← Джавами‘

Джавами‘ · id 37419

دروس الشيخ عمر الأشقر

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (531 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

توفيق الله تعالى ينمي عقيدة المسلم السبيل الثاني: توفيق الله ، فهذا أمر لا يجوز أن يهمله المسلم، فالله يوفق عبده بل ويهبه من علمه؛ لقصده الهداية والخير، ولبحثه عن الهداية والخير، وإرادته لذلك دائماً وباستمرار. فلابد من دعاء الله والتذلل والخضوع بين يديه، ورجائه والاستغاثة به؛ لِيهبنا الهداية والتوفيق، ويوفقنا للسير في الطريق المستقيم، وهذا أمرٌ لا بد أن يسعى المسلم فيه سعياً حثيثاً، فقد كان الرسول ﷺ -كما تعلمون- يقوم الليل فيدعو ربه، ومن أوائل ما يدعو به: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وأعظم ما اختُلف فيه قديماً وحديثاً أمور العقائد، فقد وقع الخلاف في ذلك منذ فجر البشرية وإلى اليوم. فالرسول ﷺ يدعو ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ولقد كان الصالحون إذا عرضت عليهم مشكلة عويصة وحارت بهم السبل لجئوا إلى الله يسألونه أن يلهمهم الرشاد، وأن يوفقهم إلى الخير، وأن يبين لهم الحق.

стр. 457

التأمل في ملك الله ينمي عقيدة المسلم ومن المهمات أيضاً في جانب الاعتقاد ما وجهنا إليه الكتاب الكريم من التأمل في ملكوت السماوات والأرض وفي مخلوقات الله سبحانه، فقد وجه الله أنظارنا لنتأمل ونتفكر في السماء؛ نجومها وشمسها وقمرها وقوتها واتساع بنائها، وفي الأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وبحار وحيوان وجماد ونبات؛ لأن مزيداً من النظر والتأمل في هذه القضايا يزيد المؤمن إيماناً، فهذه المخلوقات صنعت بعلم وحكمة وقدرة عظيمة، فمن تأمل فيها فلابد أن تدله على أن وراءها خالق مبدع عليم خبير. فهذه ثلاث طرق ذكرتها الآن، فلابد للمسلم لكي ينمي عقيدته وإيمانه أن يتأملها وأن يسلكها؛ لعل الله أن يهبه العقيدة الصحيحة، وأن يزيد في إيمانه، وعلى العبد أن ينمي هذا الإيمان حتى يكون حافزاً له على فعل الخير، فيقربه ذلك إلى الله .

стр. 458

الاهتمام بدراسة وتأمل توحيد الربوبية

стр. 459

توحيد الربوبية يؤدي إلى توحيد الألوهية التنبيه الثالث الذي أحب أن أشير إليه: أننا نقرأ في كتب العقيدة أن الكفار الذين بُعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولكنهم كانوا ينكرون توحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية هو الأمر الذي حدث فيه الصراع بين الرسول ﷺ وبين الذين دعاهم، بل بين الرسل والذين دعوهم جميعاً. وهذا أمر حق، وقد دلت عليه آيات القرآن، لكن الذي أريد أن أنبه إليه: أن هذا المعنى كانت له آثار سلبية سيئة نوعاً ما عند بعضنا، مع أنه في ذاته حق لا ينكر، فنريد أن نبتعد عن الأمر السلبي الذي أثره هذا المعنى، فبعضنا أصبح لا يهتم بدراسة الجانب الأول، ويقول: ما دام أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وهو أمر فطري لا تختلف فيه العقول فسأوجه غالبية همي إلى دراسة الجانب العبادي (توحيد الألوهية)، وليس هناك حاجة إلى أن أدرس توحيد الربوبية، وهذا خطأ عظيم. فالقرآن مليء بالحديث عن قضايا توحيد الربوبية: وهو أن الله هو الخالق، وهو البارئ، وهو الذي أنشأ هذا الكون بما فيه، وهو الذي يقوم عليه فيدبر قضاياه، ويصرف شئونه إلى غير ذلك، فعندما يستمع المسلم إلى الآيات التي تتحدث عن هذا الجانب تخشع نفسه، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٤]. فهذا نموذج من الحديث عن بعض أفعال الله ، وهو من جملة معاني توحيد الربوبية، فأفعال الله من خلقه لهذا الكون وتدبيره وإنشائه بعض ما يتضمنه توحيد الربوبية. فالحديث عن هذا الأمر يقر في النفس الإنسانية عظمة الله وخشيته، ولذلك فعلماء التوحيد يقولون: إن توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، فالذي يقر بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يقر بتوحيد الألوهية، بمعنى: أن إقرار هذا التوحيد في نفس الإنسان يدفعه ويحثه إلى أن يعبد الواحد الأحد الفرد الصمد، لذلك فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، لماذا نعبده؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢].

стр. 460

سبب الاهتمام بتوحيد الربوبية ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة حق في ذاتها، فالمشركون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا شريك لله في ربوبيته، فهو رب السماوات والأرض، ويخالفون في توحيد الألوهية؛ وأن العبادة لله وحده لا شريك له. لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتغاضى عن دراسة توحيد الربوبية، فينبغي أن يعتنى به وأن يدرس، خاصة وأنه قد أصبح هناك صراع في العصر الحاضر حول هذه القضية الأولى التي لم يكن هناك صراع حولها في الماضي، فأصبحت هناك فئات كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها تنكر أن يكون لهذا الخلق خالقاً، وأن يكون لهذا الوجود موجِداً، فهذه المشكلة لم يعانها السلف رضوان الله عليهم كما نعانيها نحن اليوم، لذلك فلا بد من دراسة أبعاد هذه المسألة الأولى لأمرين: الأمر الأول: لإقرارها في نفس المسلم، فالمسلم بحاجة إلى أن تقر معاني توحيد الربوبية في نفسه، لا أن يكون هناك مجرد اعتراف، ولكن كما يثيرها القرآن في النفس الإنسانية. الأمر الثاني: ففي مسائل الاعتقاد كانت هناك شبهات ترد على المسلمين في وقتهم، هذه الشبهات شبهات في العقيدة وردت إلى المسلمين من تقصيرهم فيما أنزل إليهم، أو وردت إليهم من خارج بلادهم من الميراث الذي ورثته الأمم التي دخلت في الإسلام، فقد ورثت عقائد وتصورات. فكثير من الناس دخلوا في الإسلام بعقائدهم وتصوراتهم، فتركوا بعضاً منها وبقي في أذهانهم بعضها، وبعضهم دخلوا في الإسلام مغرضين، ووجَد بعض المسلمين كتباً قرءوها عن تصورات الأمم لمعبوداتها، فاختلطت عليهم الأمور، فالمسلمون كانوا يتعرضون لمشاكل العقيدة التي حدثت ووُجِدت في عصرهم.

стр. 461

المشكلات العقدية في العصر الحاضر ونحن أيضاً تنشأ في عصرنا مشكلات بعضها هي تكرار لما حدث في الماضي، لذا فينبغي أن نعتني بالمشكلات الماضية؛ لأنها لا تزال تتكرر، وأقرب مثال على ذلك ما حدث في مصر في هذه الأيام وأثير حوله ضجة إعلامية ضخمة، فالذين يسمون جماعة التكفير والهجرة عقيدتهم شبيهة بعقيدة الخوارج إن لم تكن هي هي بل أكثر، فقد غلوا أكثر مما غلا الخوارج، فهم يرون أن الذي يرتكب الكبيرة كافر خارج من ملة الإسلام، بل إن كل من لا ينضم إلى جماعتهم فإنه ليس من المسلمين، فكل مسلم ينبغي أن ينضم إلى جماعتهم، وهذه القضية هي تكرار لقضية الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية ﵂ في معركة صفين، فقد خرجوا من جيش علي وقالوا: يا علي! لِمَ قبلت تحكيم الرجال؟ فقد كفرت وكفرنا معك، فنحن نعترف بكفرنا ونستغفر إلى الله ونتوب إليه، فاعترف بكفرك ثم آمن، وكل من رضي بهذا الفعل فهو كافر. ثم بعد ذلك أصلوا أصولهم: أن كل من ارتكب معصية فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، ونشأ عن ذلك جماعة أخرى قالوا: ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وصارت هذه مشكلة اعتقادية، فوضع لها علماء السلف قواعد وضوابط حتى يعرف الناس أن هناك كفراً يخرج من ملة الإسلام، وهناك معاصي وذنوباً لا تخرج من ملة الإسلام. فهذا أمر مكرر، وليس شيئاً جديداً، ولو كان هؤلاء الذين قالوا بهذا القول درسوا مثل هذا الجانب ما وقعوا فيما وقعوا فيه إن شاء الله تعالى. فعندما ندرس المشكلات التي حدثت في التاريخ الإسلامي في هذا الجانب دراسة صحيحة فإن ذلك يكون لنا حماية ووقاية، فنعرف الخطأ ونعرف الإجابة عليه، لكن لا يصح أن نقتصر على دراسة هذه الجوانب وحدها، بل لا بد من دراسة المشكلات العقائدية التي تحدث اليوم، فالإسلام قادر على رد كل جوانب الانحراف في كل العصور، فلا بد للمسلم أن يدرس هذه الجوانب التي يحدث فيها الانحراف، خاصة هذه المذاهب الضالة؛ المادية والشيوعية والرأسمالية، فلها أصول عقائدية تقوم عليها، فلابد من دراستها وتبينها. والمسلمون اليوم على ثلاث فرق، فهناك فرقة تقول: يكفينا أن نعلم المشكلات العقائدية التي حدثت، ويقصرون أنفسهم على هذا الجانب. وفي مقابل هؤلاء فرقة أخرى عندها علم ضخم جداً في الأمور العقائدية الشيوعية أو الرأسمالية، فيتبينون ذلك ويفهمونه فهما جيداً، لكن عندما ترد عليهم قضية مثل قضية هؤلاء الذين قالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر إذا بهم يتلجلجون ولا يعرفون أين الحق. فكلا الجانبين معه حق ومعه باطل، فالذي درس القضايا القديمة معه حق في هذا، فهذه لا بد من دراستها؛ لأنها تتكرر دائماً، والذين قاموا بدراسة القضايا العقائدية التي وجدت الآن محقون في ذلك؛ فهي مهمة، بل هي أهم من الأمور العقائدية الماضية؛ لذلك لابد من دراستها، فهي مهمة في ذاتها؛ لأنها مشكلات حاضرة موجودة، والأمر الصحيح هو أنه لا بد من دراسة القضيتين، وكلا الدراستين لها أهمية كبيرة. فحتى نستطيع أن نعيش في وسط نعرفه وندركه ونعرف مشاكله وقضاياه لا يجوز أن نغلق أعيننا، ولقد رأينا بعض إخواننا من الذين كانوا يلتزمون بمنهج الكتاب والسنة في مصر لا يعرف إلا قضايا الشرك القديم، وقضايا البدع التي وجدت في القديم، ولكنه لا يعرف من أمور هذه الحياة وقضاياها ومشكلاتها الاعتقادية كبير شيء، فهو يعيش في القرون الماضية وليس عنده إلا كيف أنه يناقش القبوريين والمخرفين فقط، وهذا جانب لا اعتراض لنا عليه، فهو جانب مهم وخطير، لكن الجانب الآخر أيضاً مهم وخطير. ونجد في المقابل بعض الناس اليوم يدعون إلى الإسلام في بقاع الأرض وليس لهم حظ ونصيب من دراسات السلف رضوان الله عنهم، فقصروا أنفسهم على مشكلات الحكم ودراسة العقائد المادية الموجودة الآن كالشيوعية والرأسمالية، ونبغوا في ذلك وبرعوا فيه، ولكن إذا اعترضت لهم مشكلات من قضايا العقيدة التي كانت قديماً تلجلجوا ولم يتضح لهم الحق فيها. والحق أن نجمع ما عند هؤلاء وما عند هؤلاء فنعتني بالأمرين سوياً، ولا نقلل من دراسة الجانب الأول ولا نقلل من دراسة الجانب الثاني، بل كلا الأمرين مهم، فلا بد من العناية بهما.

стр. 462

الأسئلة

стр. 463

الحكم بغير ما أنزل الله السؤال ما هو الراجح في الحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟ الجواب الحكم بغير ما أنزل الله نصّ الله في كتابه على أنه كفر، فالقاضي أو الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله نص الله على أن فعله كفر. وبعض العلماء يفرق بين الإنسان الذي يعتقد والإنسان الذي لا يعتقد، ولكن من لم يطبق الشريعة، فالذي يظهر والله أعلم أنه يدخل في جملة النص وأنه ليس بمسلم، فالحكام والقضاة الذين يطبقون التشريع الوضعي بكليته وليس في مسألة جزئية فهؤلاء -وإن كانوا يدعون أنهم مسلمون- فالظاهر أن النص يشملهم.

стр. 464

حكم الامتناع عن أداء الزكاة السؤال من امتنع عن أداء الزكاة فهل يكون مرتداً؟ الجواب المرتدون كانوا أقساماً ولم يكونوا قسماً واحداً، فمن المرتدين من ارتد عن الإسلام كلية وقال: ذهب محمد وانتهى كل شيء، ومن المرتدين من انكر وجوب الزكاة، وهؤلاء هم الغالبية العظمى، وقد امتنعوا وأنكروا الوجوب، وهناك فرق بين القضيتين، فالإنكار قضية والمنع قضية، فمن أنكر كلمتين من آية يعتبر كافراً؛ لأنه أنكر أمراً اعتقادياً، وكذب الله ، أما الذي يمتنع عن أمر من الأمور العملية فقط غير الصلاة وهو مقر به، فهذه معصية وليست كفراً.

стр. 465

حكم من أنكر وجود الله لشبهة عرضت له السؤال ما حكم الذي ينكر وجود الله لشبهة طرأت عليه؟ الجواب من أنكر وجود الله تعالى من أجل شبهة طرأت عليه لم يكفره علماء المسلمين، وحتى المعتزلة لم يقولوا: إنهم كفار، والذي ينكر بعض القضايا لشبهة عرضت له لا يكفر بذلك، ولو كان يعلم الحق ثم أنكره فهو كافر، وأما من أنكر الحق لأجل شبهة عرضت له فهذا لا يعتبر كافراً وإن كان ضالاً؛ لكنه لا يصل إلى درجة الكفر.

стр. 466

هل مجتمعاتنا جاهلية ؟ السؤال هل يقال عن مجتمعاتنا: إنها مجتمعات جاهلية؟ الجواب إذا كان المجتمع مثل مجتمع أمريكا أو مجتمع روسيا أو مجتمع فرنسا فهو مجتمع جاهلي وكافر، أما إذا كان كمجتمع الكويت فبالنسبة إلى نظمه وقوانينه فهو مجتمع جاهلي؛ لأنه لا يحكم بالإسلام، وأما بالنسبة لأفراده فمنهم المسلمون ومنهم الكفار، فلا نقول عن الأفراد: إنهم جاهليون، فهؤلاء الموجودون والحمد لله غالبهم ليس بجاهلي، ومن الناس من هم جاهليون، وأما النظم فهي نظم جاهلية في غالبيتها.

стр. 467

عدم تكفير الخوارج السؤال هل نقول بكفر الخرواج؟ الجواب لا نقول بكفر الخوارج، وأما الأحاديث التي فيها أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فهي من أحاديث الوعيد، فطريقة أهل السنة والجماعة عدم تكفيرهم.

стр. 468

صحة ما ينسب إلى جماعة التكفير السؤال هل حكمكم على جماعة التكفير التي في مصر أخذتموه من خلال ما ينشر في الجرائد؟ الجواب بالنسبة لجماعة التكفير والهجرة نحن لا نؤاخذهم من خلال الجرائد، فمعرفتنا بهم قبل ذلك، ونحن نعرفهم من قبل أن ينشر عنهم في الجرائد، فعندنا معلومات كافية عنهم، فنحن لم نحكم عليهم في القضية الأخيرة وهو قتلهم للشيخ الذهبي، لأننا لا نعلم عن هذه القضية حتى الآن شيئاً، وأما عقيدتهم فنحن نعرفها، فنعلم علم اليقين أنهم يكفرونك ويكفروني ويكفرون أي شخص لم يدخل معهم، وأي إنسان ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفعل ما فعل من الطاعات، إذا ارتكب ذنباً كشرب خمر فإنه يكفر، فنحن نعرف عنهم هذه القضية، ولم نأخذها عن الجرائد.

стр. 469

حكم مقولة إن الله تعالى في الأرض السؤال ما حكم من قال: إن الله تعالى في الأرض؟ الجواب هذا الكلام كفر، وهناك فرق بين القضيتين، أعني بين قولنا: إن هذا القول كفر، وبين قولنا: إن قائل ذلك كافر، فهذه المقولة كفر، لكن الذي يقول بها أمره إلى الله ، ونحن لا نكفره. فالذي يقول: إن الله في الأرض، أو: إن الله في كل مكان أو: إن الله ليس في السماء، مقالته هذه ليست توحيداً وليست إيماناً، بل هي كفر، لكن هناك فرق بين أن نقول: هذه الكلمة كفر، وبين أن نكفر كل من قال بها، فالذي قال بها لا بد أن نقيم عليه الحجة والبرهان، فقد تعرض له شبهة، ولذلك لم يكفر العلماء المتكلمةَ، وحتى الخوارج لم يكفروهم ويخروجهم كلهم عن ملة الإسلام، وإنما قالوا: إن في أقوالهم كفراً. فإن استبان له الأمر ورد الأدلة على علم فإنه يكفر، وإذا ردها جهلاً لعدم تبينها له فلا نكفره.

стр. 470

أسئلة حول رمضان

стр. 471

النهي عن الغلو والتشدد في الدين السؤال متى يبدأ وقت الصيام؛ حيث إن الله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] لكن نشاهد أن الإعلام في بلدنا يؤذن فيه قريباً من الليل فما الحكم؟ الجواب قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: يتضح بياض النهار من سواد الليل. والمسلمون اليوم تشددوا، فبعض الناس يؤخر الإفطار بعد أن تغيب الشمس بخمس دقائق أو عشر، وبعضهم يتشدد في الصباح فيمتنع عن الطعام والشراب قبل أن يطلع الفجر، وهذا أصبح صفة عامة عند كثير من المسلمين في كثير من البلاد، بل قد يؤذن المؤذن قبل أن يتبين ضوء النهار، وهذا خطأ. إذ يجب أن نلتزم بالمطلوب، فعندنا تغيب الشمس أفطر الصائم، ويباح الطعام والشراب إلى أن يطلع الفجر، والقيد الشرعي هو أن يتبين النهار من الليل، وهذا هو القيد الذي تباح فيه الصلاة، ويشاهد بعض الإذاعات تحتاط فيؤذن المؤذن قبل الفجر بعشر دقائق أو ربع ساعة، وهذا بلاء ومصيبة؛ لأن بعض الناس يكون تاعباً في الليل، فإذا أذن المؤذن امتنع عن الطعام والشراب وصلى هناك، وإن كانت امرأة فلم تذهب إلى المسجد، وأطال في الوقت صلت قبل أن يدخل وقت الفجر. والشريعة الإسلامية تمنع هذا، وتوجب التزام أمر الله، سواء أفراداً أو حكاماً أو دولاً. فنرقب الوقت حتى نتبينه، وعندما يتبين يمتنع الصائمون عن الطعام، ويؤذن المؤذن للفجر، أما قبل ذلك فلم يكتب الله علينا أن نؤذن احتياطاً قبل الوقت بخمس دقائق، أو بعشر أو بربع ساعة، فهذا خطأ ينبغي أن يغير، أما إذا كان يؤذن المؤذن عند التبين فنتبعه.

стр. 472

عدد ركعات التراويح السؤال اختلفت أنا وأبي حول عدد ركعات التراويح، حتى كان يغضب علي، فأنا أقول: هي إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة، وهو يقول: صلاة التراويح ثلاث وعشرون ركعة، فما القول الصحيح؟ الجواب الثابت في البخاري ومسلم وغيره أن عدد ركعات التراويح إحدى عشرة ركعة، وهذا ثابت بنص عام، فحديث عائشة ﵂ نص عام، تقول فيه: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة). وعلى هذا كان المسلمون، وإنما ينقل عن عمر أنه صلاها عشرين ركعة أو أمر بصلاتها عشرين. وهذا النقل عن عمر له روايتان: رواية تقول: إنه صلى بثلاث وعشرين، وأمر بذلك، ورواية أخرى تقول: إنه صلاها أو أمر أن تصلى إحدى عشرة ركعة. والرواية الأصح هي رواية إحدى عشرة ركعة، ولذلك تكون الرواية عن عمر موافقة للرواية الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ . وهذا هو الأصل، والله إنما كلفنا بشيء يريد منا إتقانه، فالمسألة ليست مسألة عدد ركعات. فالتقيد بما ثبت عن الرسول الله ﷺ إحدى عشرة ركعة بإتقان خير وأفضل بمراحل كثيرة من هذه الصلاة التي يصليها الناس، أي: عشرين ركعة لا إتقان فيها.

стр. 473

حكم الإسراع في الصلاة السؤال ما حكم السرعة في الصلاة من ركوع أو سجود أو القراءة؟ الجواب أحياناً قد تبطل الصلاة، يعني: رأينا من الناس من يصلي التراويح كنقر الديك، كما وصف رسول الله ﷺ الصلاة، معنى كنقر الديك أو نقر الغراب أنه لا يتم ركوعها، ولا سجودها، ولا يطمئن فيها، ولا يرتل القراءة بل يقرأ قراءة سريعة، فالصلاة إذا كانت بهذه الصورة فقد تكون باطلة، سواء في ذلك الإمام والمأموم. وأحياناً: يقتصر الإمام على القدر الضروري من الاطمئنان. وصلاة التراويح ينبغي أن يكون فيها طول، فالأيام لأجل أن يوفر لكي يؤدي فيه عشرين ركعة يحتاج إلى أن يسرع في صلاته، ولو جعل هذا الوقت الذي يؤدي فيه العشرين ركعة لصلاة إحدى عشرة ركعة بشيء من الاطمئنان لكان قد جاء بالصلاة على الوجه المطلوب المرغوب. ويوجد بعض الناس يعللون سرعة صلاتهم بأنه يصلي وراءهم أطفال وشيوخ، والجواب عن هذا: إذا صلى الإمام إحدى عشرة ركعة بوقت معقول وبدون مشقة على الناس فهذا هو المطلوب. أما إذا صلى عشرين ركعة بسرعة خوفاً من جلب المشقة عليهم فهذا قد أذهب الخشوع، ولم يأتِ بالمطلوب. إذ ليس المقياس أن يرضي الناس في الصلاة، بل المقياس هو رضا الله ، والناس إذا تعودوا على هذه الصلاة سهلت عليهم، فأول الأمر يكون فيه مشقة على الناس، لكن عند ما يألفوها ويذوقوا حلاوة العبادة والطاعة فلن يستطيعوا أن يتركوها. لكن عندما يراعي الأئمة رغبات الناس فيفعلون ما يريده الناس، فسيترك الناس الشريعة كلها. فالصلاة السريعة ليست هي الصلاة التي كان يفعلها الرسول ﷺ ، أو التي ينبغي أن تفعل في رمضان.

стр. 474

حكم الاستمرار على قراءة سورة الإخلاص في الركعة الثانية السؤال ما حكم الاستمرار على قراءة سورة الإخلاص في الركعة الثانية من صلاة التراويح؟ الجواب الاستمرار عليها ليس من هدي الرسول ﷺ ، ولا من هدي الصحابة.

стр. 475

حكم تخصيص يومي الإثنين والخميس بالإطعام والصدقة السؤال هناك كثير من الأسر الكويتية تطعم الطعام في يومي الإثنين والخميس، فما رأي الإسلام في هذا؟ الجواب ليس في الشريعة الإسلامية حث في أن يكون يومي الإثنين والخميس فيها أعمال خيرة معينة إلا الصوم، فقد كان الرسول ﷺ يحب أن يصوم الاثنين والخميس؛ لأن يومي الإثنين والخميس تعرض الأعمال فيهما الله ، ولذا قال النبي ﷺ : (أحب أن يعرض عملي وأنا صائم). أما إطعام الطعام وصلة الأرحام والقيام وما أشبه ذلك، فما كان هاذان اليومان يخصان به، وهما يومان عاديان كأي يوم آخر. فتخصيص هذان اليومان بالإطعام قد ينشأ في أذهان الناس أنهما يومان مفضلان على غيرهما من الأيام، فيظن فيهما الفضيلة والخيرة على غيرهما. ونحن لا ننشئ عبادة ولا طاعة لم ينشئها الإسلام. وإن أعظم الجنايات فعل ما لم يحببه الإسلام. فالإطعام يكون يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، بلا فرق بين هذا وهذا.

стр. 476

زمن النية في رمضان السؤال قرأت لبعض العلماء أن تجديد النية كل يوم في رمضان واجب، وبعضهم قال: تكفي نية أول يوم في رمضان، فما رأي الإسلام؟ الجواب هذه مسألة اختلف العلماء فيها: فالإمام مالك ﵀ يرى أنه تكفي نية من أول الشهر للشهر كله. فلرمضان وحده نية واحدة. والإمام أبو حنيفة يقول: لا يحتاج أن ينوي رمضان، فسواء نوى رمضان أم نافلة أم غير ذلك صح صومه. وبقية الأئمة -والحق معهم في هذه المسألة إن شاء الله- وهم الإمام أحمد والشافعي وغيرهما من العلماء يقولون: يجب أن ينوي لكل يوم، لأن كل يوم يشكل وحدة مستقلة مثل الصلاة، فصلاة الظهر تشكل وحده، وصلاة عصر تشكل وحدة واحدة وهكذا، والدليل على ذلك قول الرسول ﷺ : (لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل) فصوم رمضان لابد له من نية قبل الفجر أو في الليل، ولا تصح من نهار اليوم السابق، ومع ذلك ينبغي ألا نشق على أنفسنا في النية، إذا البعض يعزم أن يقوم ليتسحر، ثم يتسحر، وعند ما يأتي الأذان يمتنع عن الطعام، وبعد الفجر يشك هل نوى أم لا؟ فهذا يحدث من بعض الناس، وهو جهل بالنية. فلا يلزم في النية أن يقول: إني نويت أن أصوم يوم غد، وإنما النية قصد القلب وعهده على أن يصوم ذلك اليوم، بمعنى: أن يخطر في ذهنه ويعزم في قلبه أن يصوم يوم غد، فهذه هي النية. فإذا قال في نفسه عند النوم سأقوم لأتسحر ثم لم يتسحر فقد نوى، وليست عليه أي مشكلة. أما إذا نام إنسان قبل الغروب إلى بعد الفجر، أو أغمي عليه قبل الغروب إلى أن طلع الفجر وهو مغمى عليه فلم ينو من الليل فهنا تكون مشكلة. فإذاً: النية واجبة، ولا بد منها لكل يوم كما هو رأي الإمام أحمد والشافعي، فلا يجزئ صيام الشهر بنية واحدة؛ لأن كل يوم وحدة واحدة، والدليل على ذلك أنه لو صام خمسة أيام، أو أفطر خمسة أيام من الشهر، لم يبطل الشهر كاملاً. وكذلك إذا حاضت المرأة في أثناء الشهر لأدى إلى الانقطاع، فلو كان الشهر وحدة واحدة لبطلت جميع الأيام، وهو مخالف للنصوص. وكذلك مما يدل على أن كل يوم وحده: أننا عند ما يأتي الغروب نتناول منافيات الصيام، من أكل وشرب وجماع، فلو كان الشهر وحدة واحدة لكان الواجب صيام لياليه، فلا يأت مسلم المفطرات ليلاً ولا نهاراً. أما صيام النافلة فالعلماء مختلفون فيها، لكن الصواب: أن الإنسان لو لم ينو من الليل، ثم نوى بعد الفجر وقبيل الظهر، ولم يتناول طعاماً ولا شراباً فصيامه صحيح. وذلك لأن الرسول ﷺ كان يدخل على نسائه فيقول: أعندكم طعام؟ فيقال: لا، ما عندنا طعام، فيصوم، فينشئ الصيام بنية النهار. وبعض العلماء يخالف في هذا فيقولون: لا يجوز إنشاء الصوم بنية من النهار؛ لكن هذا هو الصحيح والنية محلها القلب.

стр. 477

حكم إرغام الأطفال على الصيام السؤال قرأت أن الرسول ﷺ كان يعود الأطفال على الصيام، فيعطيهم لعباً لينسوا الجوع فهل هذا صحيح؟ الجواب نعم، هذا ثابت في صحيح البخاري وغيره عن امرأة تسمى الربيع بنت معوذ، كان الرسول ﷺ أمرها بصيام عاشورا قبل أن يكتب رمضان، قالت: قد صمناه، ثم تقول: إنهم كانوا يصومون الصبيان، ويجعلون لأحدهم من العهن أو الصوف، فإذا بكى أعطوه إياها يتسلى بها حتى يكون وقت الإفطار. وقدرات الأطفال على الصيام تختلف، فلا يصوم من الصبيان إلا الذين لديهم القدرة على ذلك، فلا نثقل على ابن أربع سنين أو خمس، ونمنع هذا الطعام ولو بكى، فبعض الصبيان يكون عنده ثمان سنين أو تسع سنين ولا يقدر على الصوم؛ لضعف بنيته، أما الأولاد الذين عندهم القدرة على التحمل فهؤلاء يصومون. فلا ينبغي أن نشدد مع الأطفال كما نشدد مع الكبار، فيمكن مثلاً أن نكتفي من ابن ثمان سنين أو تسع بيومين أو ثلاثة، ثم نزيده في العام الثاني أربعة أيام أو خمسة حتى يتعود. وليست المسألة في تعويد الصبيان على الصيام مسألة تعويد فقط، بل صيامهم حال الصبا يجر عليهم صلاحاً وأجراً، فلهم أجر الثواب عند الله ، وإن كانوا لا يؤاخذون على المعصية.

стр. 478

حكم صيام يوم العيد، والست من شوال السؤال هل يجوز صيام يوم العيد؟ ومن متى يجوز صيام الست من شوال؟ الجواب أول يوم من أيام شوال هو يوم عيد، ويحرم صيامه، ومن صامه فقد ارتكب معصية. ويجوز صيام الست من شوال بعد يوم العيد، فالأيام التي يحرم صيامها في شوال ليست ثلاثة أيام، بل هي يوم واحد وهو أول أيام العيد، ومن صام اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فلا بأس عليه، أما اليوم الأول فلا يجوز بحال من الأحوال.

стр. 479

سنن العيد السؤال ما هي السنة في الخروج لصلاة العيد؟ الجواب بالنسبة لعيد الفطر فأول السنن فيه: أن يخرج قبل أن يصلى العيد صدقة الفطر. وثانيها: أن يتناول شيئاً من الطعام قبل صلاة العيد، وهذا في عيد الفطر، أما في عيد الأضحى فلا يتناول طعاماً إلا بعد الصلاة، فيأكل عيد الفطر؛ لأنه خرج من صيام فناسب أن يأكل شيئاً قبل الصلاة؛ ليسارع إلى طاعة الله الذي أمره بالفطر. وثالثها: أن يكبر التكبير المشروع، لكن وقته في عيد الفطر -على الصحيح من أقوال العلماء- يبدأ من فجر يوم العيد وينتهي بانتهاء صلاة العيد. وصيغته: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله بكرة وأصيلاً. ورابعها: أن ينطلق إلى الصلاة من طريق ويرجع من آخر، ثم يلقي السلام. وخامسها: أن تكون صلاة العيد في الصحراء، لا كما يفعلها الناس اليوم في المساجد. وسادسها: أن يسلم المسلمون على بعضهم، ويدعو بعضهم لبعض بأن يتقبل الله الطاعة. والثابت في التهنئة: تقبل الله طاعتكم. وسابعها: أن يخرج المسلم أولاده وأهله في صلاة العيد حتى المرأة الحائض، إلا أنها لا تصلي مع المسلمين، بل تشهد دعوة الخير، فقد أمر رسول ﷺ أن نخرج النساء حتى ذوات الخدور اللاتي لسن متزوجات. وثامنها: لباس الثياب الجديدة، فالرسول ﷺ كان يخصص ثياباً لهذه المناسبة. وما كان الرسول ﷺ يصلي ركعتين قبل صلاة العيد، لكن إذا ذهبنا إلى المساجد العادية فنصلي ركعتين، وهاتان الركعتان ليستا للعيد إذ ليس للعيد سنة قبلية ولا بعدية.

стр. 480

بيان مصارف الزكاة السؤال ما هي مصارف الزكاة؟ وهل تصرف الزكاة في أعمال الخير كنشر الكتب مثلاً؟ الجواب مصارف الزكاة رتبت في الآية القرآنية وأصحابها: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل. والفقير والمسكين هناك اختلاف بين العلماء في أيهما أشد حاجة، والعاملون عليها: هم الذين يجمعون الزكاة من الناس. والمؤلفة قلوبهم: هم من نتألف قلوبهم للإسلام لعلهم أن يؤمنوا، أو يحسن إسلامهم. والغارم: هو الذي غرم مالاً للإصلاح بين الناس. والذين في سبيل الله: هم الناس الذين يجاهدون ويقاتلون ويحاربون، وابن السبيل: هو المار المنقطع على السبيل، الذي ضاع ماله أو انتهى، فنعينه من الزكاة. وكل من يدور فمن هؤلاء جاز إعطاؤه، ومن خرج عنهم لا يجوز إعطاؤه، مع ملاحظة أن في سبيل الله يقصد به الحرب ومقدماته، من إعداد الجيوش، وشراء السلاح، والإنفاق على رواتب الجند، فكل هذا يدخل في سبيل الله، وبعض العلماء وهذا صحيح عن بعض الصحابة يلحق في سبيل الله الحج، وطلب العلم، أما ما عدا ذلك مثل بناء المساجد، ورص الطرقات وبناء المستشفيات، فهذا عمل خير، ولكن لا يدخل في الآية، وإلا لم يصر هناك فائدة من تحديد الثمانية الأصناف، فالمقصود بسبيل الله في الآية الحرب والقتال، وألحق به الحج بنصوص ثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم، أما أن ندخل كل أعمال الخير في سبيل الله، فما جعلنا لتحديد الثمانية الأصناف فائدة.

стр. 481

حكم إخراج الزكاة إلى بلد آخر السؤال هل يجوز إخراج الزكاة إلى بلد آخر إذا كان الفقراء فيه أحوج من بلدنا؟ الجواب لا بأس بذلك، إذا كان فقراء البلد الآخر محتاجون حاجة أكثر وأشد من فقراء بلدنا، فالمسلمون وحدة واحدة، لكن إذا كان الفقر شديداً والحاجة ماسة في بلد الزكاة فلا ينبغي أن تنقل إلى بلد آخر، بل توزع في نفس المكان، كما أمر الرسول ﷺ معاذ بن جبل بقول في الزكاة: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، أو إلى فقرائهم).

стр. 482

حكم صلاة الجمعة إذا كانت يوم عيد السؤال إذا اجتمع عيد وصلاة الجمعة فهل تسقط صلاة الجمعة؟ الجواب وردت أحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان عندما تجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يكتفي بصلاة العيد عن صلاة الجمعة، كان يقول: (وإنا مجمعون) أي: عيدان اجتمعا في يوم فتكفي صلاة واحدة. ومع ذلك فإن الرسول ﷺ كان يصلي العيد والجمعة، ليس أنه إذا صلى العيد لم يصل الجمعة، لكن من باب جواز الترك؛ لأنه وقت الجمعة على الصحيح، فالصحيح في وقت الجمعة: أنه يبدأ من وقت العيد وليس من الزوال، فنقول: نحن صلينا ركعتين في وقت الجمعة، وخطبة في وقت الجمعة، فتغني صلاة العيد عن صلاة الجمعة، ولكن ينبغي للإمام أن يجمع، فقد كان الرسول ﷺ يفعل ذلك، ويقول: (وإنا مجمعون) أما سقوط صلاة الظهر فهذا خلاف بين العلماء، فبعضهم يسقطها ويكتفي بصلاة العيد، والبعض لا يسقطها.

стр. 483

بيان زمن إخراج الفطرة، ومقدارها، ومن تجب عليهم السؤال متى يخرج المسلم زكاة الفطر؟ وكم مقدارها؟ وعلى من تجب؟ الجواب زكاة الفطر تخرج في آخر رمضان، وبعض الناس يظن أنه يجوز إخراج زكاة أو صدقة الفطر في جميع الشهر، والصحيح أن وقت إخراج الفطر إنما هو يوم العيد قبل الصلاة. أما إخراج الفطرة مالاً أو طعاماً فهو خلاف بين العلماء، لكن المتأمل يجد في إخراج الفطرة طعاماً حكم كثيرة، فمن جملتها: أن بعض البلاد لو أعطيت الفقير بها مالاً لخزنه ولم ينفقه على أولاده، ويبقى الحال هو الحال. ومنها: أن المال يخرج من يدك إلى يد الفقير، ولا يشعر به أحد. ومنها: من أن تظهر هذه الشعيرة وتبرز، فتتجسم هذه الأموال في كمية ضخمة من الطعام تنقل وتحمل ويطاف بها للفقراء، فتراها الزوجة والأولاد، فيعرفون أن لهم إخواناً، فيشعرون بشعورهم، ويحسون بإحساسهم، والبلاد التي عندها فقر عند ما يأتيهم الزبيب، والتمر، والأقط، والطحين، ويرونه بأعينهم، فيفرحون به فرحاً كبيراً، وقد يكونون لا يشاهدونه هذا ولا يشاهدوه إلا في هذه الأيام، فالرجل البخيل لا يستطيع بعد أن يري أهله الطعام ويقر بين أيديهم ثم يخرجه من البيت، وهذه حكمة من الحكم. ومنها: أن للإسلام هدفاً في تنشيط العلاقات التجارية، فعند ما يشتري كل رجل قادر على الإطعام تزيد بذلك التجارة، فمثلاً في الكويت يشترى حوالي مليون صاع خلال يوم أو يومين أو ثلاثة، وهذا يحدث نشاطاً للتجار في البلد، وفي مصر يشترى ثلاثين مليون صاع، وهذه الأمور تقوي العلاقات التجارية، فهناك حكم عظمية قد لا نعلمها فلا أن نستدرك على الإسلام وعلى الرسول ﷺ ، فنقول: الأنفع للفقير والمسكين أن نخرجها مالاً، فالمال كان موجوداً في عهد الرسول ﷺ ومع ذلك أمر بإخراجها طعاماً. والزكاة يخرجها الإنسان المسلم عن نفسه وعن من تلزمه نفقته، كزوجته وأولاده وخادمه الصغير والكبير، ولو ولد قبل رمضان ثم بقي بعد رمضان يوماً واحداً، فيخرج عنه زكاة، ويخرجها عمن يصوم لا يصوم ممن تلزمه نفقتهم. وهناك أمر آخر بالنسبة للذين يخرجون زكاة الفطر وهو أنه لا يشترط في المخرج أن يكون غنياً، بل الغني والفقير عليهما الإخراج، بشرط أن يفضُل على ما يكفيه اليوم والليلة صاع، فأي إنسان عنده فائض عن كفايته وكفاية أولاده وأسرته في يوم وليلة فينبغي أن يخرج زكاة الفطر. والفقير الذي عنده كفاية يوم وليلة، أو كفاية أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين، وليس عنده ما يكفيه السنة، فيجوز أن نعطيه زكاة الفطر، ويجب عليه أيضاً أن يخرج صدقة الفطر إذا كان عنده الفائض عن قوت يوم وليلة.

стр. 484

بيان المباح من الألعاب يوم العيد السؤال ما هي الألعاب التي تباح في العيد؟ الجواب جاء الرسول ﷺ إلى المدينة فوجد الأنصار لهم يومان يلعبون فيهما فقالوا: هذا كنا نلعب فيه في الجاهلية، فقال الرسول ﷺ : (أبدلنا الله خيراً منهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى) وكان المسلمون في العيد يرون الحبشة يلعبون بالحراب والطبل، وسبق عن الرسول ﷺ أنه جائز، فالأمور المباحة ذلك الوقت هي ليست كوقتنا الحالي من الرقص الفاضح، والخلاعة، والفسق، والفجور المعروف بين الناس، فهذا لا يبيحه الإسلام، وإنما الأمور المباحة هي بعض الألعاب التي ليس فيها قمار، أو قلة حياء، أو غير ذلك مما نهى عنه الشرع. أما الملاهي التي لا تخلوا من القمار، أو الفاحشة، أو يرى فيها النساء يلعبن، وهن مظهرات لمفاتنهن فلا يجوز دخولها. أما إذا كانت الألعاب مهذبة وتتفقا مع الإسلام، فلا بأس أن يشاهده بعض الناس خاصة الأطفال، لكن الأشياء التي تخالف الإسلام لا يجوز أن نبيحها في العيد، لا بهذا التوسع المذموم الذي يفعله بعض الناس، وإنما التوسع يكون في الأمور المباحة.

стр. 485

حكم صيام الست من شوال السؤال نرى كثيراً من الناس يصومون ستة أيام قبل رمضان، فما حكم ذلك؟ الجواب الستة الأيام من شوال هي التي تثبت فيها أحاديث صحيحة عن رسول ﷺ ورغب بها، وهي من صوم التطوع، فهناك صوم واجب وهو رمضان، وهناك صوم تطوع كالست من شوال، ويوم عاشورا، أي: اليوم العاشر من محرم، واليوم التاسع من شهر ذي الحجة وهو يوم عرفة، ومن جملة ذلك مما ورد عن الرسول ﷺ في صيامه ستة أيام من شوال، حيث قال الرسول ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه ستة من شوال فكأنما صام الدهر)؛ لأن صيام رمضان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، والحسنة بعشر أمثالها فتصبح مائتين وتسعين يوماً أو ثلاثمائة يوم. وعند صوم ستة أيام من شوال والحسنة بعشر أمثالها تصبح ستين يوماً، فتضاف إلى ما قبلها فتصبح ثلاثمائة وخمسين، أو ثلاثمائة وستين يوماً، والسنة الهجرية هي وسط بين هذه وبين تلك، فالرسول ﷺ أخبر أن الذي يصوم ستة من شوال فكأنما صام السنة كلها؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وهذه الأيام الست يجوز صومها متفرقة، ومتتابعة، ويجوز أن يصومها المسلم من ثاني أيام العيد، ويجوز بعد ذلك إلى نهاية شهر شوال، لكن لا يجوز أن يصومها في أول أيام العيد، إذ صيامه حرام ويكون الصيام فيه باطلاً. وأيام العيد ليس من السنة قيامها؛ لأن هذه الأيام ليست لها مزية على غيرها من الأيام حتى تفضل عليها وتخص بها، فصيام هذه الأيام الست مرغب فيه ومن لم يفعله فليس عليه شيء، وليس في ذلك حكم.

стр. 486

الإسلام في مواجهة أعداء الداخل والخارج إن المتأمل والناظر فيما يجري للمسلمين اليوم من قتل واضطهاد وتشريد، وتكالب أعداء الله عليهم، ليجد أن الأمة الإسلامية أضحت مستباحة لإخوان القردة والخنازير، وذلك يدل على مدى الحقد والكراهية لهذه الأمة، لكن تدبير الله فوق تدبير البشر، ونصر الله آت لا محالة، فليكن المسلم بنفسه وأهله وأولاده من الغرباء الذين يعيدون للإسلام عزه.

стр. 487

قدرة الله وتدبيره فوق قدرة وتدبير البشر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الذي ينظر في أحوال المسلمين ويسير في ديار الإسلام لا بد أن يوقن أن دين الإسلام منزل من عند الله ، وأنه حق؛ وذلك لأن أعداء الإسلام لم يتركوا سبيلاً من السبل لهدم الإسلام وإزهاق أرواح المسلمين وبث الشكوك والشبهات إلا وسلكوه، ومع ذلك إذا بالإسلام في كل مكان ينمو حتى في ديار أعداء الله، وتحت سطوة الظالمين وجبروت الظالمين ينبت الإسلام ويترعرع؛ مصداقاً لقول الله : ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فأعداء الإسلام يدبرون ويخططون: الشيوعيون من ناحية، واليهود من ناحية أخرى، والصليبون بدولهم القوية كأمريكا وبريطانيا وأذنابهم الذين يسجدون لهم، ويتوجهون في صباحهم ومسائهم إلى قبلة الكفر إلى واشنطن أو لندن أو موسكو، كل هؤلاء يعملون على هدم الإسلام وتفتيت المسلمين، ثم تكون النتيجة أن الله يهيئ لهذه الأمة رجالاً يقولون كلمة الحق، فتكون نوراً يتردد في جنبات العالم الإسلامي، في أرض فلسطين التي احتلت منذ ثمان وأربعين سنة، هذه البلاد كنت أشبهها بالنسبة للإسلام بديار قاحلة جرداء ليس فيها نبتة، والله يا إخوة لو دخلت مسجداً من عشر سنوات في بلد عدد المسلمين فيها ثلاثون ألفاً لا تجد إلا بعض رجال قد بلغوا الشيخوخة، فعمر الواحد خمسون سنة، ستون سنة، سبعون سنة، وهؤلاء أيضاً قد رأيت واحداً منهم يخرج من المسجد وهو يسب الدين، وهذا قبل عشر سنوات، وقد قدر لي في هذا الصيف أن أزور تلك الديار وأن أتجول في بعض تلك المدن التي يسكنها مسلمون فرأيت عجباً، لا يصدق الإنسان نفسه أن هذه البلدة التي كانت قاحلة جرداء صحراء محرقة ليس فيها نبتة خير، وإذا بالخير ينتشر في جنباتها، وإذا بنبتة الإسلام تترعرع فيها، وتحت حكم السفهاء الظلمة الطغاة من اليهود، فاليهود حريصون على أن يقتلوا روح الإسلام في نفوس المسلمين، وأن يجهلوهم بدينهم وبعقيدتهم، وذلك عبر جيوش من المغريات التي تفتك بأبناء المسلمين، ومع ذلك كله تصل كلمة الحق وقدر الله غالب، فالله يقدر أن تجد كلمة الحق قبولاً، فتتقبلها نفوس كالأرض العطشى، فهذه النفوس تتقبل الخير وتتقبل كلمة الإسلام وتتقبل آيات القرآن وأحاديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فالمساجد التي كانت خراباً أصبحت عامرة بالرجال وبالشباب الذين يجاهرون بكلمة الإسلام ويرفضون الكفر، ويرفضون ما رضي به حكام العرب، وهم تحت نيران اليهود يقولون لهم: نحن لا نريدكم وسنحاربكم إلى آخر رجل فينا، الكلام الذي لا يستطيع أن يقوله المسلمون في مصر الآن يقوله المسلمون وهم في أرض يسيطر عليها يهود، ذلك والله ليس بذكاء وفطنة من المسلمين وإنما هو قدر الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، كذلك لا نسمع من أمريكا وروءسائها غير سموم ناقعة تدل على مدى الحقد والكراهية لهذه الأمة، ولكن أمر الله فوق ذلك، وتدبير الله فوق ذلك، يفتحون السجون والمعتقلات في ديار المسلمين الذي التي يتزعمها من يسبحون بحمد أمريكا وبحمد الكفر والباطل، ويقابلون اليهود بالأحضان، أما دعاة الإسلام فالعذاب والسجون والقتل والتجويع والتشريد، من أجل خاطر عيون اليهود الذين يريدون بالإسلام والمسلمين شراً، ولكن أمر الله نافذ وماض يشاهده المسلم في كل مكان وفي كل سبيل. يا إخوة! لقد كان أبناء المسلمين في حفلاتهم وأفراحهم لا يقدمون إلا الخمر، وليس على مستوى خمسة أو ستة أو عشرة أو عشرين، بل يجتمع أبناء المدينة في الحفل فتدار كئوس الخمر التي تكلف عشرات الألوف، ووصل الحال بالمسلمين في تلك الديار إلى هذا، ثم يتغير الحال، فلا تجد فرحاً جاهلياً، ولا تجد كلمة نابية، كل ذلك بإرادة الله وتقدير الله، واليهود يحسون بالقضية، واللوبي اليهودي من أمريكا ينذر ويولول ويقول: إن المسلمين يريدون أن يعودوا إلى التسلط من جديد، فاليهود لا يريدون أن يقوم المسلمون في ديارهم ويحكمون أنفسهم بأنفسهم؛ فتلك جريمة عند اليهود وعند أوليائهم، والذي يراقب الحال يعلم أن لله مراداً وأن لله قدراً، ولكن ينبغي للمسلم أن يشارك في هذا المراد وفي هذا القدر بنفسه وبأولاده وبأسرته، حتى يكون من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، من الغرباء الذين يعيدون للإسلام عزه ويعيدون للإسلام مجده، والقضية كما قلت قضية إلهية ربانية، ووالله لو كان الأمر موكولاً لنا نحن البشر لضاع الإسلام وضاع القرآن، ولكن الله يدبر ويريد، وتدبيره وإرادته فوق إرادة الجميع وفوق تدبير الجميع، فهؤلاء الذين في ديار الإسلام يحاربون الإسلام، وينصبون أنفسهم أعداء لهذا الدين وللدعاة في سبيل الله، ويقذفون بالألوف منهم في السجون هؤلاء مصيرهم رهيب، قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، وقد يكون في الآخرة بعد هذه الحياة الدنيا، ولكنهم لن ينجوا من غضب الله ومقته وجبروته، فالله غالب على أمره. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 488

أكبر بلاء ابتليت به أمة الإسلام الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله. أما بعد: فإن هذه الأمة قد جرت عليها ويلات كثيرة وبلاء كثير، وأكبر بلاء ابتليت به هذه الأمة من أنفسها ومن رجالها، من شبابها، من نسائها، من حكامها، هذا البلاء الأكبر الذي ابتليت به الأمة، صحيح يا إخوان! أن اليهود يخططون، وأمريكا تخطط وروسيا تخطط، والكل يريد بالإسلام شراً، لكن بالله عليكم لو كان هذا المسجد قوياً محكم البناء، وهبت عاصفة فإنه سيصمد المسجد أمام العاصفة، أما إذا كان مزعزع البنيان وخاوياً متشققاً لسجد للعاصفة، ألم تهز العواصف البيوت على الدولة الإسلامية الفتية، وذلك عند ما لم يكن رجالها يتجاوزون بضع مائة، وهبت رياح عاتية، العرب من ناحية، اليهود من ناحية، والفرس من ناحية، والروم من ناحية، ومع ذلك ثبت البناء لهذه العواصف، واستطاع المسلمون أن ينشروا الإسلام في بقاع الأرض؟! إذاً: مصيبة المسلمين في أنفسهم، فلو كان بناء الإسلام في نفوس المسلمين قوياً ومتماسكاً، ولم يكن فيهم هذا الغثاء، ولم يكن فيهم أولياء الكفر، وكانوا إخوة في الله، يحكمون شرع الله لما استطاعت هذه الدول الكافرة أن تنال منهم شيئاً، وتكون الدائرة للمسلمين. فالعداء الذي نشاهده والتدبير الذي نشاهده إنما يؤثر فينا، إذ نحن لم نحكم بناءنا ولم نقوم بناءنا ولم نسدد أنفسنا، فعندما نريد أن ننطلق لنعيد للإسلام عزه ومجده ينبغي أن نفكر في عيوبنا وفي أنفسنا وفي ما أصابنا في عقولنا وعقيدتنا وتصوراتنا، وأن ننظر في سلوك المسلمين، حيث قد ابتعد المسلمون في سلوكهم عن الإسلام إلا من شاء الله، وهذا هو الذي أشرت في البداية أنه كائن، وأن المسلم يلمحه هنا وهناك في بلاد المسلمين، وفي أطراف الأرض، فينبغي أن يأخذ المسلمون بسلوك الإسلام وإن غضب من غضب، ورضي من رضي. فإذا تحقق ذلك عند ذلك يتنزل نصر الله، وعند ذلك يهيئ الله لهذه الأمة رجالاً لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولا يقدمون أهواءهم ولا شهواتهم على الحق الذي أنزله الله، وعند ذلك ترتفع كلمة الله في الأرض، وترتفع العدالة التي أنزلها الله ، لتحقق الخير للإنسانية، وذلك كائن إن شاء الله. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات.

стр. 489

التراث العقائدي إن التراث العقائدي لدى الأمم يشكِّل أهم أساس في بناء التصورات والأنظمة، وبالنظر إلى تراث الأمم العقائدي نجد أن الشرك قد وجد عندها جميعاً؛ نتيجة لإقحام العقل في غير مجاله، أو اتباع الفلسفات وعلم الكلام، أو الإعراض عن وحي السماء. وقد جعل الله تراث الأمم العقائدي كله يندثر بطروء التحريف عليه، واختص هذه الأمة بحفظ شريعتها بالرغم من حصول شرخ تأريخي من قبل المنحرفين، كل ذلك يؤكد لنا أنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

стр. 490

مقدمة بين يدي الموضوع الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. السيد/ وزير الأوقاف والشئون الإسلامية. إخواني الذين لبيتم دعوتنا لافتتاح المؤتمر الأول لجمعية إحياء التراث الإسلامي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني وأخواتي! بالنيابة عن جمعية إحياء التراث الإسلامي، أود أن أشكر السيد/ وزير الأوقاف والشئون الإسلامية على تفضله بافتتاح هذا المؤتمر، وأشكر الأخوة العلماء على تلبيتهم دعوة الجمعية لإلقاء المحاضرات، وأرحب بالإخوة الذين قدموا من خارج الكويت ومن داخلها لمشاركتنا هذا الحفل. وبعد: فإن المتابع لأحوال المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها يرى أن العالم الإسلامي قد وصل الى درجة كبيرة من الشتات والوهن والضعف، فقد تمزقت أمة الإسلام وتفرقت كلمة المسلمين، وأصبحوا فريسة لأعدائهم من شرقيين وغربيين، يسومونهم المذلة في كل مكان، وها نحن نرى ونسمع كل يوم ما يحل بالمسلمين من نكبات، ففي فلسطين يشرد اليهود البقية الباقية من الشعب الفلسطيني، وفي أفغانستان يشرد الأعداء شعباً وأمة، وفي كل مكان يلحق المسلمين الذل والهوان، ولما كان آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وهو أن نربي جيلاً جديداً على الكتاب والسنة، وأن تسري في المسلمين روح جديدة تعيد للأمة شبابها ونظارتها، وإن كان هناك بحمد الله صحوة إسلامية مباركة في كل العالم الإسلامي، إلا أن جمعية إحياء التراث الإسلامي أيضاً قافلة جديدة تستهدف نشر تراث أمتنا الإسلامية الخالدة، وبعث علومها وأخلاقها وآدابها وعقيدتها؛ ليكون ذلك هادياً ومرشداً لشباب الأمة المتوجه نحو الدين؛ حتى لا تتفرق بهم السبل وتختلف عليهم الطرق. وإن قيام جمعية إحياء التراث هو دليل جديد بحمد الله على أن أمتنا عازمة أن تصل حبل آخر هذه الأمة بماضيها المجيد، ليكون في الأمة أمثال خالد وأبي عبيدة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، الذين حملوا مشاعل النور والهداية، وراية المجد والعزة، فالإسلام لم يعد نقياً صافياً كما أنزل في عهد النبي ﷺ ، فلقد أدخل فيه كثير مما ليس منه وخاصة في مجال العقيدة، ولعل الصفة الغالبة اليوم على أغلب المسلمين عدم وضوح العقيدة في أذهانهم، هذا إن لم تكن الصفة الغالبة عليهم الانحراف العقائدي، لذا لا بد من بيان ومعرفة العقيدة السليمة الصافية، كما بينها النبي ﷺ ، ومن ثم معرفة العقائد والأفكار الدخيلة على الإسلام، انطلاقاً من قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. إنني ما انتدبت إلى الحديث في موضوع من الموضوعات إلا وأحسست أن من حق الذين انتدبوني والذين يسمعون لي أن أعطي الموضوع حقه، فأنا أعلم كم من الوقت يبذله الذين يحضرون لمثل هذه المؤتمرات والمحاضرات، وأعلم أن وقت الذين يحضرون هذه المحاضرات ثمين، فالوقت هو الحياة، وقد ازداد إحساسي بثقل المسئولية في هذا الموضوع الذي أتكلم فيه، إذ أنه موضوع خطير.

стр. 491

أثر العقائد في صناعة أفكار الأمم إن العقيدة هي الأساس التي تقوم عليه الأديان والمذاهب والمبادئ، وقد قيل قديماً: (الإنسان أسير أفكاره ومعتقداته) ولا زالت عقائد البشر هي التي تسيرهم، ومن خلالها ينظرون إلى الوجود والحياة والمجتمعات الإنسانية، وعلى أساسها يقيمون الأنظمة والقوانين، ويضعون القواعد والقيم والموازين. ولم يزل المستبدون والطغاة يتلاعبون بعقائد الناس؛ لتتيسر لهم السيطرة عليهم، فعلى الرغم من أنني كتبت في موضوع العقيدة عدة مؤلفات، إلا أن خطورة الموضوع الذي أتناوله تفرض علي أن أعود إلى التفكير فيه مرة أخرى، وأعود للنظر في التراث العقائدي وفي مصادره، ولقد نظرت في هذا التراث نظرتين: نظرة في التراث الإنساني، ونظرة في التراث الإسلامي، وعشت مع المؤلفات التي تعرضت لعقيدة هذين التراثين وقتاً ليس بالقصير، ولقد رأيتني وأنا أجول بنظري وفكري في كتب التراث كرجل قابع فوق قمة جبل على شاطئ بحر لجي محيط، وأنا أنظر في عقائد أهل الملل والنحل في القديم والحديث، وكيف نشأت وتفرعت؟ ثم كيف تلاشت وفنيت؟. فتخيلوا أنني ذلك الرجل الذي يشاهد أمواج البحر، فإذا هي لا تحصى كثرة، وهي تنشأ وتتلاشى، ثم تتعارض وتتصادم، وهي في ذلك كله لا تتوقف لحظة، بل كل الذي يحدث أن البحر قد يهدأ في بعض الأحيان فتكون الأمواج هادئة، وقد يثور فإذا بالأمواج كالظلل أو كالجبال، ولست مبالغاً في الوصف، بل هي الحقيقة التي أدركتها. ومن طالع ما كتبه الكاتبون في تاريخ العقائد، وما كتبوه في تاريخ الفكر الإنساني، وما كتب في الملل والنحل يعلم صدق ما أقوله.

стр. 492

عجز العقل الإنساني عن معرفة حقائق كل شيء وإن كثرة المذاهب والعقائد والفرق جعلت الفكر الإنساني لا يدري أين يسير؟ وماذا يأخذ وماذا يدع؟ فالعقيدة لا تقوم كما نعلم على الشك والحيرة والتردد، بل تحتاج إلى اليقين الصادق الذي يقوم على الأدلة والبراهين، التي لا تجد النفس لها مدفعاً، والتي تأسر النفوس وتخضع لها العقول. الفكر الإنساني لا يستطيع أن يقيم من خلال هذا الركام الهائل من التصورات والأفكار والعقائد التي يموج بها تأريخ الإنسان وواقعه أصولاً توقفه على اليقين المنافي للشك، والقضايا التي يريد أن يصل فيها إلى اليقين لا يدخل كثير منها في المجال الذي يحسن العقل الإنساني النظر فيه. إن الروح التي تسري في نفس الإنسان هي أقرب الأشياء إليه؛ لأنها نفسه، ومع ذلك فإن الإنسان يشتد جهله بها كل ما زاد بحثه عنها، فالروح ليست من جنس الأشياء المشهودة التي يمكن للعقل الإنساني البحث فيها، فليس لها وزن ولا لون ولا حجم، ولا تدخل تحت المقاييس الإنسانية، فأنى للعقل أن يعرف كنهها وحقيقتها؟ لذلك قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. إذا كان هذا هو شأن الإنسان مع الروح التي تسري في كيانه، وهي سر حياته، فما بالكم في البحث العقلي المجرد عن خالق الوجود، وعن العوالم التي لا نراها ولا نشاهدها، وعن العوالم التي سيصير إليها الإنسان بعد الموت كالبرزخ واليوم الآخر؟ إن الإنسان لا يمكن أن يصل في أمرها إلى قرار، وسيبقى طيلة عمره حائراً متردداً. ومتى لم يجد الإنسان برد اليقين في معرفة الحقائق التي يمكن أن يقيم عليها حياته، والتي يمكن أن تفسر له وجوده، وترسم له مساره في الحياة وغايته التي يرمي إليها، وتوضح له علاقته بالقوة التي أوجدته وأوجدت الكون، فإنه سيعيش في شقاء، وسيضل المسار في حين أنه يظن في بعض الأحيان أنه بلغ الغاية، وشارف المقصد، وأوشك أن يصل، ثم يكتشف أن ذلك وهم من الأوهام، ويفاجأ بالأجل وقد أدركه، ثم ينظر فلا يجد أنه قد حقق في رحلته ما كان يصبو إليه.

стр. 493

إقحام العقل فيما لا مجال له فيه لا يؤدي إلى نتيجة ولن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي الوحي من الفلاسفة والمفكرين، ولكنني سأحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئاً ما، فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم، وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا ورائه طويلاً. فهذا الرازي وهو أحد هؤلاء، وقد عانى في مسيره كثيراً من العنت، ثم يعلن أخيراً أنه لم يصل إلى شيء، وكان قد ابتعد عن المنهج القرآني النبوي، وجرى وراء نتائج العقول الإنسانية، فلم تقده الأفكار والنظريات والمقالات إلى اليقين الذي يجده الناهل من وحي السماء، ووجد في نهاية المسار أن روحه لم ترتو من المنهل الذي ورده، وأن الغاية التي سعى إليها لم يحققها، وأن ما اعتمد عليه وجمعه إنما هي أقوال تتصارع وتتضارب، إنني كلما قرأت أبياته التي أوردها في كتابه (أقسام اللذات) أشم منها رائحة النواح والحزن الصاعد من قلب مكلوم، فقد قال: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ثم يقول: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ويختم حديثه قائلا: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ويصور لنا كذلك عبد الكريم الشهرستاني، وهو العلم الذي لا يشق له غبار في علم الملل والنحل، حال أصحاب الكلام في علوم العقائد، في مقدمة كتابه (نهاية الإقدام في علم الكلام) فيقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم ولا أنسى الجويني، وهو الذي كان يدعى بـ (إمام الحرمين) وهو من هو في علم الكلام والجدال والبحث والنظر، ولما حضره الموت إذا به ينظر في مساره في الحياة، وينظر في حصيلته التي حصلها، فإذا به يبكي بكاء الثكلى، فلقد أضاع الكثير من عمره في مسار لم يصله إلى مراده، لقد كان يخوض في بحر خضم من أفكار وعقائد وموازين لا يقر قلب من خاضها على قرار، فإذا به يوصي أصحابه وهو يعالج سكرات الموت فيقول: لقد دخلت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني الله برحمته فالويل لي، وهأنذا أموت على عقيدة أمي. وهذا عالم آخر من علماء الكلام، يفتش عن حصيلة العمر، وهو على فراش الموت، فلا يجد عنده من الحق شيئاً، فيعلن ذلك لمن حوله ويقول: اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب، ثم قال: والافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئاً.

стр. 494

الوحي هادٍ للعقل الإنساني العاجز إن الله العليم القدير الحكيم هو الذي خلقنا، وهو أعلم بنا من أنفسنا، فهو يعلم أننا بحاجة إلى معرفته لأنه خالقنا، ويعلم أن نفوسنا لا يمكن أن يقر لها قرار ما لم تعرف الذي خلقها، وما لم تعرف الطريق إليه، ويعلم كذلك أن العقل الإنساني الذي وهبه لنا لا يمكن أن يصل بنفسه إلى معرفة صفات وأسماء خالقه وإلهه، ولا يعلم كيف يعبده. فتكفل لأبينا آدم ﵇ عندما أهبطه إلى الأرض أن يمد ذريته من بعده بالنور والهدى، وهو الوحي الذي يعرفهم بربهم، وبالحقائق الكبرى التي لا بد لهم منها، وتكفل أيضاً لمن اتبع نوره المنزل على الأنبياء بالخلاص من الضلال الذي يعيش فيه البشر، وبالنجاة من الشقاء الذي تتردى فيه القلوب والنفوس، وقد توعد الرافضين لوحيه وهداه بالحياة الضنكة الشقية في الدنيا، وفي الآخرة توعده بحياة أشد ضنكاً وشقاء. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]. وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. ولقد بقيت البشرية بعد أن هبط آدم إلى الأرض، وتكاثرت ذريته على التوحيد، فكان الناس أمة واحدة، ولكن البشر فيما بعد ضلوا في إلههم ومعبودهم، فعبدوا من دونه أولياء؛ فاتخذوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، فكانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، فأرسل الله لهم أول رسله، وهو نوح ﵇، فأنذرهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يعبد من دونه، فآمن له قليل واستكبر منهم الكثير، فأهلكهم الله تعالى.

стр. 495

الشرك في التراث العقائدي لدى الأمم وكثير من الأمم عبر تاريخ البشرية عبدوا الأصنام، ولهم في ذلك فلسفات وضلالات، فبعضهم يزعم أن هذه الأصنام محل تتلبس به الأرواح التي يعبدونها، وبعضهم ليس له حجة إلا أن الآباء يمجدونها ويقدسونها.
следующие страницы →