Полный текст (242 стр.). Показаны 211–242 · переход к 216.
стр. 211
الاستعداد للحصار الاقتصادي الذي قد يفرض علينا من قبل أعدائنا
الفائدة الرابعة: إذا حدث حصار اقتصادي على البلد في أي وقت ماذا سيكون موقفنا؟ وهذا وارد لأتفه الأسباب، ودوام الحال من المحال، فأهل العراق كانوا يتمتعون بمال وفير، وخير كثير، ثم ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، وليبيا كانت لها علاقات كثيرة جداً مع كل بلاد العالم، فلما خطف رجلان ليبيان طيارة حوصرت ليبيا اقتصادياً وفرض عليها عقوبات، فمن الجائز أن اثنين غداً يخطفون طائرة من أي بلد فيفرضون الحصار على البلد من غير أي أسباب ومبررات، ولو حدث هذا الحصار على بلادنا ونحن نعتمد على منتجات غربية من شركات أجنبية ماذا سيحدث لو سحبت هذه الشركات نفسها من السوق المسلم؟ أليس من الحكمة ألا نعتمد على المنتجات الغربية التي ستقطع لو حوصرت البلاد المسلمة؟ سوبر ماركت ضخم ومشهور دخل السوق المصري بثقل كبير وفتح فروعاً كثيرة جداً وضخمة جداً ورخص الأسعار بشكل لافت للنظر، فكانت النتيجة أن معظم المحلات المحلية الوطنية المجاورة أغلقت أبوابها ولم تستطع أن تبيع شيئاً، والمصنع الأجنبي على استعداد أن يخسر في البداية لأجل خسارة كبيرة في سبيل أنك تغلق مصنعك أو محلك وبعد هذا هو يتحكم في السوق، وماذا يحدث لو فتح محل مثل هذا وأغلق بعد ذلك كل المتاجر الوطنية المجاورة ثم انسحب فجأة من السوق إذا حدث حصار اقتصادي على البلاد؟ فهذه كارثة محققة، فلو حصل حصار اقتصادي على مصر -مثلاً- في الوقت الذي نحن نعيش فيه الآن، فإن المستشفيات على سبيل المثال ستغلق أبوابها؛ لأنه لا توجد تجهيزات لغرف العمليات مصنعة محلياً، ولا كشافات إضاءة ولا خيوط جراحية ولا أدوات جراحية.
باكستان لها تجربة عظيمة جداً في إنتاج الأدوات الجراحية، ليأتي العالم الإسلامي كله يتعلم منها ويستورد منها، والجزائر لها تجربة رائدة في صناعة القناطر على الأنهار لنأتي ونتعلم منها ونستورد منها، ومصر لها تجارب كبيرة جداً في صناعة الورق والنسيج والحديد وغيرها من الصناعات لنأتي ونتعلم منها ونستفيد من هذه التجارب.
إذاً: المقاطعة تجهزنا ليوم نحاصر فيه، تجهزنا تجهيزاً إيجابياً اختيارياً وفي ظروف أفضل جداً من وقت الحصار الحقيقي، والحصار فرض على رسول الله ﷺ ، فهو سياسية قديمة غير مستبعدة في أي زمان.
стр. 212
التذكر المستمر الحقيقي للمسلمين
الفائدة الخامسة: المقاطعة ستؤدي إلى التذكر المستمر الحقيقي للمسلمين، وإلى معرفة ووضوح وتذكر الصديق، وبذلك يتميز الحق والباطل، والعدو والصديق، ومن عادة الناس أنهم ينسون مع مرور الوقت وتغير الظروف، وقد يبتسم الظالم في وجهك يوماً، ويمد إليك يده مصافحاً، ويفتح لك صدره متودداً، وهو مستمر في ظلمه، فينسى الناس الظلم لاختفائه خلف الابتسامة والتودد، مثلما فعل مناحيم بيجن عندما مد يده مصافحاً ومعاهداً ومبتسماً والجميع يعلم أنه صاحب مجزرة دير ياسين، وما زال يقبع بجيوشه في بلادٍ مغتصبة ظالماً الملايين دون اكتراث.
إن استمرار المقاطعة يجعلنا في شبه حالة استنفار عام تام كامل، فلا ننسى عدونا إلا إذا تخلى عن اعتداءه تماماً، ونزح عن بلادنا، وأعاد الحقوق إلى أصحابها، استمرار المقاطعة يعيننا على تربية أبنائنا بطريقة يعرفون فيها عدوهم، ولا يخفى على عاقل أي فائدة هذه.
стр. 213
عدم استعظام المنتجات الغربية
الفائدة السادسة: إن المقاطعة ستقضي على الانبهار المسيطر على الناس من كل ما هو يهودي أو أمريكي أو غربي أو مستورد، لقد سيطرت حالة من الانبهار على الناس شملت البضائع وغيرها، بل شملت الأشخاص والأفكار، فالرجل الأمريكاني في نظر كثيرٍ من الناس أبعد نظراً وأقوى شكيمة وأذكى عقلاً وأسرع خطوة وأخفى دماً، وأكثر عطفاً وحناناً، فاستمرار المقاطعة سيقضي كثيراً على هذا الانبهار المخيف، وستعلم الأمة أنها تستطيع أن تعيش بدون أمريكا بل وبدون الغرب جميعاً، هذا إذا ما أرادت الأمة أن تعيش.
стр. 214
رفع معنويات الشعوب المسلمة عند تحقق نجاح المقاطعة
الفائدة السابعة: إن المقاطعة سترفع معنويات الشعوب المسلمة عندما ترى نجاحاً من النجاحات نتيجة للمقاطعة، فعندما ترى صرحاً أجنبياً ضخماً بفروع متعددة وأعداد هائلة من العمال، وأموال لا تحصى، وقدرات لا تنتهي، يغلق أبوابه نتيجة للمقاطعة، معلناً فشله الذريع في كسب إرادة الشعب الأبي الفاهم الواعي، فهذا -والله- هو النجاح بعينه.
عندما تمر على محلات الأمريكان للأطعمة فتجدها خاوية على عروشها وقد ازدحمت المحلات المحلية بالرواد أليس هذا انتصاراً؟ وعندما تشاهد تكالب من محلات الغرب على اكتساب الزبائن عن طريق الخصم والهدايا والمسابقات والحفلات ثم تجد إعراضاً من الناس مع حاجتهم أحياناً، ومع رغبتهم أحياناً أخرى، لكنهم يعرضون مقاطعة لهم وبعداً عنهم، فاعلم أن الشعب قد نجح بالفعل، عندما تقرأ عن محل أطعمة أمريكي مشهور يخسر حوالي ٣٥% من دخله المعتاد في الشرق الأوسط في الأسابيع الأولى فقط للانتفاضة المباركة في فلسطين بسبب المقاطعة فاعلم أن هذا مقياس جيد لنجاح الأمة، وهكذا بالمقاطعة وملاحظة النتائج ستعيش الأمة نوعاً من الانتصار وسترى لوناً من النجاح هي في أشد الحاجة إليه.
стр. 215
خلق حالة من الرعب في قلوب أعداء المسلمين
الفائدة الثامنة: استمرار المقاطعة سيحدث حالة من الرعب عند أعداء المسلمين مقابلة لحالة من الشعور بالفخار والنصر عند المسلمين، فسيشعر أعداء المسلمين بالهزيمة في مجال من المجالات، وسيشعرون بالهلع عندما يشاهدون وحدة الصف المسلم في كل الأقطار الإسلامية، وسيشعرون بالصغار عندما يلحظون قوة إرادة الأمة في مقاطعتها لهم مع احتياجها إليهم، وسيشعرون بالذل الواضح أمام عزة الإسلام والمسلمين، وهذه كلها بوادر نصر، والهزيمة النفسية لعدونا من أشد أنواع الهزائم، وصدق رسولنا الكريم ﷺ إذ يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر).
стр. 216
المقاطعة تربية عظيمة للنفس كالصيام
الفائدة التاسعة: المقاطعة تربية عظيمة للنفس بأن تحرمها من أشياء تعودت عليها، وذلك تماماً مثل فكرة الصيام فأنت في نهار رمضان تمنع نفسك عن الطعام والشراب وهما في الأصل من الأمور الحلال، فإن استطعت ذلك فأنت على تجنب الحرام أقدر، فهذا نوع من التربية.
سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كان لا يأكل السكر مع رغبته إليه، وليس السكر بمحرم لكنه يربي نفسه، وكان يقول: اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم، نريد أن نعود أنفسنا على كسر الروتين اليومي في حياتنا وعلى التغلب على شهواتنا، وعلى الانتصار على أنفسنا، وعلى تغليب المصلحة العامة للأمة على المصلحة الخاصة للأفراد، فلو خرجنا من المقاطعة بهذا الدرس العظيم وهو درس التربية لكان هذا مكسباً لا يقارن بما قبله من المكاسب.
стр. 217
ابتغاء مرضاة الله
الفائدة العاشرة وأختم بها الفوائد وأنا أعتبرها أهم فوائد المقاطعة على الإطلاق: وهو أننا مع إخلاص النوايا في نصرة الإسلام والمسلمين، وفي مساعدة إخواننا في فلسطين، وفي تقوية اقتصاد المسلمين، وفي تربية الأمة المسلمة، فإننا نرجو من الله ثواباً، ونسأله عوناً، ونتوقع منه نصراً، وننتظر منه رضاً ورحمةًً وفضلاً وكرماً.
فلعل حسنات المقاطعة تكون هي المرجحة لكفتنا يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
فالمقاطعة تعتبر من الأسلحة الحتمية التي يجب على المسلمين جميعاً أن يتحدوا في القيام بها.
стр. 218
فن المقاطعة
ونأتي إلى النقطة الأخيرة في المحاضرة وهي الحديث عن فن المقاطعة وفيها خمس نقاط وهي ما يلي: ١ - المقاطعة المتخصصة بمعنى: أنه من الممكن عمل قوائم للمنتجات اليهودية والأمريكية يقاطعها كل الناس، وتهم كل الناس، وعمل قوائم أخرى تخصصية لا تهم إلا مجموعة معينة من الناس، ولا داعي لشغل بقية الأمة بها، فمثلاً: الأدوية، فمن المعروف أن عامة الأمة لا يصفون لأنفسهم الأدوية فليس هناك داعي أن يعرف الناس جميعاً مصادر الأدوية وشركات الأدوية، لكن من المهم أن يعرف ذلك الأطباء والمستشفيات، فتوزع قوائم بالأدوية على هذه الطائفة فقط من الناس، بل إنه من الممكن الزيادة في التخصص داخل طوائف الأطباء المختلفة، فالأدوية التي يستعملها طبيب القلب مثلاً غير الأدوية التي يستعملها طبيب العيون، غير التي يستعملها الجراح، فإذا قام كل طبيب من كل مجموعة بعمل الأدوية التي يحتاج إليها تخصصه ووزعها على زملائه في التخصص سيكون ذلك أكثر فائدة لهم وأقل شغلاً لتفكيرهم، وأدعى لاستجابتهم، وهكذا المهندسون، والمزارعون والكيمائيون، وكل طوائف الشعب المصري.
٢ - أن ترشد بوضوح إلى البديل أسميها المقاطعة المعوضة، ولا بد أن تعوض هذه المقاطعة بشيء آخر، ولا بد أن نبحث عن البديل الوطني، وندل الناس عليه ونعرف به، ومن المهم أن نثير ذلك في مجالسنا أو يكتب كل واحد منا البدائل لأقاربه وأصحابه وزملائه في العمل وهكذا حتى نسهل على الناس المقاطعة.
٣ - البحث عن التطورات في السوق والاهتمام بها ونشرها أسميها المقاطعة المتطورة، فقد تشتري شركة يهودية أو أمريكية شركة أخرى فننتبه إلى ذلك، كما حدث عندما اشترت مؤخراً شركة بطاطس أمريكية شركة أخرى وطنية، فيعلم الناس ذلك حتى يسهموا في مقاطعة هذه الشركة الأخيرة، قد تغلق شركة أمريكية أبوابها نتيجة لمقاطعة فيشار إلى ذلك لتحميس الناس، وقد تتبرع إحدى الشركات الأمريكية لإسرائيل مباشرة فينشر ذلك حتى يشجع الناس على المقاطعة، كما حدث من شركة كبيرة للأدوية تبرعت بإنشاء مستوطنات كثيرة داخل إسرائيل، وكما حدث من مطعم أمريكي مشهور تبرع بدخل يوم السبت لإسرائيل، وكما تبرعت شركة مياه غازية مشهورة بمبالغ ضخمة بالإضافة إلى دعاية سافرة لإسرائيل، وعلى قبة الصخرة كما وضعوا في الإعلانات.
٤ - المقاطعة المستمرة وهو الحديث عن المقاطعة بصفة مستمرة والتذكير بها دائماً، فمن عادة الناس أنهم ينسون، وكثيراً ما يكون المرء متحمساً لشيء ثم ينساه مع مرور الوقت، فإن أعيد التذكير عاد حماسه من جديد خاصة إذا أشير إلى حال المسلمين في فلسطين، وداومنا على التذكير بأحوال المسلمين في بقاع الأرض المختلفة على أيدي هؤلاء الذين نقاطعهم.
٥ - وأخيراً من المؤكد أن هناك ابتكارات كثيرة في هذا المجال أسميها المقاطعة المبتكرة، وليس المجال يتسع لشرح هذه الأمور، لكن من المؤكد أن عقول المسلمين لا تنضب عن الأفكار الحسنة والذكية، فمثلاً: استخدام الإنترنت أو التلفونات المحمولة أو أي اختراع ممكن يقوم به المسلمون للتأكيد على موضوع المقاطعة.
فالمقاطعة سلاح هام جداً وفعال جداً ومؤثر جداً، ولا يجب أبداً أن يتهاون فيه المؤمنون، وسيؤتي ثماره إن شاء الله طيبة حسنة في الدنيا والآخرة.
стр. 219
نصيحة ختامية للمقاطع
وختاماً: فهذه كلمة أخيرة لأخي المقاطع في سبيل الله! ولا شك أنك ستألم من مقاطعتك للبضائع اليهودية والأمريكية، وهو ألم كبير وليس هذا بمستغرب، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فاعلم أنك إن كنت تألم فألمك بأجر أما هم فيألمون وعليهم الوزر، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
تذكر إخوانك المحاصرين في فلسطين والعراق وأفغانستان، تذكر أنهم حرموا دون إرادتهم من أشياء قاطعتها أنت بإراداتك، تذكر أن آباءك وأجدادك عاشوا طويلاً دون هذه الأشياء، فقد أدخل الناس في روعك أن الحياة بغيرها لا تستقيم وكذبوا، تذكر عدواً يقتل بيد ويبيع بالأخرى كيف تشتري منه؟! تذكر يوماً عصيباً طويلاً نحاسب فيه، فمقاطعتك حسنات في رصيدك لا تضيعها، تذكر أن حرمانك من أشياء بسيطة في الدنيا قد يورث جنة لا حرمان فيها، تذكر إلهاً ناظراً إليك، مراقباً لأعمالك، فرحاً بطاعتك، مؤيداً لخطواتك، تذكر أنه يحب الصابرين ويحب المجاهدين ويحب المتقين فكن منهم.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
стр. 220
الحج ليس للحجاج فقط
من فضل الله ورحمته أن جعل العبادات متنوعة لعباده؛ ليقبلوا عليه بها فيزيد من حسناتهم، ويغفر لهم سيئاتهم، ومن هذه العبادات الحج، ففيه منافع كثيرة ليست للحجاج فقط، فهو موسم طاعات للحجاج وغيرهم، فإن كان الحجاج قد شرع الله لهم شعائر يؤدونها في الحج فإنه سبحانه شرع لغير الحجاج أعمالاً يتقربون بها إليه في نفس الموسم؛ رحمة منه سبحانه وكرماً وفضلاً.
стр. 221
أهمية الحج في الإسلام
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
لقائي معكم اليوم حول ملحوظة لاحظتها في حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، حديث مشهور جداً يا إخواني! الحقيقة أن هذه الملحوظة حيرتني وأوقفتني فترة طويلة أمام الحديث أتفكر وأتدبر، الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)، الحديث مشهور جداً ومتفق عليه، ويحفظه تقريباً عامة المسلمين.
فيا ترى ما هو الذي حيرني في هذا الحديث؟ تعالوا كذا نفكر سوياً، فالإسلام صرح هائل وبناء عظيم ضخم، فيه عدد مهول من التشريعات والقوانين والأحكام، نظام حياة كامل، ودستور كامل ينظم معاملة المسلم مع ربه، ومعاملة المسلم مع أسرته وجيرانه وأقاربه وأصحابه، حتى مع أعدائه، بل مع كل الناس، الإسلام فيه تشريعات لا حصر لها، يتيه الإنسان في تدبر الكم الهائل من القوانين والأحكام في هذا الدين العظيم، هذا البناء الضخم هو الإسلام.
لكن من كل هذه التشريعات اختار الله خمسة أمور فقط، جعلها أساساً لهذا البناء الضخم، قال: (بني الإسلام على خمس)، كل شيء بعد هذا يبنى فوق هذه الخمس، ولو واحدة من هذه الخمس وقعت وقع البناء الضخم كله.
إلى الآن لا شيء محير، لكن المحير الآن أن يكون الحج هو أحد هذه الأعمدة التي يبنى فوقها الإسلام، لماذا الحج بالذات هو المحير؟ لأن الحج عبادة لا يكلف بها المسلم أو المسلمة إلا مرة واحدة في العمر، وفي حال الاستطاعة، يعني: الذي لا يستطيع لن يحج، وهناك ملايين من المسلمين على مر العصور لم يحجوا أصلاً؛ لعدم الاستطاعة، سواء كانت عدم استطاعة مالية أو صحية أو أمنية أو غيرها، وحتى الناس الذين حج كثير منهم يحج مرة واحدة في العمر، والإنسان يعيش ستين سنة أو سبعين سنة في المتوسط: (أعمار أمتي بين الستين والسبعين).
إذاً: الواحد في هذا العمر الطويل لا ينفق في هذه العبادة إلا أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، أو قل: شهراً أو شهرين، والآن نسمع عن الحج السريع والحج الفاخر والمريح، فإنك تؤدي فريضة الحج في أسبوع بالكثير، تنزل في فندق عشرة نجوم، فتكون أقرب للحرم من أهل مكة نفسها، لكن المهم أن الموضوع كله بالقياس إلى عمر الإنسان في الأرض بسيط جداً، سواء كان حجاً سريعاً أو حجاً بطيئاً.
فلماذا يختار الله هذه العبادة العارضة في حياة المسلم ليجعلها أساساً لهذا الدين، وعموداً من أعمدة الإسلام، وليس مطلوباً منك هذه الفريضة إلا مرة واحدة في العمر وفي حال الاستطاعة! وإن لم تكن مستطيعاً فليس عليك شيء؟! الأمر يا إخواني يحتاج إلى وقفة وتدبر، قلت: لا بد أن الحج يؤثر على حياة الإنسان بكاملها في الأرض، أي: هناك فوائد تتحقق في الحج وتغير من حياة المسلم الذي أدى هذه الفريضة، بحيث تكون هذه الزيارة العارضة لبيت الله الحرام سبباً في صلاح الفرد رجلاً كان أو امرأة، ومن ثم يستطيع تطبيق بقية شرائع الإسلام، ومن ثم أيضاً يصلح الحج؛ ليكون ركناً من الأركان التي يبنى عليها الإسلام قلت هذا الكلام، لكن واجهتني قضية أخرى، وهي: إن كان هذا صحيحاً في حق الحاج والحاجة فما بال أولئك الذين لم يستطيعوا الحج لأي عذر وهم ليسوا بالقليل؟ ولماذا يجعل الله الحج من أساسات الإسلام الرئيسية، وهناك طائفة كبيرة جداً من المؤمنين لم يقوموا به مع كونهم مؤمنين؟ ومع كونهم راغبين فيه ومشتاقين إليه؟ قلت: من المؤكد أن هناك فائدة ما تعود على عموم الأمة سواء كانوا من الحجاج الذين يحجون كل سنة، أو من الحجاج الذين يحجون مرة واحدة فقط في العمر، أو حتى من الناس الذين لم يحجوا أصلاً ولن يستطيعوا أن يحجوا.
من المؤكد أن الحج ليس للحجاج فقط، الحج يفيد الأمة كلها، ومن أجل هذا جعله الله ركناً أساسياً في بناء الإسلام، فيا ترى ما هي مقاصد الشريعة في موضوع الحج؟ بمعنى: ما هي الغاية من الحج؟ وما هي الفوائد المتحققة والآثار الناتجة عن الحج؟
стр. 222
منافع الحج
تعالوا نبحث ونفهم لماذا الله اختار الحج؛ لكي يكون من أعمدة الإسلام؟ وجدت آية في كتاب الله تقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨].
الحج فيه كما قال الله : (منافع)، وكلمة منافع كلمة شاملة عامة، لا أعتقد أنها تقتصر على المنافع التجارية والمالية فقط، فبعض المفسرين والدعاة يقصرون كلمة المنافع على التجارة، فعندما تذهب لتحج يمكنك أن تقوم ببعض الفوائد التجارية، فتشتري من التجار هناك وتبيع، يعني: أمور التجارة بصفة عامة، لكن الحقيقة قصر المنافع على التجارة فقط فيه تحديد غير مقبول للنص، وفيه تجن شديد على هذه الكلمة العامة الشاملة، وبالذات في هذا الزمان الذي نعيش فيه، فرزق المسلمين هناك من البترول في يوم أو يومين يعادل تجارة الحج كلها، وبالذات لو أخذت في الاعتبار أن المنفعة الحقيقية في تجارة الأيام هي هذه، فإنها تعود للصين وهونغ كونغ واليابان ولا تعود لبلاد المسلمين.
стр. 223
ترسيخ فكرة الأمة الواحدة عند المسلمين
المنفعة الثانية: ترسيخ فكرة الأمة الواحدة عند المسلمين، فالحج مؤتمر إسلامي عالمي مهيب، يلتقي فيه المسلمون من كل أقطار الأرض، وهذا يزرع في المسلمين شعور الأمة الواحدة، وهذا بلا شك من أعظم منافع الحج، وبالذات في هذه الأزمان التي رأينا فيها التفكك الشديد بين المسلمين، نسأل الله أن يوحد صفوف المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
стр. 224
عودة الحاج إلى الله واستمراره على الطاعة بعد الحج
المنفعة الثالثة: المسلم بعد الحج يفتح صفحة جديدة تماماً مع الله ، فالحاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، مهما كان ارتكب من المعاصي قبل ذلك، وهذا يعطي أملاً كبيراً لكثير من عصاة الأمة، فإن كثيراً من المسلمين لا يلتزم بهذا الدين؛ من شدة إحباطه ويأسه لكثرة ذنوبه، تاريخه تاريخ طويل مع المعاصي.
فالحج يفتح صفحة جديدة للمسلمين، ولا شك أن هذا سيكون له انعكاس على الأمة الإسلامية بأسرها؛ لأنك في كل يوم وفي كل سنة ستكسب أفراداً جدداً يضافون إلى قوة وطاقة الأمة الإسلامية.
стр. 225
الحج يربي الحجاج ويربي الأمة كلها على الاتباع
المنفعة الرابعة: الحج يربي الحجاج، ويربي الأمة كلها على اتباع أوامر الله دونما جدل ولا اعتراض، فلا يشترط المؤمن معرفة الحكمة كي يتبع أمر الله ، لماذا الطواف؟ لماذا هو سبع مرات؟ لماذا تقبيل الحجر؟ لماذا الحلق؟ لماذا هيئة اللباس هكذا؟ لماذا الرمي بتسع وأربعين حصوة أو سبعين حصوة؟ فهذه تفاصيل قد لا تجد إجابة عن معظمها، المقصود فيها: أن تقول سمعنا وأطعنا، فالواجب عليك عندما تعود من الحج وكذلك بقية الأمة المؤمنة بالحج أن تتعلم أن تقول: سمعنا وأطعنا لكل أمر من أوامر الله ، فإن قال لك: اترك الربا فقل: سمعاً وطاعة، وإن قال: اترك الرشوة فقل: سمعاً وطاعة، اترك الغيبة قل: سمعاً وطاعة، اترك الموالاة للكافر قل: سمعاً وطاعة، وهكذا مع كل أوامر الإسلام، ولو زرعت النقطة هذه في قلوب المسلمين فالحمد لله، هذه هي نجاة الدنيا ونجاة الآخرة.
стр. 226
الحج يذكر الأمة بيوم القيامة
إذاً: تعالوا نفكر في منافع الحج الرئيسية.
الحقيقة أنا أعتقد أن أهم منفعة في الحج هي أنه يذكر الأمة كلها ليس الحجاج فقط بيوم القيامة، فالشبه كبير جداً بين الحج وبين يوم القيامة، فالحج يمر بأكثر من موقف يذكر بيوم القيامة، فإن الحاج يعود فيحكي لكل الناس هذه المواقف، فيتذكر الناس جميعاً يوم القيامة، ولن تجد أحداً في الأمة كلها لا يعرف حاجاً أو أكثر حجوا وعادوا يحكون عن حجهم، وربنا ألقى محبة الحج في قلوب كل المسلمين، فتجد معظم المسلمين عندهم حرص شديد على أن يحجوا، وعندهم حرص شديد على أن يودعوا الحجاج وهم ذاهبون للحج، وعندهم حرص شديد على أن يستقبلوا الحجاج ويزوروهم ويسمعوا منهم، ويكون فعلاً موسم الحج موسم تذكير بمنافع الحج للأمة كلها وليس فقط للحجاج.
فمن أهم المنافع كما قلنا تذكير الأمة بيوم القيامة، قبل أن نقول: ما هو وجه الشبه بين الحج وبين يوم القيامة؟ لا بد أن نقول: إن معظم الفساد والمعاصي والضلال الذي يحصل في الأرض؛ يحصل لأن الناس نسوا أن هناك يوماً اسمه يوم القيامة، أو أن هناك يوماً اسمه يوم الحساب، سيحاسب فيه كل واحد على كل عمل عمله في الدنيا، منذ أول لحظة من لحظات التكليف إلى لحظة الموت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص:٢٦]، لماذا ما هو سبب الضلال؟ ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]، فنسيان يوم الحساب كارثة ومصيبة، ولو أن الناس تذكروه لحلوا كل مشاكل الأرض؛ لذلك فإن الرسول ﷺ من أول يوم نادى فيه بدعوته في مكة ذكر بهذا اليوم قال: (والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن على ما تعملون، وإنها لجنة أبداً، أو نار أبداً).
فبالله عليك لو كنت تتذكر يوم الحساب فعلاً هل سيصير حالك هو حالك المعهود، أم أنك ستعيد النظر في ألف موقف مر بك؟ فالحج صدمة صدمة كبيرة تفيق الأمة كلها بسببه، وتوقظها من النوم وتذكرها بالذي نسيته كثيراً، فلو أن واحداً تذكر أنه سيحاسب هل سيرتشي؟ هل سيظلم؟ هي سيسرق؟ هل سيختلس؟ هل سيعق والديه؟ هي سيتعدى على حقوق زوجته أو أولاده أو جيرانه أو أصحابه أو حتى الناس الذين لا يعرفهم؟ لا أعتقد أنه سيفعل ذلك إذا كان عنده يقين بيوم الحساب، فصلاح الأرض في تذكر يوم الحساب.
الحج تذكرة علنية واضحة صريحة قوية لكل المسلمين أن هناك يوماً سنرجع فيه إلى الله، وكأن الحج يقول: استيقظ يا مسلم! استيقظ يا مؤمن! لا توجد لحظة في حياتك إلا وهي تسجل: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
كيف يذكرنا الحج بيوم الحساب؟ سبحان الله! من أول يوم فكرت فيه أن تحج والحج يذكرك بيوم الحساب: أولاً: كل مسلم يريد الحج يجمع النقود على النقود حتى يجمع نقود الحج، ويتحرى الحلال في كل ما يجمع، ثم يذهب يتفق على الحج فيدفع عشرة آلاف مثلاً، أو خمسة عشر ألفاً مثلاً، أو عشرين ألفاً أو أكثر، فالعملة كما ترون مستمرة في الزيادة، والموقف يتأزم.
فالحاج يدفع كل ذلك وهو راض سعيد، وينفق كل هذه النفقة في سبيل الله، وقد لا يستطيع جمع هذا المبلغ إلا بمشقة بالغة ينفقه وهو سعيد؛ لأنه سيؤدي فريضة الله ، وسيهاجر إلى الله ، وسيرجع إلى الله ، وانتبه للكلمة التي يقولها الحاج من ساعة خروجه للحج إلى حين عودته، يقول: لبيك اللهم لبيك.
أي: راجع إليك يا ربنا! ذاهب إليك يا ربنا! وكذلك فإن الذي سيذهب للحج يبدأ في استرضاء كل الناس الذين يعرفهم، وكان بينه وبينهم خلاف أو نزاع، فيقول: يا ترى هل هناك أحد أخطأت في حقه فأعتذر له؟ يا ترى هل هناك حق عندي لأحد فأرجعه إلى أصحابه؟ يا ترى هل هناك ديون علي فأسددها قبل أن أحج؟ فالحاج يا إخواني! كأنه يستعد تماماً ليوم الحساب، يجمع زوجته وأولاده ويوصيهم ويذكرهم ويعلمهم، فيقول: وأنا لست موجوداً اعملوا كذا كذا، ولو حصل كذا اعملوا كذا، فيتصرف وكأنه لن يعود، وحين يذهب للحج يخرج الناس ليودعوه أفواجاً كبيرة، فيتذكر الناس جميعاً أن هناك يوماً سيخرج الناس لتوديعه لكن من غير عودة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فيتذكر الحاج أو الحاجة كل هذا الكلام، ويتذكر الذين يودعونه أيضاً هذا الكلام، بل إن ملابس الحج بالنسبة للرجال تذكر الناس جميعاً بيوم القيامة؛ فلباس الحج يكون فيه عري نسبي للرجال، فأنت تكشف كتفك في الحج؛ لكي يذكرك بالعري الكامل يوم القيامة؛ ولكي تتذكر الصورة التي ستكون عليها يوم الحساب.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً، قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ : يا عائش
стр. 227
المساواة بين طوائف المسلمين المختلفة
المنفعة الخامسة: المساواة بين طوائف المسلمين المختلفة، معنى في منتهى الروعة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، فالكل سواسية كأسنان المشط، الغني بجوار الفقير، والحاكم بجوار المحكوم، والكبير بجوار الصغير، والمصري بجوار الباكستاني وبجوار النيجيري وبجوار الشيشاني وبجوار الفلسطيني، لا قبيلة ولا عنصرية ولا اختلاف في الهيئة الخارجية ولا في المناسك ولا في المكان ولا في الزمان، الناس سواسية كأسنان المشط، معنى من أهم المعاني البنائية لأمة الإسلام.
стр. 228
التذكير بالحرب الدائمة مع الشيطان عند رمي الجمرات
المنفعة السادسة: التذكير بالحرب الدائمة مع الشيطان عند رمي الجمرات، فالحرب قديمة قدم خلق البشر، والحرب الباقية بقاء الدنيا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، تذكير للمؤمنين بعدوهم القديم والأكبر، بعدوهم الذي يعد لهم كل يوم ألف عدة، ويغفل عنه كثير من المسلمين، فالحج تنبيه من هذه الغفلة وإيقاظ للأمة بكاملها، نسأل الله أن ينصرنا عليه في كل الميادين.
стр. 229
الحج يرسخ كل معاني التضحية في قلوب الحجاج
المنفعة السابعة: الحج يرسخ كل معاني التضحية في قلوب الحجاج، فالتضحية بالمال، إذ إنه يجمع الأموال الكثيرة ليؤدي فريضة الله ، والتضحية بالوقت الطويل، والتضحية بالجهد، والتضحية بمتع الحياة المختلفة، ولن ينصر هذه الأمة إلا من تدرب على التضحية بكل معانيها، تضحية بكل شيء في سبيل إعلاء كلمة الله ، والحج من أعظم المدارس في ذلك.
стр. 230
التقشف والبعد عن ترف الدنيا
المنفعة الثامنة: التقشف، الحج تدريب على البعد عن ترف الدنيا ونعيمها في اللباس والسكن والأكل وغيره، فالناس الذين يبالغون في رفاهية الحج ويصرف فيه مبالغ طائلة، وينعم إلى أكبر درجة -هؤلاء لم يفقهوا هذا الدرس وهذه المنفعة، فالأمة المترفة لا يكتب لها نصر أبداً، هذه منفعة من أهم منافع الحياة.
стр. 231
الحج يربي لين الجانب وهدوء النفس وترك الجدال
المنفعة التاسعة: الحج يعلمنا لين الجانب وهدوء النفس وترك الجدال، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فلو أن الأمة تربت على أنها تكظم غيظها وتصلح ذات بينها، وتتجنب الجدال فهذا والله لسبيل واضح من سبل النصر والتمكين.
стр. 232
التجارة في أيام الحج
المنفعة العاشرة والأخيرة في هذه المحاضرة وليست الآخرة؛ لأنه من المستحيل لأي إنسان أن يحيط علماً بحكمة الله ، المنفعة العاشرة: هي التجارة، تبيع وتشتري وتستفيد وتفيد: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]، وليس في هذا شيء طبعاً، ولكن ينصح ألا ينفق الحاج وقته الثمين في تجارة كثيرة، فوقت الحج في منتهى الأهمية، فليس من المرغوب فيه أن تضيع ساعات كثيرة في أشياء من الممكن أن تعملها في أي مكان آخر في الأرض غير مكة.
فتلك يا إخواني! عشرة كاملة.
نسأل الله أن ينفعنا وينفع الأمة جميعاً بها إن شاء الله.
نعود مرة أخرى للموضوع الذي كنا نتكلم فيه، وهو أن الله اختار الحج كركن أساسي من أركان الإسلام، ركن يبنى عليه الإسلام كله؛ وذلك لكل المنافع التي نحن قلناها منذ قليل، وهناك منافع أخرى كثيرة جداً، وكلما تدبرت آيات الله وأحكامه، فإنك ستخرج بمعانٍ جديدة، فهو شرع محكم ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١].
أظن أننا فهمنا لماذا الله اختار الحج كركن أساسي من أركان الإسلام؛ لأنه لو تحقق الحج كما ينبغي لأقيمت كل شرائع الإسلام كما ينبغي، وهذا والله خير الدنيا والآخرة، فالحجاج يعيشون مع كل هذه المعاني، ثم ينقلونها إلى بقية الأمة.
стр. 233
الأعمال التي شرعها الله لغير الحاج أيام الحج
إن الله أراد من غير الحاج أن يعيش نفس المعاني التي يعيشها الحاج سبحان الله! ليس عن طريق السماع فقط، بل عن طريق الفعل أيضاً، فالله شرع لك أعمالاً تجعلك تعيش في نفس الجو، وهي أعمال تشبه الأعمال التي يعملها الحجاج، وفي نفس التوقيت الذي يحج فيه الحجاج.
أنا طبعاً لا أقصد أن تذهب إلى السويس أو الغردقة وتقول: لبيك اللهم لبيك، ولكن أقصد أعمال البر والطاعة، وهذا ليس كلامي، بل هو كلام الرسول ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يقصد االعشر الأولى من ذي الحجة، (قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟!) انتبه مع السؤال، فقد كان الجهاد عند الصحابة أعلى شيء (قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله)، يا ألله! ثم استثنى ﷺ فقال: (إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع بشيء من ذلك).
فهذه الأيام العشر فرصة لكل المؤمنين في الأرض، فرصة لأولئك الذين لم يوفقوا للحج، فالله سبحانه يعلمنا ماذا نعمل فيها، ففي نفس الوقت الذي يحج فيه الحاج ويؤدي المناسك، كذلك وأنت في بلدك بعيد عن مكة مئات أو آلاف الأميال تحصّل من الأجر ما لا يتخيل، حتى إن الرسول ﷺ جعله أعلى من الجهاد، إلا أن تبذل النفس بكاملها والمال بكامله في سبيل الله.
فهذه الأيام العشر أعظم أيام في السنة، وهذه ليست للحجاج فقط، بل هي لعموم الأمة؛ لكي يعيشوا مع إخوانهم الحجاج نفس الجو الإيماني الرائع.
إذاً: نحن لا بد أن نستغل هذه الأيام أقصى استغلال، ولكي تحج تماماً انتبه أن تضيع منك دقيقة واحدة، استغل كل لحظة بحسنات، واعمل لنفسك ورد محاسبة في كل يوم، وحاسب نفسك وذكرها بيوم الحساب.
خذ عندك بعض الأعمال التي ممكن تعملها، وأتمنى أن تسجلهم معي بالورقة والقلم، وتعملوا الحاجات هذه من أول يوم في ذي الحجة إلى أن تنتهي هذه الأيام العشر على أحسن خير إن شاء الله:
стр. 234
صيام التسع الأول من ذي الحجة
أولاً: صيام التسع الأول من ذي الحجة، أما اليوم العاشر فهو يوم عيد الأضحى والصيام فيه محرم، فحاول أن تصوم التسع الأول من ذي الحجة، فإن فاتك صيامها فلا يفتك صيام يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة هذا في منتهى الأهمية، إذ يكفر الله به ذنوب سنتين كاملتين، أي: سنة ماضية وسنة مستقبلة، كما روى ذلك مسلم عن أبي قتادة ﵁ وأرضاه.
وإن من أعظم بركات الحج أن الله يغفر ذنوب الحجاج جميعاً، وأكثر ما يعتق الله من الرقاب يعتقها في يوم عرفة، قال الرسول ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة)، فالحاج يكفر الله ذنوبه في عرفة، وغير الحجاج الصائمون في يوم عرفة يكفر الله ذنوبهم وهم في بلادهم على بعد مئات أو آلاف الأميال عن مكة، وهذه نعمة من الله .
ثانياً: صلاة الجماعة بالنسبة للرجال في المسجد، والصلاة على أول وقتها بالنسبة للنساء، وهذا من الواجب أن يكون طوال السنة، لكن الشيطان يغلب المسلم أو المسلمة ويحرمه أو يحرمها الأجر الكثير لصلاة الجماعة أو للصلاة على أول وقتها، والله من رحمته بالمؤمنين جعل لهم مواسم يشتاق فيها المسلم للعبادة، ويتقوى عليها بحيث يتدرب على ما كان يصعب عليه في غير هذه الأوقات، كشهر رمضان، وكالعشر الأوائل من ذي الحجة، فهي فرصة ليس فقط لتحصيل كم هائل من الثواب، ولكن للتعود والتدرب على هذه الفضائل طوال السنة، وليس فقط طوال السنة، بل طيلة العمر إن شاء الله.
وقبل أن أترك هذه النقطة اعلم أن صلاة الفجر من أهم الصلوات التي يجب أن يحافظ عليها المؤمن الصادق والمؤمنة الصادقة، وهذه الأيام العشر فرصة لأن نتعلم كيف نحافظ عليها، وفضل صلاة الفجر عظيم جداً، ويكفي أن سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها، كما قال رسول الله ﷺ فما بالكم بصلاة الفرض؟ والذي يريد تفصيلاً أكثر يرجع لمحاضرة: كيف تحافظ على صلاة الفجر، والرسول ﷺ يقول عن صلاة الجماعة بصفة عامة: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح)، والحديث في البخاري ومسلم، فماذا تريد أكثر من هذا؟ ألسنا نحسد الحجاج على وعد الله لهم بالجنة؟ فإن الرسول ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، هذا حديث رائع! لكن أنت لديك الفرصة وأنت في بلدك، فلا تتعلل بأنك لا تستطيع أن تحج، فإنك كلما ذهبت إلى المسجد أعد الله لك بيتاً في الجنة ذاهباً وعائداً (كلما غدا إلى المسجد أو راح).
стр. 235
الإكثار من النوافل
ثالثاً: الإكثار من صلاة النافلة، فالحجاج لديهم فرصة ضخمة لتحصيل الأجر من الصلاة في البيت الحرام والصلاة في الحرم النبوي، لكن الله لم يحرمك من فرصة زيادة الحسنات عن طريق صلاة النافلة وأنت في بلدك، بل وأنت في بيتك، فعليك أن تشعر تماماً كأنك في الحج وأنت في هذه الأيام العشر، فالحاج لا يضيع أي وقت وهو في مكة؛ لأن كل صلاة يصليها بمائة ألف صلاة، أيضاً أنت لا تضيع وقتك وأنت في هذه الأيام وستجد حسنات كثيرة لا تتوقعها، مثال ذلك: قيام الليل، قيام الليل بالذات في هذه الأيام له أجر خاص ووضع خاص، كثير من المفسرين يذكرون أن الله عندما أقسم قائلاً: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، يعني بها: هذه الليالي العشر من أول ذي الحجة، فقم وصل في الليل بقدر ما تستطيع، واسأل الله الذي أنت تريده.
ففي الصحيحين يقول رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، فيا الله! تريد ماذا أكثر من هذا؟! الله هو الذي يتودد إليك، وهو الذي يطلب منك أن تذكر له حاجتك، أليس عندك مريض وتتمنى أن يعافى؟ أو عندك امتحان وتتمنى أن تنجح فيه؟ أو عندك مشكلة وتتمنى أن تحل؟ أو ترى ظالماً وتتمنى من الله أن يرده عن ظلمه؟ أو لك حق وتتمنى من الله أن يعيده إليك؟ أليس عندك شيء من هذه الأشياء؟! طيب.
ألا تريد مالاً؟ ألا تريد صحةً؟ ألا تريد زوجةً؟ ألا تريد أولاداً؟ يقول الله لك: (من يسألني فأعطيه).
كذلك أليس عندك ذنب تتمنى أن يغفره الله لك؟ من منا ليس عنده ذنب؟ (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، ألسنا نحسد الحجاج؛ لأن الله يغفر لهم كل الذنوب؟ إذاً: فالله يعطيك هذه الفرصة كل ليلة، فهو يسألك ويقول لك: (من يستغفرني فأغفر له)، فأنت فقط استيقظ واستغفر الله وهو سيغفر لك من غير أن تدفع عشرين ألف جنيه أو أكثر وتذهب لتحج، وليس معنى هذا: أن الناس يتركون الحج، فالحج من أعظم العبادات في الإسلام، لكن أنا أقول لعموم المسلمين الذين لم ييسر الله لهم فرصة الحج لأي ظرف كان، إن الله أعطاكم بدائل عن الحج، فهناك أناس في وقت الحج يحصلون على أجور تقارب أجر الحج، بل والله ربما يكون أجره أعلى، وذلك إذا كانت النية خالصة تماماً لله، والاشتياق حقيقي للمغفرة وللعمل الصالح.
ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رض الله عنه أن رسول الله ﷺ يقول: (إن بالمدينة أقواماً)، قال هذا الكلام وهو راجع من غزوة تبوك، (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم)، يا سبحان الله! هم قاعدون في المدينة، لكنهم يأخذون أجر المجاهدين في سبيل الله، فتعجب الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر)، فأنت قد تتمنى أن تحج حجاً حقيقياً، وتكون مشتاقاً للحج، ومشتاقاً للمغفرة، فانتبه أن تضيع هذه الفرصة.
وليست النافلة فقط قيام الليل، بل بقدر ما تستطيع أد نوافل أخرى، كالسنن القبلية والبعدية لكل الصلوات.
واسمع هذا الحديث الرائع: عن أم حبيبة ﵂ أم المؤمنين قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة).
تفسير هذا الحديث في رواية الترمذي عن أم حبيبة ﵂ أنها: اثنتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، واثنتان بعد الظهر، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء.
فهذه اثنتا عشرة ركعة.
وانظر إلى أزمة البيوت التي نحن نعيشها الآن، وفكّر معي لو أن أحد الملوك وعدك أنك لو فرغت له نصف ساعة يومياً فإنه سيعطيك بيتاً واسعاً على النيل، فيا ترى هل ستفرغ له نصف ساعة أم لا؟ فقد تقول سأفرغ له عشر ساعات أو عشرين ساعة أو أفرغ عمري كله.
كذلك الله -ولله المثل الأعلى- لو فرغت له نصف ساعة في اليوم لتأدية هذه النوافل فإنه سيبني لك بيتاً في الجنة ليس على النيل وإنما في الجنة، تريد ذلك أم لا تريد؟ فالمسألة هي مسألة إيمان، ومن كان عنده يقين في وعد ربه لن يفرط في ذلك.
إن النوافل كثيرة، ومن الممكن أن تقوم بها في هذه الأيام العشر، وهي تدريب لك لكي تستمر عليها طيلة العمر، فتعود على صلاة الضحى، وعلى سنة الوضوء، وعلى صلاة الحاجة، وصلاة الاستخارة، وصلاة التوبة، صلِّ صلوات لله تطوعاً، صلِّ عن الصلوات التي فاتتك في عمرك، واجعل هذه الأيام العشر هجرة كاملة إلى الله .
стр. 236
ذكر الله
رابعاً: ذكر الله ، فالذكر في هذه الأيام له وضع خاص جداً، فالله يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، أي: في هذه الأيام.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، قال: هي أيام العشر.
فهذا أمر مباشر بذكر الله ، وكل أنواع الذكر محمودة، يقول الرسول ﷺ كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، هؤلاء هم الذين سبقوا، وأنواع الذكر كثيرة: سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأي ذكر آخر.
لكن في هذه الأيام هناك أنواع معينة من الذكر يستحسن أن تكثر منها في هذه الأيام بالذات، منها مثلاً: التهليل، والتكبير، والتحميد، وذلك لأن الرسول ﷺ قال كما جاء في مسند أحمد والطبراني عن ابن عمر ﵄: (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر -وهي الأيام العشر الأولى من ذي الحجة- فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).
والتكبير بالذات له قيمة عالية جداً في هذه الأيام العشر، فقد كان ابن عمر وأبو هريرة ﵃ يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.
من الأذكار الهامة أيضاً في هذه الأيام أذكار الاستغفار، فأنت تشعر أن الجو العام في موسم الحج بصفة عامة سواء للحجاج الذين كتب الله لهم الحج في ذلك العام أو لأولئك المجتهدين في العبادة في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة هو جو المغفرة والرحمة والتوبة، يقول رسول الله ﷺ : (الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم).
إذاً: فرصة في هذه الأيام أن نستغفر الله ، فالاستغفار سهل، والمهم أن تهتم به.
من صيغ الاستغفار المشهورة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، فلو أنت شغلت نفسك بالاستغفار في طريق تمشيه طوله مائة متر فقط ستحصل على أكثر من مائة مرة استغفار، واعلم أن الله لما طلب منك أن تذكره طلب منك أن تذكره كثيراً بقدر ما تستطيع.
قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
إذاً: هذا الأمر الرابع الذي يجب علينا أن نعمله في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، وهو الذكر الكثير وبالذات التكبير والتحميد والتهليل والاستغفار.
стр. 237
الدعاء
خامساً: الدعاء.
فالرسول ﷺ رفع من قيمة الدعاء حتى قال كما جاء في سنن أبي داود والترمذي: عن النعمان بن بشير ﵄: (الدعاء هو العبادة)، سبحان الله، وإذا كان الحجاج عندهم فرص لدعاء لا يرد في مكة، كالدعاء في الطواف، وفي الركن اليماني، وفي السعي بين الصفا والمروة، ويوم عرفة، وعند الشرب من زمزم، وعند رمي الجمرات وبعد رمي الجمرات، مواطن كثيرة يقبل الله الدعاء فيها من حجاج بيته، إذا كان كل هذه الفرص متاحة للحجاج، فالله لم يحرم عموم الأمة من فرص إجابة الدعاء في غير مكة.
من ذلك: الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وهناك فرصة تكون أقرب وأقرب من ذلك، وهي عند السجود في أي مكان في الأرض، يقول رسول الله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء).
وعلى العموم ادع الله في أي وقت وفي كل ظرف ومناسبة، فهذه الأيام العشر أيام عظيمة وشريفة، وسيكون الدعاء فيها إن شاء الله أكثر قبولاً من غيرها من الأيام، ففرصة كبيرة لعموم المسلمين.
стр. 238
قراءة القرآن
سادساً: قراءة القرآن.
نعمة كبيرة جداً أن يمنّ الله عليك بأن تحب قراءة كلامه ، فهي نعمة أكبر من أي نعمة أخرى، قال رسول الله ﷺ : (اقرأ القرآن ولك بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
فما رأيكم أن نختم القرآن في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، أو لا نقول: الأيام العشر؛ لأن اليوم العاشر هو يوم العيد، إذاً: تختمه في التسع الأيام الأولى من ذي الحجة، هل هذا صعب؟ نعم صعب، لكن ليست مستحيلة، ألم تكن تريد أن تفرغ أسبوعين كاملين لكي تحج؟ فاعتبر نفسك أنك ستحج هذه السنة، وفرغ كل يوم ساعتين فقط لقراءة القرآن، فإنك ستستطيع أن تختم القرآن إن شاء الله في الأيام التسع الأوائل، وتخيل الكم الهائل من الحسنات التي ستحصل عليها في هذه الأيام، الحرف بعشر حسنات وهذا على الأقل، والله يضاعف لمن يشاء، وهذه أيام مباركة عظيمة قد يضاعف الله لك في الحسنات، فيصير الحرف بعشرين بثلاثين بمائة بسبعمائة أو أكثر، فهو الكريم .
إن القرآن فيه ثلاثمائة وواحد وعشرون ألف حرف، اضرب ذلك في عشر حسنات، فلو ختمت القرآن في هذه الأيام العشر فإنك ستحصل على أكثر من ثلاثة مليون حسنة، أليس هذا خير كالخير الموجود في الحج والعمرة، وفي غيرها من الأمور التي شرعها الله ، كل هذا تعمله وأنت في بلدك في بيتك.
نسأل الله القبول لنا أجمعين.
стр. 239
الوحدة بين المسلمين
سابعاً: الوحدة بين المسلمين، فإذا كان الحجاج ذاهبين ليتعرفوا على المسلمين من كل أقطار الأرض، فأنت عندك فرصة أن تقوي من أواصر الوحدة بين المسلمين في بلدك، وهذا غرض رئيسي من أغراض الحج الشعور بالأمة الواحدة، وصعب أن يكون هذا الإحساس موجوداً والخلافات مستديمة والشقاق مستمر بين أبناء القطر الواحد، فضلاً عن جميع الأقطار، أو بين أبناء المدينة الواحدة، وبين أبناء المسجد الواحد، فنحن نجد خلافاً بين أبناء المسجد الواحد أحياناً، بل أحياناً بين أبناء البيت الواحد، فاجعل الأيام العشر هذه فرصة؛ لكي توحد المسلمين في الدائرة التي تستطيع عليها، وعليك الواجبات التي سأقولها لك الآن تساعدك على ذلك وهي: أولاً: بر الوالدين، فمهما كان بينك وبينهم اختلاف في الرأي أو وجهات النظر، فالأم والأب يقدمان على كل شيء إلا أن يأمراك بمعصية فهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
إذاً: لا بد في هذه الأيام العظيمة أن نبر بالوالدين عن طريق زيارات أو تلفونات أو قضاء الحاجات، أو إدخال السرور عليهما بكل طاقة وبكل جهد عندك، واذكر أنك كنت تريد أن تحج لكي تدخل الجنة أليس كذلك؟ كذلك الوالد والوالدة يدخلانك الجنة إن شاء الله.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف)، يلعن رسول الله ﷺ رجلاً فعل هذه الفعل الشنيع ما هو هذا الفعل الشنيع؟ يقول: (من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)، وفي رواية: (فلم يدخلاه الجنة).
ثانياً: صلة الرحم، ألست تبحث عن رضا الله ؟ فاستمع إلى كلام الله في الرحم، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه ذكر فيه أن الله يخاطب الرحم فيقول: (أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟)، فأنت بوصلك للرحم تكون أهلاً لأن يصلك الله ، يا الله! فأي فضل هذا وأي منة، فلو قاطعوك أهلك بكل طرق القطع، فإن الذي يريد الوصل من الله لا بد أن يضحي، وتذكر ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: من أن رسول الله ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)، هذا هو الواصل فعلاً، وهذا الذي يصله الله .
ثالثاً: الأصحاب والمعارف والجيران، فرصة أيضاً في هذه الأيام المباركة أن تزيد من المحبة في المجتمع المسلم، والله سيعطيك أكثر مما تتخيل، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً) قال الترمذي: هذا حديث حسن، فهذا بيت لك في الجنة؛ لأنك ذهبت لتزور واحداً من أصحابك أو معارفك، أو جيرانك، زيارة في الله من غير مصلحة ولا مال.
رابعاً: وهذه في منتهى الأهمية إصلاح ذات البين، فابحث في علاقاتك مع معارفك، وانظر من بينك وبينه نزاع، وحاول أن تحلها في هذه الأيام، اغفر له سامحه، افتح صدرك له، ابتسم في وجهه، وإنها لمشكلة خطيرة أن يكون الشقاق قائماً بين المسلمين، ففرصة في هذه الأيام الكريمة أن تذكر أن الله يغفر الذنوب للمتصالحين، ويؤجل المغفرة لمن بينهما شقاق حتى يصطلحا، وهذا كلام في منتهى الخطورة، وهو كلام رسول الله ﷺ ، إذ قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا)، انظر إذاً من الذي استثناه الرسول ﵊، قال: (إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا)، فهذا كلام في منتهى الخطورة.
إذاً: علينا واجب مهم في هذه الأيام المباركة، وهو أن نوحد أواصر المسلمين عن طريق بر الوالدين وصلة الرحم والزيارات في الله، وإصلاح ذات البين.
стр. 240
الصدقات
ثامناً: الصدقات: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].
فهذه الأيام أيام سعيدة، وفقراء المسلمين في أشد الحاجة إلى السعادة في هذه الأيام فأكثر من النفقة، ولا شك أن الأجر مضاعف في هذه الأيام عن غيرها، فالذي يذهب ليحج ينفق من ماله ليتم مناسك الحج، ويكون إنفاقه كبيراً جداً، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة درهم)، فهذا أجر مهول، وأنت عندك نفس الفرصة هذه حتى وإن لم تذهب لتحج، الدرهم بسبعمائة درهم، والجنيه بسبعمائة جنيه، والألف جنيه بسبعمائة ألف جنيه في سبيل الله، فما هو رأيك لو أنك تأتي لنركز قليلاً في موضوع الإنفاق هذا؟ إن الحاج يصرف الآلاف المؤلفة لكي يحج، ألا تأتي لتتنافس معه، وعلى قدر طاقتك أنفق عشرة أو عشرين أو مائة ألف أو أكثر على قدر ما تستطيع: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
стр. 241
التقشف
تاسعاً: التقشف.
تعالوا لنعيش في هذه الأيام عيشة الحجاج البسيطة من غير تكلفة، ليس مهماً أكل ماذا ولا لبس ماذا ولا شكل ماذا، إنما المهم أن نكسب كل دقيقة في طاعة ربنا .
إن الرسول ﷺ يريدك أن تعيش في جو الحج حتى من غير أن تذهب إلى مكة للحج، روى الإمام مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر -الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة- وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً).
وفي رواية أخرى عند مسلم أيضاً وغيره قال: (فلا يأخذن شعراً ولا يقلم ظفراً)، فيكون كالمحرم في هيئته وشكله، لا يحلق الشعر ولا يقلم الأظافر ولا يضع الطيب، فيعيش في هذه الفترة كالحجاج تماماً إلى أن يضحي في يوم العيد، يا سبحان الله! ألم أقل لكم: إن الحج ليس للحجاج فقط، إذاً: هذه كانت النقطة التاسعة من الأعمال التي يشرع لنا أن نعملها في أول أيام ذي الحجة.
стр. 242
الأضحية
النقطة العاشرة والأخيرة في هذه الوجبات: الأضحية، من أعظم القربات إلى الله ، وتجعلك تعيش تماماً في جو الحج والهدي والذبح، ويكفي أن أذكر لكم حديثين عن رسول الله ﷺ .
الحديث الأول: رواه ابن ماجة عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من هراقة دم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً)، فاقعد وراجع هذه الحديث، وانظر إلى أي حد هذا الخير والفضل والتسجيل الرائع لحسناتك في يوم العيد، وأنت تقلد الحجاج بذبح أضحيتك وأنت في بلدك.
الحديث الثاني: روى ابن ماجة أيضاً عن زيد بن أرقم ﵁ قال: (قال أصحاب رسول الله: يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟) يسألون عن أضحيات يوم العيد، قال: (سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟!) ما هو الأجر؟ ما هو الفضل؟ ما هو الثواب؟ قال: (بكل شعرة حسنة، قالوا: فالصوف يا رسول الله؟! قال: بكل عشرة من الصوف حسنة)، وسأتركك تعد الشعر الذي في فروة الخروف، لكي تعرف قدر الثواب الذي ستلقاه إن كنت قادراً على الذبح.
كان هذا هو الواجب العاشر في هذه الأيام المباركة، فتلك عشرة كاملة.
إذاً: نراجعهم جميعاً بسرعة، ونعمل لها ورد محاسبة، ونحاول تطبيقها بإذن الله، اعمل جدولاً كذا عشرة في عشرة، وحاول أن تأخذ الدرجة النهائية في هذه الأيام العظيمة عشرة واجبات في عشر أيام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا: أولاً: صيام التسع الأوائل من ذي الحجة، وبالذات يوم عرفة.
ثانياً: صلاة الجماعة في المسجد للرجال، وبالذات صلاة الفجر، والصلاة على أول وقتها للنساء.
ثالثاً: الإكثار من صلاة النافلة قدر المستطاع، كقيام الليل والنوافل القبلية والبعدية، وصلاة الضحى، وغير ذلك.
رابعاً: الذكر بكل أنواعه، وبالذات التهليل والتكبير والتحميد والاستغفار.
خامساً: الدعاء بكل خير، سواء من خير الدنيا أو الآخرة.
سادساً: قراءة القرآن ومحاولة ختمة مرة في هذه الأيام التسع من أوائل ذي الحجة.
سابعاً: زيادة أواصر الوحدة الإسلامية عن طريق بر الوالدين، وصلة الرحم، والزيارة في الله، وإصلاح ذات البين.
ثامناً: الصدقة والإنفاق في سبيل الله على الفقراء، ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين والعراق وغيرهما.
تاسعاً: التقشف وعدم الأخذ من الشعر أو الأظافر إن كنت ستذبح في العيد.
عاشراً والأخيرة: الذبح، ولك بكل شعرة حسنة إن شاء الله، هذا إن كنت قادراً على الذبح في العيد.
أعتقد بهذه الطريقة تستطيع أن تجد بديلاً مناسباً لأعمال الخير التي يمارسها الحجاج إن لم يكتب الله لك حجاً، لم أقترح أنا هذه الأمور، بل علمنا إياها رسولنا الكريم ﷺ ؛ ليثبت لنا فعلاً أن الحج ليس للحجاج فقط، بل ينعكس أثره على كامل الأمة الإسلامية.
وكلمة أخيرة إلى المخلصين من أبناء هذه الأمة، والذين لم يكتب لهم حج بعد: لا تحزن.
فقد جعل الله لك عوضاً من ذلك، لا تحزن إن لم تكن مستطيعاً، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها، لا تحزن فقد يكتب الله لك أجر الحجاج وزيادة بنيتك الصادقة وشوقك الحقيقي ولهفتك غير المصطنعة.
لكن إلى أن يكتب الله لك حجاً لا تضيع وقتاً قد فتح الله لك فيه أبواب الخير على مصراعيها: صيام، صلاة، ذكر، دعاء، قرآن، صدقة، أعمال الخير لا تنتهي، وأبواب الجنة لا تغلق في وجه طالبيها أبداً.
إخواني في الله! وأخواتي في الله! ليقم كل منا جبلاً لعرفات في قلبه، ويدعو الله بما شاء وقت ما شاء، ليرجم كل منا الشيطان في كل لحظة من لحظات حياته، ليتخفف كل منا من دنياه، فما بقي من الدنيا أقل بكثير مما ذهب، ليصلح كل منا ذات بينه وليغفر لإخوانه، وليحب الخير لكل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
نسال الله حجاً مبروراً لكل من كتب له حج، وعملاً صالحاً موفقاً متقبلاً لكل من يوفق لحج، ونسأله العزة والتمكين والرفعة لهذا الدين.
كما نسأله الجنة لنا ولكم ولسائر المسلمين، آمين آمين.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
جزاكم الله خيراً كثيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.