Полный текст (242 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كيف تحافظ على صلاة الفجر ؟
صلاة الفجر من أعظم الصلوات وأفضلها، فقد انفردت عن غيرها بخصائص ومزايا كثيرة، ومن ذلك: أن بها يعرف الصادق من المنافق، فتجدها أثقل صلاة على المنافق، فينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في جماعة حتى لا يوصف بالنفاق، وبالمحافظة عليها تنصر الأمة على عدوها وتحفظ منه ومن سائر المصائب والآفات.
стр. 2
صلاة الفجر بين الصادقين والمنافقين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
أما بعد: فما أسهل أن ينطق اللسان يا إخواني ويا أخواتي بكلمة الإسلام، ما أسهل ذلك، ولكن ما أصعب أن يترسّخ الإيمان في قلب الإنسان، انظر ماذا يقول ربنا: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، كلام اللسان: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، مشكلة حقيقية أن يختلط الحابل بالنابل، أن يختلط الصادق بالكاذب، أن يختلط المؤمن بالمنافق مشكلة خطيرة، اختلاط المنافقين بالمؤمنين يضعف الصف: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، أي: إلا اضطراباً وإلا ضعفاً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧].
لذلك فإن الله من رحمته بالصف المؤمن أن ينقيه على الدوام، والتنقية تكون عن طريق اختبار صعب، لا يقوى على النجاح في هذا الاختبار إلا المؤمنون حقاً، يقول في كتابه الكريم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]، أي: هل تعتقدون أيها المؤمنون أنكم ستقولون بلسانكم: آمنّا ثم لا يصدق هذا اللسان عملاً من الأعمال؟ يقول : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]! تعجب كبير جداً: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣]، سنة من سنن ربنا : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣].
إذاً: ربنا سيجعل لنا اختبارات كثيرة جداً، منها: الجهاد فهو اختبار صعب، لكن ليس مستحيلاً، ينجح فيه المؤمن، ويسقط فيه المنافق.
كذلك: الإنفاق، وحسن معاملة الناس وكظم الغيظ اختبار، وهكذا الحياة كلها اختبار من أول أيام التكليف إلى لحظة الموت، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢].
سنتكلم عن اختبار من الاختبارات الصعبة جداً، فليس أي شخص ممكن ينجح فيه؛ لدرجة أن الرسول ﷺ جعل هذا الاختبار مقياساً واضحاً بين المؤمن والمنافق، فهو اختبار خطير، والذي سيسقط في هذا الاختبار سيكون منافقاً بنص كلام رسول الله ﷺ .
الاختبار هذا يا إخواني ويا أخواتي هو اختبار صلاة الفجر.
صلاة الفجر في جماعة للرجال، وصلاة الفجر في أول وقتها للنساء.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما - أي: لو يعلمون ما فيهما من الأجر- لأتوهما ولو حبواً).
تخيل نفسك أنك لا تستطيع أن تمشي أصلاً كأن تكون رجلك مكسورة وليس هناك من يعينك على المشي والذهاب إلى صلاة الفجر في المسجد، فتذهب حبواً كالأطفال؛ لأنك تعرف كمية الخير التي في هذه الصلاة.
ذنب عظيم أن يتخلف مسلم مؤمن عن صلاة الفجر في جماعة، أو عن صلاة العشاء في جماعة.
أما وقت الصبح فهو ما بين طلوع الفجر وما بين شروق الشمس، يقول لي أحد الناس: إنه سمع في برنامج من البرامج أن وقت الصبح إلى بداية وقت الظهر.
قلت: سبحان الله! يعني: سيصير الوقت مفتوحاً إلى الظهر، فأين الاختبار هذا؟! نقول: الوقت يا أخي ينتهي بشروق الشمس، هذا الوقت القليل المحدود الصعب، هو فعلاً صعب ومقصود أنه يكون صعباً.
روى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس)، كلام في منتهى الوضوح، والأصعب من هذا يا إخواني أن اختبار النفاق من الإيمان لا يكتفي بمجرد أن تدرك الصبح في بيتك، لا، لا بد أن تدرك الجماعة في المسجد، كما قال ﷺ ، وأنا أعرف أنه صعب ومقصود أنه يكون صعباً؛ لأنه اختبار خطير، والنتيجة خطيرة كما قلنا.
стр. 3
مشكلة تخلف معظم المسلمين عن صلاة الفجر
للأسف الشديد إن ضياع صلاة الفجر مشكلة شديدة الشيوع في أوساط المسلمين رجالاً ونساءً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أتكلم عن حقائق في شرع الله ، أتكلم عن نصوص محكمة يا إخواني ليس فيها لبس، أتكلم عن أمور لا يوجد فيها اختلاف، بل أجمع العلماء عليها، قد يقول قائل: لكن أنا فعلاً لا أستطيع القيام للفجر، بالنسبة لي مستحيل، أقول له: كيف يكون في حقك مستحيلاً، ولا يكون في حق غيرك مستحيلاً؟! تعالوا نفكر معاً، أولاً: يقول الله في كتابه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فهل صلاة الصبح في هذا التوقيت تكليف أم ليست تكليفاً؟ هي تكليف، وفرض أم ليست فرضاً؟ هي فرض، على كل المؤمنين أم على طائفة معينة من المؤمنين؟ على كل المؤمنين، والله يعلم الوسع أو لا يعلمه؟ يقيناً يعلمه، ومع ذلك كلفك بصلاة الصبح في هذا التوقيت.
إذاً: لا ينفع عقلاً ولا شرعاً لمسلم يؤمن بحكمة الله وبعلم الله وبعدل الله أن يدعي أنه لا يستطيع تنفيذ تكليف من تكاليف الله ، هذا أول أمر.
الأمر الثاني: عشت في أمريكا فترة، وكنت أذهب لصلاة الفجر في المسجد وأرجع منه الساعة السادسة صباحاً، وكنت أجد الطريق السريع مليئاً بالسيارات عن آخره في الساعة السادسة صباحاً، وهؤلاء الناس كلهم من نصارى ويهود وملاحدة، وهؤلاء استيقظوا في ميعاد الفجر؛ لكي يذهبوا إلى دنياهم وإلى أعمالهم، كل هؤلاء الناس استطاعت أن تستيقظ الساعة الرابعة أو الخامسة؛ لكي تخرج الساعة السادسة صباحاً إلى شغلها.
وهناك أناس آخرون كنت أراهم في الشوارع وأنا في طريقي لصلاة الفجر، يعني: قبل الفجر، فهؤلاء هم أصحاب الرياضة، تجدهم يجرون في الشارع في الهواء النقي في ذلك الوقت، وهناك أناس قبل أن تذهب إلى العمل تخرج كلابها للفسحة؛ لأن الكلب يقعد محبوساً في البيت من الساعة السادسة صباحاً أو السابعة صباحاً إلى الساعة السادسة أو السابعة في الليل، فصاحب هذا الكلب يستيقظ قبل الفجر لكي يفسح الكلب، لكي يجعله يستنشق هواء لطيفاً ونظيفاً.
فالأمريكي نصرانياً كان أو يهودياً أو ملحداً يستيقظ قبل الفجر لأجل الكلب، وبعض المسلمين، أو كثير من المسلمين، أو دعوني أقول بصراحة: معظم المسلمين لا يستيقظون لله ، هذه مأساة يا إخواني، ثم أنت شخصياً، يا ترى لو عندك موعد طائرة أو قطار الساعة السادسة صباحاً ستستطيع أن تستيقظ وتذهب في الموعد، أم ستقول: إن إمكانياتك البشرية لن تسمح؟! يا ترى لو ظروف عملك تضطرك أنك تستيقظ الساعة الرابعة أو الخامسة صباحاً ستستطيع أن تستيقظ، أم ستعتذر كل يوم لرئيسك في العمل وتقول له: والله ظروفي صعبة لا أستطيع؟ أقول لك بصراحة: يا ترى لو أن شخصاً سيعطيك ألف جنيه في ميعاد الفجر يومياً لمدة سنة هل ستستيقظ أم لا؟ ستستيقظ لتأخذ الألف جنيه؛ لأنك ستحصل خلال السنة على ثلاثمائة وخمسة وستين ألف جنيه، افرض أنك في آخر السنة مت وأنت تارك وراءك ثلاثمائة وخمسة وستين ألف جنيه وليس معك ولا صلاة فجر في قبرك، أو أنك مت وليس لديك ولا جنيه ومعك ثلاثمائة وخمسة وستون صلاة فجر في القبر معك أيهما أفضل لك؟ فكر بصدق وأجب بصدق، فهل يا ترى ستستيقظ للمال أم ستستيقظ للفجر؟
стр. 4
خصائص المحافظة على صلاة الفجر
الرسول ﷺ يا إخواني كان يعلم أنه يصعب علينا صلاة الصبح في موعدها، لأجل هذا كان له أسلوب تربوي رائع في تحفيز المسلمين لهذه الصلاة المحورية الخطيرة، التي تميز الصادقين من المنافقين، فقد أعطى ﷺ خصائص هامة فريدة لصلاة الصبح؛ لترغيب المسلمين في هذه الصلاة العظيمة الهامة من هذه الخصائص:
стр. 5
عظم أجر المحافظة على صلاة الفجر في جماعة
الخاصية الأولى: تعظيم الأجر جداً لمن صلى الصبح في جماعة في المسجد، حيث يقول ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)، يا الله! هل تستطيع أن تصلي الليل بأكمله؟ هذه فرصة أن تأخذ بصلاة العشاء والفجر في جماعة أجر قيام الليل في صلاة.
سألت الإخوة المصلين في ليلة السابع والعشرين من رمضان وأثناء صلاة التهجد، وكان ما شاء الله العدد كبيراً، والقيام طويلاً، سألتهم: هل يا ترى قيام ليلة القدر بكاملها أفضل وإلا صلاة الفجر في جماعة في شهر صفر أو رجب أو شوال أو أي شهر غير رمضان؟ ويا ترى أيهما أثقل في الميزان؟ وأيهما لو فاتتك تحزن أكثر؟ أيهما لو فاتتك تلام من الله أكثر؟ أجب، تستطيع أن تصلي عشرين ركعة سنة للظهر من غير ما تصلي الفرض؟ لا ينفع، يقول ﷺ : (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
إذاً: أولاً الفرض ثم تأتي النوافل.
يا ترى لو عرفت أن ليلة القدر كانت ليلة كذا، وأنت في هذه الليلة كنت نائماً ستحزن أم لا؟ ستحزن.
إذاً: لماذا لا تحزن على صلاة الفجر التي هي أهم من ليلة القدر؟ لأن صلاة الفجر فرض وليلة القدر بكاملها سنة، وصلاة الفجر في أي يوم من أيام السنة فرض، ولكن لماذا الناس تتكالب على ليلة القدر فيمتلئ الجامع والشوارع التي حول الجامع، وبعد ذلك سبحان الله تأتي تجد الفجر في غير رمضان صفاً أو صفين لو كثروا؟ لماذا الناس لا تفهم؟ هذا غياب حقيقي للفهم يا إخوان.
يا أخي في الله! ليلة القدر هدية من الله لمن حافظ على صلاة الفجر وغيرها من الفروض، العبادة يا إخواني ليست مقامرة، هل يعقل أن أعبد ربنا يوماً أو عشرة أيام ويكون لي حسنات كالذي صار له سنة كاملة يستيقظ في عز البرد ومع التعب والشغل لكي يصلي الفجر؟! الخير الثاني في صلاة الفجر، تعلمون أن يوم القيامة ستكون الظلمة فيه شديدة جداً، والشمس ستكور والنجوم ستنكدر يفه فلا يوجد نور، وبالذات على الصراط، ويحتاج الناس إلى النور للجواز على الصراط، والمرور على الصراط صعب يا إخواني، إذاً: من أين يأتي المؤمنون بالنور يوم القيامة؟ هناك أشياء كثيرة جداً جداً عملوها في الدنيا وربنا وعدهم بالنور لقاء تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا، من ذلك: يقول رسول الله ﷺ : (بشر المشائين)، (المشائين) يعني: الذين يمشون كثيراً جداً: (بشر المشائين في الظلم)، (الظلم) يعني: في صلاة العشاء وصلاة الفجر: (بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد)، يعني: ليس في البيت: (بالنور التام يوم القيامة)، (النور التام) هو النور الذي لا ينزع عند الصراط، لماذا؟ لأنهم نجحوا في اختبار الدنيا، فوقاهم الله من السقوط في النار يوم القيامة.
كذلك تجد الرسول ﷺ يعلمك ذكراً خاصاً تقوله وأنت ذاهب لصلاة الفجر، وأنت تمشي في الظلمة، وأنت تذكر ظلمة يوم القيامة، الرسول ﷺ يعلمك وأنت ذاهب لصلاة الفجر في الظلمة أن تقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً).
أيضاً يوجد خير آخر في صلاة الفجر: وهو وعد صريح بالجنة: (من صلى البردين دخل الجنة)، والبردان: هما الصبح، والعصر.
وهناك أكثر من ذلك، سبحان الله! ماذا يوجد أكثر من الجنة؟ نعم، إنها رؤية الله في الجنة، اسمع إلى هذا الحديث في البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد الله ﵁ يقول: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم)، انتبه هو يعطيك وسيلة تصل بها إلى هذه الرؤية: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) يعني: صلاة الفجر، وصلاة العصر، ولا يزال هناك أناس ينامون في صلاة الفجر، سبحان الله! إذاً: أول خاصية: تعظيم الثواب إلى أقصى درجة لمن حافظ على صلاة الفجر.
стр. 6
عظم وزر تضييع صلاة الفجر في جماعة
الخاصية الثانية: ضياع الفجر، وليس فقط ضياع الأجر، لا، بل ضياع الفجر عذاب شديد، يحكي الرسول ﵊ للصحابة رؤيا، ورؤيا الأنبياء حق، يقول: (إنه أتاني الليلة آتيان)، هناك رواية تبين أنهما جبريل وميكائيل: (وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا - يصف لهم رجلاً يعذب - على رجل مضطجع -رجل نائم- وإذا آخر.
-وفي رواية- ملك قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه)، يعني: يشق رأسه ويشدخه، (فيتدهده الحجر هاهنا) أي يتدحرج إلى بعيد (فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان) يعني: يلتئم الرأس من جديد، (ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى)، فالرسول ﷺ الرسول انزعج انزعاجاً شديداً، قال: (قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق)، وبعد ذلك مر على مشاهد كثيرة، وفي آخر المطاف فسروا له الذي رآه، فما هي حكاية هذا الرجل؟ (قالا له: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه) يعني: يأخذ حكم الله فيرفضه، (وينام عن الصلاة المكتوبة)، نعم هذا موضوعنا: (وينام عن الصلاة المكتوبة)، ما هي الصلاة التي نحن ننام عنها؟ إنها صلاة الفجر يا إخواني! إذاً: العملية ليست عملية ضياع أجر فقط، لا، العملية فيها عقاب وعقاب مريع يا إخواني! نسأل الله العافية.
стр. 7
تعظيم النبي ﷺ لسنة الفجر
الخاصية الثالثة: أن الرسول ﷺ عظم جداً جداً من قيمة سنة الصبح، هي الصلاة الوحيدة التي عظم رسول الله ﷺ من سنتها إلى هذه الدرجة، حيث قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، يا الله! قفوا وقفة مع هذا الحديث وفكروا فيه، فما الذي يمنعنا من صلاة الصبح؟ إنه جزء ضئيل ضئيل ضئيل من الدنيا، إما نائم متأخر في أمر من أمور الدنيا، وإما أن تستيقظ بعد صلاة الفجر؛ لأنك مرتبط بأمر من أمور الدنيا، ومع ذلك كل الدنيا من أولها إلى آخرها بما فيها من أموال وكنوز ومناصب وأعمال ومغريات وملهيات كلها لا تصل إلى قيمة ركعتي الفجر، أي: السنة، فما بالكم بالفرض؟!
стр. 8
تفرد صلاة الفجر عن بقية الصلوات بأمور خاصة بها
الخاصية الرابعة: تفرد صلاة الصبح بأمور ليست في بقية الصلوات.
أولاً: أن أذانها مختلف، فبعد حي على الفلاح يزيد المؤذن: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.
قف يا مؤمن مع هذه العبارة، فما الذي يمنعك من النزول لصلاة الفجر؟ أليس هو لذة النوم وراحة النوم وحلاوة النوم؟! والرسول ﷺ يقول لك بمنتهى الوضوح: (الصلاة خير من النوم)، فهل يا ترى أنت مصدق أم غير مصدق؟ المسألة بوضوح مسألة إيمان.
ثانياً: صلاة الصبح جعل لها أذكار خاصة بعدها غير ما يؤتى من الأذكار دبر كل صلاة، فأنت خلف كل صلاة تسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وتقول: أستغفر الله، وغير ذلك لكل الصلوات، لكن صلاة الصبح انفردت بأشياء خاصة بها غير الأشياء الأخرى، من ذلك: أن تقول دبر صلاة الفجر وأنت لم تغير هيئة الصلاة تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، ومن قال هذا الكلام يحصل على ستة أمور: الأول: كتبت له عشر حسنات.
الثاني: محيت عنه عشر سيئات.
الثالث: رفعت له عشر درجات.
الرابع: أن يكون يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه.
الخامس: حرس من الشيطان.
السادس: أنه لم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله.
يعني: أي ذنب سيكفره الله له إلا الشرك بالله.
كذلك النساء يأخذن هذا الأجر إذا قلن هذا الذكر بعد الصلاة في أول الوقت في بيوتهن.
стр. 9
تعظيم وقت صلاة الصبح
الخاصية الخامسة: تعظيم وقت صلاة الصبح، وقت الصبح يا إخواني وقت مشهود من الملائكة، فالملائكة تنزل إلى الأرض لتشهد هذه الصلاة الهامة، ورد في البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تفضل صلاة الجميع -يعني: صلاة الجماعة- صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)، الله الله! التقاء كل الملائكة في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: (فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]) وفي رواية أخرى عند البخاري يقول ﷺ : (ثم يعرج الذين باتوا فيكم -أي: ملائكة الليل- فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) أليس من الأفضل لك أن تذكرك الملائكة عند الله بأنك من المصلين، وتشهد لك أنك كنت تصلي الصبح في جماعة؟ أليس هذا أفضل من أن تقول: يا رب أما فلان فكان نائماً أو غافلاً أو كانت عنده مشاغل أخرى أهم فلم يأت ليصلي صلاة الفجر؟ أليس هو أفضل إذاً: نراجع أنفسنا.
стр. 10
حفظ الله ورعايته لمن يحافظ على صلاة الفجر في جماعة
الخاصية السادسة: أنت إذا صليت الصبح فأنت في حفظ الله ورعايته سائر اليوم، هذا شيء في منتهى الروعة، هل هناك أحسن من هذا؟ تشعر في يومك كله أنك في حماية الله ، يقول ﷺ : (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله)، يعني: في حماية الله وفي عهد الله وضمانه، تشعر بثقة هائلة أثناء يومك إذا كنت مصلياً للصبح في جماعة، تشعر بثبات أمام المحن والمصائب وأمام الطغاة والجبابرة، كل هذا باستيقاظك لصلاة الصبح، سبحان الله! ركعتين تثبت فيهما صدق القلب وقوة الإيمان.
стр. 11
تحبيب النبي ﷺ لصلاة الصبح بوعظ الناس بعدها
الخاصية السابعة: أنه ﷺ كان يحبب لهم صلاة الصبح بأن يجعل وراءها درساً أو توضيحاً لمفهوم معين، أو سؤالاً عن أصحابه، أو تفسيراً لرؤيا، يعني: كان يقيم لقاء علمياً روحياً إيمانياً راقياً جداً جداً، يقول العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه: (صلى لنا رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها العيون، ووجلت منها القلوب)، ثم بدأ يذكر الخطبة المشهورة الطويلة.
الشاهد يا إخواني أن الرسول ﷺ كان يلاطف أصحابه بعد صلاة الصبح ويعلمهم ويفقههم ويشرح لهم، وكل هذه عوامل تشجع من كان في قلبه تردد أن يفوت هذه الصلاة العظيمة: صلاة الصبح.
стр. 12
تحفيز الرسول ﷺ لأصحابه بالبقاء في المسجد بعد صلاة الفجر
الخاصية الثامنة: أن الرسول ﷺ كان يحفز المسلمين على البقاء في المسجد بعد صلاة الصبح، يعني: أن تظل قاعداً إلى أن تشرق الشمس؛ لعظم أجر هذا الوقت، ويصبح هذا الوقت عبارة عن برنامج تدريبي إيماني عظيم يبدأ به المؤمن يومه، قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة الغداة في جماعة -يعني: صلاة الصبح، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).
стр. 13
تكفير ذنوب من أحسن الوضوء والخشوع في صلاة الفجر أو غيرها
الخاصية التاسعة: وسيلة غير مباشرة لكن جميلة جداً، روى الإمام مسلم عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله) يلاحظ أن الفترة بين صلاة العشاء وبين صلاة الصبح هي أطول الفترات التي تقع بين الصلوات، وهي الليل كله، وهي نصف اليوم، فإحسان الوضوء صلاة الفجر والخشوع والركوع كل هذه مكفرة لنصف اليوم، وبقية الصلوات مكفرة للنصف الآخر، أو قل تصبح صلاة الصبح مكفرة لنصف العمر لمن حافظ عليها، وبقية الصلوات مكفرة لنصف العمر الآخر، وذلك إذا اجتنبت الكبائر، فضل هائل وقيمة لا تقدر.
стр. 14
وضع الله البركة في أول ساعات النهار
الخاصية العاشرة والأخيرة في هذه المحاضرة: أن البركة في البكور، في الساعات الأولى في الصباح بعد صلاة الصبح، فهي أبرك ساعات اليوم كله، روى الترمذي وغيره عن صخر الغامدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، هذه المباركة يا إخواني في كل شيء، في كل الأعمال: في التجارة، في الزراعة، في القراءة، في السفر، في الجهاد في سبيل الله، في أي شيء، وصخر ﵁ الذي روى هذا الحديث استفاد من هذه النصيحة، فقد كان رجلاً تاجراً، وكان إذا بعث تجارته بعثها في أول النهار، فأثرى ﵁ وكثر ماله، حتى إنه في رواية غير أحمد: (أن صخراً كثر ماله حتى كان لا يدري أين يضعه).
إذاً: الرسول ﷺ يريدك أن تستيقظ لصلاة الصبح في جماعة، وتقعد تذكر ربنا في الوقت الذي ما بين الصبح حتى الشروق، ثم بعد ذلك تشتغل ولا تذهب للنوم، وتأخذ بركة أول اليوم.
فإذا كنت تريد أن يكثر مالك فاستيقظ وصل الفجر وربنا سيبارك لك في مالك إن شاء الله، والرسول ﷺ لما كان يبعث جيشاً كان يبعثه في أول النهار، يقول النعمان بن مقرن ﵁ وأرضاه (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس -يعني: أمسك عن القتال- فإذا طلعت قاتل)، يعني: كان يقاتل بعد طلوع الشمس في وقت البركة، وكان يقول: (عند ذلك تهيج رياح النصر، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم).
إذاً: كان ينتظر بعد صلاة الصبح الوقت المبارك.
بهذه الفضائل والخصائص وغيرها أدرك الصالحون قيمة صلاة الصبح فما ضيعوها، وما تخيلوا أصلاً أن يضيعها إنسان، روى الإمام مالك ﵀ في موطئه: أن عمر بن الخطاب ﵁ فقد سليمان بن أبي حثمة -من كبار التابعين- ﵀ في صلاة الصبح، فذهب عمر ﵁ وأرضاه إلى أمه الشفاء أم سليمان ﵂ -وهي من الصحابيات- فقال لها: لم أر سليمان في الصبح؟! قالت: إنه بات يصلي.
يعني: ظل الليل كله يصلي فغلبته عيناه، لم يكن قاعداً أمام التلفاز يا إخواني، ومع ذلك لم يعذره سيدنا عمر، بل قال: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة بكاملها.
كذلك بيعة عمر بن الخطاب للخلافة كانت في صلاة الصبح؛ لأن الصديق توفي مساءً ودفن مساءً، وفي صلاة الفجر من اليوم الثاني بويع عمر بن الخطاب للخلافة، يعني: كبار رجال الدولة من الأمراء والوزراء وأهل الحل والعقد ومن بيده الأمر كل هؤلاء كانوا يصلون الفجر في جماعة، يأخذوا قرارات في منتهى الخطورة، قرارات مصيرية جداً في صلاة الصبح، صلاة في منتهى الأهمية.
يروي الإمام مالك في موطئه: أن المسور بن مخرمة ﵄ دخل على عمر بن الخطاب بعدما طعن، يقول المسور: فأيقظت عمر لصلاة الصبح، مع أن عمر بن الخطاب رأس الدولة كان مطعوناً طعنة قاتلة، والظرف صعب جداً جداً، لكن صلاة الصبح لا تؤخر يا إخواني، لا يستطيع أن يدعه يصليها بعد الشروق، ماذا قال عمر عندما أيقظه المسور بن مخرمة ﵀؟ قال له: نعم، نعم، أحسنت أنك أيقظتني، ثم قال: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم قام عمر ﵁ وأرضاه وصلى صلاة الصبح وجرحه يثعب دماً، ومع ذلك لم يترك صلاة الصبح.
وهذا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه كان يبكي بكاءً مراً كلما تذكر فتح تستر، لماذا يبكي؟! وتستر مدينة فارسية حصينة، حاصرها المسلمون سنة ونصفاً، وبعد حصار لهذه المدينة مدة سنة، ونصف سقطت في أيدي المسلمين، وتحقق لهم فتحاً مبيناً، فإذا كان الوضع بهذه الصورة الجميلة المشرقة، فلماذا يبكي أنس بن مالك ﵁ وأرضاه عندما يتذكر موقعة تستر؟ لقد فتح باب حصن تستر قبيل ساعات الفجر بقليل، وانهمرت الجيوش الإسلامية داخل الحصن ودار قتال رهيب بين ثلاثين ألف مسلم ومائة وخمسين ألف فارسي وكان في منتهى الضراوة؛ لأن كل لحظة في هذا القتال تحمل الموت وتحمل الخطر الكبير على الجيش المسلم، فهم في موقف في منتهى الصعوبة، ولكن في النهاية كتب الله النصر للمؤمنين، وانتصروا على عدوهم بفضل الله، وكان هذا الانتصار بعد لحظات من شروق الشمس، وضاعت صلاة الصبح في ذلك اليوم الرهيب يوم الفتح، لم يستطع المسلمون في هذه المعركة الطاحنة والسيوف على رقابهم أن يصلوا الصبح في ميعاده، ويبكي أنس بن مالك ﵁ وأرضاه لضياع صلاة الصبح مرة واحدة في حياته، مع أن ج
стр. 15
الوسائل المعينة على القيام لصلاة الفجر في جماعة
نريد أن نصلي الفجر في جماعة كل يوم، وهناك وسائل تساعدنا على المحافظة على صلاة الفجر، والابتكار في هذه الوسائل يا إخواني مفتوح، فأي شخص عنده وسيلة توقظ لصلاة الفجر فلينصح بها.
стр. 16
الإخلاص لله تعالى
الوسيلة الأولى: الإخلاص التام لله ، فغير المخلص لله يصعب عليه أن يحافظ على صلاة الفجر، فصلاة الفجر اختبار لاكتشاف المخلصين.
والإخلاص أن تكون مستعداً لأن تضحي بأي شيء في سبيل أن ترضي ربك ، تضحي بمال، تضحي بجهد، تضحي بعلاقات، تضحي بعمل، تضحي بحياتك كلها لأجل ربك .
وضياع صلاة الفجر عرض لمرض، والمرض هو أنك جعلت الله أهون الناظرين إليك؛ لأنك لم تخلص له، ولم تأبه بشرعه وبأمره، لم تخش تحذيره، لم تتبع قانونه وشرعه، ومن ثم أضعت صلاة الفجر.
فهذه علامة خطيرة على غياب الإخلاص.
стр. 17
العزيمة الصادقة
الوسيلة الثانية: العزيمة الصادقة، عندي قناعة شخصية أن الذي يريد فعلاً أن يستيقظ لصلاة الفجر سيستيقظ فعلاً، لو تشعر فعلاً بقيمة الفجر في جماعة، ستركز كل جهودك حتى تقوم الفجر، يقول ربنا في المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦]، لكن هم لا يريدون، فلأجل ذلك لم يخرجوا، ولو لم توجد عندك عزيمة صادقة فعمرك لن تسمع الأذان: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣]، وحتى يا أخي والله لو سمعت الأذان وأنت ضعيف العزيمة فلن تقوم، لماذا؟ لأن ربنا هو الذي لا يريدك أن تقوم بعزيمة ضعيفة، يقول ربنا عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، يعني: أنه لا يريد المتثاقلين الكسالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، انتبه يا أخي أن تتأثر بكثرة القاعدين المتخلفين عن صلاة الفجر انتبه لا تقارن نفسك بهؤلاء، إنما قارن نفسك بأصحاب رسول الله ﷺ ، قارن نفسك بـ عمر، قارن نفسك بـ أنس، قارن نفسك بـ خالد بـ القعقاع بـ يوسف بن تاشفين بـ قطز وغير هؤلاء الكبار، أعل من همتك، وعظم قدوتك، وكبر أهدافك، وضخم طموحاتك، واعمل لنفسك ورد محاسبة خاص بصلاة الفجر فقط، كن جاداً مع نفسك، اجعل ورقة واحدة سجّل فيها أيام الشهر كلها، واليوم الذي تصلي فيه الفجر في جماعة علم أمامه علامة صح، واليوم الذي يفوتك الفجر في جماعة علم أمامه علامة غلط، وانظر آخر الشهر هل حياتك تمشي في المسار الصحيح أم في المسار الخطأ؟ عندها صحح وضعك وصحح أخطاءك.
стр. 18
تجنب الذنوب وتركها
الوسيلة الثالثة: تجنب الذنوب وتركها، وصلاة الفجر هدية من الله ، وهذه الهدية لا تعطى إلا للطائعين، أما القلب الذي أشرب حب المعاصي فكيف يستيقظ لصلاة الفجر؟ والقلب الذي غطته الذنوب كيف يتأثر بحديث يتكلم عن فضل صلاة الفجر؟! أو كيف يسمع لنداء: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم؟! ضياع الفجر مصيبة، وربنا يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، ابحث في حياتك، ابحث عن ذنوب ما زلت مصراً عليها، والذنوب قد تكون في عينيك، قد تكون في لسانك، في علاقاتك بالناس، في علاقاتك بأبويك، وذنوب في القلب: كبر، عجب، حسد، غضب، رياء، ابحث ولا تستصغرن ذنباً من الذنوب، قد يكون هذا هو الذي أقعدك عن صلاة الفجر: (إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه).
وسئل الحسن البصري ﵀: لماذا لا نستطيع أن نقوم الليل؟ يتكلمون عن قيام الليل وليس عن صلاة الصبح، فقال: أقعدتكم ذنوبكم.
فربنا يريد الذي يصلي له أن يكون نقياً طاهراً تائباً منيباً إلى الله : ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧].
نسأل الله لنا ولكم المغفرة.
стр. 19
الدعاء
الوسيلة الرابعة: الدعاء، وهو وسيلة في غاية الأهمية، اجعل لنفسك ورداً يومياً تدعو الله فيه بإخلاص أن يمن عليك بالقيام لصلاة الفجر في جماعة، لا تستهين بهذه الوسيلة العظيمة، من الذي يوقظنا للفجر أو لغيره من؟ إنه ربنا ، بل قل: من الذي يبعثك من نومك؟ والنوم هو نوع من الموت، واليقظة كالبعث، يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢]، يعني: من لا تعود نفسه مرة أخرى إليه مات، ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢].
إذاً: ندعو ربنا الذي يمسك بأرواحنا أن يرسلها للقيام لصلاة الفجر أو قبل صلاة الفجر.
هذه الوسائل الأربع من أهم الوسائل ما ينفع للمسلم تركهن: الإخلاص، العزيمة، التوبة إلى الله ، الدعاء، هذه وسائل ينبغي الجمع بينها، ما ينفع أن تأخذ واحدة منها وتدع الباقي.
стр. 20
الصحبة الصالحة
الوسيلة الخامسة: الصحبة الصالحة، أيضاً هذه وسيلة في غاية الأهمية، قيام الإنسان بالطاعة منفرداً فيه صعوبة، لذلك يقول الرسول ﷺ : (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)، هذا كلام في منتهى الوضوح، فانظر من هم أصحابك؟ هل يذكرونك بصلاة الفجر؟ هل يذكرونك بالقرآن؟ هل يذكرونك بغض البصر؟ هل يذكرونك ببر الوالدين؟ هل يذكرونك بربنا وإلا فليس هؤلاء بأصحابك، لو كان ليس لهم هم غير اللهو واللعب وتضييع الوقت، وعمل المعاصي والذنوب، فانقذ نفسك منهم، وقبل ذلك حاول أن تدعوهم إلى الله ، وإلا فانج بنفسك وابحث عن صحبة صالحة، وكن متذكراً قوله ﷺ : (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
стр. 21
النوم على طريقة الرسول ﷺ
الوسيلة السادسة: النوم بطريقة رسول الله ﷺ : أولاً: النوم مبكراً، النوم مبكراً ليس عيباً أبداً، أنا لست أعرف من الذي أدخل في أذهاننا أن الأطفال فقط هم الذين ينامون في وقت مبكر؟! ربنا يطفئ نور الدنيا كلها لكي ننام في الليل، ونحن نصر على أن نبقى مستيقظين: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١]، هذه سنة ربنا في الأرض، فهؤلاء الذين يعيشون للدنيا قاموا بدراسات لكي تستغل الدنيا أفضل استغلال، فوصلت دراساتهم إلى نفس الحقائق التي ذكرها الله في القرآن من عشرات القرون.
أعود بكم مرة أخرى لأمريكا، لكي تستيقظ باكراً في المواعيد التي تريدها فلا بد أن تنام باكراً، فهم في أمريكا ينامون مبكرين، فنادر جداً أنك تجد أحداً يمشي في الشارع بعد الساعة التاسعة مساءً، تجدهم ينامون الساعة الثامنة، الثامنة والنصف، التاسعة بالكثير، فانعكس هذا على حياتهم، فعندهم نظام وحيوية ونشاط وإنتاج وتقدم حضاري، أنا لا أقول هذا الكلام؛ لأني مبهور بالنظام الذي عندهم، لا، أنا أقول هذا الكلام؛ لأني متحسر على كثير من المسلمين الذين لم يفهموا الكنز الذي تركه ربنا لنا في القرآن وفي السنة، الذي استغله الأمريكان واليابانيون والصينيون وغيرهم من أهل الأرض، هو هذا الإسلام يا إخواني! وجدت إسلاماً ولم أر مسلمين.
وأيضاً أنت ستسهر لتشاهد التلفاز فتحصل على سيئات وذنوب وتضيع عليك صلاة الفجر، أو تسهر لتذاكر، نقول: المذاكرة بعد الفجر إلى الساعة الثامنة، وهذا أفضل وقت ممكن تذاكر فيه، هذا كلام العلماء وليس كلامي، والذي ستذاكره في الليل بساعتين ستذاكره الصبح في نصف ساعة، أو تسهر لزيارة شخص فنقول: يا أخي! لو كنت لا تريد أن تقوم لصلاة الفجر ولا تريد أن تقوم باكراً فاترك غيرك ينام مبكراً ليذهب لصلاة الفجر.
نحن نحتاج إلى نغير نظام حياتنا كله، لا نملك وقتاً نضيعه في كلام لا طائل منه، قد نأتي اللهو المباح، لكن ينبغي أن نتذكر أننا أمة جادة، عندها شيء من اللهو المباح، ولسنا أمة لاهية عندها شيء من الجد القليل.
إذاً: أول نصيحة بخصوص النوم أننا ننام مبكرين بقدر ما نستطيع.
ثانياً: الرسول ﵊ كان يتوضأ قبل أن ينام، وكان ينام على الشق الأيمن على جنبه اليمين، ويقول أذكار النوم، وأذكار النوم كثيرة جداً، وليس المجال لذكر أذكار النوم بكاملها، لكن سأذكر لك أمراً واحداً مهماً جداً جداً وهو أن تقرأ آية الكرسي قبل أن تنام؛ لأن الرسول ﵊ قال: (من قرأ آية الكرسي قبل أن ينام لن يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) هذا الشيطان الذي يبعدنا عن صلاة الفجر، فربنا يحفظك من الشيطان بآية الكرسي، وأذكار النوم كثيرة وعودوا إليها في كتب الأذكار.
أيضاً بخصوص موضوع النوم حاول أن تخبر أصحابك وأقرباءك ومعارفك أنك تنام باكراً؛ بحيث لا توجد زيارات لا هواتف بعد الساعة العاشرة مساء أو إحدى عشرة حسب ما تحدد لنفسك، ونظامك هذا يا أخي والله ليس أمراً يخجل أبداً، ما كان النظام الإسلامي مخجلاً، بل الذي يجب عليه أن يخجل هو الذي يخالف نظام الإسلام.
إذاً: النوم مبكراً، النوم على وضوء، النوم على الجانب الأيمن، أذكار النوم، وإخبار الناس بنظامك الجديد.
стр. 22
عدم الإكثار من الأكل قبل النوم
الوسيلة السابعة: وسيلة شرعية وصحية تماماً، لا يختلف على أهميتها طبيبان: لا تأكل كثيراً قبل النوم، والأصل ألا نأكل كثيراً سائر اليوم؛ لأن هذه هي السنة النبوية، لكن نريد أن نركز جداً أنه ينبغي لنا ألا نأكل كثيراً قبل أن ننام؛ لأن كميات الأكل الكبيرة تسحب الدماء من كل الجسم، ومن العقل أيضاً تسحب الدماء إلى المعدة وإلى الأمعاء لهضم الكميات الهائلة من الأطعمة، فالعقل الذي انسحب منه الدم يصير في شبه غيبوبة، فلا يقدر الشخص أن يقوم وقت الفجر؛ لأنه أكل أكثر من طاقته، والأكل الكثير قبل النوم يأتي بالكوابيس والأحلام المزعجة ترى ناساً تجري وراءك، ووحوشاً تأكلك، مأمور ضرائب، ثعابين وسحالي وأشياء كثيرة جداً فتظل في قلق واضطراب إلى قرب الفجر، فتنام قليلاً فيفوتك الفجر؛ لذلك يقول أحد الصالحين: من أكل كثيراً، نام كثيراً، فيفوتك خير كثير.
يعني: يفوتك قيام الليل، هو لم يكن يقصد صلاة الفجر؛ لأنه لا يتوقع أن واحداً ينام عن صلاة الفجر.
إذاً: هذه هي الوسيلة السابعة المساعدة على الاستيقاظ لصلاة الفجر.
стр. 23
مذكرات فضائل الفجر
الوسيلة الثامنة هي وسيلة مبتكرة ولطيفة ومفيدة على أكثر من مستوى، وهي مفيدة لمن حافظ بالفعل على صلاة الفجر ولو سنين، هذه الوسيلة هي: مذكرات فضائل الفجر، يعني: أن تجعل عشرين أو ثلاثين ورقة كرتونية في البيت، ويا حبذا أن يكون الورق ملوناً بألوان فسفورية واضحة: أصفر، أخضر، سماوي، ألوان تكون ظاهرة وواضحة، بحيث يكون حجم كل ورقة كبيراً نسبياً، فتكتب في كل واحدة منها بخط جميل وواضح حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ التي تحض على صلاة الفجر، كأن تكتب على واحدة منهن: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، وتكتب على أخرى: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وهكذا في سائر العشرين أو الثلاثين الورقة، وكل أسبوع تخرج ورقتين فقط وضعهما في غرفتك في مكان ظاهر، بحيث ترى الورقة جيداً، هكذا ستضرب أكثر من عصفور بحجر.
أولاً: ستشجع نفسك أنك تستيقظ لصلاة الفجر، فأنت كل يوم ترى هذه الأحاديث فتذكر نفسك بالأجر.
ثانياً: قد تصلي الفجر باستمرار، لكن قد تنسى الثواب الضخم الذي في صلاة الفجر وأصبح الأمر عادة، بهذا تفرق بين أن تقوم عادة أو تقوم لأنك مشتاق إلى ثواب صلاة الفجر.
ثالثاً: ممكن يرى غيرك هذا الحديث في غرفتك أهلك، أولادك، إخوانك، والدك، والدتك، أي أحد ممكن يرى الحديث فيتذكر صلاة الفجر، وكل هذا في ميزان حسناتك في الأخير.
стр. 24
كلمة جامعة عن أهمية المحافظة على صلاة الفجر وآثار ذلك
كلمة أخيرة يا إخواني ويا أخواتي في الله: صلاة الفجر في جماعة للرجال، وفي أول وقتها للنساء، وهذه قضية محورية في حياة الأمة المسلمة، القضية ليست قضية صلاة ركعتين فقط، لا، القضية أكبر من ذلك بكثير، صلاة الفجر تضبط لك اليوم كله.
صلاة الفجر تحرك الكون كل الكون كما يريد ربنا .
صلاة الفجر تربط الناس بربها من أول اليوم إلى آخره.
صلاة الفجر تجعل الأمة كل الأمة في ذمة الله وفي ضمان ورعاية وحماية الله سائر اليوم.
في صلاة الفجر تقابلون صفوة المجتمع، انتبهوا أن تظنوا أن صفوة المجتمع هم أصحاب الجاه والسلطان والمال والشهرة لا، لا، لا، لا، صدقوني أن الصفوة الحقيقة هي التي تحافظ على صلاة الفجر في جماعة، في مجتمع كثر فيه الفساد تقابل الصالحين في صلاة الفجر، في مجتمع كثر فيه النفاق تقابل الصادقين في صلاة الفجر، في مجتمع كثرت فيه المعاصي والآثام والشرور تقابل الطائعين والتائبين في صلاة الفجر، أي فضل وأي منة من الله ؟! وأي صفوة من البشر أنت تقابل في صلاة الفجر؟! صلاة الفجر مقياس لمستوى الأمة وقيمتها، فالأمة التي تفرط في الفجر في جماعة أمة لا تستحق القيام، بل تستحق الاستبدال، وعلى الجانب الآخر الأمة التي تحرص على صلاة الفجر في جماعة أمة اقترب ميعاد تمكينها في الأرض.
وأخ لا يحافظ على صلاة الفجر في جماعة، ثم يتحدث مساءً عن التمكين في الأرض كيف يكون ذلك؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، وأي إفساد أعظم من تضييع فرض من فروض الله ، ومن تضييع حق من حقوق الله ، والإصرار على ذلك التضييع، وأول صفات الذين يمكنون في الأرض، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، إذاً: أول صفات الممكنين في الأرض: إقامة الصلاة، وإقامة الصلاة ليست نقراً كنقر الغراب وفي غير موعدها، إقامة الصلاة هي إقامتها بكل شروطها في أول وقتها، وفي المكان الذي أمر الله به في المسجد، وبكل خشوع وتضرع وابتهال وانكسار، والصلاة بهذه الصورة أداة من أدوات النصر.
كلكم تعرفون الكلمة التي قالها أحد المسئولين اليهود: من أنه لا يخاف من أمة الإسلام إلا في حالة واحدة، وهي أن يصل عدد من يصلون الفجر في جماعة كعدد الذين يصلون الجمعة في جماعة.
سواءً هذه الكلمة قالها فعلاً مسئول يهودي أو لم يقلها فالجملة صحيحة، أمة الإسلام بغير صلاة الفجر في جماعة أمة غير مرهوبة، احفظوها جيداً: لا يستقيم لأمة تطلب العزة والكرامة والنصرة أن تفرط في هذه الصلاة.
ملحوظة غريبة جداً وهامة لاحظتها في سورة الإسراء، وهي أنه لم يأت طلب النصرة إلا بعد الحديث عن الفجر، قال في سورة الإسراء: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، والمقصود بقرآن الفجر: صلاة الفجر، وعبر عنها بالقرآن؛ لأن القراءة في الفجر تكون طويلة عادة، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، وبعد ذلك الأمر الذي يليها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، إذاً: قبل الفجر قيام الليل، وبعد قيام الليل وتأدية صلاة الفجر أمرت أن تطلب النصر: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨٠ - ٨١]، آيات عجيبة والله يا إخواني، سبحان الله! لا يأتي طلب السلطان النصير من الله ، ولا يأتي مجيء الحق وإزهاق الباطل وتمكين دين الله في الأرض، لا يأتي كل ذلك إلا بعد إقامة الصلاة وبالذات صلاة الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، وبعد قيام الليل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، هذه هي أدوات النصر في الإسلام.
صلاح الدين الأيوبي ﵀ اهتم أول ما اهتم بصلاة الفجر، وتحفيز الناس على صلاتهم في المسجد، الجيش الذي يصلي الفجر في جماعة هو الجيش الذي ينتصر على الصليبيين أو غيرهم من أعداء الأمة، وصلاح الدين يا إخواني لم يظل قائماً في الجامع ويترك إعداد الجيوش لا، لا، بل أخذ بكل الأسباب المادية المباحة من إعداد وتدريب وسلاح وخطة، وحشد للجنود، واختيار للتوقيت، وعقد الأحلاف، وتوحيد الصفوف، أخذ بكل الأسباب المادية، لكن في الوقت نفسه كان يعرف أنه لا يمكن أن ينتصر إلا إذا ك
стр. 25
شبهة خسارة وضرر الأيدي العاملة في المحلات الغربية
الشبهة الأولى: أن الأيدي العاملة في هذه المحلات وطنية ١٠٠%، وغلق المحلات سيؤدي إلى تشريد الآلاف أو الملايين على نطاق أمة المسلمين، كما سيؤدي إلى خسارة رأس المال الوطني صاحب التوكيل، وللرد على هذا نقول: ١ - نحن جميعاً متفقون أن الشركة الأجنبية ما جاءت إلى البلاد المسلمة بحدها وحديدها ومالها ورجالها وأفكارها إلا بغية الربح وجمع المال، ولم تأت حباً في مصلحة البلاد أو تأثراً بحال الفقراء، فعملنا في هذه الشركات سيؤدي حتماً إلى قوتهم وزيادة أموالهم وتوسيع أعمالهم وتثبيت دعائمهم، وهذا لا ينبغي لنا فعله إذا كنا مستيقنين بعدائهم أو بمساعدتهم لأعدائنا وبالذات في أوقات الحروب والأزمات، حتى لو كانت هناك خسارة حتمية للمسلمين.
٢ - أين كان هؤلاء العمال المسلمون يعملون قبل أن تفتح الشركات الأجنبية أبوابها لهم؟ فالعامل الذي يشتغل في محل الفراخ أو البيتزا الأمريكاني كان يشتغل في محل الكباب الوطني، والذي يبيع في السوبر ماركت الغربي كان يبيع في السوبر ماركت الوطني، والذي يشتغل في محطة بنزين غربية -ومعظم رأس مالهم يهودي حتى وإن لم يكونوا أمريكان- كان يشتغل في محطة بنزين وطنية، وهكذا.
٣ - الخسارة المتوقعة للعمال في فارق المرتبات، ولرءوس الأموال في الأرباح خسارة مقبولة، فنحن في حالة مواجهة لمؤامرة وحرب وكيد وتدبير من قبل أعدائنا لا لفلسطين فقط ولكن لعموم أمة المسلمين، فإذا اعتدى عدو على بلدك هل تقاتله لترده أم تقول أن القتال فيه خسارة سلاح ومال ومعمار ونفس؟ فإنك ستقاتله، والخسائر تصبح لا قيمة لها إذا قورنت برد العدوان، فالخسائر المتوقعة مقبولة؛ لأنها نوع من رد العدوان على الاقتصاد المسلم والشعوب المسلمة، ثم إن هذه الخسارة مؤقتة ولو تحسن الإنتاج المحلي وزاد لعاد الوضع أفضل مما كان عليه من قبل.
٤ - نحن المسلمين نختلف عن غيرنا من البشر في أننا نعتقد تماماً أن الرزق مضمون من رب العالمين ، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، وقال النبي ﷺ : (ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فالإنسان المسلم يقتنع بأنه لم يقل رزقه الذي قسمه الله له بانتقاله من مكان إلى آخر، فإن قيل: بأن هذا أخذ بأسباب الرزق، فإننا نقول: اللهم لا تجعل رزقناً أجوراً من أعدائنا، فليس من جمال الطلب أبداً أن أطلب رزقي من قاتل إخواني.
٥ - صاحب رأس المال الوطني عندما يشاهد بعد الناس عن المنتج اليهودي أو الأمريكي سيفكر ألف مرة قبل أن يأخذ توكيلاً من شركة يهودية أو أمريكية، وبذلك مع مرور الوقت سيجد أصحاب رءوس الأموال البدائل المناسبة وستدور الدورة من جديد لصالح المسلمين.
٦ - ألا يشعر المسلمون بالأنفة والغيظ والهم والنكد؛ لأنهم يعملون في مصانع وشركات تؤيد اليهود سواء عن طريق الضرائب أو المساعدات المباشرة، لقد كان المصريون في السابق يأنفون من العمل في مصانع وشركات وثكنات الإنجليز؛ لأنهم كانوا محتلين للبلد، كذلك كان يفعل الليبيون مع الطليان، ويفعل الجزائريون مع الفرنسيين، فما الذي تغير؟ هل تغيرت الظروف أم النفوس؟ أليس لراحة النفس بالعمل في شركات المسلمين ثمن؟ فلو كان الثمن لهذه الراحة النفسية هو فارق المرتب فإنه ثمن زهيد حق زهيد.
٧ - اعتبر فارق المرتب هذا صدقة على المجاهدين وإسهاماً في قضية فلسطين، وإنفاقاً في سبيل الله، والنبي ﷺ يقول: (وما نقص مال من صدقة)، وستعوض من طريق آخر، أو يسد عليك باب إنفاق، هذا ما لا يشك فيه مؤمن.
стр. 26
شبهة استعداء الشعب الأمريكي
أما الشبهة الثانية فهي: أننا بهذه المقاطعة نستعدي الشعب الأمريكي علينا، فالشعب شيء والحكومة شيء آخر، والرد على هذه الشبهة ما يلي: ١ - المقاومة حق مشروع لا يختلف عليه اثنان، فنحن ندافع عن اقتصادنا وبلادنا وإخواننا، وليس من المعقول أبداً أن أطلب ود قاتلي، وأنا أسعى إلى رضا ذابحي، إذا كان هناك اقتصاد سيعاني من أجل اقتصاد آخر، فإنه من واجبنا أن نهتم باقتصادنا وإخواننا ولو كان على حساب اقتصادهم دون ظلم لهم ولا عدوان، وأمريكا نفسها لما رأت السيارات اليابانية تغزو السوق الأمريكي وتؤدي إلى كساد السيارات الأمريكية في بلدها رفعت الجمارك عليها؛ لتجبر الناس على شراء المنتج الوطني، وهذا تفكير منطقي جداً لا ينكره أحد من الشعوب.
٢ - لماذا الفصل بين الحكومة والشعب؟ فمن أين أتت الحكومة؟ ألم تأت من الشعب؟ أليس الشعب الأمريكي هو الذي اختار الرئيس الأمريكي والكونجرس الأمريكي أصحاب القرارات الظالمة؟ وهو الذي يوافق على الظلم الأمريكي في الاستفتاءات المتكررة؟ عاصرت مظاهرة في نيويورك قامت بها هنري كلينتون عضو الكونجرس عن دائرة نيويورك المعروفة ومعها عدد كبير جداً من الشعب الأمريكي تطالب فيها بوقف الإرهاب الفلسطيني، وتنادي أن يفك الفلسطينيون الحصار على اليهود، وشر البلية ما يضحك.
٣ - الحكومة الأمريكية نفسها أتت بكثير من الشركات الأمريكية وفرضتها على كثير من دول المسلمين للتجارة أو للإعمار أو للتوظيف، وكثير من هذه الشركات كادت أن تفلس لولا تدخل الحكومة الأمريكية بفرضها على بلاد المسلمين؛ لأن نجاح هذه الشركات في النهاية هو نجاح للحكومة الأمريكية، وقوة هذه الشركات في النهاية هو قوة للحكومة الأمريكية، وبالذات الشركات العملاقة التي توزع في أنحاء الأرض بما فيها بلاد المسلمين، فتعتبر بلا مبالغة جزءًا رئيسياً من الحكومة الأمريكية.
стр. 27
شبهة إنعاش الشركات الأجنبية الاقتصاد الإسلامي
الشبهة الثالثة: أن هذه الشركات ستنعش الاقتصاد المسلم بإنفاقها الأموال الغزيرة داخل بلادنا وبإقامتها للمشروعات العملاقة، وللرد على هذه الشبهة نقول: ١ - هل ستنفق هذه الشركات عشرة مليون دولار -مثلاً- داخل البلد وتخرج خالية أم أنها ستخرج بدلاً من العشرة مليون بمائة مليون؟ ٢ - هذا إنعاش مؤقت؛ لأنه يقوم على شفا جرف هارٍ وإلا فكيف تكون البنية الأساسية في الاقتصاد مملوكة لفريق لا يستغرب عداؤه، ولا يتوقع استمرار ولائه.
٣ - ما أدراك أن وراء الأمور أموراً، وأن هذه الشركات أو المصانع أو الهيئات تهدف في النهاية إلى إضعاف أو إهلاك الاقتصاد المسلم بطريقة نعلمها أو لا نعلمها، وليس ببعيد ما فعله خبراء الزراعة اليهود الذين استخدموا أسمدةً أدت إلى إنتاج أنواع عظيمة من الفاكهة والخضروات عاماً أو عامين ثم أدت بعد ذلك إلى بوار الأرض، أو كشركات الأسمنت التي لا تستطيع أن تقيم مصانعها في بلادها خشية التلوث البيئي فتأتي بالمصانع إلى بلادنا، وعلى نفسها جنت براقش.
стр. 28
شبهة عدم الاستغناء عن المنتجات الأساسية التي لا تصنع إلا في الغرب
الشبهة الرابعة: إن هناك أشياءً لا تصنع في بلادنا ولا في بلاد المسلمين، وليس لها بديل، ولا بد من استيرادها من الغرب، هنا نرد ونقول: ١ - في حالة الاضطرار الأكيد فإننا نأخذ المضطر في ذلك إلى أن يفتح الله علينا بتصنيع ما نحتاج إليه لكن لا بد أن يكون اضطراراً لا نوعاً معيناً من التحف ليس فيه اضطرار، أو أكلة معينة ليست عندنا فهذا ليس اضطراراً، بل لا بد أن يكون اضطراراً أكيداً.
٢ - يوجد في العالم بدائل أخرى كثيرة وإن لم تكن من دول مسلمة لكنها لا تعلن العداء السافر للمسلمين، فلا مانع من الاستعانة المؤقتة بها إلى أن يمن الله علينا بإنتاج.
٣ - لا بد أن يسعى المسلمون لا لاستيراد المنتج ولكن لاستيراد تكنولوجيا التصنيع، والتقنية التي نصنع بها المنتج بعد ذلك، بحيث يستطيع المسلمون مع مرور الوقت أن يكملوا احتياجاتهم، ثم بعد ذلك يصنعوا تقنية التصنيع وليس هذا بمستحيل.
٤ - على العقول المسلمة المهاجرة إلى بلاد الغرب أن تعود إلى بلاد المسلمين، فليس من المعقول أن يبقى علماء الذرة يعلون من شأن الطاقة النووية الأمريكية، ويبقى علماء الكيمياء والفيزياء يعلون من شأن المعامل الأمريكية، ويبقى علماء الطب يعالجون الأمريكان ويتركون المسلمون في مرضهم.
стр. 29
شبهة عدم الاستغناء عن بعض الكماليات من المنتجات الغربية
الشبهة الخامسة والأخيرة: أحد الناس يقول: أنا لا أستطيع أن أعيش من غير كذا وكذا من المنتجات الغربية، وآخر يقول: لا أستطيع أن أقاطع الكاتشب الأمريكية، وهو نوع معين من أنواع الصلصة المشتقة من الطماطم، فهذا شيء عجيب جداً.
وآخر لا يستطيع أن يستغني عن المياه الغازية بأنواعها المختلفة، فأقول لهؤلاء: ١ - اعتبر تخليك عن هذه الأشياء هو جهاد في سبيل الله، فهو نوع من أنواع الجهاد، فاستحضر فيه النية وستؤجر، وهو اختبار، والأجر على قدر المشقة، واعلم أن من الاختبار والامتحان والابتلاء أن تقاطع ما تحب بل ما تغلغل حبه في قلبك رغبة فيما هو أعظم وهو الأجر.
٢ - الإعلام يسيطر على أفكارنا بحيث تتخيل الحياة صعبة جداً بدون شيء معين معلن عنه، فعندما ترى إعلان المياه الغازية تحسب وتظن أنه لن تستقيم لك حياة ولن يصلح لك حال ولن تقوى لك عزيمة إلا بشرب المياه الغازية، ومعلوم أن كوب عصير القصب أو التمر الهندي أو الكركديه أكثر فائدة من المياه الغازية، فالأطباء دائماً ينصحون الناس بتجنب المياه الغازية، وبالذات الذي عنده قولون عصبي، ومعظم الشعب عندهم قولون عصبي، وكذا الذي عنده مشاكل في المعدة، ومعظم الشعب عندهم مشاكل في المعدة، وذكر الأطباء أن هذه المشروبات تعمل على زيادة معدل تكوين الحصوة في الكليتين، والكلام هذا حقيقي وواقعي، فلماذا ندخل أنفسنا في كل هذه المتاهات؟ لا تقاطع المشروب الغازي الأمريكي لتشرب مشروباً وطنياً تنتجه شركة من شركات الخمور الوطنية حتى لو كان خالي من الكحول، لأن فيه تقوية لشركة من شركات الخمور، ولعن الله من صنع الخمور أو باعها، بل حتى الإعلانات عنه فإن معظمها يعطي إحساساً بالفسق والفجور والانحلال، وكأنها تعلن عن خمور وليس عن مشروبات خالية من الكحول كما يقولون.
٣ - ولو أن أحداً من الناس لا يستطيع فعلاً أن يقاطع منتجاً بعينه، فليقاطع المنتجات الأخرى، وما لا يدرك جله لا يترك كله.
стр. 30
كلمة جامعة عن أهمية المحافظة على صلاة الفجر وآثار ذلك
كلمة أخيرة يا إخواني ويا أخواتي في الله: صلاة الفجر في جماعة للرجال، وفي أول وقتها للنساء، وهذه قضية محورية في حياة الأمة المسلمة، القضية ليست قضية صلاة ركعتين فقط، لا، القضية أكبر من ذلك بكثير، صلاة الفجر تضبط لك اليوم كله.
صلاة الفجر تحرك الكون كل الكون كما يريد ربنا .
صلاة الفجر تربط الناس بربها من أول اليوم إلى آخره.
صلاة الفجر تجعل الأمة كل الأمة في ذمة الله وفي ضمان ورعاية وحماية الله سائر اليوم.
في صلاة الفجر تقابلون صفوة المجتمع، انتبهوا أن تظنوا أن صفوة المجتمع هم أصحاب الجاه والسلطان والمال والشهرة لا، لا، لا، لا، صدقوني أن الصفوة الحقيقة هي التي تحافظ على صلاة الفجر في جماعة، في مجتمع كثر فيه الفساد تقابل الصالحين في صلاة الفجر، في مجتمع كثر فيه النفاق تقابل الصادقين في صلاة الفجر، في مجتمع كثرت فيه المعاصي والآثام والشرور تقابل الطائعين والتائبين في صلاة الفجر، أي فضل وأي منة من الله ؟! وأي صفوة من البشر أنت تقابل في صلاة الفجر؟! صلاة الفجر مقياس لمستوى الأمة وقيمتها، فالأمة التي تفرط في الفجر في جماعة أمة لا تستحق القيام، بل تستحق الاستبدال، وعلى الجانب الآخر الأمة التي تحرص على صلاة الفجر في جماعة أمة اقترب ميعاد تمكينها في الأرض.
وأخ لا يحافظ على صلاة الفجر في جماعة، ثم يتحدث مساءً عن التمكين في الأرض كيف يكون ذلك؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، وأي إفساد أعظم من تضييع فرض من فروض الله ، ومن تضييع حق من حقوق الله ، والإصرار على ذلك التضييع، وأول صفات الذين يمكنون في الأرض، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، إذاً: أول صفات الممكنين في الأرض: إقامة الصلاة، وإقامة الصلاة ليست نقراً كنقر الغراب وفي غير موعدها، إقامة الصلاة هي إقامتها بكل شروطها في أول وقتها، وفي المكان الذي أمر الله به في المسجد، وبكل خشوع وتضرع وابتهال وانكسار، والصلاة بهذه الصورة أداة من أدوات النصر.
كلكم تعرفون الكلمة التي قالها أحد المسئولين اليهود: من أنه لا يخاف من أمة الإسلام إلا في حالة واحدة، وهي أن يصل عدد من يصلون الفجر في جماعة كعدد الذين يصلون الجمعة في جماعة.
سواءً هذه الكلمة قالها فعلاً مسئول يهودي أو لم يقلها فالجملة صحيحة، أمة الإسلام بغير صلاة الفجر في جماعة أمة غير مرهوبة، احفظوها جيداً: لا يستقيم لأمة تطلب العزة والكرامة والنصرة أن تفرط في هذه الصلاة.
ملحوظة غريبة جداً وهامة لاحظتها في سورة الإسراء، وهي أنه لم يأت طلب النصرة إلا بعد الحديث عن الفجر، قال في سورة الإسراء: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، والمقصود بقرآن الفجر: صلاة الفجر، وعبر عنها بالقرآن؛ لأن القراءة في الفجر تكون طويلة عادة، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، وبعد ذلك الأمر الذي يليها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، إذاً: قبل الفجر قيام الليل، وبعد قيام الليل وتأدية صلاة الفجر أمرت أن تطلب النصر: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨٠ - ٨١]، آيات عجيبة والله يا إخواني، سبحان الله! لا يأتي طلب السلطان النصير من الله ، ولا يأتي مجيء الحق وإزهاق الباطل وتمكين دين الله في الأرض، لا يأتي كل ذلك إلا بعد إقامة الصلاة وبالذات صلاة الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، وبعد قيام الليل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، هذه هي أدوات النصر في الإسلام.
صلاح الدين الأيوبي ﵀ اهتم أول ما اهتم بصلاة الفجر، وتحفيز الناس على صلاتهم في المسجد، الجيش الذي يصلي الفجر في جماعة هو الجيش الذي ينتصر على الصليبيين أو غيرهم من أعداء الأمة، وصلاح الدين يا إخواني لم يظل قائماً في الجامع ويترك إعداد الجيوش لا، لا، بل أخذ بكل الأسباب المادية المباحة من إعداد وتدريب وسلاح وخطة، وحشد للجنود، واختيار للتوقيت، وعقد الأحلاف، وتوحيد الصفوف، أخذ بكل الأسباب المادية، لكن في الوقت نفسه كان يعرف أنه لا يمكن أن ينتصر إلا إذا ك
стр. 31
شبهة خسارة وضرر الأيدي العاملة في المحلات الغربية
الشبهة الأولى: أن الأيدي العاملة في هذه المحلات وطنية ١٠٠%، وغلق المحلات سيؤدي إلى تشريد الآلاف أو الملايين على نطاق أمة المسلمين، كما سيؤدي إلى خسارة رأس المال الوطني صاحب التوكيل، وللرد على هذا نقول: ١ - نحن جميعاً متفقون أن الشركة الأجنبية ما جاءت إلى البلاد المسلمة بحدها وحديدها ومالها ورجالها وأفكارها إلا بغية الربح وجمع المال، ولم تأت حباً في مصلحة البلاد أو تأثراً بحال الفقراء، فعملنا في هذه الشركات سيؤدي حتماً إلى قوتهم وزيادة أموالهم وتوسيع أعمالهم وتثبيت دعائمهم، وهذا لا ينبغي لنا فعله إذا كنا مستيقنين بعدائهم أو بمساعدتهم لأعدائنا وبالذات في أوقات الحروب والأزمات، حتى لو كانت هناك خسارة حتمية للمسلمين.
٢ - أين كان هؤلاء العمال المسلمون يعملون قبل أن تفتح الشركات الأجنبية أبوابها لهم؟ فالعامل الذي يشتغل في محل الفراخ أو البيتزا الأمريكاني كان يشتغل في محل الكباب الوطني، والذي يبيع في السوبر ماركت الغربي كان يبيع في السوبر ماركت الوطني، والذي يشتغل في محطة بنزين غربية -ومعظم رأس مالهم يهودي حتى وإن لم يكونوا أمريكان- كان يشتغل في محطة بنزين وطنية، وهكذا.
٣ - الخسارة المتوقعة للعمال في فارق المرتبات، ولرءوس الأموال في الأرباح خسارة مقبولة، فنحن في حالة مواجهة لمؤامرة وحرب وكيد وتدبير من قبل أعدائنا لا لفلسطين فقط ولكن لعموم أمة المسلمين، فإذا اعتدى عدو على بلدك هل تقاتله لترده أم تقول أن القتال فيه خسارة سلاح ومال ومعمار ونفس؟ فإنك ستقاتله، والخسائر تصبح لا قيمة لها إذا قورنت برد العدوان، فالخسائر المتوقعة مقبولة؛ لأنها نوع من رد العدوان على الاقتصاد المسلم والشعوب المسلمة، ثم إن هذه الخسارة مؤقتة ولو تحسن الإنتاج المحلي وزاد لعاد الوضع أفضل مما كان عليه من قبل.
٤ - نحن المسلمين نختلف عن غيرنا من البشر في أننا نعتقد تماماً أن الرزق مضمون من رب العالمين ، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، وقال النبي ﷺ : (ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فالإنسان المسلم يقتنع بأنه لم يقل رزقه الذي قسمه الله له بانتقاله من مكان إلى آخر، فإن قيل: بأن هذا أخذ بأسباب الرزق، فإننا نقول: اللهم لا تجعل رزقناً أجوراً من أعدائنا، فليس من جمال الطلب أبداً أن أطلب رزقي من قاتل إخواني.
٥ - صاحب رأس المال الوطني عندما يشاهد بعد الناس عن المنتج اليهودي أو الأمريكي سيفكر ألف مرة قبل أن يأخذ توكيلاً من شركة يهودية أو أمريكية، وبذلك مع مرور الوقت سيجد أصحاب رءوس الأموال البدائل المناسبة وستدور الدورة من جديد لصالح المسلمين.
٦ - ألا يشعر المسلمون بالأنفة والغيظ والهم والنكد؛ لأنهم يعملون في مصانع وشركات تؤيد اليهود سواء عن طريق الضرائب أو المساعدات المباشرة، لقد كان المصريون في السابق يأنفون من العمل في مصانع وشركات وثكنات الإنجليز؛ لأنهم كانوا محتلين للبلد، كذلك كان يفعل الليبيون مع الطليان، ويفعل الجزائريون مع الفرنسيين، فما الذي تغير؟ هل تغيرت الظروف أم النفوس؟ أليس لراحة النفس بالعمل في شركات المسلمين ثمن؟ فلو كان الثمن لهذه الراحة النفسية هو فارق المرتب فإنه ثمن زهيد حق زهيد.
٧ - اعتبر فارق المرتب هذا صدقة على المجاهدين وإسهاماً في قضية فلسطين، وإنفاقاً في سبيل الله، والنبي ﷺ يقول: (وما نقص مال من صدقة)، وستعوض من طريق آخر، أو يسد عليك باب إنفاق، هذا ما لا يشك فيه مؤمن.
стр. 32
شبهة استعداء الشعب الأمريكي
أما الشبهة الثانية فهي: أننا بهذه المقاطعة نستعدي الشعب الأمريكي علينا، فالشعب شيء والحكومة شيء آخر، والرد على هذه الشبهة ما يلي: ١ - المقاومة حق مشروع لا يختلف عليه اثنان، فنحن ندافع عن اقتصادنا وبلادنا وإخواننا، وليس من المعقول أبداً أن أطلب ود قاتلي، وأنا أسعى إلى رضا ذابحي، إذا كان هناك اقتصاد سيعاني من أجل اقتصاد آخر، فإنه من واجبنا أن نهتم باقتصادنا وإخواننا ولو كان على حساب اقتصادهم دون ظلم لهم ولا عدوان، وأمريكا نفسها لما رأت السيارات اليابانية تغزو السوق الأمريكي وتؤدي إلى كساد السيارات الأمريكية في بلدها رفعت الجمارك عليها؛ لتجبر الناس على شراء المنتج الوطني، وهذا تفكير منطقي جداً لا ينكره أحد من الشعوب.
٢ - لماذا الفصل بين الحكومة والشعب؟ فمن أين أتت الحكومة؟ ألم تأت من الشعب؟ أليس الشعب الأمريكي هو الذي اختار الرئيس الأمريكي والكونجرس الأمريكي أصحاب القرارات الظالمة؟ وهو الذي يوافق على الظلم الأمريكي في الاستفتاءات المتكررة؟ عاصرت مظاهرة في نيويورك قامت بها هنري كلينتون عضو الكونجرس عن دائرة نيويورك المعروفة ومعها عدد كبير جداً من الشعب الأمريكي تطالب فيها بوقف الإرهاب الفلسطيني، وتنادي أن يفك الفلسطينيون الحصار على اليهود، وشر البلية ما يضحك.
٣ - الحكومة الأمريكية نفسها أتت بكثير من الشركات الأمريكية وفرضتها على كثير من دول المسلمين للتجارة أو للإعمار أو للتوظيف، وكثير من هذه الشركات كادت أن تفلس لولا تدخل الحكومة الأمريكية بفرضها على بلاد المسلمين؛ لأن نجاح هذه الشركات في النهاية هو نجاح للحكومة الأمريكية، وقوة هذه الشركات في النهاية هو قوة للحكومة الأمريكية، وبالذات الشركات العملاقة التي توزع في أنحاء الأرض بما فيها بلاد المسلمين، فتعتبر بلا مبالغة جزءًا رئيسياً من الحكومة الأمريكية.
стр. 33
شبهة إنعاش الشركات الأجنبية الاقتصاد الإسلامي
الشبهة الثالثة: أن هذه الشركات ستنعش الاقتصاد المسلم بإنفاقها الأموال الغزيرة داخل بلادنا وبإقامتها للمشروعات العملاقة، وللرد على هذه الشبهة نقول: ١ - هل ستنفق هذه الشركات عشرة مليون دولار -مثلاً- داخل البلد وتخرج خالية أم أنها ستخرج بدلاً من العشرة مليون بمائة مليون؟ ٢ - هذا إنعاش مؤقت؛ لأنه يقوم على شفا جرف هارٍ وإلا فكيف تكون البنية الأساسية في الاقتصاد مملوكة لفريق لا يستغرب عداؤه، ولا يتوقع استمرار ولائه.
٣ - ما أدراك أن وراء الأمور أموراً، وأن هذه الشركات أو المصانع أو الهيئات تهدف في النهاية إلى إضعاف أو إهلاك الاقتصاد المسلم بطريقة نعلمها أو لا نعلمها، وليس ببعيد ما فعله خبراء الزراعة اليهود الذين استخدموا أسمدةً أدت إلى إنتاج أنواع عظيمة من الفاكهة والخضروات عاماً أو عامين ثم أدت بعد ذلك إلى بوار الأرض، أو كشركات الأسمنت التي لا تستطيع أن تقيم مصانعها في بلادها خشية التلوث البيئي فتأتي بالمصانع إلى بلادنا، وعلى نفسها جنت براقش.
стр. 34
شبهة عدم الاستغناء عن المنتجات الأساسية التي لا تصنع إلا في الغرب
الشبهة الرابعة: إن هناك أشياءً لا تصنع في بلادنا ولا في بلاد المسلمين، وليس لها بديل، ولا بد من استيرادها من الغرب، هنا نرد ونقول: ١ - في حالة الاضطرار الأكيد فإننا نأخذ المضطر في ذلك إلى أن يفتح الله علينا بتصنيع ما نحتاج إليه لكن لا بد أن يكون اضطراراً لا نوعاً معيناً من التحف ليس فيه اضطرار، أو أكلة معينة ليست عندنا فهذا ليس اضطراراً، بل لا بد أن يكون اضطراراً أكيداً.
٢ - يوجد في العالم بدائل أخرى كثيرة وإن لم تكن من دول مسلمة لكنها لا تعلن العداء السافر للمسلمين، فلا مانع من الاستعانة المؤقتة بها إلى أن يمن الله علينا بإنتاج.
٣ - لا بد أن يسعى المسلمون لا لاستيراد المنتج ولكن لاستيراد تكنولوجيا التصنيع، والتقنية التي نصنع بها المنتج بعد ذلك، بحيث يستطيع المسلمون مع مرور الوقت أن يكملوا احتياجاتهم، ثم بعد ذلك يصنعوا تقنية التصنيع وليس هذا بمستحيل.
٤ - على العقول المسلمة المهاجرة إلى بلاد الغرب أن تعود إلى بلاد المسلمين، فليس من المعقول أن يبقى علماء الذرة يعلون من شأن الطاقة النووية الأمريكية، ويبقى علماء الكيمياء والفيزياء يعلون من شأن المعامل الأمريكية، ويبقى علماء الطب يعالجون الأمريكان ويتركون المسلمون في مرضهم.
стр. 35
شبهة عدم الاستغناء عن بعض الكماليات من المنتجات الغربية
الشبهة الخامسة والأخيرة: أحد الناس يقول: أنا لا أستطيع أن أعيش من غير كذا وكذا من المنتجات الغربية، وآخر يقول: لا أستطيع أن أقاطع الكاتشب الأمريكية، وهو نوع معين من أنواع الصلصة المشتقة من الطماطم، فهذا شيء عجيب جداً.
وآخر لا يستطيع أن يستغني عن المياه الغازية بأنواعها المختلفة، فأقول لهؤلاء: ١ - اعتبر تخليك عن هذه الأشياء هو جهاد في سبيل الله، فهو نوع من أنواع الجهاد، فاستحضر فيه النية وستؤجر، وهو اختبار، والأجر على قدر المشقة، واعلم أن من الاختبار والامتحان والابتلاء أن تقاطع ما تحب بل ما تغلغل حبه في قلبك رغبة فيما هو أعظم وهو الأجر.
٢ - الإعلام يسيطر على أفكارنا بحيث تتخيل الحياة صعبة جداً بدون شيء معين معلن عنه، فعندما ترى إعلان المياه الغازية تحسب وتظن أنه لن تستقيم لك حياة ولن يصلح لك حال ولن تقوى لك عزيمة إلا بشرب المياه الغازية، ومعلوم أن كوب عصير القصب أو التمر الهندي أو الكركديه أكثر فائدة من المياه الغازية، فالأطباء دائماً ينصحون الناس بتجنب المياه الغازية، وبالذات الذي عنده قولون عصبي، ومعظم الشعب عندهم قولون عصبي، وكذا الذي عنده مشاكل في المعدة، ومعظم الشعب عندهم مشاكل في المعدة، وذكر الأطباء أن هذه المشروبات تعمل على زيادة معدل تكوين الحصوة في الكليتين، والكلام هذا حقيقي وواقعي، فلماذا ندخل أنفسنا في كل هذه المتاهات؟ لا تقاطع المشروب الغازي الأمريكي لتشرب مشروباً وطنياً تنتجه شركة من شركات الخمور الوطنية حتى لو كان خالي من الكحول، لأن فيه تقوية لشركة من شركات الخمور، ولعن الله من صنع الخمور أو باعها، بل حتى الإعلانات عنه فإن معظمها يعطي إحساساً بالفسق والفجور والانحلال، وكأنها تعلن عن خمور وليس عن مشروبات خالية من الكحول كما يقولون.
٣ - ولو أن أحداً من الناس لا يستطيع فعلاً أن يقاطع منتجاً بعينه، فليقاطع المنتجات الأخرى، وما لا يدرك جله لا يترك كله.
стр. 36
ولا تهنوا ولا تحزنوا
الأمة الإسلامية هي الأعلى والأعز مهما أصابها من الضعف والهوان والهزائم والنكسات؛ لأنها مرتبطة بالله ، وهذا ما ركز القرآن الكريم على غرسه في النفوس، وطبقه المصطفى ﷺ في تعامله مع أصحابه وقت الأزمات، فقد كان يبث في قلوبهم الأمل والتفاؤل، ويقضي على الإحباط واليأس.
стр. 37
المشاكل المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين، وأسأل الله أن يجازي خيراً كل من ساهم وأعد وحضر في هذا اللقاء.
إخواني في الله! لا شك أن رمضان يأتي بفرحة على جميع المسلمين، على الصغير والكبير، وعلى الرجال والنساء، وعلى الأغنياء والفقراء، ومع أنه يأتي بفرحة على كل المسلمين إلا أننا في هذا الشهر وفي شهور رمضان السابقة نشعر في أنفسنا بغصة في الحلق؛ لأننا نرى أحوال المسلمين في بلاد العالم المختلفة فيها الكثير من المشاكل والمصائب والأزمات الطاحنة القوية الشديدة المؤثرة على سير الأمة، وليست فقط المشاكل السياسية والعسكرية في فلسطين وفي العراق وفي الشيشان وفي كشمير وفي السودان وفي غيرها، ولكنها مشاكل في فروع شتى كثيرة، وهذا يصيب المسلم بنوع من الألم والأسى، فمشكلة الأمية على سبيل المثال من أكبر المشاكل فهناك أكثر من ٥٠% من الأمة الإسلامية تعاني من الأمية التامة -عدم القراءة والكتابة-.
وهناك مشاكل الفساد الإداري المنتشرة في كل بقاع العالم الإسلامي، ففي تقرير الأمم المتحدة سنة ٢٠٠٣م في قضايا الفساد الإداري والذي يعطي درجة من عشر درجات لكل دولة، أي أن الذي يحصل على عشر درجات من عشرة قد بلغ أعظم درجة في الشفافية والبعد عن الفساد الإداري جاء فيه أن العالم الإسلامي فيه دولة واحدة تعدت حاجز الخمسة من عشرة، وهي ماليزيا حصلت على ٥.
٣ من عشرة فقط، وبقية دول العالم الإسلامي كانت خمسة أو تحت الخمسة، فتونس حصلت على خمسة، وبقية دول العالم الإسلامي أكثر من ستين دولة حصلت على تحت الخمسة، ففيها يتفشى الفساد الإداري بشكل لافت للنظر.
وقضايا الإنجاز العلمي والتقني في العالم الإسلامي فيها ترد كبير، فالعالم الإسلامي ينفق نسبة ضئيلة من دخله على الإنجاز العلمي، وأكبر دولة عربية تنفق على الإنجاز العلمي هي الإمارات، فهي تنفق (٠.
٦%) على الإنجاز التقني والعلمي -يعني: حوالي ستة في الألف- وهذه نسبة تعتبر مرتفعة نسبياً مقارنة ببقية دول العالم الإسلامي، إذ إن بقية دول العالم الإسلامي لا تنفق إلا (٠.
٣%) أو (٠.
٢%) على الإنجاز التقني والعلمي، في حين أن إسرائيل تنفق على الإنجاز التقني (٢.
٤%) ومصر تنفق (٠.
٢%)، أي: أن إسرائيل تنفق قدر مصر اثنا عشر مرة على الإنجاز التقني.
وهذا كله يعطي مبررات لما نراه على الساحة، فهذه التغيرات الكبيرة جداً في العالم الإسلامي تعطي انطباعاً أن الأمة بعيدة عن القيادة والريادة.
وعند النظر في كتاب الله نجد تبايناً كبيراً بين وصف رب العالمين لهذه الأمة وبين الواقع الذي تعيشه أمة الإسلام، فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
ويقول ﷺ : (أنتم شهداء الله في الأرض).
ويقول ربعي بن عامر ﵁ وأرضاه ملخصاً مهمة المسلمين في الأرض: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ثم إذا نظرنا إلى واقع المسلمين في هذا الوقت نجد تبايناً كبيراً، فالمسلمون اليوم لا يتبوءون المكانة التي وضعها فيهم ربهم .
والأمم المتحدة أيضاً في تقرير آخر لها تقسم العالم حسب الإمكانيات العلمية في كل قطر إلى خمس فئات: فئة القادة، وفئة القادة المحتملون يعني: أنه من الممكن أن تصير دول قيادية مستقبلاً، والفئة الثالثة: النشطة، والرابعة: المهمشة، والخامسة: التي ليس لها أي اهتمام بقضية الإنجاز العلمي التقني.
وللأسف الشديد فإن طبقة القادة كانت ثماني عشرة دولة ليس فيها دولة إسلامية واحدة، مع أن إسرائيل ضمن هذه الدول الثماني عشرة القائدة.
والقادة المحتملون ثماني عشرة دولة أخرى فيها من الدول الإسلامية ماليزيا فقط.
ثم النشطة فيها سبع أو ثمان دول إسلامية من أصل بضع وستين دولة إسلامية.
ثم بعد ذلك المهمشة والأخيرة ويندرج فيها معظم بلاد العالم الإسلامي.
هذه كلها أزمات إخواني في الله! وهي تتعارض مع وصف ربنا لأمتنا في كتابه، وهو يقول الحق المطلق فهناك خلل في الأمة في داخلها، والأمة لا تهزم مطلقاً
стр. 38
أساليب الخطاب في القرآن الكريم
وهذا الزمان الذي كثرت فيه الأخطاء ووقعت فيه المصائب على الأمة تعالوا ننظر إلى لغة الحوار والخطاب من الدعاة إلى المدعوين، ومن العلماء إلى من يعلمون، ومن المدرسين إلى تلامذتهم، ومن الأزواج إلى زوجاتهم، ومن الآباء إلى أبنائهم.
نعلم أن هناك أخطاء كثيرة وجسيمة، ولكن هل هذا الزمان زمان التقريع وعد الأخطاء وجلد الظهور بالسياط وإبراز هذه المشاكل الضخمة بصورة قد تقعد صاحبها عن الحركة وعن العمل وعن إعادة الإصلاح من جديد؟ أم زمن مد اليد وبث الأمل والتفاؤل في النفوس وإعطاء الأمة فرصة جديدة للقيام؟ وهي لا شك ستقوم؛ لأن هذا وعد رب العالمين .
كثير من الدعاة يلهبون ظهور المسلمين بالسياط قائلين لهم: أنتم فعلتم كذا وكذا، وكانوا في السابق يفعلون كذا، وأنتم تفعلون كذا وكذا، وهم كانوا يفعلون كذا، حتى يصاب المسلم بالإحباط، وإذا أحبط فمن المستحيل أن يقوم، فالمحبطون لا يغيرون؛ لأن الإنسان المحبط ليس له طاقة على التغيير، ولذلك بث الأمل في الناس أمر في غاية الأهمية.
وتعالوا ننظر إلى كتاب رب العالمين ، فالرسول ﷺ يقول: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
فكل شيء واضح جلي في كتاب ربنا ، وفي سنة حبيبنا محمد ﷺ .
فتعالوا ننظر إلى خطاب رب العالمين للمسلمين في حال القوة، وخطابه لهم في حال الضعف، خطابه في حال النصر وخطابه في حال الهزيمة، وخطابه في حال الانتصار والتمكين، وخطابه في حال الانكسار والمصيبة.
стр. 39
الإسلام لا يعترف بالإحباط واليأس
ولقد نهج الرسول ﷺ في كل الأزمات التي مرت بالمسلمين هذا النهج فقد كان يبث الأمل في قلوب المسلمين، وكان يغضب كثيراً إذا رأى إحباطاً أو يأساً في قلب مسلم مهما كانت المسببات التي تؤدي إلى ذلك، ولا يعترف بأي مسبب، فلا يجوز للمسلم أن يحبط أبداً؛ لأنه مرتبط برب العالمين ، فالإحباط علامة على ضعف في العقيدة، وهذا لا يقبل من المسلم أبداً.
وفي الفترة المكية التي كانت فترة الاستضعاف والقهر والتعذيب والبطش، والتي أصيب فيها المسلمون وقتلوا جاء خباب بن الأرت وقد كال له الكفار العذاب ألواناً ﵁ وأرضاه، حتى كانوا يكوونه بالنار، فقد كانوا يحمون السيوف في النار ثم يضعونها على رأسه ﵁ وأرضاه، وكانوا يحمون الفحم على الأرض حتى يحمر ويصير جمراً ثم يؤتى بـ خباب بن الأرت فيوضع فوق هذا الجمر ﵁ وأرضاه، ثم يأتون بصخرة عظيمة لا يحملها إلا رجال ويضعونها فوق بطنه وصدره وظهره على الجمر ﵁ وأرضاه، وتحمل كل هذا ﵁ وأرضاه وقد سأله سيدنا عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين وقال له: ما رأيت في الله يا خباب؟! أو ما أشد ما رأيت في الله يا خباب؟! فكشف له عن ظهره، فصرخ عمر بن الخطاب قائلاً: ما رأيت مثل هذا، فقد رأى ظهره وفيه حفر من هذه الجمرات التي كوي بها ﵁ وأرضاه ومن جراء هذا التعذيب والبطش والقهر ذهب إلى رسول الله ﷺ ، وكان الرسول ﷺ متوسداً بردة متكئاً في الكعبة، فقال له: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقام ﷺ -كما في البخاري - وهو محمر الوجه، فقد غضب ﷺ ؛ لأنه اشتم في كلام خباب رائحة اليأس، وإلا فنحن مأمورون بالدعاء وباستنصار رب العالمين ، وبالإلحاح على رب العالمين بالدعاء.
فالكوي بالنار ليس مبرراً لليأس، فإن وصلت إلى ما وصل إليه خباب لا تيأس، ولا تحبط أبداً، فليس ذلك مبرراً للإحباط، وما نراه اليوم في بقاع العالم الإسلامي أهون بكثير مما فعل بـ خباب بن الأرت ﵁ وأرضاه، ثم قال له الرسول ﷺ : هذا الذي أصابك من الآلام لا يساوي شيئاً بالنسبة لمن سبق، فذكر له مثلاً من التاريخ، والتاريخ فيه العبر والعظات والتربية والمثل الواقعي، فقال له ﷺ : (إنه كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيحفر له في الأرض حفرة ثم يوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار)، وتخيلوا واحداً وضع في هذا الوضع، (ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق اثنين وما يصده ذلك عن دينه)، فلو وصل الأمر إلى أن يأتي أحد بمنشار فيضعه على رأسك ليشقك اثنتين فلا تيأس، فأنت إلى الجنة صاعد بإذن الله رب العالمين إن ثبت، ومن حولك سينصرهم رب العالمين .
وأحد المجاهدين في فتح فارس عربي بسيط لا نعرف اسمه ولكن الله يعلمه أسره رستم قائد الفرس وقال له: ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادنا؟ فقال الرجل في ثبات -وهذه الرواية ينقلها أحد الفرس الذين أسلموا-: جئنا نبحث عن موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأموالكم إن لم تؤمنوا بالله .
فقال رستم: إذاً تقتلون دون ذلك، فقال الرجل في يقين: من مات منا دخل الجنة، ومن بقي منا ظفر عليكم.
فهذا وعد رب العالمين إما النصر وإما الشهادة، وهذا واضح في كتاب ربنا وفي أحاديث حبيبنا ﷺ .
فقال له رستم: إذا وضعنا في أيديكم -يسخر منه- يعني: نحن في كلا الحالين ضائعون، فقال: أعمالكم وضعتكم في أيدينا.
فقتله رستم ومات ﵁ وأرضاه، نسأل الله أن يجعله في أعلى عليين.
ثم يقول له ﷺ في هذا الوقت الذي يعذب فيه المسلمون في مكة وقد حصروا في قرية صغيرة لا ترى على خارطة الأرض في ذلك الوقت: (والله)، وهو لا يحتاج إلى قسم ﷺ ، فهو الصادق المصدوق ﷺ ؛ ولكن من أجل أن يزرع هذا المعنى زرعاً في قلوب المسلمين في كل زمان ومكان وإلى يوم القيامة، (والله ليتمّن الله هذا الأمر)، فهذا الدين لا بد أن يتم وينتشر ويسود ويقود الأرض بكاملها، (والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
يا ألله! خباب بن الأرت بعد كل هذا العذاب يستعجل! ما بالك بالذي يستعجل قبل كذا بآلاف الخطوات ماذا يكون؟! فلا تستعجلوا فالعاقبة للمتقين، وهذا لا شك فيه، فهو وعد رب العالمين ، فثبت خباب ﵁ وأرضاه، فقد ذكّره بالتاريخ وبث
стр. 40
بث الرسول ﷺ للأمل في قلوب أصحابه في الأزمات
следующие страницы →