← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37381

كن صحابيا

راغب السرجاني

Полный текст (142 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كيفية الإخلاص وهنا من الممكن أن يقول أحدهم: والله إن هذا الكلام سهل، لكن التطبيق صعب بل عسير، فأقول له: صدقت، فهو شيء صعب فعلاً، وأحد التابعين كان يقول: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي. أي: أكثر شيء صعب عليَّ النية والإخلاص، لكن لا بد أن تكون هناك طريقة لزرع الإخلاص، فالله لم يطلب منا شيئاً إلا وهو يعلم أنا نقدر على فعله، فمن الممكن أن يقول شخص: قل لي طريقة عملية إذا فعلتها زرعت الإخلاص في قلبي، سأقول له: أعط لله قدره تخلص له، فأبرز هذه العبارة واجعلها دائماً صورة في خيالك، لأننا إذا عرفنا قدر الله فليس من الممكن أن نشتغل بغيره، يقول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] فهذا المرض: أن الناس لم يعطوا لله قدره، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وهذه بعض علامات قدرة الله ، وهذا الذي يمكن أن نفعله: تعظيم وتقدير وإجلال لله ، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فالذين لم يعطوا لله قدره فقد أشركوا معه، لأن الشرك لا يأتي إلا عندما لا يعطي العبد لله قدره، لكن عندما عرف الصحابة هذا القدر لله أخلصوا في أعمالهم، ولذلك علموا أن مَنْ يعطي لله قدره ويعمل لإرضاء غيره أنه نوع من السفه والحماقة.

стр. 37

كيفية إعطاء الله قدره هنا السؤال كيف يمكن أن نعطي لله قدره؟ الجواب أكثر من النظر والتدبر في كتاب الله المقروء والمنظور.

стр. 38

النظر في الكتاب المقروء الكتاب المقروء هو القرآن الكريم، واقرأ أي سورة أو أي آية لا بد أنك ستعطي لله قدره، لكن مع التدبر والتأمل في كل آية، والرسول ﷺ كان أحياناً يقوم الليل كله بآية واحدة، فقد قام ليلة كاملة بقوله : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فلو فكرت في هذه الآية فليس من الممكن أن تعمل لغير الله ، لأن كل شيء بيده، فكيف ستعمل لغيره؟ الرزق بيده ، وقلوب العباد بيده ، والمقادير كلها بيده ، والحياة بيده، والموت بيده، والجنة بيده، والنار بيده، ولن تجد أحداً سوف يحاسبك يوم القيامة غير الله، فكيف تعمل لغيره ؟! فهو الأول وهو الآخر، وهو المحيي وهو المميت، وهو النافع وهو الضار، وهو المبدئ وهو المعيد، وهو الملك الذي يملك كل شيء، وأي ملك من ملوك الأرض فملكه نسبي غير مطلق، وإن كان يطلق عليه لقب: (ملك) لكن نهاية المطاف الآخر هو ملك نسبي، فقد يملك أشياء ولا يملك أشياء أخرى، وقد يعتريه الفقر والمرض والضعف والحزن، وسيعتريه الموت لا محالة، فلا يستطيع أن يملك سعادة الناس ولا حب الناس ولا أعمار الناس ولا أرزاق الناس، فهو ملك بسيط حقير تافه، ولا بد أن يترك ملكه أو أن ملكه سيتركه، لكن الله ملكه مطلق، فكيف تعمل لغيره؟! واقرأ مثلاً في كتاب الله : ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٣ - ١٤] هذا هو الإخلاص، وتسألني أأتخذ ولياً غير الله ؟ كيف؟ ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] هذا هو سبب الإخلاص، فأي شيء غيره يُطعِم ولا يُطعَم، سواء رئيس المصلحة أو مدير المدرسة أو الملك أو السلطان أو الشرطي أو غير ذلك، فلا أحد يُطعِم ولا يُطعَم غير الله ، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٤] فالذي يشرك بالله هو الذي يتخذ ولياً غير الله ، ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] وهذا سبب ثاني للإخلاص، وكل الناس تملك أشياء بسيطة في الدنيا، لكن لا تملك شيئاً مطلقاً في الآخرة، فالله يملك الآخرة بكاملها، ثم اسمع لكلام ربنا وهو يقول: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٦ - ١٧] وهذا سبب ثالث للإخلاص، فلن ينفعك أحدٌ غيره، وما دام أنه يُطعِم ولا يُطعَم إذاً فالرزق كله أتى من عنده، وهو يملك يوم القيامة ولا أحد من البشر أو الخلق يملك هذا اليوم إلا هو سبحانه، ورابعاً أنه هو الذي ينفع ويضر ، وخامساً: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، حتى وإن لم يكن بإرادتك فسوف يكون غصباً عنك، فهو القاهر فوق عباده، وأنت تريد أن تُخلص أو لا تُخلص فالذي يريده سوف يكون، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، ثم كيف من الممكن أن تقرأ مثل هذا الكلام في كتاب ربنا ولا تُخلص لله ؟! واقرأ أيضاً: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٦ - ٢٧] فلو تقف لحظة وتتخيل جميع أشجار الأرض، بغاباتها وجبالها وسهولها التي سمعت عنها في أمريكا وفي أوروبا وفي مصر وفي غيرها من البقاع، ثم تخيل أن كل هذه الأشجار أقلام ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:٢٧] أي: أن البحر عبارة عن مداد ليكتب آيات الله ، فالشجر أقلام والبحر مداد، ومع ذلك: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، أي: ما نفدت آيات الله في الأرض، ثم يقول الله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، فليس هناك شيء يصعب على الله ، فخلق البشر جميعاً كخلق إنسان واحد، وليس هناك شيء سهل أو صعب عند الله ، وكل قوله إنما هو: كن، فيكون، ثم قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [لقمان:٢٩]

стр. 39

النظر في الكتاب المنظور الكتاب الثاني هو كتاب الله المنظور، أي: الكون والخلق، فتفكر في خلق السماوات والأرض، وتأمل قول الله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] فهذا الكون فسيح جداً لدرجة يتوه العقل فيه تماماً، وليس من الممكن أن تتخيله، فلو أن هناك طائرة خيالية تسير بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة!! فكم من الوقت تحتاج للسير في أرجاء الكون؟ قد تحتاج إلى ألف مليون سنة، وفي الأخير أيضاً لا تستطيع، لماذا؟ لأن الكون يتمدد ويتوسع كما قال الله : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، ولو تأملنا في بعد الشمس عن الأرض، فإن البُعد بينهما يساوي مائة وخمسين مليون كيلو متر، والأرض تدور في محورها بسرعة ألف وستمائة كيلو متر في الساعة، والدائرة التي تدور فيها الأرض قطرها ثلاثمائة مليون كيلو متر، فتخيل الرقم ثلاثمائة مليون كيلو متر وتكمل الدورة في سنة كاملة، وكذلك إذا كانت الأرض مع ثمانية كواكب أخرى مع الشمس في المجموعة الشمسية، أي: أن المجموعة الشمسية كما تعلمون تسعة كواكب، وأبعدها هو كوكب بلوتو، فإنه يدور في دائرة قطرها اثنا عشر ألف مليون كيلو متر وكل هذه المجموعة الشمسية فقط، والشمس نفسها ليست ثابتة، فهي تدور في فلك ومعها كل الكواكب التي حولها ومن ضمنها الأرض، وسرعة دوران الشمس تسعمائة وستون ألف كيلو متر في الساعة، والشمس هذه هي أحد الشموس في مجرة هائلة اسمها مجرة درب التبانة، وهناك شموس أخرى تحيط بها كواكب، وحجمها كالأرض وأكبر وأصغر، وعدد الشموس في مجرة درب التبانة أربعمائة ألف مليون شمس كشمسنا في مجرة درب التبانة، والكون كله ليس مجرة درب التبانة فقط! فهذه المجرة هي إحدى المجرات الهائلة في الكون، والمجرات في الكون تبلغ مائتين ألف مليون مجرة كمجرة درب التبانة، وارجع وراجع هذه المعلومات، وانظر إلى هذه الأرقام، فإنها جزء من ملكوت ربنا ، فهذا هو جزء الكون الذي نحن رأيناه بالتليسكوبات، وكلما نخترع تليسكوباً أكبر كلما نرى أكثر، وكل هذه المليارات من النجوم والكواكب تدور في الكون دون تصادم، والعجيب أن بعض المجرات تدخل في مجرات أخرى بكاملها دون أن تصطدم، فانظر إلى عظمة هذا الكون، صنع من هذا إنه صنع الله ، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١]، إذاً: فكيف يعرف الواحد منا جميع هذه المعلومات والحقائق ولا يعبد ربه حق العبادة؟ وكيف من الممكن أن يعرف كل هذا ولا يعمل لله ! وكيف من الممكن أن يعرف كل هذا ويعمل لغيره، أو يشرك به أحداً أو شيئاً؟! مستحيل ذلك. هذه كانت أكبر شيء في الكون: السماوات، ولنأت لنتدبر أشياء صغيرة جداً في الكون وهي الذرة، هذا الشيء الصغير الذي لا نستطيع بالمناظير الكبيرة جداً التي تكبر ملايين المرات أن نراه، هذه الذرة العجيبة تحتوي على نفس نظام الكواكب السيارة المحيطة بالشمس، ونفس نظام النجوم الدائرة في المجرة، وهذا يثبت أن خالق هذا الكون هو خالق واحد، لأن كل الكون فيه أشياء متشابهة جداً، وهذه الذرة الدقيقة جداً تحتوي على إلكترونات تدور حول البروتونات، كما تدور الأرض والكواكب حول الشمس، فيا ترى ما هو حجم الإلكترون في الذرة؟ وما هي نسبة حجم الإلكترون إلى حجم الذرة؟ الإلكترون واحد على ألف مليون من حجم الذرة، والإلكترون يدور حول البروتون بلايين المرات في الثانية الواحدة، والإلكترون أكثر من الذرة بكثير جداً، ولهذا نستطيع أن نفهم كلام ربنا : ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، والعلماء السابقون كانوا يعتقدون أن هذه صيغة مبالغة، ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ [سبأ:٣]، لأنه في اعتقادهم أنه لا يوجد شيء أصغر من الذرة، لكن هذا العلم الذي منَّ الله به علينا أثبت أن الإلكترون أصغر من الذرة بألف مليون مرة، ولا نعرف ما الذي سيأتي غداً، وأنا متأكد أنا سنجد بعد هذا أن الإلكترون هذا الجسيم الصغير جداً أمام الذرة، داخله عالم كبير من الأحداث نحن لا نزال لم نعرفها، وغداً سنعرفها. ولو أتينا للتفكر في أنفسنا وفي أجسامنا لرأينا العجب، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فالإنسان قد ينبهر بنظام الاتصالات في العصر الحديث، من تليفونات ونت وأقمار صناعية وأشياء كثيرة غيرها، لكن لو نظرت إلى داخلك وإلى نظامك العصبي -نظام الاتصالات بداخلك- لوجدت أن النظام العصبي في الإنسان يضم ألف مليون خلية عصبية، وهذا في الطفل والشاب والشيخ الكبير، فهذا هو نظام الاتصالات الرهيب الذي خ

стр. 40

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والعلم العلم من أنبل الغايات وأشرفها، وله مكانة عظيمة في ديننا، به يعبد المسلم ربه على بصيرة، بل ويكون أشد خشية له، فكان تعلمه خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاداً، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، وقد ضرب لنا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أروع الأمثلة في حرصهم على طلب العلم، فقد طلبوه ضمن ضوابط وشروط معينة، فحصلوا بذلك العلم النافع الصحيح.

стр. 41

مكانة العلم في الإسلام أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. فما زلنا نبحث عن إجابة السؤال المهم: كيف سبق الصحابة وكيف نلحق بهم؟ ومع الدرس الخامس من دروس مجموعة: كن صحابياً، وسنتعرف في هذا الدرس على علامة جديدة من علامات الطريق الذي سار فيه الصحابة. وقد تعرفنا في الدرس السابق على علامة مهمة جداً من علامات الطريق الذي سار فيه الصحابة، ألا وهي: علامة الإخلاص، وذلك في درس: الصحابة والإخلاص، وسيكون حديثنا عن نقطة مهمة جداً في بناء جيل الصحابة، ومهمة جداً في بناء أي جيل يريد أن يصل إلى ما وصلوا إليه، هذه النقطة هي: العلم، وكما قلنا: إنه لا يوجد عمل يمكن أن يُقبل بدون إخلاص، وكذلك لا يوجد عمل يمكن أن يُقبل إلا بعلم؛ لأن كثيراً من الناس يعبد الله بنية صادقة، لكن بطريقة خاطئة جاهلة، وهذا يضر ولا ينفع، ففي أي مجال من مجالات الحياة وليس فقط في مجالات الدين، إذا عمل الإنسان بدون علم فإنه يضر ولا ينفع، فالطبيب الجاهل هل ينفع المرضى أم يضرهم؟ من المؤكد أنه يضرهم، والمهندس الجاهل، والنجار الجاهل، والسباك الجاهل كذلك، وكذلك العبادة، فالعابد الجاهل يضر ولا ينفع، فيضر نفسه وغيره ومجتمعه، ولذلك فإن قضية العلم قضية محورية في حياة الأمة المسلمة، ومن المؤكد أن الصحابة قد أخذوا بالهم من أول آية نزلت من هذا الكتاب المعجز، الذي هو دستور حياتهم بكاملها، فقد كانت كلمة: (اقرأ)، وهذا شيء غريب جداً، لأن كلمة: (اقرأ) تنزل في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الأمية، وليس فقط في جزيرة العرب، بل في جميع أطراف المعمورة، فمن كل كلمات القرآن الكثيرة تكون أول كلمة تنزل هي كلمة: (اقرأ) وليست أول كلمة فحسب، بل أول خمس آيات جميعها تتحدث عن قضية العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، إذاً فالقضية الأساسية التي يبنى عليها هذا الدين بكامله هي قضية العلم، وهي مسألة العلم. وقد كان هذا النزول لكلمة: (اقرأ) بياناً وإيضاحاً وتبييناً لطبيعة هذا الدين، هذا الدين الذي لا يقوم على الخرافات والضلالات، ولا يقوم على الجهل والتخبط، وإنما يقوم على أسس علمية ثابتة ومعروفة، هذا الدين الذي يشجع أبناءه على أن يكونوا علماء سبَّاقين، وليس فقط لمجرد العلم ولكن أيضاً السبق في العلم، والريادة في العلم، والتفوق في العلم. وانظروا هنا إلى ألفاظ هذا الحديث الغريبة على آذاننا، ولكن هو معنى دقيق جداً يلفت إليه رسول الله ﷺ الأنظار. فعند ابن ماجة، والترمذي وقال: حسن، وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة)، وهذه كلمة شديدة جداً، (ملعون ما فيها)، أي: أي شيء في الدنيا فهو ملعون، وهذا على إطلاق الحديث، والذي يلعن هو الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، فهو وحي من الله ، فكل شيء في الدنيا ملعون ليس له أي قيمة، وتافه وحقير، حتى وإن كان ملكاً أو سلطاناً أو سلاحاً أو قوة أو أي شيء، ثم استثنى الرسول ﷺ من هذه اللعنة أربعة أشياء: الأولى والثانية: (إلا ذكر الله تعالى وما والاه) وما والاه: أي ما قارب الذكر من أعمال الطاعة والبر وغيرها من الأعمال في الدنيا التي يحبها الله ، الثالثة والرابعة: (وعالماً، ومتعلماً) فهذه أيضاً مستثناة من اللعنة، إذاً العملية التعليمية التي تدور بين العالم والمتعلم عملية عظيمة جداً في ميزان الله ، ويبقى الذي هو خارج نطاق هذه العملية، فهو ملعون بنص حديث رسول الله ﷺ .

стр. 42

القيمة الحقيقية للمفاضلة بين الناس فقه الصحابة أن القيمة الحقيقية التي تصلح للمفاضلة بين الناس هي العلم، فالتفاضل بين الناس لا يكون بالمال ولا بالسلطان ولا بالجند ولا بالمظهر، وإنما المهم أن تعلم أهمية العلم، لكن قد يأتي سائل فيقول: لكن الله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، يعني: أن الأتقى هو الأفضل، فكيف ذلك؟ أقول له: فمن الذي يتقي الله ؟ أليس العالم به؟ أليس العالم بصفاته ؟ أليس العالم بشرعه؟ أليس العالم بخلقه؟ ألم تسمع إلى كلام الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؟ وما هي الخشية؟ أليست هي التقوى؟ وعندما تخشى الله تكون متقياً لله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وكلما ازداد العالم علماً ازداد خشية وتقوى لله ، وليس معنى العالم أني أقصد كبار هيئة العلماء وكبار الفقهاء، فأي شخص عرف معلومة صحيحة أصبح بها عالماً، وكلما عرف أكثر ارتفعت قيمته، وأعظم العلماء هم أعظم الناس قيمة، وليس فقط في ميزان الناس ولكن أيضاً في ميزان الله . فهذه معلومات في غاية الأهمية، ولهذا فالذي يصرف وقته في تعلم العلم أفضل من الذي يصرف وقته في العبادة، ولم أقل: بأنه أفضل من الذي يصرف وقته في اللعب أو في المعصية أو في المنكر! لا، وإنما أفضل من الذي يصرف وقته في العبادة، واسمع إلى حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) وانظروا إلى قيمة هذا العلم؛ لأن العالم أشد معرفة لمداخل الشيطان، وأكثر قدرة على التصدي له، ولذلك فهذا العالم أشد على الشيطان من ألف عابد، وليس المقصود بالعلم: العلم الشرعي فقط، من تفسير وفقه وحديث وعقيدة، بل علوم الحياة أيضاً، وقد تكلمنا عن ذلك في محاضرة كاملة واسمها: (أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة)، وتحدثنا عن علوم الحياة وقيمتها في ترسيخ معنى الإيمان بالله في قلب العالم، لذلك فإنه من المؤكد أن العالم الذي يدرس تركيب الخلية مثلاً أعظم تقديراً لله من الذي يعلم وجودها إجمالاً، فهذه الخلية على صغرها إلا أنها دولة كاملة، وعالم ليس له نهاية، ففيها قيادة، وإدارة، ومراكز طاقة، ومراكز تغذية، ومراكز دفاع، ومراكز بناء، ومراكز هدم، فتتحرك وتتكاثر، وتقوم بوظائف لا تحصى ولا تعد، فيكون الذي يعرف تفاصيل هذه الأمور أشد إيماناً بالله من الذي لا يعلم بهذه التفاصيل، وكذلك العالم الذي يدرس تفاصيل حياة النبات ونشأته وتركيبه ليس كالذي يعلم فقط أن النبات شيء معجز، وأيضاً العالم الذي يدرس الأفلاك واتساعها، والنجوم وأعدادها، والمجرات وصفتها ليس كالذي يعلم فقط أن هناك نجوماً في السماء، وقس على هذا بقية العلوم كالكيمياء والفيزياء والجيولوجيا، وعلوم البحار والطب والأحياء، وعلوم أخرى لا تنتهي، وصدق الله القائل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فكل هذه العلوم، أي: علوم الشرع وعلوم الحياة تقود إلى خشية الله ، ومن ثم تقود إلى تقواه، ومن ثم تقود إلى رضا الله ، وهذا هو الذي نبحث عنه، وهو طريق الصحابة الذي ساروا فيه، وهذه الحقائق كانت واضحة كالشمس في عيون الصحابة، وبعد أن علموا هذه المعلومات رفعوا جداً من قدر كل عالم، وحرصوا على العلم في كل لحظة من لحظات حياتهم، لذا كان لا بد أن تتعلم شيئاً في كل يوم، لأن الله قد رفع من قيمة العلم من أول يوم خلق فيه آدم ﵇، وذلك عندما أسجد الله ملائكته لآدم ﵇؛ لقيمة العلم الذي كان عنده، لا بكثرة التسبيح وطول القيام، أو الطاعة المطلقة، أو القوة الخارقة، أبداً، فالملائكة تتفوق في كل هذه الأمور، ولكن الله من على آدم ﵇ بنعمة رفعت من قدره إلى الدرجة الذي جعل الملائكة يسجدون له تكريماً له، ألا وهي العلم كما ذكرنا، واقرءوا القرآن وتدبروا في آيات الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا

стр. 43

الصحابة والعلم الصحابة كانوا ينظرون إلى العلم نظرة خاصة جداً، نظرة معظّمة جداً، نظرة تجل جداً العلم وكل من حمل العلم، وهذه نماذج تبين لنا كيف كان الصحابة يقدرون قيمة هذا العلم؟ وما هو مفهومهم عن العلم؟ فهذا زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه ذهب -وهو لم يتم الثالثة عشرة من عمره- للالتحاق بجيش المسلمين المشارك في بدر، ولكن الرسول ﷺ رده لصغر سنه، فرجع إلى أمه ﵁ يبكي من الحزن، ولكنه عند عودته فكّر في أن يخدم الإسلام بطريقة أخرى، فهل أستطيع أن أخدم الإسلام بطريقة غير طريقة الجهاد في سبيل الله ما دام الجهاد غير ميسّر لي في هذا الوقت؟ إن أحدنا حين يفشل في إحدى مجالات الدعوة، أو إحدى مجالات العمل للإسلام، أو يُغلق عليه باب من أبواب العمل للإسلام من غير إرادته، أي: أنه لو أراد الجهاد وليس هناك فرصة للجهاد، أو أراد أن ينفق وهو فقير، فهو عنده رغبة في العمل لله لكن ليس له إمكانيات، ففي ذلك الوقت يحبط، ويعتقد أن هذا هو آخر الدنيا! وهذا خطأ، فنحن إمكانيات مختلفة ومواهب مختلفة، فكل فرد منا يستطيع أن يعمل في مجاله، وهذه هي حلاوة الإسلام وحلاوة التكامل والتكافل والتعاون في الإسلام، فإذا كان لم ينفع زيد في هذا الوقت في الجهاد فمن الممكن أن ينفع في شيء آخر. فـ زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه تذكر أنه يتميز بملكة الحفظ، وملكة القدرة على التعلم، وملكة القراءة، والقراءة كان شيء نادراً في ذلك الزمان، فأخبر بذلك أمه وأقاربه، وطلب منهم أن يذهبوا به إلى رسول الله ﷺ يعرضون عليه أن يوظّف طاقته العلمية في خدمة رسول الله ﷺ وفي خدمة دين الإسلام، فذهبت به أمه النوار بنت مالك ﵂ وأرضاها إلى رسول الله ﷺ وقالت: (يا نبي الله هذا ابننا زيد بن ثابت يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله، ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة) وهذه فعلاً إمكانيات عالية جداً، وبالذات في ذلك الزمن الذي كان فيه الكثير من الناس لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، ثم تكمل السيدة النوار بنت مالك فتقول: (وهو يريد أن يتقرب بذلك إليك، وأن يلزمك، فاسمع منه إذا شئت)، وهذا الكلام أنا أريد أن أقوله لجميع شباب المسلمين: زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه بدأ رحلته في خدمة الإسلام وعمره ثلاث عشرة سنة، وبعض المسلمين كان يسد ثغرة الجهاد والقتال، وزيد بن ثابت ذهب ليسد ثغرة أخرى مهمة جداً، فكل بحسب إمكانياته، فالشباب عندهم طاقة عالية جداً، فهناك شباب عندهم مهارة في الكمبيوتر، وهناك شباب عندهم مهارة في الخطابة، وهناك شباب عندهم مهارة في الرياضة المفيدة، وهناك شباب عندهم مهارة في الكتابة والبحث والدراسة، وهناك شباب عندهم مهارة في الترجمة، فكل واحد من المؤكد أن عنده مجالاً متفوقاً فيه، والمهم أن تكون رغبة خدمة الإسلام موجودة، وعند ذلك سوف تجد المجال الذي تستطيع أن تسد فيه إن شاء الله تعالى. واستمع النبي ﷺ لـ زيد بن ثابت واختبره، وقدّر مواهبه وأُعجب به، ثم أراد أن يستفيد منه على نقاط أوسع، فعرض عليه فرعاً جديداً من فروع العلم، ولم يقل له الرسول ﷺ : تعلم الفقه أو الحديث أو العقيدة، لا، ولكنه قال له: تعلم اللغات الأجنبية، وتخيل وفي هذا العمق في التاريخ الرسول الله ﷺ يهتم باللغات الأجنبية في تكوين الأمة المسلمة، لأنه علم في غاية الأهمية، ولأن المسلمين يحتاجون جداً إلى هذه اللغة في ذلك الزمن، فأمره النبي ﷺ بأن يتعلم العبرية، حيث قال له: (يا زيد تعلم لي كتابة اليهود العبرية فإني لا آمنهم على ما أقول) ومن المؤكد أن كان الرسول ﷺ لو كان يعيش معنا في هذه الأيام لأمر بتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والصينية وغيرها، فكم ستكون مقدار الفائدة عندما يكون عند المسلمين شباب يتقنوا اللغات الأخرى غير اللغة العربية، وليس ذلك على حساب اللغة العربية، وكم مقدار الفائدة التي من الممكن أن يفيدوا الإسلام ويخدموا الأمة الإسلامية بكاملها، وكم سيكتشفون من حيل وألاعيب وخطط للأعداء، وكم من الممكن أن يكونوا دعاة إلى الله ويردون على الشبهات، فهذا عمل كبير جداً من الممكن أن يعمله الذين يفهمون لغة أخرى، وانظروا إلى زيد بن ثابت ﵁ بهذه الحمية وهذا الإخلاص لدين الله ، وهذه الرغبة في خدمة هذا الدين، فيذهب ويتعلم اللغة العبرية، فهل تعلمها في سنة أو سنتين أو أربع؟ وفي أي كلية تعلمها؟ يقول زيد بن ثابت: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة، فكنت أتكلمها كأهلها، فانظروا إلى هذه البركة عندما يكون عند الواحد ر

стр. 44

ضوابط تحصيل العلم إذاً كان هذا مجهود الصحابة في تحصيل العلم، واحترامهم لقيمة العلم، لكن هناك ناس تبذل مجهوداً كبيراً جداً في تحصيل العلم، لكنها لن تصل إلى علم الصحابة، لماذا؟ لأن الصحابة كانوا يتعلمون العلم بضوابط معينة، ولهذا تعلموا تعليماً صحيحاً، وسنوجز ونذكر بعضاً من هذه الضوابط التي حرص الصحابة عليها في تحصيل العلم، وأي جيل يحرص على هذه الضوابط فإنه سيتعلم تعليماً صحيحاً، ومنها:

стр. 45

وحدة المصدر الضابط الأول: وحدة المصدر، أي: أن المصدر الرئيسي والأول لعلم الصحابة كان هو: الكتاب والسنة، وكون هذا هو المصدر الرئيسي لعلم الصحابة فقد أدى ذلك إلى ما يسمى بوضوح الرؤية، فقد أخذوا علماً نقياً طاهراً مضمون الصحة والصواب، لا العلم الدنيوي الذي يرد عليه الصحة والخطأ، والذي يتقرر صحته بعد ذلك بعدة تجارب، فهذا هو المقياس الذي يمكن أن نقيس عليه أي شيء آخر، فليس هناك في كلام الله ولا في كلام رسول الله ﷺ -إن صح عن رسول الله ﷺ أيُّ أخطاء، فهو منهج صحيح تماماً بلا ريب، فإذا اعتمد عليه المسلمون فلن يضلوا أبداً. روى الإمام مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنتي) فهذا أول ضابط في تحصيل العلم، وسواء في العلوم الشرعية أو غير العلوم الشرعية. وهناك السؤال كيف يمكن أن يكون الكتاب والسنة هما الضابط في علوم الدنيا (العلوم غير الشرعية)؟ و الجواب أن هناك قواعداً وأصولاً وضعها القرآن والسنة، وعلماء الطب والهندسة والفلك والجيولوجيا وكل علم لا بد أن يعرف هذه الأصول، ولا يخترعوا شيئاً أو يبدأوا في علم أو يفكروا في نظرية تتعارض مع ما جاء في كتاب الله ، فلا يصح لأحد أن يقول: إن الإنسان أصله قرد! ويقول: إنه عالم من علماء الأحياء، والذي يقول هذا الكلام يعلم أن الله بيَّن في كتابه الكريم آن آدم أول الخلق، وأنه خلقه ولم يكن قرداً قبل ذلك، بل ولم يكن حشرة قبل ذلك كما يدّعي علماء التطور، إذاً فهذا علم يتعارض مع القرآن والسنة، وليس له أي قيمة ولا أي وزن، ولا يجب لعالم مسلم أن يسير في طريق هذا العلم؛ لأنه متعارض مع المصدر الرئيسي. ولذلك عندما خرج الصحابة أحياناً عن هذا المصدر في الفهم، أو عن هذا الضابط الذي هو وحدة المصدر، كان ﷺ يغضب غضباً شديداً؛ وبهذا نستطيع أن نفهم الرواية التي أتت في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وجاءت أيضاً في سنن الدارمي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: (أن رسول الله ﷺ كان يسمع عمر بن الخطاب وهو يقرأ في التوراة، فجعل وجه رسول الله ﷺ يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل - أي: أنه يكلم عمر بن الخطاب - ما ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ﷺ ، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فقال رسول الله ﷺ : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟) أي: أترى أن هذا الذي قد أتاك قليل وتريد أن تضيف عليه من مصدر آخر؟!: (والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتحدثوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) إذاً: فالصحابة فهموا من هذا الموقف أنه لا يوجد شيء يتقدم على كتاب الله ، ولا على سنة رسوله ﷺ ، وأنه لا يمكن أن يتعلموا قانوناً أو قاعدة أو مفهوماً يتعارض مع هذين المصدرين العظيمين، أعني: الكتاب والسنة. وعبد الله بن عباس حبر هذه الأمة قد تعلم هذا الدرس جيداً، فقد جاء في البخاري أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله ﷺ أحدث؟: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] أي: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله ﷺ والذي تقرءونه لا يزال حدثاً لم يشب، ولم يختلط بغيره، فهو نقي وخالص وطاهر، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوه بأيديهم وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أُنزل عليكم، أي: ومع أن هذين المصدرين -الكتاب والسنة- هما المصدر الحقيقي الخالص، لا يسألونكم فكيف بكم تسألونهم؟!

стр. 46

العلم النافع الضابط الثاني: العلم النافع، أي: لا بد أن يكون هذا العلم الذي تتعلمه علماً نافعاً، ودائماً يوصف العلم المرغب فيه شرعاً بكونه نافعاً. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) أي: أنه ليس صحيحاً أن يصرف الإنسان عمره ووقته وجهده في تعلم علم لا يعود بالفائدة والنفع على أمته وعلى الأرض بصفة عامة، مثل الذي ينفق عمره في الجري وراء تفصيلات لا ينبني عليها عمل في قصص الأنبياء والسابقين، فمثلاً: كم كان طول سفينة نوح ﵇؟ كم يوماً مكث الطوفان؟ وأي نوع من أنواع الحيوانات سبقاً في الصعود على سفينة نوح؟ وكم مكث قابيل عند قتله لهابيل شهراً أم سنة قبل دفنه؟ وتفصيلات أخرى لا ينبني عليها أي عمل وليس لها أي معنى. وأيضاً في علوم الحياة المختلفة، فليس صحيحاً أن يصرف الإنسان وقته في أشياء لا تنفع، وربما قد تضر كبعض العلوم الفلسفية، وكصرف الوقت في قراءة القصص والروايات، أو كتابة أو قراءة الشعر الإباحي، أو غير هذا من العلوم التي لا تقبلها الفطرة السليمة، فضلاً عن أن يعيش الإنسان عمره وحياته ليدرسها. وهذا يرجعنا للمناهج التعليمية في المدارس والجامعات، فلا بد أن يكون المنهج معمولاً لينتفع به الطالب ومن ثم ينفع الأمة بعد ذلك، فلو شعر الطالب أن العلوم التي يدرسها مجرد حشو ليملأ فراغ السنة الدراسية وأنه لا يمكن أن يستفيد منه، فغير ممكن أن الطالب يستطيع أن يحصِّل هذا العلم، إذ لم يكن عنده النية الصادقة المخلصة في أن يتعلم العلم لينفع نفسه وأمته، وأيضاً لن يستفيد، إذاً فالعلم لا بد أن يكون علماً نافعاً، ولا بد أن يتعلمه بنية أن يستغله في بناء الأمة وفي نفع الإنسان في الأرض بصفة عامة. إن العلم الذي ليس فيه صفة النفع ليس علماً ضرورياً، بل على العكس، فهو شر يجب الاستعاذة منه، والحذر من تضييع الوقت في سبيل تحصيله؛ ولهذا نستطيع فهم الحديث اللطيف والدعاء الجميل الذي كان يدعو به الرسول ﷺ ، ففي مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) فيستعيذ بالله من أن يضيع وقته في علم لا ينفع، ثم قال: (ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها).

стр. 47

نشر العلم وبثه الضابط الثالث: أن ينقل العلم إلى غيره؛ لأن العلم لا يقف عند المتعلم فقط، وإنما لا بد أن ينتقل هذا العلم من العالم إلى غيره، يقول معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه: وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة. ولو أن كل عالم سواء في العلوم الشرعية أو في علوم الحياة كتم علمه ولم ينقله إلى غيره لكانت كارثة على الأرض، ولسارت الأرض لا محالة ولا شك في ذلك إلى دمار وهلاك. ولهذا لا يُطلق اسم (عالم) على شخص دون أن يكون معلماً لغيره، فالعالم الحقيقي هو الذي يقضي حياته بين التعلم والتعليم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فلا بد أن يتعلم ويعلم غيره. وانظر إلى كلام جابر بن عبد الله ﵄: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره، أي: لو أن آخر هذه الأمة الذين جاءوا في القرن الثاني والثالث وحتى العشرين يلعنون أول هذه الأمة من الصحابة ومن جاء بعدهم، ويشوهوا التاريخ الإسلامي بصفة عامة، من كان عنده علم فليظهره، فالذي يعرف تصحيح هذه المعلومات لابد أن يتكلم ويعلم غيره، وليس له أن يحتفظ بهذه المعلومات في نفسه، وهو يعلم أن أول هذه الأمة رجال عظماء وفضلاء، فهذا شيء خطير جداً في كتمان هذا العلم، ثم قال ﵁: فإن كاتم ذلك العلم ككاتم ما أُنزل على محمد ﷺ ، أي: لو سمعت أحداً يسب في الصحابة أو يلعن في هذا الجيل ولم تُظهر هذه المعلومة في الناس، فكأنك كتمت ما أُنزل على رسول الله، لأن الدين كله جاء عن طريقهم، وتخيل لو جاء أحدهم فطعن في عمر وفي أبي بكر وفي عثمان وكذا من الصحابة، فأين الدين الذي هو عندنا؟ وأين السنة التي أتتنا عن طريقهم؟ وأين القرآن الذي أتي إلينا نقلاً عن صحابة رسول الله ﷺ ؟ إذاً فنقل العلم إلى الغير من أهم الضوابط، وليس صحيحاً أن يتعلم الإنسان العلم ويحتفظ به لنفسه، بل لا بد أن تسعى إلى تعليم الغير بأي علم تتعلمه، حتى وإن كانت آية واحدة فقط، يقول رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية).

стр. 48

عدم الفتوى بغير علم الضابط الرابع: عدم الفتوى بغير علم. وهذه مشكلة وقع فيها الكثير من الناس، وهي مصيبة وكارثة أن يفتي الإنسان بغير علم، سواء في أمور الدين أو غيرها، فلا يجوز للمسلم أن يفتي بدون علم في أمور الإسلام أو في أمور الطب أو في أمور الزراعة أو في أمور التجارة أو حتى في وصف الطريق، كان يصف لشخص الطريق بالتخمين، فعلينا أن نتعلم كلمة: (لا أعلم)، وليس عيباً أن نقول: لا أعلم، لكن العيب الحقيقي هو الفتوى بغير علم، والصحابة قد تعلموا هذا النهج من رسول الله ﷺ ، فتخيلوا الرسول ﷺ وهو أعلم البشر وأحكم البشر لم يكن يتردد عن قوله: لا أعلم، إذا كان فعلاً لا يعلم. فقد روى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي البلدان شر؟ فقال ﷺ : لا أدري، فلما أتاه جبريل ﵇ قال: يا جبريل أي البلدان شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي ، فانطلق جبريل ﵇، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء فقال: يا محمد إنك سألتني أي البلدان شر فقلت: لا أدري، وإني سألت ربي : أي البلدان شر؟ فقال: أسواقها) فالأسواق تلهي الناس عن ذكر الله، ويكثر فيها الكذب والحلف على غير الحقيقة، ويكثر فيها الشحناء والبغضاء بين المسلمين، والفتنة بالمال، والاختلاط وأمور كثيرة، لكن الشاهد: أن الرسول ﷺ مع كونه أحكم وأعلم البشر إلا أنه لم يتجرأ على الفتوى بغير علم، وكان ﷺ يشدد النكير على من أفتى بغير علم من صحابته ﷺ . فقد روى أبو داود عن جابر ﵄ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجّه، فنام فاحتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم، فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك) فغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً وقال كلمة ثقيلة جداً: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال)، أي: أن الجاهل الذي لا يعلم شفاءه أن يسأل: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب) شك من أحد الرواة (على جرحه خرقه، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) فالشاهد من القصة: أن الرسول ﷺ اتهم هؤلاء بقتل الرجل؛ لأنهم أفتوا بغير علم، وهذه قضية في منتهى الخطورة.

стр. 49

العمل بالعلم الضابط الخامس: العمل، أي: العمل بما تعلم؛ لأنه ما الفائدة أنك تعرف كذا وكذا من أمور العلم ثم تعمل بغيرها؟ وما هي الفائدة في أنك اكتسبت خبرات طويلة جداً، وقرأت كتباً عظيمة جداً، وحضرت دروس علم ومجالس علم، ثم في النهاية تعمل بطريقة أخرى غير التي تعلمتها؟! وأين أيضاً قيمة العلم عنده؟ وتأموا في كلام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، عند الدارمي ﵀: يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقواماً يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً، فهم لا يتعلمون العلم لأجل أن يعملوا به، وإنما لأجل أن يقال فيهم أنهم علماء، ولأجل أن يقولوا عنهم أنهم يحملوا علماً كبيراً جداً، ولأجل تكبر حلقته والناس يستمعون له، لأجل هذا فقط هو يتعلم العلم، وهذا ليس بعالم. ثم يقول علي بن أبي طالب ﵁ بعد ذلك: حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه. أي: أنه لو ذهب إلى عالم غيره يسخط عليه، فهذا هو العالم المباهي بعلمه، والذي لا يخلص لله ، وقد تحدثنا فيما مضى عن قيمة الإخلاص، وقلنا: إن من الثلاثة الذين تسعر بهم النار: رجل تعلم العلم لغير ذات الله ، فهو لم يتعلمه لوجه الله . ثم يقول علي بن أبي طالب ﵁ بعد ذلك: أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله . فعمله محبط؛ لأنه فُقِد منه الإخلاص، فإذاً لا بد أن تعمل بالذي تعرفه، فهذا الموضوع في غاية الأهمية، والضابط هذا يحتاج منا إلى كلام كثير جداً. وإن شاء الله في المحاضرة القادمة جميعها سوف تكون عن هذا الموضوع، وستكون عن الصحابة والعمل، وهنا قد تحدثنا عن الصحابة والعلم، وإن شاء الله في اللقاء القادم سنتحدث عن الصحابة والعمل. وأختم هذه المحاضرة بكلمة بليغة عميقة ورائعة للعالم الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، وهو يوضح فيها قيمة العلم، يقول: تعلموا العلم فإن تعلمه لله تعالى خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعلميه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة. فهذا هو العلم في منظور معاذ بن جبل ﵁ ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين. نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. وجزاكم الله خيراً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 50

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والعمل أمر الله عباده بالعلم والعمل معاً؛ لأن العلم لا ينفع بدون عمل، كما هو حال إبليس والأمم من اليهود والنصارى الذين ذمهم الله تعالى وضرب لهم مثلاً بالكلب والحمار، وقد ضرب لنا الصحابة الكرام أروع الأمثلة في العلم والعمل، سواء كان بالإنفاق أو الجهاد أو التضحية أو غيرها، وهذا هو الفارق بين الصحابة وبين من جاء بعدهم ممن علم ولم يعمل.

стр. 51

الثقة بالله عند الصحابة ومدى مسارعتهم إلى فعل الأوامر وترك النواهي أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس السادس من دروس: كن صحابياً، وقد تكلمنا في الدرسين السابقين عن علامتين مهمتين جداً من علامات طريق الصحابة، وهما علامتان في منتهى الأهمية. ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن طريق الصحابة مرتكز على مثلث مهم جداً له ثلاثة أضلاع: الأول: الإخلاص، وقد تكلمنا عنه في المحاضرة قبل الماضية: الصحابة والإخلاص. الثاني: العلم، وقد تكلمنا عنه في المحاضرة الماضية: الصحابة والعلم. الثالث: الذي سنتكلم عنه اليوم إن شاء الله: الصحابة والعمل. هناك فرق هائل جداً بين جيل الصحابة وبين من أتى بعدهم، وهذا الفارق هو فارق العمل، فطريقة الصحابة في تلقي الكتاب والسنة كانت مختلفة جداً عن طريقة معظم اللاحقين بعد ذلك، فالصحابة كانوا يتلقون الكتاب والسنة بهدف التطبيق، وكانوا يسمعون بهدف الطاعة، وهذا مبدأ جميل جداً، كانوا مستشعرين قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. والصحابة كانوا كمثل المريض الذي يتلقى الدواء من الطبيب، أو كمريض ينصحه الطبيب بإجراء عملية، وهو يقول له: أنا سأعمل لك عملية وأفتح فيها بطنك، وستتعطل من عملك، وستدفع ألفاً أو ألفين أو ثلاثة أو عشرة، والمريض يسمع ويطيع، فيضحي بالألم، ويضحي بالمال, ويضحي بالوقت حتى تنتهي العملية، لماذا؟ لأنه يعرف أن مصلحته في إجراء العملية، ولأنه يثق في هذا الطبيب، ومسألة الثقة هذه مهمة جداً، فقد كان الصحابة مثل الجندي في ميدان المعركة وفي أرض العدو ينتظر أمراً من الأوامر؛ ليوضح له كيف يتحرك؛ لأنه لا يستطيع التحرك بغير هذا الأمر، فيخشى أن يقع في مهلكة، أو يدخل في كارثة، أو تصيبه مصيبة من مصائب الزمان والمكان. لكن: هل الجندي الذي في ميدان المعركة لا يعرف أين يمشي يميناً أم يساراً، فهو منتظر للأمر من القائد، هل يتلقى الأوامر على التراخي؟ أبداً، فالجندي في هذه الظروف متلهف للأمر الذي يوصله إلى بر الأمان، فهو يثق بقائده، ولذلك يسمع منه دون جدل ولا نقاش، إلا فقط للفهم، لكنه يعرف أن القائد يريد مصلحته ومصلحة الجيش كاملاً. وكذلك الصحابي وكل مؤمن فطن ذكي يتلهف لأمر الله في أي قضية من القضايا، في أي أمر من الأمور؛ لأنه يعلم أن الله يريد به الخير، فهو يريد أن يعلم ماذا يريد الله منه في هذه النقطة؟ إن علم أن الله راضٍ عن ذلك فعل ما أمره الله به وهو مطمئن، بل سارع في فعله، وإن علم أن الله لا يرضى عن ذلك تركه، بل بالغ في الابتعاد عنه. إذاً: فالمسألة مسألة ثقة، فيا تُرى هل أنت مطمئن إلى أن ما أمر الله به أنه هو الخير لك وللأرض كلها، أم عندك شك في ذلك؟ لأجل هذا كان عند الصحابة حساسية مفرطة لكل أمر من أوامر الله ، وأيضاً كان هذا الأمر من أهم الأمور التي تميز بها الصحابة الكرام، فقد فقهوا الحقيقة القرآنية المهمة التي تقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]. فهذا فارق هائل جداً بين جيل الصحابة والأجيال التالية، فالذي خلق لا بد أن يأمر، والذي خلق لا بد أن يحكم، والذي خلق يعرف ما ينفع المخلوق وما يضره؛ لأجل هذا الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]، وانتبه معي لكل كلمة، فليس لدينا اختيار ما دام أننا قد عرفنا أن هذا أمر ربنا ، أو أمر الرسول ﷺ ؛ فلا بد من التنفيذ، حتى لو كان عكس رغبتنا، وعكس تفكيرنا، وعكس تفكير الغرب والشرق، وعكس القانون الدولي، وعكس التقاليد، فليس لنا فيه أصلاً أي اختيار. وفي بعض الأحيان قد يكون الموضوع صعباً على النفس، بل وقد يكون فيه فتنة؛ لأجل هذا بين الله أنه لن يقدر على تنفيذ هذه الأوامر إلا المؤمن والمؤمنة، فالمؤمن والمؤمنة هما اللذان لديهما ثقة كاملة في الله ، وفي الرسول ﷺ ، والذي سيخالف سيخسر خسارة عظيمة جداً، سيضيع ويشقى في الآخرة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].

стр. 52

وجوب العمل بالعلم وعدم الركون إلى الأماني من المستحيل أن يصلح العلم بغير عمل يصدقه، يقول الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. فلا بد من علم ثابت في القلب، ويكون فيه إخلاص لله ، بحيث لا يطلع عليه إلا الله ، وفي الأخير لابد أن يصدقه العمل. والذي يعلم ولا يعمل واهم في أنه يصل إلى الجنة؛ لأن ذلك ضد النواميس الكونية العادلة التي وضعها رب العزة ، روى الترمذي وحسنه وابن ماجه وأحمد عن شداد بن أوس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (الكيِّس من دان نفسه)، أي: حاسبها وقهرها، ثم قال: (وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)، يعني: يفعل كل ما يريد فعله ثم يتمنى على الله، ويقول: الله غفور رحيم، وكم نسمع هذه الكلمة كثيراً جداً، يفعل كل المعاصي ثم يقول: الله غفور رحيم، سبحان الله! كيف ذكرت صفات الله هذه ولم تذكر صفاته الأخرى؟! ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩]، فهو الغفور الرحيم، لكن ماذا بعد ذلك؟ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠]، وهناك أناس يقولون: ربنا رب قلوب، أي: ما دام القلب نظيفاً فلا تخف شيئاً!! لكن هل القلب النظيف يعصي الله ؟ هل القلب النظيف يكسل في الطاعة أو لا يبالي بها؟ هل القلب النظيف لا يسمع كلام الخالق؟ هل هذا قلب نظيف؟!! هذا كلام حق أريد به باطل، نعم فالله غفور رحيم، وصحيح أن المهم هو القلب، لكن لا يمكن أن ينفع هذا من غير عمل، قال الشاعر حول هذا المعنى: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس والأدهى أن هناك أناساً يقولون بمنتهى الاستهتار: لا تخف، إن شاء الله ربنا سيسهل! نعم الله قادر على التسهيل من غير عمل، لكن هذا ضد السنن الجارية في الكون، وأيضاً فالله لا يخالف سننه، وإن خالفها فذلك في ظروف خاصة جداً جداً لا تقدر على بناء خطتك عليها، بل أنت مأمور شرعاً بالسير على السنن، فمثلاً: لو قمت ببناء سفينة في الصحراء وقلت: لعل ربنا أن ينزل طوفاناً كما أنزله على قوم نوح ﵇. هذا مخالف للسنن، ولا يحدث إلا في ظروف خاصة كما ذكرنا، وكلنا يعرف قصة سيدنا نوح ﷺ . وعلى هذا الأمر فكثير منا سيبني سفينة في الصحراء ويقول: ربنا يسهل سيرها، والحياة كلها معاص ويريد أن يدخل الجنة، ويقول: ربنا يسهل. وطالب يلعب سائر العام ويريد أن ينجح، ويقول: الله يسهل. ومريض لا يأخذ الدواء ويريد أن يتعافى، ويقول: الله يسهل. فلا يمكن أن يسهل الله تلك الأمور إلا ببذل الأسباب، فلا بد من السير على السنن، وسنة الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فالذي سيعمل مثقال ذرة سيجدها في الدنيا والآخرة، سواء كان خيراً أم شراً، والذي يعمل مقدار قنطار سيجده في الدنيا والآخرة من خير أم من شر. أما التواكل على الله ، واعتقاد النجاة بدون عمل؛ فهذا ليس مسلك الصالحين، ولم يكن أبداً مسلك الصحابة ﵃ وأرضاهم، وإنما هذا مسلك الضالين من أهل الأرض، هذا المسلك كان سمة مميزة لبني إسرائيل.

стр. 53

ذم الله لبني إسرائيل ومن وافقهم بسبب تركهم العمل بالعلم قال الله في حق بني إسرائيل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٠ - ٧١]، فقد كانوا قواميس متحركة، وكانوا يعرفون كل شيء، لكن لا يعملون بما علموا، فماذا كانت النتيجة؟ ضلال وكفر ولعنة، ثم جهنم والعياذ بالله. واسمع إلى قصة حيي بن أخطب مع أخيه، فقد كان حيي بن أخطب من أكابر اليهود أيام رسول الله ﷺ ، فعندما ظهر الرسول ﷺ ذهب هو وأخوه إلى النبي ﷺ ليعرفوا هل هو الرسول الموصوف لديهم أم لا؟ فسأله أخوه عن رسول الله ﷺ فقال: أهو هو؟ قال: نعم! قال: وما تفعل معه؟ -واسمع إلى قول حيي بن أخطب وهو يعرف أنه رسول الله ﷺ قال: عداوته ما بقيت. أي: أحاربه إلى أن أموت، علم بلا عمل، عجز وحماقة وغباء. حتى إن تاريخ اليهود يشهد بهذه الصفة الذميمة: علم بلا عمل، روى البخاري ومسلم وغيرهما -واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، أن الرسول ﷺ قال: (قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة)، يعني: بدلاً من أن يقولوا: حطة، قالوا: حبة في شعرة، وفي رواية: (قالوا: حنطة)، سبحان الله! لا يريدون التطبيق مع أنهم يعرفون، والآيات كلها واضحة بأنهم كانوا علماء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧]، علماء، لكن أين العمل؟ لا عمل!! وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]، وانظروا كيف ردوا على نبيهم؟! سوء أدب ومجادلة وعناد وحماقة وعدم رغبة في التطبيق أصلاً، فيسمعون ولكن ليس للطاعة، بل للعصيان والتمرد على أوامر الله تعالى. ويقول الله ﵎ في ذلك أيضاً: ﴿مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]، وكل ما سبق ذكره في حق بني إسرائيل يلخصه الله في وصفهم الذي وصفهم به في سورة الجمعة، فقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥]، فالله قد أمهلهم في المرة الأولى والثانية، ثم طلب منهم في المرة الثالثة أن يقوموا بمهمة حمل التوراة، ولكنهم عصوا وتمردوا، وقبل ذلك اختارهم الله وأرسل لهم الرسل، الواحد تلو الآخر فرفضوا، وأراهم الآيات الواضحة الواحدة تلو الأخرى، ولكن بلا فائدة، بل أصروا على عدم القبول لمهمة الإنسان، وقاموا بمهمة أخرى تماماً، فقبلوا مهمة الحمار، والحمار يحمل الأشياء بغض النظر عن قيمتها ومحتواها، فيحمل الكتب كما يحمل الحشيش، لا فرق عنده في ذلك، لكنه لا يستفيد بشيء مما يحمل، وهذه ليست غلطة من الحمار، فهو خلق لهذا وهو يقوم بما خلق له، والعيب كل العيب في الذي خلقه الله لوظيفة معينة وهو يعمل في عمل آخر تماماً، ويترك وظيفته الرئيسية، وذلك كبني إسرائيل عندما أعطاهم الله التوراة لأجل أن يدعوا إليه ويعلموا الناس أمر دينهم، ويسمعوا ما فيها من أوامر ونواه، لكنهم قاموا بوظيفة الحمار، ألا وهي: حمل التوراة دون أن يعملوا بمحتواها: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]. وأيضاً المسلم الذي سيحتفظ بكتاب ربنا ، وبسنة الرسول ﷺ في البيت أو في السيارة أو في غيرهما من الأماكن ولا يعمل بهما؛ هو واقع عليه نفس الوصف: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]. وكذلك الذي يقرأ آيات الربا ثم يتعامل بالربا، والذي يقرأ آيات الرفق واللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ثم يتعامل بالعنف، والذي يقرأ آيات حفظ اللسان وكأنه لا يقرأ ولا يسمع، والذي يقرأ آيات بر الوالدين وصلة الرحم ولا يلقي لها بالاً، والذي يقرأ آيات الإنفاق والجهاد ثم يبخل بالمال والنفس: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]. فعجيب جداً أن يكون الإنسان ظاهره الإسلام واسمه مسلماً، ووالداه مسلمين،

стр. 54

بعض مواقف الصحابة العملية نتكلم عن بعض مواقف الصحابة العملية، وكيف كان رد فعل الصحابة عند نزول الآيات وسماع الأوامر من رب العالمين ، ومن رسوله الكريم ﷺ ، فتعالوا لنتعلم مبدأ التلقي والسماع للأوامر للتطبيق، وتعالوا لنرى معنى كلمة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].

стр. 55

موقفهم في إنفاق المال موقفهم من قضية إنفاق المال في سبيل الله، هذا المال الذي غرس حبه في قلب الإنسان: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:٢٠]، ويقول في حق المال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، أي: أن الإنسان يجب المال حباً شديداً جداً، والله سبحانه هو الذي خلقه على هذه الصورة، لكن مع هذا طلب منه أن يدفع هذا المال في سبيل الله ، ولو كان حب المال يسيراً على النفوس لم يكن ذلك اختباراً، لكن الله سبحانه زرع في النفس حب المال، حتى لو طلبه منك ودفعته تكون بذلك مؤمناً بالله ، واسمع إلى هذا الموقف العظيم لأحد الصحابة، وكيف كان بذلهم للمال في سبيل الله ؟ فيقول عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: (لما نزل قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، سمع أبو الدحداح الأنصاري ﵁ وأرضاه هذه الآية -وكأنها وقعت في قلبه لا في أذنه-، فأسرع إلى الرسول ﷺ وقال له: يا رسول الله! وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح!)، وانظر إلى إجابة الرسول ﷺ ، فلا توجد تفصيلات ولا محاورات ولا جدالات ولا ندوات، ولم يعد يسأل أبو الدحداح بعدها، فهو قد عرف أن الله يريد من عباده قرضاً أو صدقة أو زكاة، ولماذا الله استخدم لفظ القرض؟ هذا لم يشغل أبا الدحداح ﵁ وأرضاه، وإنما كان الشاغل له العمل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فهو قد شغل بالطاعة ﵁. قال أبو الدحداح -في نفس المجلس وهو ما زال قاعداً مع الرسول ﷺ : (أرني يدك يا رسول الله! قال - عبد الله بن مسعود راوي الحديث-: فناوله يده، قال أبو الدحداح: فإني أقرضت ربي حائطي)، فقد كانت لديه حديقة كبيرة، فتصدق بها كلها، يقول عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: وحائطه فيه ستمائة نخلة. ففي لحظة واحدة سمع آية واحدة من آيات الله فدفع ستمائة نخلة، (وأم الدحداح فيه وعيالها)، أي: ما زالت أم الدحداح ساكنة داخل الحائط، وكذلك أبناء أبي الدحداح جالسين داخل الحائط، (فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي من الحائط؛ فإني أقرضته ربي ، وتأمل إلى أي درجة كان عندهم العمل، فلا تسويف، ولا تأجيل، ولا تأويل، وإنما منهج السماع للطاعة، ونتمنى أن نتعلم هذا المنهج من أبي الدحداح ومن غيره من صحابة رسول الله ﷺ : السماع للطاعة: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]. وتأمل وانظر على النقيض من ذلك رد فعل اليهود لنفس الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، قالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير. أعوذ بالله! معنى قولهم: نحن لسنا محتاجين إلى الله ، فنحن أغنياء وهو فقير إلينا ما دام أنه يطلب منا قرضاً؛ فانظر إلى فقه بني إسرائيل وما فيه من الضلال والكفر والضياع، ثم يكملون ويقولون: وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، يطلب منا أن نرجع إليه ونتوب ونحن لا نأبه لذلك، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنياً ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم -يعني: النبي ﷺ ينهاكم عن الربا ويعطيناه. أي: أن الله يطلب منكم القرض، وسيرجعه لكم أضعافاً كثيرة، فهذا هو الربا، فانظر إلى أين وصل الفهم لدى اليهود؟! فهؤلاء هم اليهود، ولذلك عندما ترى شارون أو غيره وترى عمله لا تستغرب، فقد كان أجدادهم يفعلون هذا الفعل في وجود النبي ﷺ ، فما بالك بالأحفاد وفي غير وجود الرسول ﷺ . إذاً: هذه قضية من قضايا الحياة التي نعيش فيها كلنا، إنها قضية الإنفاق ودفع المال في سبيل الله ، وانظر إلى هذا الصحابي كيف تعامل مع الآية الخاصة بالإنفاق.

стр. 56

موقفهم في الجهاد في قضية الجهاد في سبيل الله هناك موقف نعرفه كلنا، إنه موقف لـ حنظلة بن أبي عامر ﵁ وأرضاه، غسيل الملائكة، أي: الرجل الذي غسلته الملائكة، فقد سمع حنظلة النداء يوم أحد وهو عريس، وكان قد تزوج في الليلة الماضية، وكان جنباً، فسمع داعي الجهاد يطلب الناس للخروج إلى الجهاد في سبيل الله في أُحد، فلم يصبر حنظلة حتى يغتسل، بل خرج مسرعاً إلى الجيش، وانظر إلى هذه الاستجابة الفورية، فهو ليس بمكره، بل مشتاق ومتلهف إلى تنفيذ أوامر الله : ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فذهب إلى أُحد واستشهد وهو جنب، فغسلته الملائكة، فأصبح حنظلة غسيل الملائكة. ليس هناك معنى لكلمة (الظروف) عند الصحابة، بل كان عندهم معنى لقول الله تعالى، أو لقول الرسول ﷺ ، فيا تُرى هل خسر حنظلة؟ لا، فـ حنظلة لو كان في بيته كان سيموت في نفس الساعة التي مات فيها، لكن بدلاً من أن يموت على فراشه يموت في ميدان الجهاد شهيداً، وبدلاً من الموت معتذراً متخلفاً يموت مجاهداً مقبلاً غير مدبر، والموت لا يؤجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. إذاً: فـ حنظلة وإن لم يكن يعرف ميعاد الموت إلا أنه قد اختار طريقة الموت. فهذا هو الذكاء، وهذه هي الفطنة، وهذا هو المطلوب من المؤمن العملي، فلو أنك تعيش لربنا فستموت له ، ولو أنك تعيش حياة الجهاد ستموت مجاهداً، ولو أنك تعيش حياتك في سبيل الله، ولم يكن في يدك أن تختار وقت موتك، إلا أنه في يدك أن تختار طريقة موتك، وتذكر: (يبعث المرء على ما مات عليه)، فمن مات على صلاة يبعث على صلاة، ومن مات على تلبية وهو في الحج يبعث ملبياً، ومن مات على جهاد يبعث على هيئته وقت الجهاد، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ونحن الذين نختار الطريق.

стр. 57

موقفهم في الإنفاق على ذوي القربى مع إساءتهم تعالوا لنرى رد فعل الصحابة مع بعض آيات القرآن الكريم التي تخاطب قلوبهم، هذا القلب الذي أحواله غريبة وعجيبة جداً، ففي بعض الأحيان قد يكون الإنسان متوجعاً من آخر ولا يقدر أن ينسى ذلك، لكن الصحابة قد ملكوا قلوبهم وأصبحت في أيديهم، فيقدرون على تنظيفه متى شاءوا، ويقدرون على الأخذ منه والوضع فيه متى شاءوا. ولنسمع إلى هذه القصة اللطيفة، وهي قصة مشهورة والجميع يعلمها، لكن فيها دروساً عميقة جداً: لقد كان أبو بكر الصديق ﵁ ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة ﵁ وأرضاه، فإذا بـ مسطح يتكلم في عرض أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، لم يتكلم في مسألة يسيرة، ولم يقل عن عائشة: إنها بخيلة أو مخطئة، أو لم يكن الحق معها في رأي أو غيره، لا، بل يطعن في عرض وشرف السيدة عائشة ﵁، وكان ذلك كرد فعل طبيعي للأب المجروح الذي طعن في شرفه وشرف ابنته الطاهرة الصديقة أم المؤمنين عائشة ﵁ وأرضاها، فقال: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد اليوم، وفي رواية: والله لا أنفعه بنافعة أبداً، فالمهم أنه قرر أن يقطع النفقة عليه. وتأمل هنا فـ أبو بكر لم يمنع حقاً من حقوق مسطح، وإنما كان يتفضل عليه فقط، فيتصدق عليه، والصدقة كما نعلم ليست كالزكاة، وإنما هي اختيارية، يعني: تفعلها أو لا تفعلها لا شيء عليك، لكن مع كل هذا الأمر ينزل قول الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢]، يعني: ولا يحلف؛ لأن أبا بكر حلف أنه لن ينفق على مسطح بعد ذلك شيئاً، ثم قال تعالى: ﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، وهذه المنقبة كانت من أعظم مناقب الصديق، فالله يصفه بأنه من أولي الفضل والسعة، ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]، وهذا الأمر من ربنا على سبيل الاختيار: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، ففي هذه الآيات ربنا لا يذكر أن مسطحاً له حقاً عند أبي بكر، وإنما يطلب من أبي بكر بمنتهى الرفق أن يعفو وأن يصفح، ثم يتودد إليه فيقول: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فإذا أنت غفرت للناس فالله سيغفر لك: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]. قال أبو بكر في رد فعل عجيب واستجابة سريعة جداً دون تردد: بلى والله! إني لأحب أن يغفر الله تعالى لي. سمع قول الله تعالى فانطلق لتنفيذه فوراً، وذلك دون أي تفكير في القضاء على ما في قلبه من حزن أو حقد أو ضيق على مسطح بن أثاثة أو غير ذلك، ولم يقل: أعطني وقتاً لأنسى ما حصل، لا، بل قال في لحظة واحدة: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه من ماله، بل وأقسم ألا يقطعها بعد ذلك؛ لأنه عرف ماذا يريد منه المولى تعالى، وليس من الممكن أن الله ﵎ يطلب منه شيئاً ثم يرفض، فإنه الصديق ﵁. إذاً: فـ الصديق لم يكن ملزماً بالإنفاق على مسطح، وموقفه في المنع مفهوم، ولا يلومه عليه أحد، لكن النداء واضح، إن كنت تحب مغفرة الله فاغفر للعباد، فوصلت الرسالة إلى قلب الصديق ولم يتأخر عن الالتزام بها. وهنا نتساءل فنقول: كم من شخص غاضب من جاره أو من صاحبه؟ حتى ربما من أبيه وأمه! فيقاطعهم بسبب ذلك اليوم والاثنين والثلاثة، والشهر والشهرين، ولا يريد أن ينسى سبب ذلك، ونسي قول الله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، وهذا خلاف المنافقين تماماً، فلو خاصم الإنسان على كل شيء دون صفح أو مسامحة لدخل تحت وصف المنافقين؛ فالمنافقون لا ينقادون لأحكام الدين إلا عند تحقق فوائد دنيوية ملموسة، وإن لم تكن هناك فائدة مباشرة فلا طاعة لكلام الله . واسمع إلى قول الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧]، فهذا كلام باللسان، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧]، فهم قالوا كلمة الإيمان وقالوا: أطعنا، لكن بلا عمل. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى الل

стр. 58

أمثلة للصحابة في استجابتهم لأوامر الله لنسمع إلى بعض الأمثلة في استجابة الصحابة ﵃ وأرضاهم لقضايا الدين وأحكامه.

стр. 59

استجابتهم عند تحويل القبلة المثال الأول: تحويل القبلة، فعندما أمر الله المسلمين بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وهذا الموضوع ليس سهلاً، فقد بقي المسلمون في المدينة المنورة متجهين إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وفجأة تغيرت القبلة إلى البيت الحرام، فقال اليهود والمنافقون للمسلمين: كأنكم لا تعرفون قبلتكم أين هي؟ فمرة تصلون إلى بيت المقدس، وأخرى ناحية البيت الحرام، فلم يفهموا الغرض والعبرة من التغيير، فقد كان الأمر اختباراً، والمسألة مسألة فتنة، والله قد قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهذا الكلام ليس فقط في أمر القبلة، وإنما في كل أمر من أوامر الدين، فالمؤمنون قالوا بمنتهى البساطة: سمعنا وأطعنا، سواء قيل لهم: صلوا ناحية بيت المقدس، أو قيل لهم: صلوا ناحية الكعبة، فالقضية واضحة جداً عندهم، وربنا قد قال شيئاً فالمؤمن يسمع ويطيع، حتى الذين كانوا في صلاة حين وصلهم الخبر لم ينتظروا الانتهاء من صلاتهم حتى يجلسوا مع الرسول ﷺ ويقولون: لماذا هذا التغيير، أو غير ذلك من الأسئلة والمبررات؟ لا، لم يكن هذا الكلام شاغلاً لهم، بل بمجرد أن يتأكدوا أن الله قال كذا، أو رسوله ﷺ قال كذا، لا بد من القيام به، ففي نفس الصلاة غيروا اتجاههم، فصلوا ركعتين باتجاه بيت المقدس، وركعتين باتجاه الكعبة، فهذا هو معنى قول: سمعنا وأطعنا، وهذا هو الفهم الحقيقي لمعنى العبادة لله . أما رد فعل المنافقين واليهود: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢]، وتأمل الرد الإلهي على هؤلاء، فلم يقل لهم: لأجل كذا وكذا، مع أن هناك حِكَمٌ ظهرت لنا من ذلك، وحِكَمٌ لم نعرفها، لكن الله قال لهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢]، فالذي يريده الله اعملوا به، فله سبحانه المشرق والمغرب.

стр. 60

قصة رؤيا عبد الله بن عمر ﵄ وقيامه لليل مدة عمره المثال الثاني: قصة عبد الله بن عمر ﵄، ففي البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم -يعني: أناس من المشركين والمنافقين- فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار! أعوذ بالله من النار! فلقينا ملك آخر، فقال لي: لن تراع -أي: لن تخاف، أراد أن يطمئنه- فاستيقظ عبد الله بن عمر، فأراد أن يذهب إلى الرسول ﷺ ، ولكنه استحى لصغر سنه، فذهب إلى أخته السيدة حفصة بنت عمر ﵂ وأرضاها، وحكى لها الرؤيا وقال لها: قوليها لرسول الله ﵊، فقصت السيدة حفصة رؤيا عبد الله على النبي ﵊، فقال رسول الله ﷺ كلمات قليلة جداً، كان لها أثر عظيم في حياة عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، فـ (لو) ليست للشرط، وإنما للتمني كما يقول ابن حجر في الفتح، يعني: أن الرسول ﷺ لم يُعلِّق خيرية عبد الله بن عمر على قيام الليل، بل قال: (نعم الرجل عبد الله)، فهو يثني ويمدح عبد الله بن عمر ﵄، ثم قال: (لو كان يصلي من الليل)، أي: لو أكمل حسنه بقيام الليل، والتقدير: لو كان يصلي من الليل لارتفعت قيمته. وفيه إشارة واضحة بأن قيام الليل يقي من عذاب النار الذي رآه عبد الله بن عمر في المنام. يقول نافع مولى عبد الله بن عمر: فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. يعني: ظل بقية عمره يقيم ليله بالعبادة بسبب حديث واحد سمعه من النبي ﷺ ، مع أن الرسول ﵊ مدح عبد الله بن عمر، لكن لم يتكل عبد الله بن عمر على هذا المدح، ولم يعتمد على هذا الثناء من رسول الله ﷺ ، لكنه استمر على القيام إلى أن توفي، وكان موته سنة (٧٣) من الهجرة، وله من العمر (٨٦) سنة، فبقي ﵁ مواظباً على قيام الليل طويلاً، وكان لا ينام من الليل إلا قليلاً. إنه منهج واضح جداً لفهم الإسلام، إنه منهج السماع للطاعة، سمعت حديثاً اشتغل به، سمعت آية اشتغل بها، وهكذا بما عندك من العلم.

стр. 61

قصة المسيء صلاته ومدى استجابته لتعليم النبي ﷺ المثال الثالث: المسيء في صلاته، ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (دخل رسول الله ﷺ المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ وقال: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، فالرجل قد صلى، والرسول ﷺ يقول له: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، والرجل لم يقل للنبي ﷺ : أنا الآن قد صليت أمامك، واسأل فلاناً وعلاناً، لا، فهو لا يحتاج إلى كل هذا الكلام، فرجع في منتهى الأدب وصلى مرة أخرى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، فرجع مرة ثانية بدون أي نقاش، وأعاده النبي ﷺ ثلاث مرات، وفي المرة الرابعة والرجل خائف بسبب ما يقال له، فأراد أن يعرف الخلل، فقال: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره)، أي: لو كنت أعرف غير هذا لصليت، (ما أحسن غيره فعلمني)، يعني: مشكلته ليست في الطاعة، إنما مشكلته أنه لا يعرف ويريد أن يعرف، وحين يعرف سيعمل بشكل جيد، ويريد أن يعرف لأجل أن يطيع ربه . فقال له ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها)، فكانت مشكلة هذا الرجل: عدم الاطمئنان في الصلاة. والشاهد أن الرجل ذهب في المرة الأولى والثانية والثالثة ليعيد الصلاة وهو في منتهى الصبر، فهو يسمع ليطيع، وما دام أن الرسول ﷺ قال ذلك، فلا بد من التنفيذ، ثم بعد ذلك كله يسأل بأدب جم: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره)، فلم ييأس ويضق من المسجد. وقد يحذر الناس من الجانب السلبي الذي كان عند المسيء في صلاته، وهو عدم الاطمئنان في الصلاة، لكن تجدهم لا يهتمون بالجانب الإيجابي وهو الحرص على التعلم والعمل، والصبر على ذلك مرة ومرتين وثلاثاً، ولو قلت لشخص آخر: أنت لا تطمئن في ركوعك ولا في سجودك، ولا بد من أن تعيد الصلاة، سيقول لك: الله غفور رحيم، وإن شاء الله في الصلاة القادمة أهتم، ويمكن أن يتشاجر معك ويترك المسجد. إذاً: هذا هو فهم الصحابة لقضية السمع للطاعة، ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].

стр. 62

قصة الثلاثة المخلفين في غزوة تبوك واستجابة الصحابة لأمر النبي ﷺ بمقاطعتهم تعالوا لنختم هذه المحاضرة بقصة يعرفها الكثير منكم، لكن سنعلق على جانب صغير معين فيها، وتفاصيلها سنقوله في درس: الصحابة والتوبة، وقد قلنا تفاصيلها قبل هذا في دروس السيرة النبوية. إنها قصة استجابة المسلمين لمقاطعة الثلاثة المخلفين في غزوة تبوك، وهي مثل رائع للجانب العملي عند الصحابة الكرام، فقد كان هذا التخلف نزغة من نزغات الشيطان، فقد تخلف كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ﵃ أجمعين، ونزل الوحي بعقابهم عن طريق المقاطعة، فكان عقاباً صعباً جداً، ولم يحصل في حياة الصحابة إلا في هذه المرة فقط. يقول كعب بن مالك ﵁ وأرضاه: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا. فلا أحد يكلم هؤلاء الثلاثة، وهنا حدثت استجابة سريعة وكاملة وعجيبة جداً من أهل المدينة جميعاً، فلا جدال ولا نقاش ولا مبررات ولا تعليلات لا استثناءات ولا وساطة، بل ولا أحد قال للنبي ﷺ : هذا رجل من السابقين، هذا من المكافحين، من أهل العقبة، لم يقل أحد أي شيء من هذا الكلام، بل قالوا: سمعنا وأطعنا. ولم يأت أيضاً أحد من عائلته أو أرسل له كرتاً وأعطاه إياه، ولا كان شيء من ذلك، فقطعت مصالح كثيرة، وكل واحد من هؤلاء له علاقات كثيرة، يتاجر مع هذا ويشتغل مع هذا، ومتزوج من بيت فلان، وقريب من هذا، لكن ليس ذلك مشكلة، فلتهدم كل المصالح ولا تهدم الطاعة، والمهم الطاعة لله ، والطاعة لرسوله الكريم ﷺ ، فلم ينفع رحم، ولم تنفع صداقة، فنفذت المقاطعة بشكلها الواسع والعجيب في المدينة المنورة، وكل أهل المدينة قاطعوا الثلاثة، يقول كعب بن مالك ﵁ وأرضاه: فاجتنبنا الناس. أي: تجنبوا حتى طريقهم، ثم قال: وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالتي أعرف. أي: هل هذه هي المدينة المنورة أم أنها ليست هي؟ وكأن الأرض التي ولد فيها وعاش فيها سنين وسنين لم يأت إليها قبل الآن، والشيء الغريب جداً أن كل الناس في المدينة قد سمعوا وأطاعوا، وهذا هو جيل الصحابة الكرام: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فليس لهم أي اختيار أبداً، لكن هل ظل ذلك يوماً أو يومين؟ لا، بل بقي كثيراً جداً، يقول كعب بن مالك: فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فترة طويلة جداً، وبالذات داخل مجتمع صغير مثل المدينة، وهو مجتمع اجتماعي، وليس كمجتمعاتنا في هذا الزمان، ففي أيامنا قد تجد أن بعض الجيران لا يعرف جاره، لكن في جيل الصحابة كان الجميع كأسرة واحدة، فالمقاطعة في هذه البيئة كانت صعبة جداً، فتفاقم الأمر مع كعب بن مالك ﵁ الله عنه وأرضاه، يقول: حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه. أي: أنه ذهب إلى أقرب شخص وأحب شخص إليه بعد النبي ﷺ ، وهو مطمئن إلى أنه لن يقاطعه، قال: فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام! ورد السلام فرض، لكن الرسول ﵊ ألغى هذا الأمر في هذه الحالة الاستثنائية فقط، فمنع الناس من الكلام حتى السلام، يقول: فقلت: يا أبا قتادة! أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟! وأبو قتادة لا يرد. يعني: هل تظنني قد غلطت لأجل أنني منافق، في داخلي كراهية لله وللرسول، أم أن هذه غلطة عابرة وأنا أحب الله ورسوله؟ فهو يسأله سؤالاً واضحاً جداً، فيريد منه رأيه: نعم أم لا. يقول كعب: فسكت. أي: المرة الثانية، ثم قال: فعدت له فنشدته. أي: في المرة الثالثة، ثم قال أبو قتادة: الله ورسوله أعلم. أي: لا أدري، وهي كلمة رهيبة جداً، أي: أنه لا يعلم إيمان كعب، فهو يشك في إيمانه وليس واثقاً منه، وكان هذا أشد على كعب من السكوت، فتمنى أنه لم يتكلم وبقي ساكتاً، لكن أراد أبو قتادة أن يبعد كعباً عنه تماماً؛ وذلك حتى لا يصر على كلامه، فأقفل عليه الباب وقال له: الله ورسوله أعلم. وفي هذا استجابة شديدة لأوامر الله تعالى، وأوامر الرسول ﷺ ، استجابة إلى درجة عظيمة وعالية، مع أنه أحب الناس في المدينة إلى كعب بن مالك بعد رسول الله ﷺ ، يقول كعب: ففاضت عيناي. أي: أنه لم يقدر على التحمل، فقام والألم والحزن والاكتئاب يعتصر قلبه، وقد استمر هذا الوضع خمسين ليلة، ولاحظ كل هذه الاستجابة، وكل هذه الطاعة، وكل هذه المقاطعة إلا أنهم بعد خمسين ليلة من المقاطعة صدر الأمر الإلهي بالعفو عن الثلاثة الذين خلفوا، وهنا رفع الحظر عنهم، وسمح لأهل المدينة بالحديث معهم، وكل ما

стр. 63

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والدنيا الدنيا حلوة خضرة، وقد استخلفنا الله سبحانه فيها للابتلاء والامتحان، فالكيس من عمرها بما يقربه إلى مولاه، والعاجز من عمرها واغتر بشهواتها وملذاتها، وقد فقه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذلك المعنى، فجعلوها مزرعة للآخرة، وقدّموا فيها صالح الأعمال ليوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 64

نظرة الصحابة إلى الدنيا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. فمع الدرس السابع من مجموعة: كن صحابياً، ولا زلنا نبحث عن معالم طريق الصحابة ﵃، وقد تحدثنا عن الإخلاص وعن العلم وعن العمل، واليوم سنتحدث عن مفهوم جديد حير كثيراً من الناس، فقد حيّر الفلاسفة وحيّر المفكرين وحيّر العلماء، ألا وهو الدنيا. فيا ترى ما هو مفهوم الصحابة للدنيا؟ وما هي نظرة الصحابة إلى الدنيا؟ في الحقيقة إن نظرة الصحابة إلى الدنيا كانت نظرة عجيبة جداً، فقد كانت نظرة متوازنة بشكل ملفت للنظر، فهم من جانب لا يُعطون لها قيمة تُذكر في حياتهم، فيتنازلون عنها بسهولة وببساطة شديدة، وكأنها لا تساوي درهماً، ومع ذلك هم من جانب آخر يعملون فيها بجد واجتهاد، فيزرعون ويتاجرون ويتكسّبون المال، ويعمّرون الأرض، فكان منهم الأغنياء الذين لا تُحصى أموالهم، والمُلّاك الذين تجاوزت أراضيهم مئات الأفدنة، فالدنيا في أعين الصحابة لم تكن غاية ولم تكن هدفاً، بل كانت وسيلة إلى إرضاء الله ، ومعبراً إلى الآخرة، ومن ثم كانت وسيلة إلى تنفيذ كل ما أمر الله به، فالله أمر بإعمار الدنيا، فليكن الإعمار، والله أمر بكفالة الأسرة والزوجة والأولاد والآباء والأمهات، فليكن العمل في الدنيا لتحصيل المال لكفاية هؤلاء، والله حض على الجهاد بالمال، فلا بد من وجود المال حتى يجاهد به، والله حض على الوقوف في وجه الكافرين، فلا بد من العمل في الدنيا لإعداد العدة لمواجهة الكافرين. إذاً: فأنا أشتغل في الدنيا لإرضاء الله ، فأكسب المال لإرضاء الله، وأتزوج لإرضاء الله، وأخلّف لإرضاء الله، وأعمل كل شيء في الدنيا لإرضاء الله، ومن الممكن أن أكون من أغنى الناس في الدنيا، وفي نفس الوقت أرضي الله بهذا المال، وفي نفس الوقت أيضاً لا يوجد عندي مانع أن أترك الدنيا بكاملها وأصبح أفقر واحد فيها إرضاء لله . إذاً: فهذه علاقة تفاعلية رائعة فقهها الصحابة ﵃ وأرضاهم، ومعادلة صعبة جداً حققوها بسهولة ويسر، عندما ساروا على منهج الله . إن الدنيا في حقيقتها لا تساوي عند الله شيئاً، ومن ثم فهي لا تساوي عند المؤمنين بالله شيئاً، فلا يجوز التصارع من أجلها، ولا يجوز التشاحن والبغضاء من أجل جزء منها ولو كان عظيماً في أعين الناس، وفي ذات الوقت لا يجوز اعتزالها وتركها وإهمالها، ولا يجوز التأخر فيها، ولا يجوز تركها غنيمة في أيدي أعداء الدين. إذاً: لنتأمل كيف فقه الصحابة هذا الفقه المستنير لحقيقة الدنيا؟ وكيف حققوا هذه المعادلة الصعبة، بل المستحيلة في أعين الكثيرين؟ إن هناك من الناس من يقول لك: إما دنيا وإما آخرة، ولا ينفع أن تعمل للدنيا والآخرة في نفس الوقت! وعليه فكيف تكون من طلاب الآخرة، وأنت تعمل في الدنيا وتكافح وتتزوج وتكسب وتفرح وتضحك!؟ إن الصحابة الكرام وصل إليهم هذا الفقه العميق والدقيق عن طريق معلمهم ﷺ ، ومعلم البشرية أجمعين ﷺ ، فوصل إليهم عن طريق كلماته وأفعاله ﷺ ، وعن طريق ما نقله عن رب العزة من آيات ومعجزات القرآن الكريم، فقد كانت حياته ﷺ تطبيقاً حياً دقيقاً لكل كلمة قالها ﷺ .

стр. 65

حقيقة الدنيا ما هو حجم الدنيا الحقيقي؟ روى مسلم عن المستورد بن شداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بن سعيد إلى السبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع)، وانظر إلى ما ترجع به الإصبع. فهذا هو حجم الدنيا بالنسبة للآخرة، فالدنيا بأموالها وأملاكها وأرضها ومتعتها وزهرتها ما هي إلا قطرات في الآخرة، والدنيا بكل ما فيها من جنيهات ودولارات وريالات، وكل ما يتعلق به القلب لا تساوي إلا قطرات قليلة بالنسبة لليم إذا قورنت بالآخرة، هذا هو حجم الدنيا، فهل نحن نفهم الدنيا بالحجم هذا، أو أنا أعطيناها حجماً أكبر من هذا الحجم الطبيعي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة)، أي: أنه جلس في فترة القيلولة تحت ظل شجرة، ثم قال: (في يوم صائف، ثم راح وتركها)، فحياتك على الأرض كفترة القيلولة التي أخذتها تحت ظل شجرة في صحراء واسعة جداً مررت بجانبها في يوم من أيام حياتك، واليوم قد مضى وانتهى من زمان، فقارن عمرك في الأرض بالفترة التي سوف تعيشها في القبر بعد ذلك، وقارن كل هذا بالخلود في الآخرة، فهناك أناس في قبورهم منذ ألف سنة أو ألفين أو خمسة آلاف، وأنت مهما عشت فكم سوف تعيش؟ ما بين ستين سنة إلى مائة سنة، وبعد هذا العمر ما الذي سيحصل؟ تذهب وتترك هذه الدنيا، وعند البعث يوم القيامة كيف سيكون الوضع؟ لا يوجد موت آخر، وإنما خلود ولا موت، وعيشة إلى ما لا نهاية، إما جنة وإما نار، وأي شيء فيه ما لا نهاية فكم سيساوي؟ يقول علماء الرياضيات: يساوي صفراً، أي: أنه عندما تقول: حياتك على وجه الأرض كما لو كان أحد يأخذ قيلولة فقط تحت ظل شجرة في يوم من الأيام، فهذه مبالغة؛ لأن هذا كثير جداً، فأنت أقل من هذا، فهذه الفترة تساوي صفراً؛ لأنها تقاس إلى ما لا نهاية يوم القيامة. وروى مسلم عن جابر ﵄: (أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، والناس كنفتيه أو كنفيه)، روايتان في ذلك، يعني: أن الناس يحيطون به، من هؤلاء الناس؟ إنهم الصحابة، هذا الجيل الذين نريد أن نقلدهم، فأراد الرسول ﷺ أن يعلمهم درساً عملياً: (فمر ﷺ بجدي أسك ميت)، أي: أن أذنيه صغيرتين، والجدي ذو الأذنين الصغيرتين يكون جَدياً معيباً، والناس لا تشتريه حتى وإن كان حياً فكيف إذا كان ميتاً؟ (فتناوله ﷺ فأخذ بأذنه)، أي: أنه مسك بالأذن ليعرّف الصحابة بأن هذا الجدي فيه عيب، ثم قال ﷺ : (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)، أي: من يشتري هذا الجدي الذي به عيب وهو ميت أيضاً بدرهم؟ اسأل نفسك نفس السؤال لتعرف ماذا كان رد الصحابة: أتريد أن تشتري جدياً ميتاً في الشارع سواء كان معيباً أو غير معيب بجنيه أو بنصف جنيه؟ (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال ﷺ : أتحبون أنه لكم؟ -أي: بدون أي مقابل من المال- قالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت؟)، فهم ظنوا أن الرسول ﵊ لا يعرف بالعيب، فأرادوا أن يوضحوا له الرؤية فقالوا له: إنه لو كان حياً فلن نأخذه، فما بالك وهو ميت؟ والرسول ﷺ يعرف أن الجدي أسك وفي نفس الوقت ميت، فقال ﷺ : (والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)، أي: أن الدنيا كلها أهون على الله من هذا الجدي المعيب الميت، فلماذا نحن نتصارع من أجل هذه الدنيا؟ ولماذا نخسر بعضنا من أجلها؟ ولماذا نظلم بعضنا من أجلها؟ ولماذا نجد أناساً يكافح مدة عمره فيظلم ويغش ويعصي من أجل أن يكسب كرسياً أو شقة أو وزارة أو ملكاً في هذه الدنيا؟ مع أن الدنيا كلها أرخص من جدي أسك ميت لا يساوي درهماً ولا أقل من درهم. أترون كيف كان المثل الذي ضربه الرسول ﷺ للدنيا؟ فلماذا كل هذا الصراع على الدنيا؟ لأن الناس لم تفهم قيمة الدنيا، فهي مشغولة بالمظهر عن المخبر، ولا تعرف حقيقتها، ولم تعمل المقارنة بين الدنيا والآخرة، وذلك هو الجهل والحمق والغفلة، والمهم أن الناس ضائعة؛ لأنها لا تستطيع أن تفهم القيمة الحقيقية للدنيا، ولو فهمت فعلاً لم يكن هذا هو حالها أبداً. روى الترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، أي: أن الدنيا لا تعدل بعوضة كاملة، بل لا تعدل ولا تساوي جناح بعوضة، لكن نحن نرى الكفار يشربون ماء في

стр. 66

قصة قدوم أبي عبيدة بن الجراح من البحرين بالجزية تأملوا إلى هذه القصة اللطيفة التي رواها الإمام البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ وأرضاه يقول: (بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى البحرين)، أي: ذهب إلى البحرين ليأتي بالجزية، والبحرين شرق الجزيرة، وليس المقصود بالبحرين مملكة البحرين حالياً. وكان يعيش هناك مجوس يدفعون الجزية لرسول الله ﷺ ، فذهب أبو عبيدة بن الجراح إلى هناك وأتى بالجزية إلى رسول الله ﷺ ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ ، والمدينة المنورة لها ضواح كثيرة، وكل ضاحية فيها مسجد يصلي الناس فيه؛ لأن بيوتهم كانت بعيدة عن مسجد رسول الله ﷺ الذي في وسط المدينة المنورة، فلم يكونوا يصلون الصبح والعشاء مع رسول الله ﷺ ، بل كانوا يصلونها في مساجدهم، ويأتون فقط في الأمور الجامعة، أي: أنه من الممكن أن يأتوا في صلاة الجمعة أو في صلاة العيد أو عندما يكون هناك استنفار لأمر ما، فهم في هذه المرة سمعوا بقدوم أبي عبيدة فوافوا رسول الله ﷺ في مسجده في صلاة الصبح، فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له، أي: أنهم اعترضوا له في الطريق والرسول ﷺ خارج من صلاة الصبح، وهو يرى أن هؤلاء الناس ليس من عادتهم أن يصلوا الصبح معه في مسجده، فلما رآهم النبي ﷺ وعرف سبب مجيئهم تبسم رسول الله ﷺ في وجوههم وقال: (أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله! قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم) أي: أنه سوف يعطيهم ما يشاءون، لكن في نفس الوقت سيعطيهم درساً تربوياً في غاية الأهمية، فهو ﷺ يستغل الفرصة لذلك، ففي البداية ابتسم لهم وقال لهم: أبشروا وأملوا، ومن ثم أعطاهم الدرس فقال ﷺ : (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا)، أي: أن الذي يخاف عليهم منه هو الدنيا، ولو بقوا فقراء فإنه لا يخاف عليهم، لكنه يخاف عليهم من المال، ويخاف عليهم من الدنيا، تجد الفقراء مستريحين، لكن الأغنياء غير مستريحين، فتراهم يتساءلون: بكم الدولار في هذا اليوم؟ لماذا الناس تطمع فيِّ؟ فلان هذا يريد أن يكون أفضل مني، فلان أمواله كثرت على أموالي، فكيف أن أنافسه؟ كيف أضربه في السوق؟ كيف أدفعه من أمامي؟ كيف أتملك وأسيطر؟ فالغني لا يستطيع النوم ولا الراحة؛ لأنه في قلق وحيرة وهم، والفقير ينام في الشارع وهو في منتهى الأمان، بينما الملك أو السلطان يحيط به الحراس الكثيرون من الجنود والكتائب ومع ذلك ينام وهو خائف، فهو يتلفت يميناً وشمالاً، يا ترى هل أحد سوف يعمل لي أي شيء؟ هل هناك من يدبر لي أي شيء؟ تجده في خوف وجزع وهم. فهذه هي الدنيا، وانظر إلى الفقير كيف هو فيها، وانظر إلى الغني كيف هو فيها أيضاً. إذاً: ما هي السعادة؟ وكيف يمكن أن يكون الشخص سعيداً وهو حيران كل هذه الحيرة، وقلق كل هذا القلق؟ (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم)، ما الذي سوف يحصل إن بسطت علينا الدنيا؟ تأمل هذا الكلام الحكيم، يقول: (فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلككم كما أهلكتهم)، فنجد هنا أن الرسول ﷺ يخاف علينا من الدنيا، ولم يكن هذا التحذير مرة أو مرتين في حياة الرسول ﷺ ، بل كان كثيراً جداً؛ فقد كان كلما جلس مع الصحابة خوفهم من أمر الدنيا.

стр. 67

تحذير النبي ﷺ لأصحابه من الدنيا روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)، فلم يكن يخاف عليهم من فارس أو الروم، ولم يكن يخاف عليهم من المشركين أو اليهود؛ لأن هذه الأشياء يستطيعون أن يتصرفوا معها، وإنما الخوف عليهم هو من الدنيا. فانظر إلى نفسك في حياتك، فمن المؤكد أنها قد مرت بك ظروف أو مرت بك أمثلة في الدنيا، فرأيت شخصاً كان مريضاً وكان طائعاً لربنا ، وعندما أغناه ما الذي وقع؟ كثير منهم ابتعدوا عن طريق الله ، ونحن نرى هذا كثيراً جداً، وربما يكون قد حصل معنا شخصياً، نسأل الله السلامة. وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة)، أي: أن الدنيا حلوة، وشكلها أخضر كالنبات الجميل الزاهي، لكن هل هناك نبات مهما كان جماله يبقى على الدوام؟ مستحيل، فكل نبات مصيره إلى الفناء ومصيره إلى أن ييبس؛ وهكذا الدنيا حلوة خضرة وسوف تنتهي، ثم يقول: (وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون)، وانظر إلى هذا الفهم العميق، فالله قد استخلفنا في هذه الدنيا وهو مراقب لنا في كل خطوة، وما الدنيا إلا اختبار وابتلاء وامتحان، وهذا هو الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا أبداً، فنحن في اختبار دائم، ونحن في اختبار مستمر، والدنيا عبارة عن استخلاف للابتلاء والاختبار، فكل حركة لك في الدنيا ينظر إليها الله، فهل أنت مشيت يميناً أم شمالاً، فلو قال لك: امش يميناً فمشيت فلك حسنة، ولو مشيت شمالاً عليك سيئة، وعُدَّ على هذا جميع خطوات حياتك، فالدنيا اختبار، ولهذا سيأتي في نفس الحديث القليل في كلماته والعميق جداً في معانيه، يقول: (فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) قد يُفتن الإنسان أولاً بالمال أو بالمنصب أو بالسلطة أو بالصحة أو بالقوة أو بأي فتنة أخرى، ثم تأتي جميع الفتن عندما يقع في فتنة من هذه الفتن، نسأل الله السلامة. إذاً: مع أن الحديث قليل جداً في كلماته لكنه عميق جداً في المعنى الذي يوضحه، فالدنيا شكلها جميل ومبهر لكنها إلى زوال، والله جعلها هكذا جميلة في مظهرها الخارجي؛ لتكون اختباراً حقيقياً للناس، فاحذر يا مؤمن أن تنشغل بجمال الدنيا عن امتحانها، الغاية أنك تدخل الامتحان، وليست الغاية أن تنبهر بالجمال الموجود في الدنيا، والمثال يوضح ذلك: فلو أن طالباً دخل قاعة الامتحان، ثم وزعت بعد ذلك ورق الامتحان، فجلس مبهوراً بحلاوة شكل الورقة وطريقة طباعتها، ونوع المادة التي صنعت منها الورقة، ولون الطباعة والتخطيط الذي في الورقة، وبقي على هذه الحال ساعة وساعتين وثلاثاً حتى انتهى الوقت، ثم قال له شخص: انتهى الوقت ولا يوجد وقت إضافي، عند ذلك لا يستأخر ساعة ولا يستقدم، فما هو رأيكم في هذا الطالب؟ أنا لا أريد منكم استغرابكم من هذا الطالب؛ لأن كثيراً منا مثل هذا الطالب، وكثيراً منا من ينبهر بشكل الورقة وينسى الامتحان، وكثيراً منا من ينبهر بشكل الدنيا وينسى الامتحان، ثم يأتي في وقت ينتهي فيه الامتحان ولا يوجد هناك رجوع ولا يوجد وقت إضافي، وكذلك عندما تنتهي الدنيا تنتهي، سواء كانت هذه النهاية بنهايتك شخصياً أو بنهاية الأرض كلها، ولا يوجد أحد في هذه الأرض سيخلّف: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] لا يمكن ذلك، فهذه الحقائق لا بد أن نعيها جيداً، والرسول ﷺ قد اجتهد مرة ومرتين وثلاثاً وعشراً وعشرين على أن يعلمها الصحابة ويعلمنا بعد هذا، فانتبه يا مسلم! أن تنسى هذه الحقائق. وتأملوا إلى الرسول ﷺ وهو يمشي خارج المدينة مع أبي ذر ﵁ وأرضاه، فأخذا يمشيان حتى وصلوا إلى جبل أحد خارج المدينة، روى البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: يا أبا ذر أي جبل هذا؟ قلت: أحد، فقال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصده لدين)، يعني: امتلاك جبل من الذهب ليس من أسباب السعادة والسرور، لكن أنا أحتاجه فقط في حالتين: الحالة الأولى: (إلا شيئاً أرصده لدين)، والحالة الثانية: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه)، أي: أنه يوزع هذا الجبل

стр. 68

حال النبي ﷺ مع الدنيا لم يكن الرسول ﷺ يحذر الناس من الدنيا ثم يتنعم هو بها، أبداً، فانظروا إلى الصحابة كيف كانت تصف حياة الرسول ﷺ ؟ روى مسلم والترمذي وأحمد وابن ماجه واللفظ لـ ابن ماجه عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (رأيت رسول الله ﷺ يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل -والدقل: رديء التمر- ما يملأ به بطنه)، فكيف من الممكن بعد هذا أن تَكْبُر الدنيا في عيني عمر بن الخطاب وفي عيون الصحابة، لكن تعال وقل ألف كلمة وألف خطاب وألف مقال عن الزهد من غير تطبيق، ليس من الممكن أن يكون لها أي قيمة، فالذي جعل لكلام الرسول ﷺ قيمة كبيرة جداً أن حياته كانت مثالاً عملياً لكل كلمة يقولها ﷺ . وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)، أرأيتم ما الذي حصل بعد هذا؟ لقد تغيرت الدنيا على الرسول ﷺ ، ذاك الذي كان مُطارداً ومُشرّداً ولم يجد أحداً ينصره، لقد أصبح رئيس دولة، وأصبح مُمَكَّنٌ في الأرض، وأصبح عنده بيت مال، وتأتي له الغنائم والجزية من أماكن كثيرة جداً، فكل الدنيا قد تغيرت من حوله، لكن ﵊ لم يتغير إلى أن مات، وتأمل عند موته ما الذي حصل؟ فقد روت السيدة عائشة ذلك فتقول: (توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد)، يعني: أي خلق من إنسان أو حيوان، فهو يشمل جميع الخلق، (وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي)، أي: كل الذي كان عندي هو شطر شعير في رف لي، وأين ذلك؟ في بيت زعيم الأمة وقائد الدولة، ولا تستغربوا من ذلك فالرسول ﷺ يعرف قيمة الدنيا، والذي يستغرب منه حقاً هو الذي يؤمن بالآخرة وحجمها ولم يعمل لها، وهو الذي يعمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والليلة في الدنيا وهو يعلم أنها زائلة، وما أنفق في سبيل الله ساعة وهو يعلم أن الآخرة باقية!! هذا الذي بالفعل يستغرب منه، ولا يستغرب من واحد يعرف أن الدنيا كلها قطرات، ولهذا لم يأخذ منها شيئاً وتركها، فهو سائر عمره يركز على أمر الآخرة. ومع كل هذا الوصف لحياة رسول الله ﷺ ، إلا أنه ﵊ كان يعيش حياة متوازنة، فكان يعمل ويتكسب المال، وكان إذا أفاء الله عليهم بفيء كان له خمسه، والفيء: هي الغنيمة التي تأتي من غير قتال، وكان يتزوج النساء، وكان يُنجب الأطفال، وكان إذا حضر الطعام وفيه شاة أكل من كتفها، وكان إذا أُهديت له بردة من الصوف لبسها ﷺ ، ولم يكن يعتزل الناس أو يعتزل الحياة أو يعتزل الدنيا مع كل هذا الكلام عن الدنيا، وكان يجعل أصحابه على الولايات، وكان يعطيهم من الأموال، وكان يأمرهم بالعمل، وينهى ﷺ عن الكسل والخمول والدعة فقد كان يعمل في الدنيا أي عمل مهما كان بسيطاً، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس)، وفي راوية: (خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) فانظر إلى هذا التوجيه النبوي، فلو عملت حمّالاً أو بيّاعاً للحطب فليس عيباً ولا حراماً، فهذا خير من أن تمد يديك إلى الناس، وتأمل إلى الجمال في التعليم النبوي: (فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق)، فليس فقط يأكل، لكنه يأكل ويتصدق، فيُصبح له فضل على غيره، فبدلاً من أن تمد يديك إلى الناس اعمل وتصدق على الناس، ولا تقعد في البيت عاطلاً؛ فالرسول ﷺ كان يشجع الناس على العمل، ومع كل هذا التخويف من أمر الدنيا إلا أنه يأمرك ألا تقعد في البيت من غير شغل. فهذا هو التوازن الذي كان يقصده الرسول ﷺ في حياته، وبهذه النظرة المتوازنة انطلق الصحابة في أرض الله يعملون ويتكسبون، وينفقون على أنفسهم وأهليهم، ويتاجرون، ويزرعون، ويجاهدون في سبيل الله، ويُصيبون الغنائم، ويتولون المناصب والقيادات، ويخالطون الناس وغير ذلك، ومع ذلك لم تمثل لهم الدنيا شيئاً في أعينهم، فما أسهل بذلهم لها في سبيل الله، وما أيسر تنازلهم عنها لإخوانهم، حتى لمن لا يعرفون.

стр. 69

نماذج من تعامل الصحابة مع الدنيا وقصة عزل خالد تعالوا لنعيش مع الصحابة في تعاملهم مع الدنيا، ونتعلم من الصحابة كيف كانوا يتعاملون مع الدنيا، وسنتحدث عن قصة سبق وأن تحدثنا عنها بالتفصيل في فتوح الشام، وأعطينا لها درساً كاملاً، إنها قصة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه عندما عزله عمر بن الخطاب ﵁ في أول توليه للخلافة، عزله وهو في قمة انتصاره الساحق على جيوش الإمبراطورية الرومانية الرهيبة، وكان ذلك بعد موقعة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون بقيادة خالد بن الوليد ﵁، فقد كان عدد الروم مائتي ألف رومي، وعدد المسلمين تسعة وثلاثين ألفاً. ولننظر إلى عظمة جميع المشاركين في هذا الحدث، وهو حدث عزل خالد بن الوليد ﵁، ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.

стр. 70

موقف عمر بعد عزله لخالد تعالوا لننظر إلى عظمة عمر بن الخطاب الذي عزل خالد بن الوليد، قال عمر بن الخطاب: إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا عن خيانة، ولكن الناس فُتنوا به، فخشيت أن يوكلوا إليه ويُفتنوا به، فتأمل إلى فهم وتفكير عمر بن الخطاب، فقد كانت فتوح الشام وسيلة لدخول الناس الجنة، لكن إن كانت هذه الوسيلة ستبعدنا عن الجنة فليس من الضروري فتحها؛ لأن القضية في حياة المسلمين ليست معركة أو موقفاً أو جيشاً، لا، وإنما القضية قضية دنيا وآخرة، فالناس قد فُتنت بـ خالد ﵁، واعتقدت أن النصر من عنده وليس من عند الله ، فكلما كان خالد بن الوليد موجوداً ينتصرون، وإذا كان خالد بن الوليد في مكان آخر يُغلبون. إذاً: فالنصر جاء من عند خالد! وهذا الفهم في منتهى الخطورة على عقيدة الناس، ولأن سيدنا عمر بن الخطاب حريص على حياة الناس في الجنة وليس على حياتهم في الشام عزل خالد بن الوليد وهو في أشد الاحتياج إليه، فجيوش المسلمين موزعة بين فارس والروم، ونصر خالد نصر لـ عمر بن الخطاب، وكل الأراضي التي أدخلها خالد بن الوليد في ملك المسلمين، هي في ملك عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فليست المشكلة أن الأراضي تزيد، ولا الانتصارات تتوالى، وإنما القضية قضية دنيا وآخرة، فيا ترى هل هؤلاء الناس الذين سيكسبون المعركة من أهل الجنة أم من أهل النار؟ هذه هي القضية التي شغلت عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وليس عمر بن الخطاب ﵁ الذي يعزل خالداً من أجل مشاكل شخصية أو خلافات قديمة، كما يقول بعض المستشرقين، أو بعض الناس التي فُتنت بمناهج المستشرقين، وليس عمر الذي يضحي بجيشه من أجل أشياء كانت بينه وبين خالد ﵁ وأرضاه، ويُعلم أيضاً من سيرة عمر بن الخطاب أن الدنيا قد غيّرت في حياة كثير من الناس، لكنها لم تغير شيئاً في عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. إذاً: فالقضية أن حسابات الدنيا في ذهن عمر لا تساوي شيئاً إلى جوار حسابات الآخرة، فنأخذ الجيوش ونفتح البلاد، ونأخذ الغنائم والسبايا، ونعيش في الدنيا، لكن ليس على حساب الآخرة أبداً، فأوقف عمر الفتوح في فارس سنة سبع عشرة للهجرة؛ لسبب عجيب، وأنا أعتقد أنه لم يتكرر في الأرض ولا مرة إلا في تلك المرة فقط، ألا وهو كثرة الغنائم، فقد فُتن الناس بالدنيا وتغيروا، فأوقف الفتوحات والانتصارات وحافظ على المسلمين من الدنيا؛ لأنه لم ينس كلمة الحبيب ﷺ : (فاتقوا الدنيا)، فهو على حذر تام طيلة حياته من الدنيا، ولهذا عزل خالد بن الوليد لكي لا يُفتن الناس بالدنيا. فانظروا إلى هذا الفهم العميق الذي كان عند عمر بن الخطاب ﵁، وانظروا إلى هذه التضحية العظيمة، فقد ضحى بعزل أكبر قائد من قواته وفي أحرج اللحظات، فهذا هو القائد الناجح، وهذا هو القائد المسلم الذي ينفع أن يكون قائداً في المسلمين.

стр. 71

موقف أبي عبيدة بن الجراح ﵁ من عزل خالد ننتقل إلى موقف أبي عبيدة بن الجراح الذي عُين قائداً بدلاً من خالد بن الوليد ﵁، ولنرى موقف الزعيم الجديد للشام، فقد أصبح رئيساً لقطاع كبير من الدولة الإسلامية، فهو أمير الشام وما أدراك ما الشام؟ إنها من أغنى الولايات الإسلامية في ذلك الوقت بعد أن فُتحت، فعندما جاءه خطاب التعيين، ما الذي عمله مع هذا الخطاب المهم جداً؟ هذا الخطاب الذي معظم سكان الأرض يتمنى سطراً واحداً منه، فإن الإنسان ليتمنى أن يكون أميراً على شركة صغيرة أو على قطاع أو مصلحة، لكن ماذا كان حال أمير الشام؟ لقد كانت المفاجأة من أبي عبيدة بن الجراح أنه أخفى خطاب العزل لـ خالد بن الوليد، فهو لا يريد أن يكون زعيماً، ولم يُعلم خالد بن الوليد بذلك، ثم أتاه خطاباً آخر من عمر بن الخطاب. لأن عمر بن الخطاب كان يعلم أن أبا عبيدة سيأخذ الخطاب ويخبئه ويرفض الإمارة، لكنه ﵁ خبأ الخطاب الثاني حتى انتهت المعركة بقيادة خالد، ووصل الخبر إلى خالد بن الوليد من طريق آخر، أي: أن هناك شخصاً آخر أخبر خالداً بعزل عمر بن الخطاب له، وهو لم يكن يعرف بعد أن أبا عبيدة تم تعيينه أميراً على الجيش، فذهب مسرعاً إلى أبي عبيدة ليلومه على ذلك، فقال أبو عبيدة لـ خالد بن الوليد: وما سلطان الدنيا أريد، وما للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع. أي: ما ترى يا خالد من الملك والإمارة والسلطة سوف يذهب، وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله تعالى، سواء الحاكم والمحكوم، أو القائد والجندي، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه لا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة. أي: فتنة الإمارة وفتنة الدنيا. ثم قال: وأوقعهما في الخطيئة، لما يعرض له من الهلكة، إلا من عصم الله ، وقليل ما هم. أي: أن القليل جداً من الأمراء الذين لا يقعون في الدنيا، فلماذا أطلب الإمارة إذا كانت خطرة على ديني، وسوف تصعّب عليّ امتحان الدنيا؟ مسكين فعلاً هذا الذي لا يفهم حقيقة الدنيا. ثم قام أبو عبيدة وخطب في جيش المسلمين يعظّم من أمر خالد فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة)، فلا يظن ظان أن خالداً عُزل لنقص في دينه أو ضعف في رأيه، أبداً، فالرسول ﷺ بنفسه مدحه وسماه: سيف الله. انظروا إلى عظمة أبي عبيدة بن الجراح عندما يقول هذا الكلام في هذا الموضع، يعظّم من القائد الذي عُزل وهو قد جُعل في مكانه، وليس أن يذكر سيئاته السابقة وأنه كان يعمل كذا وكذا، بل يعظم من أمر خالد وغير مسرور لتولي الإمارة، لماذا كل هذا؟ لأنه يعرف قيمة الدنيا، ولو أنه لم يعرفها لكان فرحاً جداً بأنه قد أصبح أميراً على الشام.

стр. 72

عظمة خالد بن الوليد ﵁ وموقفه من عزل عمر له برزت عظمة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، هذا الرجل الذي كان في أعظم درجات الملك، وفي أعلى درجات التفوق والانتصار، فقد كان جيش المسلمين في الشام قبل أن يأتي خالد بن الوليد في أزمة خطيرة، ولم يستطع أن يحقق إلا نصراً يسيراً جداً، وظل شهوراً لا يستطيع أن ينتصر، بينما سيدنا خالد كان في العراق له انتصاراته الأولى والثانية والثالثة، ففكر سيدنا أبو بكر بنقل خالد من العراق لينقذ جيوش الشام، وعندما أتى خالد من العراق إلى الشام، وهو في طريقه إلى جيش الشام حقق خمسة انتصارات في الشام، وهذا قبل أن يقابل جيش الشام، وبعد أن قابل جيش الشام كانت موقعة اليرموك الخالدة، أي: أن سيدنا خالداً كان يعمل عملاً لا يستطيع أحد تصوره حتى الناس الذين يعيشون معه، سواء من الصحابة أو غيرهم، وهنا سيدنا أبو بكر يقول: أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد؟ فانظروا إلى خالد وهو في قمة هذا الانتصار يعزل، فماذا كان ردة فعله؟ إن خالداً في كل هذا الطريق وفي كل هذه الانتصارات لم يقل كلمة (أنا) مرة واحدة، بل كان دائماً ينسب الأمر إلى الله ، وتأمل إلى هذا الموقف في موقعة اليرموك لأحد الجنود المسلمين، إذ يقول بعد أن نظر إلى أعداد الروم الهائلة: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فسمعه خالد بن الوليد فقال له في ثقة شديدة، ثقة الرجل الواثق من ربه : اصمت أيها الرجل، بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بنصر الله ، وتقل الجنود بالخذلان لا بعدد الرجال، ووالله لوددت أن الأشقر -أي: فرسه- براء من توجعه وأنهم أُضعفوا في العدد. أي: وددت أن يكون فرسي سليماً والرومان أربعمائة ألف. فـ خالد بن الوليد عندما أتاه قرار العزل سلّم الراية بدون تردد إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال: ما عليّ أن أقاتل في سبيل الله قائداً أم جندياً. أي: ما دام أن ذلك كله في سبيل الله فلا فرق بين أن أكون قائداً أم جندياً؛ لأنه في النهاية كله في سبيل الله، والغاية هي إرضاء الله ، سواء أرضاه في كرسي الحاكم، أو في كرسي المحكوم، أو في كرسي القائد، أو في كرسي الجندي، ففي النهاية أنت ترضي الله . ثم قام يخطب في الجيش ويقول: بعث عليكم أمين هذه الأمة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) ولم يقل: بماذا فُضِّل عليّ؟ ولم يقل: ما الذي فعله أبو عبيدة قبل أن آتي من العراق؟ ولم يخبر أنه قد ظُلم بهذا القرار، مع أن كل الجيش كان يحبه حباً لا يوصف، لكن لو كان قال هذا الكلام لأحدث فتنة، لكنه لا يريد ذلك، ولماذا الفتنة؟ من أجل الدنيا، هو يعرف قيمة الدنيا، فهي لا تساوي عنده شيئاً. فقد خاض ﵁ معارك كثيرة جداً، حتى قيل: إنها قد تجاوزت المائة، وانتصر فيها جميعاً دون هزيمة واحدة، وغنم غنائم شتى، وربح أموالاً عظيمة، ولم يترك بعد موته إلا فرساً وسلاحاً وغلاماً فقط من كل هذه الدنيا، بل وأمر بإرسالها إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وقال: اجعلوها عُدة في سبيل الله، لكن من يستطيع أن يحمل سيفه بعد موته؟ من يستطيع أن يركب خيله؟ أين ذهبت أمواله وغنائمه؟ لقد أنفقها جميعها في سبيل الله، فقد كان جواداً عظيم الجود، كريماً واسع الكرم، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا عجب فهو تلميذ نجيب لرسول الله ﷺ . ما هو أكثر ما تمتع به خالد بن الوليد ﵁ في حياته؟ قال خالد بن الوليد: ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام أحب إليَّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية من المهاجرين، أصبّح فيها العدو. فهذه هي متعته في الدنيا، وليست السلطة ولا الإمارة ولا الأموال ولا النساء، بل الجهاد في سبيل الله، وليس أي جهاد، بل الجهاد الصعب الخطير في البرد والليل والجيش القليل والعدو الكثير، فهذا هو خالد بن الوليد وهذه متعته. وقال وهو على فراش الموت: لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني -أي: تمطر علي- ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال كلمته المشهورة وهو يبكي: لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وها أنا أموت حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء. فهذه حياة عظيمة خالدة، أتظنون أن ضرب السيوف أو رمي السهام لم يكن يؤلم خالد بن الوليد؟ بل كان يؤلمه، لكنه فقه حقيقة الدنيا، وعلم أنها أيام قليلة يقضيها ثم يموت، علم أن الله إن كتب علي

стр. 73

سلسلة كن صحابياً_ الصحابة والجنة الجنة هي النعيم الذي لا ينفذ، وهي التي دندن حولها النبي ﷺ والصحابة أجمعون، فاشتاقت نفوسهم إلى هذا النعيم الدائم، وتفاعلوا معها أعظم التفاعل، فضربوا لنا أروع الأمثلة في ذلك، فقدموا أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل الوصول إلى ذلك.

стр. 74

الجنة والخلود فيها مطلب كل مسلم أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان. الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فحديثنا في هذه المحاضرة الثامنة من محاضرات: كن صحابياً، عن موضوع في غاية الأهمية في حياة كل مسلم. وقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الصحابة والدنيا، وحديثنا في هذه المحاضرة سيكون عن الصحابة والآخرة، عن الصحابة والجنة. في الحقيقة هذه نقطة محورية فعلاً في بناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم، والأمة الإسلامية بكاملها. فيا ترى كيف فهم الصحابة حقيقة الجنة؟ وكيف كان تعاملهم مع حقيقة الجنة؟ عندما تدرس حياة الصحابة ستجد أن تفاعل الصحابة مع قضية الجنة مختلف جداً عن تفاعل معظم اللاحقين بعد ذلك، وأنا أعتقد أن هذا الاختلاف كان سبباً رئيساً من الأسباب التي أدت إلى أن جيل الصحابة وصل إلى هذه الدرجة السامية الرفيعة من الأخلاق، ومن الاعتقاد في الله ، ومن العمل في سبيل الله ، لذا كانت الجنة نقطة محورية في حياة كل الصحابة، لكن قد تجد أناساً كثيرين الآن من الذين لديهم علم كبير جداً من العلماء الأفاضل، ومن كبار الدعاة عندما يأتي ويتكلم عن الجنة تحس أنه يتكلم على شيء نظري، ولا تشعر في كلماته بالأحاسيس التي كان يشعر بها فالصحابي، فالصحابي حتى وإن كان بسيطاً في علمه، أو قليلاً في معلوماته، لكن عندما يعرف معلومة واحدة عن الجنة فإنها تبقى معه إلى أن يموت، حتى لو كان أعرابياً بسيطاً، وحتى لو كانت لغته ضعيفة مقارنة بكبار الصحابة، لكن كانوا يتأثرون بالجنة تأثراً قوياً جداً، وأنا أشعر أن هذا فارق جوهري؛ لذلك أتمنى أن يركز كل سامع لهذه المحاضرة مع هذه المعاني، وأن يعيش فيها معايشة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وأنا أعتقد أنه عندما تصبح الآخرة في أعيننا كما هي في أعين الصحابة ستتغير -ولا شك- مناهجنا في الحياة، وسنفكر بطريقة أخرى، وسنرتب أولوياتنا بطريقة أخرى، وسنسعد بطريقة مختلفة، وعلى أشياء ليست كالأشياء التي نسعد لها الآن، وسنحزن أيضاً بطريقة مختلفة، وعلى أشياء ليست كالتي نحزن عليها الآن. فيا تُرى من منا يحزن الحزن الذي يقعده في الفراش عندما تفوته تكبيرة الإحرام مثلاً كما كان يحدث مع بعض الصحابة؟ ويا تُرى كم فينا من يحزن على فوات قيام الليل؟ أو على فوات صلاة الفجر الذي هو أصلاً فرض من الفروض؟ وكم واحداً لو فاتته صلاة الفجر واستيقظ وقد طلعت الشمس يبقى حزيناً طوال اليوم؛ لأنه فاتته صلاة مفروضة كان عليه أن يصليها في وقتها؟! ويا تُرى كم فينا من يحزن على أن أحد أصحابه بعيد عن الله تعالى، وأن ربنا لم يهده بعد، وهو يحبه حباً شديداً ويراه على ضلالته، ويراه بعيداً عن الطريق، فهل سيحزن عليه حزناً حقيقياً أم أن الأمر لا يهمه؟ مثلما أن الناس يسيرون في الشارع يعبدون الله أو لا يعبدونه لا فرق عندنا! ويا تُرى من منا يحزن أن فاتته معركة في سبيل الله، أو جهاد في سبيل الله؟ الناس الذين يأتيهم إعفاء من الجيش هذه الأيام يفرحون بينما الصحابة الذين يفوتهم الجهاد في سبيل الله يحزنون على ذلك. وكم واحد منا حزين على فلسطين وعلى العراق وعلى كشمير وعلى الشيشان وعلى الصومال وعلى السودان وعلى غيرها من البلدان؟ إننا لو فهمنا ما معنى الجنة وما معنى النار مثلما فهم ذلك الصحابة؛ فإن كل شيء في حياتنا سيتغير تغييراً شاملاً، بل وكاملاً لمنظومة الحياة بكاملها. وتعالوا لنرى كيف كان تفكير الصحابة في الجنة؟ وكيف كانوا من أهل الجنة وهم ما زالوا على وجه الأرض؟

стр. 75

اشتياق ربيعة بن كعب الأسلمي للجنة فهذا ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه، له موقف يهزني فعلاً من الأعماق، حتى ولو تكررت قراءتي له فإنني سأقف مذهولاً أمام هذا العملاق ربيعة بن كعب ﵁ وأرضاه، مع أن كثيراً منا ربما لا يسمع عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ وأرضاه. ربيعة بن كعب هو: خادم رسول الله ﷺ وشاب صغير جداً، فعمره دون العشرين، وهو من أهل الصفة، وخبرته في الحياة قصيرة، ليس أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا أي واحد من الكبار الذين نسمع عنهم، وإنما هو من عوام الصحابة. وعلاوة على أنه صغير في السن، فهو من أهل الصفة، يعني: من الناس الفقراء جداً الذين ليس لهم بيوت، وإنما قد اتخذوا المسجد بيتاً، فيصرف عليهم أهل الخير في المدينة المنورة، وأيضاً ليس بمتزوج، بل إنه معدم لا يجد ما يسد رمقه في كل يوم، فلو كان أحدنا مكان ربيعة بن كعب ماذا كان سيتمنى؟ تخيل كم من الأحلام والآمال والأمنيات التي من الممكن أن تكون عند هذا الإنسان، لكن قبل ذلك اسمع معي هذه القصة التي وردت في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله جميعاً، يقول ربيعة بن كعب ﵁: (كنت أخدم رسول الله ﷺ ، وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع -طوال النهار هو شغال في خدمة النبي ﵊ حتى يصلي رسول الله ﷺ العشاء الآخرة -أي: صلاة العشاء- فأجلس ببابه إذا دخل بيته)، فالرسول بعد صلاة العشاء يذهب إلى بيته؛ لأن الحركة في المدينة المنورة تنتهي بعد العشاء بالنوم، لأجل يبتدئوا يومهم قبل الفجر بقيام الليل، ثم صلاة الفجر ويبتدئ اليوم بصورة طبيعية، ثم قال ﵁: (لعلها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة)، وانظر إلى أي درجة وصل التفاني في خدمة رسول الله ﷺ . قال ربيعة: فما أزال أسمعه يقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله وبحمده، وفي رواية: الحمد لله رب العالمين، يعني: طيلة جلوسه وهو في ذكر ﷺ ، يقول ربيعة: حتى أمل؛ فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقد، إما أن أمل من طول القيام وأذهب إلى المسجد للنوم، أو أبقى في مكاني وأنام على باب بيت رسول الله ﷺ من طول المقام. فالرسول ﵊ عندما رأى ربيعة وهو ذاهب وآت في خدمته، قال ربيعة: فقال لي يوماً -لما يرى من خفتي له وخدمتي إياه-: يا ربيعة! سلني أعطك، أي: اطلب يا ربيعة! تمن يا ربيعة! قل ماذا تريد؟ وتخيل نفسك مكان ربيعة ورسول الله ﷺ وهو رئيس المدينة المنورة ورئيس الدولة يقول لك: اطلب يا فلان! والذي تريده أنا سأحاول أن أوفره لك، سل يا فلان أعطك. ثم انظر إلى فقره وحاجته الشديدة؛ لا يجد ما يأكل أو يشرب أو يلبس أو يتزوج، والرسول ﷺ يقول له -وهو رئيس الدولة بالمدينة المنورة-: اطلب يا ربيعة! ولنتأمل ربيعة بن كعب ﵁ وأرضاه على هذا العرض المغري من رسول الله ﷺ ، يقول ربيعة: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله! ثم أعلمك ذلك، يعني: أعطني فرصة لأفكر، يقول ربيعة: ففكرت في نفسي فعرفت. وانتبه هنا وضع في ذهنك الخلفية التي صورتها لك لحالة ربيعة بن كعب الأسلمي من ناحية الإمكانيات المادية، ومن ناحية الوضع الاجتماعي في المدينة المنورة، يقول: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وتذكرون المحاضرة التي سبقت: الصحابة والدنيا، وانظر إلى هذا الشاب الصغير كيف أنه فاهم لحقيقة هذه الدنيا جيداً، يقول: فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقاً سيكفيني ويأتيني، أي: إن الله لن يتركني وسيكفيني ويأويني، يقول ربيعة: فقلت: أسال رسول الله ﷺ لآخرتي، إذا كانت الدنيا ستأتيني هكذا أو هكذا، والله قد كتب لي فيها شيئاً ما، فلماذا أسأله الدنيا؟ فتأمل ما مقدار ما يفكرون به، يقول: لو أن الله كتب لي رزق فسيأتيني، أو زوجة فستأتيني، أو بيتاً فسيأتيني، إذاً فلماذا لا أسأله عن الحاجات الصعبة على كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة، ألا وهي الجنة. قال: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي؛ فإنه من الله بالمنزل الذي هو به، أي: هو رسول الله الذي إذا سأل الله تعالى استجاب له، ثم قال: فجئت، فقال رسول الله ﷺ : ما فعلت يا ربيعة! أي: هل فكرت في الطلب الذي تريده؟ يقول ربيعة: فقلت: نعم يا رسول الله! فقال:
следующие страницы →