← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37382

كيف تصبح عالما

راغب السرجاني

Полный текст (119 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة كيف تصبح عالماً [١] العلم أعظم دعامة لقيام الأمم، فحين اهتم المسلمون الأوائل بالعلم سادوا الأمم، وحين تخلى المسلمون عن العلم قادهم وسادهم غيرهم من الأمم الكافرة، فهذه دعوة إلى الاهتمام بالعلم والقيام بإحيائه في الأمة بنوعيه: العلم الشرعي، والعلم الحياتي؛ حتى تستعيد الأمة الإسلامية مجدها وسيادتها على الأمم.

стр. 2

مقدمة في أهمية الصبر في طلب العلم وغيره أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. موضوع الحديث اليوم أعتبره من أهم الموضوعات التي يجب أن تنشغل بها الأمة، ولكن قبل البداية أحب أن أقدم مقدمة لا بد منها. يجب على الإنسان أن يقف ويتفكر ويتدبر في كل الأحداث التي مرت قبل ذلك بأمتنا ليخرج منها بالعبرة، واسألوا أنفسكم: لماذا نزلت الرسالة النبوية في بلد كمكة؟ ولماذا هاجر ﷺ إلى بلد كالمدينة، والجو -كما تعلمون- حار والصحراء قاحلة والمياه نادرة والهواء ساخن؟ نحن لا نستطيع أن نتحمل إلا بضعة أيام نقضيها في العمرة أو في الحج مع وجود المكيفات والمراوح ووسائل الرفاهية الكثيرة، فهذا يدل على أن الدعوة والأمة لا تنشأ إلا في جو صعب يربي الناس تربية قوية راسخة على تحمل المشاق في سبيل الله ، ونحن الآن وقوف في صلاة مع رب العالمين ، نسمع كلامه ونتوجه إليه بدعائنا، ومع ذلك ننشغل أحياناً بالحر وقطرات العرق الخفيفة جداً بالقياس إلى ما عاناه الذين بنوا هذه الأمة قبل ذلك، فالتقلبات الجوية من حر وبرد ما كانت تقف أبداً بأي حال من الأحوال أمام عظماء الأمة الذين أقاموا هذا البنيان الضخم، ما كانت تقف أمامهم في جهاد، ولا في صلاة، ولا في طلب علم، ولا في رحلة في سبيل الله لأي غرض يرضي الله ، وكلنا يعلم أحداث غزوة تبوك، حيث كانت في الحر، وكان الابتلاء فيها شديداً، والمسافة من المدينة المنورة إلى تبوك (٧٠٠) كيلو متر، ونحن نضجر ونتعب من المكوث ساعة أو ساعتين في مسجد به مراوح وبه بعض المكيفات وفي الليل؛ لأننا لا نتحمل هذا الحر؛ لو عُرض علينا أن نتجه إلى تبوك من المدينة سيراً على الأقدام، أي حال سيكون حالنا؟ هذه وقفة مع النفس، نحن ندرب أنفسنا، نحن لا نحرم المكيفات ولا المراوح وما إلى ذلك من وسائل الترف أو الرفاهية، لا نحرمها إن كانت من حلال وتستخدم في حلال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢]، ولكن إذا حُرمنا منها لا نضجر، بل نستكمل مسيرتنا في جهادنا، وفي طلبنا للعلم، وفي عبادتنا، ونحن نرجو ثواب ذلك عند الله . هذه الوقفة في هذا الحر لعلها تكون المنجية يوم القيامة، فيوم القيامة يكون الحر شديداً، والعرق غزيراً، فمن الناس من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً ويغرق في عرقه. وقفة في سبيل الله في هذا الحر قد تنجيك من حر يوم القيامة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة:٨١] لما قال المنافقون: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] كان الرد: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة:٨١]. فالصحابة ﵃ وأرضاهم قطعوا هذه المسافات من المدينة إلى تبوك في الحر الشديد، وكذلك فعلوا في البرد الشديد، وكلنا يذكر قول خالد ﵁ عندما قال: ما ليلة تزف إليّ فيها عروس أو أُبشّر فيها بغلام بأحب عندي من ليلة شديدة البرد في سرية من المهاجرين أُصبّح بهم أعداء الله هذه أعظم لياليه، ليلة شديدة البرد شديدة الجليد، لماذا هذه الليلة أحب لياليه؟ لأنها في سبيل الله، يصبّح بها أعداء الله. فهذا المجلس الذي تجلسونه الآن تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتتنزل عليه السكينة، ويذكرنا ربنا بأسمائنا وأعياننا في ملأ خير من هذا الملأ، أي نعمة هذه؟ إنها نعمة كبيرة فلا تشغلنا قطرات عرق ولا يشغلنا مكيف لا يعمل، ولا تشغلنا مروحة بعيدة في السطح، ولا شدة زحام، ولا كل هذه الأشياء التي أعد الانشغال بها من الترف، والترف مهلك حقيقة، وراجعوا تاريخ الأمم السابقة الهالكة تجدون أنها غالباً ما تكون أمماً مترفة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]. فالإنسان الذي لا يتحمل الحر ولا الجوع ولا البرد ولا الفقر ولا طول المسافات هذا إنسان قد يبيع كل شيء في سبيل ترفه وفي سبيل شهوته ودنياه، وقد يبيع دينه في سبيل ترفه هذا، فعلينا أن ندرب أنفسنا، فنحن في مجلس عظّم الله أجره وثوابه، وهذا المجلس بالذات مجلس العلم هو محور حديثنا في هذه الأيام المقبلة؛ لذلك وجب التنبيه على أهمية الصبر والتصبر في مثل هذه المجالس التي تحفها الملائكة.

стр. 3

العلم ودوره في بناء الأمة كلنا يشاهد ما يحدث لأمة الإسلام هنا وهناك، وجلسنا في هذا المجلس في هذا المسجد منذ شهور نتحدث عن مصابنا في حبيبنا ﷺ ، عندما رسمه الرسامون الدنماركيون بما رسموه، وجلسنا أيضاً في هذا المسجد قبل ذلك نتحدث عن الحصار الذي قام به أعداء الأمة لحماس عندما صعدت إلى الحكم في فلسطين، وجلسنا قبل ذلك بشهور وسنوات نتحدث عن أزمات مشابهة مرت في فلسطين وفي لبنان وفي العراق وفي أفغانستان وفي السودان وفي الشيشان، وهكذا، والآن سمعنا ما تحدث به البابا، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] تتوالى الضربات للأمة الإسلامية فلا بد من وقفة، لا بد أن نعرف ماذا يحدث؟ كنا قد حللنا أسباب ضعف الأمة الإسلامية التي تجرأ عليها عدوها بهذه الصورة في محاضرات سابقة. وسآخذ مرضاً واحداً من هذه الأمراض وأظن أننا لو عالجناه لكانت البداية صحيحة إن شاء الله رب العالمين، أنا منشغل هذه الأيام وقبلها بدراسة كيف تُبنى الأمم؛ سواء كانت هذه الأمم إسلامية أو غير إسلامية، هناك بعض الفروقات بين أمة الإسلام وغيرها من الأمم وهي فروق هامة، لكن هناك قواعد عامة تطبق على كل الأمم، كيف تُبنى الأمم؟ كيف تتحول أمة ضعيفة إلى أمة قوية؟ كيف تتحول أمة تابعة إلى أمة متبوعة؟ كيف ترفع أمة عن كاهلها الظلم والاستبداد والقهر؟ كيف بُنيت أمة الإسلام؟ وكيف بُنيت الأمم المعاصرة لنا من غير أمة الإسلام؟ سأراجع في هذه الدراسة الدول المعاصرة لنا إسلامية كانت أو غير إسلامية، التي تحولت في خلال خمسين سنة أو ستين سنة من دولة ضعيفة فقيرة مهيضة الجناح إلى دولة قوية لها كلمة مسموعة في العالم، ندرس في هذه التجارب مثلاً: تجربة كوريا الجنوبية، تجربة اليابان، تجربة ألمانيا، تجربة أمريكا، تجربة ماليزيا، تجربة إيران، بل ندرس تجربة إسرائيل التي زُرعت في باطن البلد الحبيب فلسطين، نسأل الله أن يحررها كاملة. هناك عوامل مختلفة كثيرة تؤدي إلى بناء أمة، منها على سبيل المثال لا الحصر: القوة، فالبلاد التي مُكّنت في الأرض ورفعت رأسها بلاد قوية في الأغلب، لكن هناك بلاد ضعيفة أيضاً عسكرياً ومع ذلك لها كلمة مسموعة، هناك الوحدة في الصف سواء في الدولة الواحدة أو بين أكثر من دولة، هناك الشورى أو عندهم الديمقراطية، هناك الأخلاق الحسنة، هناك الانتماء إلى البلد الذي يعيشون فيه، هناك عوامل مختلفة، لكن كل هذه العوامل لا يستقيم لها أن تبني أمة إلا بأساس هام جداً واحد، للأسف الشديد هذا العامل تفتقده الأمة الإسلامية الآن، وإن اكتسبته الأمة الإسلامية كما أمر به الشرع الحنيف، فإنها بإذن الله تبدأ أول الطريق، هذا العامل هو العلم. لا توجد دولة من الدول القوية التي رفعت رأسها في العالم وحسّنت من اقتصادها وقويت شوكتها واستُمع إلى كلمتها متخلفة في مجال العلوم. فالعلم أصل يجمع كل هذه الدول، وليس في هذا أي تعارض مع ديننا، بل تدبروا وتفكروا في ديننا، وأنا أهتم جداً بالإحصائيات والأرقام، وأهتم جداً بأوائل الأشياء، فما بالكم لو كانت هذه الأرقام وهذه الأوائل من الأشياء في كتاب ربنا وفي سنة حبيبنا ﷺ ، وفي سيرته العطرة عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة والتسليم؟!

стр. 4

منزلة العلم في الإسلام لابد أن نقف وقفة ونتفكّر: لماذا كان أول شيء نزل في هذه الرسالة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]؟ تدبروا وتفكروا، فالقرآن الكريم أكثر من ستة آلاف آية، من كل هذه الآيات اختار ربنا أن يكون مفتاح هذا الدين والبداية والأساس الذي تُبنى عليه الأمة هذه الآيات الخمس، تكررت في هذه الآيات الخمس كلمة العلم بمشتقاتها ثلاث مرات، وتكررت كلمة القراءة مرتان، وجاءت كلمة القلم مرة، كل هذا في خمس آيات قصيرة، ألا يُعطي لنا هذا التركيز انطباعاً؟ أليس من المحرج جداً لهذه الأمة أن تكون في ذيل المتعلمين والعلماء في العالم الآن، وهي التي افتُتح دستورها بهذه الآيات الخمس؟! هذا أمر يحتاج إلى وقفة حقيقية، وغريب أن تنزل هذه الآيات الخمس أول ما تنزل على رسولنا ﷺ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يقرأ ولم يكتب طيلة حياته، والله يعلم ذلك تماماً، ومع ذلك نزلت الآيات لتلفت الأنظار إلى أهم ما في هذا الدين وهو العلم، في الحقيقة هذا أهم ما في هذا الدين، وبعض الناس قد يعقد مقارنات مع الأخلاق وهي هامة، ومع العقيدة وهي أيضاً هامة، ومع الجهاد في سبيل الله وهو هام، وسنذكر الآن أن العلم يسبق هذه الأمور، العلم ضروري لكي تعمل كل هذه الأمور بشكل صحيح، فلو أنك أسست بيتاً وجئت فيه بثلاجة وبوتاجاز ومروحة وغير ذلك من أدوات المنزل الكهربائية، ثم لم تأت بالكهرباء ولم تأت بالغاز، كل هذه الأشياء الجميلة لا قيمة لها بالمرة ولا معنى لها، وبغير العلم لا قيمة للأخلاق، وبغير العلم لا قيمة للجهاد في سبيل الله، بل إن العقيدة تحتاج إلى علم، فقد قال ربنا : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فالعقيدة تحتاج إلى علم؛ لأن الذين عبدوا الله بظن ولم يعبدوه بعلم ضلوا وأضلوا، فوصل بهم جهلهم إلى عبادة أحجار من دون الله، ووصل بهم جهلهم إلى عبادة أبقار من دون الله، ووصل بهم جهلهم إلى عبادة بشر من دون الله، هذا هو الجهل وهذا هو العلم، وهذه قيمة العلم. إذاً: نزول هذه الآيات على رسولنا ﷺ وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ تلفت النظر إلى قيمة العلم، ونزلت هذه الآيات أيضاً في بيئة كبيئة العرب التي اشتُهرت بالأمية، ففي ذلك الوقت كانت أمة لا تكتب ولا تقرأ إلا أقل القليل، وكانوا متخلفين في معظم العلوم، اللهم إلا الشعر والبلاغة واللغة، ومن هنا جاء القرآن الكريم ليتحداهم في هذا المجال، لكن في معظم العلوم الأخرى كانوا في حالة جهل كبير جداً، لدرجة أن الله سمى الفترة التي تسبق الإسلام بالجاهلية فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، فالفترة التي سبقت الإسلام كانت فترة جهل، والتي بعد الإسلام فترة علم. فالإسلام ثورة علمية حقيقية، وتغيير كامل لمنهج الأمة التي كانت تعيش في هذه البقاع، ونقلة هائلة من أمة جاهلة لا تكتب ولا تقرأ ولا تخترع ولا تسبق غيرها، ولا تفكّر إلا في التبعية لفارس أو الروم أو غيرهما، من أمة جاهلة إلى دولة رائدة قوية تنشر الحق والعدل والإسلام والتوحيد في مشارق الأرض ومغاربها. أول خمس آيات تتحدث عن العلم، ولم يكن هذا فقط في الآيات الأولى من القرآن الكريم، بل كان مستمراً في كل الآيات، فقد قمت بإحصائية لكلمة العلم بمشتقاتها في القرآن الكريم ففوجئت مفاجئة كبيرة جداً، حيث إن كلمة العلم هي أكثر كلمة جاءت في كتاب الله بعد لفظ الجلالة، وهذه إحصائية لها مغزى ولها معنى، فالتركيز على كلمة العلم بهذه الصورة ليس أمراً عشوائياً أبداً، حاشا لله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] كل كلمة محسوبة، وكل كلمة في مكانها العلم بمشتقاته أتى في القرآن (٧٧٩) مرة بالضبط، والقرآن الكريم عدد سوره (١١٤) سورة، فيكون العلم قد ذكر أكثر من (٧) مرات في السورة الواحدة، قد تأتي في سور أكثر وفي سور أخرى أقل، لكن المتوسط سبع مرات في السورة، فأي تكريم للعلم؟! فالعلم بهذا المعنى هو أساس حقيقي لبناء الأمة، وأساس حقيقي لدخول الجنة: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة) فكل منكم أتى من مكان معين بعيداً كان أو قريباً، فمشوارك إلى هنا هذا طريق للجنة، وصبرك في هذا المكان هو صبر لدخول الجنة؛ لما جاء تصريحاً في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة). إذاً: أول ما نزل من القرآن يختص بالعلم، وأكثر كلمة بعد لفظ الجلالة هي العلم بمشتقاته، فأول ما خلق آدم عل

стр. 5

أنواع العلم العلم نوعان كما ذكرنا منذ قليل: علم شرعي، وعلم حياتي. وهذه العلوم الشرعية والحياتية تنقسم بدورها إلى نوعين: علم فرض عين، وعلم فرض كفاية. فرض عين، أي: يتعين على المسلم أن يعرفه، وفي بعض العلوم الشرعية يتعين علينا جميعاً أن نعرفها، يتعين علينا جميعاً أن نعتقد في الله اعتقاداً صحيحاً، وأن نعلم أنه قادر وحكيم وخبير، وأن نعلم أن رسولنا ﷺ قد بُعث بالحق، وقد بلغ عن ربه وما كتم شيئاً، وأن نعلم كيف نصلي وكيف نصوم وكيف نزكي، وما الذي ينقض صلاتنا، وما الذي ينقض صيامنا، وما الذي يجعل زكاتنا غير متقبلة أو غير صحيحة، وما الذي يجب أن نعرفه في أمور العمرة والحج لمن يعتمر أو يحج، وأمور الحلال والحرام، وبعض الدقائق لبعض المتخصصين. فمثلاً: لو أنك تاجر لا بد أن تعرف فقه التجارة؛ حتى لا تقع في حرام وأنت لا تعرف، ولو أنك طبيب لا بد أن تعرف فقه الطب الذي تعالج به؛ لئلا تضع المريض في حرج شرعي وأنت لا تعلم وهكذا، هنا فرض عين على بعض المسلمين الذي إذا تخصص في مجال لا بد أن يُبدع فيه. أما فرض الكفاية فهو إن قام به بعض أفراد الأمة كفى عن الآخرين، وعلى سبيل المثال: الهندسة فرض كفاية، لا بد للأمة أن تُخرج من أبنائها عدداً من المهندسين يكفون حاجتها، إن أخرجت الأمة هذا العدد رُفع الإثم عن الأمة ونجت في هذه النقطة، وإن نقص عدد المهندسين في البلد المسلم أثم الجميع، حتى يُخرج العدد الكافي للبلد وبهذا المفهوم ما أكثر الآثام التي توضع على أكتافنا؛ لأننا أحياناً نفكر في العلوم كعلوم شرعية فقط، مع أن العلوم الحياتية لا بد أن توضع في الصورة مع العلوم الشرعية، وسنفرد لها بإذن الله محاضرة خاصة. الشاهد من الأمر أنه يتعين عليك نوعان من العلوم: علم عام لا بد أن يعرفه الجميع، وعلم خاص في مجال تخصصك، من هذا المنطلق لا يستقيم لطالب أن يكون فاشلاً في مجاله وهو يطلب العلو والسمو لأمة الإسلام، ويدعو الله مبتهلاً أن تُرفع الغمة، وأن يُرفع الاحتلال وأن تسود الأمة ويُحكم بالقرآن، ثم هو متخلف في مجال صنعته ومهنته، أو في علمه الذي وكّل به. فهذا العلم فرض عين عليه في هذا الوقت، فالمهندس لا بد أن يكون عالماً بهندسته، والكيميائي كذلك، والمدرس كذلك، والطبيب كذلك، وكل مهنة إن كنت ضعيفاً فيها فأنت من أسباب ضعف الأمة بصفة عامة، وأنت آثم تحمل إثماً كبيراً بحجم التقصير الذي قصّرت فيه. وإن فشلت الأمة كما ذكرنا في إخراج العلماء الذين يكفون حاجتها أثمت الأمة بكاملها، وتخلفت عن ركب الحضارة، وقادها غيرها ووقعت في الأزمات والمشاكل، وسقطت من عيون الآخرين، فانتهكوا حرماتها واحتلوا أراضيها، وسلبوا ثرواتها، وضاعت الأمم بين أقدام الغزاة. هذه الدروس ليست دروس موعظة، ولكنها دروس بناء للأمة، تحتاج أن تأخذ المعلومة وتنطلق للعمل بسرعة، فالموت يأتي بغتة، ولو ضاع من العمر قبل ذلك عشر أو عشرون أو ثلاثون سنة في غير علم فابدأ الآن في مجال تخصصك، وليس هناك شيء اسمه انتهى من البكالوريوس ووقف عند ذلك، هناك شيء اسمه دراسات عليا، هناك ماجستير ودكتوراه وتفوق وإبداع، وهناك سبق واختراع، وهناك قيادة للآخرين، تذكروا قصة الدنمارك والمقاطعة مع الدنمارك وجميعنا قاطع الدنمارك والحمد لله، لكن الدنمارك تصنع جبناً وزبدة، وليس من المشكلة أن نقاطعها فعندنا بدائل كثيرة، كنت قد سألتكم سؤالاً: ماذا لو كانت الصور التي رُسم فيها حبيبنا ﷺ ظهرت في مجلات وجرائد الصين؟ من كان يجرؤ على رفع شعار: فلنقاطع الصين؟ صعب جداً، فحياتنا معتمدة على الصين الآن، وكل شيء من الصين في هذا الوقت، حتى فوانيس رمضان -وكل سنة وأنتم طيبون- تأتي من الصين، وبأغانيها الإسلامية، السجاد من الصين وعليها كتابات إسلامية، ساعة الأذان من الصين، يقول أحدهم وهو يتكلم بجدية: الحمد لله أن الله سخّرهم لنا، فهم يصنعون لنا كل شيء! وهو سعيد بهذا أيضاً، أقول: هذا ضعف شديد في الفهم، فهو أيضاً عندما يصنع لك هذا، فإنه يصنع سلاحاً وأنت لا تصنع، ويصنع كمبيوتراً وأنت لا تصنع، ويصنع طائرة وأنت لا تصنع، ما الذي ستفعله لو قاطعك هو؟! إذاً: فالذي نعطيه للبشرية كلها هو العلم، ونعلو فوق البشرية ونقودها بهذا العلم، وعلمنا خير للدنيا جميعاً، وسنتعرض لتاريخنا العلمي إن شاء الله في غضون هذه المحاضرات، وستعرفون كيف سادت أمة الإسلام العالم أجمع بالعلم أولاً، وهناك عوامل كثيرة، لكن لا بد من العلم. وخلاصة القول في هذه المحاضرة: أن الأساس الأول الذي بُنيت عليه أمة الإسلام، والذي بُنيت عليه الأمم الأخرى في زماننا وفي الأزمان السابقة هو أساس العلم، وبغيره لا تقوم أمة، ونتميز نحن المسلمين بأن عندنا العلم الحياتي نعظّمه ونجلّه، وكذلك العلم الشرعي الذي أوحى به ربنا إلى نبيه ﷺ ، ونزل في كتاب الله وفي سنة حبيبنا ﷺ ، فهذا تفتقده الأمم الأخرى، فتجد معايير الأخلاق والعقيدة والآداب عندهم مختلة بينما عن

стр. 6

سلسلة كيف تصبح عالماً [٢] بالمقارنة بين الدول العربية والإسلامية وبين الدول الأخرى في العلوم الحياتية نجد فجوة كبيرة؛ وما ذلك إلا لأن الدول العربية والإسلامية أهملت العلوم الحياتية إلا ما ندر، أما الدول الأخرى فقد اهتمت بهذه العلوم فقادت العالم، فعلى المسلمين أن يجعلوا العلوم الحياتية نصب أعينهم، وأن يعطوها حقها، حتى يتحرروا من التبعية لغيرهم من الأمم الكافرة.

стр. 7

مشاهدات وظواهر تتعلق بالعلوم الحياتية في واقع الأمة الإسلامية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. استكمالاً لما كنا نتحدث عنه في محاضرة العلم وبناء الأمم ذكرنا أن هناك نوعين من العلوم: علوم شرعية كالفقه والحديث والعقيدة وغيرها من علوم الشرع، وعلوم حياتية كالطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وغيرها من أنواع العلوم الحياتية. لا شك أن الذي يرصد حال الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة يجد أنه بفضل الله أن هناك صحوة إسلامية ملموسة؛ فنحن نشاهد المساجد ممتلئة وخارج المساجد أيضاً ممتلئ، والصبر على الصلوات الطويلة وختم القرآن, وصلاة التهجد والعبادات العظيمة التي كانت قد فترت عقوداً طويلة من الزمان قبل الصحوة الإسلامية الأخيرة. نرى بفضل الله الشباب المتحمس يقرأ ويتعلم ويدرس في كتاب الله ، وفي سنة حبيبنا ﷺ ، ويتفقه في الدين، بل منهم من يتخصص إلى جوار مهنته في هذه الأمور الشرعية، لا شك أن هذه صحوة تسعدنا، لكن لابد من الوقوف وقفة هامة جداً، هذه الوقفة الهامة هي مع العلوم الحياتية، ما حال أمتنا في العلوم الحياتية؟ ما حال أمتنا في علوم الطب والهندسة؟ لا شك أن أمتنا تعاني حالة من التردي في العلوم الحياتية، وليس هذا كلاماً عاطفياً، إنما هناك ظواهر ومشاهدات واستقراءات نريد أن نتحدث عنها اليوم، فأي مشكلة لها حل، وأول وسائل الحل أن تعرف الواقع، ليست هذه دعوة للإحباط ولا دعوة للتشاؤم؛ فعندما يأتي إلينا مريض يعالج من مرض كذا أو كذا لابد أن تعرف واقع المريض: هل عنده أمراض أخرى؟ عمره كم سنة؟ ما هي ظروفه؟ هل عمل عمليات قبل ذلك أم لا؟ أخذ أدوية أو لم يأخذ؟ إذاً نعرف واقع المريض حتى نصف له العلاج السليم. فحديثنا اليوم سيكون بالأرقام والإحصائيات والتقارير الرسمية في بلادنا، وفي بلاد العالم العربي والإسلامي، وفي العالم، هذه الإحصائيات والأرقام قد تكون مؤلمة، لكنه ألم لابد منه، إذا أردت القيام فلابد من معرفة الواقع. ذكرنا بالمحاضرة السابقة أن العلم أساس بناء الأمة، وأن أهم شيء في بناء الأمة العلم، فإن اختفى هذا العلم سقط البناء لا محالة، فلا أمل لأمتنا في قيام إلا بالعلم، لكن هناك فهم عند بعض المسلمين أو عند كثير من المسلمين الملتزمين أن هذا العلم هو العلم الشرعي فقط، فتهمل العلوم الحياتية ويهتم بالعلوم الشرعية.

стр. 8

عدم اهتمام الملتزمين بتخصصاتهم في العلوم الحياتية العلوم الحياتية يجب أن يهتم بها المسلمون، لكن الواقع الذي فيه المسلمون هل هم مهتمون حقيقة بها أم هم غافلون عنها؟ هذه مشاهدات وظواهر: الظاهرة الأولى: قمت بنوع من الرصد للمتفوقين دراسياً في أكثر من جامعة، فوجدت أن القليل جداً من المائة الأوائل في الكليات المختلفة في الأماكن المختلفة في البلاد المختلفة من بلاد المسلمين، القليل جداً يكون من الملتزمين إسلامياً، من أصحاب التوجه الإسلامي الواضح، نعم، هناك من يصلي هناك من يصوم، لكن لا يتخذ الإسلام منهجاً له في حياته، الذي يتخذ الإسلام منهجاً له في حياته ويتفوق ويسبق قليل، هذا أمر مشاهد وهذه حقيقة واقعة، بهذه الظاهرة نجد أن أصحاب التوجه الإسلامي أولوياتهم أثناء الدراسة مرتبة بصورة يبدو فيها خلل كبير، قد يهتم جداً بلقاء ديني أو مقرأة للقرآن وهذا طيب، لكنه لا يهتم أبداً بحضور محاضرة علمية في تخصصه، قد يهتم بالخروج في مسيرة أو مظاهرة وهذا أيضاً بضوابطه الشرعية طيب، لكن قد لا يهتم بالذهاب إلى مؤتمر علمي أو ندوة علمية أو محفل علمي يتعلم فيه أموراً لا يعرفها في تخصصه، قد يهتم بالقراءة في فروع الحديث والفقه والقرآن وغيرها من فروع العلوم الشرعية وهذا أيضاً طيب، لكنه لا يهتم في ذات الوقت بالقراءة في مجال تخصصه، نعم هناك رموز طيبة والحمد لله، لكن نحن نتكلم على عموم حال الأمة، النتيجة في آخر العام أن عدداً كبيراً من الطلاب الملتزمين ينجحون، لكن يأتي بمقبول أو جيد أو يسقط في مادة أو مادتين وقد يعيد السنة، والحجة أنه مشغول بدين الله ، أنه مشغول بالعمل في الدعوة إلى الله ، أقول: لا يستقيم أبداً أن يدعي مدع أنه داعية إلى الله ثم هو فاشل في علومه التي أوكلت إليه، وفاشل في الثغرة التي يقف عليها. فهذه ظاهرة ليست استثنائية نجدها في بلادنا وفي بلاد أخرى من بلاد المسلمين هذه واحدة.

стр. 9

خوف غير الملتزمين من الالتزام لاعتقادهم أن الالتزام يسبب الفشل في الدراسة الظاهرة الثانية: أن كثيراً من الطلاب غير الملتزمين بالتوجه الإسلامي يخشون الالتزام مخافة أن يكونوا مثل هؤلاء الملتزمين ودار بيني وبينهم حديث طويل عن أهمية العلم في الإسلام، فقالوا: كلام جميل على الورق وكلام نظري ليس له واقع في تطبيق حياة الملتزمين، ينظر غير الملتزم إلى ذاك الملتزم فيجد أنه في حالة متردية في الناحية العلمية، فيقول: ما وصل إلى هذه الحال إلا بسبب الالتزام، وهذا لم يلتزم وليس أصلاً مسلماً أو علمانياً أو غير ذلك من التوجهات الأخرى ثم هو يتفوق ويسبق ويتقدم، وهذه دول علمانية وتسبق الدول الإسلامية، وهذه دولة كافرة وتسبق الدول الإسلامية، وهذه دولة تعبد البقر وتسبق الدول الإسلامية، وهذه دولة تنكر وجود الإله أصلاً وتسبق الدول الإسلامية، هذه فتنة كبيرة جداً، لكنه واقع مشاهد.

стр. 10

ظاهرة تسخير غير المسلمين للمسلمين في العلوم الحياتية الظاهرة الثالثة: كنت مع أحد الإخوة من بلد عربي، وكنت قد أعطيت محاضرة عن أهمية العلم في الإسلام، وكان ذلك في أمريكا، وعلق بعد المحاضرة عن أنه لا ضرورة، ويتبنى هذا الرأي بقوة، ومعه مشجعون وجميعهم ملتزمون بالهدي الظاهر بالإسلام، ويقرءون كثيراً جداً في العلوم الشرعية، لكن الرأي عندهم أن الله قد سخر هؤلاء النصارى والمجوس والبوذيين والهندوس والشيوعيين وغيرهم سخرهم لتصنيع احتياجات المسلمين، وأعطى الله من فضله وكرمه المال للمسلمين، فالمسلمون عندهم مال والآخرون مسخرون لتصنيع الأشياء للمسلمين، انظروا هذا فكر معوج عجيب، اكتشفت أنه ظاهرة ليس من واحد، بل أصبح له مشجعون يرتاح إلى كثرة المال وإلى الشراء من هنا وهناك بماله، دون أن يفكر في تصنيع أو اختراع أو إبداع أو سبق أو ريادة لغيره في هذه العلوم الحياتية.

стр. 11

عدم اهتمام أهل الأموال الخيرين بالإنفاق على العلم وأهله كغيره من أوجه الخير الظاهرة الرابعة، ظاهرة أيضاً ملموسة بشدة وهي: طرق إنفاق المسلمين في أوجه الخير، قد يتحمس المسلمون جداً للإنفاق على بناء مسجد، لكن القليل الذي ينفق على بناء مؤسسة علمية، أو ينفق على طلبة العلم المغتربين، أنا أريد واحداً منكم يزور مدينة البعوث، ويرى الطلاب المغتربين القادمين من أفريقيا ليتعلموا في الأزهر أو في غيره العلوم الإسلامية وغيرها، ينظر إلى حالهم سيجد (١٠) و (١٥) و (٢٠) شخصاً يسكنون في حجرة أو حجرتين وهم في حالة متردية من الفقر والضياع، والواحد منهم سيتعلم ويعود إلى بلد لعله الوحيد الذي يعرف فيها الدين، ومع ذلك الإنفاق على طلبة العلم ليس وارداً عند كثير من أهل الخير من المسلمين، نعم هم أهل خير ويدفعون في سبيل الله أموالاً كثيرة، لكن لم يدخل العلم في بؤرة اهتمامهم فهم ينفقون على الفقراء والمساكين وعلى أمور أخرى عظيمة؛ لكن لا يفكرون في إنشاء مؤسسة علمية أو رعاية مثل هؤلاء الطلاب، أو إنشاء موقع إسلامي يرد الشبهات عن المسلمين، أو بناء مدرسة تربي المسلمين تربية صحيحة، سليمة على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، حتى في البلاد الغربية في أمريكا في المدينة الواحدة قد تجد (١٠) و (١٥) و (٢٠) مسجداً ولا تجد مدرسة واحدة، فيتعلم أطفال المسلمين في مدارس الأمريكان مع ما فيها من موبقات وأفكار منحرفة وبعد عن الدين كلية، ويضيع الأطفال والمسلمون مشغولون جداً ببناء مسجد عاشر أو عشرين أو ثلاثين ولا يجتمعون لبناء مدرسة، العلم ليس في بؤرة الاهتمام. حديثنا اليوم في هذه المحاضرة لو خرجنا فقط بوضع العلم في بؤرة اهتمامنا حتى دون معرفة الوسائل لتحقيقه فهذا أمر جيد، ونقلة هائلة أن نصبح من المهتمين جداً بقضايا العلم والتعليم في الأمة الإسلامية، والوسائل بعد ذلك بإذن الله كثيرة، والموفق من وفقه الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] إذاً: ينبغي لنا أن نعرف أن هذه قضية مهمة تحتاج إلى بذل وقت وجهد وفكر وعرق ومال وحياة، تبذل حياتك لأجل هذه القضية العظيمة الهامة.

стр. 12

هجرة العقول الإسلامية إلى بلاد الغرب الظاهرة الخامسة: هجرة العقول الإسلامية من بلاد المسلمين إلى بلاد الغرب، وتسمى ظاهرة استنزاف العقول، فأي واحد فيه أمل أن يكون عالماً من العلماء، أو عنده رغبة وحماسة في التعلم يلتقط إلى بلاد الغرب ويبدع ويبتكر هناك، فيضيف قوته إلى قوتهم وعلمه إلى علمهم، وتتردى الحالة في بلاد المسلمين أكثر وأكثر، وهذا ليس مجرد واحد أو اثنين أو عشرة بل هذه ظاهرة. انظروا إلى البلاد الغربية ماذا تعمل لاستقطاب العلماء؟ عندما نضرب أمثلة من بلاد الغرب أو أمريكا لا نقصد أبداً الإحباط للمسلمين، لا، نحن نرفع واقعاً كما قلنا، الواقع قد يكون مراً، لكن لابد من معرفته لتغييره، لابد أن أعرف أسباب القوة عندهم وأسباب الضعف عندنا؛ لنعدل بعد ذلك من المسار، فنصبح نحن أقوياء ونسود العالم كما أراد لنا ربنا . فأمريكا في التسعينات أعطت (١٢) مليون تأشيرة هجرة إليها، وفي عام (١٩٩٥م) قاموا بتعديل في قانون الهجرة؛ لكي يستقطبوا العقول المفكرة والمبدعة في العالم، فخصصوا (٢٠٠) ألف تأشيرة سنوياً للعقول المبدعة، انظروا إليها تحاول أن تبني نفسها أكثر وأكثر، مع أن أمريكا رقم واحد في العالم في العلوم الآن؛ ومع ذلك أي عقل يظهر فيه نوع من الذكاء أو الإبداع تعمل له إغراءات حتى يأتي إليها، لا يأتي بعقد عمل ويعيش كالأجير عندهم، ولكن يعطى الجنسية ويعطى كل الصلاحيات، أحياناً المسلم يعيش في بلاد مسلمة سنوات وسنوات ولا يستطيع أن يحصل على هذه الجنسية، بينما إذا ذهب إلى أمريكا بتأشيرة الهجرة ثلاث سنوات ويحصل على الجنسية الأمريكية، ويصبح كأي مواطن أمريكي. نحن نريد أن نستفيد من كل الخبرات ما دامت لا تتعارض مع الشرع، ونحن المسلمون جنسيتنا مسلمة، قابلت واحداً في الكويت ليس معه أي جنسية أبداً، فهو يعيش من غير جنسية سموه بدون، يعني: بدون جنسية، يعيش في منطقة ما بين الكويت والسعودية والعراق؛ فقد قاموا بإحصائيات للسكان فسقط هذا وأمثاله من الإحصاء فلا هم عراقيون ولا هم كويتيون ولا هم سعوديون فأصبحوا بدون جنسية، عاش (٢٠) سنة في الكويت يحاول أن يأخذ الجنسية فلا يستطيع، ثم ذهب إلى كندا وظل سنة واحدة وأخذ الجنسية الكندية، وهو يعمل في الكمبيوتر، فكل إبداعاته في مجال الكمبيوتر لصالح كندا، هذه كارثة. وأمريكا كما ذكرت تعطي (٢٠٠) ألف تأشيرة سنوياً للعقول المبدعة، ولو حصل في سنة من السنوات أنها أعطت (١٥٠) ألفاً فقط فالسنة التي بعدها تأخذ (٢٥٠) ألفاً حتى تعوض النقص في العقول المبدعة، و (٢٠٠) ألف تأشيرة هذه يأتي منهم تقريباً (١٠٠) ألف من الهند؛ لأن الهند تفوقت جداً في مجال الكمبيوتر، بل سبقت حتى بعض الشركات الأمريكية، فأمريكا تأخذ (١٠٠) ألف مبرمج كمبيوتر من الهند سنوياً، فانظر مدى الإضافة إلى علوم الكمبيوتر في أمريكا ومدى الحرمان الذي ستعاني منه الهند بفقد هؤلاء، فأمريكا تفكر أن تستقطب العقول المفكرة لا أن تطردها بعيداً، تأتي بهم حتى وإن كانوا من دين مخالف ومن عقيدة مخالفة، وحتى وإن كان بينهم وبينهم عوائق كثيرة جداً، سواء كانت جغرافية أو مالية أو اجتماعية أو دينية أو عقائدية وغير ذلك من العوائق، كل ذلك يلتغي مع الإتيان بالعقل المتعلم الذي يرفع بلادنا عالياً أكثر وأكثر. (٥٠%) من الأطباء العرب يهاجرون إلى أمريكا وأوروبا، هذه الإحصائية مزعجة جداً بالنسبة لنا، وقد لا نصدقها، وليس في مصر فقط، بل في تونس والجزائر وسوريا والمغرب ولبنان وغيرها من البلاد العربية معظم الأطباء فيها يهاجرون إلى الغرب، وأصبحت هناك موضة في مصر من حوالي عشر سنين تقريباً، بدأت هذه الموضة وهي أن كل الطلاب عندنا في كلية الطب يجتهدون قدر الاستطاعة عمل المعادلة الأمريكية أو المعادلة الفرنسية أو معادلة جنوب إفريقيا، حتى جنوب إفريقيا، كذلك نيوزيلندا وأستراليا، ويحاول الطالب أنه يجد فرصة للخروج بلا عودة، الذي سينجح بقانون الانتخاب الطبيعي، أفضلهم سيهاجر، ويقعد هنا الذي لا يأتي بمجموع يؤهله للهجرة، (٥٤%) من الطلاب العرب الذين يدرسون في أمريكا وأوروبا لا يرجعون مرة أخرى، يذهب ليدرس دراسات عليا فلا يرجع مرة أخرى. (٣٤%) من أطباء بريطانيا من أصول عربية، ثلث الطب في بريطانيا قائم على العرب. (٢٣%) من أصول عربية أيضاً في بريطانيا من المهندسين. علماء الفيزياء والكيمياء في بريطانيا (١٥%) منهم من أصول عربية، كل هؤلاء عرب فقط، فكيف لو فتحنا المجال وتكلمنا على الدول الإسلامية؟! هذه أرقام مفزعة، باكستان يهاجر منها أعداد هائلة، الهند يهاجر منها أعداد هائلة، الهند وإن كانت دولة تدين بالهندوسية والمسلمون فيها أقلية، لكن هذه الأقلية المسلمة (١٠٠) مليون، وكثير منهم يهاجرون إلى إنجلترا وإلى فرنسا وإلى كندا وإلى أمريكا وإلى غيرها من بلاد أوروبا، دولة إسلامية كبرى هجرت إلى الآن (٢١) ألف طبيب نيجيري إلى أمريكا فقط. انظروا إلى استنزاف العقول، عقول كثيرة تهاجر إلى غير بلادنا. إفريقيا وأغلبها بلاد إسلامية تصدر سنوياً (٢٠) ألف مهاجر سنوياً

стр. 13

اهتمام بعض الدول غير الإسلامية بتنمية اقتصادها بالعلم الظاهرة السادسة: مشاهدات في دول غير إسلامية: كوريا، اليابان، ألمانيا، كوريا الشمالية وغيرها من البلاد، هذه البلاد وغيرها بدأت الإصلاح والتعليم والنهضة من حوالي خمسين أو ستين سنة، هذه البلاد كانت مدمرة تماماً ممسوحة بالأرض، ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية ممسوحة بالأرض، كذلك اليابان، كذلك كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية، وإن شاء الله في أثناء هذه المحاضرات سندرس تجربة إحدى هذه الدول من البداية إلى النهاية؛ لنرى كيف كان الطريق بداية ونهاية بالعلم، كان العلم هو السلاح الأول وأحياناً الأوحد عند هذه البلاد للقيام ولرفع الرأس في وسط العالم الآن، وحتى لا نقول: نحن فقراء فهذه الهند بلد فقير شديد الفقر، وعندها تكدس سكاني رهيب، فتعداد سكانها الآن حوالي (١٣٠٠) مليون إنسان أكثر من مليار، فهي تقترب من الصين الآن في عدد السكان، والهند سنة (١٩٩٠م) كانت تصدر برامج كمبيوتر بـ (١٥٠) مليون دولار، وفي سنة (١٩٩٩م) صدرت بـ (٤) مليار دولار، انظروا إلى النمو وفي سنة (٢٠٠٨م) بعد سنتين من الآن ستصدر بـ (٥٠) مليار دولار، فالكثير والكثير من الشركات الإلكترونية في أمريكا وفي بريطانيا وفي فرنسا تدار من الهند، والأجور أقل والخبرة أعلى. رأيت بنفسي في أوروبا وفي أمريكا عندما يريد الطبيب أن يكتب تقريره عن الحالة لا يكتبه بيده؛ لأنه لا يوجد لديه وقت، فالوقت له ثمن، وإنما يسجله في كاست وبعد ذلك يكتبه غيره؛ حتى لا يضيع وقته بالكتابة؛ لأن عنده وقتاً يصرفه في العلم، فالتقرير ينتقل من فمه عبر جهاز إلى الهند فيكتب في الهند ويرجع، انظروا من أمريكا إلى العند، ومن إنجلترا إلى الهند، لأن الهندي أقل أجرة من الذي سيكتب في إنجلترا أو في أمريكا، فانظر قدر ماذا النمو الحضاري الذي عند بلد مكدس بالسكان ويعبدون البقر! إذاً: هذه مشكلة تحتاج إلى وقفة منا؛ لأن هذا الوضع لا يسر أبداً.

стр. 14

ضآلة إنفاق الدول العربية على الأبحاث العلمية الظاهرة السابعة: الإنفاق على الأبحاث العلمية، بعض الأرقام المفزعة في تقرير لمنظمة اليونسكو لعام (٢٠٠٤م) يقول: إن العالم العربي مجتمعاً ينفق (٠. ٢%) من الدخل القومي على الأبحاث العلمية، المعدل العالمي للدول القوية (٣%) من الإنتاج القومي، العالم العربي يصرف (٢. %) يعني: اثنين في الألف، المعدل المفروض (٣%)، كل الدول العربية تصرف اثنين في الألف على الأبحاث العلمية وهذا يوازي حوالي (١. ٧) مليار دولار، وإسرائيل وحدها تنفق (٤. ٧%) من ناتج إسرائيل القومي على الأبحاث العلمية، هذا تقرير اليونسكو لعام (٢٠٠٤م) فأعلى نسبة في العالم في الإنفاق على العلم في إسرائيل، أمريكا تصرف (٢. ٧%) وإسرائيل تصرف (٤. ٧%)؛ لأن الدخل القومي عندها كبير عن بلاد العالم الإسلامي، أما نحن فالأموال عندنا مكدسة، لكن ليست داخلة في حساب الناتج القومي، و (٤. ٧%) تساوي (٦. ١) مليار دولار، يعني: العالم العربي كله يصرف (١. ٧) مليار دولار وإسرائيل لوحدها تنفق (٦) مليار دولار على العلم سنوياً، أظن هذا شيئاً يحتاج إلى وقفة. أمريكا تصرف (٢. ٧%) أو (٢. ٩%) من ناتجها القومي على العلم، لكن الناتج القومي لأمريكا رهيب، فالمبلغ هذا يساوي (٢٩٥) مليار دولار سنوياً، فأمريكا تنفق (٢٩٥) مليار دولار على العلم سنوياً، يمثل هذا المبلغ (٣٥%) من الإنفاق على العلم في العالم كله. إذاً: لابد أن يكون هناك مردود، فأمريكا لما تصرف هذه الكمية على العلم تصبح الدولة الأولى، والنتيجة أن تجوب أمريكا بأساطيلها مشارق الأرض ومغاربها، وأن تحتل أفغانستان والعراق وتساعد إسرائيل في احتلال فلسطين ولا يتكلم أحد، هذا مردود العلم. الذي نراه في الواقع ليس مستغرباً عند النظر إلى الأرقام، ومرة أخرى أنا لا أقول هذا الكلام دعوة للإحباط، نحن نريد أن نقوم على أرجلنا، فلابد أن نعرف حقيقة المشكلة، لكن يبدو أننا ننظر في حل المشكلة من مجال آخر، وتركنا المجال الذي أمرنا برعايته وأوتينا من قبيله، وكما ذكرنا في محاضرة سابقة أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم الأمر بالقراءة والعلم، فنحن مأمورون بالعلم من أول أيام الرسالة. يحزنني أن أقول: إسرائيل، لكن للأسف هو واقع مفروض علينا لابد أن نغيره، فإحصائيات اليونسكو وبلاد العالم بصفة عامة بما فيها بلاد المسلمين تعترف بوجود إسرائيل، فإسرائيل عندهم (٢١٧) جهاز كمبيوتر لكل (١٠٠٠) مواطن، وهؤلاء فيهم أطفال وفيهم نساء وفيهم رجال، يعني: لا يخلو بيت ولا مصلحة من جهاز كمبيوتر، أما مصر ففيها (٩) أجهزة لكل (١٠٠٠) مواطن، والأردن فيها (٥٢)، ولبنان (٣٩)، والباحثون العلميون في العالم العربي كله (١٣٦) باحثاً لكل مليون مواطن عربي، وإسرائيل لكل مليون يهودي يعيش في إسرائيل فيهم (١٣٩٥) باحثاً، نحن نتكلم على الدول العربية مجتمعة ليس على مصر، الدول العربية مجتمعة لديها (١٣٦) باحثاً لكل مليون مواطن، وإسرائيل التي هي عبارة عن (٥) مليون فقط لديها (١٣٩٥) باحثاً لكل مليون مواطن، وأمريكا لديها (٤٣٧٤) باحثاً لكل مليون مواطن، واليابان (٥٠٠٠) باحث، هناك فجوة، فـ (٥٠٠٠) في اليابان، و (١٣٩٥) في إسرائيل أو (٤٣٧٤) في أمريكا يعملون في العلم لابد أن ينتجوا شيئاً، و (١٣٦) فقط لكل الدول العربية مجتمعة بكل إمكانياتها المالية والبشرية ولا حول ولا قوة إلا بالله، لو أخذنا الميزانية المخصصة للعلم في البلاد على عدد السكان، نجد أنه يصرف على المواطن الإسرائيلي في العلم (٩٢٢) دولاراً سنوياً، والمواطن الأمريكي (١٠٠٥) دولارات سنوياً، والمواطن المصري (٦) دولارات سنوياً لأجل العلم، قد يقول شخص: نحن فقراء، نقول: لكن العلم هو أحد بؤر الاهتمام، ومع ذلك تصرف في وجوه أخرى فممكن يدفع لمدرب كرة قدم (٣٠) ألف دولار و (٢٥) ألف دولار، ولا ندفعها لعالم ولا لمؤسسة علمية، وهذا خلل في الفهم والفقه في العالم العربي كله، ينشر في السنة الواحدة في العلوم البيولوجية على سبيل المثال: علوم الأحياء (٤٤٧) بحثاً، وإسرائيل لوحدها تنشر (٥٩٣) بحثاً سنوياً، وأمريكا تنشر (١٤٠٥٠) بحثاً سنوياً، وهذا فرع من فروع العلم، كذلك في الطب والهندسة وعلوم الفلك والفضاء والنووية وغير ذلك من الأمور. هذه معلومات موثقة وإحصائيات رسمية لم نأت بها من جرائد المعارضة، لا، هذه إحصائيات رسمية حكومية سواء في مصر أو في العالم العربي أو في العالم الإسلامي أو في العالم ككل، إحصائيات اليونسكو والأمم المتحدة، وقلت لكم: ليست المشكلة مشكلة نقود، فهنا مؤسسة علمية كبرى في مصر -بدون ذكر أسماء- أنا رأيتها بنفسي تصرف (١٥) مليون جنيه لتجميل الصورة الخاصة بالمؤسسة، ومستحيل أن تدفع (١٠٠٠) أو (٢٠٠٠) جنيه لبحث علمي، وقد تقوم بإنشاء مكتب بمليون جنيه ويكون تأثيث المكتب من الرخام بأنواعه المختلفة المستوردة من إيطاليا وأسبانيا وتركيا وغيرها من بلاد العالم، وممكن ينفق عليه أكثر مما ينفق على أبحاث علمية لسنة كاملة.

стр. 15

فئات العالم حسب الإنجاز التقني ومكان العالم الإسلامي في ذلك الظاهرة الثامنة: ينقسم العالم إلى خمس فئات حسب الإنجاز التقني في الدولة: الأولى: مجموعة القادة، هؤلاء منهم (١٨) دولة في العالم بحسب الإنجاز التقني، منهم للأسف إسرائيل أرقام وإحصائيات، وهناك دول يحتمل أن تكون من القادة بفضل الله ومنهم ماليزيا وهي دولة واحدة إسلامية. وفي الدرجة الثالثة: هناك (٦) دول إسلامية وهي: مصر بفضل الله، وإندونيسيا، وتونس، وسوريا، والجزائر، وإيران، وإن كنت أعتقد أن إيران وضعت هنا لظروف سياسية، أتوقع أنها أعلى من ذلك. ثم الدرجة الرابعة: المهمشون، وهم معظم بلاد العالم الإسلامي. والدرجة الخامسة: ناس ليس لهم دخل في أي شيء، ما هو العلم أساساً؟ هل العلم مجرد القراءة والكتابة؟! ماذا يعني جامعة؟! وماذا يعني مدرسة؟! فهؤلاء لا داعي أن ندخلهم في التقسيم، فأنت ترى ربط الأمم المتحدة لقضية القيادة: دول قائدة ودول يحتمل أن تكون قائدة بالإنجاز التقني، لم يربطوها بقوة السلاح ولا بكثرة المال، ولا بعدد السكان، ولا بالوضع الجغرافي، لا، بل ربطوها بالعلم، وهذا لا يتعارض مع ديننا، نحن قلنا في محاضرة سابقة: إن أساس بناء الأمم العلم، والأمم التي تتصف بالعلم تقود وتسود.

стр. 16

ترتيب جامعات العالم وموقع الجامعات العربية والإسلامية من هذا الترتيب الظاهرة التاسعة: أقول هذا الكلام وأنا أعلم أنني أخاطب أناساً إذا وضعوا أيديهم على المرض عالجوه بفضل الله ، فإمكانياتنا وقدراتنا هائلة، وإذا كانت كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية والهند وغيرها تستطيع أن تقود فلا شك أن المسلمين يستطيعون القيام، بل والسبق، ولا يمكن أبداً لأي عقل أن يقبل للمسلمين حالة التخلف وهم يمسكون بكتاب الله وسنة الحبيب ﷺ في أيديهم، فالذي يقبل عقلاً القيادة في حق الآخرين فمن المؤكد أن يقبل عقلاً في حقنا، بل وأكثر، لكن المهم أن نضع القضية في اهتمامنا، نتكلم عن ترتيب الجامعات في العالم، لعلكم قرأتم تقرير جامعة جياوتونج في شنغهاي في الصين على ترتيب الخمسمائة جامعة الأوائل على العالم كان عام (٢٠٠٤م)، أطلعت على تقرير عام (٢٠٠٥م) أيضاً الذي لم ينشر بعد في الجرائد ولم يشتهر وقارنت بين التقريرين فوجدت النتائج متقاربة جداً جداً، مما يعطي نوعاً من الانطباع أن هناك دقة في المعايير لهذه التقارير؛ لأن بعض الناس تشكك في هذه التقارير، أقول: حتى لو كان فيها بعض الانحياز فعندما تقرأ التقرير لا تجد مخالفة كثيرة عن الواقع، فهم لم يضطهدونا، فنحن نقرأ الأرقام ونرى الواقع مطابقاً لهذه الأرقام. فهذا الترتيب فيه عدل إلى حد كبير، قد يكون هناك ظلم في نقطة أو نقطتين، لكن من حيث العموم تجد التقارير صحيحة؛ لأن مشاهدات المسلمين لهذه الأمور مشاهدات صحيحة، فهؤلاء قاموا بعمل ترتيب للجامعات في العالم من جامعة (١ - ٥٠٠) بحسب درجة التفوق في التدريس في هذه الجامعات، وعدد الجوائز العالمية التي أخذتها هذه الجامعة، وعدد الباحثين والأساتذة الذين نشروا بحوثاً عالمية في مجالات محترمة علمياً، وعدد التخصصات النادرة في داخل الجامعة، وعدد الطلاب المتفوقين، وعدد الطلاب المرموقين في الشركات الكبرى في العالم، وعدد المحركين للأمم الذين درسوا في هذه الجامعات، هذه معايير قوية جداً. فخرجوا بترتيب (٥٠٠) جامعة أوائل في تقرير عام (٢٠٠٤م) وليس هناك جامعة إسلامية واحدة من الـ (٥٠٠) جامعة الأوائل، وفي تقرير عام (٢٠٠٥م) الحمد لله دخلت دولة إسلامية واحدة وهي تركيا، ودخلت بجامعتين: جامعة رقم (٤٠٩)، وجامعة رقم (٤٦٨) على العالم. فإذا كنت في وضع مترد وبعد الـ (٥٠٠) فلا تتوقع أن تكون الأول فجأة، لا، لكن ينبغي لنا أن نحاول ونتقدم، وتركيا فيها نهضة قوية جداً، وتجربة تركيا أيضاً تحتاج إلى دراسة. أما أمريكا فهي الدولة الأولى في العالم في الجامعات، وهذا شيء ليس مستغرباً؛ لأن في الـ (٥٠٠) الجامعة الأولى التي على مستوى العالم فيها (١٦٨) جامعة أمريكية، والتي قامت بعمل هذا التقرير الصين، يعني: لو كان هناك نوع من الاضطهاد سيضطهدون أمريكا؛ لأن علاقة الصين بأمريكا ليست جيدة. إذاً: هذه وقائع رأيناها بأعيننا، فهذه جامعات علمية بشكل حقيقي (١٦٨) جامعة في الـ (٥٠٠) الأوائل، المائة الأوائل منها (٥٣) جامعة أمريكية، والـ (٢٠) الأوائل منها (١٧) جامعة أمريكية، وجامعتان من بريطانيا رقم (٣) و (١٠)، وجامعة واحدة من اليابان وهي رقم (٢٠)، في تقرير عام (٢٠٠٥م) وفي تقرير (٢٠٠٤م) كانت رقم (١٤)، لكن (١٧) جامعة من الـ (٢٠) الأوائل على العالم جامعات أمريكية: الجامعة الأولى: (هارفارد)، وتسبق التي وراءها التي هي (كمبردج) في إنجلترا تسبقها بمسافات كبيرة. الدولة الثانية: جامعات إنجلترا، وعدد جامعات إنجلترا في التقرير (٤٠) جامعة، انظروا حجم الفجوة، لذلك أمريكا قائد وإنجلترا تابع، مع وجود التاريخ العريق لإنجلترا فهي الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس، ولها تاريخ طويل، وهي الآن تابعة لأمريكا؛ لأن العلم مع أمريكا، فهناك فجوة كبيرة بينها وبين إنجلترا. الدولة الثالثة: اليابان (٣٤) جامعة. إسرائيل رقم (١٢) على العالم فيها (٧) جامعات في هذا التقرير، أول جامعة رقم (٧٨) في تقرير (٢٠٠٤م) كانت برقم (٩٠) يعني: أنها تتقدم. في إفريقيا كلها لا توجد سوى دولة واحدة التي هي جنوب أفريقيا فيها (٤) جامعات فقط، لا يقول أحد: السبب هو الفقر، أقول: هناك نقود كثيرة في البلد. هناك دول فقيرة كثيرة موجودة في القائمة منها: المجر، الهند، البرازيل، البرازيل لها (٤) جامعات، الأرجنتين نسمع عنها في الكرة، لكن هي بلد فقير جداً، ألم تسمعوا الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي كانت هناك؟ ومع ذلك عندهم جامعات موجودة في التقرير، شيلي، المكسيك، الدول الصناعية الثمان الكبرى سبع منها في العشر الأوائل على العالم ليست صدفة، باستثناء روسيا فقط هي التي خرجت وصار ترتيبها الـ (١٧) لقد كانت في أيام الاتحاد السوفييتي قوية، لكن كما تعلمون أن الفرقة ضعف، ولما تفككت جامعاتها تدنى مستواها جداً. إذاً: هذه ظواهر موجودة التقرير الذي عمل عام (٢٠٠٤م) وعمل عام (٢٠٠٥م) وسيعمل عام (٢٠٠٦م) ومعاييره معايير علمية، وهذه المعايير تقول: إن الجامعات الإسلامية تحتاج إلى وقفة، والطلاب والأساتذة المسلمون محتاجون إلى وقفة.

стр. 17

مرتبات أساتذة الجامعات في العالم ومقارنتها مع مرتبات أساتذة الجامعات العربية والإسلامية الظاهرة العاشرة والأخيرة: مرتبات الهيئات التعليمية، أساتذة الجامعة، الأستاذ الجامعي في مصر يأخذ (١/ ٥٠) على الأقل من مرتبات الأستاذ الجامعي في أمريكا، هذه كارثة؛ أنا لا أقول ذلك لأني أستاذ جامعي وأريد أن يرتفع مرتبي، لا؛ أنا أقول ذلك لأن معظم الأساتذة الجامعيين يشتغلون بعد الظهر والصبح؛ لأنه يريد يعيش، ولأنه لم يعط مبلغاً يستطيع أن يعيش به، بينما هناك في الغرب الأستاذ الجامعي يأخذ خمسين ضعفاً على الأقل، وبعض الجامعات تعطي مائة ضعف، والأسعار هناك أرخص من عندنا، فهذا الفارق يجعل الواحد هناك من الساعة الثامنة إلى الساعة الخامسة في منتهى الدقة؛ لأن معه ما يرضيه، وهذا الاتفاق ليس هكذا بلا وزن ولا حساب، بل هذا الإنفاق يأتي بمال؛ لأنه لو كان عندك علماء وتصرف عليهم فسيأتون لك بنقود، فبدل ما يكون أقصى أحلامك أنك تستورد جهاز مكينة من الدرجة الثانية أو الثالثة ستصنع عندك جهازاً من الدرجة الأولى، وبالتالي سيجرى العالم كله إليك؛ لكي يشتري منك، وسيكون عندك الذي ليس عندهم، ويكون القرار في يدك، وتكون رافعاً رأسك بالعلم، فهم عندما ينفقون هذا الإنفاق على هؤلاء العلماء يصبحون دولاً قوية صاحبة سيادة وقرار في العالم، ولا نقول أيضاً: الفقر مرة أخرى؛ لأن الوزير عندنا يأخذ أكثر من الوزير عندهم، نعم والله، المرتب القانوني عندنا أكثر من المرتب القانوني عندهم، فعندهم مرتبات مجحفة خاصة بالوزراء وخاصة برئيس الجمهورية وعندهم تضييقات شديدة جداً، وغير مسموح له أن يقبل هدية في أثناء فترة وزارته أو حكمه، حتى إسرائيل نفسها تحاكم زعيم الدولة، إذا أعطى بعض التسهيلات لشركة من الشركات، أو يشك أنه أعطى هذه التسهيلات، لكن الوزراء عندنا يأخذون مبالغ خيالية، فالوزير ونائب الوزير ورئيس المصلحة يأخذون مبالغ خيالية، ورئيس هيئة كذا، تصل المبالغ إلى (٢٠٠) ألف و (٢٥٠) ألفاً وأكثر شهرياً وليس سنوياً، وهذا المبلغ لا يحصل عليه وزير هناك سنوياً، فهذا خلل في التوزيع وخلل في الاهتمام وخلل في القضايا الماسة للأمة الإسلامية. نحن نتكلم على أساتذة الجامعة، فلنأت إلى مدرسين وهم موجودون معنا بأعداد لا بأس بها، لكنهم بؤساء فهم يعملون في التدريس، ودور الواحد منهم أن يعلم ويربي ويبدع ويخرج جيلاً قادراً على قيادة العالم، وفي آخر الشهر يعطى (١٥٠) جنيهاً أو (٢٠٠) جنيه أو (٣٠٠) جنيه، مما جعلهم يعلنون في صفحات الجرائد عن الدروس الخصوصية، ماذا يعمل إذاً؟ يسرق؟ أنا لست مع الدروس الخصوصية، لكن في نفس الوقت لست مع إعطاء المدرس (١٠٠) جنيه أو (٢٠٠) جنيه ثم نقول له: لا تعط دروساً خصوصية. إذاً: القضية في الأساس فهم قضية العلم واهتمامي بها مع أولادي ومع مدرستي، أو مع المصلحة التي أنا فيها، أو الوزارة التي أنا فيها، أو الهيئة التي أنا فيها، أو الجامعة التي أنا فيها، أو المدرسة التي أنا فيها، فقضية العلم قضية ينبغي أن تشغل أذهاننا، أما مجرد النجاح، الحمد لله الولد نجح من سنة إلى سنة فهناك طلاب في الإعدادية ما يستطيعون أن يقرءوا ويكتبوا، بل هناك بعض الباحثين في الجامعة أنا كنت أعطي محاضرة في كلية دار علوم والتي كان أحد فروعها الرئيسية اللغة العربية، فأرسلت إلي طالبة بسؤال بعد المحاضرة، أجاركم الله من اللغة التي كتب بها الخطاب! والله لولا أنني داخل الكلية ومتأكد وفي حالة وعي كامل، لظننت أنني بين أطفال تمهيدي أو أول ابتدائي أو ثاني ابتدائي بالكثير، خط ركيك جداً وكلمات عجيبة كل قاف طبعاً مكتوبة كاف، والهمزات كلها مضروبة، طبعاً ناهيك عن الإعراب والنحو والصرف والإملاء، فقواعد الإعراب والنحو والصرف اصرف ذهنك عن أي شيء متعلق باللغة في قراءة هذا الخطاب. هذه كارثة، هل يا ترى هذه القضايا في رءوسنا أم الذي يهمنا أن آخذ الشهادة وأعلقها في البيت، وأكون أخذت بكالوريوس أو ليسانس كذا أو كذا وانتهت القضية والحمد لله؟ ما تريدون أكثر من ذلك؟ لا، القضية تحتاج إلى وقفة جادة، هذه الحالة التي وصفناها الآن في الأمة يتهم بها الإسلام، هذا واقع، فأعداء الإسلام يقولون: الإسلام دين تخلف ودين رجعية، ويقولون: إن وضع المسلمين كذا وكذا وكذا، وما هذا إلا لأنهم مسلمون، فلماذا الدول الأخرى التي تعبد أي شيء: من شجر أو بقر أو بشر أو لا يعبدون شيئاً تتقدم؟ لماذا؟ إذاً: الإسلام يدعو إلى التخلف، هذا كلام يقال في الغرب ويكتب في كتب وفي تحليلات، هل سنرد أيضاً بالكلام أم سنرد بأبحاث علمية وسنرد بتحرك نحو العلم منذ الطفولة وإلى الكبر؟ هؤلاء القاعدون لابد أن يرتقوا في علومهم اليوم عن الأمس وغداً عن اليوم، الكلام ليس مزحاً، الذي يريد لأمته أن تقوم لابد أن يعلم أنه بغير ذلك لن تقوم الأمة؛ لأن من سنن الشمس أن تطلع من المشرق وتغرب من المغرب، والأرض تدور حول الشمس، هذه سنن ليس فيها تغيير إلا في آخر الزمان عندما ينهار الكون وتقوم القيامة، أما في حياتنا فنحن مطالبون بتطبيق السنن، وكل شيء واضح في كتاب ربنا وفي سنة نبينا ﷺ : (

стр. 18

سلسلة كيف تصبح عالماً [٣] مما يبرز أهمية العلوم الحياتية إشادة القرآن الكريم والسنة النبوية بها، وهي علوم متجددة بتجدد الزمان والمكان، فالذي ينبغي لأمة الإسلام أن تكون الرائدة في كافة العلوم: الشرعية والحياتية، وينبغي لنا أن نعلم أنه ليس هناك تعارض بين العلوم الشرعية والحياتية، فالعلوم الحياتية بالإخلاص لله تتحول إلى علوم شرعية، ويثاب من يقوم بها؛ لحاجة الأمة الماسة إليها.

стр. 19

ضرورة الحديث عن العلوم الحياتية وإبراز مكانتها وأهميتها بالنسبة لعزة الأمة وقوتها أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. اللهم اجعل هذه الدقائق شاهدة لنا لا علينا، اللهم اغفر لنا بها، اللهم ارحمنا رحمة تامة عامة واسعة، لا تغادر لنا ذنباً صغيراً ولا كبيراً إلا غفرته، ولا إثماً صغيراً ولا كبيراً إلا محوته، اللهم اغفر لنا أجمعين، وتقبل منا أجمعين، وأعز الإسلام والمسلمين، وارفع رايات الموحدين، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم آمين. نستكمل ما كنا قد بدأناه حول قضية العلم، أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة. بداية نذكر بعض التعليقات وبعض الأسئلة على المحاضرتين السابقتين: محاضرة العلم وبناء الأمم، ومحاضرة قراءة في واقعنا العلمي. أولاً: بعض الناس كانت تتمنى أن يكون الحديث في رمضان عن الرقائق والتوبة والعودة إلى الله وفقه الصيام وأحكامه، وما إلى ذلك من أمور عظيمة هامة. أنا أقول: الحمد لله الكثير من إخواننا الذين يتحدثون في الدعوة وفي الإسلام وفي الخطابة وفي غيرها يتحدثون في هذه الأمور، لكن لا يُقبل أبداً أن تنعزل الأمة عن مشاكلها في رمضان، وأن تتخلى الأمة عن أزماتها في رمضان، ليس شهر رمضان شهر عبادة بالمفهوم القاصر فقط على الصلاة والصيام، إنما هو شهر عبادة، والسنة كلها عبادة، والعمر كله عبادة بالمفهوم الواسع للعبادة، وهي أن أنفذ كل ما أمرني به ربي : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. ويوم الفرقان كان في رمضان لم يؤخر إلى ما بعد رمضان، ولم يوظف رمضان في العام الثاني من الهجرة للصلاة والقيام والتراويح والقرآن والدعاء والذكر فقط، بل فُعلت فيه هذه الأمور وإلى جوارها الجهاد في سبيل الله يوم الفرقان. وكذلك حفر الخندق كان في رمضان، وفتح مكة كان في رمضان، وكسر الأصنام في الجزيرة العربية كان في رمضان، والثأر من فارس بعد وقعة الجسر والانتصار على الفرس في موقعة البويب كان في رمضان، وفتح الأندلس كان في رمضان، وكسر شوكة التتار أعتى قوى الأرض وأكثر جبابرة الأرض طغياناً كان في رمضان، ما تعطّل المسلمون أبداً في رمضان، وما وقفت حركتهم ونصرتهم لدين الله في رمضان. بالحوار والحديث الذي تكلمنا به في المحاضرة السابقة ألا تشعرون أن الأمة في أزمة؟ هل على المسلمين أن يؤجلوا الحديث عن أزماتهم هذه وهي أزمات ماسة وخطيرة إلى ما بعد رمضان؟ ويأتي موسم الحج ونؤجل إلى ما بعد الحج؟ ويأتي موسم المذاكرة أو موسم الزواج أو موسم العمل المضغوط لسداد الديون أو موسم كذا وكذا؟ ومشاغل الحياة كثيرة جداً فهل نؤجل مشاكل الأمة إلى أن ننتهي من مشاكلنا الخاصة وأحوالنا الخاصة؟ هذا لا يستقيم، المسلم الصادق يقدم هموم أمته على هموم نفسه، يعيش لأمته لا لنفسه، ويضحي بنفسه من أجل رفعة هذا الدين وسيادة هذه الأمة. قد يكون الموضوع ليس بالإمتاع الذي فيه الحديث عن التاريخ أو القصص أو التفسير أو الإعجاز، أو ما إلى ذلك من أمور هي عظيمة جداً، لكن ليس بالضرورة أن يكون حديثنا في كل مرة حديث المتعة أو اللذة، ولكن هو حديث الإفادة، حتى وإن كان حديثاً مؤلماً فلا بد منه، فنحن نأخذ الدواء وهو مر، ونفعل الجراحة وهي مؤلمة؛ لأنها تحقق فائدة. بعض الإخوة وللأسف الشديد -مع أني كررت أكثر من مرة أني لست متشائماً ولا أدعو إلى التشاؤم، ولا نذكر هذه الأمور دعوة للإحباط، إلا أنهم أُحبطوا- أُحبطوا نتيجة ذكر الأرقام والإحصائيات المفجعة التي تحدثنا عنها في المحاضرة السابقة، وأنا أسأل إخواني الذين لم يسمعوا المحاضرة السابقة أن يعودوا إلى الأشرطة المسجلة عن هذه المحاضرة لأهميتها القصوى، وأنا أعتقد أن هذه من أهم المحاضرات التي يجب أن نتناولها في هذه الآونة، وفي هذه السنوات، وليس فقط في هذه الأيام، هذه الفجوة الهائلة بيننا وبين الغرب، وبيننا وبين أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا أو إسرائيل أو الصين أو غيرها من دول العالم الآن، هذه الفجوة الهائلة أصابت بعض الإخوة كما ذكرت بالإحباط. وأقول: لا يمكن أبداً لمسلم فاهم وواع أن يُحبط، فالإحباط ليس من شيم المؤمنين أبداً: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] فالإحباط ليس من شيم المؤمنين، ونصر الله قادم لا محالة، والذي يشك ف

стр. 20

مسئولية الحكومات والأفراد تجاه العلوم الحياتية أيضاً هناك أناس علّقت وتقول: إن هذه الأرقام التي ذكرتها مسئولية الحكومات، فهي التي أنفقت هذا الإنفاق الضئيل على العلم، وهي التي حرمت الناس من التعليم الجيد أو المناهج التعليمية الجيدة، وهي التي وجهت الأموال إلى غير مصارفها التي ينبغي أن تُصرف فيها، وهي وهي، ولا شك أن الحكومة تتحمل مسئولية ضخمة في هذا الأمر، وأنه لا بد للحكومة الصالحة أن ترفع من شأن أمتها، وأن ترفع من شأن شعبها في كل المجالات، وهم غير معذورين في ذلك، ولكن ليس هناك مبرر للبقاء في ذيل الأمم سنوات وسنوات، نعم لا نعفيهم من المسئولية، لكن أيضاً لا نعفي أنفسنا من المسئولية، فنحن عندنا مساحات ضخمة جداً، ومن الممكن أن نشتغل فيها وننتج ونبرع، فالطالب الذي عنده مناهج تعليمية ليست على المستوى الأمثل، لم يمنعك أحد أن تتقن هذه المناهج قدر المستطاع، ثم تخرج إلى خارج هذه المناهج وتطالع العلوم الموجودة في كتب ومراجع مختلفة موجودة في الإنترنت، وموجودة في مكتبات هنا وهناك؛ لترفع من حصيلتك العلمية، فلو أن عندك حمية صحيحة لأمتك لعملت هكذا، أما إذا كان الإنسان يدخل الكلية من أجل أن ينجح ويأخذ الشهادة فلن يعمل ولن يتحرك أبداً، فعندما يكون هناك جو عام من حب العلم في البلد، فمن الطبيعي أن يتوجه البلد بعد هذا إلى العلم شاء أم أبى متخذو القرار في البلد، فالسياسيون سيجدون أنه من الأفضل أن يسيروا مع هذه الموجة العلمية كما يسيرون مثلاً مع الموجة الدينية، مع أن الكثير منهم يكرهون الدين، لكن تجدهم يسيرون معه ويحضرون الاحتفالات الدينية، ويعطون الجوائز على القرآن الكريم وحفظ القرآن الكريم، ويرسلون كذا وكذا فهذا طبيعي في جو عام من الاهتمام بالدين، فلا بد أن يهتموا معهم بالدين ولو ظاهراً، كذلك لو كانت هناك ثورة علمية، وجميع الناس يحبون العلم ويتحركون من أجل العلم، في الوقت نفسه ستجد السياسي من أجل نجاحه في الانتخابات يضع في برنامجه مؤسسات علمية، وليس فقط أن يوفر السكر والأكل والعيش! لا، فهموم الأمة ليس في الطعام والشراب، ولكن هموم الأمة في العلم، فيضع في برنامجه الانتخابي أنه سينشئ مؤسسة علمية، وسيخصص ويضخم ويكبّر من ميزانية الدولة المتجهة إلى العلوم، فأعلى دولة تعطي جانباً كبيراً من ميزانيتها الحكومية للعلم على مستوى العالم هي إسرائيل، فالميزانية للحكومة بأكملها منها (٣٠%) مصروف للعلم، فلا بد أن يكون هناك فجوة، ولا بد أن نفهم الدولة التي تُزرع داخل فلسطين منذ ستين سنة فقط، ومع ذلك تصل إلى هذا المستوى ليس بالسحر ولا بالشعوذة، فهناك سنن كونية ربانية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] فالذي يعمل يصل إلى النتائج، نعم ليس له في الآخرة نصيب؛ لأنه لا يعمل ذلك لله ، لكن نحن المسلمين أمرنا أن نعمل في الدنيا ونسود ونقود في الدنيا العالم أجمع إلى الخير وإلى العدل وإلى الإسلام، ونحن في الآخرة من المفلحين، فكلا الأمرين مطلوب من المسلمين، غير المسلمين هم الذين يعملون للدنيا فقط، لكن كما ذكرت الذي يعمل يصل إلى النتائج وهذه من السنن. فهناك أحد الإخوة كان يسأل عن هجرة العقول، وظاهرة استنزاف العقول، وأن العلماء المسلمين والطلاب المسلمين يهاجرون إلى بلاد الغرب ليتعلموا هناك ويمكثون هناك، ألا نسافر إلى هناك للتعلم؟ فأحد الإخوة يقول: أنا عندي بعثة وأريد أن أسافر لأتعلم ألا أسافر للتعلم؟ هذا الأخ فهم أني أمنع السفر للتعلم، لكن أقول: أبداً ما ذكرت هذا الكلام، بل إن من وسائل التعلم الرأسية كما سيأتي إن شاء الله في المحاضرات: أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، فالنقل عن الغير في الأمور غير الشرعية أمر محمود، والحضارة الإسلامية في بداياتها قامت على النقل من الحضارات الأخرى المختلفة، ثم نبغ المسلمون وعلماء المسلمين وطوروا وأحدثوا الأمور الكثيرة واخترعوا وزادوا، وقادوا العالم بعد ذلك سنوات وقروناً في حركة العلم، لكن كانت البداية أنهم نقلوا عن الآخرين، وما أُعيب على أحد أبداً أن يسافر ليأخذ العلم من هناك، لكن أعيب عليه أن يبقى هناك، وأن يسافر بدون خطة، فهل يسافر أربع سنوات أم ست سنوات أم عشراً، أو أنك لا تعرف؟ هل ستظل هناك؛ لأن الجو هناك مريح والظروف مريحة، أم أنك سترجع إلى أمتك التي هي في حاجتك؟ وهل العلم الذي تعلمته ستضيفه إلى قوة أمريكا أو قوة إنجلترا أو قوة فرنسا أم تضيفه إلى قوة المسلمين؟ قابلت في أمريكا أحد الإخوة الملتزمين، ولكن في رأيي كان بدون فقه وبدون علم صحيح، فهو لديه بكالوريوس في الطب، وبكالوريوس في العلوم، وأيضاً بكالوريوس في الهندسة، وسافر أمريكا لتزويد علمه، ولم يكن لديه المال فاشتغل سواق تاكسي؛ ليرفع من دخله ويستطيع أن يصرف على نفسه في العلم، أعطاه التاكسي أموالاً لم يكن يحلم بها، فأُعجب بالدولار، والدولار له بريق، فهو أراد أن يشتغل شهراً وشهرين ليصرف على نفسه ويأخذ بكالوريو

стр. 21

سبب الفجوات الهائلة بين أمة الإسلام وبين غيرها من الأمم في العلوم الحياتية هناك فجوات هائلة بين أمتنا وبين غيرها من الأمم في العالم في أمر العلوم الحياتية، لماذا هذه الفجوات الكبيرة؟ هناك أسباب كثيرة جداً، وفي رأيي أن أهم سبب هو فكري ألا وهو الفهم، نحن لا نفهم قيمة العلوم الحياتية حقيقة، وبالذات الشباب الملتزم الذي له واجهة إسلامية واضحة، فهو لا يعطي هذا الأمر قدراً، وقد ساهم في ذلك -وللأسف الشديد- بعض علماء المسلمين، فبعض علماء المسلمين قديماً وإلى الآن يسير على نهجهم البعض صنّفوا العلوم إلى علوم شرعية وحياتية، إلى علوم دينية ودنيوية، أو علوم أخروية ودنيوية، فقالوا: علوم الدين كالفقه والتوحيد والتفسير والحديث وما إلى ذلك، وقالوا: علوم الدنيا كالطب والهندسة والفلك وغيرها من العلوم، فما الذي نتج عن ذلك؟ نتج أن الإنسان الملتزم بدينه يشعر بحرج شديد أن يفرغ من وقته وقوته لأجل الدنيا ويترك الدين، فالدنيا دائماً في كتاب الله مذمومة، يقول الله : ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]. إذاً: الدكتور الذي يخترع الجهاز الطبي أو الذي يعمل دواء أو جهازاً هندسياً أو كذا يكون قد رضي بالحياة الدنيا! ففي فهم هؤلاء لقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨] أي: اترك العلوم الحياتية وانشغل بأمور الفقه والحديث وغيرها، حتى رأينا بعض الطلاب في الهندسة يترك كليته ويفرش أمام الكلية يبيع سواكاً ومصاحف، هذه ليست مبالغات، ولكنا نراها وهي موجودة حقيقة، ويعتقد أنه بذلك يخدم أمته خير الخدمة؛ لأنه مشغول بأمور الدين وليس بالدنيا. كارثة أن يكون هذا الفهم عند المسلمين، وأنا عندي الكثير من الأدلة بأن العلوم الحياتية علوم أخروية شرعية، والذي يقف عليها يسد ثغرة مهمة جداً لقيام أمته، كما هو مهم أن يقف العالم للعلوم الشرعية على ثغرته تماماً بتمام، لا تقوم أمة فقط على الأمور الشرعية حتى وإن كانت الأمة الإسلامية.

стр. 22

ذكر الأدلة التي تدل على كون العلوم الحياتية علوماً أخروية شرعية هناك أمثلة على أن العلوم الحياتية علوم أخروية شرعية، سنذكر ذلك من واقع حياة حبيبنا ﷺ ، ومن واقع تاريخنا، هناك أدلة شرعية كثيرة نذكر عشرة أدلة:

стр. 23

الحكمة من خلق الإنسان في الأرض وجعله فيها الدليل الأول: يقول الله عند بداية خلقه لنا للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] والله خلقنا في الأرض، قال : ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١] فإذا كان خلق الإنسان وعلم الإنسان وعبادة الإنسان كخلق وعبادة الملائكة فأي فائدة من خلقه؟ ولماذا يوضع على الأرض؟ نقول: إنما وضع الإنسان على الأرض وجُعل فيها خليفة؛ ليتدبر في علوم الأرض، ويُبدع ويستعمر الأرض، وينشأ في الأرض الإنشاءات والعلوم والمخترعات، وليعرف ربه أكثر وأكثر كما سيأتي. إذاً: الله جعلنا خلفاء في الأرض وليس في السماء، ولا بد أن نعرف علوم الأرض ونبدع فيها؛ لنكون خلفاء حق الخلافة في الأرض. وقال للملائكة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] ما هي هذه الأسماء؟ هل هذه الأسماء هي الصلاة والزكاة والذكر والتسبيح والقيام، وما أعظم هذه الأمور؟ هل هذه الأسماء هي أسماء العبادات المختلفة؟ أبداً، يقول عبد الله بن عباس ﵄: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أي قال له: هذا جبل، وهذا سهل، وهذا بحر، وهذه نخلة، وهذه وهذه علمه علوم الأرض، وبذلك أصبح أهلاً ليكون خليفة في الأرض، الملائكة لا تعرف هذه الأسماء؛ لأنها لا تحتاجها، أما الذي يحتاج هذه العلوم فهو الإنسان الذي يعيش على الأرض، ويعبد الله على الأرض، وأُمر أن يستعمر الأرض، فهذا من أبلغ الأدلة على أن العلوم الحياتية هي مستندات أو مؤهلات الخلافة في الأرض، فإن فقدت الأمة مؤهلات الخلافة في الأرض فلا بد أن تكون في ذيل الأمم، تظل فترة من الزمان في ذيل الأمم ثم تُستبدل، نسأل الله العفو والعافية، فلو أن الناس أهملت علوم الحياة وتركت الغرب والشرق واليهود والمجوس وعباد البقر يقودون العالم ويقودون المسلمين، فالله سيستبدل هؤلاء ثم ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. إذاً: من مصلحتنا أن نقف على الثغرة في هذا الوقت قبل أن يستبدل بنا رب العالمين .

стр. 24

استمرار التجدد في العلوم الحياتية على مر العصور الدليل الثاني: قال في كتابه الكريم في شأن العلوم الشرعية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] العلوم الشرعية بفضل الله تمت، فقبل وفاة الرسول ﵊ تمت العلوم الشرعية، فكل شيء نحتاجه من العلوم الشرعية ذُكر في كتاب الله وفي سنة الحبيب ﷺ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] وهذه الآية واضحة الدلالة جداً في تمام العلوم الشرعية، ومع أن هناك اجتهاداً جديداً لتغير الزمان والمكان والبيئة، لكن الأصول ثابتة، لا يُنكر ذلك أحد، الأصول ثابتة بفضل الله ، وهذا نعمة كبيرة على المسلمين، لكن هل تمت العلوم الحياتية؟ وانظروا إلى ما قاله رب العالمين في شأن العلوم الحياتية، قال بصيغة المستقبل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] سنريهم في الآفاق وفي الأنفس علوم الكون بصفة عامة وعلوم الإنسان بصفة خاصة، كل هذا سيرينا الله إياه مع تقدم الزمن، وتظل هذه الآية تُقرأ إلى يوم القيامة بصيغة المستقبل، فالعلم الحياتي متجدد، ما كنا نعتقد أنه يقين في قضية من قضايا العلم منذ ألف سنة، وفي هذا الوقت قلنا: لا، فهذا الكلام لم يكن صحيحاً، فالصحيح هو كذا وكذا! فالذي كنا نعتقده منذ سنتين أو ثلاث سنوات نعتقد حالياً غيره، فالعلم الذي كان حجمه عشرة قراريط أصبح حجمه ألف قيراط، وسوف يصبح مليون قيراط، وسيصبح أكثر وأكثر. إذاً: العلوم الحياتية دائمة التطور، فإن بقيت أمة الإسلام سنة أو سنتين أو ثلاثاً راكدة والعلم فيها راكداً لا يتحرك، اتسعت الفجوة بشكل هائل بينها وبين الأمم، فلا بد من حركة سريعة، وكما ذكرت بالأمس لا داعي للتسويف، فتبدأ من اليوم، والأخ الذي أخبرتكم عنه الذي ذهب ليتعلم الإنجليزية، في نفس الليلة ذهب للتعلم، وهذه أمثلة طيبة جداً. وهناك مثل طيب ذُكر لي قبل المحاضرة بقليل، والحمد لله أنه يبعث شيئاً من الأمل في نفوس المسلمين، فأحد الإخوة اطّلع على تقرير جامعة جياوتونج في شنغهاي التي عملت التقرير الذي ذكرناه في الدرس السابق على ترتيب الجامعات في العالم (٥٠٠) جامعة، فوجد أنه بفضل الله في تقرير سنة (٢٠٠٦م) دخلت مصر في التصنيف جامعة القاهرة بترتيب (٤٠٣) على العالم، وهذا شيء مبهر وجيد جداً، أي عندما نذكر هذا أيضاً نذكر هذا، فالحمد لله أن هناك حركة، وعندما نتحدث عن براءات الاختراع في العالم، فمصر تطورت أيضاً، صحيح أنه تطور بطيء غير متوافق أبداً مع إمكانيات هذا البلد العظيم، ومع ذلك فالحمد لله أنا بدأنا نتطور، لكن دورنا نحن الملتزمين الذين يحبون دينهم وأمتهم ويريدون أن يضحوا من أجلها أن يدفعوا هذه العجلة أسرع وأسرع. إذاً: العلوم الحياتية لم تتم وتحتاج إلى جهود كبيرة من علماء المسلمين.

стр. 25

حاجة الفقهاء وعلماء الشريعة إلى علماء العلوم الحياتية الدليل الثالث: ألا يحتاج الفقهاء وعلماء الشريعة إلى فقهاء وعلماء في العلوم الحياتية لفقه الدين؟ نحن نريد أن نفقه بعض الأمور في الفقه، فإذا كنت أنا أفقه علوماً شرعية، وتخرجت من كلية أصول الدين، أو كلية الشريعة، أو كلية الدعوة، ولا أعرف دقائق الطب، ولا دقائق الاقتصاد، ولا دقائق الهندسة، ولا دقائق كذا وكذا فلا أستطيع أن أقول للمسلمين: هذا حلال أو حرام، فأحتاج إلى أحد أهل التخصص الفاهمين لهذا التخصص فهماً جيداً والمحب لدينه أن يأتي ويعرض الصورة علي حتى أخرج بالحكم الشرعي المناسب، فمثلاً في مجال الطب: هات فقيهاً درس أربع سنوات في كلية أصول الدين أو في كلية الشريعة، وكمّل بعدها الماجستير ثم الدكتوراه في نفس العلوم، وقل له: ما تقول في الاستنساخ؟ إذا كان لم يعرف هذه القضية خلال دراسته فهو بحاجة إلى معرفة الاستنساخ، فيحتاج إلى دكتور يفهم في دينه ويعرف القواعد الشرعية إجمالاً الخاصة بالطب، وفي نفس الوقت هو فاهم جداً لتخصصه، وفاهم للقضية بكامل أبعادها، فيذهب للفقيه ويقول له: الوضع كذا وكذا، فالفقيه عندما يطّلع على هذا الأمر يستطيع أن يقول: هذا حلال وهذا حرام. كذلك نقل الدم وزرع القرنية والتخصيب بالأنابيب مليون مشكلة يمكن أن تكون موجودة، وهناك من يسأل: أحلال هي أم حرام؟ إذاً: الفقيه يحتاج إلى عالم مسلم متخصص في العلوم الحياتية يخبره، ويحتاج إلى عالم اقتصاد إسلامي متخصص خريج تجارة أو خريج اقتصاد أو علوم سياسية يخبره كيف يبني مشروعاً إسلامياً موافقاً للشرع، وأنا كعالم في الدين ورجل أصول في الدين أو الشريعة سأعطيك أطراً عامة، لكن لا أستطيع أن أقول لك: كيف تعمل بنكاً، البنك ضرورة؛ لأن البنوك كما ترون لوثت بالربا هنا وهناك، فنحن بحاجة إلى بنك إسلامي خالص موافق للشرع، من الذي سيبنيه؟ هل يبنيه يهودي أو أمريكي؟ لا، ولكن لا بد أن يكون عالم اقتصاد مسلم يجلس مع فقيه مسلم يشرح له الموضوع، وهذا الفقيه يقول له: هذا حلال وهذا حرام، ويعرض عليه المعاملات، مثل: نظام الأسهم، ونظام السندات والبنوك، كيف أتعامل مع البنك الدولي؟ كيف أتعامل مع أمريكا؟ كيف أتعامل مع أوروبا؟ كيف أتعامل مع هؤلاء الناس، وأنا أريد أن يكون كياني إسلامياً؟ هل لو بقيت إسلامياً فهل معنى ذلك أن أنقطع كلياً عن التعامل الاقتصادي مع أي دولة في العالم؟ لا، هناك ضوابط وأطر، والرسول ﷺ تعامل مع هذا وذاك بضوابط إسلامية. إذاً: أنا أحتاج إلى فقيه في كذا وفقيه في كذا، فقيه في العلوم الشرعية، وفقيه في العلوم الحياتية في التخصص، فلكي أفقه ديني أحتاج إلى متخصص في العلوم الحياتية في كل مجال. هذا مثال أو مثالان وقس جميع هذه الأمثلة في العلوم الحياتية.

стр. 26

نتائج عدم الاهتمام بالعلوم الحياتية الدليل الرابع: ما البديل إذا فشلنا في العلوم الحياتية؟ لو لم يهتم المسلم بالقضية وبقي معتكفاً ليل نهار قائماً وصائماً، وترك الكلية ولم يشتغل، ما هي النتيجة الأخيرة؟ النتيجة الأخيرة أن نعتمد اعتماداً كلياً على غيرنا في كل شيء، وغيرنا من الممكن أن يكون عدونا الذي يحتلنا، ومن البلوى أن يعتمد المسلمون على عدوهم في حياتهم، وهذه معضلة، فهل من الممكن أن يقول أحدنا: إن هذا وضع شرعي، وإن المسلمين لهم أن يتخلفوا في صناعاتهم وفي علومهم ويعتمدوا اعتماداً شبه أساسي على أعدائهم، أو على غيرهم بصفة عامة؟! على سبيل المثال والأمثلة كثيرة جداً: السلاح، فأمريكا هي الدولة الأولى في تصنيع السلاح، وهي الدولة الأولى المصدرة للسلاح في العالم، (٣٩ %) من السلاح الأمريكي يتجه إلى البلاد العربية والإسلامية، يعني: (٣٩ %) من حصيلة الخزائن الأمريكية من مليارات الدولارات التي تدخل من السلاح أتت من البلاد الإسلامية. هل هذا يُعقل؟ أمريكا محتلة لأفغانستان ومحتلة للعراق وتساعد إسرائيل في احتلال فلسطين الحبيبة، نسأل الله أن يحرر كل هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين كاملة، هل يُعقل أن أستورد السلاح من البلد المحتل لي؟ هذا لا يقبله عقل ولا شرع، هل من المعقول أن يقول الشرع ذلك؟ هل من المعقول إذا كان بيننا عالم شرعي أو إنسان مسلم متحمس لدينه أن يقبل بهذا الوضع؟ و (٧٠ %) من صادرات بريطانيا من السلاح للعالم العربي. و (٤٠ %) من صادرات فرنسا من السلاح للعالم العربي. و (١٥ %) من صادرات روسيا للعالم العربي. و (١٨ %) من صادرات الصين للعالم العربي من السلاح. أي: أننا اعتمدنا شبه اعتماد كلي على البلاد الغربية والشرقية في التسليح، وافرض جرى بيننا وبينهم في يوم من الأيام حرب، ألا يشعر المسلمون بغضاضة لهذا الأمر؟ ألا يشعر المهندسون والكيميائيون وعلماء الذرة في بلاد المسلمين بغضاضة في أنهم يخرجون من الكلية ليس له إلا الشهادة؟ وليس لأحد منهم طموح بأنه في يوم من الأيام يصبح مصنّع سلاح؟ نعم، السلاح قرار إستراتيجي أو سياسي، لكن افرض أخذت الحكومة القرار السياسي بتصنيع السلاح، لكن العلماء غير موجودين فهل تستطيع تصنيع السلاح؟ لا، إذاً: لابد أن أكون مستعداً، على الأقل أُعذر إلى الله ، أقول: يا رب أنا فعلت وتعلمت وهم أصروا على استيراد السلاح وعلى قتل المواهب الموجودة في البلد، لكني بذلت ما بوسعي، وهذا الفشل في مجال العلوم الحياتية غير مقبول من المسلمين. وإسرائيل في السلاح هي الدولة الرابعة في العالم في التصدير، فهي الدولة الرابعة بعد أمريكا وروسيا وبريطانيا تأتي إسرائيل وتسبق فرنسا والصين وصربيا والتشيك وأوكرانيا ودولاً أخرى لها تاريخ في السلاح، فهي الرابعة على مستوى العالم، والدولة الأولى في تلقي صادرات السلاح من إسرائيل الهند، وهي العدو اللدود لباكستان المسلمة، وهذا الكلام ليس عشوائياً. فأعلى دولة في العالم نسبة لإنتاج السلاح بالنسبة للصادرات إجمالاً هي إسرائيل، يعني: لو أن إسرائيل تصدر مائة وحدة فـ (٤٠ %) من هذه الوحدات من السلاح، فإسرائيل أعلى نسبة في العالم من الصادرات عندها نسبة السلاح إلى بقية الصادرات، وهذا يعني: أن الدولة مجيشة لتصنيع السلاح، وإسرائيل على بعد خطوات منا، والفاصل بيننا وبين إسرائيل خط شائك بسيط جداً في رفح، وإن شعر المسلمون بالأمان في هذا الوضع فهذا -والله- هو الغرور بعينه، من الغرور والغفلة أن ينام المسلمون مطمئنين في هذا الوضع وبهذه الصورة، وهذه كارثة. إذاً: لا بد أن يتحرك المسلمون، وليس شرطاً أن يتحرك أولاً السياسيون، بل من الممكن أن يتحرك الشعب، ومن الممكن أن يبدع الشعب في العلوم وينتج، فالله إذا اطّلع على هذه الأمة فوجد فيها الإخلاص فسيرزقها من يأخذ بيدها إلى القرار الصائب، إن وجد الله في الأمة صلاحاً فسيرسل إليها صلاحاً إن شاء الله، أي: أن صلاح الدين لا يظهر هكذا، وإنما يظهر في أناس هيئت وجُهّزت، وراجعوا قصة صلاح الدين ﵀، فالإعداد كان قبل صلاح الدين بستين أو سبعين سنة ليظهر بعد ذلك صلاح الدين، هناك جهد كبير قام به علماء الأمة ومن قادتها وساستها ومن شعبها، وممن نعرف وممن لا نعرف، وفي الأخير أين ولد صلاح الدين ﵀؟! وهنا عندي إحصائيات خاصة بالاستيراد في العالم العربي والإسلامي، وفي الحقيقة إنها إحصائيات مفجعة، فقد يصل الأمر أحياناً إلى استيراد أشياء مستفزة، فمثلاً: مصر تستورد (٣٢) نوعاً من الجبن من الخارج، مع أن مصر فيها الكثير من الحيوانات والحمد لله، واستوردنا في السنة الماضية بخمسة ملايين دولار (آيسكريم)، وفي ستة أشهر صرفنا اثنين مليون جنيه لاستيراد أغذيه للقطط والكلاب. وهناك شيء اسمه: براءات الاختراع، وهناك شيء اسمه: المنظمة العالمية لبراءات الاختراع، فأي إنسان في العالم يخترع شيئاً يذهب ليسجل فيها؛ ليبقى حقه فيه

стр. 27

العلوم الحياتية طريق لمعرفة الله الدليل الخامس: أن العلوم الحياتية طريق لمعرفة الله . ما أكثر الآيات التي جاءت في القرآن الكريم لتدعو إلى التفكر والتدبر في الكون، وهذه آيات كثيرة جداً في كتاب الله ، وكلما تفكّرت أكثر وأكثر قلت: سبحان الله! وعرفت الله أكثر وأكثر، ومن أكثر الأشياء التي تزرع الإخلاص في قلوب المسلمين القراءة في كتاب الله المقروء، وكتاب الله المنظور، وكتاب الله المقروء هو المصحف أو القرآن الكريم، والكتاب المنظور هو الكون الفسيح، وأمرنا ربنا مئات المرات بالسير في الأرض، والتفكر في خلق السماوات والأرض، وفي خلق الحيوان، وفي خلق النبات، وفي خلق الإنسان، وفي كذا وكذا فعندما تكون معلوماتي هي معلومات ألف سنة مضت أهذا تدبر وتفكر؟ أين التفكر والتدبر؟ التفكر والتدبر أن تنظر إلى الشيء بإمعان، وتنظر فيه مرة وثانية وثالثة فتخرج في كل مرة أمراً جديداً، هذا هو التفكر، وانظروا إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] في أي سياق جاءت؟ هل جاءت في سياق الحديث عن العلوم الشرعية، أم جاءت في سياق الحديث عن العلوم الحياتية؟ فقبلها يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٧ - ٢٨] فالعلماء الذين يخشون الله المذكورون في هذه الآية هم الذين نظروا إلى النبات، وإلى علوم الأرض، وإلى علوم الحيوان، وإلى علوم الإنسان، فبرعوا فيها وتدبروا وتفكروا، فشعروا بالخشية من الله . وهذا أينشتاين الذي عمل النظرية النسبية نظر إلى الكون الفسيح ورأى السرعات الهائلة الموجودة في الكون وفي الفلك، ثم قال -وهو ليس من المسلمين ولا يعرف القرآن ولا السنة- قال: وراء هذا الكون قوة خارقة، وأنا لا أعرفها. فمن المستحيل أن يكون هذا الكلام عشوائياً، ونحن ربنا عرفنا به، وهذه نعمة كبيرة جداً، ألا نتقي الله في هذه النعمة؟ وهل نترك هذه المجالات لـ نيوتين وأينشتاين وغيرهما من الكفار؟ فالتفكر في هذا الكون طريق لمعرفة الله ، وكلما عرفت أكثر وأكثر عرفت الله ، وإن أردت أن تخشع في صلاتك وأن تتدبر في قرآنك، وأن تطيع ربك حق الطاعة فاعرفه، وطريق المعرفة التدبر والتفكر في خلقه وفي كونه، ويسبق ذلك القراءة في كتابه المقروء وهو القرآن، وكذلك القراءة في السنة النبوية، وليس هناك تعارض أبداً، بل بالعكس فالقرآن يحض على العلوم الحياتية، وأنا على يقين أن معظم كلمات العلم التي جاءت في كتاب الله جاءت لتشمل العلم بنوعيه: العلم الشرعي، والعلم الحياتي، العلم النافع بكل صوره، أليس الذي يصنّع سلاحاً للمسلمين يعمل بعمل نافع؟! أليس الذي يصنّع كمبيوتراً خاصاً بالمسلمين يعلم علماً نافعاً ويعمل به؟! أليس الذي يصنع كذا وكذا يكفي الأمة مؤنة مد يدها لغيرها لشحذ العلم أو لاستيراد حتى لعب الأطفال والأغذية والقمح وغير ذلك؟ أليس هذا الذي يُبدع في مجاله يعمل ويعلم علماً شرعياً يجازى عليه من رب العالمين خير الجزاء إن أخلص فيه النية لله ؟ بلى وربي. إذاً: هذه من العلوم الأخروية حقاً، بشرط إخلاص النية لله ، فإذا سعيت إلى إصلاح أمتك وأن تكون أمتك أمة رائدة قائدة وفعلت ذلك ابتغاء المثوبة من الله وابتغاء وجه الله فأنت بإذن الله من الصالحين المجازين خيراً من رب العالمين . كانت هذه خمسة أدلة، وفي المرة القادمة سأحدثكم بخمسة أخرى وهي في غاية الأهمية، وهي أيضاً تؤكد على هذا المعنى وتقويه، ومنها بإذن الله ننطلق إلى ماذا نعمل؟ وكيف نتحرك بأمتنا لتكون في الصدارة؟ وليس هذا على الله بمعجز. ونسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 28

سلسلة كيف تصبح عالماً [٤] هناك أسباب لا بد من اتخاذها للنهوض بالأمة علمياً، وهذا واجبنا جميعاً أفراداً وجماعات، وليس من واجبنا النتائج، فالنتائج إلى الله ، فهو سبحانه إذا علم صدقنا وأنا قد بذلنا جهدنا في النهوض بالأمة علمياً، فسيحقق لنا ما فيه عزنا ونهضتنا ومجدنا، وهذا الدور ليس مقتصراً على الرجال فقط، بل على النساء أيضاً أدوار عظيمة في النهوض بالأمة علمياً.

стр. 29

ضرورة بذل الأسباب في النهوض بالأمة علمياً دون النظر إلى النتائج أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. نستكمل ما كنا قد بدأناه من حلقات حول موضوع أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وتحدثنا في عدة محاور، كان المحور الأول هو قيمة العلم بصفة عامة في الشريعة، قيمة العلم في كتاب رب العالمين وفي السنة المطهرة، وأثبتنا بما لا يدع مجالاً للشك أن العلم أساس لبناء الأمم، وأول ما فتح به كتاب ربنا ، وأن أكثر الكلمات التي جاءت في كتاب ربنا بعد لفظ الجلالة العلم. ثم تحدثنا في محاضرة أخرى عن رصد الواقع عن قراءة في واقعنا العلمي، وفجعنا جميعاً بالفجوة الهائلة التي بين أمة الإسلام وبين غيرها من الأمم التي كانت تتشابه مع أمتنا في ظروف كثيرة، ولكنها أخذت بأسباب العلم فسبقت وقادت، وتحدثنا عن الفجوة التي بين جامعات المسلمين وبين الجامعات الغربية، والفجوة التي بين علماء المسلمين والعلماء الغربيين والشرقيين، وبين التقنية والاختراع والتصنيع والابتكار والإبداع وما إلى ذلك، وكان هذا قراءة حقيقية للواقع الذي نعيش فيه، وذكرنا ذلك بالإحصائيات والأرقام. ثم في المحاضرة السابقة أخذنا في تحليل: لماذا وصل المسلمون إلى هذا الوضع؟ وذكرنا أن القضية في الأساس تمكن في فهم المسلمين على مدار عصور طويلة، حيث فهموا أن العلوم تقسم إلى علوم دين وعلوم دنيا، فتحرج المتحمسون لهذا الدين والملتزمون به والمحبون لله ولرسوله ﷺ أن ينصرفوا عن علوم الدين إلى علوم الدنيا، وأن ينشغلوا بدنياهم عن آخرتهم، كما صور الذين صنفوا هذا التصنيف: علوم دنيا وعلوم دين. وأما التصنيف الذي أرتاح له كما ذكرت أنها علوم شريعة أو شرع وعلوم حياة، والحياة ليست مذمومة كالدنيا في كتاب ربنا : ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، أما الدنيا فتأتي مذمومة ملعونة، حتى قال رسولنا ﷺ فيما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً)، فالدنيا بصفة عامة ملعونة، فكيف يقرن علماً بالدنيا ثم يكون من العلوم المحمودة؟ هذا ما لم يفهمه الكثير من الملتزمين، وبذلك أعرضوا عن التفوق في العلوم الدنيوية أو العلوم الحياتية، وتوجهوا إلى العلوم الشرعية فقط، العلوم الشرعية في غاية الأهمية، وهي لا شك تسبق العلوم الحياتية، لكن لا تقوم أمة إلا بالعلمين سوياً. وفي المحاضرة السابقة عن الإسلام وعلوم الحياة ذكرنا خمسة أدلة على أن العلوم الحياتية هي علوم شرعية، وعلى أن العلوم الحياتية إن أخذت بنية وبإخلاص تقود إلى الجنة إن شاء الله رب العالمين. قبل أن نخوض في الأدلة الخمسة الأخرى، نجيب على بعض الأسئلة التي وردت. في الحقيقة أنا سعيد جداً بالتفاعل الذي لمسته من الحضور من إخواننا وأخواتنا في هذا الموضوع مع صعوبته، أنا أعلم أنه ليس من القصص وليس من الحكايات والروايات التي تمر سريعاً على القلب، بل هو موضوع صعب ويحتاج إلى جهد، ومع ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله تفاعلكم هذا يرفع الهمة، وحضوركم بهذه الكثافة أيضاً يرفع الهمة. ونسأل الله أن يتقبل منا أجمعين، وأن يرفع من درجات المسلمين، وأن يعلي من شأن هذه الأمة في الدنيا وفي الآخرة. هذه ملحوظة جاءت من كثير من الإخوة، تقول: إن الدور الرئيسي في التغيير هو دور الحكومات ونحن أفراد لا نملك الإنفاق على البحوث العلمية، ولا نملك تحسين مستوى الجامعات، ولا نملك كذا وكذا من الأمور التي ذكرتها، براءة الاختراع، والترجمة، والكمبيوتر، والعلوم التقنية، والتصنيع، والشركات الكبرى، لا نملك كل هذا. أقول: لقد تعرضنا لهذه النقطة في الدرس السابق، ولا مانع من أن نعيد الكلام فيها؛ لأهميتها، وما أطلبه في هذه المحاضرات بعد أن نفهم قيمة العلم فهماً جيداً أن نسدد ونقارب، لو فهمنا حقيقة هي في غاية الأهمية فأنا على يقين أننا بإذن الله سنعمل بطريقة مختلفة تماماً، ليس فقط في هذا الموضوع، ولكن في كل أمور حياتنا، هذه الحقيقة: هي أن الله برحمته لا يحاسبنا على النتائج، ولكن يحاسبنا على الأعمال، ماذا عملت في حدود إمكانياتك وقدراتك التي وضعها لك رب العالمين ويسرها لك في هذه الدنيا؟ فأنت لو أتاح الله لك التفوق بمساحة معينة فهذه قدرتك، وليس مطلوباً منك ما هو أعلى من ذلك، يقول : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]. فالمطلوب من ال

стр. 30

دور المرأة في قضية العلم الذي به تنهض الأمة هذا سؤال طيب جداً من إحدى الأخوات تقول: أين المرأة في قضية العلم، تقول: إنها متزوجة ولها أولاد وعندها انشغالات في أمور خاصة ببيتها وبأسرتها، فهل تترك هذه الأمور وتتفرغ لتحضير الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه وما إلى ذلك أم لا؟ أقول: الأخوات الفاهمات الواعيات نرجو منهن الكثير والكثير، نريد منهن التحرك في ثلاثة محاور رئيسية، هذا الكلام للأخوات اللاتي يسمعن ومن لم يسمع منهن فنحن ننقل لزوجاتنا وننقل لبناتنا وننقل لأمهاتنا.

стр. 31

دور المرأة في البيت المحور الأول في قضية العلم: هو البيت، فالمرأة مسئولة عن إخراج علماء من بيتها، ليس بالضرورة أن تكون المرأة هي التي تقود حركة التغيير في قضايا العلم، ولكن هي مسئولة عن إخراج الزوج والأولاد في صورة علمية جيدة، تهيئ الجو المناسب للزوج ليبدع وينتج، تحمسه على الإبداع وعلى الاختراع وعلى التفوق والتقدم، توفر له الجو الهادئ المناسب، تضيق أحياناً على ظروف المعيشة في داخل البيت؛ لأجل توفير كتب العلم، وهذا ينبغي أن يترسخ بداخلنا، أنا أرى الناس التي تتزوج تفكر أن تأتي بغرفة نوم وغرفة سفرة، وصالون وأجهزة كهربائية وكذا وكذا، وقد لا يخطر على بالهم أن يشتروا مكتبة قيمة، وتكون من ضمن الأمور التي ستبدأ بها الحياة الزوجية، ليس مهماً أن تكون المكتبة القيمة في الخشب، أو في الشكل الخارجي، لا، أنا أقصد مكتبة قيمة فيها الكتب المتنوعة النافعة لك ولأسرتك، فالزوجة تستطيع أن تهيئ هذا الجو في داخل البيت، والأهم من ذلك أيضاً الأولاد، وكلنا نرى ظروفنا كرجال في هذا الآونة التي تعيش فيها الأمة للأسف الشديد، كلنا مشغولون فمنا الذي يشتغل في الصبح وبعد الظهر وبين كذا وكذا، ومنا الذي لا يرجع إلى البيت إلى في منتصف الليل أو بعد ذلك، ويستيقظ الصبح باكراً وينطلق إلى عمله، وهذا ليس عذراً للأزواج، ولكن هذا واقع نرصده، والزوجة هي التي تبقى مع الأولاد، فهل سيكون أولادك كـ البخاري وكـ مسلم وكـ أحمد بن حنبل وكـ الشافعي وكغيرهم من علماء المسلمين ﵏ جميعاً، أو كـ جابر بن حيان وكـ الرازي وكهؤلاء الذين غيروا وجه التاريخ، أم سيكون إنساناً بسيطاً عادياً من الصعوبة بمكان أن يعرف بعض المعلومات عن دينه وعن حياته وعن أمته؟ هذا دور في غاية الأهمية. نقف وقفة مع زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، ومع أمه ﵂ وأرضاها، فـ زيد بن ثابت وهو طفل صغير عمره ثلاث عشرة سنة أراد أن يخرج للقتال في بدر واشتاقت نفسه للجهاد في سبيل الله وهو لا يزال صغيراً، لأن حركة المجتمع كله كانت متجهة للجهاد، فارتفعت حميته للجهاد في سبيل الله، لكن الرسول ﵊ رآه صغيراً فأشفق عليه فرده، فبكى زيد بن ثابت حباً واشتياقاً للجهاد، ورجع إلى البيت وهو يبكي، فقالت له الأم: ما يبكيك؟ فقال: ردني رسول الله ﷺ عن الجهاد في سبيل الله، فقالت: إن كنت لا تستطيع أن تجاهد بالسيف كما يقاتل المقاتلون، فأنت تستطيع أن تخدم رسول الله ﷺ والإسلام بالعلم الذي عندك، أنت تقرأ وتكتب وتحفظ من القرآن ما لا يحفظ غيرك، وتقرؤه كما أنزل على رسول الله ﷺ ، فتعال نعرض هذه الإمكانيات على الرسول ﷺ فقد يستغلها. انظروا إلى الأم الفاهمة الواعية للشرع. هناك بعض الإخوة لما يغلق باب الجهاد يعتقد أن القضية انتهت، وما عليه إلا أن يقعد إلى أن يفتح باب الجهاد، نقول: لعله لا يفتح باب الجهاد في حياته، فالمسلم لا يقعد ويركن أبداً، فـ زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه أغلق أمامه باب ففتحت له أمه باباً آخر، ألا وهو باب العلم، وذهبت به إلى الرسول ﵊ وعرضت عليه الإمكانيات التي عنده، فسمع منه ﷺ واختبره، فقرأ زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه أمامه القرآن وأحسن القراءة، وهو أيضاً يكتب، وهذا نادر في هذه البيئة، فقال له: اذهب وتعلم لي لغة اليهود؛ فإني لا آمنهم على كتابي، وذهب زيد بن ثابت فتعلم اللغة العبرية في سبع عشرة ليلة، ستقول لي: كيف استطاع أن يعمل هذا؟ سأقول لك: لا أعرف، لكن هو ربنا بارك له في وقته، أو لعله كان يعرف بعض الأمور عن اللغة العبرية وأتقن هذه اللغة في هذه الأيام السبعة عشر، لكن الظاهر أن ربنا بارك له في وقته وبارك له في علمه، وفتح له أبواب الخير، وعاد يتكلم اللغة العبرية كأهلها، وبعثه الرسول ﵊ ليتعلم لغة أخرى وهي السريانية فتعلمها، ثم أمره بكتابة الوحي، وصار من كتبة الوحي، فمات الرسول ﵊ في سنة إحدى عشرة من الهجرة، وأوكل الصديق ﵁ وأرضاه لـ زيد بن ثابت مهمة جمع القرآن، وكان عمره حينها ثلاثاً وعشرين سنة. انظر ثلاثاً وعشرين سنة في زماننا يكون وقت التخرج من الجامعة، فـ زيد بن ثابت أوكلت إليه مهمة من أثقل المهام في تاريخ البشرية جمعاء، إنها مهمة جمع كتاب الله ليحفظ إلى يوم القيامة، كل واحد فينا وفي أي بلد في العالم وفي أي زمن من الأزمان يقرأ في كتاب ربنا يعطي زيداً أجراً، دون أن ينقص من أجورنا شيئاً إن شاء الله، فهذا عمل أفاد الأمة الإسلامية، وهو من جانب العلم وليس من جانب الجهاد كما ذكرنا. يقول الحسن البص

стр. 32

دور المرأة في مجال تخصصها العلمي المحور الثاني في غاية الأهمية أيضاً: وهو محور العلم نفسه الخاص بها، أعني: مجال تخصصها، وأنا أهيب بالنساء والأخوات أن يتخصصن قدر المستطاع فيما يفيد الأمة عن طريق الأخوات، يعني: هناك بعض الأمور تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، وتسد فيها المرأة الثغرة أكثر من الرجل، فنحن نحتاج في هذه الأمة طبيبات يسترن عورات المسلمات، فليس هناك داع أن مسلمة تذهب وتكشف عند رجل طبيب مع وجود النساء الطبيبات الماهرات الحاذقات الفاهمات في علمهن فهماً دقيقاً جيداً، فهذه ثغرة نحتاج إلى سدها، وليس فقط في فرع النساء والتوليد، لا، بل في فرع الباطنية والأمراض الجلدية والعيون والأنف والأذن والحنجرة وغير ذلك من الفروع التي تتحرج المرأة جداً من الذهاب إلى الطبيب. لكن إذا لم يوجد غير الطبيب وانعدمت النساء المعالجات فللمرأة أن تذهب إلى الطبيب؛ لأن عندها عذراً في ذلك، لكن إذا كان عند المرأة ثغرات فلماذا لا تسدها؟ إذا: هذا مجال. وأيضاً مجال التدريس، هذا مجال في غاية الأهمية، وقد تبدع فيه المرأة إبداعاً غير مسبوق وتصل إلى ما لا يصل إليه الرجال عادةً، والمرأة بصفة عامة أقرب إلى الأطفال منها من الرجال. إذاً: هذا محور في غاية الأهمية: مجال تخصصها، فتبدع فيه إن شاء الله، لكن أؤكد على أن النقطة الأولى هي المرتبة الأولى، والنقطة الثانية هي المرتبة الثانية، والنقطة الثالثة هي المرتبة الثالثة، يعني: بهذا الترتيب.

стр. 33

دور المرأة في مجال الدعوة إلى الله وتوريث التخصص للآخرين المحور الثالث: الدعوة إلى الله ، لا تكون الدعوة إلى الله إلا عن علم، فلابد للمرأة أن تتعلم شيئاً وتنقله، فلا تنقل شيئاً عن جهل فتضر من تنقل إليه، سواء كان هذا العلم علماً شرعياً أو علماً حياتياً، يعني: إذا كنت متقنة لشيء في العلوم الشرعية: متقنة للتجويد، متقنة لبعض الأمور الفقهية، متقنة للرقائق والأخلاق أو غير ذلك، فانقلي هذه العلوم إلى غيرك: (بلّغوا عني ولو آية). كذلك توريث العلم التخصصي، فإذا كنت متخصصة في النساء والتوليد أو في غيرها فاهتمي ببنات جنسك من النساء المسلمات اللاتي في نفس التخصص، وذلك بالرفع من مستواهن ومن قدراتهن. هناك شيء مهم جداً أيضاً وهو داخل في هذه النقطة ألا وهو تعليم القراءة والكتابة، فالأمية كما ذكرنا في الدرس السابق متفشية بدرجة غير مقبولة في بلاد المسلمين، وهي في النساء أعلى منها في الرجال، فنسبة الأمية في النساء تقريباً ضعف نسبة الأمية في الرجال، ليس في مصر وحدها ولكن في بلاد العالم أجمع، ومنها بلاد العالم الإسلامي. وأنا أنتهز المناسبة من أجل أن أحمس أخواتنا وإخواننا أيضًا على قضية الأمية هذه؛ لأن عندي سؤالاً يقول: هل مطلوب مني أن أحضر رسالة ماجستير ودكتوراه وعندي عدد هائل من الأمة لا يقرأ ولا يكتب أصلاً؟ فأقول: كل ميسر لما خلق له، عندنا أناس ستبدع في مجال الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والهندسة والعلوم الأخرى، وعندنا أناس تستطيع أن تفرغ طاقتها الدعوية، وتخدم أمتها عن طريق تعليم أولئك الذين لا يقرءون ولا يكتبون، يعني: ليس كلنا يستطيع أن يصل إلى درجة العلماء المتخصصين في الفرع الذي أنت فيه، لكن ممكن تشغل نفسك بتعليم المسلمين القراءة والكتابة، وهذا عمل جليل، وهو عمل ليس صعباً، فأحد إخواني كنت أتحدث معه عن الأمية قبل أن آتي إلى المحاضرة، فقال لي: أنا قعدت مع اثنين من حراس العمارات في إحدى المناطق مدة شهر واحد فقط، وكنت أجلس معهم كل يوم ساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين أعلمهم فيها اللغة العربية، وكانا أميين لا يعرفان القراءة ولا الكتابة، وخلال شهر أتقن الاثنان القراءة والكتابة، هل هذا متيسر للجميع؟ أنا أعتقد أنه متيسر وأكثر من ذلك، لكن ابدأ وربنا ييسر: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، نعود إلى نسبة الأمية في مصر، الحمد لله نزلت نسبة الأمية من (٤٥%) عام (٢٠٠٣م) إلى (٢٩%) في هذه السنة، يعني: أن (٢٩%) من شعب مصر أمي لا يكتب ولا يقرأ، وهذه نسبة خطيرة، يعني: من كل عشرة ثلاثة لا يستطيعون القراءة أصلاً لا يفتحون المصحف أساساً ولا كتاباً ولا صحيفة ولا غير ذلك، ونحن قاعدون بينهم وهم قاعدون بيننا، فهم ليسوا منعزلين في بلد ثان، لا، بل هم موزعون علينا كلنا، كل واحد منا يرى حوله منهم، فهؤلاء مسئولية من؟ مسئولية الحكومة فقط أم مسئوليتنا جميعاً؟ من أجل أن تعرف إلى أي حد صار هذا الرقم مخيفاً فاعرف نسبة الأمية في إسرائيل أيضاً، ونحن نقارن بإسرائيل؛ لأنها دولة -كما ذكرنا- لقيطة خرجت من لا شيء منذ حوالي ستين سنة أو أقل من ستين سنة، لكن أخذوا بالعلم حقيقة علم الحياة، فنسبة الأمية في إسرائيل (٢. ٩%)، بينما في مصر (٢٩%) يعني: العلامة العشرية فقط انتقلت قليلاً، هي جاءت كذا قدراً (٢. ٩%) فقط. هذه النسبة في سن من كان فوق خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة، لو أخذنا الشباب فسنجد أن (١٥%) من شباب مصر لا يكتب ولا يقرأ، ستقول: مجانية التعليم، وستقول: التعليم الإلزامي: وستقول وستقول انظر (١٥%) من شبابنا لا يقرءون ولا يكتبون، في إسرائيل هذه النسبة (٠. ٢%)، هؤلاء الشباب سيكبرون وهم غير متعلمين إذا لم يعلم مستقبلاً، وستحدث مشكلة؛ لأن هذا الشاب الذي لا يقرأ ولا يكتب لن يكون حريصاً تمام الحرص في الأغلب على أن يكون أولاده من العلماء، فأكبر شيء قد يعمله أنه يعلمهم أن يقرءوا ويكتبوا، أو يدخلهم المدرسة ليأخذوا شهادة أياً كانت هذه الشهادة، لكن لن يكون عنده طموح العلماء؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولا يستطيع أن يساعد أولاده، فهذه فتنة كبيرة، والمسئولية مسئوليتنا. إذاً: أنا أعلمه الآن من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة قبل أن يؤسس أسرة، أعلمه بحيث إذا أسس أسرة يربي أولاده تربية صحيحة. أنا أريد أن أخبركم عن رقم غريب جداً: نحن دائماً نضرب الأمثلة بإسرائيل وبأمريكا وبإنجلترا وبفرنسا فيأتي لنا نوع من الإحباط؛ لأن هذه بلاد متقدمة كما يقولون، نحن كما قلنا عندنا (١٥%) في الشباب أمية، فنسبة الأمية في كوبا في الشباب من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة، وكوبا هي بلد موجودة، لكن لا نسمع عن أي تأثير لها في حركة التاريخ أو الواقع فنسبة الأمية فيها (صفر) يعني: ليس فيها ولا شاب من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة لا يقرأ ولا يكتب، كل الشباب يقرأ ويكتب. وهذه الصحوة جديدة فجائز أن تكون نسبة الأمية في كوب

стр. 34

دور طلاب وأساتذة وخريجي الكليات النظرية في النهوض العلمي للأمة سأل أحد الإخوة: ما هو دور الطلاب والأساتذة والخريجين في الكليات النظرية؟ يعني: كل ما ذكرناه من براءة اختراع وتصنيع وغير ذلك، فطالب يقول لي: أنا في الآداب فهل بإمكاني أن أنفع الأمة وأخوض في هذا العلم، أم أغير الكلية؟ أم ماذا أعمل؟ فقلت له: أنت في أي قسم في الآداب؟ فقال: في قسم التاريخ، قلت له: أنت على ثغرة -لو تعرف قيمتها- من أهم الثغرات التي طعن فيها المسلمون أكثر من طعنة. التاريخ مزور تمام التزوير، وإن شاء الله في هذه المحاضرات سيكون لنا محاضرة بعنوان: روائع الحضارة الإسلامية العلمية، ستكتشفون أنا لم ندرس شيئاً عن تاريخنا، وأن كل الذي عرفناه عن تاريخنا مجرد صراعات وخلافات وانقلابات ومؤامرات وأمور من هذا القبيل، ومعظمها مزورة. فدور إخواننا في الكليات النظرية أن يبدعوا في هذه المجالات، كل في مجاله، فكلية الآداب فيها قسم تاريخ، وهذه ثغرة رهيبة؛ لأن هذه الكليات في العموم فيها الكثير من العلمانيين، فهناك رسالة ماجستير رفضت في إحدى الجامعات المصرية عن الرسول ﷺ في السيرة النبوية؛ لأن مراجعها ومصادرها إسلامية ليست غربية، فعندما أتكلم على الرسول ﷺ مطلوب مني أن آتي بمرجع فرنسي وألماني وإنجليزي ولا ينفع أن آتي بمراجع علماء المسلمين؛ لأن هذا تخلف، ورفضت فعلاً الرسالة إلى أن عدل المراجع وأتي بالمراجع الغربية والشرقية، فنحن بحاجة إلى أن نغزو هذه الأماكن ونغير من هذه العلوم، ونضع المعايير الشرعية الإسلامية لدراسة التاريخ وغيره من الفروع. أيضاً في كلية الآداب قسم لغات، وهذا قسم في غاية الأهمية، من يصل بالإسلام الصحيح وبالشرع الحنيف وبالتاريخ المنضبط إلى الروس وإلى اليهود وإلى الأسبان وإلى كذا وكذا من البلاد الأعجمية؟ من يصل إليهم إن قصر في ذلك أبناء الأمة الإسلامية، أو علماء الأمة الإسلامية. إذاً: أنت عليك أن تتعلم هذه اللغة وأن تتقنها كأهلها، كـ زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه فقد تعلم اللغة العبرية والسريانية وأتقنهما. ثم عليك أن تتحرك بالعلوم النافعة إليهم، وتعرفهم دين ربنا وتقيم حجة الله على عباده، هذا دور في غاية الأهمية لإخواننا الطلاب في هذا القسم قسم اللغات. وقس على هذا علم النفس، تجد معظم العلماء في علم النفس إما يهود وإما علمانيون وإما ملحدون وإما غير ذلك، وهذا للأسف الشديد شيء خطير جداً، وأسس علم النفس على أيديهم وانتقل بعد ذلك إلى كل الأرض بما فيها أمة الإسلام، مع أن علم النفس له أسس في منتهى القوة والوضوح في كتاب ربنا، وفي سنة حبيبنا ﷺ ، وفي حياة الصالحين من أبناء الأمة، وفي علماء المسلمين. كذلك علم الاجتماع، علم كذا، فالكلية كلها من أولها إلى آخرها تستطيع أن تكون فيها مبدعاً وعالماً من العلماء، ومخترع علم الاجتماع هو ابن خلدون ﵀ فهو الذي ابتكره من الأساس، ونسب إلى الفرنسي ديكارت بعد ذلك ظلماً وعدواناً، لكن -كما قلنا- الذي اخترعه وابتكره وأول من كتب فيه هو ابن خلدون ﵀. وهذا سؤال آخر حساس من أحد طلبة كلية الحقوق يقول فيه: إنه يعرف شخصاً ترك الكلية؛ لأن الكلية تدرس أموراً مخالفة لشرع الله ، تدرس قوانين وضعية، فمن ثم ترك الكلية تأثماً أن يكون من الدارسين لها، ولو أكملت دراستي في الكلية فليس معقولاً أن أحضر دراسات في الكلية في العلوم التي هي قوانين وضعية مخالفة للشريعة؟ أقول: إن كلية الحقوق تخرج لنا كل سنة (٧٠٠٠) طالب أو (١٠٠٠٠) أو (٢٠٠٠٠)، والشيخ الذي يقول: إن على الطلبة الملتزمين ألا يدخلوا هذه الكلية وأشباهها، وهذا الكلام موجود يقوله بعض الناس، يقولون: ما دام الشخص التزم فعليه أن يترك الكلية، أقول: أنت عندما تحصل لك مشكلة في البلد: مشكلة قضائية مع جارك، أو مشكلة مع رئيسك في العمل، أو مشكلة في أي شيء ماذا ستعمل حينها؟ ستذهب إلى محام قد لا يتقي الله ، وقد يدلس ويكذب، وقد يفعل كذا وكذا وكذا، فهل نحن لسنا محتاجين لمن يراعي ربنا في هذا المكان، ويحافظ على حقوق المواطنين الذين يعيشون في هذا البلد؟! نعم نحن بحاجة إلى ماهر في هذه الوظيفة يدافع عن المظلومين، ألسنا نظلم بصفة عامة في هذه الحياة؟ مليون مرة يحصل الظلم، سواء على مستوى كبير أو صغير، أو مستوى جارك، أو مستوى حكومي أو فردي. إذاً: من الذي يرد لك هذا الحق؟ ما دام لا يوجد قانون شرعي (١٠٠%) كشرع الله فهل أترك أرضي لمن يأخذها ولا أتكلم؟ ويأخذ فلان داري فلا أتكلم؟ ويصدمني آخر بسيارته فلا أتكلم؟ ويخرجني هذا من عملي فلا أتكلم؟ ويعتقلني شخص فلا أتكلم؟ هذا لا ينفع، لا بد أن تذهب إلى شخص يخرجك من هذه الأزمة ومن هذه المشكلة، فهذه ثغرة محتاجة لشخص عنده ضمير وعنده علم وتقوى لله ؛ لكي يسد هذه الثغرة. نعم قد يقول قائل: ليس في يدي أن أغير قوانين البلد، نقول: أنت في يديك أن تكشف الأوراق، فأ

стр. 35

تابع الأدلة الدالة على كون العلوم الحياتية علوماً أخروية شرعية ذكرنا في الدرس السابق أن العلوم الحياتية من العلوم الشرعية، وذكرنا خمسة أدلة: الأول: أن الله خلق الإنسان على الأرض وأمره أن يعمرها وينشئها ويبدع فيها، قال : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، وذكرنا هذه الأسماء وقلنا: هي علوم حياته: هذا جبل، وهذا سهل، وهذه شجرة، وهذا بحر، وما إلى ذلك. الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] يعني: قد اكتملت العلوم الشرعية، ولم تكتمل بعد العلوم الحياتية، والمسلمون يحتاجون إلى الخوض في هذا المجال والتعلم فيه، كما قال ربنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣]. الدليل الثالث: أن الكثير من قضايا الفقه لا يمكن أبداً الإفتاء فيها بحق وبعلم إلا في حال وجود متخصص في المجال الحياتي، يعني: متخصص في العلوم الطبية، أو متخصص في العلوم الاقتصادية؛ لكي يعرف الفقيه أن يصدر حكماً صحيحاً لابد من أهل التخصص يشرح له القضية شرحاً وافياً. الدليل الرابع: ما البديل لفشل الأمة الإسلامية في العلوم الحياتية؟! هل البديل أن نعتمد على غيرنا فنستورد كل شيء؟! وهل تقوم أمة على أكتاف غيرها؟! بل هل تقوم أمة على أكتاف أعدائها؟! فمعظم الاستيراد يأتينا من بلاد محتلة لنا، هل هذا يعقل؟! هل هذا أمر مقبول شرعاً؟ هل هذا أمر شرعي أن أكون متخلفاً في التصنيع، لدرجة أنني أعتمد على عدوي في التصنيع، وأستورد منه هذه الأمور؟! انظر إلى هذه الإحصائية: الواردات في البلاد العربية: (٣٧. ٧%) من ورادات العالم العربي من الآلات ومعدات النقل، وأكثر من (٦٠%) من وارداتنا تصنيع، وستجد رقماً آخر غريباً جداً، فوارداتنا من المواد الخام (٥%) يعني: بفضل الله بلادنا غنية جداً بالمواد الخام، فهي كثيرة جداً لدرجة أنني لا أحتاج أن أستورد من المواد الخام غير (٥%) فقط، لكن نحن نستورد (٦٠%) وأكثر من الأمور المصنعة، فنحن عندنا بقر فيها لبن، وعندنا أرض تخرج خيراً، لكن لا نستغل هذه الأشياء، فنجعل غيرنا يستغلها ثم يبيعها لنا بعد ذلك بعشرة أضعاف الثمن. ثم نأتي إلى صادرات العالم الإسلامي ستجد (٦٩%) من صادرات العالم الإسلامي من البترول، ويستوردون (٥%) من المواد الخام، يعني: حوالي (٧٥%) من صادرات العالم الإسلامي من المواد الخام، فنحن نصدر المواد الخام ويصنعونها في الخارج ثم نعود لنستوردها مرة أخرى، هل يستقيم هذا الوضع؟ حتى البترول الذي نحن نصدره بكميات كبيرة من الذي يخرجه من غير تصنيع؟ شركات أمريكية، وشركات كندية، وشركات أوروبية ويأخذون نسباً رهيبة من البترول، وعقود احتكار تسعة وتسعين سنة، يعني: قصرها على نفسه وعلى أولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده، تسعة وتسعون سنة عقود احتكار في شركات استخراج البترول من هنا وهناك من أطراف العالم العربي المختلفة. إذاً: هذه الأرقام تحتاج إلى وقفة من المسلمين. وتكلمنا عن السلاح، وقلنا: إننا نستورد السلاح في الغالب كله من الخارج، لا يصنع في بلاد المسلمين، قليل جداً من البلاد الإسلامية هي التي تصنع السلاح، ومعظم الدول الإسلامية تستورد السلاح من أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا، يعني: أمريكا وإنجلترا احتلتا أفغانستان والعراق ونستورد منهم سلاحاً، وروسيا احتلت الشيشان ونستورد منهم سلاحاً، هذا شيء لا يقبل. الدليل الخامس: أن علوم الحياة طريق لمعرفة الله ، كلما تقرأ في الكون أكثر تعرف ربنا سبحانه أكثر، وتستطيع أن تعبد الله عبادة صحيحة، ولذلك يقول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، يأتي الإشراك عندما لا تقدر الله حق قدره، والتبحر في هذه العلوم يعطي لله قدره، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، عندما أقرأ في الطب وفي الفلك وفي الجيولوجيا وأرى هذه العلوم الواسعة، وأرى خلق الله ، وفي النبات وفي الحيوان وفي غيره أزداد تعظيماً لله وعبادة له.

стр. 36

العلوم الحياتية وسائل لفقه القرآن الكريم والسنة المطهرة الدليل السادس: أن العلوم الحياتية وسائل من وسائل فقه القرآن الكريم والسنة المطهرة، يعني: لكي أعرف أفسر القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً أحتاج إلى معرفة العلوم الحياتية. يعني: أن علماءنا القدماء من السلف عندما قرءوا آيات في القرآن الكريم فهموها فهماً معيناً وفسروها على وجه معين، ولما تقدم العلم بالمسلمين فهمنا منها أشياء أخرى وظهرت وجوه جديدة، فمثلاً: قوله : ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٧] فبعد ظهور العلم الحديث وكلكم تسمعون للدكتور زغلول النجار بارك الله فيه، والدكتور أحمد شوقي إبراهيم وغيرهما ممن يتكلم في هذا المجال، فهؤلاء اكتشفوا أن الجبل الذي فوق الأرض إنما هو جزء يسير من حقيقة الجبل، وأن معظم الجبل داخل الأرض كالوتد، فإذا أضفت إلى ذلك أن مهمة هذه الجبال هي تثبيت الأرض كمهمة الوتد عندما يثبت الخيمة، فهذا متفق مع كلمة الوتد، وهذا يعني الكثير والكثير عندما يكتب في تفسير القرآن، أليس هذا مختلفاً عن مجرد القول بأن الجبال أوتاد يعني: قوية وراسخة وكبيرة؟ فلو فسرنا الآية بهذا التفسير العلمي فكم من الناس في الأرض إذا قرءوا هذا التفسير العلمي قد يسلمون؟! قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، أحد الإنجليز كان يشاهد برنامج في التلفاز عن أبحاث الفضاء، وكانت المذيعة تقول لعالم من علماء الفضاء: أنتم أنفقتم أموالاً ضخمة على الفضاء وكذا والناس تموت من الجوع ومحتاجة لهذه الأموال، فقال: نحن اكتشفنا تقنيات حديثة، ووسائل في العلاج، ووسائل في كذا، واكتشفنا اكتشافات لم نكن نستطيع أبداً أن نكتشفها لو لم ننفق ما أنفقنا في رحلات الفضاء هذه، قالت له: مثل ماذا؟ قال لها: كانشقاق القمر، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك -ونحن لا نفهم كيف- أن القمر قد انشق قبل زمن والتحم من جديد سبحان الله! هذا الإنجليزي كان يشاهد التلفاز وكان قد أهديت له نسخة من القرآن الكريم مترجمة، وقبل مشاهدة البرنامج كانت أول سورة فتحها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فقال: كيف انشق القمر؟! هذا كلام غير مقبول، فلما شاهد البرنامج أسلم من ساعته، وهو الآن من الدعاة إلى الله ، فهذه إضافة. فهل ستظل أمة الإسلام منتظرة لأمريكا أو إنجلترا أو أسبانيا أو ألمانيا حتى تكتشف اكتشافاً علمياً فتذهب لتسقطه على القرآن الكريم؟ هذا لا ينفع، على علماء المسلمين أن يكتشفوا العلم، ونحن نجد في كتاب ربنا هذه الأشياء، فيكون هذا حجة دامغة على العباد، وكتاب الله لا تنقضي عجائبه، وسيظل هكذا إلى يوم القيامة، في كل سنة وفي كل قرن يخرج لنا منه شيء، لا تظنوا أن هذه هي آخر القصة، لا، سيأتي مستقبلاً ونرى أشياء أخرى وثالثة وعاشرة، وبعد عشرات السنين من الآن إن كان في عمر الأرض بقية سترون الكثير والكثير، وسيرى أحفادنا الكثير والكثير؛ لأن هذا الكتاب كتاب معجز. إذاً: العلوم الحياتية لو أخذتها بهذه النية ألا يكون هذا علماً شرعياً يساعدك على تفسير القرآن الكريم، ويساعدك على هداية الناس لرب العالمين، ويفتح قلوب العباد، فمنهم من يفتح القلوب بكلمات رقيقة، ومنهم من يفتحها بالأخلاق الحسنة، ومنهم من يفتحها مثل هذه العلوم، وهذا طريق من أهم الطرق.

стр. 37

آثار التخلف العلمي عند الدعاة إلى الله الدليل السابع: هل من مصلحة الدعوة أن يكون حاملوها من المتخلفين علمياً؟ عندما يأتي شخص من أي دولة غربية وهو نصراني أو يهودي أو ملحد عندما يسمع أنه يوجد بلاد اسمها إسلامية، فخرج ينظر ما هي البلاد الإسلامية فلو قرأ الإحصائيات التي ذكرناها فهل ممكن يفكر في الإسلام؟ صعب، لكن لو قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة فإنه سيجد حججاً قوية، لكن أنت عرضته على فتنة إقفال الباب من الأساس؛ بسبب إهمالك العلوم الحياتية. يقول الله : ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٨٥]، أليس كذلك؟ ما عليه المسلمون من التردي والضعف والتخلف يجعل الذي يراهم من غيرهم يقول: مستحيل أن يكون هؤلاء على الحق، فيفتن من رآهم ولا يبحث من الأساس، قل هذا في مجال العلم، وقل هذا في مجال الأخلاق وغيره. تحدثت معكم قبل شهور في هذا المسجد عن الرجل الذي أسلم، ثم زار بلاد المسلمين وقال: الحمد لله أنني أسلمت قبل أن أرى بلاد المسلمين، يعني: لو رأيتهم قبل أن أسلم فقد أسلم، فهو رأى هذا الوضع من التخلف في العلوم، ورأى الفساد في الأخلاقيات والرشوة والفساد والتسول في الطريق وأموراً كثيرة جداً، فكان من الممكن أنه ما يفكر أصلاً في الإسلام، لكن الحمد لله الإسلام دين قاهر قوي معجز، ليس فيه خلل لا من قريب ولا من بعيد: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. إذاً: هل من مصلحة الدعوة أننا نكون متخلفين علمياً؟! عندما أتفوق علمياً أوسع مجال دعوتي فعلاً، وأدعو إلى الله بالقدوة الحسنة، ولما أقرأ لهم آيات العلم يجدونها متمثلة في، ولما أقرأ آيات الأخلاق فهي متمثلة في، آيات بر الوالدين متمثلة في، وهكذا الدعوة بالحركة، فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، لو تكلمت بعشرين كلمة في مدرج على أهمية العلم في الإسلام وأنت ساقط في مادتين فكلماتك عن العلم ليس لها معنى، والحمد لله نحن بدأنا العام الدراسي الجديد، فينبغي أن نقبل إقبالاً على العلم، لا تأتي عليك آخر السنة الدراسية وعليك مادة مثلاً أو بصعوبة تأتي بمقبول، أو يكون ترتيبك (١٥٠) على الكلية أو (٢٠٠) أو (١٠٠٠) أو لا يوجد ترتيب أصلاً كما يقول أخونا، هذا لا يستقيم. لكن لما تكون الأول على الدفعة وتتكلم كلمة إسلامية، فالناس ستسمع عندما ترى درجتك (١٠٠%)؛ لأن الأول يكون له بريق، وكذلك الثاني والثالث، من أعطى وبذل فلا بد أن يأخذ، فربنا عادل، فيا حبذا لو كان هذا الجهد في سبيل الله، فصاحبه سيأخذ دنيا وآخرة، ألا تشتاقون لهذا الوضع لنا ولأولادنا ولإخواننا ولأمتنا؟!

стр. 38

ضرورة الإتقان في العلوم الحياتية وغيرها الدليل الثامن: ربنا أمر بالإتقان في كل شيء، كما قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، فكما أنك مأمور أن تتقن الذبح فمن المؤكد أنك مأمور أن تتقن العلم الذي أنت متخصص فيه، لا شك في ذلك، وكان ﷺ يحترم الذين يتصفون بالعلم احتراماً قد لا نفهمه إلا بعد فهم قيمة العلم في الإسلام. فالرسول الله ﷺ ولى عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه وهو حديث الإسلام على سرية فيها وجوه المهاجرين والأنصار، قد نستغرب ونقول: عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه أسلم من خمسة شهور يتولى على سرية فيها مائتان من وجوه المهاجرين والأنصار، بل أتبع هذه السرية بمدد فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ أجمعين فكانوا تحت إمرته، فاستغربت الناس هذه التولية وسألت الرسول ﵊، فقال: (إني لأولي الرجل وفي الجيش من هو خير منه؛ لأنه أبصر بالحرب). ويقول ﷺ : (من تطبب وهو لا يعلم عن الطب فآذى نفساً أو ما دونها فهو ضامن)، يعني: لو أن شخصاً اشتغل بمهنة الطب وهو ليس بطبيب أو لم يكن ماهراً في هذا المجال الذي عمل به، كما -وللأسف الشديد- تجدون دكاترة في تخصص مختلف جداً يعالجون أمراضاً أخرى في تخصص آخر، فعندهم عيب في حقه لما يقول: لا أعلم، بل يعالج، فلو عالج غير متخصص مريضاً فآذاه في نفسه أو ما دون ذلك فهو ضامن، يعني: يدفع له دية الشيء الذي أخطأه، سواء كانت في النفس أو في العضو الذي أصيب بالعلاج الخطأ هذا. أما الطبيب الماهر فليس ضامناً، يعني: الطبيب الماهر إن حصل منه خطأ ولم يكن هذا الخطأ عن إهمال ليس ضامناً؛ لأنا لسنا مطالبين بأننا نعالج المرضى (١٠٠%)؛ لأن هناك أمراضاً لا يعلم شفاءها إلا الله ، وهناك أخطاء مقبولة في حق الأطباء علمياً وموجودة في الكتب، لكن الأخطاء من غير الماهر أو من غير الطبيب المتخصص غير مقبولة بالمرة، قيل هذا الكلام من أكثر من (١٤٠٠) سنة. انظروا إلى الدقة! وانظروا إلى حياته ﷺ كيف كانت ثرية بأسس العلم في كل الفروع!! عندما أصيب سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه من الذي عالجه؟ عالجته رفيدة ﵂ وأرضاها وهذه امرأة، هذا الكلام لأخواتنا، هذه امرأة تعالج رجلاً وفي هذه البيئة، يعني: الآن قد نفهم الكلام قليلاً، لكن في الماضي صعب، فقد كانت هي الماهرة في هذا العلم، فقدم لها الرجل المريض لتعالجه ﵂ وأرضاها؛ لأنها كانت متمكنة من العلاج للجرحى. كذلك قضية تأبير النخل فهي قضية في منتهى الأهمية، فالصحابة استشاروا الرسول ﵊ في تأبير النخل فأشار برأي ليس من آرائه الشرعية، بل رأي غلب على ظنه أنه يصلح، فقال رأيه في هذه القضية، فامتثل الصحابة لكلامه وهو مخالف لعلومهم، لكن هم توقعوا أن رأي الرسول ﵊ أفضل من رأيهم، فلم تنتج النخيل مثل ما كانت تنتج، وجاء التمر رديئاً، فذهبوا إليه فقال لهم كلمة رائعة ﷺ -وكل كلامه رائع ﷺ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أنا أقول وأبلغ عن ربي العلوم الشرعية، أما العلوم الحياتية فأنتم أعلم بها، لا بد أن تبدعوا فيها، استشرتموني ولست متخصصاً فيها وقلت رأيي، وأنتم أعلم بها مني، مع أنه من الرسول ﷺ . هذا الكلام يحتاج إلى فقه، وهذا الفقه تحتاج إليه الأمة؛ حتى تتحرك بهذه الحماسة في هذه العلوم الحياتية إلى جوار العلوم الشرعية.

стр. 39

تحرير الإسلام للعقول واهتمامه بالحجة والبرهان والدليل الدليل التاسع: أن الإسلام دين يحرر العقل، ويهتم جداً بالحجة والبرهان والدليل، فهو يأمر المسلمين بالتدبر والتفكر في كل شيء، حتى إنه يناقش أموراً في غاية الحرج، يناقش أمور العقيدة، والعقيدة: أن تؤمن بالله عن طريق الحجة والبرهان والدليل، لا يقول لك: هو كذا وانتهى، لا، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، هذا دليل عقلي على أن القادر على الإنشاء من لا شيء -من العدم- أقدر على الإعادة من شيء، هذا بالحجة العقلية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٧٩ - ٨٠] قد يقول قائل: كيف يجعل من الشجر الأخضر الذي بداخله ماء ناراً؟ نقول له: أليس الميت يخرج منه الحي؟! وقال في الأخير: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] فهذه حجج عقلية تأتي واحدة بعد الأخرى في قضية واحدة، وهناك آيات أخرى كثيرة في نفس السياق يقيم الحجة على الخلق أنه هو الخالق، وأنه هو الذي يجب أن يعبد، مع ما جاء عن طريق حبيبه ﷺ . فالإسلام دين يحرر العقل بالفكر والتدبر، وانظر إلى الكون من حولك، وأخرج الثورات التي في باطنه، وأبدع في هذا الخلق، فهذا أمر من رب العالمين ، فهو أمر بالسير في ملكوته ، والأمر بالسير في الأرض والتفكر والتدبر كثير جداً في كتاب ربنا.

стр. 40

ارتباط قوة الأمة الإسلامية بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية الدليل العاشر: آخر شيء نذكره في هذا المضمار: أنك إذا راجعت التاريخ الإسلامي ستجد دائماً أن عهود القوة مربوطة بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية، لا يوجد عندنا كما كان عند أوروبا من اضطهاد للعلماء، لماذا أوروبا الآن تنادي بالعلمانية؟ وعلمانية يعني: لا دينية، الإنسان العلماني يقول: لا دين، قضية الدين هذه قضية غير مقبولة، لماذا أوروبا كلها تنادي بالعلمانية؟ لأن الكنيسة الأوروبية الكاثوليكية كانت شديدة وقاسية على العلماء، فقد أوقفت حركة العلم في أوساط القرن السادس عشر عند أول ظهور الحركة العلمية والثورة العلمية، فبدأت الكنيسة تضاد وتحارب هذه الحركة العلمية بمنتهى القوة. وأنتم تعرفون محاكمات كوبرنيكوس ومحاكمات غاليليو، كوبرنيوكوس هذا هو الذي اكتشف أن الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، وأن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض كما كان معتقداً قبل ذلك، وهذا الكلام كان مخالفاً للأفكار التي عند الكنيسة، فقالوا له: كيف تقول: إن الأرض تدور؟ يعني: أنا أستيقظ في الصبح وأجد محلي قد انتقل من مكان إلى آخر، هذا ليس من المعقول، أليس كل شيء ثابت حولنا؟ خالف فكرهم فاضطهدوه إلى درجة أنهم هددوه بالقتل فهرب من البلد، وحرقوا كل كتبه ومنعوا تدريسها في كل البلاد، ولم يكتشف أن علمه هذا صحيح إلا بعد عشرات بل مئات السنين من وفاته. وغاليليو حكم عليه بأنه يحبس في بيته إلى أن يموت، وغيرهم وغيرهم ما بين سنة (١٤٨١م) إلى (١٤٩٩م) يعني: في غضون ثماني عشرة سنة قتل في أوروبا تسعون ألف عالم، من أجل هذا صاروا علمانيين؛ لأن الدين عندهم اضطهدوا العلماء، لكن نحن في ديننا -راجعوا التاريخ الإسلامي- ليس كذلك، نحن في تاريخنا علماء الحياة كعلماء الشرع، كانوا مقربين جداً من العامة ومن الحكام في الأغلب الأعم، نعم توجد هناك حالات شاذة كما تحصل في أي مجتمع، لكن الأغلب الأعم أن هؤلاء العلماء كانوا مقدمين ولهم مكانتهم، فعلى سبيل المثال: الخليفة العباسي المشهور المأمون كان إذا ترجم عالم من العلماء كتاباً من لغة غير عربية إلى اللغة العربية أعطاه وزن هذا الكتاب ذهباً، تترجم كتاب كيمياء روماني، أو تترجم كتاب طب مصري، الطب القديم للفراعنة، أو تترجم كتاباً هندياً أو كذا يوزن هذا الكتاب وتعطى ذهباً بوزن الكتاب الذي ترجمته. ماذا عن أخبار الترجمة عند البلاد الإسلامية؟ ترجم اليهود مائة كتاب سنوياً لكل مائة ألف مواطن، أما العالم العربي كله فيترجم ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن. انظروا إلى هذه المقارنات! اليهود تترجم مائة كتاب إلى اللغة العبرية لكل مائة ألف مواطن، وهم خمسة أو ستة ملايين، كل ذلك؛ من أجل أن ينقلوا لهم العلم الإنجليزي والفرنسي والصيني والياباني وغيره، بينما في العالم العربي كله، كل هذه الدول وهذه الأموال الرهيبة المكدسة لا يترجمون سوى ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن، هذا قليل جداً، لكن المأمون كان يعطي المترجم وزن الكتاب ذهباً؛ من أجل نشاط حركة الترجمة، فنقلت إلينا علوماً هائلة، أين التشجيع على هذا الأمر؟ هذا في غاية الأهمية يا إخواني! وهذا أبو يعقوب يوسف المريني من هذا أبو يعقوب يوسف المريني؟ الناس التي لم تسمع عن الأندلس لا تعرفه، أبو يعقوب يوسف المريني هذا كان زعيم دولة بني مرين كانت في المغرب، وكان رجلاً من عظماء قواد المسلمين في التاريخ -لعل الكثير لم يسمع عن أبي يعقوب يوسف المريني وكان قد أسر مجموعة من الصليبيين في إحدى المعارك فقام بمبادلات مع جيش الصليبيين، بادلهم الأسرى بكتب إسلامية كان الصليبيون قد أخذوها من مكتبة قرطبة لما دخلوها، وحفظ هذه الكتب التي كان فيها معظم علم الأندلس. انظروا إلى الفكر الذي كان عنده. أيضاً خلفاء المسلمين في الدولة العباسية يسقطون الجزية عن النصارى واليهود في البلد إذا قاموا بالترجمة، واشتغلوا بالعلوم، وكانوا يردون الأسرى إلى الصليبيين في القسطنطينية وفي غيرها، على أن يسمح لعلماء المسلمين أن يذهبوا إلى المكتبات هناك فيترجموا الكتب التي عندهم. هذا يدل على قيمة العلم في تاريخ الحضارة الإسلامية. رأينا محاكمة كوبرنيوكوس ومحاكمة غاليليو. انظروا إلى محاكمة عباس بن فرناس ﵀، عباس بن فرناس من علماء المسلمين الأفاضل المشهورين في الأندلس، كان عالماً في العلوم الحياتية، وكان مبتكراً ومبدعاً في أمور كثيرة، ليس فقط في محاولة الطيران، لكن كان عنده أكثر من اختراع، وكان مقرباً للخلفاء في زمانه، والخليفة الموجود في زمانه هو عبد الرحمن بن هشام الأموي وهذا العالم عباس بن فرناس كان له حساد، فذهبوا إلى الخليفة واتهموه بالسحر والشعوذة، وقالوا: يخرج من بيته دخان فهو يخلط أشياء بأشياء ويقول كلمات عجيبة
следующие страницы →