Полный текст (531 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مع آيات في كتاب الله
إن طريق العزة لا يكون في غير منهج الله، فمن تأمل التاريخ، ودقق النظر في تاريخ الرعيل الأول، وجد الضالة المفقودة التي ينشدها المسلمون اليوم، وهي العزة والنصر والتمكين، وهي لا تكون إلا إذا حققنا منهج الله في حياتنا كما حققه ذلك الجيل، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
стр. 2
استحقاق الله للعبادة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الذي يقرأ كتاب الله ﵎ ببصيرة نافذة، يدرسه، ويتأمله، ويفقه ما فيه؛ فإنه يضع نفسه في الإطار الصحيح الذي ينبغي أن يوضع فيه، فيعرف طريقه في الحياة، ويعرف المهمة التي ينبغي أن يتحملها، وذلك أن الإنسان لا يستقر له بال ما لم يحمل مهمة في هذه الحياة، ويشغل نفسه بقضية.
وفي كثير من الأحيان يشغل الإنسان نفسه بقضايا تعود عليه بالضرر والوبال، فجاء القرآن الكريم ليضعنا في المسار الصحيح، وفي الطريق الحق، وفي هذا المقام سوف نستعرض ونقف مع تلك الآيات التي افتتح الله بها سورة آل عمران؛ لنتبين الإطار السليم الذي يضع القرآن فيه الإنسان.
يقرر الله ﵎ أنه صاحب الأمر والنهي في هذا الكون، والمتفرد في ذلك، وهو إله الناس، ورب الناس، ومالك الناس، وهو السيد المتفرد قال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢]، لا يوجد في هذا الوجود معبود يستحق العبادة إلا الله، ولا يتصف بصفات الجلال والكمال إلا الله، فهو الذي أنشأ الكون، وخلق الوجود، ويدبر الأمر ويصرفه، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، يقول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، فهو حي كامل الحياة، لا يموت، قيوم قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، ويقيم غيره، فلا يحتاج إلى أحد، لا من ملائكته، ولا من البشر، ولا من الجن، ولا من جميع المخلوقات، بل كل الوجود بحاجة إليه، الملائكة بحاجة إليه، والعرش بحاجة إليه، والسماوات بحاجة إليه، والبشر بحاجة إليه.
ويقول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فقوله: ((وَالْمَلائِكَةُ)) أي: والملائكة كلهم يشهدون أنه السيد المطاع، وأنه المعبود الحق، وأنه المالك والخالق الموجد الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
وقوله: ((وَأُوْلُوا الْعِلْمِ)) أي: أصحاب العلم الذين فتح الله بصائرهم وهداهم إلى طريقه الحق، يشهدون بذلك، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
стр. 3
أهمية الاستقامة على منهج الله ودينه
قضيتنا: كيف ننتسب إلى هذا الإله المتفرد الواحد الأحد؟ وكيف نقيم حياتنا وفق منهجه؟ وكيف نحمل رسالته إلى العالمين؟ وكيف ندعو البشرية لأن يحكموا الحياة الإنسانية بمنهج الله ﵎؟ إن القضية التي جاءت بها الرسل من عند الله هي: أن يكون الناس عبيداً لهذا الإله الواحد الأحد، وأن يقيموا وجوههم لله ﵎، وأن يحكموا حياتهم وحياة مجتمعاتهم بحكم الله، وبمنهج الله، قال ﵎: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:٣ - ٤].
منهج الله تتضمنه الكتب السماوية التي أنزلها الله ﵎ هداية للبشرية، يلتزم بها الفرد في نفسه فيمثل الهداية على وجه الأرض، ويلتزم بها المجتمع فيحكم نفسه بالكتاب المنزل، فيكون المجتمع السوي الذي يريده الله ﵎ للبشرية، كما يقول الله أيضاً في أوائل هذه السورة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالدين والمنهج الحق الذي ينبغي أن يحكمك ويحكم المجتمع هو الإسلام، والإسلام علم على هذا المنهج الذي وضعه الله ﵎ ليصلح عقيدتك، وفكرك، وسلوكك، وأسرتك، والمجتمع الإنساني.
وهذا المنهج اسمه الإسلام؛ لأنك تستسلم فيه لله، وتنفذ منهج الله، ويستسلم فيه المجتمع لله، قال الله ﵎: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ))، لا الشيوعية ولا القومية، ولا البوذية، ولا عبادة الأصنام، ولا عبادة الفئران، ولا أي نظرية في الأرض.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]، هذه الانحرافات التي عند اليهودية، وعند النصرانية، وعند البشرية، حدثت والرسالات تتلى وتتوالى على البشر، فيختارون منهجاً غير منهج الله ﵎، وأنت تحمل القضية وهي: أنك تنتسب إلى الله ﵎، وبمجرد انتسابك إلى الله ، بأن قبلت رسالة الله ، وحملت الأمانة، وأصبحت ذا مهمة محددة تحققها في واقع الحياة؛ فإنك لا بد أن تواجه الذين يرفضون منهج الله ﵎، ودين الله، وكتب الله .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤]، هناك فريق لا يستجيب، لا يؤمن بما أنزل الله ﵎؛ فهؤلاء يصبحون أعداء لخالق الوجود الإله المعبود، وهم أعداء أيضاً للمؤمنين، والله ﵎ يعادي هؤلاء، ويتهددهم ويتوعدهم بالعذاب الدنيوي والعذاب الأخروي في الوقت الذي يؤمنك فيه، ويسكب في قلبك عظمته، وأنك تنتسب إلى قوة عليا تستطيع أن تواجه بها العالم، وعندما تأكد هذا المعنى في نفوس الصحابة، والقرآن يدفق عليهم بقوة أصبحوا قوة هائلة، بضع مئات كانوا يغلبون ألوفاً، وتهتز الدنيا من حولهم، ثم يرتد العرب الذين آمنوا ودخلوا في دين الله أفواجاً، يرتدون ولا يثبت منهم إلا فئة قليلة، ولكن هذه الفئة التي فقهت دورها وارتباطها بربها، وعلمت مدى قدرة الله وقوته، استطاعت أن تعيد المياه إلى مجاريها، وأن تحول التيار الذي أراد أن يجتاح الإسلام إلى قوة تزيل الكفر، وتدمر عروش الظالمين، فقهوا قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران:١٠ - ١١] أي: قل للذين كفروا الذين لا يؤمنون بي، ولا يوحدونني، ولا يؤمنون برسالتي، ولا يحكمون شرعي وديني، ولا ينهجون منهجي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٢].
والمثال قريب: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٣]، في يوم الفرقان يوم التقى الجمعان -الكفر والإيمان- في معركة بدر، والمؤمنون قلة، والكفار كثرة، أنزل الله نصره على الذين آمنوا، وأمدهم بألوف من الملائكة تنزل فوجاً بعد فوج، فيثبت بهم قلوب الذين آمنوا، ونصرهم على أعدائهم.
((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)) هؤلاء أعداء لله، وهؤلاء قد يصولون ويجولون، وقد يقتلون المؤمنين، بل وقد يقتلون الأنبياء، وتلك معركة ينال الكفار منا فيسقط من يسقط شهيداً، وننال منهم فننال العزة والنصر، ولكن أين مصيرهم؟ غضب الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:٢١]، ليس المؤمنون فقط هم الذين يقتلون، بل الأنبياء أيضاً قد يقتلون، ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران:٢١] أي: يأمرون بالعدل، وتنفيذ حكم الله وشرع الله.
فلا تظنوا الذين يسقطون الآن لأنهم يطالبون بحكم الله أنهم ظالمون، كلا، رب العزة يقول في هؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال التي تسميها الدول خيانة عظمى، وهي كذلك في ميزان الله، ولكنهم يخونون الله ﵎: ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢].
ثم قال بعد ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٢٣]، أي: بقية اليهود والنصارى الذين عندهم بقية من كتاب ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:٢٣]، وإلى منهج الله ودين الله فيقفون في صف الأعداء، وكان الأحرى بهم أن يقفوا في صف خاتم الرسل الذي جاء امتداداً لموسى وعيسى ﵉.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:٢٣]، حجتهم إنما هي ترهات، وأباطيل، وكذب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٥]، بمقدار ما يعظم ربنا في صدورنا، وبمقدار ما نؤمن بقدرته وعظمته وقيوميته وحياته، وبمقدار ما نتوكل عليه، ونعتمد عليه، ونعلم أنه يفعل ما يشاء، ويقدر على ما يشاء، بمقدار ما نستطيع من تحقيق هذه الأمانة، وتفجيرها في واقع الحياة، وجعلها هي السائدة في الوجود.
стр. 4
ملك الله يؤتيه من يشاء
والله ﵎ يبين لنا شيئاً من قدرته، وشيئاً من عظمته؛ لنعيش في الأرض وقلوبنا معلقة بخالق الوجود، ورب الأرض والسماء، لا بأمريكا، ولا بريطانيا، ولا فرنسا، ولا مجلس الأمن، ولا أي قوة في الأرض ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، ذلك ربنا، وإلهنا، وسيدنا، وواضع منهجنا وطريقنا، فمن له حاكم كحاكمنا؟ ومن له سيد كسيدنا؟ إذا لجأ الناس إلى قوى الأرض، ولجأ المؤمنون إلى ربهم، فإنه يزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، ويخسف بهم من السماء، ويزيلهم من الأرض؛ لأنه قادر على ذلك كله، وقد فعل بأسلافنا من قبل مثل هذا، فأعزهم ونصرهم، ودانت لهم الدول، وكان ذلك واقعاً حياً مشهوداً.
((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ))، لا يظن الناس أنهم يحصلون الملك بمشيئتهم، فالله ﵎ هو الذي يؤتي الملك، وهو الذي ينزع الملك؛ أمة مقهورة يصبح جنابها عالياً، كانت لا ذكر لها في التاريخ، ولا يؤبه لها، ثم آتاها الملك، ثم ينزع الله الملك بعد أن تعلو وترتفع ويصبح لها سلطان كبير، ويزيل الله ﵎ ملكها: ((وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ)).
وكم حكى لنا التاريخ عن أقوام عزوا وبزوا، ثم ذلوا وهانوا، والله ﵎ هو المعز وهو المذل: ((َتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) هذا فعله في البشر، وهو الذي يفعل في الكون ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧].
فإذا التجأ الناس إلى الله، وأقاموا حياتهم على منهجه، فالله ﵎ يؤتيهم الملك ويعزهم، ويذل أعداءهم، وينزع منهم الملك، فالله ﵎ هو الحاكم في كونه، والحاكم في خلقه ﵎، وعندما نفقه كتاب الله يضعنا كتاب الله في الإطار الصحيح، ويقيمنا على المسار الصحيح، فيبني نفوسنا وعقولنا، ويهذب طباعنا، ويصحح سلوكنا، ويصبح الإسلام منهجاً لحياتنا؛ فنعرف طعم الحياة في ظلال الإسلام على منهج الله ﵎.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5
أسباب الانحراف عن الاستقامة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
إن من أعظم ما يحرف مسار الفرد بل مسار البشرية عن الاستقامة على منهج الله ﵎ هو ما ركب في الإنسان وفي البشر من شهوات، ينحرف الإنسان إذا ما استولت الشهوات على نفسه، أو عندما يقوم شياطين الإنس والجن ليوقعوا البشرية في حمأة الرذيلة والفسق والفساد، وإن أعظم سلاح يواجه به أعداء الإسلام المسلمين أن يحطموا عقائدهم وأخلاقهم بأن يجعلوهم يرتعون في الشهوات.
في حروب صلاح الدين عندما رأى الصليبيون الجدار الصلب الذي يملكه صلاح الدين من القوة التي بناها الإسلام، وغذاها الإيمان أرادوا أن يحطموا ذلك، فجاءوا بمئات من فتياتهم ووضعوهن في معسكرات قرب معسكرات المسلمين؛ ليحطموا الأخلاق، ويحطموا الرجال؛ فتهتز العقيدة، ويهتز الإيمان، فتتبدل الغاية، وعند ذلك يسهل عليهم أن يقتنصوا المسلمين، ولكن صلاح الدين علم بالمؤامرة واحتاط لها، وهي الفعلة نفسها التي يفعلها أعداؤنا بنا في هذه الأيام لتحطيم الشخصية الإسلامية، والعقيدة الإسلامية، والخلق الإسلامي.
زينوا للمرأة أن تخرج من بيتها متكشفة ومتهتكة، ومتبرجة، وأرسلوا فتياتهم إلينا على وصف أبلغ من هذا، فذهب شبابنا إلى ديارهم التي يسودها جو من الإباحية النتن القذر، كل ذلك ليغرقونا في حمأة الرذيلة، والإنسان مزين في نفسه حب الشهوات، والإسلام يريد من أتباعه أن يرتفعوا فوق هذا المستوى، وأن يستقيموا على منهج الله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]، هذا هو متاع الدنيا: أموال، زروع، قصور، مراكب فارهة، هذا متاع الحياة الدنيا.
ثم يعرض الله ﵎ صورة أخرى لا للمتاع، ولكن لنعيم الآخرة، وهو لا يسمى متاعاً، فإن ما في الدنيا من زينة يسمى متاعاً؛ لأنه يتمتع به ثم يزول ولا يبقى، أما نعيم الآخرة فلا يتوقف ولا ينتهي، ولا يتلاشى قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥]، هذا هو نعيم الآخرة في جانب متاع الدنيا العارض الزائل الذي لا يدوم، وهو شيء تافه يسير بالنسبة لنعيم الآخرة، وليس معنى ذلك أن الإسلام يقول لك: انزع الشهوات من قلبك وعش راهباً.
فالإسلام جاء بمحاربة الرهبانية، لكنه وضع ضوابط للشهوات، أحل الزواج وحرم الزنا، وحرم اللواط، ووضع حدوداً للزواج، فيحل أن يتزوج الرجل من امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع فلا يزيد، ولا يحل له أن يتزوج من كافرة، فقد وضع الإسلام منهجاً فلا تتعد منهج الله، ولا تحرم ما أحل الله.
وكذا المال شرع لك الطرق التي تمكنك من أن تستفيده منها، وحرم عليك أن تأخذ المال من طريق الربا، وأن تأخذه من طريق الرشوة، وأكل مال اليتيم، وأكل مال الناس بالباطل، وحرم عليك الإسراف، وأمرك بالاعتدال؛ فالله لم يحرم علينا هذه الزينة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، لكن الإغراق فيها، وأخذها من حيث لا تحل، ونسيان أنك عبد لله ﵎ هذا هو المرفوض في دين الله وفي منهج الله.
فإذا ما استقام المسلمون عرفوا حقيقة الحياة، وكيف يأخذونها، وكيف يكونون في هذه الحياة، وكيف يسيرون بمنهج الله ﵎؛ عند ذلك يستقيم أمرهم، ولا يجد أعداؤهم طريقاً إلى أنفسهم، فيكونون أولياء لله، وأولياء للإسلام، وأولياء للمؤمنين، يقيمون أنفسهم بهذا المنهج، ويستقيمون على هذا المنهج؛ فيعزهم الله ﵎ بالإسلام، ويعز الإسلام بهم، وتعود المسيرة الإسلامية التي اضطربت في أيامنا الأخيرة اضطراباً شديداً في مواجهة أعداء الإسلام؛ فذل المسلمون وهانوا، فليعودوا مرة أخرى إلى الاستقامة على الطريق، ونسأل الله ﵎ أن يكون ذلك قريباً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا وألهمنا رشدنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
стр. 6
عالم الجن
إن عالم الجن من العوالم الغيبية التي يحب على المؤمن الإيمان بوجودها، وقد جاء القرآن والسنة بذكر الجن، وأن منهم الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وهم يأكلون ويشربون، غير أن لهم صفات تخصهم عن غيرهم، وهم في الغالب أعداء لبني البشر وعداوتهم مستمرة إلى يوم القيامة.
стр. 7
تعريف عالم الجن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فحديثنا اليوم عن عالم الجن، وعلماء العقائد يلحقون الحديث عن الجن ببحث الملائكة، لأن هناك نوعاً من الشبه بين البحثين، وحتى يتميز الملائكة وهم عالم غيبي عن عالم الجن.
إن الحديث عن الجن أمر مقرر لا بد منه؛ لأن الله أخبرنا بذلك والرسول ﷺ أخبرنا بذلك، فهو جزء من الغيب الحقيقي الذي يجب أن نؤمن به، فنحن مطالبون بأن نؤمن بالغيب لكن ليس غيب الخرافة والدجل، إنما الغيب الذي أخبرنا به الله : كالجنة، والنار، واليوم الآخر، والملائكة، ومن جملة ذلك عالم الجن.
ومما يوجب معرفة هذا العالم أن خفاءه وعدم معرفة الناس به معرفة حقيقية يوقع الناس في كثير من اللبس والخرافات والانحرافات التصورية والعقائدية كما سيتبين معنا في أثناء هذه الدراسة، وهذه الدراسة عن الجن تعتبر دراسة موسعة أرجو أن يكون من ورائها الخير إن شاء الله.
والجن عالم من العوالم التي خلقها الله ، وهي مدركة عاقلة كالبشر، والعوالم العاقلة التي أخبرنا الله بها ثلاث: البشر، والملائكة، والجن، وقد سموا جناً لاجتنانهم؛ وهو الاستتار، فنحن لا نراهم كما قال الله : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقد علمنا أن البشر خلقوا من طين، والملائكة من نور، أما الجن فقد خلقوا من نار.
والملائكة لم يخبرنا الله في القرآن أنهم خلقوا من نور إنما أخبرنا النبي في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم، أما الجن فقد جاءت نصوص كثيرة تبين المادة التي خلقوا منها، فقد قال جل وعلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، ومارج النار هو طرف اللهب، وبعض العلماء يقولون: مارج من نار، أي: من أحسن اللهب وأصفاه، ولكن الحقيقة أن (مارج من نار) هو اللهب المختلط بسواد النار كما فسره النووي ﵀.
стр. 8
أسماء الجن وأصنافهم
يطلق الناس -منذ القدم- على الجن أسماء مختلفة وهي في الحقيقة واحدة، فيقولون: الجن، وقد يكون هذا الجني من الذين يسكنون مع الناس في بيوتهم، فيسمونهم عماراً، فإذا كان يتعرض للأولاد والصبيان فإنهم يسموه أرواحاً، فإذا كان خبيثاً سيئاً يسمونه شيطاناً، فإذا كان هذا الشيطان عاتياً متمرداً فإنهم يسمونه عفريتاً، وكلها أسماء متقاربة.
هذه مراتب الجن من حيث أسمائهم، أما من حيث خلقهم فقد صنفهم الرسول ﷺ إلى ثلاثة أصناف، يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون) أي أنهم قبائل وعشائر.
стр. 9
مراتب الجن في الصلاح والفساد
للجن مراتب في الصلاح وفي الفساد، فمنهم المستقيمون الصالحون الطيبون، ومنهم الكفرة المجرمون، ومنهم العصاة المذنبون، كما أخبرنا الله حكاية عن الجن الذين استمعوا للرسول ﷺ : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١] أي: جماعات ومذاهب ونحل مختلفة وفي آية أخرى يقولون: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥] فمنهم المسلمون ومنهم الكفار.
стр. 10
حكم من أنكر الجن
لا يجوز بحال من الأحوال أن ينكر مسلم عاقل الجن ثم يدعي الإسلام؛ لأنه ليس هناك مجال لإنكارهم بحال من الأحوال، والمشركون وكثير من الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالإسلام بل حتى من نسميهم فلاسفة الإسلام يقولون: إن الجن المراد بهم: أرواح، وبعض العقلانيين من الفلاسفة المسلمين وبعضهم من المحدثين يقولون: المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواه، كما أنهم يقولون: إن المراد بالملائكة النوازع الخيرة الموجودة في النفس الإنسانية، ومن الغريب أن بعض الناس أيضاً يقول: الجن هم ما كشف عنه العلم الحديث من الميكروبات والجراثيم، فالجن الذين كلفهم الله بعبادته وأمرهم ونهاهم المراد بهم الميكروبات والجراثيم الموجودة في جسم الإنسان أو في بعض المخلوقات على زعمهم ومن المحدثين الدكتور محمد عبده في تفسيره لسورة النور يرى أن المراد بالجن الملائكة، فليس هناك عالم اسمه عالم الجن مخالف لعالم الملائكة، فالجن هم الملائكة على حد زعمه.
ومنهم من يلحق البشر الذين يتسترون بأفكارهم ومعتقداتهم كالمنافقين بعالم الجن، وهذا خطأ، ومن تأمل في آيات القرآن وحديث الرسول ﷺ علم أن الجن خلق آخر غير الملائكة وغير البشر.
стр. 11
الأدلة على وجود الجن
الأدلة على وجود عالم الجن بهذه الصفات التي تحدثنا عنها سابقاً كثيرة منها: أن هذا أمر قد أجمعت عليه الأمم، يقول ابن تيمية: ولم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا بأن الله أرسل محمداً ﷺ إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن يعني: أن غالبية الكفار يثبتون الجن، وقد يثبتونهم باسم الجن أو باسم آخر، وفي عصرنا يكاد الناس في العالم الكافر المادي يؤمنون بوجود أرواح ويسمونهم بالأطباق الطائرة، ولهم تسميات مختلفة، لكن الجميع يؤمن بوجود عالم آخر غير منظور من غير البشر موجود.
وأهل الكتاب اليهود والنصارى يقرون بهم كإقرار المسلمين، وقد يوجد طوائف من اليهود والنصارى ينكرونهم كما وجد طوائف من المسلمين ينكرونهم، لكن الغالبية العظمى يقرون بهم ولا ينكرونهم؛ لأن الأنبياء والرسل جميعاً أجمعوا على هذا، وأخبروا بوجود عالم آخر غير عالم الإنس وغير عالم الملائكة يسمى عالم الجن، فالذين عندهم بقية من دين الأنبياء والرسل بل وغيرهم ممن تأثروا بهم وبما عندهم يقرون بوجود عالم الجن.
وبالنسبة للمسلمين فقد وردت نصوص قرآنية كثيرة تثبت وجود الجن منها: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، وستأتي جملة من هذه النصوص في أثناء البحث.
ومنها: أن كثيراً من الناس استطاع أن يلتقي بالجن بطريقة ما، فهم ليسوا مثل الملائكة قلما يراهم الناس، ففي كل عصر من العصور هناك عشرات من الناس رأوا الجن، ومئات من الناس الثقات يروي لك أنه قد حصل لقاء بينه وبين الجن بصورة ما، كأن يتشكلوا أو يكون بينه وبينهم حديثاً، وإما أن تحدث أشياء قد نراها غريبة وعجيبة تدل على أن هناك عالماً آخر غير منظور.
ومما يرد على الذين قالوا: أن عالم الجن هم عالم الملائكة اختلاف الأصل، فالملائكة خلقوا من نور، والجن خلقوا من نار بنص القرآن وبنص حديث الرسول ﷺ .
стр. 12
الغاية من خلق الجن
الجان خلقوا قبل الإنسان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٦ - ٢٧]، وبعض العلماء يقولون: خلقوا قبل الإنسان بألفي عام، وهذا لا دليل يدل عليه.
وقد خلقوا بنص القرآن لعبادة الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهم مخلوقون لطاعة الله يأمرهم وينهاهم ويكلفهم بأمور اعتقادية وعملية.
والدليل على أنهم مكلفون بهذه المهمة: أن الله سيسألهم ويحاسبهم يوم القيامة، ويقول لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠].
стр. 13
مصير الجن في الآخرة
الجن يوم القيامة معذبون ومنعمون يدخلون الجنة ويدخلون النار، فمؤمنهم يدخل الجنة وكافرهم يدخل النار؛ بدليل قول الله : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، وهذا نص صريح بأنهم مكلفون؛ لأنهم معذبون، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩].
وكفار الجن يدخلون جهنم بإجماع علماء السنة، ولم يخالف أحد في ذلك، وخالف بعض العلماء بالنسبة لدخولهم الجنة، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف؛ لأن الله قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧] والخطاب للجن والإنس.
يقول ابن مفلح وهو من علماء الحنابلة: الجن مكلفون في الجملة إجماعاً -بدون خلاف-، ويدخل كافرهم النار إجماعاً، ويدخل مؤمنهم الجنة وفاقاً لـ مالك والشافعي، فالحنابلة والشافعي والإمام مالك يقولون: مؤمنو الجن يدخلون الجنة، وبعض العلماء يقولون: إن المؤمن من الجن يصير تراباً كالبهيمة بعد الحساب، وثواب مؤمنهم هو النجاة من النار، وهذا قول أبي حنيفة والليث بن سعد وغيرهما.
قال: والظاهر أنهم في الجنة كغيرهم بقدر ثوابهم خلافاً لمن قال: لا يأكلون ولا يشربون، لأن بعضهم قال: يدخلون الجنة لكن لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قول مجاهد، وبعضهم قال: إنهم في ربض الجنة أي حول الجنة، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، والصحيح أن الجن والإنس منهم المعذبون ومنهم المنعمون، فالمعذبون يدخلون جهنم، والمنعمون يدخلون الجنة.
لكن هل التكاليف الموكلة إلى الجن ونفس التكاليف الموكلة للإنس؟ لا، كلهم مكلف، لكن ليس بنفس الأشياء، وليس بنفس الصفات؛ لأن لهم خلقة تختلف عن خلقتنا، فتكاليفهم بحسب خلقتهم.
يقول ابن تيمية: الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساوياً لما على الإنس في الحد، لكنهم يشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم.
إذاً: الجن يشاركون الإنس في التكاليف، لكن ليس بنفس التكاليف وبنفس الصفة التي كلفنا بها، وبعض الزنادقة الذين لا يخافون الله يوردون شبهة فيقولون: كيف يعذب الجن في النار وهم من النار؟ يلبسون بهذا على بعض الناس الذين لا علم عندهم.
و
الجواب
أن الجن خلقوا من النار ولكنهم فيما بعد أصبحوا خلقاً آخر ليس هو النار، وإنما مخالف للنار تماماً، كالبشر فهم مخلوقون من طين ثم فيما بعد أصبحوا بشراً، فالإنسان ليس هو الطين، فأصله من الطين لكنه مغاير الآن للطين بحيث لو أخذنا لبنة من الطين وضربنا بها رأس إنسان فإنها قد تقتله، ولو حفرنا حفرة لإنسان ودفناه في التراب فإنه يموت، ولا يقول أحد: إن التراب لا يضره؛ لأنه مخلوق من تراب، كذلك الجن أصلهم من النار ولكن النار تؤذيهم كما أن البشر يؤذيهم التراب.
стр. 14
الرد على زعم الكفار أن بين الله والجن نسباً
ويزعم الكفار أن هناك نسب بين الجن وبين رب العزة وهذا من الخرافات العقائدية التي نشأت بسبب عدم معرفة الناس معرفة صحيحة بالجن، فمشركو العرب كانوا يزعمون أن الله تزوج من سروات الجن يعني: من الأسر ذات النسب العريق في الجن، وكان ثمرة هذا الزواج الملائكة، قال الله في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨] أي: بين الله وبين الجن نسب ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٥٨ - ١٦٠] يقول مجاهد وهو من أئمة تفسير الأثر: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى الله عما يقولون، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهم؟ أي: الملائكة؟ قالوا: بنات سروات الجن.
يعني: أمهات الملائكة بنات سروات الجن.
стр. 15
كيفية تبليغ الله للجن تشريعه ووحيه
كيف يبلغ الله الجن وحيه وتشريعه؟ وهل لهم رسل منهم أم أن رسلهم من البشر؟ علماء السنة لهم قولان في هذه المسألة، وبالإجماع أن الجن لهم رسل بدليل قول الله : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وهذه الآية لا يستطيع أحد الطرفين أن يقول: هي نص له أو هي حجة قاطعة معه؛ لأنها محتملة، فقوله: (ورسل منكم) قيل: أي: رسل من الجن ورسل من الإنس، والطرف الآخر يقول: إذا كان للجن رسل من الإنس فقد سبق أن لهم رسلاً منهم، فالآية محتملة وليست محكمة في هذه القضية.
وابن الجوزي وابن حزم يقولان: ليس للجن رسل من البشر إلا رسول واحد هو محمد ﷺ ، وقد أجمع علماء السنة أن محمداً ﷺ رسول إلى الجن والإنس، أما أن للجن رسلاً من الإنس فهذا هو قول غالبية العلماء من الصحابة ومن بعدهم.
ومما يرجح أن رسل الجن من الإنس قول الله حكاية عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] فهم يحكون عما سمعوا من القرآن وقد كانوا يعرفون كتاب موسى، فهذا يستأنس به أن رسلهم من الإنس.
وهذه المسألة لا يبنى عليها قضايا خطيرة في الدين؛ ولذلك لا ينبغي العناية ببحثها كثيراً.
стр. 16
إجماع المسلمين على رسالة محمد للجن والإنس
النبي ﷺ بالإجماع أنه مرسل إلى الجن ومرسل إلى الإنس، يقول ابن تيمية: وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف أهل السنة والجماعة.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فهم يتحدون بالقرآن كما أن الإنس يتحدون بالقرآن، وكذلك قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢]، وقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢]، فهؤلاء الجن سمعوا القرآن وآمنوا به ثم ذهبوا يبشرون قومهم وينذرونهم، وهذا يدل على أنهم ملزمون بذلك.
стр. 17
لقاء النبي بالجن
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: (انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ -وهذا قبل الهجرة- وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، -أي: زادت حراسة السماء وكثر رمي الشياطين بالشهب- وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة، -أي: أنه كان من نصيب مجموعة منهم أن تأتي إلى المكان الذي كان الرسول ﷺ فيه- يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فذلك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:١ - ٢] وأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]).
فهذه بداية معرفة الجن بالرسول ﷺ وخبره، ثم بعد أن تسامع الجن وعرفوا بأن هناك نبياً قد أرسل جاءت وفود الجن إلى الرسول ﷺ يتعلمون منه الهدى والإيمان وشريعة الله .
وقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أنه سأله أحد أصحابه فقال: (هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ - علقمة يسأل ابن مسعود - فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل أو استطير! قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان وجه الصبح أو قال: في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: إنه أتاني داعي الجن - أي: جاء واحد موكل من الجن إلى بيته وقال: يا رسول الله! وفود الجن في مكان كذا تنتظرك لكي يتعلموا منك- فأتيتهم فقرأت عليهم، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم) وفي رواية عند الطبري عن ابن مسعود: (بت الليلة أقرأ على الجن واقفاً بالحجون) والحجون مكان معروف بمكة.
ومما قرأه عليهم ﷺ سورة الرحمن، يقول ﷺ : (لقد قرأتها -يعني سورة الرحمن على الجن- ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:١٣] قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد) رواه البزار والحاكم وابن جرير بإسناد صحيح.
ولم تكن هذه الليلة هي الليلة الوحيدة التي قابل الرسول ﷺ فيها وفود الجن ومن أحب المزيد فليرجع إلى تفسير ابن كثير لسورة الأحقاف، فقد ساق الروايات التي تتحدث عن مقابلة الرسول ﷺ لوفود الجن، ومنها الحديث الذي يخبر الرسول ﷺ فيه أنه جاءه وفد من الجن فمدحهم وقال: (نعم الجن) وتوجد أحاديث كثيرة جداً ساقها ابن كثير في ذلك الموضع.
وابن عباس يرى أن الرسول ﷺ لم يقابل وفود الجن، وهذه من الحجج التي اعتمد عليها الدكتور محمد عبده، يقول ابن عباس: إن الرسول لم يقابل الجن مع أن ابن عباس لا ينكر الجن، ولا ينكر أنهم استمعوا للرسول، ولكن ينكر أن الرسول ﷺ قابلهم، والقاعدة عند علماء السنة: من حفظ حجة على من لم يحفظ.
وابن مسعود ليس في الحفظ بأقل رتبة من ابن عباس بل هو في حفظ الأحاديث مقدم على ابن عباس؛ لأنه صحب الرسول ﷺ وابن عباس صغير.
وابن مسعود صحب الرسول ﷺ في إحدى الليالي فهو يحدث عن رؤيا ومشاهدة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن الرسول ﷺ أخذهم وعبد الله بن مسعود معهم وأراهم مكان آثارهم ومكان نيرانهم.
ومن الروايات التي يستحسن أن تذكر هنا: أن أهل الجاهلية كان هذا مقرراً عندهم، ومما له صلة بالموضوع أن أحد الصحابة واسمه سواد بن قارب كان كاهناً في الجاهلية، فمر سواد بـ عمر بن الخطاب ﵁ أيام خلافته، فدعاه عمر وسأله عن أعجب ما جاءته به جنيته -أي: عندما كان كاهناً في الجاهيلة -قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني -يعني: الجنية- أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
ألم تر الجن وإبلاسها، يعني: أن بعثة الرسول ﷺ أحدثت حيرة عندهم، وأصبح عندهم يأس وضعف ومسكنة، حتى هامت على وجوهها في البوادي.
قال عمر: صدقت، ثم يقول: بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه -يبدو أن هذا الجني كان مؤمناً، يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم، فقلت: لا أبرح حتى أعلم علم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
هذه الرواية في الصحيح، والصحيح أن القصة كلها عن سواد بن قارب، وبعض المحدثين يجعل الرواية الثانية عن عمر بن الخطاب ﵁ وابن كثير حقق المسألة وقال: الصحيح أنها كلها عن سواد بن قارب.
стр. 18
طريق معرفة الجن
ليس هناك من سبيل هو أقوم وأقوى في معرفة الجن من دراسة الكتاب والسنة، وأخذ المعلومات الموجودة في الكتاب والسنة عن الجن، وبعض الناس يقولون: لا ينبغي أن نبحث في قضايا الجن، فـ سيد ﵀ في الظلال أحياناً كان يقول: لا أحب أن أتعمق في دراسة هذا البحث، وصحيح أنه لا يجوز أن نتعمق فيه بعقولنا، لكن لا مانع من دراسة النصوص التي تؤدي بنا إلى معرفة هذا العالم، فدراسة هذا الأمر بعقل مجرد خطأ، لكن جمع النصوص عنهم ودراستها أمر علمي سليم ليس فيه شيء.
فأول شيء النصوص، ثم المشاهدات وخاصة مشاهدات الثقات، وعلماء السنة الكبار لهم مشاهدات في هذا الأمر متواترة، كـ الأعمش ﵀ في رواية يقول ابن كثير عن إسنادها: سألت عن هذا الإسناد شيخنا الحافظ المزي فقال: هذا الإسناد صحيح إلى الأعمش، يعني: أن الرواية عن الأعمش سليمة صحيحة، يقول الأعمش: تروح إلينا جني-أي: جاء يزورني -فقلت لهم: ما أحب الطعام إليكم؟ قال: الأرز، قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحداً، فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا، أي: هل عندكم من هذه الفرق المختلفة مثل الرافضة والخوارج وما أشبه ذلك؟ قال: نعم، قلت: فما الرافضة فيكم؟ قالوا: شر.
ثم قال: وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن يحيى الدمشقي قال: سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي في الليل ينشد: قلوب براها الحب حتى تعلقت مذاهبها في كل غرب وشارق تهيم بحب الله والله ربها معلقة بالله دون الخلائق وكثير من الناس الذين نعرفهم يذكرون أشياء من هذا القبيل، فالجن لا نراهم ولكن هناك بعض الأحياء يرون الجن كما قال الرسول ﷺ : (إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنهم يرون ما لا ترون) فالديكة يرون الملائكة، والكلاب والحمير يرون الشياطين.
стр. 19
العلاقة بين الشيطان والجان
ما العلاقة بين الشيطان والجان؟ الصحيح أن الشيطان الذي حدثنا الله عنه من عالم الجن، ومجمل ما في القرآن عن الشيطان أنه كان في بداية أمره مخلوق صالح يعبد الله مع ملائكة السماء، ودخل الجنة وعصى ربه عندما أمره بالسجود لآدم، فرفض حسداً وكبراً، فطرده الله من رحمته.
والشيطان في لغة العرب يطلق على كل عاتٍ متمرد، وقد أطلق على هذا المخلوق لعتوه وتمرده على ربه، وأطلق الله عليه لفظ الطاغوت، قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء:٧٦]، فالشيطان طاغوت، وكل إنسان يدعو إلى هذه الدعوة طاغوت؛ لأنه أيضاً متمرد عاتٍ، لكن الطاغوت الأكبر الشرك.
ومن الطريف أن العقاد في كتابه إبليس يقول: إن من الأسماء الشائعة عند كل الأمم لفظ إبليس يعني أنه ليس عند المسلمين فقط بل هو معروف عند اليهود والنصارى وغالبية أمم الأرض فإنهم يطلقون على الشيطان إبليس، وسمي إبليس من البلس وهو اليأس؛ لأنه يئس من رحمة الله ، ويذكر بعض علماء السنة أن الشيطان كان قبل أن يكفر اسمه عزرائيل والله أعلم بمدى صحة هذا الكلام، فإنه لم يرد به حديث صحيح، وإنما هو كلام قد يكون مأخوذاً عن الإسرائيليات.
والشيطان مخلوق عاقل أي مدرك، وبعض الناس اليوم يفلسف الأمور ويقول: الشيطان هو روح الشر المتمثلة في غرائز الإنسان الحيوانية التي تصرفه إذا تمكنت من قلبه عن المثل الروحية.
وغير صحيح أن الشيطان يلعب بغرائز الإنسان، لكنه مخلوق عاقل مفكر واعٍ مفصح.
وبعض العلماء يرى أن الشيطان ليس من الجن، وإنما هو في الأصل من الملائكة ولكنه عصى الله فطرده الله ، وفي كثير من كتب التفسير أن الشيطان من الملائكة، لكن لم ترد نصوص صحيحة تصرح بهذا، ولكن نقل مثل هذا كثيراً جداً عن بعض علماء السنة، وابن كثير يذكر أن هذا الكلام الذي يقوله علماء السنة وغيرهم إنما هو من الإسرائيليات.
وأكبر حجة للذين يقولون بأن الشيطان من الملائكة قول الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فمن أساليب اللغة العربية أن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه، فتقول: جاء الرجال إلا زيداً، فزيد من جنس الرجال، هذه حجتهم، لكن هناك استثناء في اللغة العربية يسمى الاستثناء المنقطع، وهذا الصحيح فيه أنه استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو أن لا يكون المستثنى جزءاً من المستثنى منه كما تقول: جاء القوم إلا حماراً، فالحمار ليس من جنس القوم، وكذلك هنا فليس المراد أن الشيطان كان من جنس الملائكة؛ لأن الاستثناء منقطع، والدليل على هذا آية الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]، فقد نص على جنسيته وأنه ليس من الملائكة ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
والشيء الآخر: أن الشياطين والجن مخلوقون من نار بينما الملائكة من نور وهذا فارق آخر.
والذي حققه ابن تيمية في هذه المسألة أن الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته وشكله وليس منهم باعتبار أصله.
إن آدم أبو البشر فهل الشيطان أبو الجن؟
стр. 20
هل الشيطان أبو الجن ؟
هذه مسألة ليس فيها نص، فآدم أبو البشر كما هو منصوص عليه، أما أن الشيطان أصل الجن أو هو واحد من الجن ولهم أصل غيره فالله أعلم، وقول الله ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠] هذه الآية محتملة أن يكون واحداً من الجن أو أن يكون أصلهم، وابن تيمية يرى أنه أصل الجن كما أن آدم أصل البشر.
стр. 21
العداوة بين الإنس والشياطين
العداء الذي بيننا وبين الشيطان عداء مرير وطويل، ولا يمكن أن ينتهي إلا بانتهاء الحياة، فقد عزم على أن يعادي آدم وآدم لم تنفخ فيه الروح بعد، فإن الله عندما خلق آدم تركه ولم ينفخ فيه الروح فأخذ -كما الحديث الصحيح-: (يطيف به الشيطان ويقول: لئن سلطت علي لأعصينك، ولئن سلطت عليك لأهلكنك) فمن قبل أن يخلق الله آدم وهو يضمر له العداء وهذا الحديث في صحيح مسلم.
فعندما نفخ الله في آدم الروح وجد أعظم تكريم يمكن أن يعطى لبشر وهو سجود الملائكة، ولكن في مقابل هذا وجد عدواً بغير ذنب جناه، يعاديه من أول ثانية خلق فيها ألا وهو الشيطان، فقال الله له: هذا عدو لك يا آدم، ومن أول لحظة سأل الله جل وعلا الشيطان: لماذا لم تسجد؟ فقال: أنا خير منه، فقال الله: يا آدم اسكن الجنة ولكن هذا عدوك فاحذر أن يضلك.
وعندما طرد الله الشيطان من رحمته ومن جنته طلب من الله أن ينظره إلى يوم القيامة ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٧ - ٣٨]، وعند ذلك قطع على نفسه عهداً بأن يضل بني آدم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]، وقال له الله سبحانه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]، ثم حذرنا الله كما حذر آدم من الشيطان فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٩].
ومن الغريب أن علماء الأخلاق حتى من المسلمين وعلماء النفس يركزون جهودهم على عيوب النفس وشرور النفس وبلايا النفس ويتناسون الشيطان الذي يحرك الوساوس ويثير الغرائز الكامنة، فلا يوجد في القرآن تحذير من النفس، وإنما وجد في ذلك استعاذة الرسول ﷺ من شر النفس: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، أما الشيطان الخفي العدو اللدود الخبيث فخذ ما شئت من تحذيرات القرآن منه، ثم تجدون عناية كثير من العلماء بالنفس عناية فائقة جداً، فكم من عالم كبير في النفس ألف كتابين وثلاثة وأربعة وخمسة عن النفس، وقل من تحدث عن قضية مداخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ووسوسته وكيف نتخلص من وسوسته، بينما هو أخطر بمئات المرات من النفس الإنسانية، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة في هذا الجانب بحيث يكون المسلم عنده بصيرة في عدوه؛ لأن هذا العدو لا يريد أن يقطع رأسي فهذه مسألة سهلة، لكنه يريد أن يدخل الإنسان جهنم خالداً مخلداً، لا يرضى بدون هذا، فالمسألة ليست مسألة موت وحياة بل هي أخطر من ذلك؛ لأنها مسألة خلود في النار.
стр. 22
صورة الشيطان
أخبرنا الله عن الشيطان أنه قبيح الخلق والنصوص توحي بهذا، ولذلك شبه الله شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برءوس الشياطين فقال: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥] طلعها أي: ثمرها، وما شبهه بهذا التشبيه إلا لأنه في شكل قبيح، وقبح صورة الشيطان مغروسة في ذهن الإنسان، كما أن حسن صورة الملائكة مغروسة في أذهاننا.
ونحن نعرف أن النصارى لهم رسمة للشيطان، فهم يصورون الشيطان على هيئة رجل أسود، ذي لحية مدببة، وحواجب مرفوعة، وفم ينفث لهباً، وقرون، وأظلاف، وذيل، وهذه صورة تخيلها النصارى من قديم، ولا تزال مطبوعة في أذهانهم إلى اليوم، لكن هذا غير صحيح، فما أحد رأى الشيطان وإنما هو محاولة تقليد.
стр. 23
إثبات أن الجن يأكلون ويشربون
الجن والشياطين يأكلون ويشربون، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ أمره أن يأتيه بأحجار يستجمر بها بعد أن يقضي حاجته وقال له: لا تأتني بعظم ولا روث) وبعد أن انتهى الرسول ﷺ من حاجته سأله: (لماذا العظم يا رسول الله والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد المسلمين، ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاماً) فالرسول ﵊ نهى عن الاستجمار بهذا؛ لأنه إفساد لطعام الجن، فكيف بالذي يفسد طعام الإنس؟! ومهما يدل على أنهم يأكلون ويشربون أن الرسول ﷺ نهى عن الأكل بالشمال مخالفة للشيطان؛ لأنه يأكل بالشمال.
وقد قال الرسول ﷺ : (من أكل بشماله أكل معه الشيطان)، والذي يدخل بيته ويقول: باسم الله فإنه يحرم الشيطان من المبيت، وإذا قال عند الطعام باسم الله فإنه يحرم الشيطان من العشاء.
وطعام الجن المؤمنين ما ذكر عليه اسم الله من العظام، وطعام الجن الكفار ما لم يذكر اسم الله عليه، فإذا قلت: باسم الله فإن الشيطان يهرب، وإذا نسي الإنسان ولم يقل: باسم الله فإن الشيطان يأكل معه، ولذلك قال بعض العلماء: إن الميتة طعام الجن، وقد استنتج ابن القيم ﵀ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] أن المسكر شراب الشيطان، فهو يشرب من الشراب الذي عمله أولياؤه بأمره وشاركهم في عمله فيشاركهم في شربه وإثمه وعقوبته.
стр. 24
حقيقة التزاوج بين الجن وزواجهم من الإنس
يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، فنساء الجنة لم يطمثهن إنس ولا جن، ومما يلحق بالزواج قضية تحدث عنها العلماء وهي: هل يقع الزواج بين الإنس والجن؟ فـ السيوطي ﵀ يذكر أخباراً عن مجموعة من السلف أنهم حصل في زمانهم مثل هذا، وأنه وقع تناسل بين الإنس والجن، يقول ابن تيمية: وقد يتناكح الإنس والجن ويولد بينهما ولد، وهذا كثير.
لكن على فرض أن هذا ممكن أن يقع فالعلماء يكرهونه ولا يحبذونه، فالإمام مالك ﵀ يقول: لا يوجد دليل ينهى عن مناكحة الجن غير أني لا أستحبه، لأني أكره إذا وجدت امرأة حامل فقيل: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد، وبعضهم قالوا: إنه حرام لا يجوز؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل:٧٢]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، فلو وقع فقد يكون في التآلف بينهم صعوبة، والحقيقة أن هذا شذوذ، والشاذ لا يسأل عن هذا الحكم، وأحياناً يجبره الجن على هذا بدون اختياره وبدون إرادته.
فالمسألة لا تحتاج إلى حكم شرعي؛ لأن الذي يبتلى بهذا في غالب الأحيان لا يكون باختياره وإرادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
стр. 25
العوائق في طريق التغيير
إن حال العالم الإسلامي يمر في حالة ضعف وتدهور، حتى طمع فيه اليهود والنصارى؛ فكان لا بد من مسيرة جادة تعيد الحق إلى نصابه، وتعيد المسلمين إلى القيادة، وذلك بأن يتجنبوا الأخطاء والمزالق والعثرات التي تعيق المسيرة الإسلامية.
стр. 26
مأساة العالم الإسلامي
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة! عندما نلقي نظرة فيها شيء من العموم على ديار المسلمين وبلاد المسلمين نرى حالاً لا يسر.
منذ عهد ليس بالقريب ونحن نعاني من أمراض خطيرة، كان من نتائجها أن ضعف عالمنا الإسلامي وتمزق وتجزأ، وأصبحنا كما نرى في أيامنا هذه بلا راعٍ، وأمماً شتى مجزأة، حتى طمع فينا كلاب الأرض الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وكان لابد من مسيرة أخرى، تعيد الحق إلى نصابه والرمح إلى باريها، وتجعل المسلمين في القيادة مرة أخرى، كما جعلت من أوائل هذه الأمة ورعيلها الأول خير أمة أخرجت للناس، وقد بلغت بعض المسيرات في العالم العربي والإسلامي إلى مستوى جيد، وبعضها تعثر في أول الطريق، ولم تبلغ المسيرة كمالها وغايتها بعد، وكان لذلك أسباب، هذه الأسباب قد تكون مزالق، وقد تكون عوائق، وقد تكون عثرات، وأنا لست في موقف أريد به تجريح جماعة أو وضع اللوم على جماعة دون غيرها، إنما هي أخطاء تراءت لي من خلال النظر في مسيرتنا الإسلامية، أردت تبيينها، وإلقاء الضوء عليها، لعلنا نستطيع تجنب هذه المزالق وهذه الأخطاء، ونحن نجدد في المسيرة دائماً، ونريد بها أن تبلغ غايتها، وأن تبلغ القمة إن شاء الله.
стр. 27
أخطاء ومزالق التغيير
стр. 28
المزلق الأول: التعصب الأعمى للجماعات
فمن هذه الأخطاء أو هذه المزالق والعثرات التي في التغيير سواء كان في الفرد أو في الأسرة أو في الجماعة أو في الحكم والتطور، كل ذلك بنوع من الشمول.
هناك خطأ في بداية التغيير يقع فيه بعض الذين ينصبون أنفسهم دعاة إلى الله ، فإنهم لا يحسنون نقطة البداية، فيكون بناء نفس المدعو بناء خاطئاً، فعندما ندعو جماعة أو فرداً في جماعة إلى الإسلام، ينبغي أن ندعوهم من منطلق إسلامي يربط الفرد بخالقه .
فالإنسان عبد لله ينبغي له أن يسير إلى الله ، وأن يخضع حياته ونفسه له وفق منهج وضعه الله .
فالله الذي خلقه وأوجده وهو الذي أعطاه هذه النعم، هذه هي البداية التي تربطه بالله ، فلا يعبد فرداً أو جماعة من البشر، وإن وصل إلى درجة أن يرتبط فيها بجماعة ما عند ذلك يكون قد عمل عملاً طيباً، وإن لم يرتبط بجماعة أو لم يوفق بها، فسيبقى عبداً لله ، ولن يخرج عن دائرة الإسلام.
إن البداية التي تبدؤها بعض الجماعات بقولها: واقع الأمة واقع سيئ حقاً، والواقع السيئ يحتاج إلى تغيير، والتغيير لابد له من جماعة، والجماعة التي تستطيع التغيير هي الجماعة الفلانية، إذاً لابد أن تكون فرداً في هذه الجماعة، فهم من البداية يعبَّدون للجماعة.
فالبداية لا تكون بهذا الشكل، ولا بارتباط الإنسان بشيء آخر إلا بدعوة الرسل كلهم قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
وبعض الناس قد يستسهل هذا الأمر، ولكنه في حقيقته فيه نوع من الخطورة، فالذين ينتمون إلى تجمعات لا يحسنون نقطة البداية، يتناسون عند الصدمات وعند المصائب، ولا تفقدهم تجمعاتهم بل يفقدهم الإسلام.
стр. 29
المزلق الثاني: الاعتزال عن الناس
وهناك نوع آخر أشد بعداً من النوع الأول، وهو أنَّ بعض الناس يرون أنه لا يجوز أن ينتظم الناس في جماعة.
فيقولون: انتهى عصر الخلافة والإمامة، وليس للناس الآن إلا أن يعتزلوا في الكهوف وفي الغابات وتحت الأشجار، وعلى رءوس الجبال حتى يبعث الله المهدي، وعند ذلك يعود للمسلمين أمرهم وشأنهم.
فيجعلون الانتماء إلى أي جماعة ما جريمة من الجرائم، ويوردون الأدلة على أن هذا خراب، ويحتجون بحديث حذيفة ﵁: (كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير) إلى قوله ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليه قذفوه فيها.
قلت: فما تأمرني -يا رسول الله- إن أدركتهم؟ قال: إن كان للمسلمين جماعة وإمام فأنت معهم، وإلا اعتزل تلك الفرق كلها) فيقولون: كل هذه التجمعات الموجودة في الساحة التي تدعو إلى الله هي الفرق التي ينبغي أن يعتزلها المسلمون؛ لأنهم دعاة على أبواب جهنم.
وبعض الناس اعتزل الآخرين هرباً من حياته أو من وظيفته أو من تدريسه أو من تعيينه، وذهب إلى الكهوف بعيداً عن الناس، ليكف عنهم خيره وشره، ويأكل مما تخرجه الأرض، ويشرب من مائها.
فهذا مزلق من المزالق الخطيرة سببه سوء الفهم لما تضمنته نصوص الآيات والأحاديث، فالله لم يرد منا أن نعتزل الناس إلا عندما يكون أمامنا دعاة على أبواب جهنم، أما إذا كنا لا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي بعض، ونتعاون على البر والتقوى، ونعيد المسيرة الإسلامية مرة أخرى كما فعل الرسول ﷺ ، عندما بدأ الإسلام غريباً فتجمع عليه أهله، ثم تصارعوا مع الباطل فصرعوه، فذلك واجب لابد منه.
стр. 30
المزلق الثالث: التغيير بمنهج منحرف
التغيير لابد أن يكون بمنهج الإسلام، أما إذا كان بمنهج غير إسلامي فهو عبارة عن نقل الناس من باطل إلى باطل، ومن شر إلى شر، فنحن نريد المنهج الذي يريده الله ، فإذا كان منهجاً لا يريده الله ، فليس فيه فائدة.
وقد وقع تغيير في عالمنا الإسلامي في هذا القرن قبل سنوات في إيران، فهل هذا هو منهج التغيير الإسلامي الذي يرضى عنه الله؟ فلو بعث محمد بن عبد الله ﷺ وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ورأوا هذا التغيير فإنهم سيقولون: ليس هذا هو المنهج الذي نريد أن نغير به.
فالمنهج الذي يرفع البشر إلى مصاف الآلهة، والذي يمتلئ بالأحقاد على تاريخ هذه الأمة ويلعن أولها، والذي يفضل الطوائف المنحرفة على الطوائف الطيبة الخيرة، لا يمكن أن يكون هو المنهج المطلوب والسبيل.
إن التغيير بمنهج محرف وبعيد عن كتاب الله وسنة رسوله وعن الضوابط السليمة للإسلام، لا يمكن أن يكون تغييراً صواباً حقاً.
стр. 31
المزلق الرابع: المناقشة في المسلَّمات
ومن المزالق أيضاً المناقشة في المُسَلَّمَات: بأن تظهر جماعة وتناقش في مسلمة أصلية أو فرعية كانت مسلمة عبر التاريخ الإسلامي.
فالجماعة التي تقول لأفرادها: إن تقبيل المرأة الأجنبية ليس به بأس، تصبح بهذا الحكم مخالفة للأمة بأكملها من قبل ومن بعد.
إن وضع المرأة في المجتمع الإسلامي ألا تصل إلى مراكز الدولة، فلا تكون حاكمة للمسلمين خليفة أو نائبة عنه، ولا في مجلس الشورى، فهذه قضية مسلمة.
فمن يتبنى أن للمرأة أن تصل إلى أي مستوى في الدولة الإسلامية، فهذا طعن في المسلمات عبر القرون، وهذا مما لا نقاش فيه، ولا يحتاج إلى دليل؛ لأن الأمة الإسلامية كلها من عهد الرسول ﷺ وإلى الآن كانت متفقة على هذه الأمور ولم تناقش فيها، والمناقشة في هذه المسألة تجهيل للأمة، وفتح لباب مغلق لم يفتح من قبل، ومعنى ذلك أننا نحن الذين نفهم، ونحن على خير وبقية الأمة كانت جاهلة عبر تاريخها الطويل.
стр. 32
المزلق الخامس: تقديم كلام القائد أو الجماعة على النص الشرعي
إن جعل كلام الجماعة أو قائدها في درجة أعلى من النص الشرعي يعتبر قضية خطيرة ومزلقاً خطير.
فإذا قال الرسول ﷺ قولاً، والجماعة صدر عنها قول مخالف لقول النبي ﷺ ، فإن الناس لا يعلمون كل شيء، ولا يبينون ما جاء من عند الله من الذي جاء من عند البشر، فيكون قانوناً عندهم أنه كلما تبنته الجماعة ينبغي أن يؤخذ به ولا يترك منه شيء، فإذا ترك فرد من الأفراد منه جزئية فإنه يخرج عن الجماعة، ولا يصبح فرداً منها، فهذا أمر خطير.
مثال ذلك حديث عن الرسول ﷺ يخبر فيه أن كل مال أديت زكاته لا يسمى كنزاً، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] فمن تبنى العقل دون النص، فقال: المال الذي أديت زكاته يسمى كنزاً، فيواجه الأفراد بهذا، فلا يمكن أن تتغير آراؤهم وأقوالهم أبداً، لأنهم ملزمون بأن يتبعوا جميع ما قالته الجماعة، وما صدر عنها، والله ذم أقواماً قال في حقهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] أي: لم يسجدوا لهم، وإنما اتبعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
وفسر الرسول ﷺ ذلك لـ عدي بن حاتم عندما قال له: (يا رسول الله! ما عبدناهم.
قال: ألم يكونوا يحللون الحرام فتتبعوهم؟ ويحرمون الحلال فتتبعوهم؟ قال: نعم.
قال: فتلك عبادتهم).
فإذا كان الفرد أو القائد أو الرائد بشراً لا يحيط بالشريعة الإسلامية، ولا يتعمد مخالفتها، بل قد يخطئ أو ينسى، ثم نتبعه ونسير وراءه، ونعلم أن قول الرسول ﷺ يخالف قوله فالمسألة خطيرة، وعندما يجعل كلامه مبدأ عاماً، وأنه لا يجوز الخروج عن الجماعة في جزئية من الجزئيات، يصبح الناس كلهم قالباً واحداً أو قوالب متشابهة.
стр. 33
المزلق السادس: جعل القضايا الجزئية بمثابة الكلية والعكس
ومن المزالق أيضاً ما يسمى بالقضايا الجزئية والكلية، وهذا له جانبان: فبعض الناس يجعل القضايا الجزئية كأنها قضايا كلية، يشغل ليله ونهاره بها، ولا يفهم كليات الإسلام وهي: الأهم والمهم والأقل أهمية إنما يهتم بقضايا جزئية ويثيرها بين الأمة فتصبح هي مشكلات الحياة.
وبعض الناس في الجانب المقابل يعلم الجزئيات التي ينبغي أن يلتزم بها في حياته كمسلم في الصلاة والصوم وغيرهما، ثم يقول هذه أمور تافهة، فهذان خطآن في آن واحد.
والفصل في ذلك أن المسلم لابد أن يلتزم بهذه الأمور في خاصة نفسه، وفي صلاته وصومه وحجه وكذلك في سلوكه ومظهره، وما الإسلام إلا جزئيات، أما في واقع المسلمين فيقدم الأهم على المهم، فعندما يتحدث للناس ويبين لهم فإنه أولاً يهتم بالأصول فإذا ما استقرت في واقع الحياة، فعند ذلك يمكن أن يبني عليها في الفروع.
فإذا وجد إنسان لا يفهم العقيدة، فأنكر عليه لبس خاتم ذهب، وهو مشرك بالله .
أو وجد إنسان لا يصلي فأنكر عليه قضية اللحية، فهذان خطآن في طريقة التعامل مع القضايا الكلية.
ومن الأمور التي ينبغي أن يشار إليها أيضاً: العناية بالأفراد، أو ما نسميه بالعمل الفردي والعمل الجماعي، وللناس في ذلك اتجاهان: الاتجاه الأول: من الناس من يقول: لا فائدة من العمل الفردي، أي: تربية الناس فرداً فرداً، فلابد أولاً أن نسعى لإقامة الدولة الإسلامية بكل ما أوتينا من قوة، والأمور الأخرى كدعوة الناس، والعناية بهم، وتربية الأولاد الصغار وما أشبه ذلك، فهذه أمور سهلة ميسورة، عندما تتغير هذه الدنيا وتأتي الدولة الإسلامية.
والاتجاه الثاني: آخرون لا يفهم أصحابه إلا أفراداً يدعونهم إلى الله ، ولا ينظرون إلى ما وراء ذلك، والإسلام وسط بين هذين الأمرين، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فالرسول ﷺ بدأ فرداً ودعا أفراداً، والأفراد كونوا جماعة، والجماعة اعتنت بالأفراد على الرغم من كونها جماعة، في دعوته وفي تربيته؛ لأنه هو الذي سيشكل في جسم الأمة لبنة جديدة، وفي جسم الجماعة لبنة جديدة أخرى، فهذا هو الأمر الوسط بين هذا وبين ذاك، ولابد منهما في آن واحد.
стр. 34
المزلق السابع: مداهنة الحكام الظلمة في الدعوة
ومن الأمور التي تعد أيضاً من المزالق: تطويع دعوة الله للظلمة والطغاة باسم الإسلام، وباسم اللين في الدعوة وإحسان الدعوة، فلا يطوع العمل الإسلامي ولا الجماعات الإسلامية للطغاة والظلمة، فهذا مزلق خطير وقع فيه أناس يزعمون إحسان الدعوة، وأنهم يفهمونها حق فهمها.
إن دعوة الله تقوم على العبودية لله، ونبذ الطغاة والظالمين، وكثير من الناس أو بعضهم لا يريد أن تكون الدعوة شديدة صعبة، إنما يريدونها أن تكون لينة، فمواجهة الظالمين والطغاة أمر ليس بالسهل؛ لأنهم يملكون المال، والحكم، والرجال، ويقطعون الأعناق.
ثم يبرزون لهذا في أشكال مختلفة، منها: أننا نريد أن نصلح الحاكم فيصلح الناس، وأن الحكام قريبون من هذه الدعوة، فهذا وساوس الشيطان.
وقد أحسن بعض الناس الظن بالحكام في ديارهم، أنهم أخيار أبرار صالحون، ثم اكتشفوا بعد ذلك أنهم ضيعوا فترة ذهبية من تاريخ الدعوة إذ مدوا أيديهم إلى الحكام، وأن هؤلاء الحكام يتلاعبون بهم مرة بعد مرة، ومع ذلك فإن الدعوة هذه مستمرة.
فينبغي أن ييئس الناس من شيء اسمه حاكم في هذه الأيام، وأي وقت يقضيه الدعاة في إقناع غيرهم في أن هؤلاء الحكام يمكن أن يكون الإصلاح من طريقهم، فهم يؤخرون مسيرة الدعوة إلى الخلف.
فما رأينا في تاريخنا الحديث حاكماً يبشر بالخير في عالمنا الإسلامي والعربي أبداً، فكلهم وقفوا في وجه الدعوة الحقيقية، وعندما نقبل بأنصاف الحلول نرضى مسجداً من الحاكم، أو أن يطيل في إذاعة القرآن الكريم بعض البرامج الإسلامية، أو أن ينفق على بعض المشروعات الإسلامية، ثم نقول: هذه هي الدعوة، وهذا هو الإسلام بيننا وبين الحاكم.
وعندما نقول نريد حاكماً بالإسلام ولا نرضى إلا أن يحكم بالقرآن، عند ذلك يكشر لنا عن أنيابه، ويشهر سيوفه في وجوهنا.
وليس هناك من سبيل إلا أن يكون عمل وبناء، ثم مواجهة شئنا أم أبينا، قريباً أم بعيداً، لابد أن نفهم أن هذا هو الطريق، وأن حكامنا يمسكون بالكرسي، بل يقيدون أنفسهم به ولا يخرجون عنه إلا موتى، ولا ينتقل أحدهم منه إلا إلى القبر، لا يرضى أن يتركه فارغاً لغيره أبداً، مسلماً كان أو غير مسلم.
وقريب من هذا المزلق أن نصفهم بأنهم مسلمون ومؤمنون وحكام الإسلام، وبالتالي نصبغ عليهم ما كان يطلق على الحاكم المسلم من قبل، وبالتالي ليس هناك من فائدة للعمل الإسلامي والجماعي، فالناس بخير ما دام هؤلاء الحكام مسلمين، والمسألة إنما هي مسألة تغيير لشيء من الباطل.
إن قوماً نبذوا الشريعة الإسلامية، وألقوها وراء ظهورهم، وجاءوا بشريعة أخرى غير الإسلام تحكم الحياة، وحكموها في رقاب المسلمين وفي أعراضهم، ثم بعد ذلك يقال: إنهم مسلمون، ونتناسى كتاب ربنا الذي يحكم في هؤلاء الحكام فهذه قضية تحتاج إلى تفكير.
فلو قال قائل: أنا مسلم أصلِّي وأصوم، لكن التشريع الذي سأطبقه هو القانون الروماني، أو الشريعة اليهودية، فيعتبر كافراً، فلا تنفعه صلاته ولا صومه؛ لأنه طبق الشريعة اليهودية أو القانون الروماني، وكذلك الذي عزل الإسلام عن الحياة وجاء بشريعة مخلوطة من القوانين الرومانية والفرنسية القديمة والحديثة، ومن الإسلام وجزئياته فالقضية بينهما واحدة، لا تختلف إلا أن الأول كان صريحاً والآخر كان خبيثاً ماكراً.
فهذا مزلق ينبغي للمسلمين أن يتبينوا أمرهم فيه، ويعلموا حقيقة هؤلاء الحكام وموقفهم من الإسلام؛ لأن مواقفهم ستبنى على هذا الأساس.
стр. 35
علاج تمزق وحدة المسلمين
إن علاج التمزق الذي تعيشه الجماعات الإسلامية، وحدة إسلامية عامة، ومسيرة إسلامية واحدة، أما أن تبدأ المسيرة فيشتد إليها أناس يحبون الإسلام، فتتكاثر المسيرة وتُبنى، ثم يبرز رجل فيه خير وعنده فهم، ولكنه يخالف في بعض الآراء وبعض المفهومات، فإذا به يقيم جماعة جديدة، ينشأ فيها رجل آخر عنده شيء من الفهم يخالف من سبقه، فإذا به يعمل جماعة جديدة وتتوالى المسألة؛ فمتى يكون للمسلمين جماعة قوية تستطيع أن تواجه الباطل؟! إن الجماعة إذا حدث فيها تغيير، ينبغي أن يكون في داخلها هذا التغيير.
إن وحدة العمل الإسلامي، ينبغي أن يكون خطاً واضحاً، وأساساً من الأسس، ودعوة للناس كلهم، وإذا لم نستطع أن نوحد فعلينا أن نوقف التمزق، وألا يستمر المسلمون فيه إلى ما لا نهاية.
نحن نملك الدعوة، فلن نعادي الذين يخرجون منها شيئاً قليلاً، بل سنودهم ونحبهم، فلا نريد أن يستمر التمزق في العمل الإسلامي، فإنه مزلق خطير، وما مصيبة المسلمين في تاريخهم إلا الفرقة، فهي ليست خيراً لهم، بل هي شر لهم، فقد أذهبت قوتهم، وجعلت بأسهم بينهم، فلا تفرقة، خاصةً في الجماعة الواحدة التي فهمها متقارب، فلا تصنع التجزؤات أو التجمعات الجديدة مهما وجد من أخطاء، فالأخطاء لا يخلو منها أحد، وإلا صارت مبرراً لنشوء جماعات جديدة وهكذا.
стр. 36
الأسئلة
стр. 37
عقيدة الشيعة في أئمتهم
السؤال
ما هي عقيدة الشيعة في أئمتهم؟
الجواب
الشيعة يعتقدون في أئمتهم أنهم معصومون عن الخطأ، وكلامهم ككلام الرسول ﷺ ؛ لأنهم لا يخطئون ويقولون في علي بن أبي طالب ﵁ إنه هو خليفة المسلمين وإمامهم؛ لأنه هو الذي نص الله عليه، والصحابة رضوان الله عليهم الذين لم ينتخبوا علياً واختاروا أبا بكر، فلم يطبقوا وحي الله ، ويكونون في حكم الله قد خانوا الرسالة والأمانة، فرواية الصحابة التي هي أحاديث البخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم لا تقبل؛ لأنها جاءت من طريق الصحابة الذين خانوا الأمانة والرسالة حسب زعمهم.
ثم بما أنهم معصومون فلهم التشريع والتشريع عندنا انتهى بوفاة الرسول ﷺ ، أما عندهم فلقد استمر إلى سنة (٢٦٠هـ)، حين اختفى الإمام الثاني عشر، والحلال والحرام لا يؤخذ إلا من كلام أئمتهم.
ويؤصل الإمام الخميني للنظرية الجديدة في فقه الشيعة أن الحكام بعد الأئمة الأثني عشر إنما هم فقهاء الشيعة، والحكومة الإسلامية إنما هي محاضرات الخميني في النجف الأشرف على طلبة العلم هناك، في ولاية الفقيه الشيعي، فكان الشيعة يقولون: ما دام أن الإمام الثاني عشر قد غاب فلا نعمل شيئاً حتى يظهر، فقال لهم الفقيه الشيعي: الذي ينبغي هو إقامة الخلافة، وأدلته على ذلك: الرسالة التي جاءت من الإمام الغائب بعد غيابه.
وفيها أن نقباءه من بعده هم المؤهلون للحكم، فهذا دليل على أن كلام الإمام الغائب الذي اختفى دليل شرعي، فقد غلوا فيهم غلواً كبيراً حتى قال الإمام الخميني في أحد كتبه: لهم مقام لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وعند الشيعة باتفاق أن الأئمة الاثني عشر أفضل من الأنبياء والمرسلين إلا خمسة وهم أولو العزم من الرسل، والأكثر على أنهم أفضل من أولي العزم إلا محمداً ﷺ .
وهذا القول بالإجماع ولم يخالفه واحد منهم لا في القديم ولا في الحديث.
وفي كتاب الكافي للكليني الذي يعتبر من أصول فقه الشيعة ومن الكتب المعتمدة تمجيد عظيم لأئمتهم، ورفعهم فوق مرتبتهم، ويعتقدون أن الأئمة يعلمون ما في الغيب، أي: أن الأئمة يعلمون علم ما كان، وما يكون.
وينقل كثير من علمائهم أن القرآن فيه نقص، وأن عندهم مصحفاً ليس فيه من مصحفنا حرف واحد، فهذه القضية قضية عقائدية.
وعندما سئل ابن محسن الحكيم في مؤتمر في لندن: ما قولك في النصيرية؟ فقال: هم طائفة إسلامية، وكان موجوداً أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، والشيخ مصطفى مشهور، وممثل سوريا، ويقول: هم طائفة إسلامية، وهم من الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
إخواننا في سوريا يذبحون ويقتلون، بين إيران وسوريا ليس فيها خفاء، ثم يقال: النصيرية أقاموا دولة إسلامية، وأئمة الإسلام كلهم بلا استثناء يكفرون النصيرية، وهذا الرجل الذي سيكون حاكماً للعراق بعد سقوطها، فإنه سيمد يده إلى سوريا، واليد الأخرى إلى إيران لإقامة دولة الشيعة.
القضية ليست سهلة، الخلاف ليس خلافاً في الفروع كما بين الإمام أحمد، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، إنما الخلاف في الأصول.
عندما يذاع شريط كشك في إذاعة إيران، ويذكر عمر بن الخطاب فإنهم يبترون عبارة ﵁ لأنها ثقيلة على أسماعهم لا يريدون أن يترضوا عن عمر ﵁، ومع أن كشكاً يمدحهم في شريطه الذي لا يمر يوم أو يومين إلا ويذيعونه، مع أنه من أهل السنة، ولكنه تحمس وثار.
ويسبُّ في إذاعة إيران صباح مساء معاوية بن أبي سفيان باسمه، وإذا كنا قد نتساهل في أمر يزيد، فكيف في أمر معاوية بن أبي سفيان؟ وكتاب الحكومة الإسلامية للخميني لا يوجد فيه كلمة ترض واحدة عن أبي بكر وعمر.
بينما يترضى عن نصير الدين الطوسي الذي تمت على يده مذبحة بغداد بقيادة هولاكو، فهو الذي سلم له خليفة المسلمين ونساءه وأطفاله، وفتح له باب بغداد حتى كانت مذبحة بغداد سنة ستمائة وستة وخمسين.
ويقول لمخاطبيه: إذا زال الخميني لا يحدث شرخ في الإسلام، لكن إذا زال علي بن أبي طالب أو نصير الدين الطوسي فإنه سيحدث شرخ في الإسلام.
أهذه أيدي تستحق أن تغير أو تحكم بالإسلام؟ الذين يجعلون دينهم سب الصحابة رضوان الله عليهم، فالآن هم لا يسبون أبا بكر ولا عمر ولكن عندما يتمكنون سيسبونهما.
فلقد قالوا في عمر بن الخطاب ﵁، إنه كان به داء لا يشفيه إلا ماء الرجال.
فهل يمكن أن يكون بيننا وبينهم تقارب؟ إن التغيير بمنهج منحرف لا يمكن أن يكون أبداً، ونحن لم نرفع العداء، فالمسلمون سكتوا وصرخوا بأن هذا إسلام وهذا دين، وذهب زعماء المسلمين إلى هناك، ولكن لا فائدة، وعندما قامت القائمة بين أهل السنة وبين حافظ الأسد الذي ذبح المسلمين، وهتك أعراضهم، وقتل أبناءهم، ودمر سوريا، وسحق المسلمين هناك، وقفت إيران في جانب سوريا وسوريا في جانب إيران.
وعندما قام أخ سني سوداني في طهران يهاجم النصيرية في سوريا، فإنهم سفروه حالاً، فهذا دليل على أن الطائفة المنحرفة قد وضعت أيديها في يد كل حاقد على الإسلام، وأن تاريخها أسود كالظلام الشديد.
فالنصيريون مآسيهم في التاريخ الإسلامي كثيرة، فلقد حاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي عدة مرات.
وآخر مآسيهم عندما جاء الصليبيون الفرنسيون إلى سوريا، فقد وضعوا أيديهم في أيديهم، لأن حقدهم أشد من حقد اليهود، فناصروهم، وأمدوهم بالمال، وعندما احتاجوا إليهم أمدوهم بالسلاح وبالرجال.
وكذلك فإن ثمانية من كبار ضباط النصيرية الذين قتلوا في حرب إيران مع العراق حملتهم الطائرة من إيران إلى سوريا، ودفنوا في أماكن مختلفة يعيش فيها النصيرية.
فهذا دليل على التلاحم الذي بين النصيرية وبين الشيعة في طهران.
فليس في بلاد المسلمين حاكم يستحق أن يقال فيه: إنه يحكم بالإسلام.
стр. 38
حكم التهجم على الجماعات الإسلامية
السؤال
ما رأيك فيمن يتهجم على الجماعات الإسلامية، وخاصة من بعض القائمين على الدعوة؟
الجواب
إن التهجم على الجماعات الإسلامية -لاسيما الجماعات التي أبلت في الدعوة بلاء حسناً- لا يليق بالقائمين على الدعوة، والذي يتهجم على هذه الجماعة مخطئ والذي يجعل كلامه فوق كلام الرسول ﷺ لا ينبغي له ذلك، وإن كان من الفضلاء الطيبين.
وهناك فرق بين كونهم فضلاء وبين أن يقال لهم: أنتم مخطئون في القضية الفلانية؛ فالصحابة ﵁ الله عنهم كان يقف الواحد منهم أمام الخليفة ويقول له: أنت أخطأت في المسألة الفلانية، وكانوا يصلون وراءه، فما كانوا يتقاتلون ولا يتخاصمون.
فالرأي أو الفهم أو المبدأ الخاطئ ينبغي أن يبين.
стр. 39
الطريق إلى قيام الدولة الإسلامية
السؤال
ألا ترى أن مرحلة التربية الطويلة قد تبطئ بقيام الدولة الإسلامية؟
الجواب
لكن هل هناك طريق بديل؟ هل يمكن أن نأخذ أناساً لا يفهمون الإسلام، الإسلام لم يملأ نفوسهم وقلوبهم ثم يقيمون دولة الإسلام؟! فالطريق طويل ولكنه هو الطريق الوحيد.
стр. 40
أهمية النصح للجماعات الإسلامية التي فيها أخطاء في العقيدة
السؤال
يقول البعض: إن دعوة إحدى الجماعات فيها خلل في العقيدة، وخاصة قضية التوسل، وضرورة تنظيف العقيدة أولاً، فهل نقف مع مثل هذه الجماعات؟
الجواب
قال الإمام الشافعي ﵀: ليس هناك عالم إلا وخفيت عليه سنة عن رسول الله ﷺ .
فإذا كنت تعرف من أناس ما أن عندهم أخطاء، فانصحهم وبين لهم بالمودة والمحبة، وقل لهم: هذه أخطاء لا تجوز، والإسلام يقول: كذا وكذا، والصحابة فيما بينهم ما كان يخطئ بعضهم بعضاً وكانوا جماعة واحدة.
وينبغي ألا يمنعنا حبنا لإخواننا أو للجماعة الفلانية من البيان والنصح.
следующие страницы →