← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37382

كيف تصبح عالما

راغب السرجاني

Полный текст (119 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العلوم الحياتية وسائل لفقه القرآن الكريم والسنة المطهرة الدليل السادس: أن العلوم الحياتية وسائل من وسائل فقه القرآن الكريم والسنة المطهرة، يعني: لكي أعرف أفسر القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً أحتاج إلى معرفة العلوم الحياتية. يعني: أن علماءنا القدماء من السلف عندما قرءوا آيات في القرآن الكريم فهموها فهماً معيناً وفسروها على وجه معين، ولما تقدم العلم بالمسلمين فهمنا منها أشياء أخرى وظهرت وجوه جديدة، فمثلاً: قوله : ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٧] فبعد ظهور العلم الحديث وكلكم تسمعون للدكتور زغلول النجار بارك الله فيه، والدكتور أحمد شوقي إبراهيم وغيرهما ممن يتكلم في هذا المجال، فهؤلاء اكتشفوا أن الجبل الذي فوق الأرض إنما هو جزء يسير من حقيقة الجبل، وأن معظم الجبل داخل الأرض كالوتد، فإذا أضفت إلى ذلك أن مهمة هذه الجبال هي تثبيت الأرض كمهمة الوتد عندما يثبت الخيمة، فهذا متفق مع كلمة الوتد، وهذا يعني الكثير والكثير عندما يكتب في تفسير القرآن، أليس هذا مختلفاً عن مجرد القول بأن الجبال أوتاد يعني: قوية وراسخة وكبيرة؟ فلو فسرنا الآية بهذا التفسير العلمي فكم من الناس في الأرض إذا قرءوا هذا التفسير العلمي قد يسلمون؟! قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، أحد الإنجليز كان يشاهد برنامج في التلفاز عن أبحاث الفضاء، وكانت المذيعة تقول لعالم من علماء الفضاء: أنتم أنفقتم أموالاً ضخمة على الفضاء وكذا والناس تموت من الجوع ومحتاجة لهذه الأموال، فقال: نحن اكتشفنا تقنيات حديثة، ووسائل في العلاج، ووسائل في كذا، واكتشفنا اكتشافات لم نكن نستطيع أبداً أن نكتشفها لو لم ننفق ما أنفقنا في رحلات الفضاء هذه، قالت له: مثل ماذا؟ قال لها: كانشقاق القمر، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك -ونحن لا نفهم كيف- أن القمر قد انشق قبل زمن والتحم من جديد سبحان الله! هذا الإنجليزي كان يشاهد التلفاز وكان قد أهديت له نسخة من القرآن الكريم مترجمة، وقبل مشاهدة البرنامج كانت أول سورة فتحها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فقال: كيف انشق القمر؟! هذا كلام غير مقبول، فلما شاهد البرنامج أسلم من ساعته، وهو الآن من الدعاة إلى الله ، فهذه إضافة. فهل ستظل أمة الإسلام منتظرة لأمريكا أو إنجلترا أو أسبانيا أو ألمانيا حتى تكتشف اكتشافاً علمياً فتذهب لتسقطه على القرآن الكريم؟ هذا لا ينفع، على علماء المسلمين أن يكتشفوا العلم، ونحن نجد في كتاب ربنا هذه الأشياء، فيكون هذا حجة دامغة على العباد، وكتاب الله لا تنقضي عجائبه، وسيظل هكذا إلى يوم القيامة، في كل سنة وفي كل قرن يخرج لنا منه شيء، لا تظنوا أن هذه هي آخر القصة، لا، سيأتي مستقبلاً ونرى أشياء أخرى وثالثة وعاشرة، وبعد عشرات السنين من الآن إن كان في عمر الأرض بقية سترون الكثير والكثير، وسيرى أحفادنا الكثير والكثير؛ لأن هذا الكتاب كتاب معجز. إذاً: العلوم الحياتية لو أخذتها بهذه النية ألا يكون هذا علماً شرعياً يساعدك على تفسير القرآن الكريم، ويساعدك على هداية الناس لرب العالمين، ويفتح قلوب العباد، فمنهم من يفتح القلوب بكلمات رقيقة، ومنهم من يفتحها بالأخلاق الحسنة، ومنهم من يفتحها مثل هذه العلوم، وهذا طريق من أهم الطرق.

стр. 37

آثار التخلف العلمي عند الدعاة إلى الله الدليل السابع: هل من مصلحة الدعوة أن يكون حاملوها من المتخلفين علمياً؟ عندما يأتي شخص من أي دولة غربية وهو نصراني أو يهودي أو ملحد عندما يسمع أنه يوجد بلاد اسمها إسلامية، فخرج ينظر ما هي البلاد الإسلامية فلو قرأ الإحصائيات التي ذكرناها فهل ممكن يفكر في الإسلام؟ صعب، لكن لو قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة فإنه سيجد حججاً قوية، لكن أنت عرضته على فتنة إقفال الباب من الأساس؛ بسبب إهمالك العلوم الحياتية. يقول الله : ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٨٥]، أليس كذلك؟ ما عليه المسلمون من التردي والضعف والتخلف يجعل الذي يراهم من غيرهم يقول: مستحيل أن يكون هؤلاء على الحق، فيفتن من رآهم ولا يبحث من الأساس، قل هذا في مجال العلم، وقل هذا في مجال الأخلاق وغيره. تحدثت معكم قبل شهور في هذا المسجد عن الرجل الذي أسلم، ثم زار بلاد المسلمين وقال: الحمد لله أنني أسلمت قبل أن أرى بلاد المسلمين، يعني: لو رأيتهم قبل أن أسلم فقد أسلم، فهو رأى هذا الوضع من التخلف في العلوم، ورأى الفساد في الأخلاقيات والرشوة والفساد والتسول في الطريق وأموراً كثيرة جداً، فكان من الممكن أنه ما يفكر أصلاً في الإسلام، لكن الحمد لله الإسلام دين قاهر قوي معجز، ليس فيه خلل لا من قريب ولا من بعيد: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. إذاً: هل من مصلحة الدعوة أننا نكون متخلفين علمياً؟! عندما أتفوق علمياً أوسع مجال دعوتي فعلاً، وأدعو إلى الله بالقدوة الحسنة، ولما أقرأ لهم آيات العلم يجدونها متمثلة في، ولما أقرأ آيات الأخلاق فهي متمثلة في، آيات بر الوالدين متمثلة في، وهكذا الدعوة بالحركة، فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، لو تكلمت بعشرين كلمة في مدرج على أهمية العلم في الإسلام وأنت ساقط في مادتين فكلماتك عن العلم ليس لها معنى، والحمد لله نحن بدأنا العام الدراسي الجديد، فينبغي أن نقبل إقبالاً على العلم، لا تأتي عليك آخر السنة الدراسية وعليك مادة مثلاً أو بصعوبة تأتي بمقبول، أو يكون ترتيبك (١٥٠) على الكلية أو (٢٠٠) أو (١٠٠٠) أو لا يوجد ترتيب أصلاً كما يقول أخونا، هذا لا يستقيم. لكن لما تكون الأول على الدفعة وتتكلم كلمة إسلامية، فالناس ستسمع عندما ترى درجتك (١٠٠%)؛ لأن الأول يكون له بريق، وكذلك الثاني والثالث، من أعطى وبذل فلا بد أن يأخذ، فربنا عادل، فيا حبذا لو كان هذا الجهد في سبيل الله، فصاحبه سيأخذ دنيا وآخرة، ألا تشتاقون لهذا الوضع لنا ولأولادنا ولإخواننا ولأمتنا؟!

стр. 38

ضرورة الإتقان في العلوم الحياتية وغيرها الدليل الثامن: ربنا أمر بالإتقان في كل شيء، كما قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، فكما أنك مأمور أن تتقن الذبح فمن المؤكد أنك مأمور أن تتقن العلم الذي أنت متخصص فيه، لا شك في ذلك، وكان ﷺ يحترم الذين يتصفون بالعلم احتراماً قد لا نفهمه إلا بعد فهم قيمة العلم في الإسلام. فالرسول الله ﷺ ولى عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه وهو حديث الإسلام على سرية فيها وجوه المهاجرين والأنصار، قد نستغرب ونقول: عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه أسلم من خمسة شهور يتولى على سرية فيها مائتان من وجوه المهاجرين والأنصار، بل أتبع هذه السرية بمدد فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ أجمعين فكانوا تحت إمرته، فاستغربت الناس هذه التولية وسألت الرسول ﵊، فقال: (إني لأولي الرجل وفي الجيش من هو خير منه؛ لأنه أبصر بالحرب). ويقول ﷺ : (من تطبب وهو لا يعلم عن الطب فآذى نفساً أو ما دونها فهو ضامن)، يعني: لو أن شخصاً اشتغل بمهنة الطب وهو ليس بطبيب أو لم يكن ماهراً في هذا المجال الذي عمل به، كما -وللأسف الشديد- تجدون دكاترة في تخصص مختلف جداً يعالجون أمراضاً أخرى في تخصص آخر، فعندهم عيب في حقه لما يقول: لا أعلم، بل يعالج، فلو عالج غير متخصص مريضاً فآذاه في نفسه أو ما دون ذلك فهو ضامن، يعني: يدفع له دية الشيء الذي أخطأه، سواء كانت في النفس أو في العضو الذي أصيب بالعلاج الخطأ هذا. أما الطبيب الماهر فليس ضامناً، يعني: الطبيب الماهر إن حصل منه خطأ ولم يكن هذا الخطأ عن إهمال ليس ضامناً؛ لأنا لسنا مطالبين بأننا نعالج المرضى (١٠٠%)؛ لأن هناك أمراضاً لا يعلم شفاءها إلا الله ، وهناك أخطاء مقبولة في حق الأطباء علمياً وموجودة في الكتب، لكن الأخطاء من غير الماهر أو من غير الطبيب المتخصص غير مقبولة بالمرة، قيل هذا الكلام من أكثر من (١٤٠٠) سنة. انظروا إلى الدقة! وانظروا إلى حياته ﷺ كيف كانت ثرية بأسس العلم في كل الفروع!! عندما أصيب سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه من الذي عالجه؟ عالجته رفيدة ﵂ وأرضاها وهذه امرأة، هذا الكلام لأخواتنا، هذه امرأة تعالج رجلاً وفي هذه البيئة، يعني: الآن قد نفهم الكلام قليلاً، لكن في الماضي صعب، فقد كانت هي الماهرة في هذا العلم، فقدم لها الرجل المريض لتعالجه ﵂ وأرضاها؛ لأنها كانت متمكنة من العلاج للجرحى. كذلك قضية تأبير النخل فهي قضية في منتهى الأهمية، فالصحابة استشاروا الرسول ﵊ في تأبير النخل فأشار برأي ليس من آرائه الشرعية، بل رأي غلب على ظنه أنه يصلح، فقال رأيه في هذه القضية، فامتثل الصحابة لكلامه وهو مخالف لعلومهم، لكن هم توقعوا أن رأي الرسول ﵊ أفضل من رأيهم، فلم تنتج النخيل مثل ما كانت تنتج، وجاء التمر رديئاً، فذهبوا إليه فقال لهم كلمة رائعة ﷺ -وكل كلامه رائع ﷺ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أنا أقول وأبلغ عن ربي العلوم الشرعية، أما العلوم الحياتية فأنتم أعلم بها، لا بد أن تبدعوا فيها، استشرتموني ولست متخصصاً فيها وقلت رأيي، وأنتم أعلم بها مني، مع أنه من الرسول ﷺ . هذا الكلام يحتاج إلى فقه، وهذا الفقه تحتاج إليه الأمة؛ حتى تتحرك بهذه الحماسة في هذه العلوم الحياتية إلى جوار العلوم الشرعية.

стр. 39

تحرير الإسلام للعقول واهتمامه بالحجة والبرهان والدليل الدليل التاسع: أن الإسلام دين يحرر العقل، ويهتم جداً بالحجة والبرهان والدليل، فهو يأمر المسلمين بالتدبر والتفكر في كل شيء، حتى إنه يناقش أموراً في غاية الحرج، يناقش أمور العقيدة، والعقيدة: أن تؤمن بالله عن طريق الحجة والبرهان والدليل، لا يقول لك: هو كذا وانتهى، لا، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، هذا دليل عقلي على أن القادر على الإنشاء من لا شيء -من العدم- أقدر على الإعادة من شيء، هذا بالحجة العقلية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٧٩ - ٨٠] قد يقول قائل: كيف يجعل من الشجر الأخضر الذي بداخله ماء ناراً؟ نقول له: أليس الميت يخرج منه الحي؟! وقال في الأخير: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] فهذه حجج عقلية تأتي واحدة بعد الأخرى في قضية واحدة، وهناك آيات أخرى كثيرة في نفس السياق يقيم الحجة على الخلق أنه هو الخالق، وأنه هو الذي يجب أن يعبد، مع ما جاء عن طريق حبيبه ﷺ . فالإسلام دين يحرر العقل بالفكر والتدبر، وانظر إلى الكون من حولك، وأخرج الثورات التي في باطنه، وأبدع في هذا الخلق، فهذا أمر من رب العالمين ، فهو أمر بالسير في ملكوته ، والأمر بالسير في الأرض والتفكر والتدبر كثير جداً في كتاب ربنا.

стр. 40

ارتباط قوة الأمة الإسلامية بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية الدليل العاشر: آخر شيء نذكره في هذا المضمار: أنك إذا راجعت التاريخ الإسلامي ستجد دائماً أن عهود القوة مربوطة بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية، لا يوجد عندنا كما كان عند أوروبا من اضطهاد للعلماء، لماذا أوروبا الآن تنادي بالعلمانية؟ وعلمانية يعني: لا دينية، الإنسان العلماني يقول: لا دين، قضية الدين هذه قضية غير مقبولة، لماذا أوروبا كلها تنادي بالعلمانية؟ لأن الكنيسة الأوروبية الكاثوليكية كانت شديدة وقاسية على العلماء، فقد أوقفت حركة العلم في أوساط القرن السادس عشر عند أول ظهور الحركة العلمية والثورة العلمية، فبدأت الكنيسة تضاد وتحارب هذه الحركة العلمية بمنتهى القوة. وأنتم تعرفون محاكمات كوبرنيكوس ومحاكمات غاليليو، كوبرنيوكوس هذا هو الذي اكتشف أن الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، وأن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض كما كان معتقداً قبل ذلك، وهذا الكلام كان مخالفاً للأفكار التي عند الكنيسة، فقالوا له: كيف تقول: إن الأرض تدور؟ يعني: أنا أستيقظ في الصبح وأجد محلي قد انتقل من مكان إلى آخر، هذا ليس من المعقول، أليس كل شيء ثابت حولنا؟ خالف فكرهم فاضطهدوه إلى درجة أنهم هددوه بالقتل فهرب من البلد، وحرقوا كل كتبه ومنعوا تدريسها في كل البلاد، ولم يكتشف أن علمه هذا صحيح إلا بعد عشرات بل مئات السنين من وفاته. وغاليليو حكم عليه بأنه يحبس في بيته إلى أن يموت، وغيرهم وغيرهم ما بين سنة (١٤٨١م) إلى (١٤٩٩م) يعني: في غضون ثماني عشرة سنة قتل في أوروبا تسعون ألف عالم، من أجل هذا صاروا علمانيين؛ لأن الدين عندهم اضطهدوا العلماء، لكن نحن في ديننا -راجعوا التاريخ الإسلامي- ليس كذلك، نحن في تاريخنا علماء الحياة كعلماء الشرع، كانوا مقربين جداً من العامة ومن الحكام في الأغلب الأعم، نعم توجد هناك حالات شاذة كما تحصل في أي مجتمع، لكن الأغلب الأعم أن هؤلاء العلماء كانوا مقدمين ولهم مكانتهم، فعلى سبيل المثال: الخليفة العباسي المشهور المأمون كان إذا ترجم عالم من العلماء كتاباً من لغة غير عربية إلى اللغة العربية أعطاه وزن هذا الكتاب ذهباً، تترجم كتاب كيمياء روماني، أو تترجم كتاب طب مصري، الطب القديم للفراعنة، أو تترجم كتاباً هندياً أو كذا يوزن هذا الكتاب وتعطى ذهباً بوزن الكتاب الذي ترجمته. ماذا عن أخبار الترجمة عند البلاد الإسلامية؟ ترجم اليهود مائة كتاب سنوياً لكل مائة ألف مواطن، أما العالم العربي كله فيترجم ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن. انظروا إلى هذه المقارنات! اليهود تترجم مائة كتاب إلى اللغة العبرية لكل مائة ألف مواطن، وهم خمسة أو ستة ملايين، كل ذلك؛ من أجل أن ينقلوا لهم العلم الإنجليزي والفرنسي والصيني والياباني وغيره، بينما في العالم العربي كله، كل هذه الدول وهذه الأموال الرهيبة المكدسة لا يترجمون سوى ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن، هذا قليل جداً، لكن المأمون كان يعطي المترجم وزن الكتاب ذهباً؛ من أجل نشاط حركة الترجمة، فنقلت إلينا علوماً هائلة، أين التشجيع على هذا الأمر؟ هذا في غاية الأهمية يا إخواني! وهذا أبو يعقوب يوسف المريني من هذا أبو يعقوب يوسف المريني؟ الناس التي لم تسمع عن الأندلس لا تعرفه، أبو يعقوب يوسف المريني هذا كان زعيم دولة بني مرين كانت في المغرب، وكان رجلاً من عظماء قواد المسلمين في التاريخ -لعل الكثير لم يسمع عن أبي يعقوب يوسف المريني وكان قد أسر مجموعة من الصليبيين في إحدى المعارك فقام بمبادلات مع جيش الصليبيين، بادلهم الأسرى بكتب إسلامية كان الصليبيون قد أخذوها من مكتبة قرطبة لما دخلوها، وحفظ هذه الكتب التي كان فيها معظم علم الأندلس. انظروا إلى الفكر الذي كان عنده. أيضاً خلفاء المسلمين في الدولة العباسية يسقطون الجزية عن النصارى واليهود في البلد إذا قاموا بالترجمة، واشتغلوا بالعلوم، وكانوا يردون الأسرى إلى الصليبيين في القسطنطينية وفي غيرها، على أن يسمح لعلماء المسلمين أن يذهبوا إلى المكتبات هناك فيترجموا الكتب التي عندهم. هذا يدل على قيمة العلم في تاريخ الحضارة الإسلامية. رأينا محاكمة كوبرنيوكوس ومحاكمة غاليليو. انظروا إلى محاكمة عباس بن فرناس ﵀، عباس بن فرناس من علماء المسلمين الأفاضل المشهورين في الأندلس، كان عالماً في العلوم الحياتية، وكان مبتكراً ومبدعاً في أمور كثيرة، ليس فقط في محاولة الطيران، لكن كان عنده أكثر من اختراع، وكان مقرباً للخلفاء في زمانه، والخليفة الموجود في زمانه هو عبد الرحمن بن هشام الأموي وهذا العالم عباس بن فرناس كان له حساد، فذهبوا إلى الخليفة واتهموه بالسحر والشعوذة، وقالوا: يخرج من بيته دخان فهو يخلط أشياء بأشياء ويقول كلمات عجيبة

стр. 41

سلسلة كيف تصبح عالماً [٥] حين عرف الصحابة ومن بعدهم قيمة العلم ركبوا الصعب والذلول من أجل تحصيله، ومن يقرأ في قصصهم مع العلم يرى العجب العجاب من الصبر والجد والمثابرة من أجل تحصيله، حتى صاروا منارات يهتدى بهم، ويستضاء بنورهم.

стр. 42

ضرورة الاهتمام بالعلم والحذر من اليأس أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. إخواني مازلنا نتدارس سوياً في القضية الهامة التي أثرناها حول العلم: وهي أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، تحدثنا في محاضرة أولى عن قيمة العلم في الميزان الإسلامي. وتحدثنا في محاضرة ثانية عن أن هذا العلم ليس مقصوداً به العلم الشرعي فقط، ولكن المقصود به العلم الشرعي والعلم الحياتي جميعاً كلاهما. ثم ذكرنا في المحاضرة الثالثة والرابعة، الإسلام وعلوم الحياة، وذكرنا الأدلة على أن من مارس واجتهد وكد وتعب في علم حياتي، فإنه بإذن الله إن أخلص النية يكون عمله عملاً من أعمال الآخرة، ويتقرب به إلى الله ، ونرجو أن يكون ذلك في ميزان حسناته. بعد هذه التطوافة في أهمية العلوم بصفة عامة سواء كانت العلوم الشرعية أو العلوم الحياتية، وبعد الإحصائيات والأرقام التي ذكرناها والتي أبرزت الهوة الواسعة والفجوة الكبيرة بين واقع المسلمين وبين ما ينبغي أن يكونوا عليه، وبين واقع المسلمين وبين الدول الأخرى التي تعاصرنا في هذا الزمان وظروفها قد تتشابه كثيراً مع ظروفنا، بعد هذا الأمر لا بد من وقفة، إن شاء الله في هذا الدرس سنحاول أن نكون عمليين إلى أقصى درجة، في هذا الدرس نريد أن نجيب عن سؤال في غاية الأهمية ألا وهو: كيف نصبح علماء؟ ذكرنا قبل هذا أنه إذا كان طموحك فقط أن تبقى طويلب علم فأكثر ما يمكن أنك ستصير طالب علم، لكن لو كان طموحك أن تكون طالب علم وأكثر فهذا يحتاج إلى إعداد خاص، يحتاج إلى نفسية خاصة وخطة خاصة وحياة خاصة ومنهج مختلف تتناول فيه كل أمور حياتك، ستأكل بطريقة مختلفة، ستنام بطريقة مختلفة، ستمشي بطريقة مختلفة، ستتكلم بطريقة مختلفة، ستقرأ بطريقة مختلفة، أصحابك سيكونون مختلفين، حياتك كلها ستتغير من أجل أن تبقى عالماً من علماء المسلمين في التخصص الذي أنت فيه، ليس بالضرورة أن تكون عالماً في الفقه أو التفسير أو الحديث وإن كنا نحتاج إلى هذه الفروع أشد الاحتياج، ولكن في مجال تخصصك، سواء في علوم شرعية أو علوم حياتية، وفصلنا في أهمية هذا وذاك كثيراً. إذاً: كيف نصبح علماء؟ القضية خطيرة. وذكرنا قبل ذلك أيضاً إحصائية تقول: إن عدد الباحثين في العالم العربي (١٣٦) لكل مليون إنسان، بينما عدد الباحثين في إسرائيل (١٣٣٥) لكل مليون إنسان، وعدد الباحثين في أمريكا أكثر (٤٠٠٠) لكل مليون إنسان، وفي اليابان (٥٠٠٠)، نعم ليس المطلوب أن يكون كل الحضور علماء، لكن المطلوب أن نخرج (٥٠٠٠) باحث لكل مليون إنسان، وليس هذا على الله بعزيز عندما تكون النوايا صادقة والطريق سليماً، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، ولا نريد في هذا المضمار أن نسمع دعاوى الإحباط واليأس، فقد ذكرت في الدروس السابقة بعض الأمثلة الإيجابية، فهناك إخوة سمعوا الحديث عن العلم والتعلم وأهمية السبق في هذا المجال فبدئوا يفكرون كيف يتقدمون بالعلم، وهذا طيب وجميل، لكن هناك على الجانب الآخر من أصيب بالإحباط واليأس نتيجة رؤية الفجوة الكبيرة بيننا وبين غيرنا، فأرسل رسائل لا يستقيم أن تأتي من مسلم فاهم واع، فمثلاً يقول أحدهم: ذكرت أن نسبة الأمية في كوبا صفر في المائة في الشباب، وعلى مستوى الدولة كلها الكبار والصغار والرجال والنساء (٠،٢ %)، وهذه نسبة هائلة فعلاً، فماذا فعلت كوبا، فهي لم تصنع كالصين ولا ككوريا؟ يعني: ما الفائدة من العلم؟ هذا كلام غريب جداً، أنا أتعجب كيف كتبه! كان عليه أن يفكر قبل أن يكتبها، من هذا الذي يقول: إن العلم ليس له فائدة، وليس بالضرورة إذا تقدمت كوبا في الأمية ومحت الأمية من بلادها أن تصنع ككوريا والصين الآن، لكن انظر إلى المستقبل، وكوبا في السنوات الأخيرة تحقق درجة من أعلى درجات التنمية على مستوى العالم، فهي تسبق بلاداً كثيرة جداً في مستوى التنمية، والتنمية مربوطة ربطاً وثيقاً بالعلم، كلما زاد العلم زادت التنمية في البلد، وكلما زادت موارد الدولة زادت إمكانياتها الاقتصادية والتصنيعية، ولا مانع من أن تزيد ببطء، المهم أنها تزيد، لكن أن يقول إنسان: كيف بدولة متعلمة ولم تصنع مثل هذه أو تلك؟ نقول: نحن لا نريد أن نقفز مرة واحدة إلى مستوى أعلى الدول في يوم أو يومين، هذا مخالف لسنن التدرج، لكن المهم أن تسير في الطريق السليم. وشخص آخر أيضاً بعث لي (إيميل) يقول لي: إن أحد المراكز للبحوث في مصر يقوم بعمل البحوث العلمية ثم يقوم بتصديرها إلى أوروبا أو أمريكا؛ لأنه لا توجد عندن

стр. 43

معرفة قيمة العلم أول شي من أجل أن تصبح عالماً: أن تعرف قيمة الأمر الذي تجاهد من أجله، على قدر قيمة الأمر في ذهنك، على قدر العمل، وعلى قدر الوقت، وعلى قدر الجهد الذي تبذله في هذا الأمر، وقد ذكرنا أحاديث كثرة جداً في قيمة العلم وفضله، أنت تريد أن تكون عالماً؟ كلنا نريد أن نكون علماء، أذكركم بحديثين لرسول الله ﷺ من أجل أن تعرفوا ماذا تعني كلمة عالم؟ وما هو مطمحنا الذي نبحث عنه؟ كلما كبر طموحك في قضية من القضايا فرغت لها جزءاً من عمرك، هناك ناس تقاتل وتجاهد من أجل الدنيا، تراه ساهراً (٢٤) ساعة يتصارع مع هذا ومع ذاك، ممكن يختلف ويتشاجر حتى مع إخوانه، ممكن يدلس، ممكن يسرق، وحتى في الحلال قد يبذل المرء كل الوقت وكل الجهد وكل الفكر، ويقرأ ويبحث ويسافر ويسهر ويكدح من أجل أن يجمع مالاً، فلا بد أن تبذل الجهد والوقت في قضية العلم إن كنت تعرف قيمته، أما إذا كنت. لا تعرف قيمته فقد تعطيه جزءاً يسيراً من جهدك ووقتك، ستذاكر ربع ساعة، ثلث ساعة، قبل الامتحان أياماً قليلة، حسب قيمة العلم في ذهنك، هناك ناس تقاتل من أجل السلطة وترون إلى أي درجة تكون التصارعات على السلطة، والدماء التي تسيل والأشلاء التي تقطع هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها، تقاتل الناس من أجل السلطة حين أحست بما أحس بقيمة السلطة، وأنت على قدر قيمة العلم عندك اعمل واجتهد، وانظر إلى قيمة العلم وقيمة العالم في نظر حبيبنا ﷺ ، يقول ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، تكلمنا عن الحديث من قبل، وبفضل الله كل هؤلاء الحضور فتحوا لهم طريقاً إلى الجنة، نسأل الله القبول منا أجمعين، وكلما بعدت المسافات وجاء من مكان بعيد كان الطريق أوسع وأرحب وأعظم إلى الجنة. ثم من الكلمات الجميلة جداً يقول ﷺ : (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضاً بما يصنع)، يعني: عندما تأتي لطلب العلم تقابلك الملائكة في الطريق -وأنت لا تراها لكن هي تراك- فتضع أجنحتها لك؛ تواضعاً لك، وتعظيماً لك، وتكريماً وتبجيلاً لك، تقف لك الملائكة في الطريق هكذا؛ لأنك تذهب إلى مجلس علم تلتمس علماً، انظر إلى عظم الأمر، تغيرات كونية هائلة، تنزل الملائكة وتضع أجنحتها لا تحرسك فقط، بل تتواضع لك، وتبجلك وتعظمك. وجاء في الترمذي وأبي داود وابن ماجه -وهو حديث صحيح- عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض) عندما تجعل هدفك في حياتك أنك تصبح عالماً في مجال من مجالات العلوم النافعة للمسلمين تصبح في هذه الدرجة العجيبة، يستغفر لك من في السماوات ومن في الأرض، قد يخطر على بالنا أن من في السماوات الملائكة، ومن في الأرض البشر فقط، نقول: لا، بل هناك أشياء أخرى تستغفر لك غريبة جداً يقول: (حتى الحيتان في الماء)، يعني: حتى السمك في الماء يستغفر لك، وكذلك الحيوانات، وكذلك النباتات، وكذلك كل خلق من خلق الله ؛ لأنه لما قال: (حتى الحيتان) يعني: أن كل شيء في الكون يستغفر لك حتى الحيتان في الماء، وهي أصلاً لا تراك بعيدة عنك ومع ذلك تستغفر لإنسان يطلب العلم، أليست هذه درجة نطمح جميعاً أن نكون فيها؟! ثم يقول ﷺ : (وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) فائدة القمر عظيمة مقارنة بغيره من الكواكب. وقوله: (فضل العالم على العابد) يعني: لو قال: فضل العالم على الجاهل لفهمنا المعنى، ولو قال: فضل العالم على الفاسق لكان واضحاً، لكن قال على العابد، يعني: العالم أفضل من إنسان عابد لربه ؛ لأن العابد ليس على علم، فالفرق بين العابد وبين العالم كالفرق بين القمر ليلة البدر وسائر الكواكب. ثم يقول: (وإن العلماء ورثة الأنبياء) يعني: إن كنت تريد أن ترث حبيبك ﷺ فهو لم يترك مالاً ﷺ وإنما ترك العلم، فهذا هو ميراث الحبيب ﷺ وميراث الأنبياء جميعاً: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) يعني: أنت تنافس العالم وترجو أن تكون في مقامه، وتتمنى أن تكون في موضعه، لكن أحياناً طموحنا نريد أن نكون مثل فلان في ثروته، مثل فلان في سلطته، مثل فلان في وضعه الاجتماعي، مثل فلان في شكله، وهذه الأمور كلها لا تساوي شيئاً، الذي يساوي حقيقة هو ميراث الأنبياء العلم، (فمن أخذه أخذ بحظ وافر) يعني: أخذ بفضل كبير جداً. والعلم هو ما أعطاه ربنا لأخص أهله من أهل الأرض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. في الحديث السابق يقارن الرسول ﵊ بين العالم والعابد، ويجعل المقارنة بينهما القمر ليلة البدر وسائر الكواك

стр. 44

قيمة العلم عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم وجهودهم في تحصيله لقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه من العلماء الأفذاذ في الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، وقد قال كلمة عجيبة جداً، قال: ليودنّ رجال قتلوا في سبيل الله شهداء، أن يبعثهم الله يوم القيامة علماء؛ لما يرون من كرامتهم. يعني: من قتل في سبيل الله شهيداً عندما يرى مكانة العالم يوم القيامة يتمنى أنه لو كان عالماً وليس شهيداً، انظر إلى أي حد وصلت قيمة العلم في نظر عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه، وعمل بهذا القول طيلة حياته، فكان من أعظم علماء الأرض ﵁ وأرضاه، ورضي الله عن الصحابة أجمعين. وكذلك نفهم الكلمة التي قالها الحسن البصري وقد ذكرناها لكم في درس سابق، قال: يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء. فـ الحسن ﵀ أخذها من كلمة عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه؛ لأنه كما ذكرنا قبل ذلك أن العابد والمجاهد والمناضل وصاحب القضايا الهامة إذا فعل كل ذلك ليس عن علم فإنه يضل ويضل، وذكرنا فتنة الخوارج، وذكرنا أمثلة أخرى كثيرة. وهذا عمر بن عبد العزيز ﵀ كان يقول: العابد الذي يعبد الله على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح من أجل هذا قدم الصالحون العلماء، ورفعوا قدرهم، بصرف النظر عن النسب وعن الشكل وعن السن وعن القبيلة، لا توجد اعتبارات لهذه الأشياء مطلقاً في عرف الفاهمين، العلماء هم أعلى الأمة، لا سلطان ولا صاحب مال ولا أي شيء آخر أعلى من العلماء.

стр. 45

قصة معاذ بن جبل وزيد بن ثابت مع العلم لقد كان معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه شاباً صغيراً، ومات في سنة (١٨هـ)، وكان عمره (٣٥) سنة، أو (٣٦) سنة، أو (٣٨) سنة في أكثر الروايات تقديراً لعمره، وكان الرسول ﵊ يقول عن معاذ بن جبل: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل) فالقيمة العلم عند الصحابة ﵃ وأرضاهم رفعوا قدر معاذ وعظموا أمره، فكانوا لا يرفعون أعينهم في وجهه حياء وإكباراً له ﵁ وأرضاه. ودخل أبو مسلم الخولاني مسجد دمشق فوجد شاباً صغيراً جالساً، وحوله شيوخ وهؤلاء الشيوخ الكثير منهم من الصحابة، وكانوا جالسين حول شاب صغير لا يتحركون إلا بأمره ولا يصدرون إلا عن رأيه، وإذا حزبهم أمر لجئوا إليه، فأستغرب أبو مسلم الخولاني وقال: ما هذا؟! ما الذي يحصل؟! من هذا الشاب الصغير الذي التف حوله الكهول من الصحابة؟! فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا معاذ بن جبل ﵁. نظرتم يا إخواني إلى قيمة العلم، هو لم يولد عالماً، إنما مشى في طريق العلم، هناك جهد بذله، وكان مقدراً لقيمة العلم فقد جعل كل حياته موجهة لتحصيله، فرفع ﵁ بهذا الأمر يقول عمر بن الخطاب رضي لله عنه وأرضاه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب -أي: القرآن- أقواماً ويضع به آخرين) يعني: من عرف القرآن يرفع، ومن لا يعرف عنه أي شيء يوضع. وهذا زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه كان شاباً صغيراً من الأنصار، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يجلونه تمام الإجلال ﵁، لدرجة أن عبد الله بن عباس وهو حبر الأمة ومن أعظم علماء المسلمين كان إذا ركب زيد بن ثابت دابته أمسك بلجامها ويمشي بها، وزيد بن ثابت كان يرفض ويقول: دع عنك يا ابن عم رسول الله، فيقول عبد الله بن عباس: أمرنا أن نفعل ذلك بعلمائنا، فيقول له زيد بن ثابت: أرني يدك، فيعطيه يده فيقبلها. يعني: زيد بن ثابت العالم يقبل يد عبد الله بن عباس ويقول: وكذلك أمرنا أن نفعل بآل بيت رسولنا ﷺ . انظروا إلى العلاقة الطيبة الجميلة بين علماء الأمة، هذا حبر الأمة عبد الله بن عباس، وهذا من أعظم علماء الأمة زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه. ولما دفن زيد بن ثابت قال عبد الله بن عباس: دفن هكذا دفن اليوم علم كثير. أي: علم زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه.

стр. 46

قصة عطاء بن أبي رباح والكسائي مع العلم لقد كان سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي المشهور في الحج، وكان معه اثنان من أولاده في الحج، فاحتاج أن يسأل بعض الأسئلة الفقهية في أمور الحج. الحج ليس من الأمور السهلة عند عموم الناس، فليس كل واحد يحج كل سنة مرة، قد تتباعد السنوات، وقد يكون أول مرة يحج فيها، فيريد أن يسأل أسئلة، فيريد أن يذهب إلى عالم، فـ سليمان بن عبد الملك أراد أن يسأل فدلوه على عطاء بن أبي رباح ﵀ وهو من التابعين وكان عبداً وأعتق، كان عبداً أسود وفي عينه مرض، يقال: إنه كان لا يرى إلا بعين واحدة وكان يعرج وأسود، كل الآفات أو العاهات التي ممكن تعجز الإنسان عن الحركة في حياته، وتهبط من معنوياته، لكنه مع كل هذا كان عالماً من أعظم علماء المسلمين، فاحتاج له سليمان بن عبد الملك وولداه فذهبوا من أجل أن يسألوه، ووقفوا خلفه وهو يصلي فلما أتم صلاته سألوه فما التفت إليهم، انظروا إلى عزة العالم، وقف يصلي في مكانه بجوار الكعبة، وهم واقفون وراءه، فلما أتم صلاته سألوه فرد عليهم ولم يلتفت إليهم، ليست له إليهم حاجة، لم يرد مالاً ولم يرد وضعاً اجتماعياً، ولم يرد منصباً معيناً يأخذه، ولم يرد قضاء ولم يرد أي شيء، إنما يريد العلم لله فرفعه الله به، فظل سليمان وولداه واقفين يسألونه في منتهى الذلة لعلمه، وبعد ما أكملوا أسئلتهم قال سليمان بن عبد الملك لولديه الاثنين: يا أولادي لا تنيا في طلب العلم. أي: لا تكسلا في طلب العلم، قال: لا تنيا في طلب العلم؛ فإني والله ما أنسى أبداً ذلنا بين يدي العبد الأسود. يعني: نحن المحتاجين لما عنده من العلم وهو ليس محتاجاً لنا، لن يعدم قوتاً، ولن يحرم أبداً من رزق، فهذا أمر مكفول، أما العلم فقد يحرم منه كثير وكثير، إذاً: الرزق مكفول لك، أما العلم فلا بد أن تسعى لتحصيله. وهذا هارون الرشيد كان له ولدان وهما الأمين والمأمون فأتى لهما بعالم من علماء الأمة ليعلمهما وهو الكسائي ﵀، فكان الكسائي إذا وصل إلى الباب تسابق كل منهما من أجل أن يفتح للكسائي، يتسابق الغلامان الأمين والمأمون وهما أولياء عهد للأمة، لحمل نعلي العالم الكسائي ﵀، فـ هارون الرشيد عندما سمع هذا الكلام دعا الكسائي وقال له: يا كسائي! قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: من أعز الناس؟ قال: أمير المؤمنين، فقال هارون الرشيد: بل أعز الناس من إذا أتى الباب تسابق أولياء العهد على فتحه له، هذا أعز من أمير المؤمنين، وأعلى درجة من أمير المؤمنين. هذه قيمة العلم الحقيقية، وهذه هي الدرجة التي وضع فيها الصالحون علماء الأمة، وهذا ما نريد أن نصل إليه إن شاء الله رب العالمين. إذاً: أول شيء أن أعرف أن ما أبحث عنه غال جداً، حتى أضحي من أجله، أما لو كان هذا الشيء هامشياً في حياتي فإني لا أفرغ له وقتاً، قد تقول: هناك أمور كثيرة تشغلنا، ولم نحصل على وقت نذاكر فيه، وقد تقول: الظروف منعتني وغير ذلك من الأمور.

стр. 47

تأثير ظروف الحياة في طلبة العلم والعلماء تعالوا نرى الظروف: هل أثرت في حياة العلماء، أم هم الذين أثروا فيها، وأصبحوا في النهاية من أعظم علماء الأمة؟! بعد ما عرفت قيمة العلم سأعطيك في هذا اليوم درساً مهم جداً؛ لكي تكون عالماً، هذه كلمة قالها يحيى بن أبي كثير ﵀ وهو من التابعين وهذه الكلمة موجودة في صحيح مسلم، وهي ليست من كلام الرسول ﷺ ولكن من كلمات يحيى بن أبي كثير ﵀ قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. يعني: إذا كنت تريد أن تصبح عالماً فلا تركن إلى الراحة والدعة، بل لابد أن تتعب في تحصيل العلم؛ ولهذا سئل الشافعي: كيف طلبك للعلم؟ قال: كطلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره. كيف يكون حال المرأة التي عندها طفل واحد فضاع عليها؟! فـ الشافعي ﵀ يبحث عن العلم كبحث هذه المرأة عن ولدها الضائع. إذاً: عرفتم قيمة العلم عند الشافعي، بهذا أصبح الشافعي ﵀ عالماً كبيراً وإماماً عظيماً. لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا هناك ناس تظن أن العلم درس أو درسان أو محاضرة أو محاضرتان، وأن الدكتور سيعطي لنا وصفة هائلة، وسنصبح علماء الأمة، والناس تأتي متحمسة لدرس هذا اليوم، كيف تصبح عالماً؟ والحمد لله سنخرج من المسجد ونحن علماء الأمة، أقول: هذا مستحيل، نحن نحتاج إلى سنين وسنين وإلى عمر طويل ينفق في العلم، من أول ما تعتقد هذا الاعتقاد السليم وإلى آخر نفس يخرج من صدرك، وسنضرب بعض الأمثلة لبعض العلماء الذين يطلبون العلم وهم يحشرجون حشرجة الموت، في آخر لحظة من لحظات الحياة يبحثون ويطلبون على العلم. لعلكم سمعتم كلمة أحمد بن حنبل ﵀ المشهورة: من المحبرة إلى المقبرة. يعني: أنا معي محبرة العلم إلى أن أدخل القبر بها. والإمام أحمد بن حنبل كانت حياته صعبة جداً، من نشر سنة وجمع حديث وتعليم لناس، وتعذيب في السجون حياة صعبة جداً، وسئل: متى تستريح يا إمام؟ قال: عندما أضع قدمي في الجنة. الدنيا لا توجد فيها راحة، إذا كنت تريد أن تصبح عالماً فاتفق معنا في هذا الوقت وعاهد ربك أنك لن تستريح حتى تصبح عالماً، وستبقى في طلب العلم حتى الموت؛ لأن ما تطلبه غال جداً: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) (ليس الإيمان بالتمني). يذكر ابن الجوزي ﵀ عن أحد الفقهاء أنه قال: بقيت سنين أشتهي الهريسة ولا ألقاها؛ لأن بائع الهريسة يبيعها في وقت الدرس. فهو لا يريد أن يترك الدرس من أجل الهريسة، كانوا أصحاب نفوس عالية، وفي النهاية أصبح عالماً من علماء الأمة، والله يضرب لنا الأمثال بأعظم الخلق وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. كلنا يعلم قصة موسى ﵇ مع الخضر، وموسى ﵇ ليس نبياً فقط ولكن من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك عندما أعلمه الله أن في الأرض من هو أعلم منه وهو الخضر ﵀ قال موسى كما حكى ربنا في كتابه الكريم عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، يعني: لو جلست سنين وسنين للبحث عن الرجل الذي يملك علماً أكثر مني، حتى لو كنت أنا رقم (٢) في العلم في العالم فسأبحث عليه حتى أتعلم العلم الذي عنده، ولما ذهب إليه تواضع له وقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]. الذي يتكلم نبي من أولي العزم من الرسل، وهذه كلمات جاءت في كتابنا تعليماً لنا، انظروا إلى التواضع للعلماء، يتواضع له ويشترط عليه الخضر ويوافق على الشرط ويسير معه، ويعتذر له مرة وثانية وثالثة، لماذا؟ لأن قضية العلم قضية مهمة، حتى موسى ﵇ يبحث عن العلم بهذه الصورة كما جاء في القرآن، وكما ورد في البخاري.

стр. 48

قصة ابن عباس والفتى الأنصاري مع العلم اجتهد الصحابة في تحصيل العلم بما لا يتسع المجال لذكره، من ذلك: أن حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ لما قبض رسول الله ﷺ كان عمره أربع عشرة سنة، ما زال صغيراً، فكان معه واحد من الأنصار صاحبه، فقال له: عبد الله بن عباس: تعال نسمع من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير. يعني: في هذا الوقت عندك فرصة لطلب العلم، فقد لا تجد المحاضر، أو المكان، أو نفقد نفسك، هناك عراقيل لا حصر لها، فالحق بسرعة، فـ عبد الله بن عباس ﵄ يقول: يقول له: تعال بسرعة نسمع من أصحاب الرسول ﵊ وهم كثير في هذا الوقت عما قريب سيموتون، أو يغادرون المدينة للجهاد وفتح البلدان، فقال له الفتى الأنصاري الصغير: عجباً لك يا ابن عباس! أتحسب أن الناس تحتاج لك ولعلمك، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؟! يعني: فالصحابة كثير جداً أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وكل واحد منهم أمة، فهؤلاء موجودون في المدينة وأنت ذاهب لتتعلم، ماذا ستعمل؟ ستفتي وعمر بن الخطاب موجود، ستفتي وعثمان موجود ﵃ أجمعين، لا يوجد داعي لأن تتعب نفسك، واتجه هذا الفتى الأنصاري للعب، وعبد الله بن عباس لم يسمع كلامه. فأصدقاء السوء يحذر منهم، قد يقول لك: تعالى نجلس، ويصرفك عن العلم. إذاً: نحن نريد أن نأخذ القضايا بنوع من التجرد لله ، قدم لله ما يسرك عند لقائه يوم القيامة، حتى تكون فخوراً بما قدمت يوم القيامة، فـ عبد الله بن عباس ترك الفتى الأنصاري وذهب واتجه للعلم، كان يذهب إلى بيوت علماء الصحابة ﵃ وأرضاهم واحداً تلوى الآخر، يذهب فيجد أحد الصحابة نائماً وقت القيلولة فيتوسد رداءه على باب بيته هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ ، ومع ذلك ينام على باب الصحابي الذي عنده علم حتى يخرج ويسأله، وفي رواية: فتسفي علي الريح من التراب ما تسفي. كانت شوارع المدينة المنورة من الرمل، لم تكن الشوارع مرصوفة، كل هذا من أجل العلم. وتمر الأيام وينظر الفتى الأنصاري عندما كبر إلى الشاب عبد الله بن عباس ﵄ وهو جالس والناس حوله بالمئات يستمعون لكلمته وينظرون إلى فتواه، ﵁ وعن أبيه، فيقول كان هذا الفتى -يعني: عبد الله بن عباس - أعقل مني. يعني: ذهب علي وقت طويل جداً لم أتعلم فيه. من أجل هذا أقول لكم: من هذا الوقت نبدأ رحلتنا في العلم، لا من السنة التي ستأتي، أو الأسبوع القادم، لا. فهذا شخص قبل الاختبار يريد عمل جدول للمذاكرة فيقول: أنا أريد أعمل الجدول من أول الأسبوع من أجل البداية، ويكون هناك يومان حتى يأتي أول الأسبوع، فيلعب في هذين اليومين؛ لا توجد عزيمة ولا يوجد هدف، وهناك ناس لا تعمل جدول مذاكرة أساساً، يقول: هكذا وربنا يسهل بالبركة، وينتظر الواحد من هؤلاء أن يكون من علماء الأمة، نقول: هذا مستحيل، لابد أن يبذل، لا يستطاع العلم براحة الجسم. احفظ هذه الكلمة الموفقة لـ يحيى بن أبي كثير ﵀. فـ عبد الله بن عباس ﵄ كان يجلس على باب أبي بن كعب ﵁؛ لأن أبي بن كعب كما يقول عبد الله بن عباس من الراسخين في العلم، فيجلس على بابه ولا يدق عليه حتى يخرج، فإذا خرج مشى معه إلى المسجد ويسأله، فـ أبي بن كعب عندما يخرج ويجد ابن عم رسول الله جالساً بالباب يقول له: هلا أخبرتني فآتيك؟ لمكانه من رسول الله ﷺ ، وابن عباس ما يزال صغيراً، فيقول أبي بن كعب: هلا أخبرتني فآتيك؟ فيقول ابن عباس: أنت أحق أن آتيك. يعني: أنت العالم ونحن الذين نأتي لنتعلم عندك. يقول عبد الله بن عباس ﵄: عندما فتحت البلاد والأمصار أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر بن الخطاب ﵁ لأستفيد من علمه. كثرت الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وكثرت الأموال والخيرات والقصور والثمار والظلال الوارفة، فأهل الجزيرة العربية كانوا يعيشون في صحراء قاحلة، فأول ما حصلت هذه الفتوحات ذهبوا من الجزيرة إلى الشام وإلى العراق وإلى مصر، وابن عباس ذهب إلى عمر بن الخطاب، أي فوز حققه عبد الله بن عباس ﵄؟ لقد أصبح حبر الأمة ﵄.

стр. 49

قصة جابر بن عبد الله وأبي أيوب الأنصاري مع العلم بعض الناس تتعب من الذهاب مسافة قصيرة لدرس العلم وجابر بن عبد الله ﵄ سافر من المدينة المنورة إلى الشام من أجل حديث واحد يعرفه أحد الصحابة في الشام وهو لا يعرفه، شهر ذاهب وشهر عائد، خرج من المدينة من المدينة إلى عمق الشام وأخذ الحديث ورجع إلى المدينة. فهو لم يذهب في جولة سياحية إلى دمشق، ولا ليتفسح أو يشتري شيئاً من بيروت، لا، بل ذهب من أجل حديث واحد. وهذا أبو أيوب الأنصاري خرج من المدينة المنورة إلى مصر إلى الفسطاط من أجل حديث واحد ولم يحل الراحلة. يعني: ترك الجمل واقفاً ونزل فسأل عن الحديث ثم ركب الجمل ورجع إلى المدينة من فوره. هذه قيمة العلم عندهم، أتريد أن توزن مع هؤلاء في ميزان واحد؟ لابد من جهد وتعب: لا يستطاع العلم براحة الجسم، سأكرر عليكم هذه الجملة (٢٠) مرة، إلى أن تخرج وأنت عازم النية على عدم الراحة، إلا هناك في الجنة إن شاء الله رب العالمين. والعلماء من بعد الصحابة ﵁ وأرضاهم كان لهم من السعي للعلم ما يعجز القلم أو اللسان عن تصويره. فمثلاً: السهر، هل تسهرون؟ هناك ناس تسهر من أجل مشاهدة التلفاز، وهناك ناس تسهر في المقاهي، وهناك ناس تسهر من أجل شيء، وإنما من أجل السهر، فهو قد يعمل أي شيء من أجل تضييع الوقت إلى أن يأتيه النوم، يجلس يعد من (١ - ١٠٠) أو من (١٠ - ١٠٠٠) إلى أن ينام، هكذا في الكتب الطبية التي تساعدك على النوم، حتى إنهم لم يقولوا: قل: سبحان الله مثلاً إلى أن تنام، لا، بل عد واحداً اثنين ثلاثة أربعة عشرة. انظروا كيف تسهر هذه الجماعة من الناس؟!

стр. 50

قصة الإمام النووي مع العلم لقد بقي النووي ﵀ مدة حياته في طلب العلم ومات وعمره (٤٤) سنة، لكن لم يمت حتى خلف ميراثاً من العلم، وكتب الله لعلمه الانتشار والشيوع في بلاد العالم الإسلامي، نسأل الله أن يتقبل منه وأن يرفع من درجاته، لم يكن ذلك بالسهل، وإنما كما يقول النووي عن نفسه: بقيت سنتين وأنا في طلب العلم ما وضعت جنبي على الأرض ولا على فراش، فكان إذا غلبني النوم اتكأت على بعض كتبي برهة، ثم أستيقظ وأعمل في طلب العلم. قد يقول قائل: لقد عذب نفسه، نقول: صحيح أنه تعب وبذل واجتهد وقد مات منذ مئات السنين وذهب ذلك التعب والألم وبقي الأجر إن شاء الله، وإلى وقتنا هذا تقرأ في صحيح مسلم بشرح النووي وتقرأ في (رياض الصالحين) وفي (الأربعين النووية)، جمع أربعين حديثاً من أحاديث الرسول ﷺ حتى دون تفسير. إذاً: كل من قرأ حديثاً من هذه الأحاديث أو شرحاً من الشروح أو كتاباً من كتب أصول الفقه التي ألفها أو غيرها من المؤلفات الهائلة فإنه يأخذ حسنات وهو في قبره ويظل ذلك إلى يوم القيامة، فأنت عندما تذهب إلى المغرب أو سوريا أو السعودية أو أمريكا أو أوروبا تجد كتب النووي ﵀، هذه بركة عظيمة، إنها بركة العلم، لكن لم يأت بالسهل، بل بقي سنتين لم يهنأ بالنوم. وهذا البدر بن جماعة ﵀ من علماء الأمة يقول: لما دخلت على النووي صعب علي الجلوس، لم أحد مكاناً أجلس فيه من كثرة الكتب الموجودة على الأرض، فنزع بعض الكتب حتى أوجد لي مكاناً أجلس فيه، وأنا جالس معه لا أستطيع أن أكلمه؛ لأنه مشغول بالعلم، كطلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره، هذا كلام في منتهى الروعة للشافعي ﵀، لو أن واحدة ضاع ابنها وجاءت أخرى تتكلم معها، هل ستترك ابنها وتتكلم معها؟ هي محروقة من داخل؛ القضية هامة ستظل تدور وتدور إلى آخر نفس في حياتها هكذا طالب العلم. يقول الحسن البصري: اثنان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم. لو أفنيت عمرك كله ما حزت العلم كله، ولما شبعت منه، وكلما أخذت منه شيئاً بقي منه شيء كثير، ولن تستطيع الإحاطة به، قال تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فدائماً العلم كثير. أذاً: لن ينتهي العلم أبداً إلا بالموت، وإذا مت وقد اجتهدت في العلم تجد الأجر والمثوبة على ما قدمت. وطالب الدنيا أيضاً لا يشبع، والله لو عنده من الأموال كماء البحر، فهو كأنه يشرب من البحر لا يرتوي أبداً طالب الدنيا.

стр. 51

قصة ابن عبدوس وعبد الرحمن بن القاسم المصري ومالك والبخاري مع العلم لقد كان محمد بن عبدوس ﵀ من علماء الأمة وقد صلى الصبح بوضوء العشاء (٣٠) سنة. يعني: أنه لا ينام؛ لأن النوم ينقض الوضوء، قد تقول: هذا تشدد، نقول: نحن نريد أن نطرح أمثلة عليا، من أجل أن نعمل بنصفها أو ربعها، أنا لا أقول لك: لا بد أن تعمل مثل محمد بن عبدوس، فـ ابن عبدوس صلى الصبح بوضوء العشاء (٣٠) سنة، (١٥) سنة دراسة، و (١٥) سنة عبادة، كان يبقى من بعد صلاة العشاء يذاكر العلم إلى الفجر وهو محافظ على وضوئه، ثم يذهب ويصلي الفجر بوضوء العشاء. وهذا عبد الرحمن بن القاسم ﵀ أحد تلامذة الإمام مالك ﵀، كان يذهب إليه في الليل فيسأله مسائل، ويجد عند الإمام مالك في ذلك الوقت انشراح صدر، فيجلس ليعلمه حديثاً واثنين وثلاثة وعشرة، وفي يوم من الأيام كان يريد أن يسأله عن أحاديث، لكنه جاء إليه في وقت متأخر جداً فاستحى أن يدخل عليه، فنام على باب بيته، فخرج الإمام مالك فرآه نائماً، فأيقظه فلم يستيقظ، فذهب إلى المسجد، فخرجت جارية من الجواري من البيت توقظه وتقول له: قم يا غفلان، الإمام غدا إلى المسجد، تقول الجارية: الإمام مالك له إلى الآن (٤٩) سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، (٤٩) سنة حتى أصبح الإمام مالك من كبار علاء المدينة، وأصبح لا يفتى ومالك في المدينة. ومذهب مالك من المذاهب المعتبرة في بقاع العالم الإسلامي المختلفة، وإلى الآن يتعبد إلى الله الكثير والكثير من المسلمين على فقهه وعلى مذهبه ﵀، هذا يدل على أنه قد قدم الكثير. وكان الإمام مالك من أغنى المسلمين، لكن لم يكن يحتفظ بالمال، بل كان يأتي إليه طلبة العلم ليعلمهم، فكان يأتيه طلاب من بلاد بعيدة فيستضيفهم ويطعمهم وينفق عليهم، وفي آخر حياته باع الخشب الذي في سقف بيته من أجل أن ينفق على طلبة العلم، وأنفق كل المال الذي معه على طلبة العلم. انظر إلى القيمة العليا للعلم في نظره، لو كان يرى أن هذا المال ينفق على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وما إلى ذلك أفضل لكان أنفقه في هذه الوجوه، لكنه يرى إنفاقه على العلم أفضل، كما قلنا من قبل في درس سابق: المسلمون في هذا الوقت بفضل الله عندهم صحوة إسلامية وحمية وينفقون، لكن نادر جداً الذي ينفق على العلم، ننفق على موائد الرحمن وهذا طيب، وننفق على فلسطين وهذا رائع، وننفق على اليتامى والمساكين وبناء المساجد وهذا رائع جداً، لكن من الذي ينفق على العلم؟ من الذي يعطي العلم هذا القدر من الاهتمام؟ قليل، ولا تقوم الأمة إلا بالعلم، فينبغي لنا أن نهتم بأسباب قيام الأمم. وهذا البخاري أيضاً كان يذهب لينام فيذكر مسألة وهو على سريره فيقوم ويكتبها، يخاف أن ينساها، ثم ينام، ويذكر مسألة أخرى فيقوم ويكتبها، وثالثة ورابعة، يقول ابن كثير ﵀ في التاريخ عندما تحدث عن البخاري قال: فيزيد عدد مرات قيامه في الليلة الواحدة على (٢٠) مرة. (٢٠) مرة يقوم في الليلة الواحدة من أجل أن يسجل معلومات تنفع الأمة حتى صار كتابه أصح كتاب في الأرض بعد كتاب الله بإجماع علماء المسلمين، هذه هي قيمة البخاري. وهناك أناس تكتب في الجرائد على البخاري وما وصلت إلى ظفر قدمه الأصغر، ويقول أحدهم في كلمة: فليقل البخاري ما يقول. يعني: كأنه يقول من نفسه، وكأنه لم يكن عنده منهج علمي واضح يمشي عليه، وقد حج كل من عارضه، لقد عارض بعض الناس البخاري في بعض الأحاديث وقالت: الصواب كذا وكذا، وليس الصواب كما كتب البخاري فحجها الإمام البخاري كان الصواب في جانبه فأقر الجميع أنه من أعظم علماء الأمة، وكتابه أصح الكتب بعد كتاب الله . هذا الكتاب لم يأت من فراغ، فـ البخاري كان يحفظ ستمائة ألف حديث. من المصلحة أن نفرد حديثاً خاصاً بـ البخاري؛ من أجل ألا تحرموا الفوائد التي كانت في حياته ﵀، وأنا كلما أذكر شيئاً عن البخاري أراه معجزة، لقد كان البخاري بآلاف الرجال، فالله سبحانه اصطفاه حتى جعل كتابه أعظم كتب السنة مطلقاً، فهذا الرجل قدم كثيراً، لم يكن يكتب حديثاً واحداً في صحيحه إلا بعد أن يقوم يتوضأ ويصلي ركعتين استخارة، ثم يكتب الحديث الواحد، وكتابه فيه (٧٠٠٠) حديث بالمكرر، ومن غير المكرر (٢٦١٢) هذا جهد ضخم من (٦٠٠) ألف حديث غربل هذا الكتاب العظيم صحيح البخاري. لا يقل أحد: أنت أطلت، لا، نحن نجلس مع العلم، وقلنا: لا توجد راحة جسم ولا نوم في العلم، بل سهر في طلب العلم، ومجلسكم هذا في سبيل الله، لو كنت ستذهب إلى شيء أعظم من العلم فاذهب، أما أن تذهب لتنام قليلاً أو لتشاهد التلفاز فلا،

стр. 52

قصة محمد بن الحسن الشيباني وأسد بن الفرات مع العلم لقد كان محمد بن الحسن الشيباني لا ينام، هو كإنسان يريد أن ينام، فلا تظنوا هؤلاء الناس لم يكونوا بشراً فـ النووي ﵀ والبخاري ومحمد بن الحسن الشيباني كان يأتيهم النوم، فالواحد منهم عنده أمور خاصة بأسرته وماله وتجارته! لكن عرف قيمة العلم فبذل الجهد فيه، فـ محمد بن الحسن لم يكن ينام، بل كان يستعين على السهر بالماء البارد، وهو من سكان بغداد وفي الشتاء يكون الجو بارداً جداً، ومع ذلك يأتي بماء بارد ويضعه بجواره، وكلما هجم عليه النوم مسح وجهه بالماء البارد، ويقول: النوم يأتي من الحرارة، والماء البارد يغلبه، فيغسل وجهه كل قليل، يقهر نفسه للجلوس للتعلم. ومحمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف هما أعظم تلامذة أبي حنيفة ﵏ جميعاً. وهذه قصة عجيبة لـ أسد بن الفرات ﵀ عندما ذهب لطلب العلم، وأسد بن الفرات من علماء الأندلس وتونس شمال أفريقيا، أتى من تلك البلاد البعيدة ليتعلم في الشرق، فجاء إلى المدينة المنورة فأخذ علم مالك ﵀، ثم رجع إلى بلاده ونشر المذهب المالكي في شمال أفريقيا، وهي الآن تونس والجزائر والمغرب، فكل دول المغرب على المذهب المالكي. فـ أسد بن الفرات ذهب إلى المدينة المنورة وتعلم علم الإمام مالك كله، ولم يكتف بذلك بل ذهب إلى العراق من أجل أن يأخذ علم أبي حنيفة عن محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، فحين دخل المسجد تفاجأ بوجود أعداد هائلة من البشر، ولم يستطع الوصول إلى محمد بن الحسن، وما زال يأتي مبكراً إلى المسجد حتى إنه في يوم من الأيام استطاع أ، يصل إلى محمد بن الحسن الشيباني وجلس معه بعد ما سمع الدرس وقال له: أنا رجل غريب من بلاد بعيدة قليل النفقة والسماع منك نذر، ولا أستطيع أن أبقى كثيراً في بغداد فماذا أعمل؟ فقال محمد بن الحسن الشيباني ﵀: في الصباح تسمع مع أهل العراق الذين يأتون الدرس، والليل اجعله لك أعلمك لوحدك في البيت. هذه هي العظمة، وتاريخنا كله عظمة، وقد توجد بعض المواقف السلبية في كل أمة، لكن فتش في كنوز التاريخ الإسلامي، هذا هو تاريخنا، وأنا أذكر فقط بعض الأمثلة لا أذكر كل ما وقعت عليه عيني؛ لأن الوقت لا يتسع لذكرها، فهي تحتاج إلى شهور وشهور، بل سنوات وأعمار حتى نتحدث عن تاريخ علمائنا. فـ أسد بن الفرات كان يذهب كل ليلة إلى محمد بن الحسن ليعلمه العلم، وكان يسهر مع محمد بن الحسن، وكما ذكرنا أنه متعود على الماء البارد، فكان كلما هجم عليه النوم غسل وجهه، لكن أسد بن الفرات كان إذا هجم عليه النوم قام محمد بن الحسن ورش في وجهه الماء حتى يستيقظ. هذه لحظات نادرة عظيمة، هذه هي الأعمار وهي أغلى ما تملك، فالعمر رأس مالك، فإن ذهب بعض عمرك يوشك أن يذهب الكل. وكما تعلمون أن من نام ثمان ساعات في اليوم فإنه لو عاش (٦٠) سنة يكون قد نام ٢٠ سنة من عمره؛ لأن الثمان الساعات هي ثلث (٢٤) فيكون ثلث الـ (٦٠) سنة (٢٠) سنة، بالله عليك خبرني ألا تحزن على هذه السنوات (٢٠) سنة تنامها في (٦٠) سنة، هذا لا ينفع، لكن لا تذهب وتنام غير ساعة واحدة، وإنما بتدرج، وسنتكلم إن شاء الله في دروس قادمة على كيف تستيقظ؟ ليس فقط بالماء البارد، لكن أهم شيء أن تعرف قيمة الشيء الذي استيقظت من أجله، حتى تستيقظ له بجد، فـ محمد بن الحسن كان يرش الماء في وجه أسد بن الفرات حتى يستيقظ فيعلمه، يجرعه العلم تجريعاً، فبقي أسد بن الفرات في العراق حتى حوى علم أبي حنيفة عن طريق تلميذه محمد بن الحسن وعاد إلى تونس وبدأ يعلم الناس هناك، ونشر مذهب الإمام مالك، وعلم الناس فقه أبي حنيفة ﵀، وخرج بعد ذلك مجاهداً ففتح صقلية واستشهد، هذه قمم في الإنسانية، فـ أسد بن الفرات ﵀ صار إلى ذلك بالسهر والسفر لأجل العلم. وهذا سعيد بن المسيب ﵀ سيد التابعين كان يقول: كنت أرحل للحديث الواحد الليالي والأيام، هناك مجموعة كثيرة من الناس عاصرت الصحابة، لكن ليس كل الناس علماء، وليس كل الناس سعيد بن المسيب ﵀. والإمام البخاري تعلم على يد ألف شيخ سافر إليهم إلى مختلف البلدان في العالم الإسلامي في ذلك الوقت؛ من أجل العلم. والرازي ﵀ كان يقول: سافرت ماشياً على قدمي في طلب العلم ألف فرسخ، يعني: (٥٠٠) كيلو يقول: ثم بعد ذلك تركت العدد. يعني: أنه لم يمش (٥٠٠٠) كيلو وتوقف، لا، وإنما توقف عن العد،

стр. 53

قصة بقي بن مخلد مع العلم لقد كان بقي بن مخلد من علماء الأندلس وكان فقيراً ليس عنده مال، لكن عنده علم كثير وعنده همة عالية، فهو عندما علم أن العلم موجود في الشرق، وسمع عن شخص اسمه أحمد بن حنبل ﵀ وأنه أعظم وأعلم أهل الأرض في زمانه، وإمام أهل السنة والجماعة ﵀، وأنه يسكن في بغداد، وبقي بن مخلد في الأندلس، التي هي في هذا الوقت أسبانيا والبرتغال، فهو فقير وليس عنده مال، فماذا عمل؟ قال: اشتغل بجد واجتهاد من أجل أن أحصل على بعض الأموال التي تكفي مئونة بعض الأيام، فأنتقل بها من مدينة إلى مدينة، فإذا وصلت إلى المدينة الثانية عملت فيها حتى أتكسب بعض المال الذي يكفيني إلى المدينة الأخرى وهكذا حتى أصل إلى بغداد، خرج سيراً على الأقدام من الأندلس، ثم المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، الأردن، بعد كل هذا العناء والتعب وصل إلى العراق مشياً على رجليه، بقي في الرحلة سنتين يمشي على رجليه، فلما وصل إلى بغداد سأل قال: أليست هذه البلد التي فيها أحمد بن حنبل قالوا: نعم، لكن أحمد بن حنبل محبوس. انظروا له سنتان يمشي حتى وصل إلى بغداد فيجد الإمام أحمد محبوساً!! ليس هذا فحسب، بل بعد أن خرج الإمام أحمد من السجن منعوه من التدريس، ومنعوه من الخطابة، فجلس في بيته تحت الإقامة الجبرية وعليه رقابة من الأمن، فالإمام أحمد بن حنبل يمنع من التدريس خوفاً على الناس من الفتنة، فـ بقي بن مخلد لما رآه ممنوعاً من التدريس بحث عن شيخ آخر يأخذ منه دروساً، فقالوا له: هذا يحيى بن معين من أعظم علماء المسلمين، فهو إمام المسلمين في الجرح والتعديل وفي علم الرجال وأسانيد الأحاديث، فذهب يسأله ويتعلم منه. ويحيى بن معين ﵀ عندما تسأله وتقول له: فلان من رجال الحديث يقول: نعم هو ثقة، وهذا صدوق، وهذا كذاب، وهذا وضاع فهو يجرح ويعدل فذهب بقي يتعلم، فلما دخل على يحيى بن معين المسجد وجد زحاماً، فلم يصل إليه إلا بعد أيام، يقول: كنا نذهب إلى المسجد بعد صلاة العصر من أجل أن أحجز مكاناً لفجر اليوم التالي. كيف كان يتصرف؟ هل كان يضع المفتاح مكانه؟ الله أعلم، المهم أنه كان يجلس في مجلس يحيى بن معين قبل الدرس بنصف يوم؛ من أجل أن يضمن السماع؛ لأنه لم يكن هناك (ميكرفونات) نحن في نعمة، والله لتسألن عن النعيم، سنسأل عن هذا النعيم، في هذا الوقت عندنا أشرطة، وكتب، وسيديهات، وكمبيوتر، وفضائيات، وبرامج، وخطب ومساجد، وحلقات، ومع ذلك كله تزهد الناس في العلم. وذكرنا أن جابر بن عبد الله ذهب إلى الشام من أجل حديث واحد، والواحد منا يكسل أن يذهب إلى المكتبة القريبة من أجل أن يأتي بحديث ويكسل أن يبحث عن مسألة، لكن بقي بن مخلد ذهب إلى مجلس يحيى بن معين فبدأ يسأله، جاءت له الفرصة أخيراً بعد أيام تبكير وحجز، فقال له: ماذا تقول في فلان؟ فقال: هذا صدوق، وفلان؟ هذا ثقة، وفلان؟ هذا كذاب، فظل يعدل ويجرح، فقال بقية الطلبة: حسبك، نحن نريد أن نسأل أيضاً، لست وحدك في المسجد، أعطنا فرصة، فقال لهم: أنا لي سنتان أمشي من بلادي حتى وصلت إلى هنا من أجل أسأل، فقام وسأل السؤال الأخير: ما تقول في أحمد بن حنبل؟ فقال: مثلي يسأل عن أحمد بن حنبل، هذا إمام المسلمين وخير المسلمين وأفضل المسلمين، فلما سمع هذا الكلام قال: أنا لابد أن أصل إلى أحمد بن حنبل هذا، فماذا عمل حتى يصل إلى الإمام أحمد؟ قام ولبس لبس متسول، وربط على رأسه خرقة، وأمسك عصاً بيده، ثم ذهب يسأل: أين بيت أحمد بن حنبل؟ فدل عليه، لكن الرقابة خارج المنزل، فذهب يدق الباب، ففتح له أحمد بن حنبل، وقال له: أنا سائل. فقال له الإمام أحمد: ادخل أعطك شيئاً، فلما اختلى به قال له: يا إمام أنا قدمت من بلاد بعيدة، قدمت من المغرب من الأندلس، جئت أتعلم فوجدتك في هذه الحالة التي ترى، فهل تأذن لي أن آتيك كل يوم بهذا اللباس وأنا غريب عن البلد ولا يعرفني أحد، فتحدثني الحديث أو الحديثين؟ انظر إلى أي درجة وصل به الأمر من أجل أن يأخذ حديثاً وحديثين وثلاثة. والآن مسند أحمد بن حنبل موجود عندنا في كل المكتبات، اذهب وافتح وتعلم العلم الذي جعل بقي بن مخلد ﵀ يسافر سنتين سيراً على الأقدام؛ من أجل أن يتعلم في كل يوم حديثاً. ومسند أحمد بن حنبل فيه (٣٠٠٠٠) حديث غير مكرر، وهو مسند ضخم من أعظم المسانيد التي فيها أحاديث الرسول ﷺ ، فـ أحمد بن حنبل ﵀ وافق وأذن له، مع أنه قد يتعرض لخطر عظيم، لكن هذا شخص أتى من الأندلس ليعلمه، فظل كل يوم يدخل

стр. 54

سلسلة كيف تصبح عالماً [٦] تتسع مسالك العلوم الحياتية مع مرور الزمن، ففي السابق كانت مسالكه قليلة، وأما في عصرنا فقد تشعبت هذه المسالك، وصار من الصعب التخصص في العلم الواحد -كالطب- في شعبه وتخصصاته، فالذي ينبغي للمتخصص في مسلك من المسالك أو شعبة من الشعب أن يبدع في ذلك التخصص، وأن يجتهد في تطوير ما تخصص فيه، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة قيمة ذلك، وبالجد والاجتهاد.

стр. 55

مقدمة في أهمية العلم وبيان طرقه الموصلة إليه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، ونسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين. لا زلنا نتحدث في القضية الماسة والهامة، وهي قضية العلم في تاريخ وواقع هذه الأمة: أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة. تحدثنا في المحاضرة السابقة عن أول طريق العلم، إذا أردت أن تكون عالماً عليك أن تعرف قيمة الشيء الذي تجاهد من أجله، وعليك في ذات الوقت أن تعلم أنك لن تستريح حتى تُصبح عالماً وإلى مماتك، وكما ذكرنا في المحاضرة السابقة قول يحيى بن أبي كثير ﵀: لا يستطاع العلم براحة الجسم. هذا أحد الإخوان حضر المحاضرة السابقة وكأنه لم يركز تركيزاً جيداً، فقابلني بعد المحاضرة وقال لي: لقد قلت لنا: إن هناك بعض الوسائل العملية لنصبح علماء، وللأسف انتهى وقت المحاضرة قبل أن تذكرها، ويبدو أنه كان يتوقع أن أشرح له كيف يجلس؟ وكيف يقرأ؟ وكيف يسمع؟ وهذا مطلوب، ولكن ما كنا نتحدث عنه هو الروح والنفسية التي يجب أن تكون عليها لتصبح عالماً، وهذا أول شيء، ولو أشرح لك ألف خطة لتصبح عالماً، وأضع لك ألف منهج لتصبح عالماً وأنت لا تقدّر قيمة العلم فمن المستحيل أن تصبح عالماً، أو تظن أن هذه وصفة سحرية: أنك إذا بذلت بعض المجهود أو قليلاً من المجهود أصبحت من علماء الأمة! لا، هذا وهم، لا يحدث في أمتنا ولا في الأمم الأخرى، وما تحدثنا عنه في المحاضرة السابقة نستكمله في هذه المحاضرة إن شاء الله، وهو عام على كل علماء الأرض من المسلمين ومن غير المسلمين، فأي إنسان يريد أن يكون عالماً لا بد أن يقدّر قيمة الشيء الذي يفرّغ له وقته، ثم عليه أن يعلم أنه يبذل جهداً كبيراً مضنياً حتى يصل إلى درجة العلماء، وعندنا في الإسلام ضوابط أخرى مختلفة، لكن هذا الذي نتحدث عنه هو ثابت على الناس أجمعين، قيمة العلم، والجهد الذي يُبذل. قبل إكمال الحديث واستكمال المحاضرة السابقة نجيب على بعض الأسئلة الهامة التي تلقيتها، سواء عن طريق (الإيميل) أو الأوراق التي أرسلتموها، وسأجيب على الأسئلة التي لها علاقة بموضوعنا، وهناك أسئلة ليس لها علاقة بهذا الموضوع الذي نتكلم فيه مع أنها أسئلة هامة.

стр. 56

مكانة العلوم الحياتية في السيرة النبوية في الفترة المكية والمدنية هذا سؤال لطيف جداً وله مغزى، يقول أحد الإخوة: هل كان هناك اهتمام بالعلوم الحياتية في الفترة المكية في حياة رسول الله ﷺ ؟ أو هل هناك اهتمام بالعلوم الحياتية في السيرة النبوية في فترة البناء الأولى خلال (٢٣) سنة من البعثة؟ الجواب من الواضح أن الصحابة ﵃ وأرضاهم لم يهملوا علومهم الحياتية لأجل تحصيل العلوم الشرعية، ولكن جمعوا بينهما، ومن الممكن أن الصحابة قدموا الأولويات، لكن لم يُهمل أبداً الجانب الحياتي، وعلى سبيل المثال: ظل الصحابة يتاجرون ويعملون أعمالهم، ولم ينقطعوا للعلم الشرعي ويتركوا هذه الأعمال، فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان تاجراً وظل تاجراً، ففي مكة كان تاجراً، وفي المدينة كان تاجراً، وعند توليه الخلافة حمل الأثواب على ظهره ليذهب إلى السوق ليبيع ويشتري، فلولا أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أشار عليه أن يفرّغ وقته لقيادة المسلمين، وأن يأخذ ما يكفيه من بيت المال، لاستمر يعمل بالتجارة. وكذلك عبد الرحمن بن عوف، وكذلك عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن عبادة وجميع المسلمين سواء في فترة مكة أو في فترة المدينة، لم يكونوا أبداً عالة على غيرهم، بل أُمروا بالإبداع وبالإنتاج، وكان اقتصادهم القوي هذا مصدراً من مصادر الخلاص من الأزمة، وكان أبو بكر الصديق تاجراً غنياً، وعنده من الأموال الكثير والكثير، واستغل هذه الأموال في إعتاق العبيد، وفي إخراج المسلمين من أزماتهم، ولو تأملنا أن الصحابة كلهم من الفقراء لحدثت أزمة كبيرة، فنحن نحتاج إلى أغنياء في الأمة، ونحتاج إلى أغنياء بفكر الصديق وفكر عثمان ﵄ وعن الصحابة أجمعين. إذاً: لم يكن هناك إهمال لهذا الجانب حتى في فترة مكة، لكن من المؤكد أن العقيدة أخذت جانباً هاماً جداً من حياة المسلمين في فترة مكة المكرمة بالذات، وأيضاً فترة المدينة المنورة، ولكن التركيز في فترة مكة المكرمة على العقيدة كان أشد وأكثر؛ لأنهم قريبو عهد بجاهلية، وأكثر من (٦٠٠) سنة وهم يعبدون الأصنام في هذه المنطقة، فكان لا بد من التركيز الشديد على أمر العقيدة؛ حتى لا يتبدل الدين ولا يتغير، فهؤلاء كانوا يتعلمون شيئاً جديداً تماماً لم يسمعوا به منذ مئات السنين، لم يسمعوا هم به ولا آباؤهم ولا أجدادهم، فكان لا بد من التركيز الشديد عليه؛ ولهذا خلال (١٣) سنة في مكة اهتموا بهذا الأمر، وفي فترة المدينة المنورة كان من الواضح جداً الاهتمام بالعلوم الحياتية، ولكن أيضاً بالقدر اليسير؛ لأن الدولة بكاملها ما زالت قريبة عهد بجاهلية، أي: أن الرسول ﵊ عندما هاجر إلى المدينة المنورة كان بها مشركون، وإلى آخر أيام حياته ﷺ كان في الجزيرة العربية مشركون؛ ولذلك فهناك اهتمام بالجانب العقدي، ولكن لم يكن هناك إهمال لجانب العلوم الحياتية، ورأينا في بعض الأمثلة التي ضربناها قبل ذلك في المحاضرات السابقة اهتمام الرسول ﵊ بالقضايا العسكرية، واهتمامه ﷺ بالقضايا الطبية، وقضية تأبير النخل، وقضية التجارة وما إلى ذلك. هناك أمور كثيرة جداً برع فيها المسلمون بحجم الدولة التي كانوا فيها، وكل شيء في السيرة محسوب وبقدر، فمن رحمة رب العالمين أن الرسول ﵊ بُعث في مكة وهاجر إلى المدينة، وعاش في منطقة الجزيرة العربية، وهي منطقة نائية بعيدة عن الحضارات المختلفة في ذلك الوقت، أي: أنها ليست بجانب الرومان ولا بجانب الفرس ولا الهند ولا مصر ولا الأماكن التي لها تاريخ طويل في العلوم الحياتية قبل ذلك؛ لأن المسلمين في هذه الفترة لو انفتحوا تمام الانفتاح على هذه الحضارات، بما فيها من فلسفات وأفكار وعقائد مغايرة تماماً ومخالفة تماماً لدين الإسلام لكانت كارثة، فهؤلاء حديثو عهد كما ذكرنا بجاهلية، فلا بد من ترسيخ العقيدة في قلوبهم وفي قلوب عموم المسلمين، ثم بعد ذلك عندما يتمكن الدين من قلوبهم وينفتح المسلمون على الحضارات الأخرى فلا يتلوثون بها، وهذا الذي وقع، جلسنا سنوات طويلة في الجزيرة العربية ونحن محفوظون من الفلسفات اليونانية والإغريقية والمصرية الفرعونية والفارسية وغيرها، ورأينا المشاكل التي حصلت في بداية الأمر عندما ترجمت هذه الفلسفات، لكن حفظ الله دين الأمة بعلماء ثبتهم ونور بصيرتهم. هناك إشارة قصدها أو لم يقصدها صاحب السؤال ألا وهي: هل هناك اهتمام بالعلوم الحياتية في الفترة المكية؟ فلعله يريد أن يقول: في الفترة المكية لم يكن هناك اهتمام بالعلوم الحياتية، فإذا كان كذلك فليس هناك داعٍ للتركيز على العلوم الحياتية في فترتنا هذه، بل نهتم بما اهتم به الأولون في فترة مكة المكرمة؟ أقول: في الواقع أن الربط بين واقعنا الآن بإمكانياتنا وظروفنا وواقع المسلمين في فت

стр. 57

شبهة صعوبة الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحياتية يسأل أحد الإخوة ويقول: أنا أجد أنه من المستحيل أو من الصعب جداً أن أجمع بين العلوم الحياتية والعلوم الشرعية فأُبدع في كليهما، فأكون الألباني وأحمد زويل في آن معاً؟ الجواب أنا لم أقل هكذا، فأنا لدي التسجيلات القديمة ومحتفظ بها، فما نريد منك أبداً أن تكون عالماً مبدعاً في العلوم الشرعية، وفي نفس الوقت تكون عالماً مبدعاً في العلوم الحياتية، وإنما قلنا: إن هناك حداً أدنى من العلوم الشرعية لا بد أن تتقنه، إذا لم تكن أنت من علماء العلوم الشرعية، فهناك حد أدنى من العلوم الشرعية تستقيم به عقيدتك وعبادتك لله ، وتعرف به دينك وتعرف به الحلال والحرام، وتتقي الشبهات، وتسير دون إفتاء ولا إبداء للآراء في المشاكل الفقهية العويصة التي تعترض طريق المسلمين؛ هذه لها متخصصون، لكن في ذات الوقت ينبغي لك أن تكون مبدعاً في مجالك الحياتي الذي أنت فيه، أما إن كنت من علماء الشرع فمطلوب منك الإبداع في تخصصك. وعندما نأتي لقراءة بعض سير العلماء السابقين نجد بعضهم مبدعاً في الفقه وأيضاً مبدعاً في الجبر وفي الفلك وفي الطب، فعلى سبيل المثال: البيروني فقد كان موسوعة، كان من علماء المسلمين في الفقه، ومن علماء المسلمين في الفيزياء ومن علماء المسلمين في الفلك. فالعلم يتطور جداً، في السابق إذا أردت أن تدرس الفيزياء فتحتاج إلى قراءة كتاب أو كتابين أو ثلاثة أو عشرة، لكن في هذا الوقت لن تستطيع دراسة الفيزياء بكاملها، فهناك مليون تخصص داخلها، فمنذ (٣٠) أو (٤٠) سنة كانت العلوم نفسها فروعاً قليلة جداً، ثم تشعّبت، وعلى سبيل المثال المسالك البولية، فقد كانت المسالك البولية جزءاً من الجراحة العامة منذ (٤٠) أو (٥٠) سنة، وبعد هذا أصبحت تخصصاً منفرداً، وانقسمت الجراحة العامة إلى أقسام مختلفة، ففي هذا الوقت الذين قاموا بالأبحاث والدراسات قسموا المسالك البولية إلى سبعة أقسام، وداخل كل قسم هناك متخصصون في بعض الفروع، ويتركون الفروع الأخرى. إذاً: العلم يتسع جداً جداً، فكل يوم نكتشف شيئاً جديداً، وأصبح الآن من المستحيل على عالم أن يكون متخصصاً في جميع الفروع، فليس مطلوباً منك أن تكون كـ الألباني وأحمد زويل في شخص واحد، ولكن المطلوب منك أن تكون مبدعاً في مجالك ومتقدماً فيه، وليس شرطاً أن تكون عالماً متفوقاً في جميع الهندسة أو جميع الطب أو جميع الفلك، ولكن تكون متفوقاً في جزئية معينة بحيث تنتج إنتاجاً متميزاً. يريد بعض الناس أن يكون في الموضوع حكايات وروايات وفكاهات؛ لأن هذا الموضوع صعب، والمكان غير مناسب، وأن هذه المحاضرات لا تناسب إلا أن تكون في محافل علمية ومناظرات علمية نظرية لها أماكن محددة!! سبحان الله! فأيهما أولى أن نجلس ونتحدث عن أمور فيها فكاهات وروايات وقصص هينة على القلب، أم نتحدث عن الأمور التي نحتاجها سواء كانت صعبة أم سهلة؟! أنا طبيب فلو أتاني مريض بالسرطان وعنده برودة، هل أظل أعالج البرد إلى أن يخف وأترك مرض السرطان؟ قلنا: إن قضية العلم هذه شئنا أم أبينا، أردنا أم لم نرد، أحببناها أم لم نحببها، لطيفة على القلب أو مملة على القلب، فإنه لا تقوم الأمة إلا بها، وليس هناك أمل إلا فيكم أنتم، فالكثير من الناس من غير أهل المساجد ضاعت ضمائرهم، وماتت هممهم، وعاشوا لدنياهم، من سيتحرك لبناء الأمة الإسلامية إن لم يتحرك لها المخلصون الحريصون على مجالس العلم، وعلى بناء الأمة الإسلامية، وعلى الصحوة الإسلامية، وعلى القرآن والسنة؟ من يتحرك إن تقاعس هؤلاء؟ من يتحرك إن وجد هؤلاء أن الكلام في الجروح أمر ممل أو أمر صعب؟ لا، المكاشفة والوضوح أمر ضروري للإصلاح، وكما قلنا في بداية المحاضرات: لا بد أن نرصد الواقع، وأول طرق الحل أن نرفع الواقع، فالذي رأيناه ورصدناه هذا يدل على فجوة واسعة بيننا وبين غيرنا، أو بيننا وبين ما ينبغي أن نكون عليه، مثل هذا الأمر يحرك فينا الهمم، وليس عيباً أن نكتشف هذا الأمر في هذا الوقت، لكن العيب أن نعرف هذا الكلام ونتركه ولا نتحرك، وأحد الإخوة يعتقد أن سبب اضطهاد الكنيسة للعلماء في أوروبا في أوائل النهضة الأوروبية العلمية الأخيرة هذه، هو أن علماء الكنيسة أو رجال الكنيسة يخافون أن يُكشف تحريفهم للتوراة والإنجيل، هذا على حسب ظنه، لكني أنا أعتقد أنهم كانوا يحاربون علماء الحياة، يحاربون علماء الفيزياء والكيمياء والفلك، يحاربون هؤلاء؛ لأن العلم سلطان، فالناس تحتاج إلى العلماء، والكنيسة في ذلك الوقت كانت سلطان أوروبا، والمرجعية الحكمية في كل الأمور كانت للبابا وللقساوسة، فإذا ظهر من ينافسهم على السلطان حتى وإن لم يجلس على كرسي السلطان، لكن بعلمه وبقيادته العلمية للمجتمعات، فهذا يمثل خطراً بالنسبة لهم. إذاً: فهي منافسة على السلطة والحكم. سأل الحجاج بن يوسف الثقفي أحد أعوانه: من هو سيد البصرة؟ فقال له: الحسن البصري، فقال: كيف أصبح سيداً للبصر

стр. 58

القرآن والسنة مصدران للعلوم الشرعية وعلاقتهما بالعلوم الأخرى يسأل شخص آخر ويقول: هل القرآن والسنة مصدر للعلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء، والعلوم الإنسانية كالإدارة والتنمية البشرية والتاريخ وغير هذا من العلوم؟ أقول: في الواقع أن الكتاب والسنة ليسا كتب كيمياء وفيزياء وطب وفلك، لكن توجد فيهما بإحكام شديد وبإعجاز عجيب ضوابط تحكم خط سير المسلمين، هناك أطر عامة وقواعد عامة في الكتاب والسنة لو أخذنا بها فإننا سنبدع كيفما أردنا أن نبدع، وبالطريقة التي نريد، بحيث لا يكون هناك تعارض مع هذه الضوابط، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. وبعض الناس يريد أن يبدع بغير هذه الضوابط فيضل، فمثلاً: في أمريكا يتزوج الرجل بالرجل كفعل قوم لوط ﵇، فهم جعلوه كقانون، فتراهم يذهبون إلى المحكمة لعقد مثل هذا الزواج، بل إن بعض الكنائس في بعض ولايات أمريكا أقرت هذا الأمر، ولكن بعد هذا الزواج أرادوا الأولاد فحُرموا من ذلك، فلجئوا إلى التبني، فتبنوا طفلاً بحيث يقوم أحد الزوجين في يوم بدور الأم وفي اليوم الآخر يقوم بدور الأب وهكذا، بل قاموا بأكثر من هذا حيث أرادوا أن يزرعوا بويضة ملقحة في الغشاء البروتيني في بطن الرجل؛ ليحمل. انظر إلى انقلاب الفطرة عند هؤلاء الذين يقومون بهذه الأمور، وهم في عرف الناس علماء أفذاذ كما يقولون، وهناك أبحاث طويلة جداً، ولكن فيها تعارض شديد مع القرآن والسنة، ولا يستقيم لعالم مسلم أن يسير في هذا الاتجاه مطلقاً. ولهم أبحاث يقولون فيها: إن شرب الخمر يقوي عضلة القلب، لكن جاء عن نبينا ﷺ : (تداووا ولا تتداووا بحرام). إذاً: أنا كمسلم عندي ضوابط في القرآن والسنة تحكمني، فلا يأت أحد إلى القرآن والسنة ويبحث فيهما عن علاج الأمراض الصدرية وعن علاج الأمراض النفسية، لا، بل هو كلام معجز، فكلام رب العالمين فيه أطر عامة، يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. ومن هذا المنطلق فأي عالم في أي فرع من فروع العلوم الحياتية لا بد أن يكون مطّلعاً على الكتاب والسنة في تخصصه، وهناك كتب في كل مجال، وبفضل الله أصبحت المكتبة الإسلامية مكتبة هائلة عامرة، فإذا كان الشخص متخصصاً في الإدارة، فهناك كتب متخصصة في هذا الأمر، قام إداريون مسلمون متمكنون وأخرجوا القواعد الشرعية من الكتاب والسنة المختصة بالإدارة، وفصّلوا فيها وشرحوها، وقارنوها بغيرها من القوانين الوضعية الأرضية، وبينوا ما الذي يتماشى معها وما الذي يتعارض معها، وأخذوا ما يفيد من العلوم الوضعية، وتركوا ما يضر منها وهكذا. فإذاً: هناك أطر عامة في كتاب الله وسنة رسوله، فعلى كل باحث في كل تخصص أن يعلم تمام العلم ما هي الأطر الشرعية لتخصصه في الكتاب والسنة، هذا أمر في منتهى الأهمية، بالإضافة إلى أننا نجد أحياناً في القرآن والسنة بعض الأشياء المعجزة التي تكون حجة على العالمين في أي فرع من فروع العلوم الحياتية.

стр. 59

الرد على شبهة: أن استخراج وسائل النجاح في العلوم الحياتية من القرآن والسنة يؤدي إلى تطبيق القرآن والسنة لأجل الدنيا هذا سائل يقول: لو أخرجنا من الكتاب والسنة وسائل النجاح في علم من علوم الحياة فطبّقها الناس ونجحوا، فقد يطبّقون القرآن والسنة لأجل الدنيا وليس لأجل الله ؟ هذا كلام غريب جداً، وفي كل مرة يأتينا سؤال تشتف من ورائه أنه ليس هناك داع لهذا الطريق بطريقة أو بأخرى، وهناك تكلف شديد ويفكر تفكيراً مضنياً ليخرج بمثل هذه الآراء، فتجد من يقول: يا أخي! هذا الطريق صعب جداً، وليس لها أي داع، لكن هو لا يريد أن يكون مقصراً فيأتيك بحجة شرعية ودليل شرعي على أنه ليس هناك داع للخوض في مثل هذا الطريق، ويقول: إنه لم يكن في العهد المكي، ونحن نخاف أن يتبع الناس القرآن والسنة لأجل الدنيا! نقول: لا تتبع الناس لكن اتبع القرآن والسنة، ولكن بصّرهم أنت بالحقائق وعلمهم، ولكن أن تقول: الأفضل ألا نضع أيديهم على العلوم الناجحة في القرآن والسنة؛ لكي لا يتبعوا القرآن والسنة ابتغاء الدنيا، هذا منطق غريب، وأنا ليس عندي شك ولو قدر أنملة أن العلوم الحياتية فرض كفاية على المسلمين، إن قام بها البعض سقطت عن الآخرين، لكن إن لم يقم به هذا البعض أثم المسلمون جميعاً، فنحن الآن نتحدث في قضية حلال وحرام، وليست قضية من فضائل الأعمال، لا بد أن نأخذ هذا الأمر بهذا الثقل؛ لتكون عندنا حمية للحركة، وليس مجرد أنني أكثّر حسناتي، لا، بل إنني لا أنجو وأنجو بأمتي إلا بهذه الطريقة.

стр. 60

حكم السهر في العلوم التي تعود على الأمة بالنفع وضوابطه وشروطه هذا سائل: يقول: أنت تشجع السهر؟ نحن قلنا: إن العلماء كانوا لا يكثرون من النوم، وأنا أشجع على السهر بشرطين، فإذا استطعت أن تأخذ بهما فلك أن تسهر كما تشاء: الشرط الأول: أن تشغل وقتك في هذا السهر بما هو نافع لك وللأمة، كما كان البخاري يسهر ليكتب علماً نستفيد منه إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، فإذا كنت كذلك فاسهر واعمل علماً تستفيد منه الأمة إلى يوم القيامة، فلا بد أن يكون سهرك لعلم نافع. وكان الشافعي ﵀ يحب الليل للاستذكار؛ لأن في ذلك الوقت هدوءاً والناس نائمة، وعنده فرصة أن يفكر ويبدع ويحلل وينتج. كذلك الإمام مالك ﵀ كان يحب الليل ويسهر فيه ليحل مسائل فقهية كثيرة؛ فهو في النهار لا يستطيع ذلك؛ لأن الناس تجتمع عنده، وعنده أعمال أخرى تتعلق بالحياة المعيشة، فهناك أمور كثيرة من الممكن أن تشغله، لكن في الليل يكون عنده نوع من الهدوء ويفكر كما يريد. إذاً: من كان وقته مستغلاً بالليل فليسهر. وهذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: ألا تضيّع فرضاً أو أولويات بسبب السهر، لا تسهر في العلم للأمة وللمسلمين ولنفسك إلى الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل ويذهب عليك فرض الفجر. فلا نضيع فرضاً ولا أولوية، فلا أسهر في علم تطوعي إلى آخر الليل لأزداد من العلم؛ لأني دكتور أو مهندس أو كذا، ثم أذهب صباحاً إلى عملي الذي آخذ عليه مرتباً والذي هو معاشي وأنام هناك في العمل، لا، هناك أولويات، فأنا لو أستطيع أن أسهر دون أن أضيع فروضاً وأولويات فلا بأس، وفي نفس الوقت هذا السهر ينبغي أن يستغل استغلالاً ينفع ويفيد الأمة أفراداً وجماعات. فإذاً: ليس هناك أي مشكلة في السهر، بل على العكس هذا السهر بهذه الشروط يكون محموداً، فالذي يسهر ويقوم الليل هل نذم ذلك فيه؟ لا؛ فالله يقول: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] لا يستطيع النوم، فهو كلما أراد النوم قام ليصلي لله ويستغفر ويذكر الله ، فهذه صفة حميدة، لكن بشرط ألا يضيع أموره الأخرى في حياته، ولا يكون هناك إسراف يجعلك تخل بأمور حياتك الأخرى، كأن تهمل الأسرة، أو تهمل العمل، أو تهمل أولادك، أو تهمل الوالد والوالدة، أو تهمل هموم الأمة الأخرى؛ لأن المسلم إنسان متوازن ومتكامل وشامل، فكل أمور الإسلام يأخذها، ومطلوب منه في كل زاوية عمل، ولعلنا نفرد محاضرة في هذه السلسلة للتخطيط، وأيضاً أحد الإخوة طلب أن نفرد محاضرة للتخطيط، يعني: كيف تخطط لحياتك؟ كيف تجمع بين هذه الأمور: وهي أن تكون عالماً وأباً صالحاً وأيضاً زوجاً صالحاً، وداعية إلى الله ، ومجاهداً في سبيل الله؟ نريدك أن تجمع كل هذه الأشياء، كذلك ينبغي معرفة ما الذي تقدمه، وما الذي تؤخره؟ هذا أمر في غاية الأهمية.

стр. 61

علاج ظاهرة الملل عند المذاكرة والقراءة في كتب العلم سائل يقول: عندما يذاكر أو عندما يقرأ في كتب العلم يأتيه ملل فماذا يعمل؟ أقول: للأسف جميع المسلمين مصابون بهذا، وإلا لم يكن هناك ملل لما كان هذا هو حال المسلمين، من موضوع المحاضرة التي مضت قيمة الشيء، فلو فعلاً تشعر بقيمة العلم لن يأتيك ملل، وأذكركم بكلمة الشافعي ﵀، وهي كلمة في منتهى التوفيق والروعة، سئل الإمام الشافعي: كيف طلبك للعلم؟ قال: كطلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره. فهذه المرأة لن تمل حتى آخر حياتها في البحث عن ولدها، لن تمل ولن تكل، فليس هناك أمامها شيء اسمه ملل؛ لأنها تشعر بقيمة ولدها، فالموضوع يمس حياتها الشخصية، كذلك العلم والاستذكار وطلب النبوغ في هذه المجالات أمر يخصك ويخص أمتك تماماً، فالقصور فيه معناه عدم الفهم.

стр. 62

قصة بقي بن مخلد مع العلم هذا أحد الإخوة أيضاً يسأل عن بقي بن مخلد ﵀؟ نقول: هذا الرجل قطع سنتين سيراً على الأقدام إلى أن وصل إلى أحمد بن حنبل فوجده محبوساً، وكيف احتال حتى وصل إلى أحمد بن حنبل ﵀ بعد أن أُخرج من السجن ومُنع من التدريس، وبدأ يتعلم منه على مدار شهور وسنوات، وفي نهاية قصته عاد بقي بن مخلد ﵀ بعد ذلك إلى الأندلس، بعد أن جاب البلاد طولاً وعرضاً، فهو ذاهب في مشواره هذا إلى بغداد، ثم عاد إلى الشام وتعلم على أيدي علماء الشام، ونزل المدينة ومكة المكرمة، ثم اتجه إلى مصر، وأخذ من كل مكان علماً، ثم عاد إلى الأندلس، وبدأ يسجل علمه فكتب مسند بقي بن مخلد، وهذا مسند أحاديث روى فيه عن (١٣٠٠) صحابي، فقد سمع من الناس الذين سمعوا ممن سمع من الصحابة الذين كانوا في العراق، وسمع من الناس الذين سمعوا ممن سمع من الصحابة الذين كانوا في المدينة، والذين كانوا في مكة، والذين كانوا في الشام ومصر، ففي مسنده (٣٠٩٦٩) حديثاً، فمسنده أكثر وأكبر من مسند الإمام أحمد بن حنبل الذي تتلمذ على يديه في بغداد، ووصل إلى درجة عالية جداً من الفقه والعلم والتفسير والحديث ﵀، أي: أنه كان متميزاً في أكثر من فرع من فروع العلم، وهذا المشوار الذي قطعه لم يذهب هباء منثوراً أبداً، والتعب الذي لاقاه والمعيشة الصعبة التي مر بها والأيام الشديدة التي مرت عليه في بغداد وهو يتظاهر بالتسول، حتى يستطيع أن يأخذ حديثاً واحداً أو حديثين أو ثلاثة من أحمد بن حنبل ﵀، كل هذا لم يذهب سدى فقد عمل به المسند. قال ابن حزم ﵀ الإمام الفقيه المسلم المشهور: ما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته - أي: ثقة بقي بن مخلد - وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه، فقد روى عن (٢٨٤) رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء. أي: أنه كان ينتقي الرجال الذين كان يروي عنهم، فكان يسأل عن الرجال ويدقق ﵀. وقال ابن كثير: كان علامة، وكان فقيهاً صوّاماً قوّاماً متبتلاً، ثم يقول: وكان عديم المثل هذا تعديل ووصف ابن كثير له ﵏ جميعاً. وقال الذهبي في حقه: ومن الثابت أن من مناقبه أنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله، يقال: شهد (٧٠) معركة في سبيل الله، ففي الأندلس كانت هناك حروب كثيرة مع الصليبيين في الأندلس، ولم يكن منقطعاً فقط للعلوم، بل كان متفوقاً كـ أسد بن الفرات الذي نشر مذهب الإمام مالك في شمال إفريقيا كله وفي الأندلس، وهو أيضاً الذي فتح صقلية، ومات شهيداً ﵀. انظر إلى هذا التفوق في أكثر من مجال، فهناك بركة في حياتهم، وإنجاز في كل مجال، فالله يفتح هذه البركات على من يرضى عنه، فيحدث ما لا تتوقعه، وإن شاء الله في المحاضرة القادمة التي سنتحدث فيها عن عنصر هام جداً من العناصر المميزة لأي عالم، وسيتضح لنا الإنجاز المعجز حقيقة لكثير من علماء المسلمين، سواء في علوم الشرع أو في علوم الحياة. ويقول ابن حزم ﵀: أقطع أنه لم يؤلَّف في الإسلام مثل تفسير بقي بن مخلد ﵀. إذاً: الجهد الذي بذله لم يضع، فالله بارك فيه، وانتفع المسلمون به، وسينتفعون إن شاء الله إلى يوم القيامة بجهد هؤلاء العلماء.

стр. 63

قيمة العلم عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم نرجع إلى ما كنا نتحدث عنه، وقلنا: إن العلماء ﵃ عانوا كثيراً حتى وصلوا إلى هذه المرتبة، سهروا وسافروا، وفرّغوا أوقاتاً هائلة للعلم، والله أعلم كيف كان وضعهم المادي؟! هذه القضية قضية المادة تشغلنا، وربما لا يحفظ أحدنا إلا هذه الآية من كتاب الله، وهي قوله : ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أو: اعمل لدنياك وتجد الواحد منا يبحث عن أحاديث وآيات تخدم مشروعه، أو مشروع الدنيا الذي يعيش فيه، فكيف كان وضع هؤلاء العلماء؟

стр. 64

قصة مكحول والشافعي وأحمد والثوري وغيرهم مع العلم هذا مكحول ﵀ من التابعين، كان عبداً يُباع ويُشترى، يقول: أُعتقت بمصر فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أراه، ومصر أتاها الكثير من الصحابة والتابعين، وعاش فيها الكثير من العلماء، فكل علم هؤلاء حواه مكحول ﵀، هل اكتفى؟ لا، فطالب العلم لا يشبع أبداً، ثم يقول: ثم أتيت العراق ومن بعدها المدينة فلم أدع بهما علماً إلا حويته، وكم من الصحابة الذين ذهبوا إلى العراق وكانوا في المدينة المنورة، ومع ذلك فقد حوى علم المدينة وعلم العراق، ثم يقول: ثم أتيت الشام فغربلتها. وهذا بشر مثلنا، ولكن عنده طموح عال جداً، وأظنه لو حوى علم مصر لكان كفاية وسيبقى من علماء الأمة ويشار له بالبنان، ويحمد إن شاء الله عند رب العالمين مع صلاح نيته، لكن هذا ليس كافياً عنده، فيذهب إلى العراق وإلى المدينة، وبعد هذا يذهب إلى الشام ويغربل الشام، لا يترك ركناً أو بقعة في الشام إلا وذهب إليها بحثاً عن العلم ﵀، وقد كان عبداً يُباع ويُشترى، وليس إنساناً ميسوراً، وإنما هو مسكين وفقير جداً، ومن أفقر المسلمين في زمانه، ومع ذلك فهو من أعلم المسلمين في تاريخ الأمة. وهذا الشافعي ﵀ يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين، إذا كان حفظه للقرآن في سن سبع سنين فعندنا كثير ممن يحفظ القرآن في هذا السن؛ لأن من إعجاز القرآن أن حفظه ميسر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، لكن كونه يحفظ الموطأ في سن العاشرة فهذا صعب جداً، فالموطأ ليس كتاباً في الحديث فحسب وإنما هو حديث وفقه، فمن الصعب جداً أن يُحفظ، ويكاد في زماننا أن نقول: مستحيل، فهذا يدل على وجود بركة وصدق، ولم يكن وضعه مستقراً، ولم تكن عنده أم غنية أو أب غني ينفقان عليه؟ اسمع لقوله عن نفسه: ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس لأكتب عليها، فكنت أسير في شوارع المدينة فإذا رأيت عظماً يلوح لي من بُعد أخذته فكتبت عليه، ثم طرحته في جرة قديمة لنا. هذا هو الشافعي ﵀، وكان يدخل المساجد وهو في الثالثة عشرة من عمرة يناظر العلماء ﵀، وعندما أصبح في سن الثالثة عشرة بدأ يكثر العلم ويريد أن يكتب ويكتب، والعظم لا يكفي، فحالته صعبة فهو فقير مُعدم، لكن ليس هناك عائق أمامه ليتعلم ﵀، فإذا أراد أوراقاً ليكتب عليها ذهب إلى الديوان. أي: ديوان الحاكم أو الوزارة أو الإمارة فيستوهب الظهور، أي: أنه يريد هبة ظهور الورق المكتوب أمامه فيكتب على ظهور الأوراق، فهذا هو الشافعي ﵀. وفي الأخير أصبح الشافعي إمام المسلمين بهذه المعاناة التي عاناها ﵀. أيضاً الإمام أحمد بن حنبل كانت قصته شبيهة بقصة الإمام الشافعي ﵀، فقد كان طفلاً صغيراً جداً ابن خمس سنوات أو ست سنوات، ويريد أن يذهب إلى المسجد ليتعلم، وأمه تخاف عليه فتقول له: لا تخرج إلى المسجد إلا بعد أذان الفجر، وهو مصر على الخروج قبل أذان الفجر، فكل يوم تتمسك به، وهو يستيقظ مبكراً قبل الفجر ليذهب إلى المسجد، ليدرك مكاناً في الصفوف الأولى، حتى يسمع العالم الذي يتحدث بعد صلاة الفجر يعلّم الناس، وبعد أن كبر اطمأنت أمه عليه وعلمت أنه يستطيع أن يخرج إلى المسجد قبل أذان الفجر، وقال ذات مرة: لو كان معي خمسون درهماً لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد ﵀. وكان من العلماء، فهو يريد أن يتعلم على يديه، ولكن يريد لقطع المشوار إليه خمسين درهماً وليس لديه ﵀، وذكرنا حاله قبل ذلك فقد كان يعمل حمّالاً في اليمن، وكان يعمل في أعمال بسيطة جداً، وهو خير أهل الأرض في زمانه ﵀. وهذا سفيان الثوري ﵀ حينما أراد أن يتعلم قال: يا رب لا بد لي من معيشة، فأمه النجيبة الفاهمة الواعية وهذا الكلام موجه لأخواتنا، واذكرن السؤال الذي سبق في قضية العلم: ماذا نعمل في قضية العلم؟ وقلنا: إن الدور الرئيسي للمرأة: الزوج والأولاد، وهناك أدوار أخرى كما فصّلنا قبل ذلك. فأم سفيان الثوري قالت له: يا بُني تفرغ للعلم وأكفيك بالمغزل، وبدأت تشتغل رحمها الله بالمغزل لتبيع أشياء يسيرة جداً بدراهم معدودات، واستمر في بحثه على العلم وطلبه له حتى صار سفيان الثوري ﵀ من عظماء أتباع التابعين. وهذا البخاري ﵀، وكنت أتمنى أن ييسر الله لنا وقتاً فنُفرد له درساً خاصاً، ومن الصعب أن نتحدث عن البخاري في هذه العجالة، فهو من خير أئمة المسلمين ﵀، وهو صاحب أعظم كتاب سُنة وأصح كتاب بعد كتاب الله على وجه الأرض، وهو صحيح البخاري. حضر البخاري ﵀ دروس العلم، فلم يبلغ من العمر (١٦) سنة حتى حفظ

стр. 65

قصة ابن الهيثم مع العلم لم يكن هذا الجهد من علماء الشرع فقط، لا، بل أيضاً علماء الحياة في تاريخ الإسلام أنجزوا إنجازات هائلة لم تأت إلا بجهد جهيد، وهذا يحتاج إلى محاضرة خاصة، لكن نمر في هذه المحاضرة اليوم على بعض الأمثلة: هذا ابن الهيثم ﵀ كان من أعظم علماء البصريات في التاريخ، ومن أعظم علماء الضوء، وله اكتشافات مذهلة، وعلى اكتشافاته هذه قامت النظريات العلمية الحديثة كلها، ومن المستحيل أن تجد كتاباً من كتب علم الضوء في العالم لا يُذكر فيها اسم ابن الهيثم، ولا كتاب (المناظر) الذي ألّفه، وليس هذا هو الكتاب الوحيد له، وإن شاء الله سيكون لنا كلام عن ابن الهيثم أيضاً في الدروس القادمة. فـ ابن الهيثم كانت حالته المادية صعبة، وكانت تأتيه الأموال وتُعرض عليه الأموال وكان مقرباً من الأمراء؛ لأن الأمراء والخلفاء كانوا يقدرون العلم في معظم أيام الدولة الإسلامية، فكانوا يقدّرون ابن الهيثم فيُعطيه الأمير أو الخليفة مالاً، فيرد له المال ويرفض ابن الهيثم ﵀، ويقول له: إن أنا ادّخرت هذا المال كنت خازناً عليه، وإن أنا أنفقته كنت وكيلك في إنفاقه، فإذا شغلت نفسي بهذين الأمرين: الادخار أو الإنفاق، فمن ذا الذي يشتغل بعلمي؟! فهو يخاف أن يأخذ هذه الأموال فينشغل بالحفاظ عليها، أو ينشغل بإنفاقها، ويقول: إذا تفرغت لدنياكم فمن يتفرغ للعلم؟! هذه همم عالية، وليس من الفراغ أن يكون عالماً من علماء الأرض ﵀، ولكنه أتى من هذا الجهد الذي بذل، يقول ابن الهيثم ﵀: وإني ما مُدت لي الحياة باذل جهدي ومستفرغ قوتي في مثل تحصيل هذه العلوم، متوخياً من ذلك ثلاثة أمور: أولاً: إفادة من يطلب الحق ويؤثره في حياتي وبعد مماتي لله رب العالمين. أي: يفعل هذا الأمر تقرباً إلى الله ، وسبيل التقرب إلى الله أن تنفع نفسك بهذا العلم وتنفع الناس، ودائماً يأتي العلم على لسان حبيبنا ﷺ مقروناً بالنفع، فيقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) فبعد موت ابن الهيثم تأتي الحسنات إليه من الناس؛ لأجل ما قدم في حياته من علوم، فهذا هدف من الأهداف الرئيسية له. ثانياً: أني جعلت ذلك ارتياضاً لي بهذه الأمور في إثبات ما يتصوره ويتقنه فكري من تلك العلوم. أي: أنه يتلذذ ويتمتع بهذه المسائل العلمية، فهو يعتبرها رياضة له وإمتاعاً لفكره وعقله، فمتعته أن يتعلم، وكلنا سنمر بهذه المرحلة إن شاء الله لو استمرينا في طريق العلم. ثالثاً: أني أحتسب ذلك ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم. والأخ الذي يقول: أنا يأتيني ملل، أو كما قال لي بعض الإخوة في الدروس السابقة: إنه يبذل جهداً لكن المذاكرة ليست لطيفة؟ أقول له: في البداية يكون الأمر صعباً إلى أن تتقن العلم، فإن أتقنته أحببته، وإن أحببته صعب عليك فراقه، فتبذل الجهد والوقت والفكر في تحصيله بعد ذلك دون عناء، لا تشعر بالمشقة التي يشعر بها أولئك الذين لا يدركون قيمة ما يقرءون ويسمعون. فـ ابن الجوزي ﵀ كان يجلس على النهر ويبل الخبز في النهر ويأكله، ويقول: وأجد لذلك لذة عظيمة في حلقي؛ لأني أفعل ذلك ابتغاء تحصيل العلم. أي: أن هذا الكفاح والتعب من أجل أن أحصل على العلم وأتفرغ له، وهو فقير معدم، ومع ذلك فهو متلذذ بجمع العلم، ومتلذذ بأكل الخبز اليابس المبلل بالماء. فمن الطبيعي أن تمر بصعوبة، وليس صحيحاً أن أحدكم سيخرج من هنا متحمساً ويكون عليه الأمر سهلاً إلى نهاية الأمر، ولكن ستمر بك صعوبة، وأنا مررت بهذه التجربة بنفسي، فإنني عندما دخلت الكلية أول سنة واجهت صعوبة، يقولون: أول ستة أشهر في الكلية صعبة، فالبداية صعبة، والمواد تحتاج إلى كثير من المراجعة والترجمة فكنت على هذه الحال في السنة الأولى. ومرت الأيام إلى أواخر السنة الثالثة وبعدها أحببت الطب، ففي السنين الأولى والثانية والثالثة تذاكر؛ لأنك مضطر لتنجح، والعلوم صعبة ومخالفة لما كنت عليه في الثانوية العامة من منهج سهل ومبسط، فأنت قد دخلت في طريق مختلف تماماً، فهناك كثير من الناس كرهت الطريق، ولنا أصدقاء في سنة أولى أو ثانية طب تركوا الكلية ولم يستطيعوا أن يتحملوا هذا الوضع، وهناك آخرون انتهوا من دراساتهم، وهناك آخرون اجتهدوا وفي السنة الثالثة بدءوا بحب المادة، ومن اشتاق للطلب أكثر وأكثر أبدع وتفوق وبرز وسبق، ومن عاش كما يعيش الناس فهو شخص من ضمن الآلاف الموجودين، فلو كانت عندك حمية فستصل إلى درجة الحب للعلم، وهذا في كل الطاعات وليس في العلم فقط، وطلب العلم من أقرب الطاعات وأعظمها، لكن هذه الصعوبة موجودة في جميع الطاعات كقيام الليل، أتظن أن الإنسان الذي يقوم الليل كان سهلاً عليه في البداية أن يقوم الليل؟ يقول أحد التابعين: كابدت قيام الليل عشرين سنة، ثم استمتعت به ب

стр. 66

قصة الطوسي وسيد قطب وابن تيمية وابن خلدون وابن رشد وابن النفيس وغيرهم مع العلم لقد كان الطوسي عالماً في الفلك والرياضيات، وكان من المتميزين البارزين المقربين إلى الخلفاء لعلمه، فهذا الإنسان المتميز عادة ما يكون له أعداء، فوشوا به وكادوا له فوضع في السجن ﵀، فكتب أبحاثاً في الفلك والرياضيات من أروع ما يكون. وسيد قطب ﵀ كتب (الظلال) في السجن، ولعله لو كان خارج السجن لما كتبه، فأصبح السجن بالنسبة له نعمة، لكن ليس هناك شيء اسمه تضييع وقت، وهذا موضوع درسنا القادم إن شاء الله بالتفصيل، لكن الشاهد أنه في هذه الظروف الصعبة كتب (الظلال)، وقلما تجد مكتبة في مسجد من مساجد العالم إلا وتجد فيها هذا الكتاب، ولقد شاهدت أناساً يترجمون هذا الكتاب إلى لغات أعجمية إلى اللغة الألبانية وإلى اللغة الهندية فهناك جهد يُبذل لهذا الأمر، فهذا خير عميم عُمل وحصل في السجن. كذلك ابن تيمية له كتابات كثيرة في السجن ومفيدة جداً. وهذا فخر الدين الساعاتي ﵀ أحد جهابذة الطب في تاريخ الإسلام، وكان يقول: يحسدني قومي على صنعتي؛ لأنني بينهم فارس سهرت في ليلي واستنعسوا، لن يستوي الدارس والناعس. ومر بنا موقف البيروني ﵀ يتعلم وهو على فراش الموت. كذلك ابن خلدون ﵀ كان يسأل عن العلوم الإنسانية، فـ ابن خلدون واضع علم الاجتماع، فهو أول من كتب في علم الاجتماع في العالم، ولعلكم سمعتم منذ عدة شهور الاحتفال الضخم التي قامت به إسبانيا، حيث احتفلوا بمرور (٦٠٠) سنة على وفاة ابن خلدون، وهم أكثر البلاد كرهاً للإسلام والمسلمين، ومع كل ما فعلوه في محاكم التفتيش سابقاً من الطرد والإبعاد والقتل للمسلمين عموماً، ومع ذلك لا يستطيعون أن يتجاهلوا شخصية كشخصية ابن خلدون ﵀، فاحتفلوا بمرور (٦٠٠) سنة على وفاته ﵀. وابن خلدون لم يصبح بهذه المكانة من فراغ، فقد ذهب في طلب العلم من الأندلس، ولم يعد إليها إلا بعد (٢٥) سنة، فهذه رحلة علم (٢٥) سنة، فقد ذهب إلى تونس والجزائر والمغرب ومصر، وتجول في بلاد الأرض بحثاً عن العلم، ليكتب مقدمة ابن خلدون، هذه المقدمة التي خلدّت اسمه في التاريخ، والتي فيها أسس علم الاجتماع، وفيها قواعد تفسير التاريخ، فيها أمور كثيرة جداً من أعظم الأمور في تاريخ العلوم، وعندما أراد أن يكتب هذه المقدمة ذهب بأسرته إلى الجزائر في قلعة وسط الجبل بعيداً عن الناس، واعتكف هناك أربع سنوات كاملة لا يخرج من القلعة، ولم يخرج من القلعة إلا ومعه الكتاب الذي أصبح أساساً علمياً لم يكن موجوداً في الدنيا قبل ذلك. وهذا ابن رشد كان نابغة في الطب يقال في تاريخه: إنه لم يدع النظر في الكتب في حياته كلها إلا في ليلتين: أحدهما: مات أبوه فيها، الليلة الثانية: ليلة زواجه، فكل الليالي في حياته لا بد أن يطالع في الكتب ويفحص ويكتب ويستذكر. وهذا ابن سينا أقبل على دراسة الفلسفة، حتى إنه لم يترك كتاباً سبقه في التاريخ إلا واطّلع عليه، وبعد هذا قرأ في الحساب، وعلم حساب الهند وغيره من أنواع الحساب، ثم أتقن علم المنطق، ثم بدأ يتجه إلى كتب أقليدس وهو من علماء اليونان، ثم كتب بطليموس، وقرأ وتفنن وأبدع وناظر في هذه الأمور، ثم بعد هذه الرحلة في العلم رغب في علم الطب فوجده أسهل من العلوم الأخرى، فلم يأخذ منه وقتاً طويلاً حتى أتقنه، فأتقن علم الطب واحتاج الناس إليه، حتى أصبح أعلم أهل زمانه في الطب، وأهل الطب في زمنه لا يجازون إلا بقراءة الطب عليه، ثم يقول: واختلفت بعد ذلك إلى الفقه، فتفقهت وأصبحت من المناظرين ثم قال: علت ذلك وأنا ابن (١٦) سنة. فالإنسان عنده إمكانيات هائلة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] فالله خلق هذا العقل بإعجاز، فإمكانياتك الحقيقية أكثر من تخيلك بآلاف المرات، ولكن نحن نعمل بـ (٠٠٠. ١) من إمكانياتنا. وابن سينا ليس نبياً وليس معصوماً وله أخطاء كما تعلمون، وقد قطع هذا الشوط في هذه العلوم وعمره (١٦) سنة، لم يكن قارئاً بل متقناً ومناظراً في علوم الفلسفة والمنطق والهندسة والطب والرياضيات والفقه، ويقول: وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره، وجمعت بين يدي ظهوراً وكتباً. يعني المئات من الكتب التي جمعها ابن سينا. ويقول: وكلما كنت أتحير في مسألة ترددت إلى الجامع، فأصلي وأبتهل إلى الله حتى يفتح لي المنغلق، وييسر لي المتعسر، فيفتح الله لي، وكنت أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فكلما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة، وكلما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل ب

стр. 67

قصة مخترع بندقية الكلاشنكوف هذه قصة طفل روسي مُعدم فقير، ولد في سنة (١٩١٩م) في أسرة فقيرة الحال، وكان الأب يشتغل في الزراعة، ولهذا الطفل ستة إخوة وهو السابع، ولم يكن يحب الزراعة وإنما كان يحب الميكانيكا، ولكنه فقير لا يستطيع التعليم، دخل المدرسة وتعلم إلى المرحلة المتوسطة، وبعد هذا لم يستطع أبوه أن ينفق عليه وأخرجه من المدرسة، وكان يرى أباه يتعب في الزراعة، فقال: هل أستطيع أن أعمل مكينة تساعد أبي في الزراعة؟ أراد أن يعمل مكينة زراعية، ولكن ضغط الفقر جعله يشتغل في ورش سكة الحديد كعامل مسكين بسيط، وكبر ومرت الأيام وأتت الحرب العالمية الثانية سنة (١٩٣٩م) ودخلت ألمانيا روسيا، فدخل الجيش وعمره (١٨) سنة أو (١٩) سنة، دخل الجيش برتبة عريف، واشتغل على دبابة ودخل المعركة فأُصيب، ثم أخذوه إلى المستشفى، وفي المستشفى عرف من زملائه الجنود المصابين الروس أن الإصابات الكثيرة هذه بسبب سلاح ألماني، فعندهم اختراع بندقية قوية أصابت الكثير من الروس، فقال: لماذا لا نعمل بندقية تضاد البندقية الألمانية؟ فبدأ يرسم ويخطط، ثم إن القوات الروسية أعلنت عن طلب للمخترعين في روسيا أن يقدموا وسيلة لإطلاق الأعيرة النارية بسرعة أكثر، ليقابلوا بها السلاح الألماني، فقدم ما رسمه، فعلماء العسكرية في روسيا درسوا هذه الرسمة فوجدوها في منتهى الروعة، فأخذوه إلى المعمل فنفذها بالفعل وعمل السلاح، وكان اسم الرجل هذا كلاشنكوف فأصبح مخترع الكلاشنكوف الذي هو موجود في العالم إلى الآن، وله أثر ضخم جداً في الحروب السابقة والحالية، وفي كل الحروب في العالم تجد الكلاشنكوف من بداية اختراعه وهو موجود، فهذا الكلاشنكوف في المواقع البرية غيّر الموازين مع الألمان في الحرب العالمية الثانية. انظروا كلاشنكوف المُعدم الفقير الذي لم ينته بعد من دراسة الإعدادية فعل كل هذا! فيا طلاب الثانوي أنتم سبقتم كلاشنكوف، ويا طلاب الجامعة، ويا علماء الأمة أين الإبداع والاختراع؟ ألم يفد هذا الاختراع روسيا؟ ألم ينفعها هذا الاختراع في حربها؟ ألم يقدّم هذا الاختراع الروس خطوة وخطوات؟ نريد ذلك عند المسلمين.

стр. 68

قصة مكتشف الميكروبات ومخترع المصباح الكهربائي مع العلم هذا لويس باستير العالم الفرنسي المشهور الذي اكتشف الميكروبات، واكتشف علاج داء الكلب، فإنه عندما تزوج بحثوا عنه ليلة زفافه فوجدوه في مختبره مشغولاً بقضية العلم. وأديسون العالم الأمريكي المشهور مخترع المصباح الكهربائي، قدّم (١٢٠٠) براءة اختراع، فعندما سئل: ما هذا الاختراع كله؟ وما هي هذه العبقرية؟ وما هذا الإلهام؟ ماذا قال؟ قال: الإلهام عندي (٢%) أما الـ (٩٨%) فجد واجتهاد. إذا كان هذا يستقيم في حق هؤلاء العلماء من غير المسلمين، فكيف بالمسلمين الموفقين من ربهم ؟! وأختم حديثي بتلخيص ما سبق بإيجاز شديد بكلمة يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم. إذا أردت أن تكون عالماً فأول طريق العلم أن تعرف قيمة الشيء، ثم ابذل مجهوداً لا راحة معه إلى الممات. وللحديث بقية. أسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 69

سلسلة كيف تصبح عالماً [٧] الوقت رأس مال المسلم، فحري به أن يحافظ على رأس ماله، والناظر في شأن الصحابة ومن بعدهم يجد حرصهم الشديد على الوقت، واستغلالهم إياه فيما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة.

стр. 70

رفع شأن العلم وضرورة الاهتمام به إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فما زلنا في حديثنا حول القضية الهامة التي تحدثنا عنها في عدة محاضرات، وهي قضية العلم ومكانته في الشرع الإسلامي، وقضية أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وكيف يكون الطريق لأن نكون علماء؟ وكيف السبيل إلى أن نتخطى العقبات والعراقيل التي تمر بها الأمة الآن في طريق العلم؟ وذكرنا أن أول طريق العلم: هو تقدير قيمة هذا الذي تجاهد من أجله وهو العلم، وذكرنا أدلة كثيرة على هذا الأمر. والأمر الثاني: أن تبذل الجهد كل الجهد، ونكرر للمرة العاشرة وأكثر مقولة يحيى بن أبي كثير ﵀: لا يستطاع العلم براحة الجسم. اليوم بإذن الله سنتكلم عن شيء من أهم الأشياء لكي نكون من العلماء، ولا يستقيم أبداً أن نكون من العلماء بغيره، بل لا تكون نجاة بغيره، لكن قبل الحديث عنه كعادتنا نتحدث عن بعض الأسئلة، والحقيقة هي أسئلة في غاية الأهمية. قبل أن نخوض في الأسئلة هذه الدروس هي محاولة للعصف الذهني، بمعنى إخراج كل ما عندنا في هذه القضية المهمة، وأنه ليس الغرض من وراء هذه المحاضرات هو حل كل مشاكل العالم الإسلامي في يوم وليلة، وليس الغرض أن نكون علماء غداً أو بعد غد، ومن الممكن أن نختلف مع بعضنا البعض في بعض الآراء التي ذُكِرت في هذه المحاضرات، وقد تكون هناك جوانب كثيرة أغفلت سواء عمداً أو عن غير عمد في هذه المحاضرات وهي من الأهمية بمكان؛ لأننا قدمنا الأهم في رأينا وتركنا غيره، وقد يكون الأهم غير ذلك. المهم في كل ما نقوله أننا نضع هذه القضية في بؤرة الاهتمام، والحل قد لا يكون في هذه اللقاءات السريعة، لكن قد يكون حلها في ندوات متكررة على مدار عدة سنوات، وفي محاضرات ودورات تدريبية، يكون حلها في تغيير منهج حياتنا على مدار السنوات المقبلة، يكون حلها في إذكاء الحمية في قلوب علماء المسلمين، فيبدءون في توريث العلم لغيرهم، يكون غرضها حث طلبة العلم على طلب العلم. عادة ما تكون الوسائل من أبسط الأشياء، يعني: قد نصل بأبسط الوسائل التقنية أو المسائل المادية إلى العلم المعين، لكن لابد في البداية أن يوضع الأمر في بؤرة الاهتمام، وهذا ما نحاول أن نبحثه، وسلكنا في ذلك عدة مسالك: منها: توضيح قيمة هذا الأمر في الشرع الإسلامي، وما قاله الله في حق العلماء، وما قاله رسولنا ﷺ في حق العلماء، وقدر العلماء عند أئمة المسلمين وعند الصالحين من أبناء هذه الأمة، ودور العلم في بناء الأمم، والأمم التي اتخذت العلم كيف وصلت وإلى أي شيء وصلت؟! وكيف تقود العالم الآن؟! يعني: إذا استوعبنا هذه الأمور وأحسسنا بقيمة القضية، إن شاء الله لو حرصت على الوصول ستفتح لك الأبواب، ونذكر بقول ربنا : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 71

الأسئلة بعض الأسئلة مهمة جداً، وهنا سؤال سيكون له مكان في المحاضرة القادمة، لكن لأهميته سأذكره الآن ثم نعيد إن شاء الله التذكير به في المحاضرة القادمة.

стр. 72

طرق معالجة النية وإخلاصها في طلب العلم وغيره السؤال أجد في نفسي أحياناً رياء عند طلب العلم، فالأصل أني أطلب العلم من أجل رضا المولى ولكن قد يداخل ذلك حب التميز والتفوق وحب الشهرة وكلام الناس، فماذا أفعل؟ الجواب أذكر السائل بالمقولة الهامة جداً، وهي: العمل من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجل الناس شرك. يعني: أن إبليس يزين لك أموراً ويلبس عليك الأشياء ويقول لك: أنت تطلب العلم لأجل الناس، فيدفعك إلى تركه؛ حتى تخلص النية وتصلح القلب، وهذا تلبيس من إبليس، لكن الصواب أن تستمر في العمل مع تجديد النية الصالحة المستمرة، وتجديد النية ليس سهلاً، يقول سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي. ومعالجة النية أمر صعب فعلاً، لكن بالممارسة والمجاهدة وبالمحاولة مرة وثانية وثالثة وأكثر -إن شاء الله- سيصل المسلم الصادق إلى درجة الإخلاص المطلوبة، ومعالجة النية ليست مرة ولا مرتين في العمر أو مرة أو مرتين في السنة، لا، لكن مع بداية كل عمل معين، في كل ساعة وكل لحظة، وحسب درجة الإيمان تزداد درجة الإخلاص، ومطلوب منك أن تقرأ كثيراً عن الآخرة؛ لكي تخلص النية لرب العالمين . ذكر نفسك بيوم الممات، وذكر نفسك بيوم المعاد عند الله ، وذكر نفسك بالحساب أمام الله ، وستجد أن النية إن شاء الله تتجه تدريجياً إلى أن تكون نية خالصة لله ، والأمر فيه تفصيل، وسنتحدث عنه إن شاء الله في الدرس القادم بشيء من التفصيل.

стр. 73

مدارس اللغات الأجنبية ومحاولة طمس اللغة العربية أو إضعافها السؤال هناك مشكلة اختيار مدارس لغات أو مدارس لغة عربية للأطفال؟ الجواب إن ما ذكره السائل أمر مشاهد، فإن مدارس اللغات مستواها التعليمي أعلى من المدارس العربية في الجملة، صحيح هناك استثناءات، لكن في الجملة هذا هو المشاهد. وقد ناقشت هذه القضية قبل ذلك في مجموعة (فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى) وذكرنا أن أعداء الإسلام عندما أرادوا الكيد لهذا الدين لم يغلقوا مدارس الأزهر في أوائل القرن الماضي، ولكنهم أنشئوا إلى جوارها المدارس العلمانية، وفتحوا أبواب العمل لطلاب المدارس العلمانية، فبالتالي مع مرور الوقت بدأت الناس تتجه بأبنائها إلى المدارس العلمانية سعياً وراء فتح فرص عمل للأبناء عندما يكبرون، وأصبح الذي يدخل الأزهر هو الذي لا يستطيع أن يدخل المدارس الأخرى، ومع مرور الوقت تدنى المستوى التعليمي في الأزهر إلى درجات لم يكن عليها قبل ذلك مطلقاً، وقديماً في تاريخ الأمة العظيم كان عظماء الأمة هم الذين يهتمون بالعلوم الشرعية ويدرسونها ويتفوقون فيها، وكان النبوغ في هذه المجالات وسيلة لرفعة الإنسان وسط القوم أو وسط المجتمع الذي يعيش فيه، لكن الإنجليز أنشئوا مدارس علمانية وسهلوا فرص العمل لطلابها، وفوق ذلك أيضاً بدءوا يعطون رواتب أعلى لخريجي هذه المدارس أعلى بكثير من رواتب خريجي الأزهر. والمدارس العلمانية كانت تتحدث باللغة العربية في الجملة، لكن الآن صارت هناك مدارس لا تتحدث إلا باللغة الأجنبية فقط، وأيضاً فرص العمل مفتوحة بصورة أكبر لمن يحصل على الشهادة من مدرسة أجنبية، وهذا يدفع النوابغ من أبناء المسلمين إلى الالتحاق بالمدارس الأجنبية، ويخرج في آخر المطاف وهو لا يستطيع أن يكتب ويقرأ اللغة العربية إلا بصعوبة بالغة وبضعف شديد، وبالتالي يصعب عليه جداً أن يقرأ القرآن الكريم أو السنة المطهرة، ولو قرأ لا يستطيع أن يفقه بسهولة، فتكون النتيجة تردياً مستمراً للتفقه في القرآن والسنة وفي علوم الدين بصفة عامة، وأخطر من ذلك أن الفرد منا قد يقول: أنا ممكن أن أُحْضر لابني مدرساً يعلمه اللغة العربية في البيت حتى يرتفع مستواه، نقول حتى لو ارتفع مستواه في اللغة العربية واستطاع أن يقرأ اللغة العربية بصورة جيدة، ويقرأ القرآن والسنة بصورة طيبة، فإنه قد يدخل في شعوره الداخلي دون أن يريد هو وآباؤه ذلك تعظيمُ اللغة الغربية على اللغة العربية، وأنها مصدر النجاة في هذه الدنيا، وأنه لا فلاح له ولا وصول إلا بهذه اللغة، وليس معنى هذا الكلام أننا ضد تعلم اللغات الأجنبية. يقول البعض: هل أنت مع تعليم الأطفال بعض المصطلحات الغربية وهم قبل سن الدخول إلى المدرسة؟ والسؤال الذي يأتي بعد ذلك: هل يا ترى يتعلم الطالب اللغات الأجنبية مع اللغة العربية أو لا يتعلمها؟ نقول: نحن مع تعلم اللغات الأجنبية مطلقًا، على قدر ما تستطيع، حاول أن تتعلم لغة أخرى إلى جوار اللغة العربية، لكن بشرط أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأساس، هي اللغة الأولى لك، حتى لو كانت اللغة العربية ليس لها تواجد في العالم الآن إلا في البلاد العربية؛ لكن هذه بداية، ونحن نريد نهضة شاملة في العالم الإسلامي، وإذا حدثت هذه النهضة الشاملة في علوم مختلفة وكانت اللغة العربية هي الأساس سيكون هذا مجال انتشار للغة العربية في العالم، وأذكركم أن من كان يريد أن يتعلم الطب أو الهندسة أو الفلك أو الكيمياء من أوروبا أو من الهند في وقت عزة الدولة الإسلامية كان عليه أن يتعلم اللغة العربية، كذلك يتعلم اللغة العربية، حتى يدرس في جامعات المسلمين: جامعة قرطبة، جامعة طليطلة، جامعة أشبيلية، جامعة بغداد، جامعة القاهرة، يعني: كانت مدينة القاهرة من مدن العلم المشهورة في ذلك الزمن. وسنتحدث إن شاء الله في محاضرة قادمة عن: صور رائعة من الحضارة الإسلامية، ونذكر بعض الأمثلة من الجامعات والمكتبات الإسلامية العملاقة التي كانت كلها باللغة العربية، والطلبة فيها من بلاد مختلفة في العالم مسلمون وغير مسلمين يتحدثون باللغة العربية، لكن تحقير اللغة العربية والتهوين من شأنها عند الطفل وإشعاره أنه لا نجاة له إلا بتعلم اللغة الأجنبية وجعلها هي اللغة الأساسية الأم، بل وقد يفخر بعض الآباء والأمهات بأن أبناءهم لا يستطيعون الكلام بالعربية، وأن معظم كلامه باللغة الإنجليزية فهو لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا بلغة أجنبية، فهذا شيء خطير جداً يحتاج إلى مراجعة. هناك ناس تعاني من إدخال أولادها مدارس مستواها إلى حد ما أضعف من مستوى المدارس الأجنبية، نقول: إن طريق العلم لا بد فيه من معاناة سواء كانت معاناة مادية أو معاناة فكرية، فأي نوع من أنواع المعاناة متوقع، لكن لا بد من بذل الجهد، فإننا عندما نراجع تاريخ الدول التي قامت في هذه الأيام في عصرنا هذا، نجد أنها اهتمت اهتماماً قوياً جداً باللغة الأم، حتى وإن كانت غير منتشرة في العالم، فمثلاً: التعليم الأساسي في اليابان كله باللغة اليابانية، وكذلك التعليم الأساسي في ألمانيا كله باللغة الألمانية، وقد تجد بع

стр. 74

حكم تعلم اللغات الأجنبية السؤال أدرس في كلية لغات وترجمة أزهر دراسات إسلامية فما الذي تنصحنا به؟ وهل لنا من دور؟ الجواب عليك دور ضخم جداً، وليس معنى ما ذكرنا سابقاً أننا لا نتعلم لغات، وأنت رجل عندك لغات وترجمة وأزهر وعندك معلومات دينية لا بأس بها، تعلم اللغة الإنجليزية، وتعلم اللغة الإسبانية، واللغة الألمانية وغيرها من اللغات، وصل العالم كله بدين الله ، ورد على الشبهات، ورد على بابا الفاتيكان، ورد على جرائد الدنمارك، ورد على كذا وكذا من المشاكل التي تطل علينا من كل مكان. كن عنصراً فاعلاً، وتحرك بلغتك فأنت تسد ثغرة، فقد كان زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه كان مقرباً جداً لرسولنا ﷺ ، ومن أهم أسباب هذه القربى له أنه تعلم لغة لم يتعلمها عموم الصحابة.

стр. 75

دور كبار السن في قضية العلم وغيره السؤال الأمثلة المذكورة للعلماء الذين ذكروا في الدروس السابقة معظمهم بدءوا في سن مبكرة فما حال الكبار؟ الجواب يعني: نحن الآن كبرنا في السن فمنا من أصبح عمره (٢٠) سنة أو (٣٠) سنة أو (٤٠) فقد ذكرتم أن الشافعي حفظ القرآن وهو ابن (٧) سنين وحفظ الموطأ وهو ابن (١٠) سنين. وأحمد بن حنبل كان يريد أن يخرج قبل الفجر من أجل أن يتعلم الحديث وهو لا يزال طفلاً صغيراً، وأمه تمسكه وتقول له: لا تخرج قبل الفجر، وهو يريد أن يخرج قبل الفجر لطلب الحديث، فيقول السائل: إذاً: ماذا يعمل الكبار؟ نقول: ما أكثر الأمثلة في التاريخ الإسلامي على من بدأ في سن الكبر، وحتى لو لم توجد أمثلة، سنفترض أنك لا تعرف أن موسى بن نصير فتح الأندلس وعمره (٧٢) سنة، ولا أن يوسف بن تاشفين التزم بالإسلام وعمره (٤٦) سنة، وقبل ذلك كان بعيداً تمام البعد عن الفكر الإسلامي والالتزام بتعاليم الشرع، فبدأ طريقه في الالتزام وعمره (٤٦) سنة، وخالد بن الوليد أسلم وعمره (٤٧) سنة، وعمرو بن العاص أسلم وعمره (٥٧) سنة، فالله أنعم عليهم بالفتح، سواء في مجالات الجهاد أو مجالات العلوم أو مجالات الدعوة، في كل مجالات الإسلام بصفة عامة، لا أريد أن يقول إنسان: إنني قد تأخر بي الزمن، لا، فـ ابن الجوزي ﵀ بدأ يتقن القراءات العشر ويقرؤها على الشيوخ وعمره فوق (٨٠) سنة، مع العلم الغزير الذي كان عنده في كل فروع العلم، يعني يقول ابن تيمية عن ابن الجوزي: ما أعلم أحداً صنف مثله. في كل الفروع له مصنف ﵀، ولكن هناك فرع لم يتعلمه ولم يتخصص فيه في أول حياته وإنما تعلمه وعمره فوق (٨٠) سنة، ألا وهو علم القراءات. أيضاً اذكر قول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، ستحاسب على كل لحظات عمرك لوحدك، فكون العالم كله يضيع وقته ويلعب وينشغل بأمور لا تنفع فاعلم أنك ستحاسب لوحدك يوم القيامة، فالوقت الذي تبقى لك من العمر لعله يوم أو يومان أو عشرة أو عشر سنين أو أكثر فاستغله كله لله .
следующие страницы →