← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37417

الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم

مصطفى السباعي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الاستشراق والمُسْتَشْرِقُونَ ما لهم وما عليهم الدكتور مصطفى السباعي دار الوراق للنشر والتوزيع - المكتب الإسلامي. عدد الأجزاء: ١. أَعَدَّهُ للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الاستشراق والمُسْتَشْرِقُونَ (ما لهم وما عليهم) الدكتور مصطفى السباعي دار الوراق للنشر والتوزيع - المكتب الإسلامي

стр. 4

تقديم: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإنَّ لمن المؤسف حقًّا أنْ يقف المسلم أمام تاريخه العظيم خجلاً، مُطأطئ الرأس، لا يدري كيف يوفِّقُ بين ما يعرفه عن تمسُّك الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - والتابعين وتابعيهم بهذا الدين، وتفانيهم في خدمته على كافة المستويات، وبين هذه الصورة القاتمة المظلمة في صفحات هذا التاريخ، فيقف هذا الموقف الذي لا يليق برجل العقيدة في حال من الأحوال. والسبب في هذا - كما هو معلوم - أنه عبثت بتاريخنا أَيْدٍ خبيثة، ودوَّنتهُ أخرى غير أمينة، ولا يُراد من ذلك إلاَّ تشويه حقيقة تاريخ هذه الأُمَّة.

стр. 5

وتشكيكها في قدرتها على تأدية رسالتها، وحملها إلى البشر كلهم. إننا حين نقرأ التاريخ الذي يتعلَّمه أبناؤنا، ويدرسونه في المدارس والجامعات، نرى - بوضوح - أثر هذه الحملة المسعورة ضد أمَّتنا المسلمة وتاريخها المُشرق، والذي رباهم المُسْتَشْرِقُونَ، وأرضعوهم من ألبانها، ونفثوا السموم في عقولهم حتى أصبحوا أدوات طَيِّعَةً في أيدي أسيادهم، يقولون بألسنتهم ما يشاءون، ويُنَفِّذون عن طريقهم كل ما يحلو لهم، ويمليه عليهم حقدهم الدفين. ولنأخذ مثلاً على ذلك فترة الحُكم العثماني للوطن العربي، فنجد فيما يُحكَى عن هذه الفترة العجب العُجاب، فليس الأتراك المسلمون في نظر هؤلاء إلاَّ مُستعمرين لبلادنا مُمْتَصِّينَ لخيراتنا، وليست رابطة العقيدة التي حملوا لواءها إلاَّ قِناعاً، نَفَّذُوا من خلاله مآربهم وأطماعهم الاستعمارية. وقد صوَّر لنا هؤلاء الحضارة الإسلامية تصويراً كاذباً مبايناً للواقع كل التباين، وما ذلك إلاَّ

стр. 6

ليُهَوِّنُوا من شأنها، ولِيَحْتَقِرُوا مُنجزاتها التي قدَّمتها للبشرية، ليهُون بعد ذلك الإسلام في نفوس أتباعه، وليحتقره أيضاً. هذا ولم يقتصر اهتمام المُسْتَشْرِقِينَ والمستغربين على دراسة التاريخ الإسلامي وتشويهه، بل تعدَّاهُ إلى الدراسات الإسلامية من تفسير وحديث وفقه، فحرَّفُوا النصوص حيناً، وأساؤوا فهمها حين لم يجدوا المجال لتحريفها. وإنه لمن المؤسف أيضاً أنْ تكون كتبهم قد بحثت في كل ما يتَّصل بالإسلام والمسليمن من تفسير وحديث وفقه وأدب وحضارة وسكان و ... ، فأصبحت كُتُبُهُمْ هذه المراجع الأولى لطلبة العلم المتخصصين في المعاهد والجامعات العالمية، وأصبح هؤلاء هم حملة آراء وأفكار أسيادهم كما تقدم. لهذا كله - وغيره كثير - تصدَّى بعض علماء المسلمين الذين يغارون على هذا الدين وأُمَّة القرآن العظيم: تصدَّوْا لمحاولات المُسْتَشْرِقِينَ وفضحها وكشفها للناس على حقيقتها. هذه الرسالة - الصغيرة

стр. 7

في حجمها، العظيمة في معانيها - هي بعض ما كتبه والدي الشيخ مصطفى السباعي - طيَّب الله ثراه - حول هذا الموضوع، وكان ينوي توسيعه والزيادة فيه، لما لهذا البحث من أهمية بالغة وخطورة كبيرة. وقد سبق أنْ نشرت بعض محتويات هذه الرسالة (١) في مجلة " حضارة الإسلام " وكتاب " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، وقد وافته المنية قبل أنْ يُحقِّق ما كان يأمله، فأصبحت أمانة في عنق العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، والغيورين عليها. فرحمه الله رحمة واسعة، وأمطره سحائب الرحمة والرضوان، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين. حسان مصطفى السباعي

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الاستشراق والمُسْتَشْرِقُونَ بحث لم يعن أحد من الكاتبين بأمرهما عناية علمية واسعة تبحث عن تاريخ الاستشراق وأهدافه ومراميه وحسناته وسيِّئاته، وعن المُسْتَشْرِقِينَ وطوائفهم وأعمالهم وما أصابوا وما أخطأوا فيه من أبحاث ومؤلفات، وكل ما كتب في هذا الموضوع لا يخلو عن أنْ يكون تمجيداً لهم مثل كتاب " المُسْتَشْرِقُونَ " للأستاذ نجيب العقيقي، أو أنْ يكون كشفاً موجزاً عن أهدافهم التبشيرية والاستعمارية، وأهم بحث في هذا الشأن محاضرة قيِّمة للأستاذ محمد البهي المدير العام للثقافة الإسلامية في الجامع الأزهر ألقاها في قاعة المحاضرات الكبرى الأزهرية. وقد أفرط منا أناس في الثقة بهم والاعتماد

стр. 9

عليهم والثناء المطلق على جهودهم ويُمَثِّلُ هؤلاء المعجبين بهم الدكتور طه حسين من أوائل تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ في تاريخنا الأدبي المعاصر، حيث يقول في مقدمة كتابه " الأدب الجاهلي ": «وكيف تتصوَّر أستاذاً للأدب العربي لا يلم ولا ينتظر أنْ يُلِمَّ بما انتهى إليه الفرنج (المُسْتَشْرِقُونَ) من النتائج العلمية المختلفة حين درسوا تاريخ الشرق وأدبه ولغاته المختلفة، وإنما يلتمس العلم الآن عند هؤلاء الناس، ولا بُدَّ من التماسه عندهم؛ حتى يتاح لنا نحن أنْ ننهض على أقدامنا، ونطير بأجنحتنا، ونسترِدَّ ما غلبنا عليه هؤلاء الناس من علومنا وتاريخنا وآدابنا». ولا ريب في أنَّ هذا الكلام يمثِّل دوراً من أدوار العبودية الفكرية التي مررنا بها في مطلق نهضتنا العلميَّة والفكريَّة الحديثة، وهذا العبودية تتمثَّل في كتاب الدكتور طه حسين نفسه " الأدب الجاهلي " الذي كان ترديداً مخلصاً لآراء غُلاة المُسْتَشْرِقِينَ المُتعصِّبين ضد العرب والإسلام أمثال «مارجليوث» الذي نقل آراء كلها في كتابه " الأدب

стр. 10

الجاهلي " ونسبها إلى نفسه وليس له في الكتاب رأي جديد نتيجة بحث عِلْمِيٍّ قام به أو تعب في سبيله. ويمثِّل هؤلاء أيضاً الأستاذ أحمد أمين في كتابيه " فجر الإسلام " و " ضُحى الإسلام " وقد بيَّنتُ ما في فصل «الحديث» من كتاب " فجر الإسلام " من سرقة لآراء المُسْتَشْرِقِينَ دون أنْ ينسبها إليهم في كتابي الذي صدر حديثاً " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ". ومن هؤلاء أيضاً الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " وهو ترجمة حرفية لما كتبه جولدتسيهر في كتابيه " دراسات إسلامية " و " العقيدة والشريعة في الإسلام " وكذلك كان كسابقيه غير أمين حين نسب هذه الآراء إلى نفسه ولم ينسبها إلى أساتيذه المُسْتَشْرِقِينَ. والدكتور علي حسن عبد القادر يشغل الآن منصب - مدير المركز الثقافي الإسلامي بلندن على ما بلغني ولقد كانت لي معه قصة أجد من الخير ذكرها هنا، لما فيها من العبرة .. وهي التي كانت سبباً في تأليفي لكتاب " السُنَّة ومكانتها في التشريع

стр. 11

الإسلامي ". وقبل أنْ أروي قصَّتي معه أحب أنْ أعترف بفضله ودماثة خلقه واعترافه بالحق حين يظهر له .. لما كنا طلابا في السَنَةِ الثانية والثالثة في قسم تخصص المادة في الفقه والأصول وتاريخ التشريع «العالمية من درجة أستاذ» في كلية الشريعة، وكان ذلك عام ١٩٣٩، عيَّنت مشيخة الأزهر في عهد الشيخ المراغي ﵀، الدكتور علي حسن عبد القادر أستاذاً لنا يدرّس تاريخ التشريع الإسلامي، وكان قد أنهى دراسته في ألمانيا حديثاً، وهو مُجازٌ من كلية أصول الدين في قسم التاريخ، ومكث في ألمانيا أربع سنوات حتى أخذ شهادة الدكتوراه في قسم الفلسفة على ما أذكر. كان أول درس تلقَّيناه عنه أنْ بدأه بمثل هذا الكلام: «إني سأدرِّسُ لكم تاريخ التشريع الإسلامي، ولكن على طريقة علمية لا عهد للأزهر بها، وإني أعترف لكم بأني تعلمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عاماً فلم أفهم الإسلام، ولكني فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا»، فعجبنا - نحن الطلاب - من مثل

стр. 12

هذا القول وقلنا فيما بيننا: لنستمع إلى أستاذنا لعلَّه حقاً قد علم شيئاً جديراً بأنْ نعلمه عن الإسلام مِمَّا لا عهد للأزهر به، وابتدأ درسه عن تاريخ السُنَّة النبوية ترجمة حرفية عن كتاب ضَخْمٍ بين يديه، علمنا فيما بعد أنه كتاب جولدتسيهر «دراسات إسلامية» وكان أستاذنا ينقل عبارته ويتبنَّاها على أنها حقيقة علميَّة، واستمر في دروسه نناقشه فيما يبدو لنا - نحن الطلاب - أنه غير صحيح، فكان يَأْبَى أنْ يخالف جولدتسيهر بشيء مِمَّا ورد في هذا الكتاب، حتى إذا وصل في دروسه إلى الحديث عن الزُهْرِي، واتِّهامه بوضع الأحاديث للأمويين، ناقشتُهُ في ذلك - بحسب معلوماتي المُجْمَلَة عن الزُهْرِي من أنه إمام في السُنَّة، وموضع ثقة العلماء جميعاً - فلم يرجع عن رأيه، مِمَّا حملني على أنْ أطلب منه ترجمة ما قاله جولدتسيهر عن الزُهْرِي تماماً، فترجمه لي في ورقتين بخط يده، وبدأت أرجع إلى المكتبات العامَّة للتحقيق في سيرة الزُهْرِي وفي حقيقة ما اتَّهَمَهُ به هذا المستشرق. ولم أترك كتاباً مخطوطاً في مكتبة الأزهر وفي دار الكتب المصريَّة من كتب التراجم إلاَّ رجعت إليها ونقلت منها ما

стр. 13

يتعلق بالزُهْرِي، واستغرق ذلك ثلاثة أشهر كنت أشتغل فيها منذ مغادرتي كلية الشريعة بعد الدرس حتى أواخر الليل، فلما تجمَّعت لدي المعلومات الصحيحة، قلت لأستاذنا الدكتور عبد القادر: لقد تبيَّن لي أنَّ جولدتسيهر قدر حَرََّفَ نصوص الأقدمين فيما يتعلق بالزُهْرِي، فأجابني بقوله: لا يمكن هذا؛ لأنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - وخاصة جولدتسيهر - قوم علماء منصفون لا يحرّفون النصوص ولا الحقائق! .. عندئذٍ أزمعت على إلقاء محاضرة في الموضوع في دار جمعية الهداية الإسلامية - قرب سراي عابدين قديماً - وأرسلتْ إدارة الجمعية بطاقات الدعوة لهذه المحاضرة إلى علماء الأزهر وطلاَّبه، فاجتمع يومئذ عدد كبير منهم ما بين أساتذة وطلاب، ومن بينهم أستاذنا الدكتور عبد القادر - الذي رجوته حضور هذه المحاضرة، وإبداء رأيه فيما أقول، فتفضل مشكوراً بالحضور، وأصغى إلى المحاضرة كلها التي كانت تدور حول ما كتبه جولدتسيهر عن الإمام الزُهْرِي، وختمتها بقولي: هذا هو ما أراه في هذا الموضوع، وهذا هو رأي علمائنا في

стр. 14

الزُهْرِي، فإنْ كان لأستاذنا الدكتور عبد القادر مناقشة حول الموضوع إنْ لم يقتنع بما ذكرته، فأرجو أن يتفضل بالكلام، فنهض الدكتور - حَفِظَهُ اللهُ -، وقال بصوت سمعه الحاضرون جميعاً: إني أعترف بأني لم أكن أعرف من هو الزُهْرِي حتى عرفته الآن، وليس لي اعتراض على كل ما ذكرته، وانفضَّ الاجتماع، ثم دخلنا غرفة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين ﵀ رئيس الجمعية الأستاذ الأكبر للجامع الأزهر فيما بعد - فكان مِمَّا قاله أستاذنا الدكتور - حَفِظَهُ اللهُ -، - وكان ذلك بحضور السيد الخضر حسين ﵀: إنَّ بحثك هذا فتح جديد في بحوث المُسْتَشْرِقِينَ، وأرجو أنْ تعطيني نسخة من هذه المحاضرة لأبعث بها إلى المجلاَّت العلميَّة التي تُعْنَى ببحوث المُسْتَشْرِقِينَ في ألمانيا، وإني أعتقد أنها ستحدث دَوِيًّا في أوساط المُسْتَشْرِقِينَ، فشكرته على ذلك واعتبرته تشجيع أستاذٍ لتلميذه. وبعد أيام دعاني لزيارته في البيت، فكان مِمَّا اتفقنا عليه أنْ نتفرغ معاً في الصيف لترجمة كتاب

стр. 15

جولدتسيهر والرَدِّ عليه، ولكني اعتقلت بعد ذلك من قبل السلطات العسكرية الإنجليزية في القاهرة في بدء قيام الحرب العالمية الثانية وأقصيت عنها سبع سنوات، وفي خلال هذه الفترة أصدر الدكتور عبد القادر كتابه " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " ولم يتح لي الاطلاع عليه إلاَّ بعد ثلاث سنوات حين أفرج عنِّي في أواسط الحرب الأخيرة. هذه قصتي مع الدكتور علي حسن عبد القادر وهي التي كانت سبباً في تأليف هذا الكتاب. لم أجد مانعاً من ذكرها لما فيها من العبرة، وأظن أن الدكتور عدل عن رأيه السابق في المُسْتَشْرِقِينَ وخاصة جولدتسيهر، وبدَّلَ رأيه في أمانته وإخلاصه للحق وعدم تحريفه للنصوص. ويقابل هذا الاتجاه المفرط في الثقة ببحوث المُسْتَشْرِقِينَ اتجاه يحمل على المُسْتَشْرِقِينَ واتجاهاتهم المغرضة المفرطة في التعصُّب، ويُمَثِّلُهُ قول أحمد فارس الشدياق في كتابه " ذيل الفارياق ": «إنَّ هؤلاء الأساتيذ (المُسْتَشْرِقِينَ) لم يأخذوا العلم عن شيوخه، وإنما تطفَّلُوا عليه تطفُّلاً، وتوثَّبُوا فيه توثُّباً، ومن تَخَرَّجَ فيه بشيء فإنما تَخَرَّجَ على القسس، ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام، أو

стр. 16

أدخل أضغاث أحلام في رأسه، وتوهَّمَ أنه يعرف شيئاً وهو يجهله، وكل منهم إذا درس في أحدى لغات الشرق أو ترجم شيئاً منها تراه يخبط فيها خبط عشواء، فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهة واليقين حدس فيه وخَمَّنَ فرجَّح منه المرجوح، وفضَّل المفضول». وفي الحق أنَّ كلاً من الثناء المطلق والتحامل المطلق يتنافى مع الحقيقة التاريخية التي سجَّلها هؤلاء المُسْتَشْرِقُونَ فيما قاموا به من أعمال، وما تطرَّقوا إليه من أبحاث، ونحن من قوم يأمرهم دينهم بالعدل حتى مع أعدائهم ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). تاريخ الاستشراق: لا يعرف بالضبط من هو أول غربي عني بالدراسات الشرقية ولا في أي وقت كان ذلك ولكن المؤكَّد أنَّ بعض الرهبان الغربيِّين قصدوا الأندلس في إبَّان عظمتها ومجدها، وتثقَّفُوا في مدراسها، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف

стр. 17

العلوم وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات .. ومن أوائل هؤلاء الرُهبان، الراهب الفرنسي «جربرت» Jerbert الذي انتخب بَابَا لكنيسة روما عام ٩٩٩ م بعد تعلُّمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، و «بطرس المحترم» ١٠٩٢ - ١١٥٦ Pierre Aénéré و «جيرار دي كريمون» ١١١٤ - ١١٨٧ Gérard de Grémone . وبعد أنْ عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا ثقافة العرب ومؤلَّفات أشهر علمائهم، ثم أسست المعاهد للدراسات العربية أمثال مدرسة «بادوي» العربية، وأخذت الأديرة والمدارس العربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية - وهي لغة العلم في جميع بلاد أوروبا يومئذٍ - واستمرَّت الجامعات العربية تعتمد على كتب العرب وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون. ولم ينقطع منذ ذلك الوقت وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية، وترجموا القرآن وبعض الكتب العربية العلميَّة والأدبية، جتى جاء القرن الثامن عشر - وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استعمار

стр. 18

العالم الإسلامي والاستيلاء على ممتلكاته فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق، ويصدرون لذلك المجلاَّت في جميع الممالك الغربية، ويغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية، فيشترونها من أصحابها الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى، وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم، وإذا بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوروبا، وقد بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين وخمسين ألف مجلداً، وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم. وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام ١٨٧٣، وتتالى عقد المؤتمرات التي تلقى فيها الدراسات عن الشرق وأديانه وحضارته وما تزال تعقد حتى هذه الأيام. ميدان الاستشراق: بدأ الاستششراق كما رأينا بدراسة اللغة العربية والإسلام، وانتهى - بعد التوسع الاستعمارري الغربي

стр. 19

في الشرق - إلى دراسة جميع ديانات الشرق وعاداته وحضارته وجغرافيته وتقاليده وأشهر لغاته، وإنْ كانت العناية بالإسلام والآداب العربية والحضارة الإسلامية هي أهم ما يعنى به المُسْتَشْرِقُونَ حتى اليوم؛ نظراً للدوافع الدِّينِيَّةِ والسياسية التي شجعت على الدراسات الشرقية كما سنذكره فيما بعد. دوافع الاستشراق: ١ - الدافع الديني: لا نحتاج إلى استنتاج وجهد في البحث لنتعرف إلى الدافع الأول للاستشراق عند الغربيِّين وهو الدافع الديني. فقد بدأ بالرهبان - كما رأينا - واستمر كذلك حتى عصرنا الحاضر - كما سنرى - وهؤلاء كان يهُمُّهُمْ أنْ يطعنوا في الإسلام ويُشَوِّهُوا محاسنة ويُحَرِّفُوا حقائقه ليثبتوا لجماهيرهم التي تخضع لزعامتهم الدِّينِيَّةِ أنَّ الإسلام - وقد كان يومئذٍ الخصم الوحيد للمسيحية في نظر الغربيِّين - دين لا يستحق الانتشار، وأنَّ المسلمين قوم هُمَّجٌ لصوص وسفَّاكُو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية، ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي. ثم اشتدَّتْ حاجتهم إلى هذا الهجوم في

стр. 20

العصر الحاضر بعد أنْ رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة عند الغربيِّين، وأخذت تشكُّكَهُم بكل التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم فيما مضى، فلم يجدوا خيراً من تشديد الهجوم على الإسلام لصرف أنظار الغربيِّين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة، وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى ثم الحروب الصليبية ثم الفتوحات العثمانية في أوروبا بعد ذلك في نفوس الغربيِّين من خوف من قوة الإسلام وكرهٍ لأهله، فاستغلُّوا هذا الجو النفسي، وازدادوا نشاطاً في الدراسات الإسلامية. وهناك الهدف التبشيري الذي لم يتناسوه في دراساتهم العلميَّة، وهم قبل كل شيء رجال دين، فأخذوا يهدفون إلى تشويه سُمعة الإسلام في نفوس رُواد ثقافتهم من المسلمين؛ لإدخل الوهن إلى العقيدة الإسلامية، والتشكيك في التراث الإسلامي والحضارة الإسلامية وكل ما يتَّصل بالإسلام من علم وأدب وتراث. ٢ - الدافع الاستعماري: لما انتهت الحروب

стр. 21

الصليبية بهزيمة الصليبيِّين وهي في ظاهرها حروب دينية وفي حقيقتها حروب استعمارية، لم ييأس الغَرْبِيُّونَ من العودة إلى احتلال بلاد العرب فبلاد الإسلام، فاتَّجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات؛ ليتعرَّفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيغتنموه، ولما تمَّ لهم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية كان من دوافع تشجيع الاستشراق إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوسنا، وبث الوهن والارتباك في تفكيرنا وذلك عن طريق التشكيك بفائدة ما في أيدينا من تراث، وما عندنا من عقيدة وقِيَمٍ إنسانية، فنفقد الثقة بأنفسنا، ونرتمي في أحضان الغرب نستجدي منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ العقائدية، وبذلك يتم لهم ما يريدون من خضوعنا لحضارتهم وثقافتهم خضوعاً لا تقوم لنا من بعده قائمة. انظر إليهم كيف يُشَجِّعُون في بلادنا القوميات التاريخية التي عفى عليها الزمن، واندثرت منذ حمل العرب رسالة الإسلام، فتوحَّدتْ لغتهم وعقيدتهم

стр. 22

وبلادهم، وحملوا هذه الرسالة إلى العالم فأقاموا بينهم وبين الشعوب روابط إنسانية وتاريخية وثقافية ازدادوا بها قوة، وازدادت الشعوب بها رِفْعَةً وهداية، إنهم ما برحوا منذ نصف قرن يحاولون إحياء الفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا ولبنان وفلسطين، والآشورية في العراق وهكذا، ليتسنَّى لهم تشتيت شملنا كأُمَّةٍ واحدة،، وَلِيَعُوقُوا قوة الاندفاع التحررية عن عملها في قوتنا وتحرُّرنا وسيادتنا على أرضنا وثرواتنا وعودتنا من جديد إلى قيادة ركب الحضارة، والتقائنا مع إخوتنا في العقيدة والمُثُل العليا والتاريخ المشترك والمصالح المشتركة. ٣ - الدافع التجاري: ومن الدوافع التي كان لها أثرها في تنشيط الاستشراق، رغبة الغربيِّين في التعامل معنا لترويج بضائعهم وشراء مواردنا الطبيعية الخام بأبخس الأثمان ولقتل صناعتنا المحلية التي كانت لها مصانع قائمة مزدهرة في مختلف بلاد العرب والمسلمين. ٤ - الدافع السياسي: وهنالك دافع آخر أخذ يتجلَّى في عصرنا الحاضر بعد استقلال أكثر الدول

стр. 23

العربية والإسلامية، ففي كل سفارة من سفارات الدول الغربية لدى هذه الدول سكرتير أو ملحق ثقافي يحسن اللغة العربية، ليتمكَّن من الاتصال برجال الفكر والصحافة والسياسة فيتعرَّف إلى أفكارهم، ويبث فيهم من الاتجاهات السياسية ما تريده دولته، وكثيراً ما كان لهذا الاتصال أثره الخطير في الماضي حين كان السفراء الغَرْبِيُّونَ - ولا يزالون في بعض البلاد العربية والإسلامية - يبُثُّون الدسائس للتفرقة بين الدول العربية بعضها مع بعض، وبين الدول العربية والدول الإسلامية بحُجَّة توجيه النصح وإسداء المعونة بعد أنْ درسوا تماماً نفسيَّة كثيرين من المسؤولين في تلك البلاد، وعرفوا نواحي الضعف في سياستهم العامة، كما عرفوا الاتجاهات الشعبية الخطيرة على مصالحهم واستعمارهم. ٥ - الدافع العِلْمِيّ: ومن المُسْتَشْرِقِينَ نفر قليل جِدًّا أقبلوا على الاستشراق بدافع من حب الإطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها، وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأً في فهم الإسلام

стр. 24

وتراثه؛ لأنهم لم يكونوا يتعمَّدون الدَسَّ والتحريف، فجاءت أبحاثهم أقوب إلى الحق وإلى المنهج العملي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة إلى المُسْتَشْرِقِينَ، بل إنَّ منهم من اهتدى إلى الإسلام وآمن برسالته. على أنَّ هؤلاء لا يوجدون إلاَّ حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الاستشراق بأمانة وإخلاص؛ لأنَّ أبحاثهم المُجَرَّدة عن الهوى، لا تلقى رواجاً، لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين، ومن ثمة فهي لا تَدُرُّ عليهم ربحاً ولا مالاً؛ ولهذا ندر وجود هذه الفئة في أوساط المُسْتَشْرِقِينَ. أهداف الاستشراق ووسائله: تنقسم أهداف المُسْتَشْرِقِينَ في جُملتهم من الدراسات الاستشراقية إلى ثلاثة أقسام: [أ]- هدف عِلْمِيٍّ مشبوه ، ويهدف إلى: ١ - التشكيك بصحَّة رسالة النبي ﷺ -: ومصدرها الإلهي، فجُمهُورُهم ينكر أنْ يكون

стр. 25

الرسول نبيًّا موحى إليه من عند الله - جَلَّ شَأْنُهُ - ويتخبَّطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحاب النبي ﷺ أحياناً، وبخاصة عائشة أم المؤمنين ﵂، فمن المُسْتَشْرِقِينَ من يرجع ذلك إلى «صَرْعٍ» كان ينتاب النبي ﷺ حيناً بعد حين، ومنهم من يرجعه إلى تخيُّلات كانت تملأ ذهن النبي ﷺ ، ومنهم من يُفَسِّرُها بمرض نفسي، وهكذا، كأنَّ الله لم يرسل نبيًّا قبله حتى يصعب عليهم تفسير ظاهرة الوحي، ولما كانوا كلهم ما بين يهود ومسيحيِّين يعترفون بأنبياء التوراة، وهم كانوا أقل شأناً من محمد ﷺ في التاريخ والتأثير والمبادئ التي نادى بها، كان إنكارهم لنبوَّة النبي ﷺ تَعَنُّتاً مبعثه التعصُّبُ الديني الذي يملأ نفوس أكثرهم كرُهبان وقسس ومُبَشِّرِين. ويتبع ذلك إنكارهم أنْ يكون القرآن كتاباً مُنَزَّلاً عليه من عند الله ، وحين يفحمهم ما ورد فيه من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية مِمَّا يستحيل صدوره عن أُمِيٍّ مثل محمد ﷺ ، يزعمون ما زعمه المُشركون الجاهليون في عهد الرسول من

стр. 26

أنه استمدَّ هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها، ويتخبَّطون في ذلك تخبُّطاً عجيباً، وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف وتكتشف إلاَّ في هذا العصر، يرجعون ذلك إلى ذكاء النبي ﷺ فيقعُون في تخبُّطٍ أشدَّ غرابة من سابقه. ٢ - [إنكارهم أنْ يكون الإسلام ديناً من عند الله]: ويتبع إنكارهم لنبوَّة الرسول وسماوية القرآن، إنكارهم أن يكون الإسلام ديناً من عند الله وإنما هو مُلَفَّقٌ - عندهم - من الديانتين اليهودية والمسيحية، وليس لهم في ذلك مُستند يؤيِّدُهُ البحث العِلْمِيّ، وإنما هي ادِّعاءات تستند على بعض نقاط الالتقاء بين الإسلام والدينين السابقين. ويلاحظ أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ اليهود - أمثال جولدتسيهر وشاخت - هو أشدُّ حرصاً على ادِّعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه، أما المُسْتَشْرِقُونَ المسيحيون فيجرون وراءهم في هذه الدعوى؛ إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أنْ يزعموا تأثُّر الإسلام به وأخذه، منه، وإنما فيه مبادئ أخلاقية زعموا أنها أثرت في الإسلام، ودخلت عليه منها،

стр. 27

كأنَّ المفروض في الديانات الإلهية أنْ تتعارض مبادؤها الأخلاقية، وكأنَّ الذي أوحى بدين هو غير الذي أوحى بدين آخر، فتعالى الله عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيراً. ٣ - [التشكيك في صِحَّةِ الحديث النبوي]: التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا المُحَقِّقُون، ويتذرَّعُ هؤلاء المُسْتَشْرِقُونَ بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودَسٍّ، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره، مُستندين إلى قواعد بالغة الدقَّة في التثبت والتحرِّي، مِمَّا لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكد من صِحَّة الكتب المقدَّسة عندهم، وقد ناقشتهم في ذلك نقاشاً علميًّا في كتابي " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " الذي صدر حديثاً. والذي حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم هذه، ما رَأَوْهُ في الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا من ثروة فكرية وتشريعية مُدهشة، وهُمْ لا يعتقدون بنبوَّة الرسول، فادَّعَوْا أنَّ هذا لا يعقل أنْ يصدر كله عن محمد الأُمِيِّ بل هو عمل

стр. 28

المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوَّة الرسول، ومنها ينبعث كل تخبُّطاتهم وأوهامهم. ٤ - [التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية]: التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع الهائل الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور، لقد سقط في أيديهم حين اطِّلاعهم على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوَّة الرسول، فلم يجدوا بُدًّا من الزعم بأنَّ الفقه العظيم مُسْتَمَدٌّ من الفقه الروماني، أي أنه مُسْتَمَدٌّ منهم - الغربيِّين - وقد بيَّن علماؤنا الباحثون تهافت هذه الدعوى، وفيما قَرَّرَهُ مؤتمر القانون المقارن المُنعقد بلاهاي من أنَّ الفقه الإسلامي فقه مُسْتَقِلٌّ بذاته وليس مُسْتَمَدًّا من أي فقه آخر، ما يفحم المُتَعَنِّتِين منهم، ويُقْنِعَ المُنصِفينَ الذين لا يبغون غير الحق سبيلاً. ٥ - [التشكيك في قُدْرَةِ اللُّغة العربية على مسايرة التطوُّرَ العِلْمِيّ]: التشكيك في قُدْرَةِ اللُّغة العربية على مسايرة التطوُّرَ العِلْمِيّ؛ لنظلَّ عالة على مصطلحاتهم التي تشعرنا بفضلهم وسُلطانهم الأدبي علينا، وتشكيكهم في غنى الأدب العربي، وإظهاره مُجْدِباً

стр. 29

فقيراً لِنَتَّجِهَ إلى آدابهم، وذلك هو الاستعمار الأدبي الذي يبْغُونه مع الاستعمار العسكري الذي يرتكبونه .. تلك هي الأهداف العلميَّة التي يعمل لها أكثرهم أو جَمْهَرَتُهُمْ الساحقة. [ب]- الأهداف الدِّينِيَّةِ والسياسية: وتتلخَّص فيما يلي: ١ - تشكيك المسلمين بنبيِّهم وقرآنهم وشريعتهم وفقههم، ففي ذلك هدفان: ديني واستعماري. ٢ - تشكيك المسلمين بقيمة تُراثهم الحضاري، يَدَّعُونَ أنَّ الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلاَّ نَقَلَةْ لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، لم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري، وكان في حضارتهم كل النقائص، وإذا تحدَّثُوا بشيء عن حسناتها - وقليلاً ما يفعلون - يذكرونها على مضض مع انتقاص كبير.

стр. 30

٣ - إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم، وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قِيمٍ وعقيدة ومُثُلٍ عُلْيَا، ليسهل على الاستعمار تشديد وطأته عليهم، ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم، فيكونوا عبيداً لها، يجرُّهُمْ حُبُّهَا إلى حُبِّهِمْ أو إضعاف روح المقاومة في نفوسهم. ٤ - إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام، وإثاره الخلافات والنعرات بين شعوبهم، وكذلك يفعلون في البلاد العربية، يجهدون لمنع اجتماع شملها ووحدة كلمتها بكل ما في أذهانهم من قدرة على تحريف الحقائق، وتَصَيُّدِ الحوادث الفردية في التاريخ ليصنعوا منها تاريخاً جديداً يدعو إلى ما يريدون من منع الوحدة بين البلاد العربية والتفاهم على الحق والخير بين جماهيرها. [جـ]- أهداف علميَّة خالصة: أهداف علميَّة خالصة لا يقصد منها إلاَّ البحث والتمحيص، ودراسة التراث العربي والإسلامي دراسة تجلو لهم بعض الحقائق الخافية

стр. 31

عنهم، وهذا الصنف قليل عدده جداً، وهم مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء في البحث والاستنتاجات البعيدة عن الحق، إمّا لجهلهم بأساليب اللغة العربية، وإمَّا لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، فَيُحِبُّون أنْ يتصوَّرُوها كما يتصوَّرُون مجتمعاتهم، ناسين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرِّق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها. وهذه الفئة أسلم الفئات الثلاث في أهدافها، وأقلّها خطراً؛ إذ سرعان ما يرجعون إلى الحق حين يَتَبَيَّنُ لهم، ومنهم من يعيش بقلبه وفكره في جَوِّ البيئة التي يدرسها، فيأتي بنتائج تنطبق مع الحق والصدق والواقع، ولكنهم يلقون عنتاً ما يتَّهمونهم بالانحراف عن النهج العِلْمِيّ، أو الانسياق وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرُّب إليهم، كما فعلوا مع «توماس أرنولد» حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم " الدعوة إلى الإسلام " فقد برهن على تسامح

стр. 32

المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين، على عكس مخالفيهم معهم، هذا الكتاب الذي يعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام، يطعن فيه المُسْتَشْرِقُونَ المُتعصِّبُون وخاصة المُبَشِّرِينَ منهم، بأنَّ مؤلفه كان مندفعاً بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين، مع أنه لم يذكر فيه حادثة إلاَّ أرجعها إلى مصدرها. ومن هؤلاء من يُؤَدِّي بهم البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيِّين، كما فعل المستشرق الفرنسي «دينيه» الذي عاش في الجزائر، فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه، وتَسَمَّى باسم «ناصر الدين دينيه» وألَّف مع عالم جزائري كتاباً عن سيرة الرسول ﷺ ، وله كتاب " أشعة خاصة بنور الإسلام " بَيَّنَ فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وقد توفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا، ونقل جثمانه إلى الجزائر ودفن بها. وسائل المُسْتَشْرِقِينَ لتحقيق أهدافهم: ولم يترك المُسْتَشْرِقُونَ وسيلة لنشر أبحاثهم

стр. 33

وبثِّ آرائهم إلاَّ سلكوها، ومنها: ١ - تأليف الكتب في موضوعات مختلفة عن الإسلام واتجاهاته ورسوله وقرآنه، وفي أكثراه كثير من التحريف المعتمد في نقل النصوص أو ابتارها، وفي فهم الوقائع التاريخية، والاستنتاج منها. ٢ - إصدار المجلاَّت الخاصَّة ببحوثهم حول الإسلام وبلاده وشعوبه. ٣ - إرساليات التبشير إلى العالم الإسلامي لتزاول أعمالاً إنسانية في الظاهر كالمستشفيات والجمعيات والمدارس والملاجئ والمياتم، ودُور الضيافة كجمعيات الشُبَّان المسيحية وأشباهها. ٤ - إلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيات العلمية، ومن المؤسف أنَّ أشدَّهُم خطراً وعداءً للإسلام كانوا يستدعون إلى الجامعات العربية والإسلامية في القاهرة ودمشق وبغداد والرباط وكراتشي ولاهُور وعليكرة وغيرها ليتحَدَّثُوا عن الإسلام! .. ٥ - مقالات في الصحف المحليَّة عندهم،

стр. 34

وقد استطاعوا شراء عدد من الصحف المحليَّة في بلادنا، وقد جاء في كتاب " التبشير والاستعمار " للدكتورين عمر فروخ ومصطفى الخالدي وهو من أهم الوثائق التاريخية عن نشاط المُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ لخدمة الاستعمار (١) ما يلي: «يعلن المبشِّرون أنهم استغلُّوا الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مِمَّا استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر، لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية، إما مأجورة في أكثر الأحيان، أو بلا أجرة في أحوال نادرة». ٦ - عقد المؤتمرات لإحكام خططهم في الحقيقة، ولبحوث عامة في الظاهر، وما زالوا يعقدون هذه المؤتمرات منذ عام ١٧٨٣ حتى الآن. ٧ - إنشاء الموسوعة " دائرة المعارف الإسلامية "، وقد أصدروها بعدة لغات، وبدأوا

стр. 35

بإصدار طبعة جديدة منها، وقد اطلعت على الأجزاء الأولى للطبعة الثانية من سكرتير الموسوعة حين زُرْتُ أكسفورد عام ١٩٥٦م، وقد بدئ بترجمة الطبعة الأولى إلى اللغة العربية، وصدر منها حتى الآن ثلاثة عشر مجلداً. وفي هذه الموسوعة التي حشد لها كبار المُسْتَشْرِقِينَ وأشدهم عِدَاءً للإسلام، قد دَسَّ السُمَّ في الدسم، وملئت بالأباطيل عن الإسلام وما يتعلق به. ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقَّفين عندنا بحيث بعتبرونها حُجَّةً فيما تتكلم به، وهذا من مظاهر الجهل بالثقافة الإسلامية وعقدة النقص عند هؤلاء المثقَّفين. هذه كلمة موجزة عن المُسْتَشْرِقِينَ وأصنافهم وأهدافهم ووسائلهم، ونرى من إتمام الفائدة للقُرَّاءِ أنْ نُذَيِّلَهَا بذكر أخطر المُسْتَشْرِقِينَ المعاصرين وأهم كتبهم، وَبِأَهَمِّ المجلاَّت التي يصدرها المُسْتَشْرِقُونَ في الدول الاستعمارية الكبرى (١).

стр. 36

أهم المجلات التي يصدرونها: أ - في عام ١٧٨٧م أنشأ الفرنسيون جمعيَّة للمستشرقين ألحقوها بأخرى في عام ١٨٢٠م، ثم أصدروا " المجلة الآسيوية ". ب - وفي لندن تألَّفت جمعيَّةٌ لتشجيع الدراسات الشرقية في عام ١٨٢٣م، وقَبِلَ المَلِكُ أنْ يكون وليَّ أمرها، وأصدرت " مجلة الجمعية الآسيوية الملكية ". جـ - وفي عام ١٨٤٢م أنشأ الأمريكيُّون جمعيَّة ومجلة بإسم " الجمعية الشرقية الأمريكية " وفي العام نفسه أصدر المُسْتَشْرِقُونَ الألمان مجلة خاصة بهم، وكذلك فعل المُسْتَشْرِقُونَ في كل من النمسا وإيطاليا وروسيا. د - ومن المجلاَّت التي أصدرها المُسْتَشْرِقُونَ الأمريكيون في هذا القرن "مجلة جمعيَّة الدراسات الشرقية " وكانت تصدر في مدينة جامبير Gambier بولاية Ohio ولها فروع في لندن وباريس وليبزج، وتورونتو في كندا، ولا يعرف إنْ كانت تصدر الآن، وطابعها العام على كل حال طابع الاستشراق

стр. 37

السياسي وإنْ كانت تعرض من وقت لآخر لبعض المشكلات الدِّينِيَّةِ، وخاصة في باب الكتب. هـ - ويصدر المُسْتَشْرِقُونَ الأمريكيون في الوقت الحاضر، " مجلة شؤون الشرق الأوسط ". وكذلك " مجلة الشرق الأوسط "، وطابعها على العموم طابع الاستشراق السياسي كذلك. ووأخطر المجلاَّت التي يصدرها المُسْتَشْرِقُونَ الأمريكيون في الوقت الحاضر هي مجلة " العالم الإسلامي " The Muslim World أنشأها صمويل زويمر S. Zweimer في سنة ١٩١١م، وتصدر الآن من هارتفورد Hartford بأمريكا ورئيس تحريرها كنيث كراج K. Gragg وطابع هذه المجلَّة تبشيري سافر. ز - وللمستشرقين الفرنسيين مجلَّة شبيهة بمجلة " العالم الإسلامي " في روحها وإتجاهها العدائي التبشيري وإسمها أيضاً: Le Monde Musulman أسماء أخطر المُسْتَشْرِقِينَ المعاصرين وأهم كُتُبهم: أ. ج. أربري: A. J. Arberry انجليزي معروف

стр. 38

بالتعصب ضد الإسلام والمسلمين ومن مُحَرِّرِي "دائرة المعارف الإسلامية" والآن أستاذ بجامعة كمبردج. ومن المؤسف أنه أستاذ لكثير من المصريِّين الذين تَخَرَّجُوا في الدراسات الإسلامية واللغوية في انجلترا. ومن كتبه: ١ - " الإسلام اليوم " صدر في عام ١٩٤٣م. ٢ - " مقدمة لتاريخ التصوف " صدر في عام ١٩٤٧م. ٣ - " التصوف " صدر في عام ١٩٥٠م. ٤ - " ترجمة القرآن " صدر في عام ١٩٥٠م. ألفرد جيوم: A. Geom انجليزي معاصر، اشتهر بالتعصب ضد الإسلام. حاضر في جامعات انجلترا وأمريكا. وَتَغْلُبُ على كتابته وآرائه الروح التبشيرية. ومن كتبه " الإسلام " ومن المؤسف أنه تَخَرَّجَ عليه كثير مِمَّنْ أرسلتهم الحكومة المصرية في بعثات رسمية للخارج لدراسة اللغات الشرقية. بارون كارا دي فو: Baron Carra de Vaux فرنسي متعصِّب جداً ضد الإسلام والمسلمين. ساهم

стр. 39

بنصيب بارز في تحرير " دائرة المعارف الإسلامية ". هـ. أ. ر. جب: H. A. R. Gibb أكبر مستشرقي إنجلترا المعاصرين كان عضواً بالمجمع اللغوي في مصر والآن أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة هارفرد الأمريكية. من كبار مُحَرِّرِي وناشري " دائرة المعارف الإسلامية ". له كتابات كثيرة فيها عمق وخطورة وهذا هو سر خطورته. ومن كتبه: ١ - " طريق الإسلام " ألفه بالاشتراك مع آخرين وترجم من الإنجليزية إلى العربية تحت العنوان المذكور. ٢ - " الاتجاهات الحديثة في الإسلام ". صدر في عام ١٩٤٧م وأعيد طبعه وترجم إلى العربية تحت العنوان المذكور. ٣ - " المذهب المحمدي " صدر في عام ١٩٤٧م وأعيد طبعه. ٤ - " الإسلام والمجتمع الغربي " يصدر في أجزاء وقد اشترك معه آخرون في التأليف وله مقالات أخرى متفرقة.

стр. 40

جولدزيهير: Goldizher مَجَرِيٌّ عرف بعدائه للإسلام وبخطورة كتاباته عنه ومن مُحَرِّرِي " دائرة المعارف الإسلامية ". كتب عن القرآن والحديث ومن كتبه " تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي " المترجم إلى العربية تحت العنوان السابق. جون ماينارد: Maynard أمريكي متعصب كان يساهم في تحرير " مجلة جمعيَّة الدراسات الشرقية " الأمريكية، وخاصة باب الكتاب الجديدة التي لها صلة بالإسلام وبالشرق على العموم. (أنظر - مثلاً ص ٢٢ وما بعدها من العدد ٢، من المجلد ٨، أبريل سنة ١٩٢٤م من المجلة المذكورة). س. م. زويمر: S. M. Zweimer مستشرق مُبَشِّرٌ أشتهر بعدائه الشديد للإسلام، مؤسس مجلة " العالم الإسلامي " الأمريكية التبشيرية مؤلف كتاب " الإسلام تحد لعقيدة " صدر في سنة ١٩٠٨م، وناشر كتاب " الإسلام " وهو مجموعة مقالات قدمت للمؤتمر التبشيري الثاني في سنة ١٩١١م بلكنهؤ في الهند. وتقديراً لجهوده التبشيرية أنشأ الأمريكيون
следующие страницы →