← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أثر العقائد في صناعة أفكار الأمم إن العقيدة هي الأساس التي تقوم عليه الأديان والمذاهب والمبادئ، وقد قيل قديماً: (الإنسان أسير أفكاره ومعتقداته) ولا زالت عقائد البشر هي التي تسيرهم، ومن خلالها ينظرون إلى الوجود والحياة والمجتمعات الإنسانية، وعلى أساسها يقيمون الأنظمة والقوانين، ويضعون القواعد والقيم والموازين. ولم يزل المستبدون والطغاة يتلاعبون بعقائد الناس؛ لتتيسر لهم السيطرة عليهم، فعلى الرغم من أنني كتبت في موضوع العقيدة عدة مؤلفات، إلا أن خطورة الموضوع الذي أتناوله تفرض علي أن أعود إلى التفكير فيه مرة أخرى، وأعود للنظر في التراث العقائدي وفي مصادره، ولقد نظرت في هذا التراث نظرتين: نظرة في التراث الإنساني، ونظرة في التراث الإسلامي، وعشت مع المؤلفات التي تعرضت لعقيدة هذين التراثين وقتاً ليس بالقصير، ولقد رأيتني وأنا أجول بنظري وفكري في كتب التراث كرجل قابع فوق قمة جبل على شاطئ بحر لجي محيط، وأنا أنظر في عقائد أهل الملل والنحل في القديم والحديث، وكيف نشأت وتفرعت؟ ثم كيف تلاشت وفنيت؟. فتخيلوا أنني ذلك الرجل الذي يشاهد أمواج البحر، فإذا هي لا تحصى كثرة، وهي تنشأ وتتلاشى، ثم تتعارض وتتصادم، وهي في ذلك كله لا تتوقف لحظة، بل كل الذي يحدث أن البحر قد يهدأ في بعض الأحيان فتكون الأمواج هادئة، وقد يثور فإذا بالأمواج كالظلل أو كالجبال، ولست مبالغاً في الوصف، بل هي الحقيقة التي أدركتها. ومن طالع ما كتبه الكاتبون في تاريخ العقائد، وما كتبوه في تاريخ الفكر الإنساني، وما كتب في الملل والنحل يعلم صدق ما أقوله.

стр. 492

عجز العقل الإنساني عن معرفة حقائق كل شيء وإن كثرة المذاهب والعقائد والفرق جعلت الفكر الإنساني لا يدري أين يسير؟ وماذا يأخذ وماذا يدع؟ فالعقيدة لا تقوم كما نعلم على الشك والحيرة والتردد، بل تحتاج إلى اليقين الصادق الذي يقوم على الأدلة والبراهين، التي لا تجد النفس لها مدفعاً، والتي تأسر النفوس وتخضع لها العقول. الفكر الإنساني لا يستطيع أن يقيم من خلال هذا الركام الهائل من التصورات والأفكار والعقائد التي يموج بها تأريخ الإنسان وواقعه أصولاً توقفه على اليقين المنافي للشك، والقضايا التي يريد أن يصل فيها إلى اليقين لا يدخل كثير منها في المجال الذي يحسن العقل الإنساني النظر فيه. إن الروح التي تسري في نفس الإنسان هي أقرب الأشياء إليه؛ لأنها نفسه، ومع ذلك فإن الإنسان يشتد جهله بها كل ما زاد بحثه عنها، فالروح ليست من جنس الأشياء المشهودة التي يمكن للعقل الإنساني البحث فيها، فليس لها وزن ولا لون ولا حجم، ولا تدخل تحت المقاييس الإنسانية، فأنى للعقل أن يعرف كنهها وحقيقتها؟ لذلك قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. إذا كان هذا هو شأن الإنسان مع الروح التي تسري في كيانه، وهي سر حياته، فما بالكم في البحث العقلي المجرد عن خالق الوجود، وعن العوالم التي لا نراها ولا نشاهدها، وعن العوالم التي سيصير إليها الإنسان بعد الموت كالبرزخ واليوم الآخر؟ إن الإنسان لا يمكن أن يصل في أمرها إلى قرار، وسيبقى طيلة عمره حائراً متردداً. ومتى لم يجد الإنسان برد اليقين في معرفة الحقائق التي يمكن أن يقيم عليها حياته، والتي يمكن أن تفسر له وجوده، وترسم له مساره في الحياة وغايته التي يرمي إليها، وتوضح له علاقته بالقوة التي أوجدته وأوجدت الكون، فإنه سيعيش في شقاء، وسيضل المسار في حين أنه يظن في بعض الأحيان أنه بلغ الغاية، وشارف المقصد، وأوشك أن يصل، ثم يكتشف أن ذلك وهم من الأوهام، ويفاجأ بالأجل وقد أدركه، ثم ينظر فلا يجد أنه قد حقق في رحلته ما كان يصبو إليه.

стр. 493

إقحام العقل فيما لا مجال له فيه لا يؤدي إلى نتيجة ولن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي الوحي من الفلاسفة والمفكرين، ولكنني سأحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئاً ما، فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم، وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا ورائه طويلاً. فهذا الرازي وهو أحد هؤلاء، وقد عانى في مسيره كثيراً من العنت، ثم يعلن أخيراً أنه لم يصل إلى شيء، وكان قد ابتعد عن المنهج القرآني النبوي، وجرى وراء نتائج العقول الإنسانية، فلم تقده الأفكار والنظريات والمقالات إلى اليقين الذي يجده الناهل من وحي السماء، ووجد في نهاية المسار أن روحه لم ترتو من المنهل الذي ورده، وأن الغاية التي سعى إليها لم يحققها، وأن ما اعتمد عليه وجمعه إنما هي أقوال تتصارع وتتضارب، إنني كلما قرأت أبياته التي أوردها في كتابه (أقسام اللذات) أشم منها رائحة النواح والحزن الصاعد من قلب مكلوم، فقد قال: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ثم يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ويختم حديثه قائلا: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ويصور لنا كذلك عبد الكريم الشهرستاني، وهو العلم الذي لا يشق له غبار في علم الملل والنحل، حال أصحاب الكلام في علوم العقائد، في مقدمة كتابه (نهاية الإقدام في علم الكلام) فيقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم ولا أنسى الجويني، وهو الذي كان يدعى بـ (إمام الحرمين) وهو من هو في علم الكلام والجدال والبحث والنظر، ولما حضره الموت إذا به ينظر في مساره في الحياة، وينظر في حصيلته التي حصلها، فإذا به يبكي بكاء الثكلى، فلقد أضاع الكثير من عمره في مسار لم يصله إلى مراده، لقد كان يخوض في بحر خضم من أفكار وعقائد وموازين لا يقر قلب من خاضها على قرار، فإذا به يوصي أصحابه وهو يعالج سكرات الموت فيقول: لقد دخلت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني الله برحمته فالويل لي، وهأنذا أموت على عقيدة أمي. وهذا عالم آخر من علماء الكلام، يفتش عن حصيلة العمر، وهو على فراش الموت، فلا يجد عنده من الحق شيئاً، فيعلن ذلك لمن حوله ويقول: اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب، ثم قال: والافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئاً.

стр. 494

الوحي هادٍ للعقل الإنساني العاجز إن الله العليم القدير الحكيم هو الذي خلقنا، وهو أعلم بنا من أنفسنا، فهو يعلم أننا بحاجة إلى معرفته لأنه خالقنا، ويعلم أن نفوسنا لا يمكن أن يقر لها قرار ما لم تعرف الذي خلقها، وما لم تعرف الطريق إليه، ويعلم كذلك أن العقل الإنساني الذي وهبه لنا لا يمكن أن يصل بنفسه إلى معرفة صفات وأسماء خالقه وإلهه، ولا يعلم كيف يعبده. فتكفل لأبينا آدم ﵇ عندما أهبطه إلى الأرض أن يمد ذريته من بعده بالنور والهدى، وهو الوحي الذي يعرفهم بربهم، وبالحقائق الكبرى التي لا بد لهم منها، وتكفل أيضاً لمن اتبع نوره المنزل على الأنبياء بالخلاص من الضلال الذي يعيش فيه البشر، وبالنجاة من الشقاء الذي تتردى فيه القلوب والنفوس، وقد توعد الرافضين لوحيه وهداه بالحياة الضنكة الشقية في الدنيا، وفي الآخرة توعده بحياة أشد ضنكاً وشقاء. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]. وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. ولقد بقيت البشرية بعد أن هبط آدم إلى الأرض، وتكاثرت ذريته على التوحيد، فكان الناس أمة واحدة، ولكن البشر فيما بعد ضلوا في إلههم ومعبودهم، فعبدوا من دونه أولياء؛ فاتخذوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، فكانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، فأرسل الله لهم أول رسله، وهو نوح ﵇، فأنذرهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يعبد من دونه، فآمن له قليل واستكبر منهم الكثير، فأهلكهم الله تعالى.

стр. 495

الشرك في التراث العقائدي لدى الأمم وكثير من الأمم عبر تاريخ البشرية عبدوا الأصنام، ولهم في ذلك فلسفات وضلالات، فبعضهم يزعم أن هذه الأصنام محل تتلبس به الأرواح التي يعبدونها، وبعضهم ليس له حجة إلا أن الآباء يمجدونها ويقدسونها.

стр. 496

الشرك عند الصابئة إن الصابئة: هم الذين كانوا يسكنون في بداية أمرهم في وسط العراق، ثم سكنوا شماله، وكانوا يدعون أن الله خلق الأفلاك والكواكب، ووكل إليها تدبير أمر العالم من الخير والشر والصحة والمرض؛ ولذا فإنه يجب على البشر تعظيمها وعبادتها. ومنهم من يزعم أن الكواكب التي في الفلك ملائكة، وبنوا بيوتاً لهذه الكواكب لعبادتها، وجعلوا فيها الهياكل، وقد جادلهم إبراهيم ﵇ فيما يعبدونه من أصنام، كما أنه ناقشهم أيضاً في عبادة الشمس والقمر والنجوم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٦]. وقال في موضع آخر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٨٢].

стр. 497

الشرك في التراث العقائدي عند الهنود وفي بلاد أخرى كالهند عبد الناس هناك الأشجار والأحجار والثعابين والفئران، وقال فلاسفتهم بوحدة الوجود. وكانت عندهم الديانة البرهمية التي تزعم أن طبقة البراهمة خلقوا من رأس الإله (براهمان)، وأن طبقة الجند خلقوا من منكبيه وذراعيه، والزراع والتجار والعمال من فخذيه، والأرقاء من قدميه، ومنعوا ارتفاع الإنسان إلى طبقة فوق طبقته، وقال فلاسفتهم بالتناسخ، وهو أن روح الإنسان بعد الموت قد تحل في ابنه أو أخته أو أخيه أو في إنسان آخر، أو حتى في خنزير أو كلب، ولهم في ذلك فلسفات يضيق الوقت عن ذكرها. وأله هؤلاء الناس البشر وعبدوهم من دون الله عندما زعموا أن الآلهة تحل في بعض البشر، أو أن بعض الملوك من نفس الآلهة، كما كان ملوك المصريين القدامى ينصبون أنفسهم آلهة تقدم لهم الهدايا والقرابين، ويُعبدون في المعابد، وقد قال فرعون لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. ولقد قامت في بلاد فارس ديانات كثيرة، ومن أقدمها عبادة (زرادتش) في القرن السابع قبل الميلاد، وقد ادعوا (زرادتش) إلهاً وضعوا حوله الأساطير. ثم جاء (مانو) بعد الميلاد بأكثر من مائتي عام وقال بقدم النور والظلمة وأنهما إلهان، وادعى مانو أن الجسد سجن للروح، ولا بد من تخليص الروح من سجنها وذلك بإبادة الجنس البشري، وهذه فلسفة من فلسفاتهم، فما كان من الملك -وقد سمع بدعواه- إلا أن أمر الجلاد أن يقص رأسه؛ ليخلص روحه من سجنها. ثم جاء مزدك بالشيوعية، ونادى بأنه لا زواج، بل تباح النساء والأموال من غير ضابط، ونادى بإلغاء القوانين؛ بحجة أنها تحول بين الإنسان وبين ما يشتهي، وقال بألوهية النور والظلام، فكانت النيران لا تخبو من المعابد، وكان الفرس يسجدون لها.

стр. 498

الشرك في عقائد الفلاسفة لقد برز على مر العصور فلاسفة كثيرون، بهروا الناس بسعة علمهم وقدراتهم العقلية الرائعة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من البيئات الوثنية التي عاشوا فيها، ولم يستطيعوا أن يضيئوا طريق البشرية بالهداية إلى الحق. ومن أبرز هؤلاء الفلاسفة: أفلاطون، وأفلاطون هذا هو الذي قال بوجود أرباب من دون الله، وقد أراد بنظريته الشركية هذه أن يعلل ما يجري في العالم من شر وألم، فالخير عنده كله من العقل المطلق، والعدل كله من الهيولى مادة الخلق. فالوجود عند أفلاطون طبقتان متقابلتان، فالعقل المطلق هو الخالق للخير، والهيولى مادة الخلق، وبين العقل المطلق والهيولى مخلوقات وهذه المخلوقات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل المطلق، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولى، وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب، وبعضها أنصاف أرباب، وبعضها نفوس بشرية، هذا هو كلام أفلاطون الفيلسوف الكبير كما يسمونه، وقد قال أفلاطون أيضاً بتناسخ الأرواح. وادعى كثير من الفلاسفة أيضاً أن العالم قديم أزلي، ولذلك لم يستطع البشر أن يحصلوا على الهدى والنور من الفلاسفة. إن الضلال في تاريخ البشرية كثير متشابك تشابك الطرق في صحراء ليس لها نهاية، وهو ضلال متداخل ملتو معوج، وقد استمر الوحي السماوي يواكب البشرية ويواكب الحياة الإنسانية، فما من أمة إلا خلا فيها نذير، والرسل الذين أرسلهم الله قد أوصلوا صوت الحق إلى جميع الأمم، ولكن البشر في كل العصور يرفضون الاستجابة للرسل، فنجدهم يقفون منهم موقف المعاند المكابر، ويكذبونهم ويتمردون على وحي السماء. قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٤٤].

стр. 499

الشرك في التراث العقائدي عند اليهود لقد كان موسى من الرسل العظام، أرسله الله لبني إسرائيل، وأنزل إليه شريعة التوراة، ولم يستطع كثير من بني إسرائيل أن يرتفعوا إلى مصاف المؤمنين، ولم يطيقوا البعد عن الخرافات والضلال والأوهام. لقد أنجاهم الله من فرعون فما كادت تخرج أقدامهم من البحر الذي شقه الله لهم حتى جاءوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لنبيهم: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، أي: اجعل لنا صنماً نعبده كما لهم صنم يعبدونه، وتركهم موسى تحت إمرة أخيه رسول الله هارون. وفي التوراة المحرفة: أن الله يتعب! ونسبوا إلى الأنبياء الكبائر والفواحش! وضاعت العقيدة الصافية التي تصل الناس بربهم، وكتب علمائهم التلمود، فوجد في تلمودهم الشرك والوثنية، فلقد صوروا الله ﵎ في تلمودهم إنساناً يبكي، ويذنب فيستغفر ويكفر عن ذنبه. وقد حدثنا الله عن تلاعب بني إسرائيل بالتوراة فقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨].

стр. 500

الشرك في التراث العقائدي عند النصارى ثم جاء عيسى بن مريم ﵇ بالإنجيل فيه هدى ونور، يدعو إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه، ولكن النصارى اختلفوا من بعده، ولم يمض وقت طويل حتى اختلفوا في كتابهم، فكثرت الأناجيل فإذا هي تزيد على السبعين في ذلك الوقت، واختلفوا كذلك في طبيعة المسيح: فمنهم من قال: هو عبد الله ورسوله، ومنهم من قال: هو الله أو ابن الله، ثم اختلفوا بعد ذلك أيضاً: فمن قائل: إن له طبيعتين: طبيعة إلهية، وطبيعة بشرية، ومن قائل: إن له طبيعة واحدة هي الألوهية وأن تجسده في الصورة البشرية لم يؤثر في ألوهيته. وقد عقد قسطنطين الذي تنصر مجمعاً اسمه: (مجمع نوقيا) عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين للميلاد، وعلى الرغم من كون الذين قالوا بألوهية المسيح كانوا قلة إلا أنهم هم الذين غلبوا في المجمع؛ لأن الحاكم يريد هذا، وكفروا من لا يقول بذلك. وفي عام ثلاثمائة وواحد وثمانين استمع المجمع القسطنطيني الأول، وقرر إلهية روح القدس، ولعن الذين لا يقولون بألوهيته، وصارت الألوهية عند النصارى في ثلاثة أقانيم متداخلة: الأب، والابن، والروح القدس، وما مقالتهم هذه إلا مضاهاة لقول الذين كفروا من قبل، ومضاهاة للذين ألهوا البشر والمخلوقات وعبدوها من دون الله.

стр. 501

الشرك عند العرب قبل بعثة رسول الله محمد ﷺ ثم قبيل البعثة النبوية المحمدية لم يبق في فجاج الأرض من نور الوحي إلا شموع خافتة باهتة، وهذه الشموع لا يكاد الناس يعرفون في ضوءها معالم الطريق، ولا تصلح لهدايتهم إلى الحق الخالص من الشوائب، وكان العالم كله كذلك ومنه الجزيرة العربية التي انتشرت فيها عبادة الأصنام والأوثان فكان العرب يعبدونها؛ لتقربهم إلى الله زلفى. فجاء رسولنا محمد ﷺ بالنور المبين، والصراط المستقيم والحق الأبلج، وفتح الله به العيون العمياء، والآذان الصماء، وأنار به القلوب وأظهر الله به الحق، وعرف الناس بربهم، وأقام العبادة على الحنيفية ملة إبراهيم، وبين للناس ما اختلفوا فيه، وبين الضلال الذي وقع فيه اليهود، وقال كلمة الحق في عيسى ﵇.

стр. 502

طروء الشرك والبدعة على هذه الأمة بعد وفاة رسول الله ﷺ ثم توفي الرسول ﷺ وقد حفظ الله كتابه الذي أنزله، وهيأ الله صحابة الرسول ﷺ فدونوا الكتاب ونشروه في الآفاق، وجمعوا عليه الأمة، وحفظوا سنة رسول الله ﷺ وورثوها لمن جاء بعدهم، وبلغوا دعوة الله للعالمين، ونشروا هذا الدين، ولم يجد عدوهم إليهم سبيلاً. ثم حدثت الفتنة وانقسمت الأمة، وعلى الرغم من أن الشمل قد التأم، واجتمع أمر الأمة على رجل منها، إلا أن الخلاف لم ينته، وعلى الرغم من أن الخلاف ابتدأ سياسياً، إلا أن الأطراف المتنازعة وصلت خلافها بالدين، ووجدت العقائد الكفرية والفلسفات الضالة التي كانت سائدة قبل الإسلام باباً تدخل منه إلى المسلمين في وقت الفرقة والاختلاف.

стр. 503

بدعة التشيع فحدث أن غلا بعض الناس الذين يريدون إضلال العباد في علي بن أبي طالب، وجعلوه أحق بالنبوة من الرسول ﷺ ، ومنهم من زعم فيه الألوهية، ومنهم من عده أفضل الصحابة، واتخذوا هذا باباً لهدم الإسلام وسب الصحابة ومعاداتهم، ثم انقسم هؤلاء إلى فرق كثيرة: بعضها قريبة من الحق، وبعضها غالية، وبعضها بين ذلك، وأصبح لكل فرقة أصولها وعقائدها ومناهجها.

стр. 504

بدعة الخوارج وسخط آخرون على علي بن أبي طالب ومعاوية وكفروهم وكفروا من تبعهم، ونسبوا فعلهم هذا إلى الدين، وقالوا: كل من ارتكب كبيرة فهو كافر، واستباحوا دماء مخالفيهم وأموالهم ونسائهم، فناقشهم الصحابة، ثم حاربوهم وكان هؤلاء هم الذين عرفوا في التاريخ باسم الخوارج، ولهم عقائد ومناهج وأفكار لا تزال تظهر بين الفينة والفينة إلى زماننا هذا.

стр. 505

بدعة القدرية والجهمية وفي نهاية عهد الصحابة، خرج قوم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقام لهم الصحابة ونقضوا مقالتهم وأبطلوا شبهتهم، ثم بدأت المقالات الضالة المتلقاة من تلامذة اليهود والمشركين وطلاب الصابئة تنتشر في أوساط المسلمين. فمن أوائل من عرف عنه ذلك: الجهم بن صفوان، والجهم أخذ مقالته من الجعد بن درهم، وهذا أخذ مقالته كما يقول ابن تيمية عن أبان بن صنعان، وأخذها هذا الأخير عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان الجعد بن درهم من أرض حران، وحران موطن الصابئة، وفيها بعض فلاسفتهم، ويذكر الإمام أحمد أن الجهم أخذ مقالته أيضاً عن بعض فلاسفة الهند. والجهم صاحب ضلالة تنسب إليه، وأتباعه يسمون بـ: (الجهمية)، وهم ينفون صفات الرب وأسماءه، وشيخه الجعد بن درهم زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، وأعملوا في النصوص التي لا توافقهم مقاييس التأويل الذي قد يصل إلى درجة التحريف.

стр. 506

بدعة الاعتزال وعندما عربت الفلسفات الرومية واليونانية ونقلت إلى اللغة العربية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، وكثرت التيارات العقائدية والفكرية، وغزت عقول طوائف من المسلمين مثل: واصل بن عطاء وعمر بن عبيد. فلقد نشأت الفرق المختلفة ومن أشهرها المعتزلة، وهي التي ابتدأ أمرها واصل بن عطاء، وقد زعم المعتزلة أنهم يريدون أن يدافعوا عن الدين ضد الملحدين والنصارى والفلاسفة، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، بل تبنوا نظريات وآراء أحدثت فرقاً بين المسلمين. وتبنى بعض الخلفاء العباسيين وجهة نظرهم، وابتلي المسلمون في عصور هؤلاء الخلفاء الذين تبنوا الاعتزال، وعلماء المعتزلة الذين يسميهم المستشرقون اليوم (رجال الفكر، أو الأحرار) قاموا بالحجر على فكر المخالفين، وتكفير من لم يتبن أصولهم. وقالوا: لا يكون هناك توحيد إلا إذا نفينا صفات الخالق خشية الوقوع في التجسيم. وزعموا بناء على ذلك أن القرآن ليس كلام الله، وهذه الفتنة هي التي حدثت في عهد المأمون والخلفاء الذين بعده، ووقف في وجهها الإمام أحمد كما هو معروف. وزعموا أيضاً أن العدل يقتضي أن العبد هو خالق فعله ليس الله هو خالق أفعال العباد، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر في الدنيا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وأما في الآخرة فهو كافر مخلد في النار، وقد وقف في وجههم العلماء الأجلاء، وقد ترك المعتزلة تراثاً ضخماً يشرح أصولهم ونظرياتهم، ومن أوسعها كتاب: المغني، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وكتاب شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار أيضاً، وهما مطبوعان. ولقد أفل نجم المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المتوكل، ولكنهم صبغوا الفكر الإسلامي بكثير من نظرياتهم ومعتقداتهم، ومن الذين هدموا مذهب المعتزلة بعض الذين نشئوا على الفكر المعتزلي من أمثال أبي الحسن الأشعري المتوفى في سنة ثلاثمائة وأربعة وعشرين هجرية، وقد بقي معتزلياً أربعين عاماً، ثم رجع إلى مذهب السلف، وعلى الرغم من أن أبا الحسن الأشعري اقترب إلى مذهب السلف فيما ذهبوا إليه إلى حد كبير، إلا أنه لم يتخلص من أساليب المعتزلة وقواعدهم العقلية ومصطلحاتهم، وهذه الطريقة تؤدي بصاحبها إلى نتائج مخالفة لعقائد الأوائل مهما ادعى أصحابها أنهم يسيرون على نهج السلف، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقبل المعتزلة والأشاعرة وبعدهم نشأت فرق كثيرة كالمرجئة والماتريدية والكلابية وغيرهم، وكل فرقة من هذه الفرق لها بعض المعتقدات التي تخالف بها غيرها، ووراء كل معتقد من هذه المعتقدات فلسفات وتأويلات. ونلاحظ أن كل الفرق المخالفة لمنهج السلف قد غلت في تقدير العقل وقدمت حكمه على حكم الشرع، واستعملت الموازين والمقاييس العقلية في محاكمة القضايا الغيبية، وابتعدت هذه الفرق عن الكتاب والسنة بنسب متفاوتة، ولجأ كثير من أهل هذه الفرق إلى تأويل النصوص التي لا توافق آرائهم ومعتقداتهم، فغاب عن كثير من هذه الفرق الكثير من حقائق الإسلام. فلقد اختلف علماء الكلام في الصفات الإلهية، وفي الصلة بينها وبين ذات الله، وفي إمكان رؤية الله ﵎ في الدنيا والآخرة، وفي مسألة العدل والجور، ومسألة القضاء والقدر، ولم يغادروا مسألة كبيرة أو صغيرة إلا اختلفوا فيها كثيراً أو قليلاً، وقد تعامل المتكلمون مع صفات الله كما لو كانت صفات الإنسان فأنكروها. ونحن اليوم ورثنا عن المدارس الفكرية والعقائدية شيئاً كثيراً من الأفكار والمعتقدات، وسارت في أيامنا هذه معتقدات جديدة في الشرق والغرب غزت ديارنا وعقولنا ومناهجنا، فماذا نفعل وكيف نتصرف معها؟

стр. 507

حفظ الله لهذا الدين بأهل الحق لقد كان من فضل الله علينا أن حفظ لنا قرآننا وسنة نبينا، فلم يحدث لنا كما حدث للأمم من قبلنا الذين ضلوا بعد أن ضاعت أو حرفت كتبهم، وكان من فضل الله علينا أيضاً أن أبقى معالم الحق واضحة في هذا الدين سواء في معتقداته أو في شرائعه، وهدى في كل جيل طائفة التزمتها وأظهرتها ونافحت عنها. وقد قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). وقد تمثلت هذه الطائفة في سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من العلماء الذين ساروا على دربهم، واهتدوا بهديهم أمثال الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كـ الليث بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم كثير. وحال سلفنا الصالح وأقوالهم وعقيدتهم محفوظة مدونة، وطريقهم ليس فيه خفاء، وقد أخبر الرسول ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وعندما سئل عن الفرقة الناجية المنصورة قال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي اليوم). ومنهج هذه الفرقة الناجية المنصورة: هو المنهج الإيماني القرآني النبوي، ويقابل هذا المنهج: المنهج الفلسفي الكلامي، والمنهج الفلسفي الصوفي الاستشراقي. إذاً: فالمنهج الإيماني القرآني يقابله منهجان: منهج الفلاسفة المتكلمين، ومنهج الفلاسفة المتصوفين. ويختلف هذا المنهج القرآني النبوي عن المنهج الفلسفي في مصادره ومنابعه، وفي طريقه وسبيله، وفي قوة تأثيره وسيطرته، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال، وفي الغاية التي يرمي إليها. وقد حارب أئمة السلف الاتجاه الفلسفي الكلامي والصوفي الذي يريد أن يأخذ الأمة بعيداً عن المنهج الإيماني القرآني النبوي، فقد حارب هذا الاتجاه الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام ابن خزيمة والبخاري وغيرهم من أئمة الهدى. وفي كل عصر يظهر الله من العلماء والأئمة من يظهر هذا النهج القويم، الذي يحيي النفوس ويهدي للتي هي أقوم. ومن أعظم الذين قيظهم الله لنصرة هذا المنهج: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد كان ذا عقل ثاقب، وفكر راجح، وقد أحاط بأقوال العلماء، ووفق للصواب، ونفع الله به البلاد والعباد، وتتلمذ على يديه علماء أعلام كـ ابن القيم وابن كثير وغيرهما. ومن العلماء الذين هدوا للمنهج الإيماني القرآني النبوي في العصور الأخيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري في وسط نجد، فحارب الشرك والباطل ونصر الحق، ونشر كتب العلم الأصيلة. ومنهم أيضاً محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بـ الأمير الكحلاني صاحب (سبل السلام)، ومنهم العلامة الشوكاني صاحب (نيل الأوطار) وهما من علماء اليمن الأخيار. وقد ورثنا عن أصحاب المنهج الإيماني القرآني النبوي كثيراً من الكتب التي توضح معتقد أهل السنة والجماعة وتحارب المنهج الفلسفي الكلامي وتبين معايبه، ومن خير هذه الكتب (العقيدة الطحاوية) ومؤلفها هو أبو جعفر الأحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الحنفي المتوفى سنة ثلاثمائة وواحد وعشرين هجرية، وقد شرحها شرحاً قيماً رائعاً: صدر الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي.

стр. 508

لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها إننا اليوم والأمة الإسلامية تحاول أن تنهض من سباتها، وتقوم من عثارها، يجب أن إلى الماضي؛ لنبني نهضتها على أساس من عقيدتها وتراثها. ويجب أن يعلم أولو الرأي المفكرون أن تراثنا فيه الغث والثمين، وفيه الخير والشر، وفيه الهدى والضلال، إن تراثنا يمكن أن يكون تراثاً لمدارس مختلفة؛ فكثير من هذه المدارس لم تكن على المنهج الواضح، ولذلك فإن السبيل لنهضة صادقة أن نعود إلى ذلك المنهج القرآني النبوي الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحابته، وهو واضح المعالم وكتبه ظاهرة بينة ليس فيها خفاء. وإنني ألفت نظر رجال الفكر إلى خطورة ما يقوم به المستشرقون، وبعض الذين غرر بهم من أبناء المسلمين من إحياء الفكر المعتزلي الكلامي هنا وهناك، وخداع الناشئة من أبناء المسلمين به، وهناك فريق آخر يحاول أن يحيي الفكر الفلسفي الاستشراقي الذي ينادي بوحدة الوجود، والمتمثل في كتب ابن عربي والحلاج وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم. إن المنهج الفلسفي الكلامي، والمنهج الفلسفي الصوفي كلاهما لم يستطيعا أن يقيما الأمة من عثارها في الماضي، بل كانا من أسباب البلاء الذي أصاب الفكر الإسلامي، وقد أحدث شرخاً هائلاً في هذه الأمة. فقد أحدث علماء الكلام في الماضي من الخلاف والفرقة والانقسام ما يكفي بعضه لهدم هذا المنهج، وقد أقعد المنهج الصوفي المسلمين عن الجهاد ومحاربة الشرك، وكان من أسباب الضياع الذي أصاب المسلمين. فلم يفلح المنهجان في إصلاح حال الأمة، ولم يستطع المنهجان أن يصدا هجمات الخصوم الفكرية والعقائدية في الماضي، فأحرى بهما ألا يستطيعا إصلاح حال الأمة في الحاضر، وألا يستطيعا مواجهة العقائد التي يموج بها القرن العشرين في شرق العالم وغربه. إن الذي يحارب المنهج الإيماني القرآني النبوي الذي يتمثل في المنهج السلفي هوأحد رجلين: إما جاهل بهذا المنهج لا يعلم حقيقته، وإما عدو حاقد لا يريد بالأمة خيراً، وبعض هذين الصنفين لجأ إلى تحريف هذا المنهج، فإذا به يكتب في هذا المنهج؛ ليحرفه ويفسده. فظهرت كتب مكتوب عليها: بأنها كتب تتبع السلف، والحقيقة أن فيها انحرافاً وعودة بالمنهج القرآني إلى المنهج الاعتزالي، ولكن باطل هؤلاء لن يروج على من عرف المنهج الحق. وفي الختام أقول: كما قال إمام دار الهجرة أنس بن مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وأقول كما قال الله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 509

الأسئلة

стр. 510

عقيدة الأشاعرة السؤال ما موقف أهل السنة والجماعة من الأشاعرة؟ وما مدى صحة القول بأن الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟ الجواب لقد ذكرت أن أبا الحسن الأشعري ﵀ كان معتزلياً، ثم اقترب جداً في نهاية أمره من أهل السنة والجماعة، وفي كتابه (مقالات الإسلاميين) وكتابه (الإبانة) عقيدة إسلامية جيدة واضحة، ولكنه لم يتخلص من الاعتزال تماماً وخاصة في أسلوبه، وفي المصطلحات الفلسفية والكلامية التي تغلب على أسلوبه والمشكلة حقيقة إنما هي في أتباعه، فإن بعضهم يرفض أن يكون أبا الحسن الأشعري رجع إلى هذه العقيدة الصافية التي نجدها في (الإبانة)، فلم يلتزم هؤلاء الأتباع بما صار إليه في آخر حياته، وبقي قسم من الأشاعرة يتبنون منهجاً يخالف نوعاً ما منهج أهل السنة والجماعة.

стр. 511

شبهة حول الكلام عن العقائد والرد عليها السؤال هناك شبهات تثار حول إحياء التراث العقائدي، وهي القول بأن الوقت الآن ليس وقت دعوة إلى عقيدة؛ لأن الدعوة إلى العقيدة وتفاصيل العقيدة كالأسماء والصفات تشغل المسلمين، وبالتالي يغزون في عقر دارهم من قبل الشيوعيين وغيرهم من الكفار، فهي دعوة تفرق المسلمين، وأن هذه التفاصيل أيضاً في العقيدة لم يخض فيها النبي ﷺ والصحابة، فما مدى صحة هذا القول؟ الجواب إن العقيدة الإسلامية كما ذكرت هي الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلامي، وهي في غاية البساطة والسهولة واليسر، وإن كان هناك أمران في العقيدة: أمر في غاية الصعوبة، وأمر في غاية السهولة. فالوصول إلى العقيدة الصافية من خلال الاختلافات العقائدية صعب إلا على من وفقه الله إليه، لكن إذا وصلنا إلى الحق الذي أنزله الله، والذي كان عليه الرسول ﷺ في فهم العقيدة فسنجدها سهلة ميسرة، فقد كان الرسول ﷺ يخبر بها الناس ويتعلمونها في جلسة، ولا زال ذلك إلى اليوم سهلاً. فيستطيع الرجل العادي أن يفهم العقيدة السليمة في جلسة واحدة أو في جلستين، لكن الإشكال كيف يصل إليها من خلال هذا الاختلاف والفلسفات وهذه الأقوال والتناقضات التي تركت لنا من ميراث المدارس المختلفة؟ أما القول بأن العقيدة الصحيحة لا نحتاج إليها في البناء فغير صحيح، بل نحن نحتاج إليها، لكننا لا نحتاج إلى عقيدة المعتزلة أو إلى عقيدة ابن عربي والحلاج والفرق المختلفة. لكن العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة السهلة الفطرية فهذه لا بد منها، وأحب أن أبين هنا أن هناك فرقاً بين العقيدة وبين ضوابط العقيدة، فالعقيدة: هي الإيمان بالله ﵎، ومعرفة صفاته من خلال النصوص، فيعرف المسلم سعة علم الله وعظمته ورحمته ﵎ من خلال تصوير القرآن لهذه الصفات، وهذا أمر لا بد منه، وهذا هو الذي يحيي النفوس والقلوب، فإننا إنما نتصل بالله ربنا من خلال صفاته ومن خلال أسمائه، فالله لا يرى في الدنيا إذ هو غيب في الدنيا فكيف سنعرفه؟ لكنه في النصوص الصحيحة قد عرَّفنا بنفسه وصفاته. إن لب القرآن هو معرفة الله، ولن نعرفه إلا من خلال أسمائه وصفاته، فكيف يحجر على المسلمين أن يعرفوا ربهم ومعبودهم وفاطرهم؟! فإن أعظم قضية هي أن تبين صفات الله ﵎ وأسمائه، وما عبث الرسول ﷺ عندما قال: (إن لله تسعاً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة)، وليس هناك عبث عندما يختم الله كل آية من آيات القرآن بذكر أسمائه: السميع والبصير والعليم والحكيم والخبير وغيرها، فليس هذا عبثاً، بل هو من لب الدين. فلا بد أن نعرف ربنا ﵎، وهذه هي العقيدة. وهناك ضوابط للعقيدة جعلها العلماء، حتى لا يضل الإنسان وهو يسير في حياته عندما تأتي فكرة خارجية أو معتزلية، فوضع علماء السلف هذه العقيدة البسيطة السهلة في صفحات قليلة، بخلاف كتب المعتزلة فإنك تجد فيها من التطويل والإغراق في التفريعات ما يتوه به المرء عند قراءتها، وانظر مثلاً إلى كتاب عبد الجبار المعتزلي المطبوع في عشرين جزءاً والجزء الواحد أحياناً يكون عدة مجلدات. ولكن كتب العقيدة الإسلامية السليمة مكتوبة في عدة صفحات، وهي عقيدة كافية؛ لأنها ضوابط، أما معرفة الله ﵎ من خلال النصوص القرآنية، والنصوص الحديثية، وطرح صفات الله وأسمائه من خلال الآيات والأحاديث فهو لب العقيدة الإسلامية. فعقيدتنا في معرفة الملائكة هي من خلال ما يحدثنا عنه القرآن والسنة، ومعرفة اليوم الآخر هي من خلال القرآن والأحاديث، وكذلك وصف الجنة والنار يعرف من خلال الآيات والأحاديث. وأما الضوابط للعقيدة فإننا نحتاجها حتى لا نضل، وهذه الضوابط لا تملأ قلبك إيماناً، لكنها تمنعك من الانحراف، وهي الموجودة في بعض كتيبات العقيدة، وهي لا تملأ قلب الإنسان إيماناً، وإنما الذي يملأ قلب الإنسان إيماناً هو أن يعرف صفات الله ﵎ وأسمائه وأفعاله، فيعرف ربوبيته من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٣]. فهذا الآيات تخبرنا عن الله ﵎ فتأمل معانيها، وبعد ذلك تبين كيف تشعر نفسك؟ وكيف يمتلأ قلبك إيماناً؟ وكم يزداد قربك من الله ﵎؟.

стр. 512

مصادر العقيدة السؤال ما مدى ارتباط صحة الحديث وضعفه بالعقيدة؟ الجواب إن مصادر العقيدة عند أهل السنة كالإمام أحمد والإمام الشافعي وأهل الحديث هي القرآن وصحيح الحديث، ولكن المعتزلة يرفضون هذا ويقولون: المصادر هي القرآن والمتواتر من الحديث فقط، ولا يقبلون الحديث الصحيح غير المتواتر من الأحاديث لا في العقيدة ولا في غيرها، ثم جاء المتأخرون من بعض علماء الأصول وغيرهم فقالوا: العقيدة لا يحتج فيها بحديث الآحاد ولو كان صحيحاً، بل لا بد أن يكون متواتراً، وهذا الكلام غير صحيح، وكثير من المتأخرين أخذوا برأي المعتزلة في العقائد فقط، فقالوا: الأحاديث الصحيحة التي ليست متواترة تصح أن تكون حجة في الأحكام، ولا تصح أن تكون حجة في العقائد، ونسبوا هذا إلى الأئمة القدامى وهذا كذب، فإن الأئمة مثل الشافعي، والإمام أحمد، والإمام مالك وغيرهم لم يقولوا بهذا القول، وكل ما في الأمر أنه ثبت عنهم غيره، أو أننا قد لا نجد لهم في ذلك قولاً. أما الصوفية فيقولون: ليست هناك حاجة إلى قرآن ولا إلى حديث، بل مصدرهم: (حدثني قلبي عن ربي)، أو (أنا أعرف ربي بقلبي).

стр. 513

عقيدة الإمام أبي حامد الغزالي السؤال أرجو منكم توضيح عقيدة الإمام أبي حامد الغزالي التي مات عليها؟ الجواب الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ تقلب كثيراً، وفي الحقيقة: إن الإمام الغزالي ﵀ يصلح أن يكون نموذجاً لما كان يعانيه المسلم في تلك الفترة من صراعات فكرية وعقائدية، فتجده مرة مع المعتزلة، ثم تجده مرة مع الأشاعرة، ثم تجده أخرى مع الفلاسفة، لكن ما يذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه علا في الأخير إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وكما يقال: إنه مات وصحيح البخاري على صدره. وكثير من العلماء قد عاد إلى الحق بعد مرحلة طويلة كما رأينا ذلك في الرازي والجويني والشهرستاني وغيرهم. ونرجو أن يكون الغزالي من طلاب الحقيقة، لكنه في مسيرته تعثر كثيراً، وهناك صفحات مشرقة في كتبه، وفي بعضها صفحات مظلمة، فنرجو للرجل أن يكون من أهل الخير، لكن نحن نحكم على العلم الخطأ أنه خطأ، وعلى الصواب أنه صواب.

стр. 514

حكم تأويل صفات الله تعالى السؤال ما قول العلماء في من يؤول صفات الله تعالى؟ الجواب إن تأويل الصفات حكم عليه العلماء بالضلال، ثم إن هذا التأويل يتفاوت من جماعة إلى جماعة، لكنه منهج مرفوض عند العلماء من أهل السنة والجماعة. ثم بعد ذلك يتفاوت التأويل، فالجهمية يؤولون تأويلاً كبيراً فهؤلاء قد كفرهم العلماء، ومنهم الجهم ابن صفوان، فإنهم نفوا كل صفات الله ﵎، وقالوا: لا يثبت التوحيد إلا إذا نسينا الصفات. فأما هؤلاء العلماء فقد كفرهم أهل الحق، وأما بقية الفرق فالتأويل عندها هو ضلال بنسب متفاوتة، فإذا كان الإنسان مجتهداً كأمثال بعض العلماء الكبار كـ ابن حجر العسقلاني وغيره الذي يؤول في بعض الأمور، فمثل هذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: نرجو أن يكون له عذر عند الله؛ لأن هذا مبلغ اجتهاده الذي يعرفه. ولكن إذا كان التأويل كمنهج فإنه مصادم للمنهج الإيماني القرآني النبوي؛ لأنه لم يعرف عن الصحابة ولا عن السلف ولا عن الأئمة التأويل إلا في بضع مواضع يستحيل إجراؤها على ظاهرها، أما المنهج العام عند المسلمين فإنهم يفهمون النصوص كما جاءت عن الله ﵎ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، ويؤمنون بها كما وردت عن الله ﵎.

стр. 515

التحذير من بعض الكتب المعاصرة المخالفة السؤال ذكرت بأن هناك كتباً باسم السلفية، ولكنها تؤدي إلى الانحراف عن المنهج الحق، فما هي هذه الكتب على سبيل المثال؟ الجواب هناك كتاب أصله رسالة دكتوراة قدمت للأزهر واسمه: (المدرسة السلفية ورجالها) للدكتور/ محمد عبد الستار، وقد تعرض في مؤلفه لفكر ابن تيمية ﵀، وفي نهايته توصل إلى أن ابن تيمية ليس على منهج السلف وما كان عليه الإمام أحمد ﵀، كما يظن أهل السنة والجماعة، أو الذين يسمون أنفسهم بالسلف في هذه الأيام، ويقول: ليس هناك فرق بين المعتزلة وبين الإمام أحمد في خلق القرآن إلا في اللفظ. وبحثه هذا لو كتب عليه عنوان آخر غير هذا العنوان لكان أفضل بكثير، أما هذا العنوان فلا. وكتاب آخر كتبه شخص سوري وهذا الكتاب اسمه (صفات الله بين السلف والخلف) وما فهم صاحبه من منهج السلف شيئاً، وهناك أيضاً كتب كثيرة من هذا الصنف. وهذا الاتجاه خطير؛ لأن هؤلاء الناس أرادوا باسم العلم والمنطق والفهم أن يقولوا: إن العقيدة الحقة ليست في ما هو معلوم عند أهل السنة، فأخطئوا كثيراً.

стр. 516

من قال إن الصفات من المتشابه يُستفصل عن مراده السؤال هل هناك قول بأن الأسماء والصفات من المتشابه الذي لا يجوز الخوض فيه؟ وأن على هذا السلف من العلماء السابقين كأمثال ابن حجر والنووي وصلاح الدين، فما وجهة صحة هذا القول؟ الجواب إذا كان معنى المتشابه: هو أننا لا نعرف حقيقة الصفات فهذا الكلام صحيح، فنحن نعرف أن للملائكة أجنحة، ولكننا لا نعرف حقيقة أجنحة الملائكة، وأيضاً فإن الجنة فيها ثمار وعنب ورمان وفواكه ذكرها القرآن ونحن لا نعرف حقيقتها ومع ذلك فنحن نؤمن بها. وأما إذا كان معنى المتشابه: هو أننا لا نعرف معنى الصفة، فلا نعرف معنى الرحمة، ولا معنى القدرة، ولا معنى العلم، ولا معنى الحكمة وغيرها من صفات الله فهذا غلط، بل إن صفات الرحمن نعرف معناها. وقد قال الإمام مالك ﵀ عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فالاستواء معلوم المعنى، والمجهول كيفيته، والإيمان به واجب؛ لأن الله أخبر بذلك، والسؤال عن الكيفية بدعة. وكذلك فالله موجود ومعنى الوجود نحن نعرفه، لكن كيفية الوجود لا نعرفها، بل نجهلها، والله أيضاً له سمع، ونحن نعرف معناه، لكن كيفية السمع لا نعرفها، ومع ذلك فنحن نؤمن بالمعنى؛ لأن الله خاطبنا باللغة العربية. فإذا أراد من يقول: إن أسماء الله وصفاته من المتشابه أننا لا نعرف كيفيتها فلا بأس في ذلك، أما إذا أراد أننا لا نعرف معناها فلا، وكثير من الناس يقصدون أنها من المتشابه بمعنى أننا لا نعرف معناها، فلا فرق عندهم بين اسم الله القدير والعليم والخبير والسميع فكلها لا معنى لها، فكأنها كلمة واحدة، وهذا يعود إلى قول الجهمية القدامى الذين كانوا لا يفرقون بين صفة وصفة.

стр. 517

عقيدة الإمام الشوكاني السؤال هل صحيح أن الإمام الشوكاني كان في فترة من الزمن على غير مذهب السلف؟ الجواب العلماء في اليمن من الزيدية هم من الشيعة الذين لم يغلوا غلواً كبيراً في علي بن أبي طالب، ومنهم الإمام زيد بن علي ﵀، فقد كان يقول: إن علياً أفضل من غيره، وتولية المفضول مع وجود الفاضل لا بأس بها، ولكنه لم يكن يسب الشيخين أبا بكر وعمر وبقية الصحابة، حتى إن كثيراً من أتباعه عندما سمعوا منه ذلك رفضوه فسموا: (الرافضة). والزيدية في اليمن على مذهب زيد ولكن مع الأسف الشديد حصل منهم غلو في العصور الأخيرة كما يذكر الإمام الشوكاني في كتابه (طلب العلم)، فقد ذكر أهوالاً كانت في عصره من كثير من الزيدية، ومع ذلك بقي الحق موجوداً عند بعض علماء المذهب الزيدي. وكثير من علماء المذهب الزيدي أئمة مجتهدون وفقهاء، وقد يتأثر بهم العالم في بداية النشأة، لكن فيما قرأته من مذهب الإمام الشوكاني عندما كتب سيرته بنفسه في كتابه (أدب الطلب) فإنه كتب سيرته كلها من ألفها إلى يائها، فعلمت من خلالها أن العقيدة عنده كانت واضحة وضوحاً شديداً فيما أعلم، وهذا هو علمي، والله أعلم.

стр. 518

واجب المسلم المعاصر نحو التراث الإسلامي السؤال ماذا يجب على المسلم في هذا العصر أن يفعله لإحياء التراث الإسلامي في مجاله الشخصي، وفي مجاله العلمي؟ الجواب لا بد أن يتجمع المسلمون في كل مكان وعليهم أن ينشئوا جمعيات ومكتبات لنشر التراث، ثم ينتقى من التراث على درجات متفاوتة كتب كبيرة، وكتب صغيرة، وكتب متوسطة، ثم تنشر وتقرر في الجامعات وفي المدارس ويعرف الناس بهذا التراث، وذلك بعمل نشرات لبعض الكتب وإعلانات عن بعض الكتب ونحو ذلك. ويوجد الآن شيء غريب في هذا العصر، وهو أننا نقرأ في الصحف أحياناً نشرة أو إعلاناً عن كتاب، وأما غير الكتب فنجد الإنسان يذهب إلى صندوق بريده، وإذا به يجد إعلاناً عن سجاد وما شابهه، والمراد: أن وسائل الإعلام الآن وطرق النشر وجلب الناس لقراءة الكتب والصحف أصبحت فناً من الفنون، فينبغي للمسلمين أن يستخدموها؛ ليكون عندهم علم بكيفية إحياء هذا التراث. وأيضاًً فإن كثيراً من الناس يريد أن ينشر الإسلام فينشر كتاباً سيئاً قد يهدم الإسلام، فيجب تبصير الناس بالأصول وبالمفاهيم وبالعقائد السليمة، وتبصيرهم بالكتب السليمة وغير السليمة، وهذا الأمر من أهم الأمور، ثم بعد ذلك يأتي دور وسائل الإعلان المختلفة، وإنشاء المؤسسات التي تعنى بالتراث، وتبصير الناس به، وكل هذه أسباب تؤدي بنا إلى نتائج طيبة إن شاء الله.

стр. 519

الإخلاص والمتابعة شرع الله العبادة وأمر فيها بالإخلاص له وحده وألا يشرك به شيئاً، كما أنه لا يجوز لأحد أن يخترع عبادة لم يشرعها الله، أو يزيد على ما شره الله .

стр. 520

أهمية الإخلاص والمتابعة في العمل الصالح إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أي عمل من الأعمال إنما يكون نجاحه وكماله بمقاييس يعلمها أصحابه وأهله الذين يقومون بذلك العمل، فأعمال الامتحانات وأعمال الصناعات والتجارة فيها الأعمال الصالحة التي تصلح عند أصحاب الفن وأهل الصناعة، وفيها الأعمال التي لا تصلح ولا تقبل، وكذلك في أمور الدين، فهذه الأعمال التي تقوم بها منها أعمال صالحة مقبولة، ومنها أعمال صالحة غير مقبولة؛ لأنها تفتقر إلى الشروط التي وضعها الله للعمل الصالح المقبول، ولذلك كان الرسول ﷺ يبين للناس عندما يرى عملاً يتقرب به العبد إلى الله يقول له: عملك هذا غير صالح، أو عملك هذا فاسد باطل. فقد بين الرسول ﷺ ذلك في مواقف كثيرة، وذلك إما بأن يرى صاحب العمل يعمله فيرده على صاحبه، فقد دخل رجل المسجد والرسول ﷺ جالس في أصحابه، فصلى ذلك الرجل ثم أتى إلى الرسول ﷺ فسلم، فأمره الرسول ﷺ بإعادة الصلاة، وقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فهو قد صلى ولكنه لم يأت بالصلاة على وجهها، فأمره الرسول ﷺ بإعادة الصلاة. فأعادها كما صلاها أولاً، فرده الرسول ﷺ مرة أخرى، وصلى مرة ثالثة، فرده الرسول ﷺ ، فقال الرجل: والذي بعثك! لا أحسن غيرها فعلمني. فقد كان يسرع في صلاته، ولا يطمئن فيها، فلا يتم ركوعها، ولا يقيم صلبه في الركوع، ولا يطمئن في سجوده، فحكم الرسول ﷺ على صلاته بالبطلان، وأمره بأن يعيد صلاته. وسأل الرسول ﷺ سائل عن الجهاد فقال: (يا رسول الله! إني أريد ما عند الله وأريد الذكر -أي: أن يذكرني الناس ويقولون: شجاع وبطل- فقال الرسول ﷺ : ليس لك شيء)، فهذا الصنف من الناس ليس له أجر عند الله ؛ لأن العمل فقد ركناً أساسياً وهو ركن الإخلاص. وفي بعض الأحيان كان الرسول ﷺ يخبر عن هذه الأعمال التي لا تتقبل بأن يجعلها قضايا يتحدث عنها ويبينها للناس، كما أخبر في حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار أولاً، فأول من يدخلون النار ثلاثة: منفق، ومجاهد، وعالم، فكلهم لم يخلصوا دينهم لله ، فعندما يسألهم ربهم يوم القيامة عن هذه النعم التي وهبها الله لهم يتحدث كلّ بما فعل في دنياه، فالعالم يقول: علّمتُ فيك، والمنفق يقول: بنيت المساجد، وأحسنت للفقراء، وأنفقت في المشاريع الخيرية، والمجاهد يقول: جاهدت وبذلت جهدي حتى أزهقت روحي فيك، فيكذبهم الله ، وتكذبهم ملائكة السماء، فإنما فعلوا هذا رياء ليقال: عالم، وليقال: منفق، وليقال: شجاع وبطل، ثم يؤمر بهم إلى النار، فقد فقد العمل ركناً أساسياً.

стр. 521

شروط قبول العمل الصالح ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن للعمل الصالح المقبول ركنين:

стр. 522

الشرط الأول الإخلاص لله وعدم الإشراك به الركن الأول: أن تخلص عملك لله ، تعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً، وهذه العبادة إن لم يقصد الله بها وحده وقصد بها غيره أصبح العمل شركاً لا يتقبل من صاحبه، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فالذي يرجو لقاء الله، ويريد مغفرة الله وجنته والنجاة من النار، فعليه أن يعبد الله وحده ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. والشرك في العبادة شرك أكبر: وهو أن تعبد الله وأن تعبد غيره، كما كانوا في الجاهلية يعبدون معه: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أن يعبدوا معه عيسى بن مريم ويجعلونه إلهاً، فيدعونه ويستعينون به ويستغيثون به، أو أن يعبدوا بشراً يزعمون أنه هو الله، أو هو ابن الله، أو هو ثالث ثلاثة، فيرفعونه إلى مرتبة الألوهية، فكل ذلك شرك يحبط العمل. ومن الشرك أيضاً أن يرائي الإنسان بعمله: فالعبادة لله، ولكنه يحب أن يرى مكانه، أو أن يمدحه الناس ويثنوا عليه، فكل هذا أيضاً من الشرك. والإخلاص أن تجعل العبادة لله، وهو عمل قلبي لا يطلع عليه العباد، وهو سر بين العبد وربه ، فكم من عابد يظن الناس أن عبادته حقة، ويكون فيها دخن، وهذا أمر يحتاج المسلم أن يجاهد نفسه عليه، فيسعى إلى أن يعرف التوحيد والإيمان، ويعرف كيف يصفي إيمانه ويخلص من الكدر والزيغ، وعند ذلك يصلح الركن الأساسي الأول، فاعبد الله مخلصاً له له الدين. فعلى كل مسلم أن تكون عبادته خالصة لله ، وما لم تكن هذه العبادة خالصة فلا تكون قائمة على أساس قوي متين أبداً، وإنما تقوم على أساس منهار، فالعبادة حق لله ، والله لا يقبل عبادة أشرك العبد معه أحداً.

стр. 523

الشرط الثاني موافقة الشرع في العمل والركن الثاني: أن يكون العمل مشروعاً شرعه الله ، فتأتي به أنت وفق ما شرعه الله . ويقابل ذلك الابتداع في الدين، كأن يعمل الإنسان عبادة لم يشرعها الله ، وإنما يخترعها هو من نفسه ويتقرب بها إلى الله ، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فمن ظن أن حب الرسول إنما هو أغان وأناشيد يمدحونه بها ويفنون نهارهم وليلهم في ذلك فقد أخطأ، فهذا ليس سبيلاً للقربة إلى الله ، والذين يزعمون أن التقرب إلى الله إنما هي أحزان يقضون ليلهم ونهارهم فيها، ويضربون صدورهم، ويلطمون وجوههم، ويصيرون العام أحزاناً متوالية ويظنون أنهم يتقربون بذلك إلى الله كما يحدث في كثير من ديار الإسلام، فهذا أيضاً بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. نعم قد يحزن الإنسان لكنه فترة ثم تمضي، فقد يحزن الإنسان لموت عزيز، أو لموت قريب، أو لموت صالح ثم تمضي الأيام وينسى، لكن أن يجعل الحزن عيداً كما تفعل بعض الفرق الضالة من المسلمين فهذا ضلال، فكلما جاءت مناسبة موت أحد جعلوه عيداً، فإذا جاءت مناسبة وفاة الرسول ﷺ ، أو وفاة علي بن أبي طالب، أو وفاة الحسن، أو وفاة الحسين، أو وفاة غيرهم من الرجال الصالحين في تاريخ أمتنا جعلوه عيداً. والصالحون مئات وألوف، فلو أردنا أن نحزن لوفاة كل صالح منهم لما بقي لنا لحظة من الزمان نفرج بها. ثم هذا مخالف لمنهج الله وللمنهج الذي كان عليه الرسول ﷺ في حياته. (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ومن ذلك إنشاء أعياد في الإسلام لمناسبات صالحة طيبة، فتجعل أفراحاً وأعياداً كأعياد المسلمين في عيد الفطر والأضحى، فكل هذا من الابتداع، وكذلك الصلوات التي يصطنعها بعض الجهال في عبادتهم وهي ليست مشروعة ولم يأت بها نص، أو يزعمون أن هناك أياماً يتقربون بها إلى الله أفضل من غيرها ولم يأت بذلك نص، كل ذلك من الابتداع في الدين. وكذلك التقرب إلى الله في أمور فيها شيء من المعصية أو التكليف والالتزام بما لا يطاق، (فقد رأى الرسول الله ﷺ رجلاً واقفاً في الشمس فقال: مال هذا؟ قالوا: هذا رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يجلس، وأن يصوم، فقال: مروه فليجلس وليستظل، وليتم صومه) فالصوم مشروع وعبادة، وأما الوقوف في حرارة الشمس فالله كما يقول الرسول ﷺ : (غني عن تعذيب هذا نفسه).

стр. 524

جهل المسلمين وابتداعهم في الدين فالركن الثاني لقبول العمل أن يكون عملك الذي تتقرب به إلى الله مشروعاً، وهذا يحتاج منّا إلى علم، فتتعلم الأعمال المشروعة التي يتقرب بها الناس إلى ربهم، ومن علم حال المسلمين اليوم، أو سافر في مشارق الأرض ومغاربها، فإنه يرى أن المسلمين قصروا كثيراً في فهم هذين الأمرين حتى كأن الإسلام الذي يعلمه الإنسان ويقرؤه في الكتب في عهد الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين قد أصبح غريباً في ديارنا، ويكاد الناس يثورون إذا ما خالف المسلم هذا الذي يزعمون أنه دين، يقولون: ذهب الإسلام وضاع. وإذا سرت في مشارق الأرض ومغاربها فسترى من تقديس القبور وعبادتها، وعبادة الأموات شيئاً عجيباً، وهذا كله في القرن العشرين الذي يسمونه قرن النور والمعرفة والعلم، وكثير من الناس -يصلون إلى الملايين- يعكفون على قبور الأموات، فيدعونها ويستغيثون بها، ويلجئون إليها، ويقدمون لها الضحايا، ويقدمون لها النذور والقرابين، وتبنى عليها قباب الذهب وقباب الفضة، ويؤتى لها بالهدايا الثمينة من الشرق أو الغرب، وكل هذا يخالف أصلاً عظيماً وهو الإخلاص، فالاستعانة بهؤلاء ليس من الدين، والاستغاثة بهم ليس من الدين، إنما الواجب إذا كانوا من الصالحين أن نحبهم، وأن ندعو لهم كما علمنا القرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، بيننا وبينهم ود ومحبة، فلا نجعلهم آلهة تعبد من دون الله. وهذه القضية يشاهدها المسلمون في بلاد الشام، في مصر، وفي شمال إفريقيا، وأينما سرت في ديار الإسلام، فهذا البلاء موجود بين المسلمين، وهو ينافي الإخلاص وأصل الدين وهو من الشرك الأكبر. الأمر الآخر: أن البدع قد انتشرت بين المسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم وصومهم وغير ذلك، وقد حدث عندنا في مدينة نابلس في فلسطين منذ سنوات أن مدير الأوقاف أراد أن يقصر الأذان بدون أن يُلحق به شيء فوق المئذنة كما كان العمل عليه في عهد الرسول ﷺ ، فثارت المدينة وخرجت عن بكرة أبيها في مظاهرات تظن أن هؤلاء يريدون أن يغيروا دين الله، فأصبحت البدعة هي السنة، فالأذان ليس معه شيء كما هو حادث في الكويت، وفي بعض بلاد الإسلام مما يسبق الأذان من تراتيل، وما يعقبه من صلوات على الرسول ﷺ بصوت مرتفع، نعم إن الصلاة على الرسول ﷺ عقب الأذان سنة، ولكن لا تكون بصوت مرتفع، وإنما يندب لمن سمع الأذان أن يصلي على الرسول ﷺ بعد الأذان، فظنوا أن هذا بدعة، والحال أن فعلهم هو البدعة. وكذلك في الحج نجد أفعالاً كثيرة يفعلها المسلمون وهم يظنون أنها هي الدين، وفي الصيام يقدمون الأذان قبل وقته هذا حال (٩٩%) من ديار الإسلام، وهذا ليس صواباً، وإنما يكون الأذان في وقته عندما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وبعض الذين يدعون الإسلام يؤخرون الفطور حتى تتشابك النجوم، وهذا من الابتداع في دين الله، فقد كان الرسول ﷺ يفطر عندما يسقط قرص الشمس، وعند ذلك أفطر الصائم شاء أم أبى. لقد انتشرت هذه البدع في ديار الإسلام حتى أصبح المسلمون لا يعرفون دينهم الحق، وأصبحت البدعة سنة، والسنة هي البدعة، والعبادة الصحيحة أن تعبد الله خالصاً لوجهه تريد ما عنده ، وأن تعبده كما شرع ، وعند ذلك يرجى أن يكون عمل المسلم صالحاً مقبولاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 525

العودة إلى تحكيم شريعة الله تعالى وترك القوانين الوضعية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله ورسوله، أما بعد: إلى جانب ما حدث في الأمة الإسلامية في الماضي حدثت أحداث كبيرة أيضاً في وقتنا الحاضر، فتركت هذه الأمة في قيادتها شريعة الله ، وهذا أيضاً نوع من الشرك الكبير يضاف إلى أنواع الشرك الماضية التي حدثت في الأمة، تركت تحكيم كتاب الله ، وتركت التحاكم إلى شريعة الله ، وتحاكمت إلى القوانين الوضعية التي صنعها البشر، وتركوا القانون الذي أنزله الله هداية للناس، أنزله العليم الخبير خالق السماوات والأرض، وتحاكموا إلى موازين وضعها الخبراء من البريطانيين والفرنسيين والسويسريين والأمريكيين والروس وغيرهم، وحكموا هذه القوانين في رقاب العباد، والحكم إنما هو لله ، أمر ألا نعبد إلا إياه. فتحكيم شريعة الله عبادة، والمتحاكم إلى غير شرع الله متحاكم إلى الطاغوت كما أخبر الله في كتابه، فمن الباطل والزور العظيم الذي وقع في أيامنا هذه أن تترك شريعة الرحمن الرحيم، وشريعة العليم الحكيم، وأن تترك الهداية والنور الذي جاء من عند الله في كتابه، وفي سنة رسوله ﷺ ، ويُتحاكم إلى قوانين البشر الذين يدعون العلم والمعرفة بين يدي الله . فهذا الشيطان الرجيم وقف أمام رب العزة متعالماً وقال: كيف أسجد لآدم وقد ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فأنا أفضل منه؛ لأن النار أفضل من الطين، فغضب الله عليه ولعنه وأخرجه من رحمته؛ لأنه وقف يناقش رب العزة ، ويتعاظم ويتعالم بين يدي الله ، ويقول: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]، إذاً: فهو يرد حكم الله وأمره وإرادته. والله يقول للبشر: هذا حكمي، وهذه مشيئتي، وهذا تشريعي، وهذا ديني يحكّم في رقابكم، ويحكم في جمعكم، ويحكم في مشكلاتكم، فتحاكموا إلي، وإن اختلفتم فردوا الأمر المختلف فيه إلى كتابي، وردوا الأمر إلى رسولي، فيقول القائل من هؤلاء: لا، حكمك هذا لا يصلح للقرن العشرين، ولا يصلح للمجتمع الإنساني المتحضر الراقي. إذاً: فما الذي يصلح لهذه العقول الكبيرة في فرنسا وبريطانيا وسويسرا وألمانيا، أهي القوانين التي توضع من قبل البشر؟! وماذا يكون جزاء أمة تخاطب ربها بهذا الخطاب؟! إن جزاءها أن يمسخها الله ، وأن يسلط عليها أعداءها، وأن يوقع فيها الزلازل والفتن. وقد قرأت اليوم في جريدة الوطن أن أناساً في شمال غرب الجزائر كانوا يسوون أرضاً ليكون عليها ملعب لكرة القدم، وفي أثناء الحفريات ظهرت بقايا جثث قدرها تسعمائة وستة وثلاثون هيكلاً عظمياً، وهذه من آثار المذابح التي أقامتها فرنسا قبل خمس وعشرين سنة، ولم ينته حصر الجثث، ولكنهم توقفوا عن البحث فما زال هناك بقايا هياكل كثيرة لرجال وأطفال ونساء، وآثار التعذيب ظاهرة على هذه الهياكل، فبعضها مقطوع قطعتين، وبعضها مشقوق نصفين، والفناء لا يزال في هذه الأمة. ومع ذلك فنحن نصافح فرنسا ونستقبلها في ديارنا، ونصفها بالصديق العزيز، واليهود لم يقع عليهم مثل ما وقع على دولة واحدة من دول المسلمين، فالجزائر قدمت مليون شخص قتيل على أيدي الفرنسيين. إن ألمانيا النازية لم تفعل في اليهود كما فعلت فرنسا بالجزائر وحدها، ومع هذا لا تزال ألمانيا تدفع إتاوات لليهود في إسرائيل إلى اليوم، فتُستذل ألمانيا إلى الآن على الجرائم التي يزعمون أنها فعلتها بهم، ونحن نقبّل أعتاب بريطانيا وفرنسا، فماذا فعلت بريطانيا بنا في مصر وفي الأردن وفي فلسطين، ومن الذي سلَّم فلسطين لليهود؟ وماذا فعلت فرنسا بنا في شمال إفريقيا؟ وماذا فعلوا في سوريا من مآس؟ ومع ذلك لا نزال نحترمها، ثم نأتي بهم خبراء في ديارنا، ونحكمهم في رقابنا، ويضعون لنا قوانينهم لنتحاكم إليها ونترك شريعة ربنا، وهذا من البلاء الذي أصبنا به في هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلعل المسلمين أن يفيقوا وينتبهوا ويعرفوا أن شريعة الله خير لهم لو كانوا يعلمون، دين الله خير لهم لو كانوا يعلمون، فماذا يقول المسلمون حكامهم والمحكمون عندما يقدمون على رب العزة في يوم القيامة فيقول لهم: أهجرتم كتابي وتركتم شريعتي؟ أألغيتم ديني وجئتم بزبالات أفكار البشر فحكمتموها في رقابكم؟! ماذا سيقول الله لهم يوم القيامة وماذا سيقولون لربهم؟ أفيقوا أيها المسلمون! فهذا من الكفر البواح، فقد حكم الله بأنه ليس من الإيمان ولا من الإسلام أن يتحاكم المسلمون إلى شرائع وقوانين الأرض ويتركوا شريعة الرحمن جبار السماوات والأرض الحكم العدل . فينبغي أن نظهر الحقيقة الواضحة كالشمس ليس بها خفاء، أفيتركها الناس ليستضيئوا بشمعات لا تكشف لهم ظلمات الليل، ثم تكون وبالاً وبلاء عليهم في أنفسهم وفي أهلهم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.

стр. 526

طلب الهداية من القرآن إن مما يجلب السعادة الدنيوية والأخروية، ويهدي العقول إلى الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ ، هو التفكر في آيات الله الشرعية، والتأمل في آياته الكونية، والنظر في قصص الأنبياء والمؤمنين السابقين الذين قصهم علينا القرآن.

стр. 527

عداوة الله ورسوله تنقلب إلى محبة لله ولرسوله

стр. 528

قصة عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فقد انتصر المسلمون في معركة بدر انتصاراً رائعاً، سماه الله ﵎ فرقاناً فرق به بين الحق والباطل، أعز أمة الإسلام، وأذل دولة الشرك، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، والذين بقوا على قيد الحياة بقيت في قلوبهم حسرة وألم، حتى إن كتب السيرة تذكر أن أحد رجالات قريش -وهو صفوان بن أمية في ذلك الوقت- التقى بـ عمير بن وهب الجمحي في الحجر يتذاكران في أمر الحرب التي أخذت خيارهم، وقتلت رجالهم، فقال عمير - وكان كما يقول المؤرخون: من شياطين العرب، وكان يؤذي رسول الله ﷺ كثيراً-: والله لولا دين علي، وأولاد أخشى ضياعهم لجئت إلى محمد حتى أقتله، فقال له صفوان وكان غنياً: إن دينك علي، وإن أولادك يضمون إلى أولادي، فأخذ عمير سيفاً شحذه وسمه، ثم انطلق إلى المدينة، وكان ابنه في جملة الأسرى الذين أسروا في معركة بدر، فلما ورد المدينة ورآه عمر بن الخطاب ﵁ قال: والله ما قدم هذا إلا لشر، ثم قال للصحابة: عليكم به لا يؤذي رسول الله ﷺ ، ثم جاء به إلى الرسول ﷺ ، وقد أخذ بحمائل سيفه، فقال الرسول ﷺ عندما رآه: يا عمير! ما جاء بك؟ قال: جئت في هذا الرجل الذي عندكم، يعني: ابنه، قال: ما جئت إلا لهذا؟ قال: ما جئت إلا لهذا، قال: ألم تكن أنت وصفوان في الحجر فقلت: كذا وكذا، وقال لك: كذا وكذا، فشحذت سيفك وجئتني؟ قال: والله يا رسول الله ما كان معنا من أحد، لم يكن هناك من شخص آخر يسمع كلامنا. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. آمن ودخل الإيمان في قلبه، فقال الرسول ﷺ : (أحسنوا إلى أخيكم، وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره) وعاد عمير إلى مكة يحمل الإسلام والإيمان في قلبه، وفي مكة أعلن إسلامه وإيمانه. هناك لحظات ينكشف في القلب ما كان غائباً عنه، فكثير من أولي الألباب يشبهون هذا القلب الذي نحمله في صدورنا بالمصباح، فعندما يلامس المصباح التيار الكهربائي فإنه يضيء، وكذلك هذه القلوب لا تدري متى تضيء، ولا تدري متى تظلم، ولكن هناك لحظات ومواقف تضيء فيها قلوبنا، يكون الإنسان كافراً فيهتدي للإسلام، ويكون مؤمناً ولكن إيمانه يكون خافتاً ضعيفاً قلقاً مضطرباً، فتأتي لحظة من اللحظات فإذا بالقلب مطمئن، وإذا بالسكينة تحل في الإنسان، وإذا به شيء آخر كله إيمان وإسلام، وتقى وخير وصلاح، هي لحظات تتنوع ولكنها تلتقي في النهاية لتصلح النقص في القلب. فهذا عمير جاء ليقتل الرسول ﷺ ، فإذا بالرسول ﷺ يوقفه موقفاً لا يملك إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، من أين للرسول هذا؟ من الذي أخبره؟ من الذي أعلمه؟ ليس هناك إلا شيء واحد هو أن الله ﵎ أخبره بالتفصيل، وبنفس الكلام الذي جرى بينهما، فلم يملك نفسه إلا أن آمن وصدق.

стр. 529

قصة سحرة فرعون من هذا نفهم موقف السحرة الذين آمنوا بموسى في المشهد العظيم عندما حشر فرعون أهل مصر ليشهدوا التحدي بين موسى ﵇ وما جاء به من آيات وبين السحرة، وجاء السحرة إلى فرعون ليقولوا: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٤] يطلبون أجراً ومالاً إذا انتصروا في ميدان الصراع، ثم عندما يلقون حبالهم يعتزون باسم فرعون إلههم، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء:٤٥]. في لحظة تغير فيها الإنسان! بينما هو عبد لطاغية يأتمر بأمره، ويعتز به، ويطلب منه الجزاء والثواب، إذا به يتغير في كل شيء، الناس ينتظرون نتيجة الصراع، من الذي يغلب: موسى أم فرعون؟ الذي جاء بالسحرة يواجه ما جاء به موسى، فإذا بالسحرة كما أخبر الله عنهم ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٤٦]، عبروا عن إحساسهم ومشاعرهم والطباع التي بهم بالفعل قبل القول، خروا سجداً لله ﵎، وقالوا بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٤٧]، ورب العالمين ليس فرعون الذي قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، قالوا: لا، رب العالمين ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٨]، رب السموات والأرض وخالقهما ومبدعهما وموجدهما. إن الذي جاء به موسى ليس سحراً؛ لأن هؤلاء هم أساتذة السحر الذين يعلمون خباياه وزواياه، ويعلمون قدرة الإنسان، إن الذي جاء به موسى ليس سحراً، وهم يعلمون هذا علم اليقين، ويعرفونه، فعندما رأوا المعجزة علموا أن هذا الرجل قد أرسل من عند الله ﵎ خالق الوجود، الذي لا يستطيع أحد أن يفعل فعله، ولا أن يعمل عمله، عند ذلك لامس الإيمان قلوبهم، وحل اليقين في أفئدتهم فإذا بهم يعبرون عن هذا الذي أحسوه ووجدوه في نفوسهم من إيمان ويقين، يعبرون عن ذلك بأن يخروا ساجدين لله ﵎ قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٦ - ٤٨]. وبينما كانوا قبل دقائق يعتزون بفرعون إذا بهم في مواجهة الطغيان بعد أن ملك الإيمان نفوسهم يهددهم ويتوعدهم بأنه سيصلبهم على جذوع النخل: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥٠ - ٥١]. هكذا يفعل الإيمان بالإنسان، يحوله إلى إنسان مسلم مؤمن يواجه ويتحدى ولكن في سبيل الله ﵎، في بعض الأحيان الذي ينفع مع الإنسان الحجة والبرهان، فهو الذي يجعله يتلمس طريقه، ويقف على قدميه، ويرى ما أمامه ويسير على الصراط المستقيم وأن ينظر في هذه الحياة.

стр. 530

دعوة إلى تأمل نصوص القرآن وآياته منذ فترة وجيزة عقد في مصر مؤتمر للسيرة أعلن اثنان من كبار العلماء إسلامهما لا لشيء إلا لأنهما رأيا ما توصل إليه العلم الحديث من دقائق قد تحدث عنها القرآن الكريم، وما حدثنا الله ﵎ به عن الأجنة وتكونها في الأرحام، وهما عالمنا في هذا المجال، رأيا أن القرآن يصور هذا أصدق تصوير قبل أن يصل الإنسان إلى ما وصل إليه في هذا العصر، فآمنا عن يقين واقتناع، ولذلك أشار الله ﵎ إلى هذا الدليل الذي يقوم النفوس ويهديها سواء السبيل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] أي: في شك منه، أي: لم تؤمنوا ولم يستقر الإيمان في قلوبكم، ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] التعقيب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] ذلك أي: إنما سقت لكم هذا لتتفكروا فيه، وتنظروا في هذا الكون وتصريف الله ﵎ له سواءً في مجال الأرحام، أو في مجال الماء النازل من السماء على الأرض اليابسة المجدبة فإذا بها تهتز خضراء معشبة، كل هذا لتعلموا أن الله هو الحق، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦] كما خلقكم من تراب، وكما خلقكم من ماء مهين، وكما أحيا النبات كذلك يحيي الموتى، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧]. إن المتأمل في نصوص الكتاب إذا تأملها في ساعة الصفا وتفكر فيها فإنها تنير القلب والعقل، وتبعث الإنسان حياً، وتعطيه حياته في نفسه وعقله وتصوره، فإذا به يرى الأمور رؤية أخرى، وإذا بها تزيد له اليقين، وتزيل عنه الشك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] والريب مرض إذا حل في القلوب أذهب الإيمان، ماذا نفعل؟ تتفكروا في آيات الله المقروءة، وتتفكروا في آيات الله المنظورة في السماء ونجومها وشمسها وقمرها، وفي الأرض وجبالها ونباتها وحيوانها وسهولها وبحارها، تتفكروا في ذلك، فإن ذلك يهديكم إلى الإيمان واليقين، إذا كنتم في شك فتأملوا وانظروا ما في السموات والأرض، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢١]، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٥ - ٨] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤]، تأمل في هذا الطعام الذي تأكله! ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٥ - ٣٢]. فهذا هو السبيل إلى الهداية، ولذلك الإنسان في بعض الأحيان قد يقرأ القرآن كثيراً، ثم في لحظة صفا فيها إذا به يقرأ آية تفجر الطاقات الإيمانية في أعماق نفسه، وإذا بها تحيره، وهو قد قرأها مراراً ولكن لم يكن يلتفت إليها، هذا عمر بن الخطاب ﵁ مر في ظلمة الليل على قارئ يقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢] فاتكأ عمر ﵁ على الجدار يستمع القارئ وهو يقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:١ - ٨]، فمرض لها شهراً يعوده الناس! أثرت في نفسه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨] فمرض لها شهراً. في بعض الأحيان يؤثر في الإنسان موقف لا يؤثر في غيره، يحدثني رجل عن سبب هدايته، وكان رجلاً فاسقاً عربيداً، يقول: رأيت غلاماً فنظرت إليه منذ أن وضعته أمه في حجرها، ثم ابتدأ يمتص الثدي، قال: فجعلت أفكر في هذا، من الذي علمه؟! كيف اهتدى لذلك؟! الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. الإنسان قد يفكر في هذا، فإذا به يجد نفسه يتحسر على غفلته، قد ترى إنساناً لا يصلي ولا يقرأ القرآن ولا يتجه إلى الله، ثم تجده مواظباً على الصلاة تسأله: ما الذي جاء بك إلى المسجد؟ مات عزيز عليه، قريب من أقربائه يهمه أمره ووقف عليه وهو يدلى في حفرته ثم يوارى في التراب، وتأمل كيف سيكون مصيره كمصيره، وأنه يوماً سيرحل كما يرحل، فيهتز وجدانه، وتهتز نفسه ويؤوب إلى الله ﵎. إن المؤثرات كثيرة، وأحياناً يهتدي الإنسان بدعوة تخرج من قلب صادق يدعو بها له غيره، فتؤثر في نفسه كما حدث مع عثمان بن شيبة وكان قد شهد حنيناً كافراً، وعندما فر المسلمون وبقي الرسول ﷺ في قلة معه، وجدها عثمان فرصة أن يشفي غليله من رسول الله ﷺ ، فأراد أن يأتيه من يمينه أو من شماله فوجد عمه على يمينه ووجد ابن عمه على شماله، فجاءه من خلفه فإذا شواظ من نار يحول بينه وبينه، فالتفت رسول الله ﷺ وقال: ادن مني فدنا منه، ثم دعا له الرسول ﷺ أن يهدي قلبه، قال: فوالله ما رفع يده عن صدري حتى كان أحب خلق الله إلي، وقد كان أبغض خلق الله إلي. إن دعوة الصالحين في بعض الأحيان تؤثر في القلوب، والنفوس، وتهدي للتي هي أقوم، وكم من رجل وامرأة آمنوا بدعوة رسول الله ﷺ كما حدث مع أم أبي هريرة، فقد كانت تؤذي أبا هريرة في شخص الرسول ﷺ عندما تذكره بسوء، وكان ذلك يؤلم أبا هريرة، فجاء إلى الرسول ﷺ يوماً وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يهدي أمي، فقال: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فعندما وصل إلى البيت عجلاً ينظر أثر دعوة الرسول ﷺ وجدها تغتسل من الكفر لتدخل في الإسلام. إن دعوة الصالحين لها أثر كبير في تحويل نفس الإنسان، وفي استخلاص الباطل والشر من نفسه، وهدايته إلى الخير. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →