← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37417

الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم

مصطفى السباعي

Полный текст (87 стр.). Показаны 71–87 · переход к 76.

стр. 71

عن آخر على أنها حقائق علمية، قبل أنْ نقرأ - نحن المسلمين - تلك المؤلفات إلاَّ بعد موت مؤلفيها، أما الآن فأرجو أنْ تسمعوا منا ملاحظاتنا على أخطائكم لِتُصَحِّحُوهَا في حياتكم قبل أنْ تتقرر كحقائق علمية». ومن الملاحظ أنَّ هذا المستشرق كان يدرس في جامعة القاهرة - فؤاد سابقاً - وله مؤلف في تاريخ التشريع الإسلامي كله دَسٌّ وتحريف على أسلوب شيخه جولدتسيهر!. وفي جامعة «أبسلا» في السويد التقيت بالشيخ المستشرق " نيبرج " وهو الذي كان قد أشرف على تصحيح كتاب " الانتصار " لابن الخياط - على ما أظن - وطبعته قديماً لجنة التأليف والترجمة في القاهرة وجرى بيني وبينه حديث طويل كان أكثره حول أبحاث المُسْتَشْرِقِينَ ومؤلفاتهم عن الإسلام وتاريخه، وجعلت جولدتسيهر محور الحديث عن المُسْتَشْرِقِينَ، وذكرت له أمثلة من أخطائه وتحريفه للحقائق، فكان مِمَّا قاله بعد ذلك: «إن جولدتسيهر كان في القرن الماضي ذا شهرة علمية ومرجعاً

стр. 72

للمستشرقين، أما في هذا العصر - بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية - فلم يعد جولدتسيهر مرجعاً كما كان في القرن الماضي. . لقد مضى عهد جولدتسيهر في رأينا!. .» وقد أتيح لي خلال تلك الرحلة أنْ أواصل زيارة الجامعات عدا ما ذكرته منها في عواصم كل من (بلجيكا) و (الدانيمرك) و (النرويج) و (فنلندا) و (ألمانيا) و (سويسرا) و (باريس) واجتمعتُ بمن كان موجوداً فيها حينئذ من المُسْتَشْرِقِينَ. وَمِمَّا ذكرته آنفاً وما دَوَّنْتُهُ في مذكراتي عن المُسْتَشْرِقِينَ الذين لقيتهم خلال تلك الرحلة اتَّضَحَتْ لي الحقائق التالية: أولاً: أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - في جمهورهم - لا يخلو أحدهم من أنْ يكون قِسِّيساً أو استعماريّاً أو يهوديّاً، وقد يشذ عن ذلك أفراد. ثانياً: أنَّ الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية - كالدول السكندنافية - أضعف منه عند الدول الاستعمارية.

стр. 73

ثالثاً: أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يَتَخَلَّوْنَ عن جولدتسيهر وأمثاله المفضوحين في تعصبهم. رابعاً: أنَّ الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنباً إلى جنب، يلقى منهما كل تأييد. خامساً: أنَّ الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين. ففي فرنسا لا يزال " بلا شير " و " ماسينيون " وهما شَيْخَا المُسْتَشْرِقِينَ الفرنسيين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية كخيبرين في شؤون العرب والمسلمين. وفي إنجلترا رأينا - كما ذكرت - أنَّ الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكمبردج وأدنبره وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنجليز استعماريون وَمُبَشِّرُونَ،

стр. 74

وهم يحرصون على أنْ تَظَلَّ مؤلفات جولدتسيهر ومرجليوث ثم شاخت من بعدهما، هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغَرْبِيِّينَ، وللراغبين في حمل شهادة الدكتوراه عندهم من العرب والمسلمين، وهم لا يوافقون أبداً على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام وكشف دسائس أولئك المُسْتَشْرِقِينَ. وقد حَدَّثَنَا الدكتور أمين المصري - وهو خِرِّيجُ كلية أصول الدين في الأزهر وكلية الآداب ومعهد التربية في جامعة القاهرة - عما لقيه من عناء في سبيل موضوع رسالته التي أراد أنْ يتقدم بها لأخذ شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعات إنجلترا. لقد ذهب إليها منذ بضع سنوات لدراسة الفلسفة وأخذ شهادة الدكتوراه بها، وما كان يطلع على برامج الدراسة - وخاصة دراسة العلوم الإسلامية فيها - حتى هاله ما رآه من تَحَامُلٍ وَدَسٍّ في كتب المُسْتَشْرِقِينَ، وخاصة " شاخت " فقرر أنْ يكون موضوع رسالته هو نقد كتاب شاخت في تاريخ الفقه الإسلامي.

стр. 75

وتقدم إلى البروفسور أندرسون ليكون مُشْرِفاً على تحضير هذه الرسالة وموافقاً على موضوعها، فأبى عليه هذا المستشرق أنْ يكون موضوع رسالته نقد كتاب شاخت وَعَبَثاً حاول أنْ يوافق على ذلك، فلما يئس من جامعة لندن، ذهب إلى جامعة كامبردج وانتسب إليها، وتقدم إلى المشرفين على الدراسات الإسلامية فيها برغبته في أنْ يكون موضوع رسالته للدكتوراه هو ما ذكرناه، فلم يُبْدُوا رضاهم عن ذلك، وظن أنَّ من المُمْكِنِ موافقتهم أخيراً، ولكنهم، قالوا له بصريح العبارة: إذا أردت أنْ تنجح في الدكتوراه فَتَجَنَّبْ انتقاد شاخت، فإنَّ الجامعة لن تسمح لك بذلك، وعندئذ حَوَّلَ موضوع رسالته إلى " معايير نقد الحديث عند المحدثين" فوافقوه، ونجح في نوال الدكتوراه - وهو الآن أستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق. هذه كلمة موجزة عما تَحَقَّقْتُهُ بنفسي عن المُسْتَشْرِقِينَ، وخاصة كتب جولدتسيهر وآرائه، وقد أفردت لمناقشته فصلاً خاصّاً في كتابي " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، بَيَّنْتُ فيه تحامل

стр. 76

هذا المستشرق اليهودي، وتشويهه للحقائق، وتحريفه للنصوص، وتأويله للوقائع التاريخية وِفْقَ هدفه الذي سعى إليه، واعتماده على مصادر لا قيمة لها في نظر العلم، وتكذيبه للمصادر العلمية المعترف بها عند أئمتنا وعلمائنا المحققين. أما في أمريكا فالاستشراق فيها الآن يمثل ذروة العداء للإسلام والمسلمين، ويشرف على الدراسات الإسلامية في جامعاتها أشد أعداء الإسلام تعصباً وحقداً كما يتضح من أسماء أخطر المُسْتَشْرِقِينَ ومؤلفاتهم التي ذكرناها قبل قليل. ومن المؤلم أَنَّ طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون باللغة الإنجليزية في بلادهم لا يزالون مُضَطَرِّينَ إلى دخول الجامعات الإنجليزية والأمريكية، فلا يجد طلاب الدراسات الإسلامية أمامهم مراجع لدراستهم التي ينالون بها الدكتوراه غير تلك المراجع المسمومة، وهم لا يعرفون اللغة العربية، فَتَتَقَرَّرُ عندهم أَنَّ تلك الدسائس حقائق مأخوذة من كتب الفقهاء والعلماء المسلمين أنفسهم. إنَّ هذا مِمَّا يدعو جامعاتنا العربية للتفكير في

стр. 77

إنشاء أقسام لفروع شهادة الدكتوراه باللغة الإنجليزية، وأعتقد أنَّ ذلك من شأنه أَنْ يُحَوِّلَ أنظار كثيرين من طلاب العالم الإسلامي عن جامعات الغرب إلى بلادنا العربية - فَنَصُونَ هؤلاء من التأثر بدسائس المُسْتَشْرِقِينَ المتعصبين الاستعماريين. خاتمة البحث: وكلمة أخيرة أقولها عن المُسْتَشْرِقِينَ: منذ أَنْ انتهت الحروب الصليبية بالفشل من الناحية العسكرية والسياسية، لم ينقطع تفكير الغرب في الانتقام من الإسلام وأهله بطرق أخرى، فكانت الطريقة الأولى هي دراسة الإسلام ونقده، وفي جَوِّ هذا التفكير الذي ساد البيئة المسيحية في الغرب خلال القرون الوسطى نشأت فكرة الاستيلاء على البلاد الإسلامية عن طريق القوة والغلبة حين بدأ العالم الإسلامي يتدهور سياسيّاً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، وأخذ الغرب يسطو مرة بعد مرة على بلد بعد بلد في العالم الإسلامي، وما كاد ينتهي للغرب استيلاؤه على أكثر أقطار العالم الإسلامي حتى بدأت الدراسات الغربية عن الإسلام وتاريخه تنمو وتتكاثر

стр. 78

بقصد تبرير سياستهم الاستعمارية نحو هذه الشعوب، وقد تم لهم في القرن الماضي دراسة التراث الإسلامي من جميع نواحيه الدِّينِيَّةِ والتاريخية والحضارية، ومن الطبيعي أَنْ تكون الدراسة محجوبة عن إصابة الحق فيها بحاجبين: الأول: التعصب الديني الذي استمر لدى ساسة أوروبا وقادتها العسكريين حتى إذا دخلت جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بيت المقدس، قال اللورد " ألنبي" كلمته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية» أي من الناحية العسكرية. أما التعصب الديني: فما يزال أثره باقياً في كثير مِمَّا يكتب الغَرْبِيُّونَ عن الإسلام وحضارته وأكثر ما نجد إنصاف الإسلام ورسوله عند العلماء والأدباء الغَرْبِيِّينَ الذين تَحَلَّلُوا من سلطة ديانتهم، ونضرب لذلك مثلاً بكتاب " حضارة العرب " لمؤلفه " جوستاف لوبون " فإنه أعظم كتاب ألفه الغَرْبِيُّونَ في إنصاف الإسلام وحضارته. هذا، لأن " غوستاف لوبون " فيلسوف مادي لا يؤمن بالأديان قطعاً، من أجل هذا ومن أجل إنصافه

стр. 79

للحضارة الإسلامية، لا ينظر إليه الغَرْبِيُّونَ في أوساطهم العلمية نظر التقدير الذي يستحقه علمه. فهو - بلا شك - من أعظم علماء الاجتماع والتاريخ في القرن التاسع عشر ومع هذا فقد تحامل عليه الغَرْبِيُّونَ - وخاصة الفِرَنْسِيِّينَ - لما ذكرناه. الثاني: أنَّ القوة المادية والعلمية التي وصل إليها الغَرْبِيُّونَ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدخلت في نفوس علمائهم وَمُؤَرِّخِيهِمْ وَكُتَّابِهِمْ قدراً كبيراً من الغرور حتى اعتقدوا أنَّ الغَرْبِيِّينَ أصل جميع الحضارات في التاريخ - ما عدا المصرية - وَأَنَّ العقلية الغربية هي العقلية الدقيقة التأمل التي تستطيع أَنْ تفكر تفكيراً منطقياً سليماً، أما غيرهم من الشعوب - وخاصة الإسلامية - فَإِنَّ عقليتهم بسيطة ساذجة، أو بالأصح " ذرية " كما عبر بذلك المستشرق " جب " في كتابه " وجهة الإسلام " ويقصد بذلك أَنَّ العقلية الإسلامية تدرك الأمور بواسطة الجزئيات ولا تدركها إدراكاً كُلِياً. وهم لم يحكموا بذلك إِلاَّ على ضوء ما رأوه بأعينهم من ضعف الشعوب التي استعمروها، وما

стр. 80

سَادَهَا من جهل، وما شملها من تأخر في كل نواحي الحياة. فلما بدأ اتصالنا بالحضارة الغربية في أوائل هذا القرن، وانتشرت الثقافة بيننا، لم يجد المُثَقَّفُونَ - من غير علماء الشريعة - أمامهم طريقاً مُمَهَّداً للحديث عن تراثنا المبعثر في كتب قديمة غير منظمة تنظيماً يتفق وتنظيم الكتب العلمية عند الغَرْبِيِّينَ، إِلاَّ كتب المُسْتَشْرِقِينَ الذين أفنوا أعمارهم في دراسة ثقافتنا وتتبع مصادرها في خزائن الكتب العامة عندهم، حتى ليظل أحدهم عشرين عاماً في تأليف كتاب عن ناحية من نواحي ثقافتنا، يرجع فيه إلى كل ما وصلت إليه يده من مصادر قديمة من كتب علمائنا الأولين. وبهذا الدأب المتواصل عند علمائهم، والتفرغ الكامل له، والرغبة الاستعمارية والدينية التي ألمحت إليها، استطاعوا أَنْ ينظموا الحديث عن ثقافتنا تنظيماً بهر أبصار (مُثَقَّفِينَا) واستولى على ألبابهم، وخاصة عندما قارنوا بين أسلوبهم وبين أسلوب كُتُبِنَا العلمية القديمة، فاندفعوا إلى الاقتباس من كُتُبِ المُسْتَشْرِقِينَ

стр. 81

معجبين بعلمهم وسعة اطلاعهم، ظانين أنهم لا يقولون إِلاَّ الحق، وأنهم - فيما خالفوا فيه الحقائق المقررة عندنا - أصح حُكْماً، وأصوب رأياً، لأنهم يسيرون وفق منهج عِلْمِيٍّ دقيق لا يحيدون عنه. ومن هنا نشأت الثقة ببحوث هؤلاء الغَرْبِيِّينَ والاعتماد على آرائهم. ولم يتح لهؤلاء المُثَقَّفِينَ أنْ يرجعوا إلى المصادر الإسلامية التي استقى منها المُسْتَشْرِقُونَ وغيرهم من الباحثين الغَرْبِيِّينَ، إما لصعوبة الرجوع إلى مصادرنا، أو الرغبة في سرعة الإنتاج العِلْمِيِّ، أو لشهوة الإتيان بحقائق مخالفة لما هو سائد في أوساطنا العِلْمِيَّةِ وَاِّلدِينِيَّةِ وغيرها. وكانت فترة من الزمان طغى علينا هذا الشعور بالنقص والضعف وعدم الثقة بأنفسنا إزاء الباحثين الغَرْبِيِّينَ، وإعظامهم وإكبارهم وعدم سوء الظن بهم، حتى إذا بدأت حركات الوعي السياسي وبدأ استقلالنا السياسي عن سيطرة الغَرْبِيِّينَ، ابتدأ عندنا الشعور بوجوب الاستقلال الفكري، الشعور بشخصيتنا وقيمة حضارتنا وتراثنا، الشعور بالخجل

стр. 82

لموقفنا السابق من اتكالنا على المُسْتَشْرِقِينَ في معرفة ما عندنا من تراث وعقيدة وتشريع، وانتشر هذا الوعي في أوساطنا المُثَقَّفَة من دِينِيَّةٍ وغيرها، فبدأنا نكتشف الحقيقة، حقيقة هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ في أبحاثهم وأهدافهم الدِّينِيَّةِ والاستعمارية من ورائها. وما زلنا نسير في هذا الاتجاه الذي لم يستكمل قوته واستقلاله الذاتي بعد، لأنها سُنَّةُ الله في الأشياء. ولكنا واصلون إلى هذه المرحلة - بإذن الله - حتى يأتي يوم يستغرب فيه أبناؤنا وأحفادنا كيف كنا بسطاء مخدوعين بهؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ إلى هذا الحد. سيأتي يوم ننقلب فيه نحن إلى دراسة تراث الغَرْبِيِّينَ ونقد ما عندهم من دين وعلوم وحضارة، وسيأتي اليوم الذي يستعمل فيه أبناؤنا وأحفادنا مقاييس النقد التي وضعها هؤلاء الغَرْبِيُّونَ، في نقد ما عند هؤلاء الغَرْبِيِّينَ أنفسهم من عقيدة وعلوم، فإذا هي أشد تهافتاً، وأكثر ضعفاً مِمَّا يلصقونه اليوم بعقيدتنا وعلومنا. تُرَى لو استعمل المسلمون معايير النقد العِلْمِيّ

стр. 83

التي يستعملها المُسْتَشْرِقُونَ في نقد القرآن والسُنَّةِ، في نقد كتبهم المقدسة وعلومهم الموروثة، ماذا كان يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من قوة؟ وماذا يكون فيها من " ثبوت ". تُرى لو استعمل المسلمون في المستقبل معايير النقد العِلْمِيّ في المستقبل معايير النقد العِلْمِيّ التي يزعم المُسْتَشْرِقُونَ أنهم يأخذون بها عند نقد تاريخنا وأئمتنا في نقد تاريخ هذه الحضارة وَمُقَدَّسَاتِهَا وفاتحيها ورؤسائها وعلمائها، أَلاَ يخرجون بنتيجة من الشك وسوء الظن أكبر بكثير مِمَّا يخرج به المُسْتَشْرِقُونَ بالنسبة إلى حضارتنا وعظمائنا؟ أَلاَ تبدو هذه الحضارة مُهَلْهَلَةً رَثَّةَ الثياب؟ وَأَلاَ يبدو رجال هذه الحضارة من علماء وسياسيين وأدباء بصورة باهتة اللون لاَ أثر فيها لكرامة ولا خلق ولا ضمير؟ كثيراً ما أتمنى أنْ يتفرغ منا رجال للكتابة عن هذه الحضارة وتاريخ علمائها بنفس الأسلوب الذي يكتب به المُسْتَشْرِقُونَ من تتبع الأخبار الساقطة، وفهم النصوص على غير حقيقتها، وقلب المحاسن إلى سيئات، والتشكيك في كل خير يصدر عن

стр. 84

هؤلاء الغَرْبِيِّينَ، ولو حصل هذا لخرجت منه صورة لهذه الحضارة ولرجالها مضحكة مخزية ينكرها المُسْتَشْرِقُونَ قبل غيرهم، أترى أحداً ينهض منا لهذا العبء، عبء استعمال المقاييس النقدية عند الغَرْبِيِّينَ، بالأسلوب الذي ذكرناه لإعطاء صورة عنهم وعن عقائدهم وعن حضارتهم ليقرأها المُسْتَشْرِقُونَ بأنفسهم، فيروا كيف عادت هذه الطريقة التي زعموا أنهم يستخدمونها لمعرفة " الحقيقة " في تاريخنا وديننا، وَبَالاً عليهم، لعلهم يخجلون - بعدئذ - من استمرارهم في التحريف والتضليل والهدم!. وبعد: فإني أعتقد أنه قد انقضى ذلك العهد الذي كنا فيه نعتمد في مصادر معرفتنا بعلومنا وتاريخنا، على هؤلاء الغَرْبِيِّينَ، مع أنهم ليست لهم مصادر إِلاَّ كُتُبُنَا وَمُدَوَّنَاتِنَا، ولئن كنا بها جاهلين من قبل، فلقد آنَ الأوان أَنْ نرفع عن جِبَاهِنَا خِزْيَ الجهالة بمصادرنا، وَعَارِ الاتكال في فهمها على فهم الغرباء عن لغتنا، وَصِحَّةِ الاعتقاد بديننا وعلمائنا ما يريد منا هؤلاء المُسْتَشْرِقُونَ المُتَعَصِّبُونَ أَنْ نعتقده في حق ديننا وعلمائنا من شك وسوء ظن، ولقد آنَ

стр. 85

الأوان أَنْ نفعل ذلك بما نَفَضْنَا عنه الغبار ونشرناه من كنوزنا العلمية الدفينة، وبما ملأ نفوسنا من وعي كريم وشعور باستقلال الشخصية. ولئن بقي الآنَ من يحسن الظن بفهمهم أو رأيهم في علومنا، فليقرأ - إِنْ شاء مزيداً من التفصيل - ما كتبته عن المُسْتَشْرِقِينَ ومناقشتي لآرائهم في كتابي " السُنَّةُ ومكانتها في التشريع الإسلامي" وغيره من الكتب التي تكشف عن دسائس هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ، فينكشفون على حقيقتهم كما هم في الواقع، وكما أرادوا لأنفسهم أَنْ يكونوا. وإذا كنا نشتد هذه الشدة في حق المُحَرِّفِينَ وَالمُضَلِّلِينَ أمثال جولدتسيهر، فإننا لا نغمط غيرهم من المُنْصِفِينَ حَقَّهُمْ في نشر نفائس كتبنا القديمة، ودأبهم في البحث عن الحقيقة، فليس العلم محتكراً لأُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ. والإسلام، وهو دين الله للعالم كله، لا يمكن أَنْ يستأثر بفهمه قوم دون قوم، فليفهم منه من شاء ما شاء، بشرط أَنْ يَتَحَلَّى بصفة العلماء، وهي الإنصاف والإخلاص للحق، وَالبُعْدِ عن العصبية والهوى.

стр. 86

فهرس: مقدمة ....................................................................................................... ٥ الاستشراق والمُسْتَشْرِقُونَ ................................................................................ ٩ تاريخ الاستشراق ......................................................................................... ١٧ ميدان الاستشراق ......................................................................................... ١٩ دوافع الاستشراق ......................................................................................... ٢٠ ١ - الدافع الديني ......................................................................................... ٢٠ ٢ - الدافع الاستعماري .................................................................................... ٢١ ٣ - الدافع التجاري ........................................................................................ ٢٣ ٤ - الدافع السياسي ....................................................................................... ٢٣ ٥ - الدافع العِلْمِيّ ......................................................................................... ٢٤ أهداف الاستشراق ووسائله .............................................................................. ٢٥ [أ] هدفي عِلْمِيٍّ مشبوه، يهدف إلى: ................................................................. ٢٥ ١ - التشكيك بصحة رسالة النبي ﷺ ............................................ ٢٥ ٢ - التشكيك بأنَّ الإسلام دين من عند الله .............................................................. ٢٧

стр. 87

٣ - التشكيك في صحة الحديث النبوي .................................................................. ٢٨ ٤ - التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية .............................................................. ٢٩ ٥ - التشكيك بقدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العِلْمِيّ ......................................... ٢٩ [ب] الأهداف الدِّينِيَّةِ والسياسية ........................................................................ ٣٠ [ج] أهداف علمية خالصة لا يقصد منها إلاَّ البحث والتمحيص ....................................... ٣١ وسائل المُسْتَشْرِقِينَ لتحقيق أهدافهم ..................................................................... ٣٣ أهم المجلاَّت التي يصدرونها ............................................................................. ٣٧ أسماء أخطر المُسْتَشْرِقِينَ المعاصرين وأهم كتبهم ...................................................... ٣٨ موازين البحث عند المُسْتَشْرِقِينَ .......................................................................... ٥٤ مع المُسْتَشْرِقِينَ وجهاً لوجه في أوروبا ................................................................. ٦٥ خاتمة البحث .............................................................................................. ٧٨ الفهرس ................................................................................................... ٨٧