Полный текст (119 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأسئلة
بعض الأسئلة مهمة جداً، وهنا سؤال سيكون له مكان في المحاضرة القادمة، لكن لأهميته سأذكره الآن ثم نعيد إن شاء الله التذكير به في المحاضرة القادمة.
стр. 72
طرق معالجة النية وإخلاصها في طلب العلم وغيره
السؤال
أجد في نفسي أحياناً رياء عند طلب العلم، فالأصل أني أطلب العلم من أجل رضا المولى ولكن قد يداخل ذلك حب التميز والتفوق وحب الشهرة وكلام الناس، فماذا أفعل؟
الجواب
أذكر السائل بالمقولة الهامة جداً، وهي: العمل من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجل الناس شرك.
يعني: أن إبليس يزين لك أموراً ويلبس عليك الأشياء ويقول لك: أنت تطلب العلم لأجل الناس، فيدفعك إلى تركه؛ حتى تخلص النية وتصلح القلب، وهذا تلبيس من إبليس، لكن الصواب أن تستمر في العمل مع تجديد النية الصالحة المستمرة، وتجديد النية ليس سهلاً، يقول سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي.
ومعالجة النية أمر صعب فعلاً، لكن بالممارسة والمجاهدة وبالمحاولة مرة وثانية وثالثة وأكثر -إن شاء الله- سيصل المسلم الصادق إلى درجة الإخلاص المطلوبة، ومعالجة النية ليست مرة ولا مرتين في العمر أو مرة أو مرتين في السنة، لا، لكن مع بداية كل عمل معين، في كل ساعة وكل لحظة، وحسب درجة الإيمان تزداد درجة الإخلاص، ومطلوب منك أن تقرأ كثيراً عن الآخرة؛ لكي تخلص النية لرب العالمين .
ذكر نفسك بيوم الممات، وذكر نفسك بيوم المعاد عند الله ، وذكر نفسك بالحساب أمام الله ، وستجد أن النية إن شاء الله تتجه تدريجياً إلى أن تكون نية خالصة لله ، والأمر فيه تفصيل، وسنتحدث عنه إن شاء الله في الدرس القادم بشيء من التفصيل.
стр. 73
مدارس اللغات الأجنبية ومحاولة طمس اللغة العربية أو إضعافها
السؤال
هناك مشكلة اختيار مدارس لغات أو مدارس لغة عربية للأطفال؟
الجواب
إن ما ذكره السائل أمر مشاهد، فإن مدارس اللغات مستواها التعليمي أعلى من المدارس العربية في الجملة، صحيح هناك استثناءات، لكن في الجملة هذا هو المشاهد.
وقد ناقشت هذه القضية قبل ذلك في مجموعة (فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى) وذكرنا أن أعداء الإسلام عندما أرادوا الكيد لهذا الدين لم يغلقوا مدارس الأزهر في أوائل القرن الماضي، ولكنهم أنشئوا إلى جوارها المدارس العلمانية، وفتحوا أبواب العمل لطلاب المدارس العلمانية، فبالتالي مع مرور الوقت بدأت الناس تتجه بأبنائها إلى المدارس العلمانية سعياً وراء فتح فرص عمل للأبناء عندما يكبرون، وأصبح الذي يدخل الأزهر هو الذي لا يستطيع أن يدخل المدارس الأخرى، ومع مرور الوقت تدنى المستوى التعليمي في الأزهر إلى درجات لم يكن عليها قبل ذلك مطلقاً، وقديماً في تاريخ الأمة العظيم كان عظماء الأمة هم الذين يهتمون بالعلوم الشرعية ويدرسونها ويتفوقون فيها، وكان النبوغ في هذه المجالات وسيلة لرفعة الإنسان وسط القوم أو وسط المجتمع الذي يعيش فيه، لكن الإنجليز أنشئوا مدارس علمانية وسهلوا فرص العمل لطلابها، وفوق ذلك أيضاً بدءوا يعطون رواتب أعلى لخريجي هذه المدارس أعلى بكثير من رواتب خريجي الأزهر.
والمدارس العلمانية كانت تتحدث باللغة العربية في الجملة، لكن الآن صارت هناك مدارس لا تتحدث إلا باللغة الأجنبية فقط، وأيضاً فرص العمل مفتوحة بصورة أكبر لمن يحصل على الشهادة من مدرسة أجنبية، وهذا يدفع النوابغ من أبناء المسلمين إلى الالتحاق بالمدارس الأجنبية، ويخرج في آخر المطاف وهو لا يستطيع أن يكتب ويقرأ اللغة العربية إلا بصعوبة بالغة وبضعف شديد، وبالتالي يصعب عليه جداً أن يقرأ القرآن الكريم أو السنة المطهرة، ولو قرأ لا يستطيع أن يفقه بسهولة، فتكون النتيجة تردياً مستمراً للتفقه في القرآن والسنة وفي علوم الدين بصفة عامة، وأخطر من ذلك أن الفرد منا قد يقول: أنا ممكن أن أُحْضر لابني مدرساً يعلمه اللغة العربية في البيت حتى يرتفع مستواه، نقول حتى لو ارتفع مستواه في اللغة العربية واستطاع أن يقرأ اللغة العربية بصورة جيدة، ويقرأ القرآن والسنة بصورة طيبة، فإنه قد يدخل في شعوره الداخلي دون أن يريد هو وآباؤه ذلك تعظيمُ اللغة الغربية على اللغة العربية، وأنها مصدر النجاة في هذه الدنيا، وأنه لا فلاح له ولا وصول إلا بهذه اللغة، وليس معنى هذا الكلام أننا ضد تعلم اللغات الأجنبية.
يقول البعض: هل أنت مع تعليم الأطفال بعض المصطلحات الغربية وهم قبل سن الدخول إلى المدرسة؟ والسؤال الذي يأتي بعد ذلك: هل يا ترى يتعلم الطالب اللغات الأجنبية مع اللغة العربية أو لا يتعلمها؟ نقول: نحن مع تعلم اللغات الأجنبية مطلقًا، على قدر ما تستطيع، حاول أن تتعلم لغة أخرى إلى جوار اللغة العربية، لكن بشرط أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأساس، هي اللغة الأولى لك، حتى لو كانت اللغة العربية ليس لها تواجد في العالم الآن إلا في البلاد العربية؛ لكن هذه بداية، ونحن نريد نهضة شاملة في العالم الإسلامي، وإذا حدثت هذه النهضة الشاملة في علوم مختلفة وكانت اللغة العربية هي الأساس سيكون هذا مجال انتشار للغة العربية في العالم، وأذكركم أن من كان يريد أن يتعلم الطب أو الهندسة أو الفلك أو الكيمياء من أوروبا أو من الهند في وقت عزة الدولة الإسلامية كان عليه أن يتعلم اللغة العربية، كذلك يتعلم اللغة العربية، حتى يدرس في جامعات المسلمين: جامعة قرطبة، جامعة طليطلة، جامعة أشبيلية، جامعة بغداد، جامعة القاهرة، يعني: كانت مدينة القاهرة من مدن العلم المشهورة في ذلك الزمن.
وسنتحدث إن شاء الله في محاضرة قادمة عن: صور رائعة من الحضارة الإسلامية، ونذكر بعض الأمثلة من الجامعات والمكتبات الإسلامية العملاقة التي كانت كلها باللغة العربية، والطلبة فيها من بلاد مختلفة في العالم مسلمون وغير مسلمين يتحدثون باللغة العربية، لكن تحقير اللغة العربية والتهوين من شأنها عند الطفل وإشعاره أنه لا نجاة له إلا بتعلم اللغة الأجنبية وجعلها هي اللغة الأساسية الأم، بل وقد يفخر بعض الآباء والأمهات بأن أبناءهم لا يستطيعون الكلام بالعربية، وأن معظم كلامه باللغة الإنجليزية فهو لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا بلغة أجنبية، فهذا شيء خطير جداً يحتاج إلى مراجعة.
هناك ناس تعاني من إدخال أولادها مدارس مستواها إلى حد ما أضعف من مستوى المدارس الأجنبية، نقول: إن طريق العلم لا بد فيه من معاناة سواء كانت معاناة مادية أو معاناة فكرية، فأي نوع من أنواع المعاناة متوقع، لكن لا بد من بذل الجهد، فإننا عندما نراجع تاريخ الدول التي قامت في هذه الأيام في عصرنا هذا، نجد أنها اهتمت اهتماماً قوياً جداً باللغة الأم، حتى وإن كانت غير منتشرة في العالم، فمثلاً: التعليم الأساسي في اليابان كله باللغة اليابانية، وكذلك التعليم الأساسي في ألمانيا كله باللغة الألمانية، وقد تجد بع
стр. 74
حكم تعلم اللغات الأجنبية
السؤال
أدرس في كلية لغات وترجمة أزهر دراسات إسلامية فما الذي تنصحنا به؟ وهل لنا من دور؟
الجواب
عليك دور ضخم جداً، وليس معنى ما ذكرنا سابقاً أننا لا نتعلم لغات، وأنت رجل عندك لغات وترجمة وأزهر وعندك معلومات دينية لا بأس بها، تعلم اللغة الإنجليزية، وتعلم اللغة الإسبانية، واللغة الألمانية وغيرها من اللغات، وصل العالم كله بدين الله ، ورد على الشبهات، ورد على بابا الفاتيكان، ورد على جرائد الدنمارك، ورد على كذا وكذا من المشاكل التي تطل علينا من كل مكان.
كن عنصراً فاعلاً، وتحرك بلغتك فأنت تسد ثغرة، فقد كان زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه كان مقرباً جداً لرسولنا ﷺ ، ومن أهم أسباب هذه القربى له أنه تعلم لغة لم يتعلمها عموم الصحابة.
стр. 75
دور كبار السن في قضية العلم وغيره
السؤال
الأمثلة المذكورة للعلماء الذين ذكروا في الدروس السابقة معظمهم بدءوا في سن مبكرة فما حال الكبار؟
الجواب
يعني: نحن الآن كبرنا في السن فمنا من أصبح عمره (٢٠) سنة أو (٣٠) سنة أو (٤٠) فقد ذكرتم أن الشافعي حفظ القرآن وهو ابن (٧) سنين وحفظ الموطأ وهو ابن (١٠) سنين.
وأحمد بن حنبل كان يريد أن يخرج قبل الفجر من أجل أن يتعلم الحديث وهو لا يزال طفلاً صغيراً، وأمه تمسكه وتقول له: لا تخرج قبل الفجر، وهو يريد أن يخرج قبل الفجر لطلب الحديث، فيقول السائل: إذاً: ماذا يعمل الكبار؟ نقول: ما أكثر الأمثلة في التاريخ الإسلامي على من بدأ في سن الكبر، وحتى لو لم توجد أمثلة، سنفترض أنك لا تعرف أن موسى بن نصير فتح الأندلس وعمره (٧٢) سنة، ولا أن يوسف بن تاشفين التزم بالإسلام وعمره (٤٦) سنة، وقبل ذلك كان بعيداً تمام البعد عن الفكر الإسلامي والالتزام بتعاليم الشرع، فبدأ طريقه في الالتزام وعمره (٤٦) سنة، وخالد بن الوليد أسلم وعمره (٤٧) سنة، وعمرو بن العاص أسلم وعمره (٥٧) سنة، فالله أنعم عليهم بالفتح، سواء في مجالات الجهاد أو مجالات العلوم أو مجالات الدعوة، في كل مجالات الإسلام بصفة عامة، لا أريد أن يقول إنسان: إنني قد تأخر بي الزمن، لا، فـ ابن الجوزي ﵀ بدأ يتقن القراءات العشر ويقرؤها على الشيوخ وعمره فوق (٨٠) سنة، مع العلم الغزير الذي كان عنده في كل فروع العلم، يعني يقول ابن تيمية عن ابن الجوزي: ما أعلم أحداً صنف مثله.
في كل الفروع له مصنف ﵀، ولكن هناك فرع لم يتعلمه ولم يتخصص فيه في أول حياته وإنما تعلمه وعمره فوق (٨٠) سنة، ألا وهو علم القراءات.
أيضاً اذكر قول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، ستحاسب على كل لحظات عمرك لوحدك، فكون العالم كله يضيع وقته ويلعب وينشغل بأمور لا تنفع فاعلم أنك ستحاسب لوحدك يوم القيامة، فالوقت الذي تبقى لك من العمر لعله يوم أو يومان أو عشرة أو عشر سنين أو أكثر فاستغله كله لله .
стр. 76
حقيقة العمل في الشركات الأمريكية وغيرها من الدول الكافرة
السؤال
هناك شخص يعمل في شركة نظم معلومات أمريكية، وهي وشركة متميزة في مجال غير منتشر في بلاد العالم الإسلامي، لكن هو يشعر أن الفائدة تعود على الشركة، فالأرباح كلها متجهة إلى الشركة، وكل جهده متجه للشركة، فهل يستمر أو لا يستمر؟
الجواب
نقول: لماذا تشتغل في هذه الشركة؟ لو كنت تشتغل في هذه الشركة لتحصيل أسباب المعاش فقط، فمن فضلك اترك الشركة هذا اليوم؛ لأننا نقاطع البضائع الأمريكية والشركات الأمريكية إلى أن يتركوا بلادنا، فهم محتلون للعراق ولأفغانستان، ويساعدون اليهود في فلسطين، أما إن كنت تشتغل في هذه الشركة لنقل العلوم من هذه الشركة إلى بلاد المسلمين، وتعلم علماً لا يعلمه المسلمون الآن، وتقصد بذلك وجه الله ، والنقلة الحضارية للأمة الإسلامية فهذا أمر محمود، كالذي يذهب في بعثة إلى أمريكا لكي يتعلم علماً من العلوم ليس عندنا، يتعلم فرعاً من فروع الطب، الفلك، الكيمياء، ثم يرجع بعد ذلك ليفيد أمة الإسلام بهذا العلم، لكن بضوابط، أهم هذه الضوابط: أن تكون عندك خطة واضحة وسنوات محدودة، وبعد ذلك ترجع لتفيد بلاد المسلمين، لكن لو بقي عندهم تتعلم علوماً جديدة وتقول: آخذ أيضاً هذا العلم، وآخذ أيضاً هذا العلم إلى أن يصبح عمرك (٧٠) أو (٨٠) سنة وأنت مقيم عندهم، فإن المسلمين سيحرمون من علمك، وستصبح قوة إسلامية أضيفت إلى قوة الغرب، وسبب ضعف المسلمين.
فإذاً: اذهب بنظام: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، لكن كما قلنا بضابط عدم المخالفة للكتاب والسنة، فأنا أذهب وآخذ هذه العلوم من هناك لكن بقدر ما نحتاجه في هذه الجزئية، ولا يكون المجال مفتوحاً بدون حدود.
هذا الكلام ينطبق على البعثات وينطبق على العمل في الشركات، وأيضاً انتبه قد يكون الإغراء كبيراً، فقد تذهب بنية الرجوع، لكن مع مرور الوقت لا ترجع؛ بسبب كثرة الأموال وراحة العيش، فتترك بلاد المسلمين وهموم المسلمين وتثري الشركة الأجنبية بكل طاقتك، وهذا لا يستقيم.
стр. 77
كيفية إخراج الإمكانيات والطاقات الموجودة في العقل البشري
السؤال
كيف نخرج إمكانياتنا التي وضعها الله في العقل البشري؟
الجواب
أولاً: أنت لا بد أن تبذل الجهد من أجل أن تخرجها، وقد ذكرنا كلمة أديسون التي ذكرها عندما سئل عن الإلهام الذي عنده؟ فذكر أن الإلهام الذي عنده يمثل في اختراعاته (٢%) وفي بعض الروايات (١%) والباقي (٩٨%) من الاختراعات نتيجة الجد والاجتهاد، ونتيجة العمل والمثابرة والكفاح المستمر والسهر الساعات الطويلة، فاستطاع أن يخرج إمكانيات لم يكن يراها أحد فيه، فـ أديسون هذا لم يكن مقبولاً في المدرسة، فمستواه الفكري ليس عالياً، وهذا المثال سيجيب عن السؤال التالي.
стр. 78
وضع الإنسان في مجال يناسبه يؤدي إلى الإبداع والتفوق
السؤال
لو كان هناك إنسان مستوى ذكائه ضعيف فهل يمكن أن يكون عالماً؟
الجواب
من الذي عرف أن مستوى ذكائه ضعيف، فلربما أن المشكلة تكمن في أنك وضعته في مجال ليس من اختصاصه، ألم يبدع أديسون وهو من عائلة فقيرة جداً، مات أبوه فربته أمه وأخذته ودارت به على المدارس هنا وهنا ولم يقبله أحد، فكان كلما دخل مدرسة بقي فيها فترة ثم عندما يعرفون أنه فقير يخرجونه منها، كان هذا في أوائل القرن العشرين، يعني: ليس في القرون الوسطى، لكنه حاول وحاول وظل يقرأ في كتب كانت لأبيه، فقد كان عند أبيه مكتبة، فهي من الأسباب التي أوصلته إلى ما وصل إليه من الإبداع والاختراع، وبدأ يعمل في بيع الجرائد؛ لكي يكفي أمه ويكفي نفسه، ثم بعد ذلك بدأ يفكر قليلاً قليلاً فعمل أول اختراع ثم الثاني ثم الثالث إلى أن بلغت اختراعاته (١٢٠٠) اختراع وفي رواية (٢٥٠٠)، فهذا إنجاز ضخم جداً، وهو شخصية غير مسلمة، وليس عنده ما عند علماء المسلمين من التوفيق، لكنه بذل جهداً، ومن يبذل جهداً فإن من سنن رب العالمين أنه يعطيه مقابل ذلك ولا يظلمه.
نعم، ليس له في الآخرة نصيب؛ لأنه لم يعمل ذلك لله ، لكن اجتهد وأخذ في الدنيا النتيجة التي عمل لها.
إذاً: فأنت تحتاج إلى جهد، لكن تحتاج إلى شيء آخر مهم جداً وهو أن تعرف موهبتك وأن تعرف مجال تفوقك، وهذا سيجرنا إلى سؤال آخر.
стр. 79
أثر تخصص الإنسان في مجال لا يهواه
السؤال
إذا تخصص الإنسان في مجال لا يهواه فماذا يفعل؟
الجواب
أولاً: لا بد أن تعرف هل هذا من تلبيس إبليس أم هو فعلاً مجال غير مناسب لك؟ فإبليس قد لا يريدك أن تستمر في العلم فيبغض إليك هذا الفرع من العلم، مع أنه فرع جيد وممكن تحبه، ولكن الشيطان يثبطك، فحاول مرة ومرتين وثلاث مرات، فإذا تفوقت في هذا المجال فإنك ستحبه إن شاء الله، لكن على فرض أنك تفوقت ونبغت فيه ومع ذلك لا تحبه وليس على هواك، وإنما هواك في شيء آخر، فليس هناك مانع من أن تغير الطريق، ولا تقل: انتهى الوقت وذهبت مني سنتان في الكلية، لا، إذا كنت بعد سنة أو سنتين في الكلية ولم تعجبك الكلية ولم تستطع أن تفهم فيها، وميولك كلها في اتجاه آخر، لكن والدك أو والدتك أو الظروف المجتمعية التي تعيش فيها ضغطت عليك؛ لكي تدخل كلية معينة، وهواك في اتجاه آخر غير، فليس هناك مانع بعد سنة أو سنتين من عمرك وبعد أن أخذت فيها تجربة وأخذت فيها نوعاً معيناً من العلم، حتى وإن لم يكن علماً ترغب فيه، فليس هناك مانع من أن تغير الطريق، وليس معناه أنك تكمل هذا الطريق، فأنت لا تعرف كم تبقى لك من عمرك؛ لأن كثيراً جداً من عظماء العالم بدءوا في اتجاه، ثم مشوا في اتجاه آخر بعيداً جداً، ليس هناك مشكلة أبداً من تغيير المسار، ونحن نعرف أمثلة كثيرة جداً لأناس في تخصصات بعيدة تمام البعد عن المجال الذي نبغوا فيه بعد ذلك وتفوقوا.
стр. 80
شبهة معارضة الاهتمام بطلب العلم للكسب وطلب الرزق
السؤال
يحتاج طالب العلم للتفرغ وتحتاج ظروف الحياة للعمل فما الأولى؟
الجواب
لا شك أن طلب العلم قد يؤثر على حصيلتك المادية في البداية، لكن بالمثابرة والجد ستصل إن شاء الله، لا تجعل النقود هي هدفك، فأنت لو جعلت العلم هدفك فإن النقود ستأتيك، وليس معناه أن تقعد في البيت ولا تشتغل، لا، بل لا بد أن تفرغ أوقاتاً للعمل والكد والكدح، لكن لا يكون هدفك في الحياة جمع المال، والبحث عن وظيفة أكثر ربحاً ولو كانت أقل علماً، فلو كنت تريد أن تصبح عالماً فأنت بحاجة إلى ظروف معينة وشروط معينة، منها: التفرغ لقضية العلم قدر المستطاع، مع العمل الذي يكفل لك المعيشة، لكن لا تجعل حياتك كلها في هذا المجال، هناك ناس سخرت حياتها في الاقتصاد وفي جمع المال لله حسب زعمهم، نقول: حتى وإن كان غرضك وهدفك جمع المال لتعلو بأمة الإسلام فإنه يخشى عليك جداً من الفتنة في الدنيا؛ لأنه مع مرور الوقت وبالتدرج قد تقع في الفتنة، نسأل الله السلامة.
هناك أسئلة أخرى كثيرة، لكن هذه أكثر الأسئلة ارتباطاً بموضوعنا، وإن شاء الله في المرات القادمة نعرج على بعض الأسئلة الأخرى.
стр. 81
أهمية الوقت في حياة المسلمين
اليوم نتحدث بإذن الله عن العامل الذي لا يستطيع عالم أن يكون عالماً إلا به، بل لا ينجو الإنسان في حياته إلا بالاهتمام به، ذكرنا أنك إذا أردت أن تصبح عالماً فإن عليك فعل شيئين: الأول: أن تقدر قيمة الشيء الذي تجاهد من أجله.
الشيء الثاني: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
أما الشيء الثالث فهو موضوعنا في هذا اليوم، قد تجد أناساً تعمل (٢٤) ساعة سبعة أيام في الأسبوع (٣٦٥) يوماً في السنة، يعني: يعملون على مدار السنة، فهؤلاء يبذلون جهوداً ضخمة جداً، لكن ليس هناك إنجاز معين، فهم يتعبون كل السنة، وفي آخر السنة ما هي الإنجازات التي عملوها؟ لا شيء.
نحن نريد أن نتكلم عن عامل مهم، ألا وهو عامل الوقت، فما قيمة الوقت في حياة العلماء؟ لا يوجد عالم في الدنيا يضيع وقته، ولا يوجد عالم في الدنيا لا يرتب أولويات وقته، هل هناك من يضيع وقته؟ هذا مستحيل يكون عالماً، لكن المشكلة أن هناك أناساً لا تضيع وقتها، ولكن لا تعرف كيف تدير الوقت، ولا تعرف كيف تنظم الوقت، ولا تعرف كيف تستغل كل الوقت، مع وجود الحمية والإخلاص في قلب من كان كذلك، إلا أنه لا يستطيع استغلال وقته استغلالاً كاملاً، فتضيع بذلك الأعمال والأعمار، ولا يستطيع أبداً أن يصل إلى درجة العلماء.
أغلى ما يمتلك الإنسان حقيقة هو الوقت، فهو رأس مالك وهو عمرك ويوشك إن ذهب البعض أن يذهب الكل، الوقت يذهب بسرعة وإذا ذهب فلا يمكن أن يرجع، لو كان هناك من يتحمس لقضية العلم وعمره (٣٠) سنة فسيبتدئ فلو عمر (٦٠) سنة سيتبقى له (٣٠) سنة، أما الماضية فقد فاتت قدر الله وما شاء فعل ما فات فات.
كذلك لو بدأت وعمرك (٥٠) سنة، إذاً: (٥٠) سنة انتهت، فاهتم بالآتي، والآتي قد تكون (١٠) (٢٠) (٣٠) (٥٠) سنة الله أعلم، لكن ما فات فات.
من يسمع هذا الكلام الآن سيحزن جداً على العشرين السنة أو الثلاثين السنة التي انقضت وسيضيع أيضاً عشرين سنة أو ثلاثين آتية في الحزن، هذا لا ينفع.
الغرض من كلامنا أن تبدأ من الآن في الحفاظ على الوقت؛ لأن قضية الوقت قضية ماسة، وللأسف الشديد أمة الإسلام الآن تعاني معاناة كبيرة جداً في قضية الحفاظ على الوقت، الإنتاجية للعامل الأوروبي سبع ساعات في اليوم، هم يعملون ثمان ساعات أو تسع ساعات، لكن المجمل سبع ساعات، بينما المجمل للعامل المصري (٣٠) دقيقة، الإنتاجية للعامل المصري لا تقاس بالساعات وإنما بالدقائق نصف ساعة فقط، هذه إحصائيات رسمية حكومية في مصر ليست في جرائد المعارضة، وهذه كارثة، هم يحسبون الإنتاج على عدد العاملين، نحن عندنا بطالة مقنعة، هناك مئات وآلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف بل ملايين عندهم بطالة مقنعة، أعرف شخصاً يذهب إلى عمله يومين في الشهر، وعندما سألته: لماذا لا تذهب إلا يومين في الشهر؟ قال: اليوم الثاني هو يوم استلام الأجرة، فضروري أن أذهب، لكن اليوم الأول هذا من أجل أن أشتغل، قلت له: وبقية الأيام من الذي يشتغل؟ قال: زملائي يشتغلون، فكل واحد من زملائي يأتي يوماً في الشهر، فقلت له: لماذا تعملون هكذا؟ قال لي: نحن (٣٠) موظفاً ولو حضرنا كلنا فستكون أزمة؛ لأن الثلاثين متوظفون في غرفة واحدة فيها مكتب واحد.
هذا أمر حقيقي، ويشتغل هذا الشخص وزملاؤه في مركز من المراكز الصحية في محافظة الدلتا في الغربية بمصر؛ ليس هذا لأن المحافظات الغربية بالذات فيها مشكلة، لا، بل هذا في كل مكان، وأنتم تعرفون هذا.
إذاً: أنا أخبركم بأن هذه واقعة حقيقية يذهب هذا الموظف يوماً في الشهر؛ لأنه لا يوجد إلا مكتب واحد، والعمل الذي يعمل في المكتب يقوم به واحد.
كنت في إدارة من الإدارات الحكومية أعامل أمراً معيناً، فقلت لأحد الموظفين: كيف أخبار المواعيد في رمضان عندكم؟ قال: أعطوا نصف الموظفين إجازة، والنصف الآخر نصفهم يحضرون يوماً والنصف الآخر يحضر اليوم الآخر، فقلت له: وهل العمل لا يتأثر؟ فقال لي: عندما نكون أقل يكون العمل أفضل.
وهذا الكلام في منتهى الحكمة؛ لأنه لو كان الكل يعمل فسيصير العمل غير مضبوط، فلما يكون عندك مائة واحد والعمل يقوم به عشرون إذاً المائة سيعملون عطلاً في العمل ولن تعرف من المسئول، ولا أحد مسئول معين، فالوقت ليس له ثمن، يعني: لما أقعد ثمان ساعات في العمل وفي الأخير يصبح إنتاجي (٣٠) دقيقة.
إذاً: الوقت ليس له ثمن، وأين إنتاجية الأمة؟! إذاً: قضية الوقت هي قضية للفرد وللجماعة وللأمة بكاملها فهي قضية في منتهى الأهمية، وهي قضية دنيا وآخرة، فالذي يضيع وقته على خطر عظيم، وتعرف قيمة الوقت أكثر في لحظتين: لحظة الاحتضار وأنت على فراش الموت، ستعرف قيمة الوقت حينها، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، هذا الموت قد يأتي الآن لأي شخص منا، فالموت يأتي بغتة، وحينها ستعرف قيمة الوقت وتقول: لو أني
стр. 82
قيمة الوقت عند الصحابة ومن بعدهم
يقول الحسن البصري ﵀: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أحرص منكم على دنانيركم ودراهمكم.
يعني: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين على الوقت حرصاً شديداً، فهم في كل لحظة في إنجاز وفي إنتاج.
يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه علمي.
يعني: عبد الله بن مسعود يندم على اليوم الذي يمر عليه بلا علم، وهي أيام قليلة جداً في حياته ﵁؛ فقد كان من علماء الصحابة الأفذاذ ﵁ وأرضاه.
إذاً: ينبغي لنا الحفاظ على وقتنا وإدارة وقتنا بصورة مرضية: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
أي فراغ في يومك ينبغي أن يستغل في الحق؛ لأنه لو لم يمتلئ بالحق سيمتلئ بالباطل، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؛ لذلك ربنا يأمر بالمسارعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] وإلى المنافسة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] إياكم والتسويف، لاشك أن كل الحضور عندهم قناعة تامة الآن بقيمة العلم، ويريد الواحد منا أن يكون عالماً من علماء المسلمين، ونحسبكم جميعاً على خير ولا نزكي على الله أحداً، لكن ليس كلنا سيبتدئ اليوم في العمل، فهناك ناس ستقول: سأبتدئ إن شاء الله من أول الأسبوع، أو من أول السنة الآتية؛ لأن هذه السنة مضى منها جزء، وإن شاء الله السنة القادمة سأهتم اهتماماً كبيراً.
وهناك من يقول: سأحضر الدراسات العليا بعد سنتين أو ثلاث عندما أنتهي من قضية كذا وكذا، والذي سيبتدئ الآن هم قليل، فكيف سيحصل التغيير؟ أقول: إياكم والتسويف فعظماؤنا في التاريخ الإسلامي كانوا حريصين جداً على عدم تضييع أي لحظة من لحظات الحياة، كانوا يستغلون ما أسميه: الفراغات البينية، والفراغات البينية هي أن تعمل عملاً معيناً من الساعة الثانية إلى الساعة الرابعة، والعمل الثاني سيكون من الرابعة والنصف إلى الخامسة والنصف، فمن الرابعة إلى الرابعة والنصف هذا فراغ بيني، أي: بين العمل الأول والعمل الثاني، فهل تستغله أم لا؟ كذلك عندما أذهب إلى الجامعة أو إلى المدرسة فالمسافة من بيتي إلى المدرسة وقتها نصف ساعة وعند الرجوع نصف ساعة فهل هذا الوقت مستغل، أم لحظات انتظار كئيبة أو جلوس في الباص أو التاكسي، أو ماشي في الشارع؟! هل تستغل هذه الفراغات البينية أم لا؟ كذلك لو كانت عندك محاضرة في الجامعة، وبعد ربع ساعة محاضرة أخرى، فهل الربع الساعة التي في النصف مستغلة أم لا؟ وعندما تأتي لتجمع الفراغات البينية في يومك فلن تكون أقل من ساعتين، فاضرب ساعتين في الأسبوع واضربها في الشهر وفي السنة وفي عمرك، هذه أعمار طويلة ممكن تستغل فيها أعمال ضخمة جداً.
стр. 83
قيمة الوقت عند أبي حاتم الرازي والمجد ابن تيمية
هذا أبو حاتم الرازي من علماء المسلمين المشهورين ﵀، كان من علماء التفسير وعلماء الحديث وكتب وألّف مجلدات في فنون شتى، يحكي ابنه عبد الرحمن عنه فيقول: ربما كان يأكل وأقرأ عليه وقت الأكل، وذلك من حرصه على الوقت فهو يأمر ابنه أن يقرأ عليه وهو يأكل، فيسمع علماً فلا يذهب وقت الأكل عليه، ثم يقول ابنه: ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه.
والقراءة على من في الخلاء لا داعي أن تفعلوها ليست مهمة، دعونا نحرص على الوقت الآخر، لكن كان يعمل هكذا.
وكذلك جدّ ابن تيمية كان يفعل ذلك أيضاً، كان إذا دخل الخلاء أمر أحد أولاده أن يقرأ عليه من خارج الخلاء؛ لأنه لا يستطيع أن يدخل معه الكتب الخلاء، فحتى لا يذهب الوقت يأمر أحد أولاده بأن يقرأ عليه وهو في الخلاء.
كذلك الإمام النووي ﵀ قل أن يمشي في الطريق دون أن يحفظ شيئاً من كتب العلم أو من القرآن الكريم، كان يستغل الوقت وهو يمشي في الطريق ﵀.
стр. 84
قيمة الوقت عند سالم النحوي والفتح بن خاقان وغيرهما
كذلك ثعلب النحوي ﵀ أحد علماء القرن الثالث الهجري في النحو والبلاغة وفنون أخرى كثيرة، كان يأخذ الكتاب في يديه ويقرأ فيه وهو يمشي في الطريق، أتدرون كيف مات؟ لقد خبطه فرس وهو يقرأ من الكتاب أثناء سيره في الطريق، لا تفعلوا مثله، لكن حاول أن تستغل وقتك فكم من أوقات تضيع في السيارات، لو أنت ركبت السيارة وأتيت بشريط محاضرة أو غيرها فتسمعه وتسمعه الناس، فتكون استفدت ودعوت إلى الله ، فكم من أوقات تضيع على الناس، فإذا سافرت فخذ معك شريطاً وأعطه لصاحب السيارة لتسمعه أنت ومن معك من الركاب، وكن إيجابياً في التغيير قدر المستطاع.
وهذا الفتح بن خاقان من علماء المسلمين وكان من وزراء المسلمين أيضاً، كان وزير المتوكل أحد خلفاء العباسيين، فكان إذا قام لعمل شيء يأخذ معه كتاباً، ويظل يقرأ في الكتاب وهو يمشي، وكانت لديه مكتبة هائلة، وكان شديد الشغف بالقراءة.
إذاً: الأوقات الصغيرة هذه لو تجمعت مع بعضها لصارت طويلة، وحصل فيها المرء على علم، وأنا جربت هذا الموضوع، فقد كنت فترة من حياتي أعيش في أمريكا، وكنا نقطع مسافات في أمريكا طويلة جداً، ممكن تكون مئات الكيلو مترات، كنا نقطعها يومياً بشكل طبيعي، ويمكن أن يذهب منك وقت هذه المسافة، ولكن بفضل الله كانت هناك مكتبة ضخمة هائلة من الأشرطة موجودة في المسجد الذي كنا فيه، وهي لعلماء مختلفين، بعضهم تسمع عنهم وبعضهم لم تسمع عنهم، وهناك أشرطة نادرة، فكانت هناك ثروة علمية حقيقية، ولم أكن أسافر إلا وقد جهزت برنامجاً للسفر، فكم من العلم الذي أستفيده على مدار السنوات في تلك المسافات الطويلة، كنا نمشي عشر ساعات كل يوم، خمس ساعات ذهاب وخمس ساعات إياب، فإذا لم يكن هذا الوقت مستغلاً ضاع هذا الوقت ولا يعود، فلا أخرج أي مشوار إلا ومعي كتاب أو كتيب، حتى إذا سنحت لي فرصة قرأت؛ لأن في بعض الأوقات تكون عملية جراحية، فتتأخر العملية، فأقرأ وأستغل الوقت.
هناك ناس يظل يقرأ الجرائد الموجودة الآن هذه، حتى يقتل الوقت، أو يظل ينكت ويتكلم في أمور سواء كانت تخاريف أو في المباح، إلى أن يمر الوقت ويأتي الدور عليه ليدخل عيادة الدكتور، أو مكتب المحامي، حفظكم الله من المشاكل، فهذه أوقات كثيرة جداً.
إذاً: أثناء السفر خذ كتابك أو المصحف واقرأ، وإذا خرجت من البيت إلى المسجد تستغفر الله، قد تكون المسافة من البيت إلى المسجد قصيرة جداً، بينهما أربع أو خمس عمارات، فقلت مرة: أعد وأنظر كم سأقول: أستغفر الله، فكانت مائة مرة، وكذلك وأنت ذاهب إلى عملك استغل وقتك، وأنت ذاهب إلى قريبك وجارك، أو خرجت لتشتري جبناً أو غير ذلك استغل وقتك، فنحن حياتنا فيها مليون فراغ بيني، فأنت لو وقفت مع نفسك ستجد عندك فراغات بينية كثيرة، فإذا لم يستغل هذه الفراغات البينية ستكون كارثة بالنسبة له، ويضيع العمر.
كذلك الخليل بن أحمد مبتكر علم العروض، وهو من أبرع علماء اللغة ﵀، كان يقول: أثقل الساعات علي ساعة آكل فيها؛ لأنه لم يكن بجواره أحد يقرأ له، فكان يمر عليه الوقت، وقد يكون هذا الكلام مبالغاً فيه، لكن كيف أصبح الخليل بن أحمد؟ وكيف اشتهر الطبري، وكذلك ابن الجوزي ما الذي جعل لهم هذه القيمة؟
стр. 85
قيمة الوقت عند ابن عقيل الحنبلي
كذلك ابن عقيل الحنبلي ﵀ كان يقول: أنا أحب سف الكعك على أكل الخبز؛ لأن سف الكعك لا يأخذ وقتاً، وأكل الخبز أنتظر حتى أقطع وأغمس وغير ذلك، فتذهب الأعمار في الأكل.
ونحن في هذا الوقت نأكل الشوربة، ثم الشاي، فما أن ننتهي من الشاي إلا وتأتي الأكلة الثانية.
فهم لم يكونوا يأكلون بكثرة، وإذا أكلوا أكلوا بسرعة، فهو يحب سف الكعك على أكل الخبز؛ لأن الخبز يأخذ وقتاً، والكعك يأخذ ثلاث دقائق تقريباً، فلو وفرت دقيقتين في كل أكلة فأنا آكل مرتين أو ثلاثاً في اليوم، فحوالي ست سبع دقائق في اليوم زيادة، فهذا إنجاز، فأنت حينما تقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ستقولها في ثلاث ثوان أو أربع ثوان، فتكون قد غرست نخلة في الجنة في هذه الثواني، هل لهذه الثانية قيمة أم لا؟ لها قيمة ضخمة جداً، كذلك كلمة: استغفر الله قلتها في ثانيتين، كذلك قولك: أستغفر الله، أستغفر الله بعد الصلاة في كم تؤديها، واحسب سبحان الله والحمد لله، والله أكبر (٣٣) مرة لكل منها في كم تكون من الوقت.
فهناك أناس يبخل ويعجز أن يعمل هذه الأشياء، لكن قد يبقى ساعتين وربما أكثر من ذلك أمام المباراة، فيفرغ الأوقات غير محلها.
وابن عقيل يقول عنه الذهبي: إنه استطاع أن يؤلف أكبر مصنف في الدنيا، وهو كتاب (الفنون)، أي: فنون اللغة، وفنون التفسير، وفنون المناظرات، وفنون الكلام، وفنون الفلسفة وغير ذلك، فكل العلوم التي تتخيلها في كتاب الفنون، فهو (٨٠٠) مجلد، وليس فيه أي كلام، بل قرأ كتابه علماء أفذاذ، فقالوا: وقد أتى فيه من الأعاجيب ما لم يأت أحد قبله ﵀، كـ ابن الجوزي في تعليقه عليه، وكـ الذهبي في تعليقه عليه، وابن كثير في تعليقه عليه.
وكان ابن عقيل ﵀ يقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري.
انظر إلى نظرته إلى الوقت، فالقضية عنده ليست قضية فضل، فهو يرى أن تضييع الوقت حرام، يقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح على السرير.
يعني: عندما أستريح من عناء المذاكرة وعناء المطالعة وعناء التدريس والمناظرة، فقبل أن أنام أعمل فكري في مسائل وأنا مستطرح على الفراش، فلا أنهض من الفراش إلا وقد خطر على بالي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في الثمانين أشد مما كنت أجد وأنا في العشرين.
هذا كلام ابن عقيل؛ ولهذا عمل كتاب الفنون في (٨٠٠) مجلد.
стр. 86
أهمية تنظيم الوقت
من الأشياء المهمة جداً أيضاً في قضية الوقت، غير استغلال الفراغات البينية، وغير استغلال الأوقات الضرورية التي يجب أن تقضى كوقت الأكل وغير هذا: أن الإنسان يبدأ ينظم وقته.
стр. 87
تنظيم الإمام النووي للوقت
كان الإمام النووي ﵀ يقرأ المصنفات التي كتبها في الحديث، وفي الطبقات، وفي الفقه، وفي أصول الفقه وغيرها وغيرها، وقد يظن الواحد أنه كان منقطعاً تمام الانقطاع للكتابة والتأليف، مع أنه كان يؤلف ويكتب بالليل، فماذا كان يعمل في النهار؟ كان له درسان في الوسيط في الفقه، ودرس ثالث في المهذب، ودرس في الجمع بين الصحيحين، ودرس في صحيح مسلم، ودرس في اللمع في النحو، ودرس في إصلاح المنطق لـ ابن السكيت في اللغة، ودرس في التصريف، ودرس في أصول الفقه ودرس في المنتخب للفخر الرازي، ودرس في أسماء الرجال، ودرس في أصول الدين في التوحيد، يعني: عددها اثنا عشر درساً يومياً، كان يحضر هذه الدروس ليتعلم، وفي مرحلة أخرى من حياته يحضر الدروس هذه ليعلَّم، فقد كان أستاذاً في مدرسة الحديث في دمشق، فقد ظل عمره هذا يحضر اثني عشر درساً سواء طالب علم أو عالماً، وبالليل يصنف، فعمل هذه الإنجازات الهائلة كلها، وهذه الدروس مرتبة في أوقات معروفة، بعد الفجر درس، وبعد الضحى درس، وبعد الضحى بساعتين درس آخر، وقبل الظهر درس وبعد الظهر درس، وبعد العصر درس، وكل درس له ميعاد معروف، وبالليل التأليف، ومات ﵀ وعمره (٤٤) سنة، فكل هذا الإنجاز الضخم وعمره (٤٤) سنة، وهو من بني آدم مثلنا مثله، وسيحاسب يوم القيامة معنا، ويوزن في نفس الميزان، واعلم أن الميزان يوم القيامة واحد، ليس هناك ميزان لأهل القرن العشرين، وميزان لأهل القرن الأول، وميزان لدولة أمريكا، وميزان لدولة مصر، إنما هو ميزان واحد، فـ أحمد بن حنبل وابن عقيل وابن الجوزي والطبري والشافعي والنووي وابن النفيس والبيروني وجابر بن حيان والرازي والمجاهدون والعلماء والدعاة والمنفقون كل هؤلاء جميعاً ونحن أيضاً سنعرض على رب العالمين ، وتوزن أعمالنا، فلا زالت الفرصة أمامك الآن للعمل طالت أو قصرت.
стр. 88
تنظيم الإمام الشافعي للوقت
كان الشافعي ﵀ أيضاً يقسم وقته، وكان يحضر الصبح في جامع عمرو بن العاص حينما كان في مصر، بعد الفجر مباشرة يأت أهل القرآن، أي: أصحاب التفسير والقراءات فيجلس معهم إلى أن تطلع الشمس، وبعد أن تطلع الشمس يأت أهل الحديث الذين يتكلمون في الحديث وعلومه وما إلى ذلك، فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة، فيبدأ يناظر الناس، ويذاكر للناس في أمور فقهية، فإذا ارتفع الضحى جداً جاء أهل العربية والشعر والنحو حتى يقترب نصف النهار، وبعد صلاة الظهر يرجع إلى بيته في الفسطاط ليأخذ القيلولة، وبعد ذلك يرجع مرة أخرى بعد العصر إلى تعليم الناس وهكذا كل يوم على هذا، حتى في لحظات مرضه الشديد كان يفعل ذلك، ونحن في هذا الوقت نتأفف إما من البرد أو غيره، لكن الشافعي ﵀ كانت عنده بواسير في آخر حياته وكانت شديدة النزف، حتى إنه كان إذا ركب الجواد يقطر دماً على الجواد مما أصابه من البواسير، وكان يذهب ويرجع وهو شديد العلة ليأتي بدرسه ولا يفوته ﵀؛ ولهذا فإنا نجد إنجازات شبه خيالية في حياة هؤلاء حقيقة.
فهؤلاء الناس بالفعل أثْروا التاريخ الإسلامي، وجعلوا التاريخ الإسلامي غرة في جبين الإنسانية حقيقة، ونريد أن نساهم في هذا التاريخ، لا نريد أن نكون مجرد قارئين ولكن فاعلين، فبعد مائة سنة سيأتي من يتكلم علينا بالإيجاب لا بالسلب، فإياكم أن يقولوا: هؤلاء الناس كان جيلاً ضيع الأمة، ولكن كان جيلاً رفع الأمة بعد وقوع، وأصلح بعد فساد، وقاد الأمة بعد أن كانت الأمة مقادة قاد الآخرين بالإسلام.
فنريد أن نصنع التاريخ ونغير من وجه التاريخ ونكون من أسباب رفعة الأمة الإسلامية.
стр. 89
تنظيم الفيروزآبادي وابن حجر وابن جرير الطبري للوقت
كان الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط المشهور من أعظم علماء اللغة في الإسلام، قرأ صحيح مسلم في دمشق على شيخه في ثلاثة أيام، وصحيح مسلم بالمكرر من (٧٠٠٠) إلى (١٢٠٠٠) حسب حسابات العلماء، ومن غير المكرر (٣٠٠٠) أو (٤٠٠٠) ولنقف عند أقل رقم وهو (٣٠٠٠) فهو قرأ (٣٠٠٠) حديث تسميعاً على شيخه في ثلاثة أيام.
وهذا ابن حجر العسقلاني قرأ صحيح البخاري في أربعين ساعة أيضاً تسميعاً، وبعد ذلك قام بقراءة صحيح مسلم في أربعة مجالس في يومين، ثم قام وقرأ سنن ابن ماجة أيضاً تسميعاً في أربعة مجالس، ثم قرأ كتاب النسائي الكبير الذي فيه (١١٠٠٠) حديث في عشرة مجالس، كل مجلس أربع ساعات، ثم قرأ معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد ما بين الظهر والعصر، وفيه (١٥٠٠) حديث.
هذه الإنجازات شبه الخيالية نتيجة المحافظة على الوقت، فالله بارك له في عقله، وحفظه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
كذلك ابن جرير الطبري ظل أربعين سنة كان كل يوم يكتب أربعين ورقة أو خمسين ورقة، فعندما تأتي لتجمعها ستكون أكثر من نصف مليون ورقة في حياته كتبها ﵀، ما أثر عنه أنه أضاع دقيقة واحدة في حياته ﵀، ومصنفاته ليست كأي مصنفات، وإنما لها السبق، وهو من أئمة التفسير، ومن أئمة التاريخ، ومن أئمة الفقه، فهو صاحب مذهب ﵀، قال لتلامذته: ما رأيكم أن نفسر القرآن ونكتبه؟ فقالوا: في كم تكتبه؟ قال: في (٣٠٠٠) ورقة، قالوا: هذا تفنى فيه الأعمار، فاختصره إلى ثلاثة آلاف، ثم قال: أتنشطون لكتابة التاريخ منذ آدم ﵇ إلى وقتنا هذا، وهو مات في سنة (٣١٠هـ)، يعني: هو من علماء القرن الثالث والرابع الهجري، فقالوا: في كم؟ فقال: في ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا تفنى فيه الأعمار، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة.
هذه إنجازات هائلة.
стр. 90
تنظيم ابن الجوزي للوقت واستغلاله له
آخر ما نتكلم عنه في هذا الدرس هو ابن الجوزي ﵀؛ فقد طالع في حياته (٢٠٠٠٠) مجلد.
ففي حياته اتسع الوقت لقراءة (٢٠٠٠٠) مجلد، ويمكن أن يكون المجلد صغيراً، فأحد العلماء قال: لو افترضنا أن المجلد (٣٠٠) صفحة، فيكون ما قرأ ستة ملايين صفحة، وكتب بيده (٢٠٠٠) مجلد، يعني: حوالي (٦٠٠٠٠٠) صفحة، يقول ابن تيمية: ما أعلم أحداً كتب مثل ما كتب ابن الجوزي.
ويقول الموفق عبد اللطيف في حقه: كان لا يضيع من زمانه شيئاً أبداً.
ويقول ابن الجوزي في أواخر حياته: تاب على يدي من المسلمين (١٠٠٠٠٠)، وأسلم على يدي من اليهود والنصارى (٢٠٠٠٠).
سأقرأ عليكم من كلامه حتى تعرفوا منهجه في الحياة، يقول ﵀: لقد رأيت خلقاً كثيرين يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد: خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعنى من الكلام، ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور واشتاق إليه واستوحش من الوحدة، خصوصاً في أيام التهاني والسلام.
يعني: أنه كان في زمانه أناس كثيرون جداً يحبون أن يجلسوا ويتكلموا في أمور الغيبة، أو في أي أمر من الأمور، وكانوا يستوحشون من الوحدة، ويريدون أن ينهوا الوقت بأي كلام.
ثم يقول: فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم ذلك وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، يعني إذا قلت لهم: لا تقعدوا معي سوف يغضبوا؛ لأنني قطعت المألوف، والمألوف هو أننا نجلس مع بعض، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، أي: أرد ردوداً سريعة قصيرة حتى يعرف الرجل أني مشغول فيمشي، ثم يقول: ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم؛ لئلا يضيع الزمان ويمضي فارغاً، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد -والكاغد هو الورق- وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، وترتيب المكتبة، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي.
وعاش ثمانين سنة وأكثر ﵀، ولهذا أنجز هذه الإنجازات الضخمة، وليست هذه الأعمال من فراغ.
ونحن لا نقول هذا الكلام للتعقيد، وإنما نقول هذا حتى نعمل مثله، وإذا لم تعمل مثله فاعمل نصفه أو ربعه أو نسبة منه.
стр. 91
ذكر بعض الخطط السريعة المعينة على اغتنام الأوقات
خطط سريعة تعين على اغتنام الأوقات: الخطة الأولى: ابدأ من الآن في إعداد جدول عملي للعلم.
الخطة الثانية: حدد الهدف والأولويات، في أي مجال من مجالات العلوم سأعمل؟ ما هو هدفي؟ إلى ماذا أصل؟ ما نيتي؟ ثم ترتب ما هو الأول ثم الذي يليه وهكذا.
الخطة الثالثة: ضع خطة فيها كل الدوائر التي تهمك، فأنت لست فقط طالب علم، فأنت طالب، ويمكن أن تكون زوجاً أو أباً أو ابناً أو موظفاً أو عاملاً أو أستاذاً، أو عندك أعمال أخرى في حياتك، عندك رحم، وعندك أمة إسلامية، وعندك دعوة، وعندك مسجد، ولديك نادي تذهب إليه وهناك أمور كثيرة جداً مشغول بها، ضع خطة فيها كل الدوائر وقسم الأعمال على الدوائر، ورتب الأولويات.
الخطة الرابعة وهي مهمة جداً: أن تشرك معك ذوي الخبرة، فإذا كنت صاحب كيمياء أو فيزياء أو فقه أو حديث فلا تضع خطتك لنفسك، ولكن اجلس مع أحد المتخصصين حتى يساعدك في وضع خطة محكمة، وابدأ من حيث انتهى الآخرون، استفد من تجارب السابقين وإخوانك وأصحابك وأقرانك وأساتذتك وعلماء الأمة.
الخطة الخامسة قبل الأخيرة: تابع خطتك، يعني: بعد أن تعمل الخطة وتضع مقداراً زمنياً معيناً لتنفيذ هذا العمل في ثلاثة شهور أو سنة أو سنتين، اعمل متابعة لنفسك بعد شهر مثلاً وحاسب نفسك: ماذا عملت؟ هل تمشي في الطريق مشياً صحيحاً أم أنك تضيع وقتك؟ وبعد ثلاثة أشهر تجلس مع نفسك، ثم بعد ستة أشهر وبعد سنة، لتكن لك جلسات تقييم مستمرة، وإلا ستتفاجأ أن سنتين مضتا وأنت لم تعمل شيئاً؛ لأنك وضعت خطة ولم تتابعها.
الخطة الأخيرة: تحلى بأخلاق العلماء الربانيين؛ لأنه يمكن أن تكون عالماً، ولكن قد تسعر في جهنم والعياذ بالله، ومعلوم أن أول ما تسعر جهنم تسعر بعالم وبمجاهد وبمنفق، فعليك أن تتحلى بأخلاق العلماء الربانيين.
أسأل الله أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 92
سلسلة كيف تصبح عالماً [٨]
هناك صفات معينة لا بد أن يتصف بها العلماء والدعاة، وبدونها لا يستقيم العلم، وبدونها لا ينتشر علم العلماء، ولا يكون مقبولاً بين الناس، ومن هذه الصفات التي ينبغي للعلماء والدعاة التحلي بها: الإخلاص، والتواضع، والزهد، والعلم النافع، والعمل بالعلم، والرحمة، ونشر العلم، والأمانة العلمية، وغير ذلك من الصفات.
стр. 93
أخلاق العلماء وصفاتهم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
نستكمل بفضل الله ما كنا قد بدأناه من حديث حول أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وفي عدد من المحاضرات السابقة ذكرنا الطريق الذي يجب أن يسير فيه من يريد أن يصبح عالماً بعد ذلك، فكل من أراد أن يكون عالماً له طريق محدد، وهناك قواعد ثابتة لابد أن يسير عليها ليصبح في النهاية من العلماء.
وذكرنا شيئين في غاية الأهمية، وقلنا: إن هذين الشيئين مهمان جداً لكي تكون عالماً، سواء كنت مسلماً أو غير مسلم، سواء كان هذا المسلم تقياً أم فاجراً، إذا أراد أن يكون عالماً فلابد أن يقوم بشيئين: أولاً: يعلم قيمة العلم، يعلم قيمة الشيء الذي يكافح من أجل تحصيله، لو كان العلم في عين الإنسان حقيراً لم يبذل فيه مجهوداً، وبالتالي لن يصل إلى علم ذي قيمة.
وذكرنا أن العلماء غير المسلمين كانوا يؤمنون بقيمة العلم، وكانوا يبذلون الوقت والجهد لكي يحصلوا على نتيجة هذا الشيء الثمين الذي قدروه، وذكرنا الأمثلة من حياة أديسون وحياة كلاشنكوف وغيرهما من العلماء الذين أضافوا الاختراعات إلى الإنسانية.
ثانياً: أن من أراد أن يكون عالماً لابد أن يعرف أنه لا يستطاع العلم براحة الجسم، لابد أن تعرف أن الطريق إلى العلم طريق صعب، وأن المجهود المطلوب مجهود كبير جداً، وأوقات طويلة، وأعمار تنفق كلها في سبيل تحصيل هذه الغاية وهي أن تكون عالماً.
هذان الشيئان لابد أن يكونا معك من البداية، لكن من المؤكد أن هناك فرقاً ما بين العالم المسلم والعالم غير المسلم، فهناك صفات معينة لابد أن يتصف بها ويتحلى بها طالب العلم المسلم من البداية، حتى إذا أصبح عالماً أصبح متصفاً ومتشرباً ومتشبعاً تماماً بهذه الصفات، لابد أن تكون هناك صفات تفرق هذا العالم المسلم عن غيره من غير المسلمين، هناك ضوابط وأطر شرعية تحكم حياة العالم المسلم، هناك أخلاق يتحلى بها العالم المسلم حتى يقال عنه: هذا عالم رباني، هذا عالم تقي، هذا عالم يعرف الله ، يعرف حقه ويعرف حق العباد، عالم يؤدي وظيفته التي أراد الله له أن تكون في الأرض.
هذه أخلاقيات هامة جداً، وبدون هذه الأخلاقيات -للأسف الشديد- كل ما حصلناه من علم وإن أصبحنا علماء يصبح يوم القيامة هباء منثوراً، يصبح العلم وبالاً على الإنسان وحجة عليه.
هناك صفات كثيرة جداً، نحاول اليوم إن شاء الله أن نمر على بعض هذه الصفات، والمجال يحتاج إلى تفصيل، فلو قمنا بمجموعة كاملة من المحاضرات في أخلاقيات العلماء فلن يكفي؛ لأننا نتكلم عن كل أخلاقيات الإسلام الأساسية، فالعالم قدوة لابد أن يتصف بكل ما جاء في الإسلام من أخلاق حميدة، لكن هناك بعض الصفات لابد أن يتصف بها بوضوح، بحيث تصبح غالبة على تكوينه وعلى حياته.
والسير في طريق العلم بدون هذه الأخلاق أو في أي طريق يصبح خطراً شديداً على الإنسان.
стр. 94
الإخلاص
أول هذه الأخلاق والصفات: الإخلاص، لماذا تتعلم هذا العلم؟ وأي شيء تريد من وراء تحصيل هذا العلم؟ ولماذا تريد أن تصبح عالماً؟ ما هي النيات التي في قلبك؟ إننا في حساباتنا في الدنيا نحاسب فقط على الظاهر، فأنت بالعلم الذي حصلت عليه قد تحصل على وظيفة، تحصل على مال، تحقق منافع دنيوية، يتساوى في ذلك المسلم وغير المسلم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، لكن الشيء الخطير أن يكون الإنسان المسلم بعدما حضر هذه الدروس وتحمس جداً لقضية العلم وأصبح عالماً من العلماء ويشار إليه، وقال عنه الناس: هذا عالم، هذا هدف الطالب في البداية أو في النهاية، فهدفه إجمالاً أن يشار إليه بالبنان، ويشار إليه بالعلم، ويعرف في وسط الناس بصفة العلم، هذا شيء خطير؛ ولذلك لا تجد كتاباً من كتب السنة أو من كتب المسانيد أو من غيرها إلا ويحرص صاحب الكتاب صاحب الصحيح أو صاحب السنن على أن يبدأ كلامه ويبدأ حديثه وتبليغه عن رسول الله ﷺ بذكر صفة الإخلاص؛ لأنه بدونها كل شيء سيضمحل ويتلاشى، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)، هذا أول واحد يحكم عليه يوم القيامة أول ما يقضى بين الخلائق، هذا الإنسان الذي مات في الدنيا في أعين الناس مات شهيداً مقاتلاً في قضية عادلة، فهذا في أرفع الدرجات في أعين الناس، لكنه قاتل ليقول عنه الناس: إنه جريء، فقد قيل، ما طلبته حصلته، كذلك أنت ماذا تريد من وراء العلم؟ ماذا تريد من وراء السلطان؟ ماذا تريد من وراء الجاه؟ من وراء الوضع الاجتماعي؟ ما أردته قد تحصل عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]، لو كنت تريد هذا فقط فقد أخذته، وليس لك في الآخرة نصيب.
الثاني الذي يحكم عليه يوم القيامة، وهذا مربط الفرس في قصتنا، قال ﷺ : (ورجل تعلم العلم وعلمه) يعني: لم يكن فقط من العلماء بل كان عالماً إيجابياً، فقد تعلم العلم وعلم الناس، لكن القلوب تنطوي على أهداف شخصية ومصالح خاصة، فهو لم يطلب رضا الله في هذا العلم الذي حصل عليه، فهذا الرجل الثاني: (رجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل)، يعني: أنت أخذت نصيبك، وما كنت تريده في الدنيا حصلت عليه، فأنت عندما كنت في الدنيا كان الناس يشيرون إليك: ما شاء الله فلان عالم من العلماء، ما شاء الله فلان قارئ للقرآن ومجيد للتلاوة ويحسن التفسير والتأويل، كل الناس يتكلمون بهذا، وأنت سعيد بهذا الكلام، ولم ترد وراء ذلك شيئاً لم تنظر إلى جنة ولم تخف من نار ولم ترج مثوبة الله ، ولم تخش عذاب قبر ولم تطلب نعيمه، حياتك كلها منصبة في الدنيا، فلن تظلم ستأخذ أجرك كاملاً في دنياك، لكن ليس لك في الآخرة نصيب، (ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار).
الرجل الثالث: (ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكن فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار).
وهنا وقفة هامة جداً: أن الله أول ما يسعر جهنم يسعرها بهؤلاء، مع وجود المنافقين الكثر، ومع وجود الكفار، ومع وجود أصحاب المعاصي الكبرى، ممن زنا ومن سرق فعل كذا وكذا من الموبقات، لكن رب العالمين يبدأ بهؤلاء؛ ليثبت لنا ويوضح لنا أن الأعمال التي ليس فيها إخلاص أعمال محبطة لا وزن لها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، فهذا أول شيء ينبغي أن تحرص عليه من الآن من هذه اللحظة، وهذا شيء صعب وليس بالسهل، لا تظن أن قضية النية وقضية الإخلاص عمل يوم أو عمل ليلة أو عمل لحظة أو عمل سنة من سنوات طالب العلم، أبداً، بل هذا الأمر مطلوب منك في كل لحظة من لحظات حياتك؛ منذ سمعت هذا الكلام وإلى يوم الممات؛ لأن النفس تتغير والقلب يتقلب، تكون في أول عملك ناوياً لله لكن مع مرور الوقت أو في أثناء نفس العمل الذي كن
стр. 95
الزهد في الدنيا
الصفة الثانية التي لابد أن يتصف بها العالم المسلم التقي الورع، وهذا ناتج عن الأمر الأول، فالمسلم إذا لم يكن مخلصاً فلن يستطيع أن يحقق هذه الصفة ألا وهي: الزهد في الدنيا، تريد أن تكون عالماً ربانياً؟ تريد أن تكون عالماً تقياً ورعاً؟ تريد أن تكون عالماً مثاباً من رب العالمين ؟ لا تطلب الدنيا بعلمك، وهذه معضلة، تكلمنا في الدروس السابقة عن علوم الحياة، وذكرنا أن هذه العلوم تورث في الأمة قوة، وتحسن الاقتصاد، وتقيم المصانع والشركات، وتكثر من الإنتاج، فتكثر الأموال، فقد يفتن الإنسان في هذه الدنيا، والرسول ﵊ كان يقول: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).
إنها لقضية خطيرة جداً أن تطلب بعلمك هذا الدنيا، سواء كان من علوم الشرع أو من علوم الحياة، هناك أناس يتعلمون علوم الشرع من أجل الدنيا، وإننا لنرى مشاهد صعب أن نتخيل أنها من مشاهد الدعاة أو العلماء، لكن موجودة، وأحياناً يفتح الله الأبواب على العالم فتنة له، فقد يقع فيها، فلا يصرف علمه إلا في الوجه الذي يأتي بمال.
هناك أحد الإخوة أعرفه كان إمام مسجد في دولة غربية، وكان يأخذ راتباً جيداً على هذه الإمامة، ومرت الأيام وانفصم العقد بينه وبين إدارة المسجد وانتهى عقده، فهو لا يريد أن يرجع إلى بلاده، فقرر أنه يجلس في تلك البلاد ويعمل في أي عمل آخر غير الإمامة في المسجد، ومع كونه إلى جوار المسجد فإنه لم يعد يأتي إلى صلاة الجماعة في المسجد الذي كان يقبض مرتبه منه، ذهب المرتب وذهبت صلاة الجماعة معه، فهذا الشيخ بنفسه يحكي لي أن عندهم إجازة الأوقاف تكون يوم الخميس على ما أعتقد، أو في يوم من أيام الأسبوع غير الجمعة، ويقول: إنهم يعطون للعالم أو للإمام بيتاً فوق المسجد الذي هو فيه أو قريباً منه جداً، فهناك من الأئمة في نفس يوم الإجازة لا ينزل يصلي وهو بجانب المسجد، ولسان حاله: أنا موظف أصلي بهم الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإذا كان التفتيش في العصر فقد لا يأتي المغرب، لكن العصر لابد أن أكون موجوداً من أجل التفتيش، وكان يذكر ذلك قبل أن يترك المسجد، كان يذكر ذلك بكل حزن وأسى، كيف يوجد من الأئمة من يفعل ذلك؟ فلما تعرض هو لترك الإمامة وقطع الراتب وقع في نفس الأمر، بل لم يعد يحضر الصلوات بالكلية؛ بسبب أنه انقطع عنه راتب الإمامة! هذه صورة نراها في بعض العلماء والدعاة.
وكنت في الأردن من قبل فترة، فاشتكى إلي أناس أن هناك إذاعة من الإذاعات تريد أن تبث أحاديث إسلامية، وكان هناك واحد من الدعاة فطلبوه من أجل أن يعد حديثاً في الإذاعة، ليعلم الناس وينشر العلم، فقال لهم: لا أدخل الأستوديو حتى تدفعوا مبلغ كذا، وبالتالي ليس معهم هذا المبلغ الضخم الذي طلبه وحدده، فلم يأت مع وجود الوقت ووجود الفرصة وكل شيء؛ لأنه أصبح المعيار بالمال هذا بـ (٥٠٠٠) دولار وهذا بـ (١٠٠٠) دولار، وهذا بـ (٥٠٠) جنيه، وهذا بكذا، فأصبح تقييم الأعمال على هذه الصورة، لا يهم عندهم أن يكون العمل أنفع وأكثر انتشاراً وأفيد للأمة؛ لأن هذه القضايا كلها تعتبر قضايا جانبية، فأصبحت القضايا الرئيسية: هذا بكم، وهذا شيء خطير، وهو موجود من أعداد كبيرة جداً، بينما عندما تراجع قصص الأنبياء في القرآن الكريم الذين هم القدوة في الدعوة والقدوة في العلم، تجد دائماً يذكر ربنا عنهم: ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ [هود:٢٩]، ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام:٩٠]، وهذا واضح جداً، فإذا ربط العالم علمه وربط دعوته وعمله بالمال ضاعت دعوته تماماً، فلا يصبح من العلماء، وإن أصبح عالمًا أصبح عمله وبالاً عليه؛ لأن نيته ليست لله .
عندنا مشكلة متعلقة أيضاً بموضوع الإخلاص، وهي: عندما أشتغل بالأعمال الحياتية، مثل: الطب والهندسة وغيرهما فإنه يتعرض فيها الإنسان لنفس الأمور، فهل أنا أطلب بعملي فيها المال وأكون حريصاً عليه، أم أنني أطلب الآخرة وأعيش فقيراً، ويحكم على العالِم أن يكون فقيراً؟ لقد ذكرنا قبل ذلك أن هناك علماء كانوا أغنياء، لكن المال ليس هو القضية الأساسية في ذهنه، المال سيأتي سيأتي، إن كان من رزقك فلن يفوتك فعلاً، سواء أذللت نفسك أو أعززتها، طلبته أم لم تطلبه، تأتيك الدنيا وهي راغمة.
فالإنسان يطلب العلم لله ، إن جاء المال فهذه نعمة من الله يجب أن تشكر وتنفق في سبيله ، إننا مطالبون بتحصيل العمل لأجل المعاش، عندك أسرة وعندك أولاد وعندك حياة لابد أن تقيم هذه الحياة، لكن أن تصرف حياتك لهذه الأمور فقط فهذا غير مرغوب، وهذا غير ممكن لمن أراد أن يكون عالماً.
فهذا الإمام مالك ترك له أبوه ثروة هائلة، فأنفقها كلها في سبيل تحصيل العلم وعلى طلبة العلم، حتى اضطر في آخر حياته لأن ينقض سقف بيته من الخشب ويبيعه
стр. 96
تعلم العلم النافع
الصفة الثالثة: أن تتعلم علماً نافعاً، أن يكون علمك هذا له مردود عليك وعلى الناس في دنياك، ويوصلك في الآخرة إلى النجاة، والرسول ﵊ كان كلما ذكر العلم وحث عليه أضاف له كلمة (النافع)، كما روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة -وفي رواية ثلاث-: صدقة جارية، أو علم) اشترط فيه شرطاً، فما هو هذا الشرط؟ (أو علم ينتفع به)، فأي علم نظري هذا ولا ينتفع به لا يقدم ولا يؤخر فوجوده كعدمه، وهو علم لا تؤجر عليه، بل أحياناً يكون هذا العلم وبالاً على الإنسان، (أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وأيضاً كما جاء في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ أن الرسول ﵊ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) يستعيذ ﷺ من شر عظيم، فما هو هذا الشر العظيم؟ العلم الذي لا ينفع: (من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها).
قسم العلماء العلوم من هذه الوجهة إلى ثلاثة أنواع: علوم نافعة نفعاً محضاً، يعني: هو العلم الذي تستطيع أن تطبقه وتفيد به نفسك أولاً ثم الناس.
وهناك علم ضار، عندما تعرف هذا العلم يصيبك ضرر؛ بسبب معرفتك له، فهذا العلم لا داعي له البتة.
وهناك علم ثالث وهذا يشغل الكثير الكثير، ولا هو نافع ولا هو ضار، يعني: هذا علم ليس له معنى، علمه أو لم يعلمه فأمور الدنيا تمشي كما هي دون الحاجة إلى مثل هذا العلم، قد لا يكتسب سيئات، لكن لا يأخذ عليه حسنات.
إذاً: ما هو تصنيف هذا العلم في الشرع؟ يضع الإمام الغزالي ﵀ في إحياء علوم الدين هذا العلم مع العلم الضار، وإن كان ليس بحرام شرعاً، لكن يضيع عمرك، أليس العمر رأس مالك؟ عندما أنفق ساعتين أو ثلاثاً فيما لا ينبني عليه عمل وفي أمر لا ينتفع به ذهبت علي هاتان الساعتان أو الثلاث، وقد أضيع يومين أو سنتين أو ثلاث سنين، وقد تمر قرون على البشرية في علوم لا تنفع ولا تضر، فهذه علوم أضاعت عمر الإنسان، وعمر الإنسان هو أثمن ما يمتلك، هو الشيء الذي لا يعود أبداً: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فالصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين جداً على قضية العلم النافع، ويعلمون كيف يكون العلم نافعاً، وهذه رسالة لكل طلبة العلم، ولكل من أراد أن يكون عالماً؛ لأننا نضيع أوقاتاً كثيرة في قضايا لا ينبني عليها عمل، ولا نأبه لها، ونحن الآن نسمع هذا الكلام ونظن أننا نتكلم على أناس آخرين يضيعون حياتهم في أشياء ليست لها معنى، لكننا كثيراً جداً ما ننشغل بهذا الأمر ونظنه أمراً هاماً جداً من أمور الدين.
على سبيل المثال قضية الدجال: الرسول ﵊ في أحاديث كثيرة جداً وصف الدجال بصفات هي في غاية الغرابة والعجب، عندما تسمع بها تنبهر وتندهش وتريد أن تعرف أكثر وأكثر عن صفة هذا الذي يخرج، وكيف أنه مكتوب على جبهته كلمة كافر؟! وكيف تكون جنته ناراً وناره جنه؟! يعني: أمور عجيبة جداً، وكيف يفتن الناس في هذا الأمر؟! كل هذه الصفات سمعها الصحابة وسكتوا، لكن عندما ذكر ﷺ صفة معينة عن الدجال حيث قال: (يبقى فيكم أربعين له يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع)، فهو سوف يمكث فينا أربعين يوماً، لكن هناك يوم من الأيام طوله مثل طول سنة، يعني: تطلع الشمس إلى أن تصل إلى الزوال فتكون قد مضت ستة أشهر، وحين تصل إلى الغروب تكون قد مرت سنة كاملة، وهذا الشيء موجود في القطب الشمالي الآن، يعني: ليست أشياء مستغربة، وليس ذلك على الله بعزيز، لكن ربنا يثبت لنا الآيات في الكون وفي أنفسنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣]، فيظل اليوم الذي يكون فيه الدجال موجوداً اثني عشر شهراً، ويوماً كشهر، ويوماً كأسبوع، وبقية الأيام كسائر أيامنا، فهنا وقف الصحابة وسألوا سؤالاً: (هذا اليوم يا رسول الله الذي بسنة أنصلي له صلاة يوم؟)، إذاً: القضية قضية العلم النافع، أريد أن أعرف معلومة حتى أعمل بها، يعني: الصحابة ﵃ لم يسألوا عن صفة جنته أو ناره أو كذا؛ لأنه لا ينبني عليها عمل، لكن عندما تكون هناك قضية شرعية فقهية أتحرك بها عندما يأتي الدجال وأنا على قيد الحياة أسأل، وجزى الله خيراً الصحابة فهم سألوا هذه الأسئلة فتعلمنا نحن منها، هم لم يعاصروا
стр. 97
العمل بالعلم
الصفة الرابعة: أن يعمل العالم بما علم، ألم نقل: أن يتعلم العلم النافع الذي ينبني عليه عمل؟ فالمشكلة أنك تتعلم العلم النافع الذي ينبني عليه عمل ثم لا تعمل به، ويعمل به الناس، فالعالم إذا أعطى درساً عن صلاة الفجر، وأتى بالأدلة على أهمية الصلاة في جماعة في المسجد، وعلى الوعيد الشديد في حق من تخلف عنها، ثم يتخلف هو عن أدائها فأي علم هذا، هذا العلم حجة عليه لا له، وقس على هذا كل أنواع العلوم.
جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وأيضاً رواه أحمد وابن ماجه عن أبي كبشة الأنماري ﵁، وهو حديث لطيف جداً، فالرسول ﵊ يقسم فيه الناس إلى أربعة أنواع حسب علمهم وأموالهم؛ هناك أناس أنعم الله عليهم بالعلم والمال، وهناك أناس حرمهم الله من العلم والمال، وهناك أناس أعطاهم الله العلم ومنعهم المال، وهناك أناس أعطاهم المال ومنعهم العلم، فقسم الناس إلى أربعة أصناف حسب العلم والمال، فتعالوا بنا إلى سياق هذا الحديث، والروعة التي ذكرها رسول الله ﷺ ، ولنرى أين نحن يا ترى في هذه الأصناف، قال ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً)، عنده علم يضبط حركة المال، فيتحكم في هذا المال تحكماً شرعياً، يأتي به من الوجه الذي أحل الله ، وينفقه في الوجه الذي أحل الله ، ولا يخالف به أولويات المسلم في حياته، فالعلم يضبط له هذه الأمور ويضبط له حياته كلها؛ لأنه من الممكن أن تعيش (٢٤) ساعة تعمل في تحصيل المال الحلال، لكن قد تفوتك صلوات، وتفوتك صلة أرحام بر والدين، وتفوتك دعوة إلى الله، ويفوتك تحصيل علم، ويفوتك كذا وكذا من أمور الخير، نعم أصل التجارة حلال، لكن ضاعت أولويات مهمة جداً في حياتك، إننا نرى أناساً كثيرين على هذه الشاكلة، بل من الممكن أن نكون نحن المتهاونين بهذا الأمر، فقد نسهر ست عشرة ساعة أو سبع عشرة ساعة ونتغافل عن أعمال هامة عظيمة في حياتنا، ليس لها مردود مادي، وهذا شيء خطير، فالعلم يضبط هذه الناحية، يجعل الإنسان يعمل العمل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب.
فأول واحد: (عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يزرقه مالاً، فهو صادق النية)، انتبهوا إلى قضية الإخلاص التي تكلمنا عنها سابقاً، قال: (فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء) لقد أفرحنا هذا الحديث جداً؛ لأننا نرى أغنياء ما شاء الله لا قوة إلا بالله من الناس الأتقياء، والله أعطاهم، فيعمل الواحد منهم أعمالاً خيرية كثيرة جداً، يقيم مستشفيات ومؤسسات تعليمية، وينفق على الفقراء والمساكين، ويجاهد في سبيل الله بماله يفعل أموراً كثيرة تتمنى أن يكون عندك مال فتفعل مثل ما يفعل؛ إن كنت صادقاً في نيتك فأنت وهو في الأجر سواء بنص الحديث، يعني: نكون في هذه الدرجة وإن لم تملك المال، وقد يكون الذي معه مال في فتنة حُفظ منها الذي منع من المال.
فنرضى بما قسم الله لنا ونصلح نياتنا، في غاية الأهمية أمر الإخلاص.
إذاً: الأول معه مال وعلم، والثاني معه علم وليس معه مال، المشكلة في الثالث والرابع، الثالث: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً)، فهذه فتنة كبيرة، معه أموال، لكن ليس لديه علم يضبط حركة هذا المال: (فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل) نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.
ليس كل الأغنياء الموجودين نطمع أن نكون مثلهم، بل إن غالب الأغنياء يفتنون، وقد ورد في البخاري ومسلم حوار بين الرسول ﵊ وبين أبي ذر عندما ذكر له في آخر الحديث، قال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)، يعني: أن الأكثرين في الأموال هم الأقلون في الحسنات يوم القيامة؛ لأن من تكاثر ماله غالباً يفتن بماله، حتى إن الرسول ﵊ بعد أن قال هذه الكلمة استثنى الطائفة التي تتقي الله في مالها، فقال: (إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، وأشار عن يمينه وشماله ووراء ظهره، ثم قال: وقليل ما هم)، يعني: قليل جداً الذي يؤتى المال فيثبت، نسأل الله الثبات جميعاً، هذه فتنة خطيرة.
فهذا الرجل أو هذا الصنف الثالث الذي آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فأضاع نفسه بهذا المال، فهو بأخبث المنازل، وما أكثرهم.
الصنف الرابع: (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً)، واعلم أن المال رزق كفله الله لك قبل أن تولد، لكن العلم تطلبه وتأتي به، لو تريد علماً سيعطيك الله، ليس مثل المال، أناس كثيرون يريدون مالاً فلا يعطيهم الله س
стр. 98
الرحمة
الصفة الخامسة من صفات العلماء: أن العلم لابد أن يرتبط برحمة، هناك علماء تكون عندهم غلظة وشدة تنفر الناس، والناس تكره أن تأخذ العلم ولو كان علماً نافعاً صالحاً من هذا الغليظ، بعض الأحيان يكون علماً شرعياً، فهذا خطير جداً، وهذا موجود، حتى إن الرسول ﵊ خطب خطبة في الناس، عندما أطال بعض الصحابة في الناس، وقال: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين)، فهو عالم وتقي وقارئ وورع، لكنه أطال في الصلاة حباً في الصلاة، وهو لا يعتبر من المنافقين، بل من الصحابة الأجلاء، ومع ذلك رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين)، فهناك أناس لا يهمهم حال الناس الذين حولهم، أين الرحمة يا إخوان؟! هذه قصة رائعة دارت بين رسول الله ﷺ وبين معاوية بن الحكم السلمي ﵁، وكان حديث عهد بالإسلام، وهو أعرابي أتى من الصحراء، ودخل على الرسول ﷺ وهو يصلي فصلى معه، وهو حديث عهد بإسلام أسلم منذ أيام، ولا يعرف من الإسلام إلا قليلاً، فوقف في صلاة الجماعة، ويبدو أنه أول مرة في حياته يصلي جماعة، والحديث الذي فيه القصة رواه الإمام مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد وغيرهم، قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذا عطس رجل من القوم)، يعني: كان بجانبه رجل فعطس هذا الرجل، فأحب أن يؤدي الواجب نحوه ويشمته، (فقال له: يرحمك الله) في أثناء الصلاة، وهو لا يعرف أن الكلام في الصلاة لا يصح، (فقال: يرحمك الله، قال: فرماني القوم بأبصارهم)، يعني: نظر الصحابة إلى هذا الذي يتكلم في الصلاة، من الذي يقول: يرحمك الله في الصلاة، هذا لا يعرف شيئاً من شئون الصلاة، نظر إليه الناس بغير إرادتهم، (قال: فقلت -وهو في الصلاة أيضاً-: واثكل أمياه! ما شأنكم؟ لماذا تنظرون إلي؟)، يقول هذا الكلام كله وهو في الصلاة؛ بسبب جهله بهذا الحكم فعل ما فعل، (فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكلموه، فلو أن شخصاً قال: اسكت بطلت صلاته كذلك، فهم يضربون على أفخاذهم، قال: (فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت)، يعني: كنت أريد أن أتكلم وأكمل وأشرح لهم وجهة نظري، وأنه من حقي كمسلم أن أقف بجانب أخي المسلم فإذا عطس شمته، ولم أقل شيئاً خطأً، وإنما قلت له: يرحمك الله، وكان بإمكاني أن أتكلم ساعتين، لكنني قلت: أسكت، مادمتم تسكتونني.
(قال: فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ﷺ ، يعني: كان الرسول ﵊ يسمع مثل ما سمع الصحابة، سمع قول هذا الأعرابي: يرحمك الله، واثكل أمياه، مالكم تنظرون إلي، النبي ﷺ كان يسمع كل هذا الكلام، فما إن انتهى من الصلاة، يقول معاوية بن الحكم ﵁: (فوالله ما كهرني -يعني: ما لامني- ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)، فهو ﷺ أعطاه الدرس بمنتهى الهدوء ومنتهى الرحمة، فبعض الناس عندهم أخطاء شرعية أو أخطاء في العلوم الحياتية، فهم يحتاجون إلى رحمة في التعليم، فإذا كان العالم فظاً غليظاً ينفر التلميذ أو ينفر طالب العلم من العلم، فقد ينفر منه أبداً، وتصبح فتنة ويكون السبب فيها المعلم الغليظ، سواء كان هذا المعلم في مدرسة أو في جامعة أو كان في الشارع ماشياً.
إذاً: أي داعية من الدعاة أو عالم من العلماء يعلم الناس بأمر فيه غلظة قد ينفر الناس، فهذه الرحمة من صفات علماء المسلمين.
стр. 99
نشر العلم ونقله للغير
الصفة السادسة: أن ينقل العلم إلى غيره، لا يقف العلم عنده، لكن يورث العلم إلى الآخرين، وإليكم كلمة معاذ بن جبل ﵁ إمام العلماء يوم القيامة قال ﵁ وأرضاه: وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة.
وكان الرسول ﵊ يقول: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
إذاً: لابد أن ينقل العلم إلى غيره، وهذه كلمة رائعة لـ جابر بن عبد الله ﵄ يقول فيها: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره؛ فإن كاتم ذلك العلم ككاتم ما أنزل على رسول الله ﷺ .
يعني: لو جاء زمن يلعن فيه الناس الصحابة ﵃ وأرضاهم ويسبونهم، فمن كان عنده علم في الدفاع عن هؤلاء الصحابة فليظهره، لابد أن تعلم هذا العلم؛ فإن كاتم ذلك ككاتم ما أنزل على رسول الله ﷺ .
إذاً: لابد أن تعرف هذا العلم وتعلم هذا العلم للناس، وقد يفتح لنا هذا الأمر إن شاء الله باباً للحديث عن أمور الفتنة التي دارت بين الصحابة ﵃ وأرضاهم، ليس من باب الخوض فيها، ولكن من باب الدفاع عنهم ﵃ وأرضاهم، وهذا يحتاج إلى تفصيل في مجموعة أخرى من المحاضرات.
ولعلنا كذلك نتساءل: يا ترى ما الفرق في المذهب الفقهي أو في العلم الذي كان عند الشافعي ﵀ وعند الإمام الليث ﵀؟ معظم الناس الذين يصفون أحوال العلماء تذكر أن الإمام الليث كان على درجة عالية جداً من العلم كـ الشافعي أو يعلوه أو دونه بقليل، يعني: في مستوى متقارب مع الشافعي، لكن لماذا نعرف علم الشافعي ولا نعرف علم الليث ﵀؟ لأن تلاميذ الشافعي كانوا كثر، فهو علم العلم لعدد كبير فنشروا علمه هنا وهناك، بينما كان تلاميذ الليث قليل، وهكذا كان الرازي ﵀ من علماء المسلمين المشهورين في الطب، فهو من أجل علماء العالم كله في الطب، وكانت للإمام الرازي ﵀ مدرسة، فكان يعمل أبحاثه وتجاربه ويكتب كتبه، وكان يجلس كل يوم مع طلبة العلم في مجلس يعلمهم أمور العلم الطبي التي يعرفها، ويقرأ معهم في الكتب، ثم يقوم بجولة معهم على المرضى، ثم يعود ويتدارس معهم هذا العلم، لم يكتم علمه ولم يحتفظ بعلمه لنفسه فقط، فورث العلم، واستفادت ليس أمة الإسلام فقط، ولكن البشرية بكاملها من علم الرازي ﵀.
стр. 100
الأمانة العلمية
الصفة السابعة من صفات العلماء: الأمانة العلمية، وهي أن ينسب الأمر إلى أهله، والعالم يتعرض لهذه الأمور كثيراً، وكون العالم يأخذ معلومة من هنا ومن هنا فينسبها إلى نفسه، فهذا ليس من الأمانة العلمية، والأمانة العلمية هي التي تسمى الآن الحماية الفكرية وما إلى ذلك، فهذه سبق بها الإسلام، ومن يعود إلى كتب علماء المسلمين سواء في علوم الشرع أو علوم الحياة يجدهم حريصين أشد الحرص على إبراز الذي وصف أو قال أو تكلم بهذا الكلام، وراجع مثلاً: مقدمة الكامل في التاريخ لـ ابن الأثير ﵀، يقول في المقدمة: لقد أحضرت أولاً كتاب الطبري فنخلت هذا الكتاب نخلاً، فكنت آتي بأفضل أو أوسع الروايات وصفاً للحدث، وأتممها بغيرها من الروايات، وأصل الرواية بالرواية حتى يصبح النسق متصلاً، وكل هذا من كتاب الطبري، ثم قال: بعدما أنهيت كتابي من كتاب الطبري قرأت الكتب الأخرى المشهورة -وعددها- فأضفت من كل كتاب على الكتاب ما لم أجده في الطبري، حتى خرج هذا الكتاب بهذه الصورة التي ترون، فما أنا إلا جامع من الطبري ومن كذا وكذا من كتب التاريخ.
كما ذكر ابن الأثير ﵀، ولو نسب ما في الكتاب لنفسه ما علم العوام هذا الأمر، لكن هي أمانة علمية، فرحمه الله.
كذلك فعل أبناء موسى بن شاكر وهم من أعظم علماء المسلمين الكبار في الهندسة وفي الميكانيكا، وهم ثلاثة أولاد، ولعل الكثير لم يسمع عن أسمائهم وهم من أعظم علماء الأرض حقيقة، كتبوا كتاباً كبيراً جداً في علم الميكانيكا، فهم وضعوا علم الميكانيكا بهذا الأسلوب الحديث الموجود في كتابهم الحيل، وهو كتاب مشهور جداً، ومترجم إلى أكثر من لغة أوروبية، فكتبوا: ما كان في هذا الكتاب فهو من أفكارنا وابتكارنا وتجربتنا، إلا ما ذكرناه في أمر المعادلة الفلانية فهو من معادلات أرشميدس، وفي أمر المعادلة الفلانية فنقلاً عن أفلاطون ونقلاً عن كذا وكذا فذكروا بعض العلماء الذين نقلوا عنهم بعض أجزاء الكتاب وبقية الكتاب هو من تأليفهم، وكان من الممكن أن ينسبوا كل ما في الكتاب إليهم؛ لأن الله ينظر.
إذاً: العالم المتقي لله عنده أمانة علمية، ولا يضيره أبداً أن يذكر أنه أخذ من هذا وذاك.
стр. 101
العزة
الصفة الثامنة: صفة العزة، أن يكون العالم عزيزاً، لا يطلب ما في أيدي الناس ولا ما في يد السلطان، رافعاً رأسه، فخوراً بعلمه، لا يطلب من دنيا الناس شيئاً.
كان سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي يقول لـ أبي حازم: هل لك أن تصحبنا؟ وأبو حازم من كبار التابعين ومن علمائهم، والناس تفخر بصحبته، حتى إن خليفة المسلمين يريد أن يصحبه، فلو أن خليفة المسلمين يقول له: أريدك أن تكون صاحباً لي، أو هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ يعني: سآخذ منك علماً، فـ أبو حازم لا يمانع من هذا، ولكن ماذا سيصيب من الوالي؟ سيصيب منه مال ووجاهة ووضعاً اجتماعياً وقصراً وذهباً.
قوله: فتصيب منا، هذا فيه إغراء، فهو يغريه: هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ ويشجعه بقوله: ونصيب منك، يعني: أنا سآخذ منك علماً، ويا ليت أن حكامنا يكونون بهذه الصورة، يعني: أتمنى أن يقول الحاكم للعالم: تعال وكن بجانبي خذ المال وآخذ من علمك، نتمنى.
قال العالم أبو حازم: أعوذ بالله لو أنه قالها في زماننا لاختفى اختفاء أبدياً، ويصبح بدل العالم: الشهيد فلان، قال: أعوذ بالله، قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن شيئاً قليلاً، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات.
هذا الكلام هو خطاب في القرآن الكريم لرسولنا ﷺ ، كأنه يقول: إنه من باب أولى إن ركنت شيئاً قليلاً أذاقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، فقال له سليمان: إذاً ارفع إلينا حوائجك.
فـ سليمان بن عبد الملك يتودد له بقوله: ارفع لنا حوائجك، قال: حاجتي أن تنجيني من النار وتدخلني الجنة، هل تستطيعها؟ قال: ليس ذلك إلي، لا أستطيع، فقال: فما لي إليك حاجة غيرها.
يعني: هذه حاجتي في الدنيا، وأنا أعيش حياتي كلها من أجل أن أدخل الجنة وأنجو من النار، ومادامت ليست عندك، فلا أستطيع مصاحبتك ولا أرفع حوائجي إليك، وليس لي علاقة بك، ولن أكون من علماء السلطان، لكن إن سألتني عن علم وأنا في مكاني رددت عليك.
هكذا كان العلماء ﵏ جميعاً في عزة، كانوا إذا أرسل إليهم السلطان: أن ائتوني حتى أسألكم عن أمر من العلوم، قالوا: العلم يؤتى ولا يأتي، فيأتي السلطان إلى العالم في مجلس العلم من أجل أن يسأله، وما أكثر الروايات عن هذا الأمر، ولكن المقام لا يتسع لذكر ذلك.
стр. 102
التواضع
الصفة التاسعة قبل الأخيرة: التواضع، لابد أن تأتي بعد العزة، وليس معنى العزة أن يكون الشخص متكبراً، وليس معنى العزة أنه ينتفخ أمام الناس بعلمه، ويظن أنه قد حصل ذلك من تلقاء نفسه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، هذا قول رب العالمين في وصفه لحال العلماء الأتقياء، يؤتى المرء العلم بعد التقوى، اتقيت الله علمك الله ، أما الفساق والمتكبرون من أبناء هذه الأمة أو من غيرها فيدعون أن العلم جاء عن جهدهم، كما ذكر ربنا في كتابه الكريم عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، فتكبر بعلمه، فانظروا إلى عاقبته.
والمتواضع لله يصل علمه إلى الناس، ويكون علمه أنفع للبشرية وللخلق، وأهم من ذلك كله أنه أنفع وأصلح له هو في آخرته، فإن من مصلحة العالم المتواضع أن يكون من المتواضعين؛ لأن رسولنا ﷺ قال في الحديث الذي جاء في البخاري ومسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) هذا شيء خطير.
стр. 103
الأخذ عن الغير
الصفة العاشرة والأخيرة وبها نختم حتى لا نطيل عليكم إطالة كبيرة: الأخذ عن الغير، وهذه الصفة منبثقة عن التي قبلها التي هي صفة التواضع، لابد أن تتواضع لغيرك، ولابد أن تأخذ عن غيرك، ولابد أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، ولابد أن تعترف لأهل الفضل بفضلهم، وأهل العلم بعلمهم، ولابد أن تشترك مع الآخرين في البحث، فقد كان أبو حنيفة ﵀ يطرح القضية والمسألة الفقهية بين تلامذته مع علمه العظيم ومع فقهه الدقيق، وانظروا إلى كلمة الشافعي في حق أبي حنيفة رحمهما الله جميعاً، يقول: الناس جميعاً في الفقه عيال على أبي حنيفة.
يعني: كان أبو حنيفة أعلمهم جميعاً في الفقه ﵀، ومع ذلك يطرح المسألة بين طلبة العلم من تلامذته فيتناقشون فيها جميعاً، فيدلي كل منهم برأيه وبحجته، ويدلي هو الآخر بحجته، ويتناقشون حتى يخرجوا في النهاية برأي، فهم درسوا القضية من كل الجوانب كفريق، وعقل أبي حنيفة أو غيره من العلماء محدود، فعندما يطرح القضية للتناقش ويشترك مع غيره فيها تخرج أفكار من عقول شتى من هنا وهنا، فيستفيد وتستفيد الأمة، بل وتستفيد البشرية جمعاء.
وحتى في أمور الحياة أيضاً فأولاد موسى بن شاكر الذين تكلمنا عنهم منذ قليل ﵏ كانوا في علم الهندسة والميكانيكا يعملون في فريق واحد، من أروع الفرق العلمية المعروفة في التاريخ، بل لعلنا نقول ولا نجازف بهذه المقولة ولا نبالغ فيها: إنهم أول فريق علمي في العالم حقيقة، فهم كتبوا بصيغة الجماعة، فقد كانوا يقولون: فعلنا كذا وجربنا كذا وقمنا بعمل كذا وكتبنا كذا وألفنا كذا يعني: الثلاثة مع بعض، وكل واحد متخصص في مجال، ولكن الثلاثة اجتمعوا جميعاً واخترعوا جهازاً مفيداً ونافعاً للمسلمين لري الأرض، واخترعوا أجهزة لرفع الماء إلى أعلى الجبال والقلاع العالية.
فكل العلوم المفيدة تحتاج إلى أكثر من عقل إلى أكثر من تخصص، فهذا التمازج بين العلماء أدى إلى هذه النتائج الرائعة عندهم، وهذا الأمر لا يكون إلا من عالم متواضع يقبل أن يأخذ عن غيره، لذلك أتينا بهذه الصفة بعد صفة التواضع هذه الصفة العاشرة، فتلك عشر كاملة.
أسأل الله أن يجعلنا متصفين بها جميعاً وبغيرها من صفات الإسلام الحميدة، ومن أخلاق الرسول ﷺ الرائعة التي جاءت في سنته وسيرته وحياته.
وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يعز الإسلام والمسلمين.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 104
سلسلة كيف تصبح عالماً [٩]
لدراسة التاريخ الإسلامي وغيره فوائد كبيرة وعظيمة وكثيرة، منها: معرفة سنن الله في الخلق، وواقعية التطبيق، والعزة والرفعة، وغير ذلك، وهناك نماذج عديدة من التاريخ الحضاري لأمة الإسلام في كافة المجالات الشرعية والحياتية.
стр. 105
فوائد دراسة التاريخ الإسلامي وغيره
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد.
فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
اليوم مع المحاضرة التاسعة من المحاضرات الخاصة بقضية: أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وذكرنا في المحاضرات السابقة أننا سنتعرض اليوم إلى مثال للعلوم الحياتية في التاريخ الإسلامي، وقد يتساءل أحد الإخوة: لماذا الحديث عن التاريخ فلنتكلم في واقعنا؟ نقول: إن دراسة التاريخ لها فوائد جمة، ونحتاجها في مثل هذه الموضوعات وفي غيرها.
стр. 106
معرفة سنن الله في خلقه
أولاً: التاريخ يتكرر، فبه نعرف سنن الله في خلقه، فعندما نأتي نتحدث عن قصة من قصص السابقين بحيثيات معينة وظروف معينة، وأدت إلى نتائج معينة، نتوقع أنه إذا مرت بنا نفس الظروف ستحدث معنا نفس النتائج، ولذلك يقص ربنا في الكتاب الكريم القصص القرآني بشكل مكثف، فحوالي ثلث القرآن الكريم قصص؛ لنعرف السنن الثابتة التي يفعلها رب العالمين في إدارة ملكه وكونه وخلقه ، وهو برحمته ثبت هذه السنن؛ كي لا يزيغ الناس ولا يضلوا، بحيث إذا عرفناها سرنا في الطريق الصحيح، ومن ثم نستطيع أيضاً أن نرى المستقبل، ولن نرى المستقبل إلا بدراسة التاريخ، فعندما أرى حدثاً معيناً أدى إلى نتائج معينة، فإذا كنت في نفس الحدث الآن وفي نفس الظروف فإني أتوقع نفس النتائج، فأستطيع أن أستنتج أو أستنبط بالنسبة للأمة أو للأفراد كيف سيكون مصيرها في المستقبل؛ لهذا ندرس التاريخ الإسلامي وغير التاريخ الإسلامي، ونمر على صفحات مختلفة من صفحاته.
стр. 107
واقعية التطبيق
ثانياً: التاريخ يبرز لنا أمراً هاماً جداً أسميه: واقعية التطبيق، أي: أننا أحياناً عندما نقوم ببعض القواعد النظرية تجد أنها صعبة التحقيق، لكن عندما نعرف معاً الحكاية من التاريخ نجد أن هذه القاعدة النظرية قد طُّبقت كثيراً في مراحل التاريخ المختلفة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعلنا نأخذ مثالاً مما ذكرناه في دروسنا، ذكرنا على سبيل المثال قول يحيى بن أبي كثير ﵀: لا يُستطاع العلم براحة الجسم.
وقد بعث لي أحد الإخوة برسالة يقول فيها: أنا لم أستطع تطبيق هذه القاعدة، فأعطني قاعدة أخرى أستطيع أن أكون عالماً بها من غير موضوع تعب الجسم هذا: لا يُستطاع العلم براحة الجسم؛ لأن هذا ليس في إمكانياتي وليس في قدراتي أن أفعل مثل كذا وكذا من الأمور التي تطلبها تنام قليلاً وتعمل كثيراً وتقدح وتركز وتتعب؟ أقول: عندما نذكر قصة يوجد فيها أن بشراً مثله استطاع أن يفعل هذه الأمور أكثر من مرة حتى أصبحت ديدن حياته، وأصبح أمراً متكرراً في كل مراحل حياته في الصغر والكبر، وفي الفقر والغنى، وفي الجوع والعطش، وفي الشبع والرضا، وفي كل أحواله هو يفعل هذا الأمر ويكرره، فإنا نستطيعه، فعندما أذكر لك مثالاً ومثالين وثلاثة وأكثر من ذلك، ويُصبح سنة ماضية في الأرض: أن كل العلماء الذين ذكرناهم تعبوا في حياتهم، ونعرض لمواقف التعب فإن هذا يُرسّخ المعلومة، ويعطيك شيئاً اسمه: واقعية التطبيق، أي: أن هذا الكلام واقعي، والقاعدة التي قلناها قاعدة واقعية، استطاع غيرنا من البشر وهم في ظروفنا ولهم احتياجات كاحتياجاتنا، ولهم رغبات كرغباتنا، ولهم طموحات وأحلام كطموحاتنا وأحلامنا استطاعوا أن يحققوا ذلك الأمر.
إذاً: فنحن نستطيعه أيضاً، فهذا أمر واقعي.
стр. 108
العزة والرفعة والسمو
الأمر الأخير الذي أذكره ومن أجله ندرس التاريخ ونمر على مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي: هو أن التاريخ المجيد عزة لصاحبه، فعندما أذكر مراحل من التاريخ فيها نوع من العزة والسمو والرفعة، ترفع رأسك افتخاراً بالانتماء لهؤلاء السلف، وهؤلاء الأجداد الذين أضافوا وأضافوا لمسيرة الإنسانية بصفة عامة، وليس لمسيرة الأمة الإسلامية فقط، ترفع رأسك فعلاً، وهذا أمر مشاهد ومجرب، ففي فرنسا كان هناك مجموعة من الشباب المراهقين الصغار الذين يتراوح أعمارهم ما بين (١٤) و (١٥) سنة، وهم من المسلمين الذين تربوا في فرنسا، ومعظم هؤلاء مولود في فرنسا كان مدرسهم يتكلم معهم في العزة الإسلامية والكرامة الإسلامية والفخر بالإسلام، فلا يجد عندهم مردوداً لهذا الكلام، ويشعرون بشيء من الخزي؛ لأن العالم كله الآن على المسلمين، والمسلمون الآن مستضعفون، ووضعهم كما ترون، والشاب هناك لا يرى أن هناك أملاً في القيام ولا يرى أن هناك فرصة للنهوض، ففي يوم من الأيام أقيم معرض في باريس للاختراعات الإسلامية أو الإسهامات الإسلامية في العلوم، وكان معرضاً رسمياً حكومياً أقامته فرنسا تحت رعاية المركز الفرنسي للدراسات العربية، فجمعوا فيه من المتاحف المختلفة الموجودة في أوروبا الاختراعات التي عملها المسلمون في التاريخ، ووضعوها في معرض واستمر هذا المعرض حوالي أسبوعين أو ثلاثة، ومن يدخله يدفع قيمة تذاكر وما إلى ذلك، فعملوا رحلة لهؤلاء الأطفال أو الشباب المسلمين إلى هذا المعرض، وفي أثناء ذهابهم إليه وهم في السيارة كان المشرف يتحدث معهم وهم في حالة يرثى لها من الأمور المتعلقة بالعزة أو بالكرامة أو برفع الرأس؛ لكونهم من المسلمين، فذهبوا إلى المعرض ورأوا الإنجازات الإسلامية والإسهامات العظيمة التي أضافت وأضافت الكثير لمسيرة الإنسانية، فعادوا بروح مختلفة تماماً، عادوا رافعين رءوسهم، وأن أوروبا هذه التي يعيشون فيها حالياً، والتي كانوا ينظرون إليها النظرة العالية جداً، وأنها قارة قد سبقت المسلمين بقرون طويلة، عادوا وهم ينظرون إليها على أنها تابعة للمسلمين وليست سابقة، فمعظم العلوم الأوروبية نتجت عن علوم المسلمين التي نقلت إلى أوروبا، وأوروبا كانت في حالة من الجهل الشنيع في كل فروع العلم، وكان المسلمون متفوقين في كل فروع العلم، ورأوا ذلك مكتوباً ومنصوصاً وموثقاً بالحقائق العلمية وبالصور المؤكدة، وببعض الأجهزة التي وجدت في هذه المتاحف، ونُقلت من بلاد المسلمين إلى بلاد أوروبا في مراحل مختلفة من مراحل التاريخ، وجدوا هذا وشاهدوه رأي العين، واستمعوا إلى الشرح، وعرفوا تقدير العلماء الأوروبيين لعلماء المسلمين السابقين، ولك أن تتصور مدى الحماسة والحمية التي عادوا بها من هذا المعرض، وانطلقوا بعد ذلك للعمل.
إذاً: عندما أتحدث عن قصة في التاريخ فإنها ترفع روحك المعنوية وتريك ما الذي فعل أجدادك والسلف في مسيرة العلم، وستتشجع إلى أن تفعل مثلهم وأعظم، وتقود الأرض كما قادوها وأعظم، وهذا مشاهد في مراحل مختلفة كثيرة في التاريخ الإسلامي.
الشيء اللطيف والجميل أن مسيرة العلم في التاريخ الإسلامي كانت مسيرة متفوقة في مراحل كثيرة جداً، حتى في مراحل الضعف السياسي والعسكري، أي: في أيام سقوط المسلمين أمام التتار وأمام الصليبيين، وفي ظروف صعبة جداً من تفكك وفرقة في العالم الإسلامي ومع كل هذه الظروف تجد أن المسيرة العلمية كانت متقدمة، وأن العلماء المسلمين كانوا سابقين بشكل لافت للنظر، لكن الانطباع والتصور الذي عندنا اليوم وعند العالم عن التاريخ الإسلامي انطباع وتصور سياسي فقط، وللأسف لا نعرف من تاريخنا إلا الأمور السياسية فقط، ومع ذلك فهي مشوهة، لا نعرف إلا انحراف بعض الخلفاء، ولا نعرف إلا الفتن والصراعات التي دارت، ولا نعرف إلا المؤامرات والمكائد والمصائب والكوارث، لا نعرف إلا هذا التاريخ، حتى عندما نتكلم عن عزّة الإسلام والمسلمين لا نتحدث إلا عن حطين وعين جالوت والزلاقة والأرك والمواقع التي انتصر فيها المسلمون، وهي مواقع عظيمة حقاً، ولكنها ليست الوجه الوحيد للتاريخ الإسلامي، فهناك وجوه حضارية هائلة عظيمة للتاريخ الإسلامي، منها: هذا الوجه العلمي الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذه المجموعة من المحاضرات، ولكن نحن -مع الأسف- ليست لدينا هذه المعلومات، فإنني عندما أسألك: ماذا تعرف عن أبي كامل المصري؟ ولعل الناس أول مرة تسمع بهذا الاسم، ولو عرفته فقد لا تعرف عنه سوى سطر أو سطرين، ولا تعرف قصة حياة هذا العالم الجهبذ الذي قاد مسيرة العلم في العالم بأسره فترة طويلة من الزمان، من يسمع عن أبناء موسى بن شاكر أول فريق علمي في العالم في الميكانيكا والهندسة وعلم الحيل كما يسمونه، كانت لهم اختراعات متقدمة ومتفوقة استطاعوا أن يصلوا إليها؟ من يعرف تفصيلات حياتهم وطريقتهم في البحث ومؤلفاتهم، وتأثيرهم في الحضارة الغربية وفي أوروبا بصفة عامة؟ من يعرف أبا الفتح الخازني أو ابن الح
стр. 109
وجوه ونماذج من الحضارة العلمية الإسلامية
نتعرض الآن إلى بعض وجوه الحضارة العلمية الإسلامية المتميزة، فاليوم سنفتح بعض الصفحات، ولن نركز تركيزاً كبيراً على فرع معين من العلوم، لعلي أعطي الطب بعض الأهمية لتخصصه، ولكونه كما يقول الشافعي: أشرف العلوم بعد الشريعة، لكن بصفة عامة اهتمام المسلمين بالعلوم كان اهتماماً لافتاً للنظر.
стр. 110
المكتبات في الحضارة الإسلامية
المكتبات في الحضارة الإسلامية تنقسم إلى نوعين رئيسيين: الأول: المكتبات العامة، والثاني: المكتبات الخاصة.
المكتبات العامة: هي التي تفتح للجمهور، ويحضر فيها عموم طلبة العلم والعلماء يأتون إليها من كل مكان؛ ليدرسوا في داخل المكتبة.
والمكتبات الإسلامية كانت المكتبات الأولى على مستوى العالم، لا لعدة سنوات، ولكن لعدة قرون متتالية، فمكتبة بغداد كانت المكتبة الأولى على مستوى العالم لمدة خمسة قرون متتالية، أي: (٥٠٠) سنة، وكان فيها كم هائل لا يتصور من الكتب، فمهما وصفنا لك ومهما حسبت فلن تستطيع أن تصل بدقة إلى عدد الكتب التي كانت في مكتبة بغداد، ولكي تتصور مقدار هذا الكم من الكتب تصور معي نهر دجلة، فهذا النهر يقرب من نهر النيل في المساحة من حيث العرض، فهو نهر ضخم وكبير، وعندما جاء التتار واحتلوا بغداد أرادوا أن يعبروا من البر الشرقي إلى البر الغربي قلم يستطيعوا ولم يكن هناك جسر، فماذا فعلوا؟ ذهبوا إلى مكتبة بغداد وكانت مطلة على نهر دجلة، فأخرجوا الكتب من المكتبة وألقوها في النهر حتى صنعوا منها جسراً تمر عليه الجيوش التترية من الشرق إلى الغرب، فتصور مكتبة بها كتب يتكون منها جسر لا يمر عليه إنسان، بل يمر عليه جيش! وجيش التتار من أعظم الجيوش وأكثرها عدداً في ذلك الوقت، فهذا شيء مهول.
وليست الكتب في مجال واحد من علوم الشريعة أو علوم الحياة، بل في كل مجال.
وكانت المكتبة تُقسّم إلى أقسام: قسم لعلوم الفقه، وقسم لعلوم الحديث، وقسم لعلوم العقيدة وهكذا، وقسم لعلوم الطب، وعلوم الفلك، وعلوم الهندسة، أقسام مختلفة، وكان فيها قاعات للمناظرات، وقاعات للمحاضرات والندوات، وكانت فيها أماكن مخصصة للترفيه، إذا أراد الإنسان أن يأخذ قسطاً من الراحة، أن يشرب مشروباً ويستريح قليلاً من عناء الدراسة والتعب، فهناك ركن مخصص لذلك، وفيها أماكن للتعليم تلقى فيها محاضرات منتظمة للتعليم في شتى الفروع، وفيها أماكن للمبيت، فقد كان يستضاف فيها طلبة العلم الذين يأتون من بلاد بعيدة، وتُجرى عليهم الأرزاق، أي: أن الخليفة يُخرج الأموال الثابتة للإنفاق على هؤلاء الذين يأتون إلى مكتبة بغداد؛ ليتعلموا، فالطالب يُنفق عليه وهو يتعلم ويقرأ في مكتبة بغداد، وفيها وظائف النسّاخين، ووظائف الباحثين عن الكتب؛ لأن المكتبة ضخمة جداً وهائلة، ولا تستطيع أن تصل إلى ما تريد بسهولة، فأصبح هناك أناس عملهم أن يبحثوا عن الكتب، أو تنسخ ما تريد، كانوا في زمن ليست فيه طباعة، فانتشرت حركة العلم بشكل مهول، وأصبحت مكتبة بغداد كما ذكرت هي المكتبة الأولى عالمياً.
المكتبة الثانية على مستوى العالم: مكتبة دار العلم في القاهرة، وهذه المكتبة يكفي أن أذكر لكم أنه كان فيها (٤٠) قسماً للكتب، كل قسم مختص بفرع من فروع العلم، ولكي تعرف تفريغ الكتب التي بداخلها يجب أن تعرف أن كل قسم على الأقل فيه (١٨٠٠٠) كتاب في كل فرع من فروع العلم، أي عند جمعها فهي أكثر من سبعمائة ألف كتاب في مكتبة واحدة، وهذا شيء مهول! المكتبة الثالثة على مستوى العالم: مكتبة قرطبة، وأوروبا في ذلك الوقت لا توجد بها مكتبات لا من قريب ولا من بعيد، ولا تقارن بمكتبة أصغر قرية من قرى المسلمين في ذلك الوقت.
مكتبة قرطبة كان بها نصف مليون كتاب في شتى فروع العلم، ولم تكن المكتبة الوحيدة في قرطبة، فقد كان هناك أكثر من مكتبة في قرطبة، ففي قرطبة أيضاً المكتبة الأموية وهي على نفس مستوى مكتبة قرطبة من حيث العظمة والفخامة واتساع العلوم.
فالعلماء المسلمون كانت لهم مكانة عظيمة جداً، وكان خلفاء المسلمين ينفقون الأموال الغزيرة للإتيان بالكتب من كل مكان، حتى الكتب المترجمة، وكما ذكرنا في درس من الدروس السابقة أن المأمون كان يزن الكتاب المترجم من اللغات غير العربية إلى اللغة العربية ثم يعطي هذا الوزن لمن ترجمه ذهباً.
إذاً: حوت المكتبات الإسلامية مجموعة هائلة من الكتب النادرة، ليس فقط من كتب المسلمين، ولكن من كتب المسلمين وغير المسلمين في ذلك الزمن.
عندما احُتلت قرطبة من الصليبيين في أسبانيا أُحرقت معظم الكتب في مكتبة قرطبة، ففي يوم واحد قام أحد القساوسة الصليبيين وكان اسمه كمبيس فأحرق (٨٠٠٠٠) كتاب في ميدان من ميادين قرطبة، ومكتبة بغداد كما سمعتم كل الكتب أُغرقت في نهر دجلة حتى تحول لون النهر إلى الأسود من لون المداد الذي كتبت به هذه الكتب، كميات هائلة من العلوم أغرقت في مياه دجلة من التتار.
ومكتبات طرابلس الشرق التي في لبنان كانت من أعظم المدن العلمية في تاريخ العالم بأسره، ويذكر أن الصليبيين عندما دخلوا مدينة طرابلس فأول شيء فعلوه هو دخولهم المكتبات الإسلامية في طرابلس، وأحرقوا في عدة أيام ثلاثة ملايين كتاب إسلامي في شتى فروع العلم.
انظروا إلى الحقد الدفين عند أولئك الذين يغزون العالم الإسلامي، فالتتار في بغداد أغرقوا الكتب الإسلامية، والصليبيون في قرطبة أحرقوا الكتب الإسلامية سواء كانت كتباً علمية في علوم الحياة،
следующие страницы →