Полный текст (242 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ولاء ملوك الشام وشمال العراق والأناضول لهولاكو بعد سقوط بغداد
أما ملوك الشام وشمال العراق والأناضول من المسلمين فماذا فعلوا؟ لقد أسرعوا إلى هولاكو يقدمون فروض الولاء والطاعة، الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل، والأمير فيكاوس الثاني، والأمير قلج أرسلان من منطقة الأناضول، والأمير الناصر يوسف أمير حلب ودمشق حفيد صلاح الدين الأيوبي، أرسل ابنه العزيز ليكون في صف هولاكو، والأمير الأشرف الأيوبي كل أمراء الشام فعلوا ذلك إلا القليل، كل أمراء الشام سلموا أنفسهم لـ هولاكو؛ ليظلوا في أماكنهم، أو على الأقل ليظلوا على قيد الحياة، فهل تركهم هولاكو؟ أبداً.
стр. 177
اجتياح هولاكو بجيشه بلاد الشام
جاء الدور بعد العراق على سوريا، انطلق هولاكو بجيشه إلى بلاد حلفائه المسلمين، وبدأ بحلب بلد الناصر يوسف الذي بعث ابنه؛ ليكون في جيش هولاكو، وأباد هولاكو حلب وقتل أهلها، وذلك في صفر سنة (٦٥٨هـ) بعد سنتين من سقوط بغداد، ثم انتقل إلى دمشق في سنة (٦٥٨هـ) أيضاً في ربيع أول بعد أيام من سقوط حلب، وألقى القبض هناك في دمشق على الناصر يوسف الذي كان يعاونه من قبل، ودخل المدينة العظيمة دمشق عاصمة الخلافة الأموية السابقة، وثغر من أعظم ثغور المسلمين، وتقدم صفوف التتار قائد المقدمة التتري كتبغا وهو نصراني في جيش التتار، فتقدم وعن يمينه أمير أرمينيا النصراني وعن يساره أمير أنطاكية النصراني، وأول مرة يشاهد أهل دمشق ملوك النصارى يدخلون أرض دمشق يتبخترون على خيولهم، أول مرة يرون ذلك منذ أن فتحت هذه البلاد على يد أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ﵄ أيام عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ودمرت دمشق بكاملها، واستبيحت البلاد وقتل العباد، ودمرت الحضارة الإسلامية في دمشق، كما دمرت قبل ذلك بغداد.
ثم توغل التتار إلى الجنوب إلى فلسطين واحتلوا نابلس، ثم واصلوا تقدمهم إلى غزة واحتلوها، ولم يقتربوا في كل ذلك من الإمارات النصرانية الموجودة في عكا وحيفا وبيت المقدس وصيدا، وأصبح معلوماً لدى الجميع أن الخطوة القادمة هي مصر، كيف كان الوضع في مصر في ذلك الوقت؟
стр. 178
وضع مصر من الناحيتين السياسية والاقتصادية حال سقوط بغداد والشام في أيدي التتار
من الناحية السياسية كان الوضع متأزماً جداً، أمراء مصر على صراع شديد على الحكم بين أواخر الأيوبيين وأوائل المماليك، ففي وقت اجتياح بغداد كان يتولى حكم مصر طفل لم يبلغ خمس عشرة سنة من عمره، طفل اسمه نور الدين علي، ابن السلطان السابق لمصر عز الدين أيبك، وكان وزيره الأول هو الأمير قطز ﵀.
أما الوضع الاقتصادي فكان متدهوراً للغاية في مصر، فقد أنهكت مصر سلسلة من الحملات الصليبية المتتالية، آخر واحدة منهن كانت موقعة المنصورة الشهيرة ضد الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، وانتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً في سنة (٦٤٨هـ)، يعني: قبل تدمير بغداد بثمان سنين.
ومع رداءة هذا الوضع السياسي والاقتصادي، إلا أن الشعب لم يكن متأثراً تماماً بهذه الظروف السيئة التي تمر بها البلاد، فقد كان لدى الشعب شيئان في منتهى الأهمية في تلك الفترة: العلم، والجهاد، فقد كانوا دائماً يعظمون جداً من أمر العلم والعلماء، ويعظمون من أمر الجهاد في سبيل الله، فقد كان الشعب لديه حمية للجهاد، ألف حياة المشقة والبذل من جراء الحروب المتتالية التي مر بها، ونتيجة صدق العلماء الذين كانوا يعيشون في هذه الفترة من الزمان.
стр. 179
استلام قطز حكم مصر واستعداده لمواجهة التتار
في سنة (٦٥٧هـ) وبعد أن دمرت بغداد، وبدأ التتار في اجتياح الشام؛ رأى الأمير قطز النائب الأول للسلطان الطفل نور الدين علي أن أمر البلاد لن يصلح، وأن مقاومة التتار مستحيلة والبلاد تحت حكم طفل لا يستطيع أن يدبر شئون نفسه فضلاً عن شعبه وأمته، فقام قطز ﵀ بعزل الطفل السلطان، ووضع نفسه على كرسي الحكم في مصر، وبدأ يعد العدة لأمر عظيم، جمع قطز المستشارين من كبار المماليك وكبار قواد الجيش والعلماء، وأشهرهم العز بن عبد السلام ﵀، وكان قد تجاوز الثمانين عاماً في ذلك الوقت، ثم قال لهم: إنه لم يطلب الملك لذاته وإنما طلبه لحرب التتار، فإذا كتب الله له النصر على التتار ترك الشعب يختار أميره بعد ذلك بإرادته.
إذاً: قطز صرح لأمرائه أنه ما طلب الملك إلا لحرب التتار، فبدأ الأمراء المماليك يترددون، فقد وصلت أنباء التتار المخيفة عن حرب التتار، لكن قطز ﵀ بدأ يضرب لهم مثلاً رائعاً في فهمه للإسلام، ويعطي لهم قدوةً راقية في الجهاد، لقد أعلن قطز لهم أنه سيذهب بنفسه لحرب التتار، ويكون مع جنوده في قلب المعركة، ولن يرسل جيشاً ويبقى هو في عرينه بمصر، بل سيذوق مع شعبه ما يذوقون، ويتحمل ما يتحملون، ولو أرسل قطز جيشاً وبقي هو في القاهرة ما لامه أحد، ولكنه لم ير هناك وسيلة أفضل من ذلك؛ لتحميس القلوب الخائفة، وتثبيت الأفئدة المضطربة.
فقه قطز ﵀ ما علمه الناس نظرياً لا عملياً، لقد فقه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فقه أن الشجاعة لا تقصر الأعمار، وأن الجبن لا يخلد الإنسان في الحياة، فقه أن الحياة بعزة ساعة خير من البقاء أبد الدهر في ذلة وهوان.
ثم قام قطز ﵀ وقال للناس: من للإسلام إن لم نكن نحن؟ فضج الأمراء بالبكاء وقاموا خلفه ينادون بالجهاد في سبيل الله، وقد علم أنه من كانت هذه صفته فهو منصور إن شاء الله.
وقام قطز ﵀ في نشاط يجهز الجيوش ويعد السلاح ويرتب الخيول ويحمس الناس، ولكن واجهته مشكلة ضخمة، وهو أن بيت المال يعاني من ضائقة شديدة، والحالة الاقتصادية متردية، فأراد قطز ﵀ أن يفرض على الناس الضرائب لتجهيز الجيش، فقام إليه العز بن عبد السلام ﵀، وقال له ولأمراء المماليك جميعاً: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهادهم -أي: فوق الزكاة- ثم علق هذا الأمر على أمرين: الشرط الأول: ألا يبقى في بيت المال شيء.
والشرط الثاني: أن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا، فاستجاب قطز ﵀ وباع ما يملك، وأمر الأمراء بذلك، وجهز جيشاً صادقاً من المسلمين، وقرر قطز ﵀ أن يخرج بجيشه إلى حرب التتار في فلسطين، ولا ينتظر حتى يقدموا عليه في مصر، فقامت دعوة في أمراء المماليك بأن يبقى قطز في مصر بجيشه، ولا يخرج إلى فلسطين لقتال التتار، وأن يبقى لحماية مصر، فمصر هي مملكته، وفلسطين مملكة أخرى.
هكذا قيل.
ولكن قطز ﵀ جمع أمراءه، وأفهمهم حقائق غابت عن أذهان كثير منهم، أفهمهم أن حماية مصر يبدأ من حدودها الشرقية، ولا يمكن أبداً أن يحيا أهل مصر في أمان والعدو الصليبي والتتري يعيش في فلسطين.
هذه واحدة.
الثاني: أنه من الأفضل عسكرياً أن ينقل المعركة إلى أرض خصمه، وأن يكون له خط رجعة، بدلاً من أن تحدث هزيمته في مصر إن حدثت، فتضيع البلاد برمتها.
الأمر الثالث: أنه من الأفضل عسكرياً أن يفاجئ أعداءه قبل أن يستعدوا له.
الأمر الرابع: أن لهم فوق ذلك كله دوراً هاماً ناحية إخوانهم في فلسطين والشام والعراق، ولن تزول أقدامهم يوم القيامة إلا بعد أن يسألوا عن هذا الدور.
الأمر الخامس: أن لهم دوراً في حرب أعداء المسلمين، حتى وإن لم يفكروا أصلاً في دخول قطرهم المحدود ما داموا يعيثون في أرض الله الفساد.
واقتنع المخلصون بالأمر، وبدأ الشيخ العز بن عبد السلام ﵀ يذكر الناس بالجهاد، واعتلى العلماء المجاهدون منابر البلاد، وألهبوا مشاعر الناس بالحمية لهذا الدين، ورغبوا الناس في الجنة، وزهدوهم في أمر الدنيا وعظموا الجهاد وأهله، وذكروهم بأيام الله، ذكروهم ببدر واليرموك والقادسية، وذكروهم بحطين، التي لم يمض عليها إلا (٧٥) عاماً، وذكروهم بمعركة المنصورة، التي لم يمض عليها إلا عشر سنين.
ومع كل هذا إلا أن فريقاً من المسلمين دبّ الرعب في قلوبهم، وجالت بأذهانهم صور ما سمعوه عن التتار، فبدأ بعض الناس بالفرار إلى المغرب وإلى اليمن وإلى الحجاز، فهل ق
стр. 180
تجاهل قطز رسائل التتار وتوجهه بجيشه إلى فلسطين
جاءت رسل التتار إلى قطز في مصر تحمل رسالة من هولاكو تقطر سماً وتفيض تهديداً ووعيداً وإرهاباً، وهي رسالة تنخلع لها قلوب أشباه الرجال، أما قطز ومن تبعه فقد اعتصموا بالله، ومن كان الله معه فلا غالب له، قال هولاكو في رسالته كلاماً كثيراً قد ردده لكثير من الزعماء قبل ذلك، فمما قاله هولاكو مثلاً: نحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى، خلقنا الله من سخطه، وسلطنا على من تكبر وتجبر من عباده.
وفي موضع آخر يقول: نحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد، وقتلنا النساء والأولاد.
فـ هولاكو يستخدم مثل هذه الأشياء، بل إنه يقول في موضع من رسالته: وعدلنا في ملكنا قد اشتهر، ومن سيوفنا أين المفر؟ ثم قال في النهاية: تحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون، وعن قليل تعلمون على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر.
لقد كانت الرسالة في منتهى الشدة، ولكن سبحان الله المثبت! فإن قطز لم يعبأ مطلقاً بكلمة واحدة من هذه الرسالة، وفي هذا الوقت اضطر هولاكو ترك بلاد الشام ليتجه إلى بلاده بمفرده؛ وذلك لموت أخيه منكو خان الذي كان يرأس دولة التتار في ذلك الوقت، وترك هولاكو قائد جيشه كتبغا على زعامة جيش التتار.
خرج قطز ﵀ بجيش من مصر وقد تجاوز الجيش مائة ألف مقاتل، وسار على ساحل البحر الأبيض المتوسط مروراً بالعريش، حتى وصل إلى مشارف فلسطين، خرج ﵀ من القاهرة في (٥) شعبان سنة (٦٥٨هـ)، وكان هذا موافقاً شهر أغسطس سنة (١٢٦٠م)، وكان الحر شديداً، والمرور في سينا صعباً، ولكنه زيادة في الابتلاء والتنقية للصف المسلم.
جعل قطز ﵀ على مقدمة جيشه الظاهر بيبرس بعد أن جاءه من بلاد الشام، وكان الظاهر بيبرس هارباً من مصر، فأرسل له قطز رسالةً يقربه فيها إليه، واستقدمه من بلاد الشام، وجعله على المقدمة في الجيش؛ وذلك لبراعته في القتال.
لقد كان قطز ﵀ على عكس ما كان معروفاً في زمانهم، فقد جعل مقدمة الجيش كبيرة جداً، وكان له هدف في ذلك الأمر، أراد قطز ﵀ أن يفهم التتار أن مقدمة جيش المسلمين هي كل جيش المسلمين، وأنه ليس من ورائها جيش آخر، فالتقت مقدمة المسلمين بقيادة الظاهر بيبرس بحامية التتار في غزة، وقاتلتها بشدة وانتصرت عليها.
نسأل الله أن يحرر فلسطين من اليهود.
وفر التتار إلى الشمال يحملون الأخبار إلى كتبغا أن جيش المسلمين بمصر قد جاء إلى فلسطين، واعتقد التتار أن جيش المسلمين ما هو إلا مقدمة الظاهر بيبرس ﵀، وحرص قطز ﵀ على هذا المعنى، فكان يتخفى في سيره، حتى لا يظهر جيشه، بينما يظهر عن عمد جيش الظاهر بيبرس، حتى تعلم العيون المراقبة أن هذا هو الجيش فقط.
مر قطز في طريقه على عكا، وكانت عكا في ذلك الوقت إمارة تحت حكم الصليبيين، فقرر قطز ﵀ أن يقيم معهم معاهدة، حتى يمر من حول الحصون دون أن يتعرض لحرب صليبية، وهددهم قطز تهديداً شديداً أنهم لو خالفوا ترك التتار وعاد لحربهم، أما إن كانوا على العهد فلن يمسهم بسوء.
فالرؤية كانت واضحة جداً عند قطز، فهو لا يريد الدخول في مواقع جانبية؛ لأنه يعلم أن العدو الرئيسي الآن هم التتار، ويعلم أن عكا مدينة حصينة جداً، ولو فرغ وقته وجهده لفتحها ما استطاع أن يحارب التتار، ولما أشار عليه أحد الأمراء أن يباغت عكا بعد العهد؛ لأن بها ضعف عن كل وقت سابق، قال له قطز: إنه لا يخون العهود، فهذه قيادة إسلامية على منهاج النبوة.
стр. 181
إقامة قطز معاهدة مع إمارة عكا المسيحية
مر قطز في طريقه على عكا، وكانت عكا في ذلك الوقت إمارة تحت حكم الصليبيين، فقرر قطز ﵀ أن يقيم معهم معاهدة، حتى يمر من حول الحصون دون أن يتعرض لحرب صليبية، وهددهم قطز تهديداً شديداً أنهم لو خالفوا ترك التتار وعاد لحربهم، أما إن كانوا على العهد فلن يمسهم بسوء.
فالرؤية كانت واضحة جداً عند قطز، فهو لا يريد الدخول في مواقع جانبية؛ لأنه يعلم أن العدو الرئيسي الآن هم التتار، ويعلم أن عكا مدينة حصينة جداً، ولو فرغ وقته وجهده لفتحها ما استطاع أن يحارب التتار، ولما أشار عليه أحد الأمراء أن يباغت عكا بعد العهد؛ لأن بها ضعف عن كل وقت سابق، قال له قطز: إنه لا يخون العهود، فهذه قيادة إسلامية على منهاج النبوة.
стр. 182
معركة عين جالوت
كان الظاهر بيبرس يراوغ القوات التترية حتى يخفي الجيش الرئيسي بقيادة قطز، ويقفز من مكان إلى مكان، ومن مدينة إلى مدينة، ثم وصل المسلمون إلى مكان اختاروه؛ لتكون فيه المعركة، وسجل المسلمون نقطة كبيرة لصالحهم بالسبق إلى مكان القتال وامتلاك عنصر الإعداد ثم عنصر المفاجأة، واختار قطز سهلاً واسعاً بين تلال كثيرة، هذا السهل هو سهل عين جالوت بين مدينتي بيسان ونابلس في فلسطين على بعد (٦٥) كيلو متراً فقط من موضع حطين، وكأن الله أراد أن يعظم أكثر وأكثر من قدر فلسطين، حتى تدور فوق أراضيها المعارك الخالدة في تاريخ المسلمين: أجنادين بيسان اليرموك حطين ثم عين جالوت.
نسأل الله أن يمنّ علينا بانتصار مجيد على أرضها ضد اليهود.
وضع قطز مقدمته وعليها الظاهر بيبرس في وسط السهل، ثم أخفى كل جيشه خلف التلال المحيطة وانتظر قدوم التتار، وجاء التتار بصلف وغرور تسبقهم سمعتهم المرعبة، ولكن الله ثبت قلب قطز ومن معه من أبطال المسلمين.
وصل كتبغا قائد التتار إلى سهل عين جالوت في (٢٥) رمضان سنة (٦٥٨هـ) الموافق (٦) سبتمبر سنة (١٢٦٠م) تاريخ من أعظم التواريخ في حياة المسلمين، قرر كتبغا أن يدخل المعركة من فوره، وكان من سعادة المسلمين أن يقاتلوا في هذا الشهر الكريم؛ ليستعيدوا ذكريات بدر وفتح مكة وفتح الأندلس، دخل كتبغا وهو يعتقد أن قوة المسلمين هي مقدمة الظاهر بيبرس فقط، فلم يأخذ حذره، بل اندفع بكل جيشه ولم يجعل له ظهراً، وهذا تدبير رب العالمين الذي أعمى عيون التتار عن رؤية جيش قطز، والذي زرع في قلبه الإقدام بكامل جيشه إلى داخل السهل المحاط بكمائن المسلمين، تلقى الظاهر بيبرس ﵀ هو ومن معه الضربة الأولى من التتار بشجاعة بالغة وصبر أمام جحافل التتار، وتناثرت أشلاء المسلمين على أرض عين جالوت، وسالت الدماء وسقط الشهداء من المسلمين، ولكن ما فر رجل واحد منهم.
ثم تظاهر الظاهر بيبرس ﵀ بالانسحاب إلى داخل السهل حتى يستدرج كتبغا ومن معه من التتار وقد حدث له ما أراد، ودخل التتار في الفخ الإسلامي، وأشار قطز ﵀ إشارة النزول لقوات جيشه المختبئة خلف التلال، فأحاطت بقوات التتار الهائلة إحاطة السوار بالمعصم، ودارت موقعة من أشرف المواقع في تاريخ المسلمين، بل من أشرف المواقع في العالم، وثبت المسلمون فيها ثباتاً هائلاً، ولكن التتار ما لبثوا أن تداركوا أنفسهم، وبدءوا يحاربون في منتهى العنف، وأظهروا مهارتهم وبراعتهم في القتال، وحدث تردد في جيش المسلمين، وبدأت جيوش المسلمين تعود إلى الوراء.
لاحظ كل هذا البطل المظفر قطز ﵀، فقام في شجاعة نادرة وألقى خوذته على الأرض تعبيراً عن اشتياقه للشهادة وطلب للموت، وأطلق صيحته الخالدة: وا إسلاماه وا إسلاماه.
يلخص بها أسباب النصر.
فإنه لن ينصر هذا الدين إلا من علم أن دينه أغلى من أهله وماله وكل حياته، وانطلق قطز بنفسه يصارع ويقاتل ويضرب هذا ويطعن هذا، وهو الأمير على كل هؤلاء، وانطلق الجيش السعيد خلف قائده الأسعد، وقام الأمير جمال الدين آقوش الشمسي بحملة صادقة على جيش التتار فوجد أمامه كتبغا زعيم التتار، فحمل عليه حملة صادقة، وضربه عبد الله المؤمن بسيفه ضربة، فسقط العبد الآبق كتبغا صريعاً في دمائه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
ودب الاضطراب في قلوب التتار، وأسر ابن كتبغا ودارت الدائرة على أهل الشرك، وانسحب التتار بسرعة إلى مكان بعيد عن مكان الموقعة، ثم عادوا من جديد يرتبون قواتهم قرب بيسان وانطلق وراءهم قطز بجيشه، وكانت موقعة جديدة أعتى من الأولى، إنها بالنسبة للتتار الحياة أو الموت، ولكنها بالنسبة للمسلمين النصر أو الشهادة، وزلزل المسلمون زلزلاً شديداً، وقاتل التتار قتالاً مريراً، ولكن قطز عاد من جديد يصيح الصيحة الخالدة: وا إسلاماه وا إسلاماه وا إسلاماه قالها ثلاث مرات، ثم قال: يا الله! انصر عبدك قطز على التتار، وعندما يخشع ملوك الأرض لا بد أن يرحم جبار السماوات والأرض، وتنزل الرحمات على الجيش المؤمن، واللعنات على الجيش الكافر، وقاتل قطز قتالاً مجيداً حتى قتل فرسه، فقاتل وهو يمشي على الأرض، حتى أعطاه أحد جنوده فرساً فركبه، واستمر في القتال، وانكسر جيش التتار كسرة لا قيام بعدها في أرض الشام، وانطلق المسلمون وراء التتار فريقاً يقتلون ويأسرون فريقاً، وأورث الله المسلمين سلاح التتار وأموالهم، وفني جيش التتار بأكمله في موقعة عين جالوت لم يفلت منهم إلا الشريد، وانطلق
стр. 183
فوائد إيمانية من معركة عين جالوت وأسباب النصر فيها
كانت موقعة عين جالوت من أهم المواقع في تاريخ الأرض، وليس فقط في تاريخ المسلمين، كان للموقعة آثار لا تحصى ولا تعد، أدرك جميع المسلمين أن النصر من عند الله ، وأن موالاة الكافرين لا تجر على المسلمين إلا الويلات، قتل المسلمون فيها الهزيمة النفسية، وسقط حاجز الخوف من التتار وغيرهم، وفنيت القوة العسكرية التترية تماماً في بلاد الشام وغيرها، وقامت دولة المماليك قياماً قوياً، وحملت على عاتقها صد الهجمات التترية بعد ذلك، كما قامت بتحرير الشام من الممالك الصليبية، ثم واجهت الاستعمار الصليبي البرتغالي بعد ذلك، وظلت تحمي بلاد المسلمين (٢٧٠) سنة كاملة، وهكذا عادت الهيبة لبلاد المسلمين ولأمة الإسلام بعد غياب سنوات طوال.
من العجب أن التتار بدءوا يدخلون في دين الله عز جل! وهي من المرات القليلة أو الوحيدة التي يدخل فيها الغزاة في دين من يغزونهم سبحان الله! إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وحدث ذلك بعد عين جالوت.
فهذه وقفات مع أسباب النصر في موقعة عين جالوت: أولاً: الإيمان بأن النصر من عند الله وليس من عند غيره.
ثانياً: التربية الإسلامية للشعب على حب الجهاد في سبيل الله.
ثالثاً: الوحدة بين جيوش المسلمين والقتال تحت راية واحدة.
رابعاً: القدوة المتمثلة في قطز القائد الذي نزل إلى خندق الجنود، فكان فعله أبلغ من ألف خطبة ومقال.
خامساً: الإعداد الجيد للجيش والخطة، واختيار المكان، وإعداد السلاح، وبذل المال وغير ذلك من أمور إعداد القوة.
سادساً: عدم الاستعانة بالصليبيين أو غيرهم.
سابعاً: الشورى الحقيقية الواضحة في منهج قطز ﵀، لما جمع الناس واستشارهم في أمر الجهاد وغير ذلك.
ثامناً: رفع الروح المعنوية للجيش، والاهتمام بالجانب النفسي لهم.
تاسعاً: نظافة اليد والبذل من المال وتولية الصالحين، والإعراض عن المفسدين والمنافقين.
عاشراً: الشكر المباشر لله والتواضع له، وسنة الله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
فتلك عشرة كاملة لو جمعها جيش -والله- لن يهزم قط.
стр. 184
وفاة قطز
تبقى في القصة مفاجأة هامة، فإن قطز لم يبق في كرسي الحكم إلا أحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً فقط، ولم يكمل السنة، مات قطز بعد انتصاره في عين جالوت بخمسين يوماً فقط، ولكن سبحان الله! قيمة الرجال لا تقاس بطول العمر ولا بكثرة المال ولا بأبهة السلطان، إنما تقاس بالأعمال الخالدة التي تغير من وجه التاريخ ومن جغرافية العالم، وهي في ذات الوقت تثقل في ميزان الله عز جل.
يظن كثير من الناس أن زمن المعجزات قد انتهى، ولكن أخطئوا، فإن الله قد ترك بين أيدينا معجزة لا تنتهي ولا تندثر، تلك هي كتاب الله القرآن، ومن أعظم معجزات القرآن صناعة الرجال، فالقرآن هو الذي بث هذه الروح في الرجال من أمثال قطز وصلاح الدين ويوسف بن تاشفين وخالد بن الوليد وغيرهم من قادة المسلمين.
والكتاب القرآن ما زال في أيدينا وسيبقى إلى يوم القيامة، فهو معين الأمة الذي لا ينضب، وسيخلق الله للأمة دائماً رجالاً في كل زمن يجددون لها الدين، ويبعثون في نفوس أبنائها الأمل، ويقودونها إلى عز الدنيا ونعيم الآخرة، ويحققون وعد الله الذي سطره في كتابه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
وبعد إخواني في الله! انتهت قصة التتار، وانتهت قصة عين جالوت، ومات جنكيز خان وهولاكو لعنهما الله، وكذلك مات قطز والظاهر بيبرس رحمهما الله، ومات الجند الظالمون، ومات الجند المؤمنون، ومرت الأعوام والأعوام، والقرون والقرون، ولكن الذي بقي ولم ينته هو الدرس والعبرة، الذي بقي هو كلام رسول الله ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)، الذي بقي هو السنة الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغير: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠].
والله أسأل أن يجعل لنا في التاريخ عبرة.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيراً كثيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 185
لسنا في زمن أبرهة
جعل الله لنصره لهذه الأمة شروطاً وأسباباً متى تحققت فيها جاءها نصر الله ، وبدونها فلا فوز ولا نصر ولا تمكين، فعلى الأمة أن تسعى لتحقيقها في مجتمعها؛ حتى ينصرها الله على عدوها، ويغير واقعها إلى الأحسن والأفضل.
стр. 186
ملخص قصة أبرهة مع عبد المطلب وهلاك جيش أبرهة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: أسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
عنوان محاضراتنا اليوم: لسنا في زمان أبرهة.
وأبرهة الأشرم قصته معروفة، فقد كان ملك اليمن، وجاء بحده وحديده من اليمن ليهدم الكعبة كما تعرفون، وفي طريقه قبل أن يصل إلى الكعبة استطاع أن يغنم مائتين من الإبل لـ عبد المطلب، ثم بدأ يستعد لدخول مكة، وقد كان عبد المطلب جد رسول الله ﷺ سيد مكة في ذلك الوقت، فخرج ليفاوض أبرهة قبل أن يدخل إلى مكة، ولما رأى أبرهة عبد المطلب أجله وأعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جواره، فقد كان على عبد المطلب جد رسول الله ﷺ هيبة، ثم سأل أبرهة عبد المطلب وقال له: ما حاجتك؟ فقال عبد المطلب: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي -وكان أبرهة يتوقع من عبد المطلب أن يسأل عن البيت- فقال أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني -يعني: استقل عبد المطلب جداً، حيث أنه يتحدث في مائتي بعير ويترك بيت الله الحرام- أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال عبد المطلب كلمة يعتقد البعض أنها جميلة وأنها تدل على اليقين، قال: إني أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه.
وأنا أرى أن الموقف الذي وقفه عبد المطلب من أبرهة موقف فيه سلبيه مقيتة شديدة، أيعيش الإنسان يبحث عن لقمة عيشه وعن حياته وعن أولاده وعن إبله وعن ملذاته ويترك دين الله لله يحميه؟! هذا قصور شديد في الفهم وانعدام للرؤية.
ثم بعد هذا الموقف السلبي من أهل مكة وتفرقهم في شعاب الجبال وإخلائهم مكة تماماً لـ أبرهة حتى يدخلها بجيوشه وبفيله، نزلت المعجزة الكبرى، الطيور الأبابيل وهي طيور صغيرة ترمي بحجارة من سجيل، أهلكت جيش أبرهة ومن معه.
стр. 187
سنة الله في إهلاك المكذبين من الأمم السابقة
وكانت سنة الله في إهلاك الظالمين السابقين قبل رسول الله ﷺ أن يهلكهم بخارقة، وكان المؤمنون لا يرفعون سيفاً ولا يشتبكون في قتال، فلما حدثت هذه الخطورة على بيت الله الحرام طبقت هذه السنة الإلهية حتى في غياب المؤمنين.
وهذا ما كان يحدث أيضاً مع الأنبياء السابقين قبل رسول الله ﷺ ، فنوح ﵇ -على سبيل المثال- لما كذبه قومه وشعر أنه لا أمل في إيمانهم دعا الله عليهم، كما صور الله ذلك في كتابه الكريم فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١١ - ١٣]، فلم يحدث لقاء بين المؤمنين وبين الكافرين، وإنما جاء الطوفان وحمل الله المؤمنين في السفينة، وكانت النجاة بهذه الخارقة.
ولوط ﵇ أيضاً لما كذبه قومه قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١٦٩]، فجاءت الأوامر من الله : ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر:٦٥].
ثم بعد أن خرج لوط ﵇ من القرية الظالمة قال الله : ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤].
وحتى بنو إسرائيل الذين حملهم الله أمانة إقامة دولة وإنشاء أمة لما أحيط بهم في أرض مصر وانقطع أمل موسى ﵇ في إيمان فرعون وقومه قال موسى ﵇ كما قال الله في كتابه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]، فجاء الأمر الإلهي: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، ولم يحدث لقاء بين قوم موسى وبين فرعون، ولم يؤمر قوم موسى بقتال فرعون وجنوده، وإنما أمروا بالخروج من مصر إلى غيرها، فانطلق موسى ﵇ ومن معه من بني إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر، فلما وصلوا إلى هناك فقد بنو إسرائيل الأمل في النجاة؛ لأنهم رأوا جيوش فرعون من ورائهم، والله يصور هذا الموقف في كتابه الكريم فيقول: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فالكلمة الوحيدة المؤمنة التي قيلت في مثل هذا الموقف هي كلمة موسى ﵇، ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، وأما بقية القوم فإنهم اضطربوا اضطراباً شديداً لما رأوا جيش فرعون، ومع ذلك قال الله : ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:٦٣ - ٦٥]، ولم يكن هناك ضحايا ولا شهداء، وكل بني إسرائيل نجوا مع كونهم قالوا: (إنا لمدركون)، ثم قال : ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٦]، فشق البحر وأهلك فرعون عليه لعنة الله ومن معه من الجنود.
وكانت حادثة الفيل هي آخر الحوادث التي نصر فيها الدين بخارقة، وما زالت سنة إهلاك الظالمين باقية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:١٣]، وهذا الكلام ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:١٣] مطلق، ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤]، فأي أمة تخاف مقام الله وتخاف وعيده فلا بد أن تمكن في النهاية، ولا بد أن يهلك الظالمون لها، فهي سنة ماضية إلى يوم القيامة.
стр. 188
سنة إهلاك الله للظالمين بعد بعثة النبي ﷺ
ولكن مع بعثة رسول الله ﷺ تغيرت طريقة الإهلاك، فقد كان الظالمون في السابق يهلكهم الله بخوارق، وأما في رسالة الإسلام فالسنة هي: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
فلا بد أن يقدم المسلمون العمل والعمل الخالص لله الصحيح على منهاج النبوة، فإذا قدموا العمل الصالح أنزل الله ما يشبه الطير الأبابيل، فينزل بركة ورحمة وأمناً وتأييداً وتوفيقاً على المؤمنين، وسخطاً ونقمة وعذاباً وهلاكاً على الكافرين، ولكن بغير عمل لن تنزل الطير الأبابيل، وبغير جهد وبذل وعطاء لن ترمى حجارة من سجيل.
هذه السنة الجديدة الخاصة بأمة الإسلام، وهي سنة ماضية إلى يوم القيامة لا تبديل لها ولا تحويل، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
وكثير من الناس أحبطوا من رؤية الظالمين يتمكنون من رقاب المؤمنين، وجلسوا ينتظرون نزول الطير الأبابيل، ويراقبون الموقف من بعد، ومستحيل أن تنزل الطير الأبابيل على الكافرين فتهلكهم، فانتظارهم هذا وهم وغياب فهم وعدم فقه لسنة الله في التغيير، بل لابد أن يعتمد المسلمون على أنفسهم وعلى سواعدهم وعلى شرعهم ومنهجهم وعلى ربهم، والاعتماد على الله لا يكون إلا كما يريد هو ، لا كما نريد نحن بأهوائنا.
والله وضع لنا سنناً واضحة في التغيير قد تختلف حسب المرحلة التي يعيشها المسلمون، فقد يكتفي المسلمون في زمن بالدعوة، وقد تكون الدعوة سراً أو جهراً، وقد يحتاج المسلمون إلى معاهدة، وقد يحتاجون إلى جهاد، وقد يجاهدون قوماً ويتركون آخرين، وقد يجاهدون الكفار أجمعين، فبحسب المرحلة تتغير الطريقة، ولكن في كل الأحوال لا بد أن يقدم المسلمون شيئاً، فلن ينزل النصر على قوم كسالى قاعدين أو سلبيين.
وأنا لا يعجبني الدعاء الذي يدعو به بعض الناس بقولهم: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
وأنت أين هو دورك؟! أتكتفي بالمراقبة ثم تنتظر أن تسوقك الأحداث سوقاً إلى سيادة وتمكين وعز وصدارة؟! هذا وهم -إخواني في الله! - وليس من سنن الله ، إنما السنة ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
وتذكروا أننا لسنا في زمان أبرهة، فلن تنزل الطير الأبابيل الآن على الظالمين إذا فر من أمامهم الصالحون إلى رءوس الجبال.
فنحن الآن نشاهد الصواريخ والطائرات والدبابات والبوارج الأمريكية تعربد في كل بلاد المسلمين، والمسلمون ينظرون بحسرة لمن جاء يدمر بلادهم وأوطانهم، ويقتل أبناءهم وشيوخهم ونساءهم، وهم يقولون: عسى الله أن يرسل عليهم طيراً أبابيل، أو يرميهم بحجارة من سجيل، أو يحدث معجزة أو يأتي بخارقة تدمرهم، فإلى هؤلاء الذين يعتقدون مثل هذا الاعتقاد وينتظرون الصواعق أن تنزل على قاصفات أمريكا، وينتظرون خسفاً بجنود الأمريكان في الكويت والسعودية والعراق وقطر وعمان وتركيا وباكستان وأفغانستان وأوزبكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وينتظرون الطوفان ليغرق أساطيل الأمريكان في الخليج العربي وفي البحر الأبيض والأحمر والأسود والأصفر وكل ألوان الدنيا، إلى هؤلاء جميعاً أوجه نداء من قلبي إليهم وأقول: سيطول انتظاركم ولن تنزل الطير الأبابيل أو أشباهها إلا بعمل سنة واضحة، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
стр. 189
تحقق نصر الله لرسوله والمؤمنين عند بذل الأسباب
نحن لسنا أعز على الله من نبيه محمد ﷺ ، وقد مضت معه هذه السنة في كل حياته.
стр. 190
تحقق النصر في بدر
فقد واجه في بدر مثلاً أبشع أجيال الكافرين يتزعمهم فرعون هذه الأمة لمقاتلة خير أجيال الأرض يقودهم رسول الله ﷺ ومع ذلك لم تنزل الطير الأبابيل على جيش الكافرين لتمنع الموقعة بينهم، بل على العكس كل الملابسات كانت تدفع دفعاً إلى القتال على غير رغبة الطرفين، قال الله : ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢].
ويقول في موضع آخر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٤]، فلا بد من اللقاء، ولن تنزل الطير الأبابيل قبل اللقاء، مع أن جيش المؤمنين أكرم على الله من أهل مكة حين غزاها أبرهة عليه لعنة الله، ولكنها السنة الجديدة تقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فلا بد من اختيار المكان، ولا بد من الشورى الحقيقية وتنظيم الصفوف والتأليف بين القلوب، وحمل السيوف، ولا بد من خطة محكمة ودعاء في كل وقت، وثبات راسخ وجراح وآلام ودماء وشهداء، وعند ذلك ستنزل الطير الأبابيل في صورة ملائكة أو مطر أو رعب في قلوب الكافرين، أو في صورة فرقة وتشتت في صفوف أعداء الدين، أو في أي صورة يختارها الله رب العالمين، لكن المهم أنه لا بد من عمل وحركة وإيجابية.
стр. 191
تحقق النصر في الأحزاب
وفي الأحزاب مثلاً كان جيش الكافرين عشرة الآلاف يحاصرون خير الأنبياء والأصحاب ويهددون الإسلام بالاستئصال، وكان الحق الكامل في داخل المدينة، والباطل الكامل حولها، ومع ذلك لم تنزل الطير الأبابيل على جيش الكافرين، ولم يحدث لهم خسف ولا صاعقة ولا صيحة ولا طوفان، فالسنة واضحة، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فلا بد من اليقين بالنصر والوحدة بين المؤمنين والخطة المناسبة وحفر الخندق والصبر على الجوع وعقد الأحلاف وفك الرباط بين صفوف المشركين واليهود وحسن المبارزة وقوة المخابرات، كل ذلك جنباً إلى جنب مع العقيدة السليمة والعبادة الصحيحة، وعندما يحدث كل ذلك ينزل نصر الله على عباده الثابتين، وتنزل الطير الأبابيل أو أشباهها في صورة ريح وفرقة بين المشركين واليهود ورعب، المهم أنه لا بد من عمل دءوب صالح مخلص لله .
стр. 192
عدم مخالفة المنهج في أحد
وفي أحد هزم المسلمون الأكرمون من الكافرين الملحدين لما خالف المسلمون المنهج، وخاطب الله رسوله والمؤمنين فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، أي: أنه عجب المؤمنون لماذا هزمهم الكافرون؟ قال الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، أي: قبل ذلك انتصرتم في بدر، ثم بعد أن هزمتم تقولون أنى هذا؟ قال الله : ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥].
والمسلمون لم يخالفوا في أحد فقط مخالفة تكتيكية بترك الرماة للجبل، وإنما خالفوا مخالفة قلبية خطيرة، قال الله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]، ولم تنزل الطير الأبابيل على المسلمين لتنقذهم من أخطائهم، فالسنة المستقرة هي: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
وتذكروا أننا لسنا في زمان أبرهة، وإنما نحن في زمان رسول الله ﷺ ، وفي زمان سنة الله التي وضعها لأمة رسوله ﷺ .
стр. 193
أسباب الوضع المأساوي الذي أصاب أمة الإسلام اليوم
إننا نتساءل اليوم ما العمل مع هذا الوضع التي تعيشه أمة الإسلام في هذه الأيام؟ وما العمل مع المأساة التي تمر بها العراق والمصائب التي تعاني منها فلسطين والكوارث التي تتوالى على الشيشان والظلم الذي يقع على المسلمين في كشمير وفي البوسنة وفي كوسوفو وفي الفلبين وفي بورما وفي أفغانستان وفي السودان وفي ليبيا وفي غيرها من بلاد المسلمين؟ إن المشكلة ليست مشكلة دولة أو مجتمع أو فرد، وإنما هي مشكلة أمة كاملة، أمة عاشت سنوات تقود غيرها فإذا بها اليوم تقاد، أمة رفعت رأسها قروناً فإذا هي اليوم تطأطئ رأسها للشرق وللغرب، أمة ظلت دهراً تعلم الناس الخير وتضرب لهم الأمثال في الأخلاق، وتأخذ بأيديهم إلى طريق الله ، فإذا بها بعد أن عرفت طريق الهدى وعرفت به تتبع هذا وذاك، وهذه مشكلة خطيرة.
إخواني في الله! أنا لست مع أنصاف الحلول وتمييع القضايا والعلاج المؤقت، ولا أريد تفريغاً للشحنات ولا مهبطات للحرارة دون علاج للأسباب الحقيقية للمرض، ولا أريد شعارات جوفاء ولا أصواتاً عالية ولا تشنجات مفتعلة، ولا إلصاق أخطائنا ومشاكلنا وهمومنا بحاكم أو بعالم أو بداعية أو بجماعة أو بصديق أو بعدو، وإنما أريد فقهاً عميقاً لأسباب المرض وعلاجاً شرعياً له.
والمشكلة في اعتقادي فكرية في المقام الأول، وهي سوء فهم خطير لكثير من الأصول الثوابت في الإسلام، سوء فهم وقد انتشر سوء الفهم هذا في أبناء الأمة من أقصاها إلى أقصاها إلا من رحم الله .
والحل هو في العودة إلى فهم الإسلام من مصادره الأصيلة.
ففي قضية العراق مثلاً تعددت الأطروحات لعلاج هذه القضية، فواحد يقول مثلاً: على صدام حسين أن يتنحى، وآخر يقول: على الدول العربية أن تسير في الطرق السلمية مهما تفاقم الأمر، وعلى الأمم المتحدة أن تتحرك، وعلى الأمريكان أن ينهوا المشكلة بسرعة، وعلى العراق أن يدمر كل أسلحته، وعلى المسلمين أن يستنفروا الصين وألمانيا وفرنسا وروسيا للوقوف أمام أمريكا، وثالث يقول: نريد درعاً بشرياً في العراق.
إخواني في الله! هل كان رسول الله ﷺ سيضع هذه الأطروحات لو كان يتابع معنا الموقف في العراق؟! فنحن نريد توحيد المفاهيم على أساس شرع الله ، ونريد حركة بهذه المفاهيم وسط أبنائنا وأحفادنا وجيراننا ومجتمعاتنا، ونريد عملاً بكل مفهوم علمنا أنه في دين الله .
стр. 194
مفاهيم تحتاجها الأمة
وأنا سأطرح بعض المفاهيم التي أشعر أن الأمة بحاجة لها، وأخاطب بها كل مسلم رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، حاكماً كان أو محكوماً، عربياً كان أو عجمياً، قريباً كان أو بعيداً، يعيش في بلد محتل أو حر.
стр. 195
إن تنصروا الله ينصركم
المفهوم الأول: لسنا في زمان أبرهة، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ونصر الله يكون بتطبيق شرعه.
وقد يقول قائل: إن هذا ليس في يدينا، وتطبيق الشرع مسئولية الحاكم.
وأقول: تطبيق الشرع يكون على ثلاثة مستويات: أولاً: على المستوى الفردي، ففعل الطاعات واجتناب المحرمات هو تطبيق للشرع، والصلاة والصيام والزكاة والحج تطبيق للشرع، وعدم التعامل بالربا تطبيق للشرع، والحجاب وبر الوالدين ورعاية الجار وحفظ حقوق الطريق تطبيق للشرع.
فهناك أمور كثيرة جداً من أمور الشرع يقع تطبيقها على الفرد لا على الحاكم.
ثانياً: على المستوى الجماعي، يقول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
فأنت تستطيع أن تطبق الشرع في بيتك، ومع تلامذتك إن كنت مدرساً، ومع موظفيك في العمل إن كنت رئيساً، ومع زبائنك إن كنت تاجراً.
فهناك أمور كثيرة في المجتمع نستطيع أن نطبق فيها الشرع دون حاكم، مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد والرشوة والوساطة بقدر ما نستطيع.
ثم يأتي بعد ذلك المستوى الثالث، وهو المستوى الذي يتطلب حاكماً لتطبيق الشرع مثل: إقامة الحدود، وتسيير الجيوش للجهاد، ورفع الضرائب، ومنع الخمور، وإغلاق الملاهي وأماكن الرقص والفجور، ووقف المولاة مع أعداء الأمة، والاكتفاء بمولاة المؤمنين، فهناك أمور كثيرة لا بد أن يطبقها الحاكم، فإذا كان المسلمون لا يطبقون الشرع على أنفسهم في الإطار الذي يستطيعونه فكيف يتوقعون أن ينزل الله عليهم نصره، هذا عكس السنة التي لا تبديل لها ولا تحويل، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
стр. 196
الأمة الإسلامية لا تموت
المفهوم الثاني: إن أمة الإسلام أمة لا تموت ولن تموت إن شاء الله رب العالمين، ولو أصيب المسلمون بالإحباط فلا أمل في القيام، بل لا بد أن يتيقن المسلمون أن الدورة الأخيرة ستكون دائماً لأمة الإسلام، وأن هذه الأمة لا تموت، وهي باقية ما بقيت الأرض، وأن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وليس هناك رسول بعد رسول الله ﷺ ، ومن ثم فلا بد أن تبقى الأمة التي تحمل الرسالة الأخيرة من الله إلى خلقه، وإلا فمن يقيم حجة الله على خلقه؟ ومن يأخذ بأيدي الناس إلى خالقهم؟ ومن يعلمهم الهدف من حياتهم؟ ومن يبصرهم كيف يعبدون ربهم؟ ومن يهديهم إلى عمارة الأرض وإقامة الشرع ورفع المظالم ورد الحقوق وإرساء العدل ونشر الرحمة؟ فمن يفعل كل هذا إن فنيت أمة الإسلام؟ فبقاء أمة الإسلام أمر حتمي تواترت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، ولا بد أن يفقه المسلمون ذلك، ولكن -إخواني في الله- احذروا شيئاً خطيراً، ألا وهو قاعدة الاستبدال، فالله من سنته أن يهلك القرى الظالمة غير المسلمة إهلاكاً تاماً، ولكنه مع أمة الإسلام يطبق قانوناً خاصاً وهو قانون الاستبدال، فيهلك الجيل الفاسد من المسلمين، وينشئ جيلاً صالحاً مكانه، فيستبدل بالجيل الذي ألف القعود جيلاً اشتاق إلى الجهاد والحركة والبذل والعطاء، هذه سنة إلهية ماضية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩].
ويقول الله في سورة محمد: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
فاحذروا -إخواني في الله! - من قاعدة الاستبدال.
стр. 197
الهلاك عاقبة كل من عادى الإسلام
المفهوم الثالث: إن الأمم الظالمة المعادية للمسلمين أمم هالكة لا محالة، وهذه سنة إلهية أيضاً، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة:٢٦].
فأمة الأمريكان أمة هالكة لا محالة، فقد جمعت كل أسباب الهلكة التي جاءت في كتاب الله ، وكلما أهلك الله أمة ذكر لنا أسباب هلاكها، وقد تجمعت هذه الأسباب جميعاً في أمريكا الآن، فقد اتصفت بالكبر والظلم والترف والذنوب والبطر والعنصرية، وهي صفات لا تقوم مع وجودها الأمم، وهو مفهوم لا بد أن يفقهه كل المسلمين.
والأصل الإسلامي الثابت الذي يجب أن نعيه هو: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧].
стр. 198
الوحدة عامل رئيس للنصر
المفهوم الرابع -وهو في غاية الأهمية-: الفشل قرين التنازع، والنصر لا ينزل على المتفرقين، قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥].
وهناك آيات كثيرة في كتاب الله تحض على الوحدة والألفة والترابط والأخوة بين المسلمين، وهذا ليس على مستوى البلاد الإسلامية فقط، بل على مستوى الشعوب والأفراد، فإذا كان المسلمون مثلاً في عمارة أو في مبنى لم يستطيعوا أن يتحدوا لإصلاح شئونهم، فكيف يرجى توحيد بلاد المسلمين؟! وإذا كان المسلمون لا يشعرون بروح الفريق الواحد في العمل وفي الشارع وفي النادي، بل وأحياناً في المسجد يتصارع الملتزمون من المسلمين على إمامة مسجد، فكيف لو كان التصارع على إمامة أمة؟! إذا كان هذا هو الواقع فكيف تتجمع أمة الإسلام؟! وكيف سينزل النصر من عند الله رب العالمين؟! أيها المؤمنون! عباد الله! عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد.
أيها المؤمنون! عباد الله! من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة.
أيها المؤمنون! عباد الله! (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً)، (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
أيها المؤمنون! عباد الله! (إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)، (إياكم والبغضة -أي: سوء ذات البين- فإنها الحالقة)، (إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
أيها المؤمنون! عباد الله! (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله)، (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته).
стр. 199
الاعتماد على النفس وعدم الركون إلى الكافرين
المفهوم الخامس: ما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك.
لا بد أن يفهم المسلمون أن النصر لا يستورد من خارج البلاد، بل هو بضاعة محلية، فلا يصلح أن يكتب عليها صنع في الصين أو في فرنسا أو في أمريكا، ولكن لا بد أن يكتب عليها بوضوح صنع في بلاد المسلمين وفي أمة الإسلام.
شكراً لفرنسا لوقفتها بجوار إخواننا من المسلمين في العراق، ولكن اعلموا جيداً أن فرنسا ما فعلت ذلك من أجل سواد عيون أهل العراق؛ وإنما للحفاظ على الوجود الفرنسي في مواجهة الغول الأمريكي المفترس، ولا تنسوا ما فعلته فرنسا في الجزائر وتونس والمغرب وسوريا ولبنان وقبل ذلك في مصر، وأنها كانت لها اليد العظمى وما زالت في الفتنة الدائرة في بلاد الجزائر الآن، وأنها من المشعلين لفتنة الحرب بين العرب والبربر في الجزائر، ولا تنسوا أنها منعت فتاتين مسلمتين من لبس الحجاب في المدارس الفرنسة، ولكن كل يبحث عن مصالحه، ونحن قد نستفيد من التحالف والتعاون معها، ولكن لا ننتظر نصراً مستورداً فرنسياً خالصاً.
وشكراً أيضاً لروسيا على وقفتها الشجاعة مع أهل العراق، ولكن لا تنسوا إخوانكم في الشيشان، ولا ما حدث منذ سنوات في أفغانستان، وراقبوا باهتمام ما سيحدث عما قريب في داغستان المسلمة.
وشكراً كذلك للأمم المتحدة، ولكن لا تنسوا ما فعلته الأمم المتحدة في فلسطين، ولا قرار التقسيم الظالم الذي قسم فلسطين إلى قسمين: عربي وإسرائيلي في سنة ١٩٤٧م، ولا تنسوا التخاذل والتهاون والغش والخداع، لا الكيل بمكيالين، والعفو عن الظالمين وعقاب المظلومين.
كما لا يصح -إخواني في الله! - أن نستعطف البابا لإنقاذ أهل العراق، والمسلمون من أهل العراق يمثلون ٩٦% من السكان، ولا يقبل عقلاً ولا شرعاً أن ينصر البابا النصراني العراق المسلمة على أمريكا النصرانية.
стр. 200
كما تكونوا يولى عليكم
المفهوم السادس: (كما تكونوا يولى عليكم) فلا تنشغلوا كثيراً بالحديث عن الحكام، وإلقاء التبعة على أكتافهم وتنسون أنفسكم، نعم كلما عظمت المسئولية زادت التبعات، والمخطئ في حق فرد ليس كالمخطئ في حق عشرة، ولا كالمخطئ في حق أمة، ولكن اذكروا الحقيقة الصادقة: (كما تكونوا يولى عليكم).
والحكام إفراز طبيعي جداً للشعوب، فليس من سنة الله أن يولي حاكماً فاسداً على قوم مصلحين، أو يولي حاكماً مصلحاً على قوم فاسدين، والله قال في كتابه الكريم وهو يصف فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، ولم يقل: إنه كان من الفاسقين، فالعلاقة بين الشعب والحاكم تفاعلية جداً، فأصلحوا أنفسكم يخرج من بينكم خالد والمثنى وطارق وقطز وصلاح الدين.
стр. 201
أطماع الكافرين في بلاد الإسلام لا تتوقف
المفهوم السابع: المخطط الأمريكي في بلاد المسلمين مخطط مسبق وليس بسبب شخص معين، فليس بسبب صدام حسين أو الملا عمر، وليس بسبب أسلحة دمار شامل أو غيرها، احتلال أمريكا للعراق مخطط قديم ومسبق، وكذلك احتلالها لأفغانستان والقوقاز مخطط قديم أيضاً ومسبق.
وكل ما في الأمر هو اتخاذ بعض الذرائع لتجميل صورتها وإرضاء الحلفاء وإسكات الشعوب، وقد يحدث أحياناً أن تجد ظروف تقدم خطة وتؤخر أخرى، ولكن كل المخططات قد أعدت سابقاً، وإعادة تنظيم وترتيب العالم الإسلامي وفق هوى أمريكي معين أمر لا يخفى على أحد، ومن ثم لن يجدي تقديم التنازلات المهينة، ولن يجدي النداء الذي وجهه رئيس جريدة قومية مشهورة حيث يقول في ندائه: أما آن لـ صدام أن يتنحى؟ يعني: لو أن صداماً رحل لصلحت الدنيا كلها، هكذا يظن، ولن يجدي إرسال الرسل لأمريكا لاستعطافها أن تكف أيديها عن الدماء المسلمة، أو على الأقل كما يقول بعضهم: أن تنهي مهمتها بسرعة.
فاستعطاف أمريكا كالذي يستعطف ذئباً أن يرعى أغنامه تماماً بتمام.
стр. 202
بالإرادة والعزيمة نغير واقعنا
المفهوم الثامن: أمة الإسلام تملك الكثير، فلا يعتقدن أحد أن أمة الإسلام عاجزة، وليس من المقبول شرعاً أو عقلاً أن تقف دولة فقيرة معدمة مثل كوريا الشمالية هذه الوقفة أمام أمريكا ولا تستطيع أمة الإسلام أن تقفها، فكوريا الشمالية عدد سكانها ثلاثون مليون مواطن شيوعي ملحد، وأمة الإسلام مليار وثلث مليار، ومساحة كوريا الشمالية مائة وعشرون ألف كيلو متر مربع فقط -عشر مساحة مصر، أي: مثل محافظات فقط من مصر- و٦.
٤ مليون مواطن في كوريا الشمالية مهددون بالموت جوعاً، فهم فقراء فقراً معدماً، ويعيشون على الطحالب والأعشاب، أما أمة الإسلام فتمتلك إمكانيات اقتصادية وبشرية وعقلية وجغرافية وإستراتيجية هائلة، وفوق ذلك إمكانيات عقائدية ليست لغيرها من الأمم، والله مولانا ولا مولى لهم، فكيف يستطيع الكوريون أن يصنعوا سلاحاً ولا نستطيع نحن؟! وكيف لا يقبل الكوريون خفض رءوسهم وتقبل أمة المليار أن تخفض رأسها؟! فالمسألة -إخواني في الله! - مسألة روح وإرادة وعزيمة والذي في يدينا من أجل أن نغير.
أولاً: رأي عام محلي وعالمي، فتحرك أخي في الله بهذه المفاهيم، واكتب بها خطابات للصحف، ورسائل على الإنترنت، وعلى الجوال، وأقم لها الندوات الثقافية، وتحدث بها مع الأهل والأصدقاء والجيران، حتى المظاهرات السلمية بالضوابط الشرعية، واشرح وجهة نظر الإسلام في كل هذه المتغيرات، وعلم من تستطيع، واخلق جواً عاماً من الاعتزاز بهذا الدين والأمل بقيامه والرغبة في الجهاد والشوق إلى الشهادة، وسيؤتي كل هذا إن شاء الله ثماراً عظيمة وحمية في قلوب المسلمين، ورعباً في قلوب أعداء الدين.
ثانياً: المقاطعة لكل ما هو يهودي أو أمريكي أو إنجليزي، وقد أصبح واضحاً أن الشراء منهم إثم وذنب وخطيئة، فلم يعد من المقبول أبداً تحت أي مبرر أن نتعامل بالبيع والشراء مع الذين يسفكون دماء إخواننا وأمهاتنا وأطفالنا وشيوخنا، فالفتور في المقاطعة يعني: غياب الفهم وانعدم الرؤية، والمقاطعة للأعداء ليست بدعة في وسائل المقاومة، وإلى الذين فتروا عن المقاطعة أهدي لهم بحث الحكومة الأمريكية لمقاطعة الصادرات الألمانية لأمريكا والتي تجاوزت ستين بليون دولار، وبحث مقاطعة الطيران الفرنسي والجبن الفرنسي؛ ذلك لأن ألمانيا وفرنسا تعارضان السياسية الأمريكية فقط ولا تحاربانها.
عضو في الكونجرس طلب تغيير اسم الفرنش برايز البطاطس الفرنسية إلى اسم الفري برايز البطاطس الحر، مع أن هذا مجرد اسم البطاطس لا تصنع في فرنسا، ولكن العضو رفض كل ما يحمل اسماً فرنسياً حتى لو كان الفرنش برايز، فأين المسلمون؟ ثالثاً: الإيجابية في الانتخابات، فلا بد أن تذهب وتنتخب الأصلح مهما خرجت النتائج على غير الرغبة الحقيقية للشعوب، ولكن هذا واجب وطريق لا بد أن يسلك مع غيره من الطرق.
رابعاً: تربية الأطفال والشباب على هذه المعاني، وبث روح الجهاد والتضحية والبذل في نفوس الشعب، وضرب الأمثلة العظيمة واستعراض التاريخ المجيد، وهذا الدور ملقى على عاتق كل أب ومدرس وداعية وصاحب قلم مسلم غيور على الدين.
خامساً: الإصلاح ومحاربة الفساد، والارتفاع بمستوى الأخلاق، وإشاعة جو من التعامل النظيف، حتى يكون في تعامله نظيف اليد واللسان والقلب، وكل في مكانه وعلى حسب طاقاته.
سادساً: تحسين الإنتاج وتوجيهه إلى الأصلح والأنفع، ومراقبة الله في كل عمل وصناعة وزراعة ومنتج.
سابعاً: الدعاء المستمر الملح، فهو سلاح فعال تماماً، ولا تنسوا قولة أنس بن مالك ﵁ وأرضاه: الدعاء يرفعه العمل.
فالله لا يستجيب لدعاء من لا يعمل ولا يقوم ولا يتحرك لنصرة الإسلام والمسلمين، ولا لمن فتر وأحبط ويئس.
وهذه الأشياء في يد الأمة الإسلامية، وهناك أشياء أخرى كثيرة، فلا يعتقدن أحد أبداً أن أمة الإسلام عاجزة.
стр. 203
استشعار كل فرد أنه مسئول وحده
المفهوم التاسع: أقتالهم وحدي حتى تنفرد سالفتي ويقطع عنقي، وهذه كلمة قالها الصديق ﵁ وأرضاه عند الردة، يعبر فيها عن القيام بدوره حتى لو قعد الآخرون، فالمسئولية فردية، فنحن أمرنا أن نعمل مجتمعين ولكننا سنحاسب فرادى، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، فلو قعد كل المسلمين فما المبرر لأن تقعد أنت؟ ولو تكاسل كل الخلق فما الداعي لأن تتكاسل أنت؟ ولو دخل كل أهل الأرض النار أيكون هذا مبرراً لأن تدخلها معهم؟! والله لا يؤاخذ أحداً بجريمة أحد، وأنت لا تعمل لفلان أو لعلان، ولا لرئيس أو ملك، ولا لشهرة أو سمعة، ولا لمال أو سلطان، وإنما تعمل لله رب العالمين، وهو حي لا يموت، فهو الأول الذي ليس قبله أحد، والآخر الذي ليس بعده أحد، وهو المطلع عليك والمحاسب لك، وسيجازيك عن الحسنة بعشر أمثالها، وسيعاقبك على السيئة بمثلها، والله لا يظلم مثقال ذرة، فلماذا الركود والفتور والكسل؟ فاعمل بكل طاقتك، وتذكر: أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي.
стр. 204
الحذر من التسويف
المفهوم العاشر والأخير: إياك والتسويف، ولا أقول لك: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، ولكن أقول لك: لا تؤجل عمل اللحظة الحالية إلى اللحظة القادمة.
فإن لكل أمة أجل، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أردت دعاءً فمن الآن، وإذا أردت مقاطعة فمن الآن، وإذا أردت صلاة وصياماً وزكاة فمن الآن، وإذا أردت صلحاً مع أخيك وصلة لرحمك وبراً لوالديك فمن الآن، وإذا أردت دعوة إلى الله وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فمن الآن، وإذا أردت وقفاً لفساد أو رشوة أو وساطة فمن الآن، وإياك والتسويف، والشيطان لا يأمر المؤمنين بالامتناع عن الأعمال الصالحة ولكن يأمرهم بتأجيلها، فإذا أجلوها تركوها في أغلب الأحوال، فلا تسلمن نفسك للشيطان، ولا تكن متبعاً لهواك.
تلك عشرة كاملة، لو فهمناها وفهمناها وتحركنا بها لقامت لنا أمة، ولرفعت لنا راية، ولكتب لنا نصر وسيادة وتمكين.
وختاماً: ليست هذه أول الأزمات التي مرت بأمتنا الإسلامية، ليست هذه أول الجروح والآلام، والخطوات، فبعد وفاة رسول الله ﷺ ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية، وظهر من يدعي أنه نبي يوحى إليه، وأنه رسول بعد رسول الله ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣].
فظهر مسيلمة الكذاب وارتد معه عشرات الآلاف ومع ذلك لم تنزل طير أبابيل، ولم ترم حجارة من سجيل، بل ظل الوضع كما هو عليه إلى أن بعث الله رجالاً ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فجاء خالد بن الوليد وأصحابه؛ ليطهروا الأرض من مسيلمة وأصحابه، أما قبل قدوم المجاهدين فلا طير أبابيل.
وذبح الصليبيون في بيت المقدس سبعين ألفاً من المسلمين في يوم واحد، ولم تنزل الطير الأبابيل، ولم ترم حجارة من سجيل، وظل الوضع كما هو عليه إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي ومن معه من المجاهدين؛ ليطهروا الأرض من الصليبيين.
واستباح التتار بغداد وقتلوا من أهلها ألف ألف -مليون مسلم- في أربعين يوماً، ولم تنزل الطير الأبابيل على التتار المشركين الظالمين الكافرين، وظل الوضع كما هو عليه إلى أن بعث الله قطز ومن معه من أبطال المسلمين، فكانت معركة عين جالوت، وكان النصر والتمكين.
بل أشد من ذلك جهز القرامطة -وهم طائفة من أخبث طوائف الشيعة، كفرها كثير من علماء المسلمين- جيشاً لغزو مكة المكرمة، ودخلوا الحرم المكي والبيت الحرام في اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية في سنة ٦١٧هـ، واستباحوا مكة وأهلها، وسفكوا دماء كل من كان بالحرم من الحاجين، حتى من تعلق بأستار الكعبة، وتناثرت الأشلاء في الكعبة المشرفة، وسالت الدماء على أطهر بقعة في الأرض، وكان زعيمهم عليه لعنة الله: أبو طاهر سليمان الجنابي -وما هو بطاهر- يقف على باب الحرم يقول: أنا لله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا وهذا كفر بواح، بل وأرسل رجلاً من أتباعه فنزع الحجر الأسود من مكانه وأتي به إليه، فرفعه إلى السماء وقال في كفر صريح: أين الطير الأبابيل أين الحجارة من سجيل ولم تنزل الطير الأبابيل، ولم ترم حجارة من سجيل، وانتزع الحجر الأسود من مكانه لمدة اثنتين وعشرين سنة كاملة، ولم يعد إلا في سنة ٣٣٩ هـ، وظل المسلمون يحجون إلى بيت الله الحرام اثنتين وعشرين سنة بدون حجر أسود؛ لأن السنة الإلهية المستقرة لهذه الأمة: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فنحن لسنا في زمان أبرهة، بل نحن في زمان رسول الله ﷺ ، وبغير شرعه ﷺ لا نصر ولا فوز ولا نجاة، فدين الله واضح لا غموض فيه، فهو قواعد شرعية معلومة وسنن إلهية ثابتة، إن سار عليها المسلمون فازوا في دنياهم وأخراهم، وإن أبوا فلا يلومن إلا أنفسهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 205
المقاطعة
يجب على المسلمين محاربة العدو الغاصب الذي استولى على الأرض واستباح العرض ودنس المقدسات، وجهاد هذا العدو له صور مختلفة منها: المقاطعة لكل ما هو منتج من قبل العدو وأعوانه وأنصاره، وهذا هو أقل القليل للدفاع عن أعراضنا ومقدساتنا وأرضنا وديننا.
стр. 206
المقاطعة الاقتصادية للمسلمين في شعب أبي طالب
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا علمت الوفاة خيراً لنا! اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين! وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
ثم أما بعد: فمع المحاضرة الحادية عشرة من المحاضرات الخاصة بقضية فلسطين، ما زلنا في حديث حول بعض الوسائل الإيجابية لمساعدة أهلنا في فلسطين، وواقع الأمر أن هذه الوسائل ليست خاصة بفلسطين فقط، بل إنها تصلح لكل بلاد المسلمين، كما تصلح لكل زمان يمر على أمة المسلمين، فالفهم الصحيح لا يساعد فلسطين، بل هو أساس وركن ركين لحل كل قضايا المسلمين، والأمل وقتل الإحباط لا يساعد فلسطين فقط، بل هو كالروح في الجسد، إن ذهبت الروح فلا حراك للجسد ومصيره إلى تآكل وفناء، وكذلك إن ذهب الأمل أصبحت الأمة بأسرها بلا حراك، ومصيرها إلى تآكل وفناء، وبذل المال لا يساعد فلسطين فقط، فأمة الإسلام لا تقوم إلا على أكتاف من تاقت نفوسهم لبذل المال، وتعاظم حب الله في قلوبهم على ما سواه من مال وأهل وديار ونفس.
فهذه وسائل ثلاث: الفهم، والأمل، والبذل، وهي هامة لفلسطين ولكل منطقة إسلامية جرحت فسالت دماؤها غزيرة، كالشيشان وكشمير والبوسنة، بل هي هامة لكل دولة إسلامية، فأنى لك بأمة صالحة قائدة رائدة بغير فهم متبوع بعمل، وبغير أمل متبوع بحركة، وبغير تعاطف متبوع ببذل، فلا تقوم الأمة بغير ذلك، فنحن لا نبني فلسطين فقط بل نبني أمة بكاملها، ونسأله التوفيق.
اليوم حديثنا عن وسيلة رابعة لبناء فلسطين بل لبناء الأمة الإسلامية المنشودة، أقدم لهذه الوسيلة بحدث مر عليه أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان لكنه بأبعاده كلها ما زال حياً إلى الساعة، في السنة السابعة من بعثة الحبيب محمد ﷺ ، وبعد دعوة كريمة من سيد الخلق محمد ﷺ ، ومقاومة لئيمة من صناديد قريش الكافرين، وبعد إجابة غالبها من ضعفاء القوم، ورفض غالبه من كبراء القوم، بعد هذه السنوات السبع من الدعوة والمقاومة والإجابة والصبر والثبات والتعذيب واليقين والشك اجتمع زعماء الكفر وحلفاؤهم وتآمروا على المسلمين ومن عاونهم ولو لم يكن مسلماً فصنفوا الناس صنفين: الصنف الأول: القبائل المارقة.
والصنف الثاني: القبائل الصديقة.
أما المارقون: فهم المسلمون ومن انحاز لهم، وأما الأصدقاء: فهم من رضي بالكفر، وزعماء الكفر، وحلفاء الكفر، ومن غريب الأمر أن بني المطلب وبني هاشم انحازوا للمسلمين مع كونهم كافرين، حمية وقبلية لرسول الله ﷺ ، ومن غريب الأمر أن زعماء الكفر وحلفاءهم اعتبروا بني هاشم وبني المطلب مارقين أيضاً مع كونهم على نفس ملتهم، لكنها كانت حرباً صريحة على الإسلام، ليس فيها اعتبار لعرق ولا لملة ولا للون، فالصراع بكل وضوح كان صراع أديان.
قرر التحالف الآثم ألا يناكحوا المارقين ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ حياً أو ميتاً، وكتبوا بذلك وثيقة وأقسموا باللات والعزى وأشباههما ألا يخالفوا وثيقتهم.
ومنظمة القبائل المتحدة في زمن رسول الله ﷺ رأت أنه من العدل والإنصاف، وللحفاظ على الحرية والحضارة والمدنية في مكة، أن تحاصر جماعة المسلمين وزعيمهم محمداً ﷺ في شعب أبي طالب، وبالفعل تم الميثاق وعلقت الصحيفة الظالمة في جوف الكعبة المشرفة، مع تغطية إعلامية واسعة داخل مكة وخارجها؛ وذلك لتسهيل عملية قتل الأبناء والإخوة.
لا بد من إقناع الجميع أننا ما قتلنا أهلنا في الشعب إلا للحفاظ على النظام العام في مكة، والسلام في المنطقة بأسرها، واشتد الحصار على المسلمين، وقطعت عنهم كل المواد والمؤن، لكن بفضل الله لم يقصف شعب أبي طالب بالرماح، ولم يخترق مجاله الجوي بالسهام، فما زال هناك بصيص رحمة في قلوب الكافرين، كان المشركون لا يتركون طعاماً ولا بيعاً يدخل مكة إلا ابتدروه بالشراء حتى بلغ الجهد بالمسلمين فأكلوا أوراق الشجر والجلود، وكان يسمع من وراء الشعب أصوات النساء والصبيان يتضورون من الجوع.
استمر الحصار الأليم الظالم ثلاث سنوات كاملة، حتى أذن ال
стр. 207
مفهوم المقاطعة الاقتصادية
هنا تبزغ الوسيلة الرابعة من وسائل مساعدة أهلنا في فلسطين، بل ومساعدة الأمة الإسلامية لتعاود القيام من جديد، ألا وهي المقاطعة الاقتصادية لمنتجات اليهود ومن عاونهم، المقاطعة لإسرائيل ولأمريكا ولانجلترا ولمن حذا حذوهم وسار على طريقتهم، ما لكم تترددون؟! ألا تقاطعون قوماً قتلوا أبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم؟! ألا تقاطعون قوماً خربوا دياركم، وجرفوا أرضكم؟! فإنه لمن المرارة أن تشتري من قاتلٍ قتل إخوتك وما زال يقتل، وليست أفغانستان منا ببعيد.
وإن كنا ننادي بالمقاطعة فإننا كمسلمين متمسكون بديننا وأخلاقنا لا نقاطع إلا بضوابطنا الشرعية، فلا نجر إلى قذارات السياسة الغربية والعلمانية، نحن نحارب بأسلوبنا الذي يقره قرآن وسنة، لا نخالف ربنا وإن خالفه الآخرون، ففي شرعنا لا نقتل المدنيين، ولا نحرض على قتلهم، ولا نروعهم، ولا نسعد بقتلهم، ولا نقاطع بطريقة أبي جهل أو بطريقة بوش أو كلينتون ومن تبعهم بإساءة إلى يوم الدين، نحن لا نستخدم المقاطعة إلا لجلب مصلحة هي أعلى من مصلحة أخرى، أو لدفع ضرر هو أكبر من ضرر آخر، نحن لا نستخدم المقاطعة في مصادرة ما لا يجوز لنا أن نصادره، فلا نجمد أرصدة أحد، ولا نسطو على أموال أحد، ولا نستخدم المقاطعة لتدمير ما لا يجوز لنا تدميره، فنحن المسلمين ضد حرق الممتلكات غير المدنية، سواء كان ذلك في بلادنا أو في بلاد غيرنا، وسواء كانت البلاد الأخرى محاربة أو غير محاربة، وكما أمرنا أن نحافظ على مساجدنا أمرنا أيضاً أن نحافظ على كنائسهم ومعابدهم، وكما أمرنا أن نحافظ على أموالنا أمرنا أيضاً أن نحافظ على أموالهم.
والمقاطعة بالضوابط الشرعية تعني: أنه إذا عرضت علي سلعة من دولة مسلمة أو وطنية وأخرى من دولة تعلن العداء السافر لنا اخترت السلعة المسلمة أو الوطنية؛ لأقوي من اقتصاد بلادي وتجنبت السلعة الأخرى؛ إضعافاً لاقتصاد دولة معادية، أما إن كانت الدولة معاهدة أو غير محاربة جاز الشراء منها، وإن كان من الأفضل أن نشتري من المسلمين.
والمقاطعة بالضوابط الشرعية تعني: أنني قاطعت الشراء فقط، وما زالت السلعة سلعته فما صادرتها وما أتلفتها.
أما موقف رسول الله ﷺ في المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها، فإنه كان يعلم أنه سيحاصر يوماً في المدينة، وستجتمع عليه قريش وحلفاؤها من القبائل العربية، وسيغدر اليهود كعادتهم.
فجهز نفسه ﷺ لهذا اليوم، فأمن الماء بشراء بئر رومة، وأنشأ السوق الإسلامي، وقاطع بذلك سوق بني قينقاع اليهودي، وشجع التجار والزراع والصناع للعمل حتى يكفوا حاجة المدينة، فتجار اليهود لم يؤذوا فإن التجارة عرض وطلب، والمشتري مخير بإرادته أن يشتري ممن يشاء، ورسول الله ﷺ لم يصادر بئر رومة، أو سوق بني قينقاع، بل اشترى البئر بالمال وأقام السوق البديل، والناس جميعاً مخيرون، ولا شك أن الصحابة كانوا راغبين في التعامل مع السوق الإسلامي بدلاً من السوق اليهودي.
واليهود في المدينة لا يجبرون على الشراء من أسواق المسلمين، فلهم أن يبتاعوا من حيث شاءوا، بل قد يتعاملون فقط فيما بينهم، وهذا مقبول في عرف العالم أجمع، وكذلك في شرعنا معروف ومقبول، والمسلمون إن احتاجوا لبضاعة ليست في سوق المسلمين كانوا يشترونها من اليهود بثمنها، ولا يبخسون أحداً حقه.
إذاً: المقاطعة الاقتصادية لمنتجات اليهود ومن عاونهم أمر مشروع بل محمود ومندوب، بل لعله واجب لكن لا يخرجنا عداؤنا لغيرنا عن ضوابطنا الشرعية وحدودنا الأخلاقية، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة:٨]، أي: لا يجرمنكم عداوة قوم، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨].
سؤال لا شك أنه يخطر على أذهانكم: لو عذبنا أنفسنا بمقاطعة طويلة محكمة، هل يمكن أن نحدث أثراً في شركات عملاقة جبارة مثل الشركات الغربية التي تنتشر فروعها في مشارق الأرض ومغاربها؟ فهي شركات متعددة الجنسية كما يقولون، وقد يساوي اقتصادها اقتصاد بعض الدول في العالم الذي يطلقون عليه عالماً ثالثاً، أفي هذا العذاب فائدة؟ أم أنه مجهود ضائع وعمل مبدد؟ أعلم أن في قلوبكم بعض الشكوك وفي أذهانكم بعض الشبهات، لأنكم تسمعون من هنا وهناك حوارات مثيرة وجدالات محيّرة، وعقل المرء يتشتت.
стр. 208
فوائد المقاطعة الاقتصادية للشركات الغربية
إن فوائد المقاطعة عشر وهي كما يلي:
стр. 209
تأثر القرار السياسي الغربي بخسائر الشركات فيه
الفائدة الثانية: خسارة هذه الشركات ستؤدي إلى تغيير القرار السياسي في أمريكا من التحيز السافر لإسرائيل إلى غيره، فالمقاطعة وسيلة من وسائل الضغط في تلك البلاد التي يصل فيها مغيرو السياسة وأصحاب القرار إلى مراكزهم في الكونجرس والرئاسة عن طريق الانتخابات الحرة، والتي تتأثر بدورها بجماعات الضغط هناك.
فإن أكبر جماعات الضغط في أمريكا هي جمعية رجال الأعمال المكونة من أصحاب الشركات التي نفكر نحن بمقاطعتها، ومن وسائل ضغط اليهود على أمريكا: الضغط المالي على الحكومة الأمريكية.
إذاً: الخسارة الاقتصادية تؤثر بشكل مباشر على القرار السياسي بأمريكا؛ لأنها بلاد رأسمالية بحتة، الشركات اليهودية ذاتها قد تبيع إسرائيل إذا خسرت، فالمال عندهم مقدم على كل شيء، ولذا فإن بعض العمليات الفدائية الفلسطينية تتم بتسهيلات من اليهود في مقابل المال، فهم يغيرون القرار حفاظاً على المصالح، ولا بد أن يعلم الغرب ويتيقن أنه وإن كان له مصالح حيوية في إسرائيل فإن له مصالح أخرى أكثر حيوية في بلاد المسلمين.
стр. 210
انتعاش الاقتصاد الإسلامي والعربي بسبب استخدام البدائل الوطنية
الفائدة الثالثة: هذه المقاطعة ستؤدي إلى استخدام البدائل الوطنية مما سيؤدي إلى انتعاشها وبذلك يتقوى اقتصاد الأمة على ممتلكاتها وليس على ممتلكات الغير، وهذه قضية محورية، وأمر مصيري، وليست قضية جانبية، والأمة التي لا تملك احتياجاتها لا تملك قرارها، فالقضية ليست خسارة للشركات اليهودية والأمريكية فحسب بل هي بناء أمة وحياتها، ما الفارق مثلاً بين أمة الإسلام وأمة الصين أو اليابان؟ هم لا يملكون مناهج أفضل من مناهجنا، ولا أناساً أفضل من أناسنا، والعقل الإسلامي يتفوق كثيراً على عقولهم إذا توافقت الظروف، فلماذا لا نخلق الظروف التي تمكن أمتنا من التفوق؟ إن بداية الصين واليابان كدول صناعية لم تكن بعيدة عن بدايتنا، بدأت الصناعات الصغيرة المحلية وقلل من الاستيراد، وبدأ الشعب في بادئ أمره على منتجات أقل جودة من المنتجات الغربية، ثم مرت الأيام وتحسن الإنتاج ثم تفوق، فالسيارات اليابانية منذ ثلاثين سنة مثلاً كانت لا تسوق إلا في بلاد العالم الثالث، أما الآن فهي السيارة رقم واحد في أمريكا.
والمستهلك يبحث عن الجودة المناسبة والسعر المناسب، ولا شك أن المنتجات المستوردة كثيراً ما تكون أكثر جودة وأقل سعراً، أما حسن الجودة فللتقنية العالية ولدقة النظام ولضخامة المصانع وللكفاءة المهارية، ولكن كيف يأتي المنتج من آخر بلاد الدنيا إلى بلادنا ثم هو أرخص من منتجنا المصنع في بلادنا؟ زوجتي اشترت منبهاً صغيراً (ساعة صغيرة) من إنتاج الصين بثلاث جنيهات فقط، فكم سيكسب المورد للخامات، والعامل في المصنع، وصاحب المصنع والمصدر والناقل بسفينته والمستورد وبائع الجملة والقطاعي ثم البائع الجوال؟ ثم اكتشفنا بعد ذلك أن ثمنه اثنين جنيه فقط، فلماذا هذا السعر المنخفض؟ والواقع أنه لعوامل عديدة منها: رخص الأيدي العاملة، ولا أعتقد أن الأيدي العاملة في بلادنا مكلفة، ومنها أنهم يكسبون قليلاً ليبيعوا أكثر، وهو مبدأ تجاري معروف ويستخدم أيضاً في بلادنا، ومنها أن الإنتاج بكميات كبيرة جداً يغطي التكاليف والأرباح، وهذا ما لا يستطيع منتجنا أن يفعله؛ خشية كساد السلعة، وهنا يبرز دور المقاطعة فلو قاطعنا المنتجات المستوردة فإن هذا سيشجع المصنع المحلي على مضاعفة الإنتاج وبالتالي تخفيض السعر إلى أدناه، أما وهو يعلم أنه لن يبيع إلا وحدات محدودة فإنه قد يوفر في التكاليف على حساب الجودة، ويصبح الأمر دائرة مغلقة لا نخرج منها أبداً.
وليست النتيجة المباشرة للمقاطعة هو إصلاح الاقتصاد الإسلامي وتغير الحال فحسب، بل هناك نتيجة هامة جداً وهي تحول الهزيمة النفسية إلى انتصار، حيث إن كثيراً من المسلمين لا يعتقدون في إمكانية إنتاج منتج محلي ينافس المنتج الغربي.
أذكر أن صديقاً مصرياً كان معي في أمريكا، ذهب ليشتري قميصاً من إحدى المحلات الفخمة هناك، وانتقى قميصاً أعجبه، ولما عاد إلى المنزل اكتشف أن القميص منتج مصري، فاتصل بي بسرعة وهو حزين جداً فهو يشعر أنه قد ضحك عليه، أما أنا فسعيد لأن المنتج المصري ينافس الأمريكي والغربي في أمريكا ذاتها، وعلى قدر هذه السعادة على قدر حزني من الهزيمة النفسية القاسية التي يعاني منها صاحبي.
نحن نحتاج إلى ثقة بالله، وثقة بالنفس، وثقة بالوطن، وثقة بأهلنا وعمّالنا، وثقة في المنتج.
نقطة أخرى هامة: إنه ليس معنى ذلك أن المنتج المحلي سيكون سريعاً على قدم المساواة مع المنتج الغربي وفي كل التخصصات أبداً، لا بد أن يعرف المستهلكون المسلمون أنهم إذا أردوا أمة قوية اقتصادياً وسياسياً فلا بد أن يصبروا في البداية، وأن يقبلوا بما أضعف نسبياً إلى أن يتحسن، فلابد من تضحية، وستكون تضحية مأجورة إن شاء الله.
فالمستثمرون وأصحاب الشركات والمصانع المحلية على ثغرة عظيمة فليراقبوا الله في أعمالهم، يرتفع أجرهم في الآخرة ويكثر ربحهم في الدنيا.
وأتمنى أن يتجه أصحاب رءوس المال ولو كان صغيراً إلى إنتاج ما يفيد الأمة، فبدل إنتاج اللبان والشبس والمصاصة أشكال وألوان ننتج مستلزمات للمستشفيات، والآلات الزراعية والسماد، والإلكترونيات، والورق، وبدل من أن نزرع الفراولة والمانجو وأشياء كثيرة من الفواكه نزرع رز وذرة وبطاطس وقطن وكتان، وبدلاً من أن نشارك في البورصة في شركات تنتج أفلام ومسلسلات، وخمور، أو بنوك ربوية، نشغل أموالنا في شركات بترول وشركات حديد، وشركات أسمنت، وشركات أدوية، وشركات دقيق، وبدلاً من أن نعمل مشروع قهوة أو كفتيريا أو صالة بلياردو نعمل مشروع استصلاح أراضي، أو مزرعة سمكية، أو مدرسة متميزة جادة تعلم الأجيال، وبدلاً من أن نستورد من إسرائيل أو أمريكا، أو نحرص على أخذ توكيل أمريكاني، نستورد من ماليزيا أو إندونيسيا أو تركيا أو سوريا أو مصر أو الجزائر وسنجد الذي نريده، المهم أن نبحث في بلاد المسلمين.
وأتمنى للمستثمرين وأصحاب الشركات المحلية، الذين يقفون على ثغرة عظيمة، أن يهتموا بإتقان العمل وجودة الصناعة حتى لا يفتتن المسلمون فيتجهون للشرق والغرب، وأتمنى أن يخفضوا من السعر قدر المستطاع وس
стр. 211
الاستعداد للحصار الاقتصادي الذي قد يفرض علينا من قبل أعدائنا
الفائدة الرابعة: إذا حدث حصار اقتصادي على البلد في أي وقت ماذا سيكون موقفنا؟ وهذا وارد لأتفه الأسباب، ودوام الحال من المحال، فأهل العراق كانوا يتمتعون بمال وفير، وخير كثير، ثم ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، وليبيا كانت لها علاقات كثيرة جداً مع كل بلاد العالم، فلما خطف رجلان ليبيان طيارة حوصرت ليبيا اقتصادياً وفرض عليها عقوبات، فمن الجائز أن اثنين غداً يخطفون طائرة من أي بلد فيفرضون الحصار على البلد من غير أي أسباب ومبررات، ولو حدث هذا الحصار على بلادنا ونحن نعتمد على منتجات غربية من شركات أجنبية ماذا سيحدث لو سحبت هذه الشركات نفسها من السوق المسلم؟ أليس من الحكمة ألا نعتمد على المنتجات الغربية التي ستقطع لو حوصرت البلاد المسلمة؟ سوبر ماركت ضخم ومشهور دخل السوق المصري بثقل كبير وفتح فروعاً كثيرة جداً وضخمة جداً ورخص الأسعار بشكل لافت للنظر، فكانت النتيجة أن معظم المحلات المحلية الوطنية المجاورة أغلقت أبوابها ولم تستطع أن تبيع شيئاً، والمصنع الأجنبي على استعداد أن يخسر في البداية لأجل خسارة كبيرة في سبيل أنك تغلق مصنعك أو محلك وبعد هذا هو يتحكم في السوق، وماذا يحدث لو فتح محل مثل هذا وأغلق بعد ذلك كل المتاجر الوطنية المجاورة ثم انسحب فجأة من السوق إذا حدث حصار اقتصادي على البلاد؟ فهذه كارثة محققة، فلو حصل حصار اقتصادي على مصر -مثلاً- في الوقت الذي نحن نعيش فيه الآن، فإن المستشفيات على سبيل المثال ستغلق أبوابها؛ لأنه لا توجد تجهيزات لغرف العمليات مصنعة محلياً، ولا كشافات إضاءة ولا خيوط جراحية ولا أدوات جراحية.
باكستان لها تجربة عظيمة جداً في إنتاج الأدوات الجراحية، ليأتي العالم الإسلامي كله يتعلم منها ويستورد منها، والجزائر لها تجربة رائدة في صناعة القناطر على الأنهار لنأتي ونتعلم منها ونستورد منها، ومصر لها تجارب كبيرة جداً في صناعة الورق والنسيج والحديد وغيرها من الصناعات لنأتي ونتعلم منها ونستفيد من هذه التجارب.
إذاً: المقاطعة تجهزنا ليوم نحاصر فيه، تجهزنا تجهيزاً إيجابياً اختيارياً وفي ظروف أفضل جداً من وقت الحصار الحقيقي، والحصار فرض على رسول الله ﷺ ، فهو سياسية قديمة غير مستبعدة في أي زمان.
стр. 212
التذكر المستمر الحقيقي للمسلمين
الفائدة الخامسة: المقاطعة ستؤدي إلى التذكر المستمر الحقيقي للمسلمين، وإلى معرفة ووضوح وتذكر الصديق، وبذلك يتميز الحق والباطل، والعدو والصديق، ومن عادة الناس أنهم ينسون مع مرور الوقت وتغير الظروف، وقد يبتسم الظالم في وجهك يوماً، ويمد إليك يده مصافحاً، ويفتح لك صدره متودداً، وهو مستمر في ظلمه، فينسى الناس الظلم لاختفائه خلف الابتسامة والتودد، مثلما فعل مناحيم بيجن عندما مد يده مصافحاً ومعاهداً ومبتسماً والجميع يعلم أنه صاحب مجزرة دير ياسين، وما زال يقبع بجيوشه في بلادٍ مغتصبة ظالماً الملايين دون اكتراث.
إن استمرار المقاطعة يجعلنا في شبه حالة استنفار عام تام كامل، فلا ننسى عدونا إلا إذا تخلى عن اعتداءه تماماً، ونزح عن بلادنا، وأعاد الحقوق إلى أصحابها، استمرار المقاطعة يعيننا على تربية أبنائنا بطريقة يعرفون فيها عدوهم، ولا يخفى على عاقل أي فائدة هذه.
стр. 213
عدم استعظام المنتجات الغربية
الفائدة السادسة: إن المقاطعة ستقضي على الانبهار المسيطر على الناس من كل ما هو يهودي أو أمريكي أو غربي أو مستورد، لقد سيطرت حالة من الانبهار على الناس شملت البضائع وغيرها، بل شملت الأشخاص والأفكار، فالرجل الأمريكاني في نظر كثيرٍ من الناس أبعد نظراً وأقوى شكيمة وأذكى عقلاً وأسرع خطوة وأخفى دماً، وأكثر عطفاً وحناناً، فاستمرار المقاطعة سيقضي كثيراً على هذا الانبهار المخيف، وستعلم الأمة أنها تستطيع أن تعيش بدون أمريكا بل وبدون الغرب جميعاً، هذا إذا ما أرادت الأمة أن تعيش.
стр. 214
رفع معنويات الشعوب المسلمة عند تحقق نجاح المقاطعة
الفائدة السابعة: إن المقاطعة سترفع معنويات الشعوب المسلمة عندما ترى نجاحاً من النجاحات نتيجة للمقاطعة، فعندما ترى صرحاً أجنبياً ضخماً بفروع متعددة وأعداد هائلة من العمال، وأموال لا تحصى، وقدرات لا تنتهي، يغلق أبوابه نتيجة للمقاطعة، معلناً فشله الذريع في كسب إرادة الشعب الأبي الفاهم الواعي، فهذا -والله- هو النجاح بعينه.
عندما تمر على محلات الأمريكان للأطعمة فتجدها خاوية على عروشها وقد ازدحمت المحلات المحلية بالرواد أليس هذا انتصاراً؟ وعندما تشاهد تكالب من محلات الغرب على اكتساب الزبائن عن طريق الخصم والهدايا والمسابقات والحفلات ثم تجد إعراضاً من الناس مع حاجتهم أحياناً، ومع رغبتهم أحياناً أخرى، لكنهم يعرضون مقاطعة لهم وبعداً عنهم، فاعلم أن الشعب قد نجح بالفعل، عندما تقرأ عن محل أطعمة أمريكي مشهور يخسر حوالي ٣٥% من دخله المعتاد في الشرق الأوسط في الأسابيع الأولى فقط للانتفاضة المباركة في فلسطين بسبب المقاطعة فاعلم أن هذا مقياس جيد لنجاح الأمة، وهكذا بالمقاطعة وملاحظة النتائج ستعيش الأمة نوعاً من الانتصار وسترى لوناً من النجاح هي في أشد الحاجة إليه.
стр. 215
خلق حالة من الرعب في قلوب أعداء المسلمين
الفائدة الثامنة: استمرار المقاطعة سيحدث حالة من الرعب عند أعداء المسلمين مقابلة لحالة من الشعور بالفخار والنصر عند المسلمين، فسيشعر أعداء المسلمين بالهزيمة في مجال من المجالات، وسيشعرون بالهلع عندما يشاهدون وحدة الصف المسلم في كل الأقطار الإسلامية، وسيشعرون بالصغار عندما يلحظون قوة إرادة الأمة في مقاطعتها لهم مع احتياجها إليهم، وسيشعرون بالذل الواضح أمام عزة الإسلام والمسلمين، وهذه كلها بوادر نصر، والهزيمة النفسية لعدونا من أشد أنواع الهزائم، وصدق رسولنا الكريم ﷺ إذ يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).
следующие страницы →