لا تتعجبوا لو كان نصيب واحد منا في الجنة مقدار مجموعة شمسية مثلاً، فمجرة درب التبانة فيها أربعمائة ألف مليون مجموعة شمسية مثل مجموعتنا هذه، وتذكرون هذا الكلام وقد مر معنا في محاضرة سابقة، وإذا كان في الكون مائتا ألف مليون مجرة مثل مجرة درب التبانة، وهذا الرقم اكتشف حالياً، وكلما تصنع تلسكوبات أكبر كلما سنجد أكثر وأكثر وأكثر، يعني: أن عدد المجموعات الشمسية في الكون التي عرفناها إلى الآن كم؟ اضرب هذا في هذا ينتج: ثمانين ألف ألف ألف ألف ألف مليون مجموعة!!! ثمانية وأمامها اثنين وعشرين صفراً، رقم في حياتنا لم نسمع من قبل ولن نسمع به، وهو بلا شك يفوق أعداد البشر كلهم، فلو أن كل أهل الأرض دخلوا الجنة سيكون رقمهم أقل من ثمانية وأمامها اثنان وعشرون صفراً.
وكل هذا زينة السماء الدنيا، وكل هذا تحت السماء الدنيا، ولم نصل بعد إلى السماء، ولا أحد يفكر أن يصل إلى السماء، بل العلماء لا يفكرون إلا في بلوغ مجرات تلو مجرات، وكل هذا تحت السماء.
لكن نحن نقول: سبع سماوات، ثم نقول بعد ذلك: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، جنة عرضها السماوات والأرض، يعني: أن كل الذي تكلمنا عنه جزء من جزء من جزء من جزء من الجنة، إذاً فليس غريباً لو كان للواحد منا ملك كالمجموعة الشمسية، وهذا لتعرف ما معنى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ولأجل أن تعرف لماذا عمير بن الحمام ﵁ لم يصبر على أكل التمرات؟ فهو لم يصبر عن ملك مثل المجموعة الشمسية عشرات المرات، وهو من المجاهدين وليس آخر من يدخل الجنة، ولا من عوام أهل الجنة، وإنما من السابقين السابقين، من أهل الجهاد، من الناس الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله.
وأريد منكم أن تتخيلوا حجم الجنة: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، فهذا العرض بينما لم يأت حديث يصرح بطول الجنة وكم مقداره، لكن هناك أحاديث يمكن أن يفهم منها -ولو تخيلاً- طول الجنة.
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)، وتخيل المسافة بين الأرض وبين أبعد كوكب في أبعد مجرة في الكون، لا شك أنها أقل حتماً من المسافة بين السماء والأرض، ولم نصل بعد إلى السماء، وأريدك أن تتخيل كم سنة ضوئية؟ كم ألف ألف ألف مليون سنة ضوئية؟ وتخيل أن الدرجة الواحدة في الجنة من نصيب المجاهدين كما بين السماء والأرض، وعندك مائة درجة للمجاهدين في سبيل الله وحدهم، فكم حجم الجنة كلها؟ وكم الطول؟ وكم العرض؟ فهذه هي الجنة.
روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة)، الناس الذين يبحثون عن شقة ولم يجدوها، ويبحثون عن غرفتين وصالة، وثلاث غرف وصالة، وأربع غرف وصالة، وأقصاها كيلو في كيلو، وما أحد قد دخل في بيت بهذا الحجم والسعة، لكن تخيل معي الجنة: (إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة -مقدار هذا البيت- عرضها ستون ميلاً)، يعني: حوالي مائة كيلو، من القاهرة إلى الفيوم تقريباً، فهذه شقة واحدة في الجنة، وممكن يكون عندك أكثر من واحدة، وفي كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن، فهذا بيتك في الجنة: لؤلؤة وقصر وفلة؛ فهذه هي الجنة.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها)، أي: في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد وليس أي جواد، بل المضمر، يعني: المجهز للجري السريع، فيستمر هذا الفارس على هذا الجواد في الجري مائة سنة ما يقطع ظل الشجرة، فإذا كان هذا نعيم الجنة فلماذا نتقاتل على هذه الدنيا؟ ولماذا نجعل كل همنا في الدنيا؟ وهل رأيتم المستوى الذي نتكلم عنه؟ وكم مقدار المساحات في الجنة؟ وكم مقدار النعيم فيها؟ وكم مقدار رحمة ربنا بعباده على أعمال بسيطة لا تساوي شيئاً أبداً في ميزان الله جل وعلا يوم القيامة؟ كل هذا ماذا يساوي
стр. 81
وصف النار وبيان حال أقل أهلها عذاباً
ولا بد للإنسان من التفكير في البديل عن الجنة إذا لم يدخلها، وإلى أين سيذهب؟ البديل عن الجنة النار، وليس هناك بدائل أخرى، كما قال ﷺ في أول يوم أعلن للناس فيه دعوته: (والله! لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً، أو النار أبداً)، واحدة من الاثنتين، إما الجنة وإما النار، فيا ترى كيف النار؟ ويا ترى ما مقدار عذاب أقل واحد في النار؟ روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن النعمان بن بشير ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: (إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة -أو قال في رواية: جمرتان- يغلي منها -أو منهما- دماغه)، أي: توضع جمرة تحت الرجل يغلي منها الدماغ، وبعض الأحاديث الأخرى قد صرحت أن هذا الرجل هو أبو طالب عم رسول الله ﷺ ، وهذا أقل واحد، فما بالك بمن في الدركة الوسطى والدركات التي بعد هذا، والدركات الدنيا، شيء مهول وعظيم جداً.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، أي: هذه النار التي نراها في الدنيا جزء من سبعين جزءاً، فقال الصحابة: (يا رسول الله! إن كانت لكافية)، يعني: لو كان العذاب بنار الدنيا لكان كافياً.
فقال ﷺ : (فضلت عليهن -أي: على نيران الدنيا-)، وفي رواية: (فضلت عليها -أي على نار الدنيا- بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)، فمن هنا نفهم حديث رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه الذي قال فيه: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة)، وفي رواية ابن ماجه: (غمسة)، يعني يؤتى بملك ظالم، أو سلطان متكبر، أو حاكم جبار، أو واحد كان عنده نعيم كبير جداً في الدنيا، لكنه من أهل النار، ثم يقال (يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط)، أنت أكثر شخص كنت متنعماً في الدنيا، (هل رأيت خيراً قط، هل مر بك نعيم قط، فيقول: لا والله يا رب!)، ضاعت متعة المال، ومتعة الملك، ومتعة النساء، ومتعة السلطة، وذهب كله بغمسة واحدة في النار، بغمسة واحدة في هذا الجحيم.
стр. 82
نعيم الجنة ينسي كل بؤس مر بالمؤمن في حياته
قال ﷺ : (ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة)، أي: بفقير، معدم، معذب، مظلوم، مبتلى، مريض، محروم، مصاب في ماله وأهله وولده وعمله ووطنه، وفي كل شيء، فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: (يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط، هل مرت بك شدة قط؛ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)، فنسى البؤس والشقاء كله عند أول غمسة في الجنة.
فلماذا لا نشتغل للجنة؟ ولماذا لا نخاف من النار؟ إننا عندما نعرف حجم الجنة وحجم النار، وقيمة الجنة وخطورة النار؛ سنعرف لماذا حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه -الصحابي الجليل- قال هذه الكلمة العجيبة التي وقفت أفكر فيها كثيراً، كلمة في منتهى الغرابة، ففي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما طعن حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه يوم بئر معونة)، وفي رواية: (حتى أنفذه بالرمح)، يعني: أن الرمح اخترق الظهر وخرج من الصدر، قال: (الله أكبر! فزت ورب الكعبة)، فهل نفهم من هذا شيئاً؟ وأي فوز فازه هذا الصحابي الجليل؟! لقد فقد حياته في عرف الناس، لكنه فاز بالجنة التي تحدثنا عنها آنفاً، فاز بالنجاة من النار التي تحدثنا عنها أيضاً منذ قليل، تيقن من ذلك لما نفذ الرمح في جسده، فأيقن أنه ميت، وأنه سيأخذ ما وعد به النبي ﷺ الشهيد، فالشهيد ينتقل من أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، (يغفر للشهيد في أول دَفعة)، وفي رواية: (في أول دُفعة)، والروايتان صحيحتان.
هذا ما كان يريده حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه: (يغفر للشهيد في أول دفع)، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي فكر فيه حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه.
ولعلنا لا نعرف كل هذه المعاني العظيمة، ولعلنا لا نعرف الجنة ولا النار، فنريد أن نقرأ عن الجنة وعن النار، ونريد أن نعيش كأننا نعيش في الجنة، ونريد أن نخاف من النار وكأننا قريبون منها جداً، وذلك مثل خوف عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه الذي تكلمنا عليه قبل قليل، وكان ذاهباً للجهاد في سبيل الله.
стр. 83
نعيم الجنة لا يدرك إلا بصدق العمل لها
هناك أناس سيقولون كلمة غريبة جداً، ألا وهي: كل الكلام الذي ذكرته نحن نعرفه، لكن نحن لم نشتغل للجنة! وانتبه يا مسلم! فالعلم الذي لا ينفع كأنه غير موجود، وكأنك جاهل، بل أخطر من ذلك؛ لأن العلم أصبح حجة عليك، والناس الذين كانوا يعيشون مع رسول الله ﷺ يعرفون أنه صادق، ويعرفون أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ولا يقدر عليه البشر، لكن عندما لم يسمعوا الكلام والنصيحة من رسول الله ﷺ ماذا كانت النتيجة؟ هل نفعهم علمهم هذا؟ لا، وانظر إلى الوليد بن المغيرة ماذا كان يقول؟ قال: لقد نظرت فيما قال الرجل -أي محمد ﷺ فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه.
لكن ماذا عمل بهذا الكلام الجميل؟ إن الذي يسمع كلامه يحسبه داعية من الدعاة إلى الإسلام، لا، لقد قاتل في معركة بدر وقتل فيها.
وهذا أبو جهل -لعنه الله- كان يقول عندما سئل: ما رأيك فيما سمعت من محمد ﷺ -واسمعوا قول أبي جهل - قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان؛ قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به ولا نصدقه.
فهو يعرف أنه رسول فعلاً، لكن من أين لهم بمثله؟ فلم يصدقه ويؤمن به، ولم ينفعه العلم شيئاً.
وعتبة بن ربيعة قال في وصف القرآن: سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه؛ فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
فماذا فعل له كل هذا الكلام؟ لقد خرج يحارب في بدر أيضاً، وقتل وهو مشرك والعياذ بالله.
إذاً: فأين العلم؟ إننا لا نريد أن نكون مثل هؤلاء، لا نريد أن نعلم كل ما علمناه عن الجنة والنار وعملنا كما هو، وكيف نعرف قيمة الجنة وخطورة النار ومع ذلك ما زلنا نعيش للدنيا؟ كيف هذا؟! إنها والله حياة واحدة، طالت أم قصرت، صعبت أم تيسرت، عشت فيها حاكماً أو محكوماً، غنياً أو فقيراً، ظالماً أو مظلوماً، طائعاً أو عاصياً، هي في النهاية حياة واحدة ومحدودة جداً، حياتك هي حياتك، والله لن تزيد أو تنقص، لن تقدر على أخذ رزق أحد، ولا تقدر على أخذ عمر إضافي من أحد.
لكن لماذا نعصي؟ لماذا نظلم؟ لماذا ننسى؟ إن المسلم مطالب بأن يتزود، فإن خير الزاد التقوى، وهلموا إلى ربكم؛ فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
قال النبي ﷺ : (من كانت الدنيا همه؛ فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه؛ جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).
فإذا كنتم تريدون الجنة حقاً؛ فاعلموا أن ثمنها غال جداً: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)، فالله لا يبيع سلعته بثمن بخس دراهم معدودات، إنما ثمنها الذي يريد هو النفس والمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
اللهم اجمع لنا أمرنا ولا تفرقه علينا، واجعل غنانا في قلوبنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واجعل الجنة هي دارنا ومستقرنا، آمين اللهم آمين.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]، وجزاكم الله خيراً كثيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 84
سلسلة كن صحابياً_ الصحابة واتباع الرسول
ضرب لنا الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في اتباعهم لسنة النبي ﷺ ، وحرصهم عليها، وموقفهم الصارم ممن لم يلتزم بها، فسادوا بذلك الدنيا كلها، ثم خلف من بعدهم خلف تطاولوا على السنة، وطعنوا فيها وألقوا الشبه عليها، واتبعوا المتشابه منها، وأعرضوا عن المحكم، ونسي هؤلاء أن الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة هو باتباعهم لسنة نبيهم محمد ﷺ .
стр. 85
نظرة الصحابة ومن بعدهم للسنة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس المجموعة التي أطلقنا عليها اسم: كن صحابياً.
حديثنا إن شاء الله تعالى عن الصحابة رضوان الله عليهم وكيف كان اتباعهم لرسول الله ﷺ ولسنته، وكيف كان تعاملهم مع هذه السنة المطهرة.
إن نظرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى السنة كانت نظرة فريدة حقاً، فقد كانوا يعظمونها إلى درجة لا يتخيلها إلا من درس حياتهم بعمق، فدرس كل نقطة من نقاط حياتهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ثم مع مرور الزمن تفاوتت نظرة الناس الذين جاءوا من بعد الصحابة، فاختلفت نظرتهم للسنة، فمنهم من عظمها ولكن كشيء نظري، فيأخذ ويترك منها ما شاء.
ومن الناس من اعتقد أنها شيء من الكماليات لا من الضروريات.
ومن الناس من اعتقد أن السنة أشياء وأمور خاصة برسول الله ﷺ ، وليست لعموم الأمة، فإذا قلت لأحدهم: كان الرسول ﷺ يعمل كذا، أو يقول كذا، أو كان يتعامل بالطريقة الفلانية في هذا الأمر، يقول لك: هذا الرسول، أما أنا فلست برسول!! ومن الناس من تطاول على السنة، فطعن فيها وألقى بالشبهات، واتبع المتشابه منها وأعرض عن المحكم.
فهذا تفاوت كبير في تعظيم السنة في الأجيال التي لحقت برسول الله ﷺ ، لذا فنحن نريد أن نرى نظرة الصحابة للسنة النبوية، وكيف كان تعاملهم معها.
إن ارتباط الصحابة بالسنة كان سبباً مباشراً لوصولهم إلى رضا الله ، وإلى حب الله ، فالله لن يحب عبداً حتى يتبع سنة رسوله ﷺ ، قال تعالى مصرحاً بذلك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فحياة الرسول ﷺ كانت التفسير العملي للقرآن الكريم، والتطبيق الواقعي لما أراده الله من العباد، فكل صغيرة وكبيرة في حياة الرسول ﷺ كانت لهدف مقصود ومتابعة بالوحي، ولذا تستطيع أن تقول بمنتهى الاطمئنان: إن كل أفعال النبي ﷺ كانت متابعة بالوحي الكريم من الله ، فإما أن الله يقول له: اعمل كذا وكذا، وإما أنه ﷺ فعل فعلاً ونزل الوحي بالتأكيد أو بتعديله إلى شيء آخر.
فإذاً: كل شأن من شئون حياة رسول الله ﷺ كانت متابعة بالوحي، وليس هذا إلا للرسول ﷺ والأنبياء فقط، وهذا يعني: أنه لا يجوز تقليد إنسان تقليداً مطلقاً، وإنما ذلك للنبي ﷺ ؛ لأن كل إنسان غير النبي ﷺ قد يصيب ويخطئ، وكل إنسان يؤخذ من كلامه وأفعاله ويرد، إلا المعصوم ﷺ .
стр. 86
مفهوم السنة وضرورة اتباعها والتمسك بها
السنة: هي الطريقة، يقال: سنة فلان.
أي: طريقة فلان في الحياة، سواء كانت هذه الطريقة محمودة أم مذمومة، ومعلوم أن طريقة الله وسنته محمودة، أما من كانت طريقته سيئة فسنته مذمومة، وتأمل قول الله في كتابه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]، فسنة الأولين: التكذيب لأنبيائهم، فكان العذاب والهلكة لهم، يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ وأرضاه: (من سن في الإسلام سنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
والمعنى: أن أي شخص عمل شيئاً حسناً وقلدته الناس في ذلك، فإنه يأخذ مثل أجورهم، مع عدم نقصان أجورهم، ونفس الأمر إذا عمل الرجل شيئاً سيئاً.
ولذلك فإنه من الخير العظيم أن المسلم عندما يقلد النبي ﷺ فيقلده أناس آخرون، فإن ذلك يضاف إلى حسناته، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
إذاً عندما نقول: سنة الرسول ﷺ .
فإننا نقصد بذلك: طريقته ومنهجه وأسلوبه في الحياة، لا نقصد السنة التي بمعنى النوافل، والتي تعد أحد الأحكام التكليفية الخمسة عند الفقهاء: الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح، وإنما نقصد السنة عند علماء أصول الفقه، وأصول التشريع، وأصول الحديث، إذ إنهم عرّفوا السنة بقولهم: هي كل ما نقل عن الرسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فأي شيء نقل عن النبي ﷺ فهو سنة، سواء كان فرضاً أو نفلاً، لا فرق في ذلك.
فقولهم: (من قول) أي: أي كلمة تكلم بها النبي ﷺ ، فمثلاً: قوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) وغيرهما من الأحاديث التي ينطبق عليها أنها من قوله ﷺ .
وقولهم: (أو فعل) أي: ما نقله الصحابة عن رسول الله ﷺ من أفعال فعلها، فمثلاً: أداء الصلاة، فقد كان ﷺ يصلي الظهر أربعاً، يقرأ في كل ركعة بالفاتحة، ويركع ويسجد، وعند ركوعه يقول: الله أكبر، وعند الرفع يقول: سمع الله لمن حمده، وهكذا ينتقل من فعل إلى فعل، فهذه الأفعال منها ما هو فرض ومنها ما هو نافلة، لكن كلها تدخل تحت أفعال النبي ﷺ ، وكلها سنة من سنن الرسول ﷺ .
وقولهم: (أو تقرير) أي: أي شيء أقره الرسول ﷺ ، بمعنى: أن الصحابي إذا عمل عملاً وعلمه الرسول ﷺ وسكت عنه واستحسنه صار ذلك سنة؛ لأنه ليس من الممكن أن يسكت النبي ﷺ عن باطل أو يستحسنه.
إذاً: كل كلمة خرجت من فمه ﷺ ، وكل حركة تحركها، وكل سكنة سكنها، وكل ابتسامة ابتسمها، أو غضبة غضبها ﷺ ، وكل أمر حصل أمامه أو علمه وسكت عنه صار سنة يقتدى به، وكل أمر حدث أمامه أو علمه ونهى عنه صار عكس السنة، أي: يكون منهياً عنه؛ ولذا فإن المسلم مطالب بأن يعرف كل حياة الرسول؛ حتى يصير متبعاً له ولسنته ﵊.
وهناك أمر لم يحدث في حياة أي إنسان على وجه الأرض إلا في حياة رسول الله ﷺ ، ألا وهو أنه ليس في حياته مطلقاً أي سر، فكل حياته مكشوفة أمامنا، وذلك من أجل أن نتعلم كيف يمكن أن نقتدي به ﵊، وكيف يمكن أن نقلده، ولعل هذا هو إحدى الحِكَم التي من أجلها تزوج الرسول ﷺ بإحدى عشرة زوجة، مع أنه ﵊ لم يجمع أكثر من تسع في وقت واحد، لكن هذا العدد من الأزواج استطاع أن ينقل لنا كل صغيرة وكبيرة في حياته ﷺ الشخصية وغيرها، فقد كن معه في البيت، ونقلن لنا كل ما كان يعمله في بيته، ولو كانت زوجة واحدة لما استطاعت أن تنقل لنا كل هذا الكم الهائل من المعاملات، وكل أموره الشخصية التي تجري في بيته، لذا شاء الله أن تكون حياة نبيه كاملة مكشوفة للأمة؛ لأن كل حركة في حياته ستكون مفيدة في شيء ما، وبذلك لم يعد يوجد أي أمر أو خبر في حياة الرسول ﷺ مخفياً عنا، وصدق الله إذ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
إذاً: فسنة الرسول ﷺ هي الحياة بأسرها، فله سنةٌ ﷺ في كيفية الاعتقاد في الله ، ولا بد أن نعتقد في الله كما علمنا رسول الله ﷺ ، ولو خرجنا عن طريقه لضللنا.
وله سنة في الشعائر، كالصلاة، والزكاة، وال
стр. 87
حرص الصحابة على اتباع السنة
هذه أمثلة تبين لنا كيف كان الصحابة ﵃ يتعاملون مع السنة؟ وكيف كانوا يتبعون الرسول ﷺ ؟ ومعرفة مدى حرصهم على أن يعرفوا عن رسولهم كل شيء، وذلك حتى لا تفوتهم أي سنة من سنن نبيهم ﷺ .
стр. 88
حرص عمر بن الخطاب على سنة النبي ﷺ
روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهذا الجار هو عتبان بن مالك ﵁ وأرضاه، فكان سيدنا عمر وعتبان ﵄ في مكان بعيد عن مسجد رسول الله ﷺ ، واسمه: عوالي المدينة، قال: وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
ومع ذلك كان سيدنا عمر ﵁ يعيش حياته الطبيعية، فكان يتاجر ويشتغل، وكان صاحب زوجة وأولاد، لكن كان حريصاً كل الحرص على أن يعرف كل شيء عن حياة الرسول ﷺ ، ونحن عندما نقرأ أو نسمع مثل هذه القصص نظن أن سيدنا عمر كان ليله ونهاره مع الرسول ﷺ ، لا يتركه أبداً، سواء في الجامع أو غيره، لا، بل كانت حياته سائرة بصورة طبيعية، لكن في نفس الوقت هو حريص على أن يعرف كل شيء عن حياة الرسول ﷺ ، فهو يروح يوماً والثاني يروح يوماً وهكذا، فلماذا لا نعمل كعملهم هذا؟ وخاصة نحن في زمن لم يعد كل الناس لديها الوقت لأن تقعد فتدرس، فلماذا لا يقرأ أحدنا شيئاً من الشرع ثم ينقلها لجاره؟ وجاره يقرأ شيئاً وينقلها له، وثالث يقرأ شيئاً وينقلها للاثنين وهكذا، وهذا العمل من عمر من باب التعاون على البر والتقوى، مع أن جار عمر هذا ليس صحابياً معروفاً هو ليس كـ أبي بكر، وعثمان وغيرهما، ومع ذلك كان سيدنا عمر يستفيد منه، وعمر ﵁ أيضاً كان يفيده، فلماذا لا نتعاون في مثل هذه الأشياء: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وهل هناك أحسن من التعاون على معرفة سنة الحبيب ﷺ ؟
стр. 89
حرص ابن عباس على سنة النبي ﷺ
كذلك عبد الله بن عباس ﵄ كان حريصاً على السنة، فقد كان ينام على باب أحد الصحابة، فيحكي عن نفسه فيقول كما عند الدارمي بسند صحيح: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ ، فإنهم اليوم كثر.
أي: في هذا الوقت قد مات الرسول ﷺ وأصحابه كثر، ولو لم نسألهم الآن فإنه سيأتي يوم يموتون هم أيضاً، فلا بد أن نسألهم ونتعلم منهم، وذلك حتى نعرف العلم الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، فقال له صاحبه الأنصاري مستغرباً: وا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك.
وفيهم كبار الصحابة، كأمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم؟ وكان عُمْرُ عبد الله بن عباس عندما توفي الرسول ﷺ أربع عشرة سنة، وكأن الأنصاري استقله لصغر سنه.
يقول عبد الله بن عباس: فترك ذلك.
أي: أن صاحبه الأنصاري لم يذهب فيسأل الصحابة، قال ابن عباس: وأقبلت أنا على المسألة، وإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه في قيلولته، فأتوسد ردائي على بابه، فتسف الريح التراب على وجهي.
فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك.
فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك.
فأسأله عن الحديث.
وبعد مرور فترة من الزمن على طلب العلم يقول ابن عباس ﵄: فبقي الرجل - أي: صاحبه الأنصاري- حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ يسألونني العلم.
أي: صار ابن عباس ﵄ من علماء المسلمين، ورحل الناس إليه لطلب العلم، بينما صاحبه الأنصاري ندم على ذلك، ولذا جاء عنه أنه قال: كان هذا الفتى - أي عبد الله بن عباس - أعقل مني.
لكن الندم عند ذلك لا ينفع، والوقت الذي يذهب منك لا يرجع مرة أخرى، والذكي هو الذي لا يضيع وقته، وكل شيء يمكن أن يعوض إلا الأيام والليالي.
стр. 90
حرص أبي هريرة على حفظ سنة النبي ﷺ
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة.
يعني: الناس يستغربون من أن أبا هريرة يقول كل هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن أبا هريرة روى عن رسول الله ﷺ أكثر من سبعة آلاف حديث، وكان إسلامه في السنة السابعة من الهجرة، أي: أنه لازم الرسول ﷺ أربع سنوات فقط، وروى عنه هذا الكم الهائل من الأحاديث، بينما غيره من الصحابة قد يكون لازم الرسول ﷺ عشرين سنة أو أكثر من عشرين سنة، ولم يرو عنه هذا الكم الهائل من الأحاديث.
يقول أبو هريرة ﵁: ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت بحديث عن رسول الله ﷺ ، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]، في الآيتين تحذير خطير جداً للذي يكتم آيات الله ، أو يكتم أي علم وصل إليه عن طريق رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة بسبب هذا التحذير كان يقول كل معلومة عرفها من الرسول ﷺ .
وهنا
السؤال
لماذا كان أبو هريرة ﵁ يعرف كل هذه الأحاديث وغيره من الصحابة لم يعرف هذا الكم الهائل منها؟ يفسر ذلك أبو هريرة فيقول: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق -يعني: التجارة-، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني.
يعني: كنت أبقى مع النبي ﷺ لا أفارقه وأكتفي من الأكل بما يشبعني، وقد كان أبو هريرة من أهل الصفة ﵃ أجمعين.
لكن قد يقول قائل: هل يمكن أن نترك أشغالنا وتجارتنا وأعمالنا ونقعد نتعلم الأحاديث ونتعلم السنة ونتعلم الشرع؟ أقول له: لا، لأن كل الصحابة لم يكونوا معتكفين على باب الرسول ﷺ ليعرفوا منه الأحاديث، لكن كان أبو هريرة ﵁ وأرضاه يسد ثغرة مهمة جداً ألا وهي نقل الأحاديث النبوية لوحده، فقد نقل لنا أكثر من سبعة آلاف حديث عن رسول الله ﷺ ، فقعدته هذه كانت مفيدة جداً للمسلمين، وهناك أناس سدت ثغرات أخرى، وهذا الذي نريده، أناس تسد ثغرات السنة، وأناس تسد ثغرات أخرى، وفي الأخير يتعاون الكل ويستفيد بعضهم من بعض.
стр. 91
حرص عقبة بن الحارث على التثبت في الأمر وطلب سنة النبي ﷺ
إن الصحابة الكرام لم يكن عندهم مانع من أن يقطعوا المسافات الكبيرة، ويجوبوا البلاد العديدة ليعرفوا رأي الرسول ﷺ في قضية من القضايا.
ففي البخاري عن عقبة بن الحارث ﵁ وأرضاه الذي كان يسكن في مكة والرسول في المدينة، فتزوج ابنة لـ أبي إيهاب بن عزيز ﵁، فأتته امرأة فقالت له: إني قد أرضعتك وامرأتك.
فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني.
أي: أنا لم أكن أعرف أنك أرضعتني قبل هذا، ولم تخبريني بذلك قبل الزواج، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وسأله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: (كيف وقد قيل؟ ثم أمره أن يفارقها، ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره).
الشاهد من ذلك هو حرص الصحابة الشديد على معرفة رأي الرسول الله ﷺ ، ولم يقل: أنا قد تزوجت وانتهى الأمر، ولم يكتف بسؤال أصحابه في مكة، لا، وإنما رحل من مكة إلى المدينة، وقطع (٥٠٠) كيلو في الصحراء ذهاباً وإياباً؛ من أجل أن يسأل عن مسألة واحدة؛ وذلك لأن المسألة مهمة وتستحق هذا السفر الطويل، وليس كل شخص يكون حريصاً على معرفة رأي الدين في أي مسألة، فكثير من الناس يأتون إلي ويسألونني عن مسائل في الطلاق أو الزواج، فتعرف منه حكايته وقصته، فمنهم من يسألك وهو قد طلق قبل هذا مرة ومرتين وثلاثاً، وهو لا يزال مع امرأته! فتسأله: كيف؟ فيقول لك: والله أنا سألت أحد معارفي فقال لي: أنت كنت غضبان عند طلاقك لزوجتك؟ فقلت: نعم، فقال لي: إذن لا تحسب طلقة.
فيأخذ الموضوع ببساطة، وهناك قضايا وأمور ضخمة جداً في حياة الناس يأخذونها ببساطة، وليس هذا هو الذي نريده، فنحن محتاجون لأن نبذل مجهوداً كبيراً حتى نعرف رأي الدين في كل قضية من القضايا، صغرت هذه القضية في أعيننا أم لا، ولا بد أن نعرف أنه ليس هناك حاجة اسمها صغيرة أو كبيرة، إنما هناك حاجة اسمها حلال وحاجة اسمها حرام، وهذا هو الذي نريد أن نفهمه وندرسه في حياة الصحابة.
стр. 92
حرص جابر بن عبد الله واجتهاده في طلب حديث النبي ﷺ
روى الإمام أحمد والطبراني وأبو يعلى ﵏ جميعاً عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ ، وهذا الرجل هو عبد الله بن أنيس ﵁ وأرضاه، وهو من صحابة رسول الله ﷺ المستقرين في الشام، بينما سيدنا جابر كان في المدينة، وقد سمع أن عبد الله بن أنيس يقول حديثاً فيه كذا وكذا، وهو لم يسمع هذا الحديث منه، وقبل ذلك لم يسمعه من الرسول ﷺ ، فيريد أن يتأكد من الحديث، مع أن الذي نقل له هذا الحديث يمكن أن يكون ثقة، لكن أراد أن يذهب إلى الشام فيسمع الحديث بنفسه من عبد الله بن أنيس، وهذا ما يسمى عند علماء الحديث بـ: علو السند.
فهو لا يريد أن يسمع من فلان عن فلان عن عبد الله بن أنيس، بل يريد أن يسمع منه مباشرة، فيكون أوثق في المعرفة، فاشترى جابر بن عبد الله ﵄ بعيراً ليركب عليه من المدينة إلى الشام، ثم شدّ عليه رحله وسار شهراً حتى قدم الشام، وقدم على بيت عبد الله بن أنيس الأنصاري ﵁، فقال لحاجبه: قل لسيدك: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يجر ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، والعجب أن أول شيء قال له بعد هذا الفراق الطويل بينهما: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أسمعه.
فقال عبد الله بن أنيس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً، قالوا: وما بهم؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة)، تهديد وتخويف عظيم، فما بالك بالناس التي تظلم وتعذب وتشرد وتسجن من غير وجه حق، يا ترى ماذا ستعمل هذه الناس يومذاك؟! فيقول عبد الله بن أنيس: (قلنا: كيف هو وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً؟ -يعني: ليس معنا شيء فكيف سنخلص حقوق بعض- فقال ﷺ : بالحسنات والسيئات).
وعند هذا انتهى الحديث، فأخذه جابر بن عبد الله ثم رجع إلى المدينة المنورة، وكل هذا من أجل حديث واحد، فيا ترى كم عندنا كتب في المكتبة فيها أحاديث لرسول الله ﷺ لم نقرأها؟ أليس لدينا وقت لذلك؟ ولماذا وجد جابر بن عبد الله وقتاً حتى يقطع المسافات الكبيرة من أجل أن يعرف حديثاً واحداً؟ لاشك أنه أعطى للموضوع أهمية، فلذلك استطاع أن يجد وقتاً، وكذلك ما دام العبد يعطي لموضوع أهمية، فإنه يستطيع أن يجد له وقتاً، كالواحد منا يستطيع أن يجد أسبوعاً كاملاً يذهب فيه إلى عطلة الصيف؛ لأنه عرف قيمة المصيف عنده، وكذلك يستطيع أن يجد ساعتين يتفرج فيها على المباراة؛ لأنه عرف قيمة المباراة عنده، وعليه فعلى قدر أهمية الموضوع عندك ستجد له وقتاً.
стр. 93
حرص أبي أيوب الأنصاري ورحلته في طلب حديث النبي ﷺ
روى أحمد والبيهقي عن التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى أنه قال: إن أبا أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه رحل إلى عقبة بن عامر ﵁ ليسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، وأبو أيوب كان يسكن المدينة المنورة، وعقبة بن عامر كان في مصر، قال عطاء: فلما قدم في أثناء طريقه على منزل مسلمة بن مخلّد الأنصاري ﵁ وأرضاه، وكان أمير مصر في ذلك الوقت، خرج إليه فعانقه، ثم قال له مسلمة: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث واحد سمعه عقبة من رسول الله ﷺ في ستر المؤمن، فدلني على عقبة، فقال: نعم، فذهب معه إلى سيدنا عقبة ﵁، ثم ذكر لهما الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله يوم القيامة)، وانتهى الحديث، فتأمل سطراً واحداً جعل أبا أيوب يرحل من المدينة المنورة إلى مصر! واسمع راوي الحديث ماذا يقول: ثم انصرف أبو أيوب بعدما سمع الحديث إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة، فلم يقعد في مصر ولا لحظة واحدة، لم يقعد ليشاهد الأهرامات، ولا ليشاهد نهر النيل، ولا حتى يرى أهل مصر أو يتكلم معهم، بل جاء ليتعلم سنة واحدة من سنن الرسول ﷺ ثم يرجع إلى بلده، فكان الهدف واضحاً جداً عنده، ألا وهو أنه يعرف سنة من سنن النبي ﷺ ، وليس عنده وقت يصرفه في أي شيء آخر.
وأنا بذكر هذه القصص والأحاديث لا أريد أن تصاب بالحزن والكآبة، ولا أريد أن تسافر من بلد إلى بلد آخر لتتعلم السنة، وإن كان هذا أحياناً قد يكون مطلوباً، لكن أنا أريد أن تخرج الكتب التي في بيتك وتقرأها، أو أن تشتري كتباً إن لم يكن عندك في البيت، وأريد أن تحضر درساً في العلم الشرعي في منطقتك أنت، لا المناطق البعيدة، وأريد أن تسأل المشايخ الذين تعرفهم عن القضايا التي تعترضك في حياتك اليومية، وما أكثر هذه القضايا؛ لأن هذه القضايا هي عمرك كله، فكل صغيرة وكبيرة في حياتك للدين فيها رأي، فهذا هو المقصود من سماع مثل هذه الحكايات عن جيل الصحابة ﵃ وأرضاهم.
стр. 94
موقف الصحابة ممن لم يلتزم بسنة النبي ﷺ وحرصهم عليها
إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يقاطعون من لم يلتزم بالسنة، أي: مقاطعة من يصر على مخالفة نهج رسول الله ﷺ في حياته، وليس المراد الذي لا يعمل النوافل، لأن السنة ليست هي النافلة فقط، بل السنة هي حياة رسول الله ﷺ ، فهي أوامره ونواهيه ﵊.
стр. 95
موقف عبد الله بن مغفل ممن أصر على مخالفة سنة النبي ﷺ
من أمثلة ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مغفل ﵁: (أنه رأى رجلاً يخذف)، أي: أنه يضع حجراً بين الإصبع الوسطى وبين الإبهام ويرمي، أو يكون ذلك بالمقلاع، وهي أداة مشهورة معروفة - فنهاه عبد الله بن مغفل ﵁ عن هذا الفعل، وقال له: (لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف)، فأوصل له المعلومة، ثم ذكر له الحكمة من النهي في الحديث: (إنه لا يصاد به صيد)، أي: أن معظم الطيور لن تقع بالنبلة هذه، (ولا ينكى به عدو)، أي: أن تعلمه لن يفيدك في تعلم الرماية، ولن ينفع في الجهاد، وفوق هذا أيضاً يمكن أن يضر، لذا قال الرسول ﷺ : (ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين)، فلا يوجد أي مصلحة في استعمال هذا الخذف، وأيضاً فهذا الطير الذي خذف بالحجارة لو سقط ميتاً لا يجوز أكله في الشرع؛ لأنه موقوذة، وأكل الوقيذ محرم كما في سورة المائدة: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة:٣]؛ ولأنه مات بقوة الرمي ولم يمت بحدها، إلا إذا لحقه وذبحه قبل أن يموت، وعليه فلا توجد أي مصالح في ذلك وأيضاً هو ممنوع من أكثر من وجه.
والشاهد: أن عبد الله بن مغفل رأى الرجل مرة أخرى يخذف، بعد أن نبهه كل هذا التنبيه، فقال له عبد الله بن مغفل: (أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا).
وفي رواية لـ مسلم قال: (لا أكلمك أبداً).
ففي بداية الأمر نصحه، لكن لما رآه يعمل شيئاً في نظره كبيرة جداً قرر أن يقاطعه، ولذلك أجاز العلماء مقاطعة الذي يخالف السنة عمداً، حتى وإن كانت المقاطعة أكثر من ثلاثة أيام؛ وهذا بعد النصح والإرشاد له.
والشيء العظيم أيضاً في الصحابة أنهم كانوا يتبعون الرسول الله ﷺ دون أن يسألوا عن الحكم، أي: لو لم يروا الحكمة من الفعل فإنهم يقلدون الرسول ﷺ ويتبعونه.
стр. 96
التزام عمر بن الخطاب بأفعال النبي مع عدم ظهور الحكمة له منها
من أمثلة ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك)، هذه الجملة من الفاروق تنفع دستور حياة ومنهج حياة.
فالرسول ﷺ إذا عمل عملاً ينبغي للمسلم أن يعمله، حتى ولو لم يفهم الحكمة من ذلك، وكذلك الأمر إذا منع النبي ﷺ شيئاً أو كرهه، ولذا كانت الحياة سهلة عند الصحابة، ومواطن الحيرة كانت عندهم قليلة جداً، فيصبح كل الهم هو البحث عن فعل الرسول أو قول الرسول ﷺ ، فإذا عرفوا رأيه في أي مسألة من المسائل زال الإشكال، وتصير الرؤية واضحة.
مثال آخر: ما رواه البخاري عن عمر ﵁ أنه قال: فما لنا وللرمل؟ فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، والرمل هو: الإسراع مع تقارب الخطى، وهو من مناسك الحج، وفي رواية يقول: فيم الرمل والكشف عن المناكب، أي: عن الأكتاف، وأول ما كان هذا في عمرة القضاء، في السنة السابعة، وذلك أن الرسول ﷺ كان يريد أن يري الكفار قوة المسلمين، فأمر الصحابة بالكشف عن الأكتاف، والجري الخفيف الذي هو كالجرية العسكرية؛ وذلك حتى يخوف المشركين من قوة المسلمين، لكن بعد ذلك ظن عمر أن الشرك قد انتهى، وأنه لا يوجد مشركون، وكل الجزيرة قد أسلمت، وكل الحجاج مسلمون، وعليه فلا فائدة من الرمل والكشف عن المناكب، فهذا كان ظن عمر في بداية الأمر، ثم رجع لنفسه فقال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه.
أي: شيء عمله النبي ﷺ فلا بد أن نعمله، حتى ولو كان العقل يقول غير ذلك، فالمهم أن أعمل ما عمله النبي ﷺ .
стр. 97
تقيد الصحابة بفعل النبي ﷺ في لبس خاتم الذهب ثم نزعه
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب -وهذا قبل أن يحرم الذهب على الرجال- فاتخذ الناس خواتيم من ذهب -تقليداً للنبي ﷺ لا أمراً منه لهم- ثم بعد زمن قال النبي ﷺ : إني كنت قد اتخذت خاتماً من ذهب، ثم رمى به وقال: إني لن ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم)، وقبل ذلك تكلف الناس بشرائها، لكن ذلك لم يكن في عقولهم، وإنما المهم الاتباع للنبي ﷺ ، فكانت المسألة في غاية البساطة عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 98
تقيد الصحابة بفعل النبي ﷺ في خلع النعلين في الصلاة
روى أبو داود وأحمد والدارمي عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره -وكان ذلك في أثناء الصلاة- فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم ووضعوها عن شمائلهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ -أي: لماذا خلعتم نعالكم- قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذىً)، يعني: أنه خلعهما لسبب مؤقت، والسبب هذا لم يكن موجوداً عند الصحابة، فما كان المفروض على الصحابة أن يخلعوا نعالهم، لكن الشاهد هو حرص الصحابة على الاتباع، فهم لم ينتظروا إلى انتهاء الصلاة ثم بعد ذلك يسألونه، لا، وإنما بمجرد رؤية الرسول يفعل شيئاً فعلوه.
وهنا قد يظن بعض الناس أن هذا الكلام فيه مبالغة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لا؛ لأن الرسول ﷺ ليس مجرد شخص يعجبون به، وليس مجرد شخص ينبهرون بأفعاله، وإنما هو رسول رب العالمين، فكل خطوة من خطواته بأمر من الوحي أو مراجعة بالوحي، ونحن عندما نقلده، فإننا نعمل الذي أراده الله منا، وعندما نعمل الذي أراده الله منا، فإننا سنسعد في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى، وسندخل الجنة التي هي منتهى أحلام المؤمنين، لذا كان الصحابة حريصين كل الحرص على أن يقلدوا الرسول ﷺ في كل حركة من حركاته والرسول ﷺ كان حريصاً جداً على ترسيخ هذا المعنى في قلوب وعقول الصحابة.
стр. 99
وجوب اتباع النبي ﷺ في كل أمر لم يثبت اختصاصه به
روى الإمام مالك في موطئه عن التابعي الكبير عطاء بن يسار ﵀، وكان ممن يسكن المدينة: (أن رجلاً قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً)، يعني: حزن حزناً كبيراً جداً، وخاف أن يكون قد ارتكب محظوراً يأثم به، مع أن هذا ليس بحرام، لكن الرجل لم يكن يعرف ذلك، فأرسل امرأته لتسأل له عن ذلك، وهنا نلحظ أن الرجل عنده مراقبة داخلية لله ، وحريص على أن يعرف رأي الرسول ﷺ في هذه المسألة، لكنّ حياءه منعه من ذلك، (فبعث امرأته لتسأل إحدى زوجات الرسول ﷺ ، فدخلت زوجته على أم سلمة زوج النبي ﷺ فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة وأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شراً، يعني: زاده حزناً، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، فالله يحل لرسوله ﷺ ما شاء).
وهذا كان اجتهاداً من الرجل، ولو سحبنا هذا الاجتهاد على كل قواعد الدين لضاع الدين، فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله ﷺ عندها فقال رسول الله ﷺ : (ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة بقصتها، فقال رسول الله ﷺ : ألا أخبرته أني أفعل ذلك؟ فقالت له أم سلمة: قد أخبرتها، وذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، فالله يحل لرسوله ما شاء.
فغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً)، وهنا نجد أن مواطن الغضب في حياة الرسول كانت قليلة جداً؛ لأنه ﷺ لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله ، لكن كان هذا الرجل مشدداً على نفسه، لكن ذلك لا ينفع، فلا بد من تقليد الرسول في كل نقطة من نقاط حياته، ثم قال ﷺ : (والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده).
إذاً: فالذي عمله رسول الله ﷺ هو الحلال، والذي منع منه هو الحرام من غير أي تكلف، فأي شيء عمله في العبادة والطاعة والتقرب إلى الله وأمر به المسلمين ولم يقل: إنه خاص به فعلى المسلمين أن يعملوه ولا يزيدوا عليه شيئاً، فالذي عمله النبي ﷺ هو الصحيح من غير زيادة ولا نقصان.
وتأمل موقف الصديق من إنفاذه لبعث أسامة بن زيد ﵄؛ وذلك أن النبي ﷺ بعث جيشاً لحرب الروم قبل أن يموت بأيام قليلة، ثم مات ﷺ وارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية، وخاف الناس على المدينة، بل تخوفوا على الإسلام، وفي هذا الجو المشحون بالفتن والردة والخوف على المدينة أصر أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه على إنفاذ جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم، ولم يلتفت ﵁ إلى المرتدين وما يشكلونهم من خطر، لأن الذي أنفذ جيش أسامة هو الرسول ﷺ ، وجاءت الناس تخاطب الصديق ﵁ وأرضاه وتقول له: دع الجيش في المدينة حتى يقوم بحمايتها، فرد عليهم قائلاً: لو تخطفتنا الطير وأكلتنا السباع حول المدينة، وجرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين، ما رددت جيشاً وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللت لواءً عقده.
فانظر كيف أن الصديق لم يخالف النبي ﷺ في هذا الأمر؛ ولذا كان من أعظم صفات الصديق ﵁ وأرضاه الاتباع للنبي ﷺ .
стр. 100
سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والأخوة
الأخوة منحة ربانية وإشراقة قدسية، وصمام أمان لهذه الأمة من الذلة والضعف والهوان، وقد ترجم ذلك الرعيل الأول في مفاهيم عدة، فانتشر الحب والوئام فيما بينهم، وسادوا الدنيا بأجمعها، لأنهم علموا أن أمة الإسلام لا يستقيم أمرها ولا يكون لها شأن إلا بالتآلف والتآخي بين أبنائها.
стр. 101
الأخوة صمام أمان لهذه الأمة وضرورة حتمية لإقامة كيانها
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فمع المحاضرة العاشرة من محاضرات: كن صحابياً، وما زلنا نبحث عن معالم الطريق الذي سار فيه الصحابة، والذي نسأل الله أن يلحقنا بهم في أعلى عليين، وسنتحدث بمشيئة الله تعالى عن مفهوم جديد من المفاهيم الإسلامية، وكيف تعامل الصحابة مع هذا المفهوم، هذا المفهوم الذي لا يستقيم لأمة الإسلام أن تقوم بغيره، والذي بعدُّ من دعامات المجتمع الصالح، ولبنة أساسية من لبنات إقامة الأمة الإسلامية الصالحة، ألا وهو: مفهوم الأخوة، فأي مجتمع صالح لابد أن يقوم على أساس الأخوة.
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وانظروا إلى هذا التشبيه الجميل، فبنيان الأمة الإسلامية مثل العمارة الضخمة الكبيرة، فهل تستطيع أن تبني عمارة بأن تضع طوبة بجانب طوبة فوق طوبة من غير إسمنت وغيره من المواد؟ لا يمكن ذلك، لأنه لابد أن يكون هناك شيء يربط بين كل طوبة وأخرى، وإذا فرضنا أنك تستطيع أن تعمل ذلك في ارتفاع متر أو مترين فإنك لن تستطيع أن تعمله في عمارة ضخمة، والإسمنت الذي بين طوبة وطوبة أخرى، أو الخرسانة التي بين دور ودور آخر هي الأخوة، فلا تستطيع أن تبني عمارة كبيرة من غير إسمنت، أو من غير خرسانة، وكذلك الأمة الإسلامية، فلا تستطيع أن تبني أمة من غير أخوة، لذا قال ربنا : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، حصر منه ، فلا ينفع أن تكون أمة المؤمنين من غير أخوة، ولذلك كان من أوائل الأساسات التي أنشأها رسول الله ﷺ في المدينة المنورة بعد هجرته أساس الأخوة، فأقام المؤاخاة بين الأوس والخزرج، وفك النزاع القديم الأصيل في المدينة، وليس فقط ذلك، بل جعل كل طرف يحب الطرف الثاني، ووجدت المحبة والمودة في المدينة لأول مرة، ونحن لا نريد مجرد التعايش السلمي، بل نريد الأخوة في الله، والحب في الله.
ثم أقام النبي ﷺ المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، ووصلت هذه المؤاخاة إلى حد الميراث، يعني: كأنها أخوة حقيقية تماماً، بل أشد من الأخوة الحقيقية، والغريب أن الأوس والخزرج قحطانيون من اليمن، بينما قريش عدنانيون من مكة، لكن الإسلام جمع بينهم، وليس فقط أقام لهم دولة، بل جعل كل فرد في هذه الدولة يحب الفرد الآخر، وهذا هو ما عمله الإسلام في المدينة، ولذلك نجد أن معظم شعائر الإسلام تقوم على الجماعة، أي: على المجتمع، ولذا كان لابد لهذا المجتمع أن يكون فيه أواصر أخوة ومحبة، فمثلاً: صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الرجل في بيته بسبع وعشرين درجة، وذلك حتى يرتبط المسلم بجماعة المسلمين، وكذلك الزكاة، لابد أن تكون من واحد لمجموعة، أو من واحد لواحد، ولا ينفع أن تكون الزكاة شيئاً فردياً، والحج أيضاً مؤتمر جماعي كبير، يأتي إليه الناس من كل أقطار الأرض، ليجتمعوا وليعملوا هذا المؤتمر العظيم كل سنة، وكذلك الجهاد لابد أن يقوم به مجموعة من الناس، ولا ينفع أن يكون الجيش فرداً أو فردين أو ثلاثة، لأنه عمل يشمل كل الأمة في أقطارها، وفي الدعوة لابد أن يكون هناك داعية ولابد أن يكون هناك مدعوون، وفي العلم لابد أن يكون هناك عالم ومتعلمون، والشورى أيضاً لابد أن تكون بين مجموعة من المسلمين، فكل شيء محتاج إلى مجموعة من الناس، وكل شيء في الإسلام محتاج إلى العمل الجماعي، وأعظم دليل على ذلك: قضية الاستخلاف على الأرض، فلن تقوم إلا بعمل جماعي، فهناك من يزرع، وهناك من يبني، وهناك من يبيع، وهناك من يعالج، وهناك من يخترع، وهناك من يحارب ويدافع، ولابد من تفاعل وتنسيق بين كل هؤلاء، وذلك حتى يخرجوا بعمل طيب ونافع، وهذا كله لا يحصل إلا إذا وجدت محبة بين المسلمين، وفوق ذلك هناك صراع حتمي بين أهل الحق وأهل الباطل، وهو سنة من سنن الله في الأرض، وهذا الصراع سيحتاج إلى وحدة بين أهل الحق في مواجهة أهل الباطل، ولا يمكن أن يتصارع أهل الحق مع أهل الباطل وهناك فرقة وبغضاء وشحناء بين أهل الحق، ولذلك فإنه إذا تصارع أهل الحق فيما بينهم فلن يكون هناك شرائع ولا جهاد ولا شورى ولا استخلاف، ولذا أوجب الله الأخوة والحب في الله بين أفراد المجتمع المسلم، ونهاهم عن الشحناء والبغضاء والكراهية، وبذلك يستطيع المؤمنون بالله أن يقوموا بأمر الاستخلاف كما أراد الله ، ومن هنا فقه الصحابة أهمية الأخوة بين بعضهم البعض دون ارتباط بنسب ولا مال ولا مصلحة، فهموا أنه لن تقوم لهم أمة، ولن يعبدوا الله حق عبادته
стр. 102
من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها طريق إلى الجنة
المفهوم الأول: أن الصحابة فهموا أن الأخوة طريق إلى الجنة، مثلها مثل: الصلاة والصوم والجهاد والدعوة إلى الله ، وكل هذا فهموه من رسول الله ﷺ ، وهذا يعطينا قيمة وقدراً عالياً لها.
стр. 103
الأحاديث النبوية التي تربط بين الأخوة ودخول الجنة
انظر إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)، الرسول يقسم أن البشر لن يدخلوا الجنة حتى يؤمنوا، وهذا أمر مفهوم، لكن التي ستأتي بعدها قد يستغربها كثير من الناس، قال ﷺ : (ولن تؤمنوا حتى تحابوا)، إذاً هذا شرط من شروط الإيمان، وعليه فإن العبد يخاطر بقضية الإيمان، ويخاطر بدخول الجنة إذا قطع علاقته مع كل الناس، ثم يعطيك النبي ﷺ أحد الطرق لزيادة المحبة أو لتأصيل المحبة بين المسلمين فقال: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم).
وانظر أيضاً إلى الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)، تخيل في هذا اليوم الصعب العسير، والشمس تدنو من الرءوس قرابة ميل -والميل: ميل المسافة أو الميل الذي تكتحل به العين- ومع ذلك هناك طائفة من الناس لا تشعر أبداً بهذا الحر، ألا وهم المتحابون بجلال الله ، الذين كان يحب بعضهم بعضاً دون نسب ودون مصالح ودون منافع.
وتأمل هذا الحديث الخطير الذي رواه الترمذي وقال: صحيح.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، يا ترى كم واحداً منا يحب أن صديقه أو جاره يكون عنده من الأموال مثل الذي عنده، أو يحب أن ابن جاره أو ابن صاحبه يأخذ وظيفة جيدة مثل التي عند ابنه، أو أن أولاد جاره يكونون متفوقين تماماً مثل ابنه بل وأحسن؟ يا ترى هل هناك أحد منا يعمل بهذه العواطف أو المشاعر، أم يريد دائماً أن يكون أحسن وأعظم وأذكى من كل الذين حوله؟ إذاً فالقضية خطيرة جداً، ولذلك كان ثوابه أكبر وأعظم من الذي يمكن أن نتخيله.
وتأمل أيضاً في هذا الحديث الذي يُعظِّم من ثواب أولئك الذين أحبوا بعضهم البعض إلى درجةٍ وصفها رسول الله ﷺ في حديثه الذي رواه أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ : (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى) فتعجب عندما ترى الأنبياء والشهداء يغبطون هؤلاء الذين أعطوا درجة عالية جداً يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى، وقربوا منه ، لكن يا ترى ماذا عمل هؤلاء؟ وما هو العمل العظيم الذي أوصلهم إلى هذه الدرجة؟ لذا فإن الصحابة تشوقوا لمعرفة هؤلاء الناس: (قالوا: يا رسول الله! تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها).
فلا يوجد بينهم نسب ولا مصالح، (فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ ﷺ : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]).
فهؤلاء هم أولياء الله ، وليس الولي الذي يمشي فوق الماء أو يطير في الهواء، إنما الأولياء هم الذين يتحابون بروح الله على غير أنساب بينهم، ولا أرحام ولا أموال يتعاطونها.
إذاً فهذه هي القيمة العالية للأخوة في الله.
стр. 104
التباغض والشحناء سبب لتأخر المغفرة وتخلف الثواب
وانظر إلى الناحية الأخرى عندما توجد الشحناء والبغضاء محل الأخوة في الله، وخطر منعها مغفرة الله تعالى: روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)، فتخيل لو أنك تشاجرت مع جارك أو صاحبك أو قريبك فإن مغفرة الله تؤجل لك ولصاحبك إلى أن تتصالحا، ثم الله أعلم هل ستموت قبل أن يغفر لك أم ستلحقك المغفرة في الدنيا؟! إذاً علاقتك بإخوانك هي التي تحدد مغفرة الله لك، وهذا شيء في منتهى الخطورة.
لذا كان الشافعي يقول أبيات رائعة: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وقوله: إنه ليس من الصالحين إنما هو تواضع منه رحمه الله تعالى.
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سوياً في البضاعة فيقول رحمه الله تعالى: بأن حبه للصالحين هو الذي يمكن أن يدخله الجنة، وهذا مفهوم راقٍ جداً عند الإمام الشافعي ﵀، ولذا نجد أن تلميذه الإمام أحمد بن حنبل عندما سمعه يقول هذين البيتين قال له: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم سوف يلقون الشفاعة وتكره من تجارته المعاصي وقاك الله من شر البضاعة فهذا هو الكلام الذي ينفع مع أمثال الشافعي أو أحمد بن حنبل رحمهما الله.
стр. 105
سلامة الصدر وحب الخير للآخرين صفة ترتقي بصاحبها في درجات الجنان
إن معنى الأخوة والحب في الله قد زرعه النبي الله ﷺ في قلوب أصحابه من خلال التربية والتعليم من المواقف، وذلك بأسلوب سهل وبسيط، فعند الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)، والصحابة في شوق إلى معرفة هذا الرجل، فيا ترى هل هو أبو بكر؟ أم عمر؟ أم عثمان؟ أم علي؟ أم غيرهم من كبار الصحابة؟ لا، يقول أنس بن مالك راوي الحديث: (فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال)، وانظروا إلى وصف أنس بن مالك ﵁ وأرضاه للرجل، فهو رجل بسيط جداً، وليس معروفاً بين الصحابة، وإنما هو مجرد رجل من الأنصار كما يقول أنس، ولو كان هذا الرجل معروفاً لقال أنس: فطلع سعد بن معاذ أو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير وذكره باسمه، لكن هو رجل غير معروف، خرج لتوه من الوضوء ولحيته تقطر ماء، وواضع نعله في يده الشمال، والصحابة لا يرون فيه شيئاً غريباً، فهو رجل متوضئ مثلما هم يتوضئون وذاهب ليصلي مثلما هم يصلون، وليس معروفاً بين الصحابة بعمل كبير أو عمل عظيم.
قال أنس راوي الحديث: (فلما كان من الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى -وبنفس الهيئة- فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضاً: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى)، وكان باستطاعة النبي ﷺ أن يقول لهم بمنتهى الوضوح ما هو العمل الذي عمله هذا الرجل وانتهى الأمر، لكن الرسول ﷺ أراد أن يشوقهم إلى معرفة عمل هذا الرجل الذي أهله لأن يكون من أهل الجنة، ثم في الأخير أراد أحد الصحابة أن يعرف ما خبر وقصة هذا الرجل؟ وما الذي جعله من أهل الجنة وهو رجل بسيط لا أحد يعرفه؟ قال راوي الحديث: فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص.
يعني: أن عبد الله بن عمرو بن العاص تبع هذا الرجل ومشى خلفه وقال له: إني لاحيت أبي.
يعني: تشاجرت مع والدي، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً أي: قلت: أنا لن أدخل البيت لثلاثة أيام، فأريد أن أبر بالقسم، ولا أجد مكاناً أقعد فيه، فأريد أن أقعد عندك، ولذلك قال له: فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي فعلت حتى تنقضي الثلاثة الأيام، فقال: نعم.
وأخذ الرجل الموضوع ببساطة ورحب به في بيته.
قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، يعني: أن أنساً راوي الحديث ﵁ وأرضاه يحكي أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يحكي حكايته مع هذا الرجل الذي هو من أهل الجنة، والذي لا يعرفه أحد من الصحابة، فيقول أنس بن مالك يروي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه لم يره يقوم من الليل شيئاً، وإنما ينام حتى طلوع الفجر، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار، أي: استيقظ من نومه، وتقلب في فراشه ذكر الله وكبر، أي: يذكر الله ويكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، ثم قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً يعني: كل كلامه كان خيراً.
فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله، وليس المقصود هنا أن عمله ليس جيداً، فالرجل يصلي ويذكر الله ولا يقول إلا خيراً، لكن كل الصحابة كانوا على هذه الصورة، فلماذا هذا الرجل بالذات يؤكد الرسول ﷺ ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، وكان هذا الذي دعا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى الاستغراب وعبد الله بن عمرو بن العاص كان من عباد الصحابة، كان يصوم معظم الأيام، ويقوم معظم الليالي، ويقرأ القرآن يختمه في ثلاثة أيام، فهو لم ير العمل الكبير عند هذا الرجل الأنصاري حتى جعله من أهل الجنة بشهادة الرسول ﷺ وتأكيده لذلك، فبدأ يصارحه فقال له: إني لم أتشاجر مع والدي ولكن أردت أن أعرف قصتك، يقول عبد الله: قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث مرار، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ يعني: احتمال أن يكون هناك عمل خفي بينك وبين الله أردت أن أعرفه فأقتدي بك، فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، أي: هذا هو كل عملي، فلا يوجد أي شيء مخفي.
وعند ذلك شعر عبد الله بن عمرو بن العاص بإحباط شديد
стр. 106
من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها مسئولية أمام الله تعالى
المفهوم الثاني: مفهوم في منتهى الخطورة، ألا وهو: أن الأخوة مسئولية، وليست مجرد كلمة تقال أو إحساس يشعر به الإنسان، الأخوة ليست أخذاً بلا عطاء، وليست مصالح تقضى لك كلما ازدادت معارفك، وليست قوة في سلطانك كلما ازدادت علاقاتك، يعني: أنت عندما يكون لك معرفة في رئاسة الحي تستطيع أن تحصل على ترخيص، ولو عندك معرفة في المرور تستطيع الحصول على الرخصة لو كانت مسحوبة منك، ولو عندك معرفة في وزارة التربية والتعليم تستطيع أن تدخل طفلاً قبل السن القانوني، ليس هذا هو المقصود من الأخوة ومن كثرة المعارف، إنما الأخوة تبعات ومسئولية، وهذا على العكس من المفهوم السائد عند كثير من الناس، فالأخوة تضحية وبذل وعطاء وإنفاق، إنفاق بلا مردود أو بلا طلب مردود، الأخوة إيثار على النفس، الأخوة حب خالص من القلب لا يراد به إلا وجه الله تعالى.
стр. 107
الحقوق الأخوية أمر إلهي يترتب عليه ثواب الدنيا والآخرة
وتعالوا بنا نرى كيف أن الرسول ﷺ غرس في فهم الصحابة معنى الأخوة، أو معنى الحب في الله، أو معنى أنك تعيش في مجتمع متعاون مع إخوانك، ففي الحديث اللطيف الذي أتى بروايات كثيرة، وكلها في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم.
ففي رواية البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى عليه صدقة) والسلامى: هو العظم أو المفصل، وهناك حديث آخر يبين أن عدد المفاصل في الجسم ٣٦٠ مفصلاً، يعني: عليك كل يوم ٣٦٠ صدقة، ثم بين النبي ﷺ الصدقة فقال: (كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة)، أي: تساعد الرجل في أن يصعد على دابته، أو تحمل متاعه وترفعه فوق الدابة، ثم يقول: (والكلمة الطيبة صدقة)، وهذه الكلمة الطيبة صادرة لشخص وليست صادرة هكذا للهوى، فأنت تكلم إنساناً لا جماداً، ثم قال: (وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة)، وهذا عمل من الأعمال الفردية، والمراد بذلك: أنه ذاهب إلى صلاة الجماعة، يعني: ذاهب يلتقي بالمسلمين، (ودل الطريق صدقة) أي: تدل التائه على الطريق الذي يريده.
فهذه هي روايات الحديث عند البخاري.
وهناك روايات أخرى غيرها، ففي رواية يقول: (يعدل بين الاثنين صدقة)، أي: تصلح بين اثنين متخاصمين صدقة، وفي رواية: (ويميط الأذى عن الطريق صدقة)، أي: تبعد الأذى عن طريق الناس صدقة، وفي رواية: (يعين ذا الحاجة الملهوف)، وفي رواية: (فليعمل المعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)، أيضاً هذا خير تعمله في الناس، أو شر تكفه عن الناس، وفي رواية: (تسليمه على من لقي صدقة)، وفي رواية: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي رواية: (وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة) يعني: تدل الرجل الأعمى على طريقه أو تمسكه بيده وتأخذه إلى المكان الذي يسأل عليه صدقة، فكأن عينيك أصبحت بصراً له، وفي رواية: (وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة).
فهذه أعمال خيرٍ قالها الرسول ﷺ مرة في مجلس، ومرة في مجلس آخر، والمهم أن الصدقة الحقيقية التي يمكن أن تدفعها عن أعضائك وعن النعم التي أعطاك إياها ربنا جل وعلا هي أن تساعد غيرك، وأن تشعر بمسئوليتك تجاه الناس الذين تعيش معهم، أو المجتمع الذي تعيش بداخله، أو الأمة التي تعيش فيها، وعند ذلك تخيل مجتمعاً يفقه الأخوة بهذه الصورة، على أنها اختبار وامتحان وبذل وعطاء ومجهود، وهذا فعلاً ما فقهه الصحابة من أن الأخوة مسئولية، وليست منافع ومصالح، أو أن معارفي كثيرة فسأستطيع أن أكسب كثيراً، لا، إنما المراد أنك ستشتغل للمسلمين كثيراً، وستضحي من أجلهم كثيراً، حتى يشفق عليك مَنْ ليس له إخوان يتعب من أجلهم.
стр. 108
إعانة المسلم وكشف كربته سبب لإعانة الله للعبد وكشف كربته يوم القيامة
وهذا المعنى قد ذكره الصحابي الجليل: النعمان بن مقرن ﵁ وأرضاه في خطبته المشهورة في موقعة نهاوند: ولا يكل أحدكم قرنه إلى أخيه -كلمة في منتهى الصعوبة- أي: لا أحد يرمي مسئوليته على أخيه الذي بجواره، وإنما كل واحد يحمل مسئوليته، بل لو استطاع أن يحمل مسئولية أخيه فليفعل، ثم قال: كلمة في منتهى الخطورة: فإن الكلب يدافع عن صاحبه.
سبحان الله! الكلب يدافع عن صاحبه، فلماذا لا يدافع المؤمن عن أخيه المؤمن؟! صعب جداً أن يتدنى المؤمن إلى درجة أقل من الحيوان، فالحيوان يدافع عن صاحبه، والمؤمن لا يدافع عن إخوانه، هذا هو مفهوم المسئولية عند النعمان بن مقرن صاحب رسول الله ﷺ .
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) فالجزاء من جنس العمل، بل الجزاء عظيم على هذا العمل، فإذا كنت أنت الذي تنفس عن مؤمن كربة فربنا بنفسه هو الذي سينفس عنك يوم القيامة، وإذا كنت تيسر على معسر فربنا أيضاً هو الذي سييسر عليك في الدنيا وفي الآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ثم ذكر النبي ﷺ جملة في منتهى الجمال هي ملخص لكل ما فات: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، أي: ما دام أنك تساعد إخوانك فإن الله سيساعدك، وعلى قدر ما تعطي لإخوانك المسلمين يعطيك الله ويكون في عونك، وتخيل لو أن عندك مسألة أو قضية أو مشكلة في حياتك فإن الله يجعل لك من ذلك مخرجاً، ولذلك كان الصحابة باذلين حياتهم كلها لنفع الآخرين ولمساعدة الآخرين وللتضحية من أجل الآخرين، لأنهم علموا المردود لذلك، وأن ربهم هو الذي سيعوضهم وليس البشر.
стр. 109
حرص الأشعريين على مواساة بعضهم ومدح النبي لهم
ولنتأمل في قبيلة الأشعريين التي منها أبو موسى الأشعري ﵁، هذه القبيلة كان لها عادة جميلة جداً، والرسول ﵊ علق على هذه العادة وشكرها.
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو) أي: فني زادهم، وطعامهم في الغزو (أو قل طعام عيالهم بالمدينة) سواء كانوا في سفر أو في غزو، أو حتى وهم في المدينة مع بعضهم البعض، ماذا يعملون؟ (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد)، أي: جمعوا كل الأكل من كل البيوت، أو جمعوا كل الأكل الذي معهم السفر (ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) أي: أن كل واحد يأخذ نصيباً مساوياً للآخر، لكن قد يقول قائل: ما ذنبي أنا؟ لقد بقيت أجمع الطعام يومين وثلاثة وشهر وشهرين وجاري هذا لم يجمع شيئاً، فلماذا أتحمل أنا المسئولية؟ أيضاً: أنا صاحب عيال وزوجة، ولا أدري ماذا سيحدث غداً؟ لا، فقد كانوا يضعون الأكل في إناء واحد، ثم يقسمونه بينهم بالسوية، ولا يبقى هناك فضل لأحد على أحد، يعني: لا أحد يعرف من الذي كان أكله كثير ومن الذي كان أكله قليل، وهذا منتهى الإخلاص، وانظروا الرسول ﷺ يعلق على هذا فيقول: (فهم مني وأنا منهم) أي: أن الأشعريين من رسول الله ﷺ وهو منهم، وهذه منقبة عظيمة لهم، مع أن الأشعريين من اليمن، يعني: أنها قبيلة بعيدة جداً عن رسول الله ﷺ ، لكن الفعل يرقى بهم إلى أن يكونوا من رسول الله ﷺ وهو منهم ﷺ .
стр. 110
فهم عثمان بن عفان لمفهوم الأخوة وتطبيقه له
وذكر أيضاً ابن عباس ﵄: أن الناس قحطوا في زمن أبي بكر وحصل قحط شديد، وفي هذا الوقت جاءت قافلة لـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فجاء التجار يريدون شراءها في هذا القحط الشديد، فسألهم عثمان: كم تربحونني؟ قالوا: في العشرة اثنا عشر، يعني: مقابل كل عشرة دراهم سنعطيك اثني عشر درهماً، قال: قد زادني غيركم، يعني: أنا أتاجر مع آخر وقد زادني على هذا الربح، فقالوا: في العشرة خمسة عشر، وهذا ربح عظيم جداً، ففي مقابل كل عشرة سيكون مكسب خمسة عشر، قال: قد زادني، قالوا: من الذي زادك؟ ونحن تجار المدينة، ولا يوجد أحد آخر غيرنا، فقال: الله ، زادني بكل درهم عشرة، فهل لديكم مزيد على ذلك؟ ثم قال: اللهم إني وهبتها لفقراء المدينة بلا ثمن وحساب، وتبرع بكل القافلة لفقراء المدينة، لأنه فهم معنى الأخوة، ولو كان رجلاً آخر ليس عنده مشاعر الأخوة في الله لأعطى زكاته ٢.
٥ %، ثم لا دخل له بعد ذلك، لكن الصحابي الجليل عثمان بن عفان فقه معنى الأخوة في الله، وأنها مسئولية وتضحية وبذل وعطاء لفقراء المسلمين، بل ولعموم المسلمين ولأمة الإسلام، فهذه هي حياة عثمان بن عفان ﵁، فهذه هي حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم.
следующие страницы →